← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] هذا في المشركين كيف بالمسلمين العاصين، وكذلك قولُه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]. قال الزمخشري (١): معناه: لا ينهى عن مَبَّرةِ هؤلاء. وفي هذا ركون إلى الذين لم يُقاتِلُوا في الدين، وكذلك ما أسلفناه من جواز (٢) نكاحِ المرأةِ العاصية بغير الكُفر والزنى مع ما في ذلك من الركون العظيمِ إليها إذ هُو الميل، ولا يُوجد في الطباع ميلٌ أعْظَمُ مِن الميل إلى الزوجة، وأكثرُ النساء لا تكادُ تسلَمُ مِن هذا، ولو لم يكن إلا العصيانُ بالغيبة والنُّشُوزِ والكَذِبِ، والخروج من البيت بغير إذن، ونحو ذلك مما لا يخلو عنه النساء. وإذا (٣) تقرر هذا فالعمومُ المخصوصُ مختلف في الاحتجاج به إختلافاًً كثيراً، كما قد بيَّنّا، فكان يلزمُ السيدَ إبطال قولِ المخالف بالدليل القاطع. الإشكال السابع: أن الآيةَ مِن قبيل العموم ، والسيد ذكر أن المسألةَ قطعية، ومنع الخلافَ فيها، والعمومُ ليس من الأدلة القطعية التي يمتنع مخالفةُ من استدل بها. الإشكال الثامن: أن في العلماء من قال: العمومُ مشترك ، ولا يَحْصُلُ غرضُ السَّيِّد حتى يُبْطِل قولَ المخالف بدليل قاطع، لجواز أن يقول

стр. 632

الخصمُ: المرادُ بهذا العموم الخصوص لقرينة دلَّتْ على ذلك إما ما قدَّمنا مِن تخصيصه أو غيرِه، أو يقول: بأن بابَ الخصوص متحقّقٌ فيه، والعمومُ يحتاج إِلى قرينة وهي مفقودةٌ، فهذا محتمل، والاحتمال يمنعُ القطعَ. الإِشكال التاسعُ: إن ظاهرَ الآية متروكٌ بالإجماع ، لأنَّه لم يَقْصِدْ تحريم الركون إلى الذين ظلموا على ظاهره، لأن ظاهرَه يقتضي تحريمَ الركون إلى ذواتهم وأجسامهم، ومثال ذلك تحريمُ الأمهات، فإنه لما وُجَّهَ إلى الذواتِ، وجب تأويلُهُ، وكذا تحريمُ الميتة، لما وجه إلى ذاتها في ظاهرها وَجَبَ تأويلُهُ، وقد اختلف العلماءُ في ما ورد على هذه الصفة، فمنهم من قال: يكون مجملاً حتى يَرِدَ بيانه من القرآن أو السنة، ومنهم من قال غير ذلك كما هو مُبيَّنٌ في الأصول، فكان يجب على السَّيِّد إبطالُ القول بالإجمال في هذا الجنس بدليلٍ قاطع. الإشكال العاشر: سلمنا للسيدِ -أيَّده الله- أن القولَ بالإجمال في هذا ضعيف وفي أمثاله، لكن القول المنصور في الأصول أن التحريمَ ينصرِفُ إلى الأمير العُرفي السابق إلى الأفهام، وهو يختلِفُ، ففي تحريم الميتة يسبِقُ إِلى الفهم تحريمُ الأكل، وفي تحريم الأمَّهَاتِ يسبِقُ لنكاحُ لا النظر، وفي تحريم الأجنبيات يسبقُ النكاحُ والنظر ونحو ذلك، فنقول للسيد: لا يخلو إما أن يكونَ في تحريم الركون عُرْفٌ يَسبق إلى (١) الفهم كما في الميتة والأمهات أو لا، إن كان فيه عُرْفٌ لزم المصيرُ إليه، لكنا نعلم أنَّه لم يثْبت عُرْفٌ في أن الركونَ هو قبولُ قوْلِ المتأوِّل المظنون صِدقُه

стр. 633

وتديُّنُه، وإن لم يثبت عُرف، لم يكن له في الآية حُجَّةٌ علينا ظاهرة تحرم المخالفة، فكان الظاهرُ الإجمال، لأنا إن قدَّرْنا أن المضمر المحذوف شيء معين، كان تحكُّماً، وإن قدرنا جميعَ الأمور المحتملة، كان تقديرُ ذلك لا يجوزُ، لأن إضمارَ واحدٍ يكفي، والزيادةُ من غير ضرورة محرمة، واللفظُ لا يدل على العموم في تلك المضمرات، ولأنَّ القولَ بأن الله أراد كذا وكذا فيما لم يدُلَّ عليه اللفظُ ولا العقل، قولٌ على الله بغير علم ولا ظن، وذلك محرم إجماعاً مع ما وَرَدَ من تحريم التفسير بالرأي وسيأتي في آخر الكتاب. والقويُّ أنَّه لا عُرْف في لفظة الركون على انفرادها، لكنها إذا أُضِيفَتْ إلى صفةٍ مذمومة، وتعلَّق بها التحريمُ، كان المفهومُ في العرف أن التحريم يتعلق بتلك الصفة المذمومة، فيكون المعنى: ولا تركنوا إلى الذين ظَلمُوا في ظلمهم، كما أن المعنى في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] في إنابتهم، لا في مطاعمهم ومشارِبهم وسائرِ مباحاتهم، والعُرف شائع في نحوه، فإن سَلِمَ، بطلت الحُجَّةُ، وإن نُوزِعَ فيه، فالنزاعُ في ما عداه أشدُّ، والفهمُ لغيره أبعدُ، والله أعلم. وَيعْضُدُه ما ذكره الإمامُ محمد بن المطهّر بن يحيى أن الموالاةَ المجمع (١) على تحريمها إذا كانت لأجلِ الموالى عليه مِن القبيح، ومن الظن أنَّه (٢) القدر المتحقق إرادته، والزائد عليه قول بغير علم، ويَدُلُّ على ذلك كثرةُ المقيدات لإطلاق النهي عن الركون، ولو لم يرد في ذلك إلا قولُه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ الآية، ولذلك قالت الهادوية مع تشديدهم في ذلك: إنَّه يجوز محبةُ العاصي لِخَصْلَة خيرٍ فيه.

стр. 634

وكذلك قال أبو حيان: إنها الطُّمأنينة إليهم. ويجوزُ ترجيحُ قوله لتجويده في فنه وتحقيقِه في علمه في قراءةٍ وحديث ونحوٍ وفقهٍ وعلى هذا عملُ الأمة في جميع الأمصار منذ دهور وأعصار. وسيأتي بيان (١) استنادِ أهلِ البيت ﵈ إلى المخالفين في الحديث ونحوِه من العلوم التي هي أساسُ فروعهم الظنية، والعجبُ ممن منع المعلومَ بالضرورة من ذلك، وأعجبُ منه مَن سلَّمه، وزَعَمَ أن تقليدَ الفقهاءِ لا يجوزُ أو يكره (٢)، فجعل الفروع أقوى من الأصل، وهذه غفلة عظيمة. فإن قلت: في هذا الإشكال العاشر تضعيف للإجمال الذي أوردتَه في الإِشكال التاسع. قلتُ: لم أورده لذهابي إليه، ولا لابتناء دليل (٣) السَّيِّد على بطلانه، وإنما أقولُ بتضعيفه وعرض السَّيِّد لا يَحْصُلُ حتى يدلَّ على بُطلانه قطعاً. الإِشكال الحادي عشر: أن المتأولين كانوا غيرَ موجودين وقتَ النبي ﷺ ، وفي العُلماء من قال: إنَّ العمومَ لا ينصرِفُ إلا إلى الموجودِ المعروف الذي يَسْبِقُ إلى أفهام السامعين أن المتكلم أراده، وقد مَرَّ تقريرُ حجتهم في ذلك، ولا يَصحُّ الاستدلالُ بهذه الآية من السَّيِّد الذي يُبْطِلُ هذا الاحتمالَ بدليلٍ قاطِعٍ. الإِشكال الثاني عشر: أن المتأوِّل يُسَمَّى مسلماً بالنص الخاص، والمسلم مقبولٌ، وقد مر تقريرُ ذلك جميعاً.

стр. 635

الإشكال الثالث عشر: أن المتأوِّل يسَمَّى مؤمناً والمؤمن مقبول، وقد مَرَّ تقريرُهُ أيضاً. الإشكال الرابع عشر: أن الآية عامَّةٌ في جميع الذين ظلموا، والاحتجاجُ بالعموم لا يَصِحُّ مع وجود المُخَصِّصِ، وهو موجود كما سيأتي في الفصل الثاني، ونذكر هناك مَنْ روى الإجماعَ على وجوبِ قبول أخبارهم، وأن العملَ عَضَدَ تلك الرواية، وذلك العملُ هو ما الناسُ عليهِ مِن القراءة في كتب المخالفين في القراءاتِ (١) والحديثِ وعلومِ العربية نحواً ولغةً ومعاني وبياناً وسائر علوم الإِسلام، والسيِّدُ ادَّعى أن المسألة قطعية، وكان مِن تمام هذه الدعوى أن يَدُلَّ بدليلٍ قاطع (٢) على أنَّ تلك المخصصات بواطل لا يَحِلُّ التخصيصُ بها قطعاً. الإشكال الخامس عشر: أن السيدَ استدل على أن قبولَ قولهم ركونٌ إليهم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. قال السَّيِّد -أيَّده الله-: وذلك لأنهم أرادوا أن يُصالحوه على أن لا يُعْشَرُوا ولا يُحْشَرُوا، القصةَ. فَهَمَّ أن يُساعِدَهم إلى قبول قولهم، فنزلت، هذا لفظه، أيَّده الله. فأقول: الاستدلالُ بهذا على أن قبولَ المتأوِّل المتدين المظنون صدقه يُسَمَّى ركوناً لا يَصِحُّ، وذلك لأنَّه قياس، واللغة لا تثبُتُ بالقياس، فإن كان السَّيِّد يرى ثبوتَها بالقياس كما هو رأي بعضِ العلماء، فعليه أن

стр. 636

يَدلُّ على ذلك بدليلٍ قاطع، وليس علينا أن نستدِلَّ، لأنَّه هو المستدل، ونحن سائلون له عن صحة القواعِدِ التي ينبني عليها دليلُه، والسائل لا يجبُ عليه إيرادُ الدليل. الإِشكال السادس عشر: أنا لو سلَّمنا أن اللغة تثبُتُ بالقياسِ لم نسَلِّمْ صحةَ هذَا القياسِ ، وذلك أنَّ (١) كلامَنَا في قبول مَنْ أخبر بخبر، علينا في مخالفته مَضَرَّةٌ مظنونة، ولنا في قبوله منفعة مظنونة، وذلك فيما يدخل فيه الصِّدْقُ والكَذِبُ، وقِصَّةُ ثقيف هذه ليست خبراً أخبروا به النبي- ﷺ مما (٢) يحتمل أنهم صدقوا فيه أو كذبوا، وإنما سألوه أن يُسْقِطَ عنهم الزكاةَ والجهادَ، والسجودَ في الصلاة فلم يُساعِدْهُمْ إلى ذلك، وليس عليه مضرة مظنونة في ترك مساعدتهم، ولا له منفعةٌ مظنونة في مساعدتهم. فأين هذا من خبر المتأوِّل المتدين المظنون صدقُه إذا أخبرك أنَّه سَمِعَ النبيَّ ﷺ ينهى عن شيءٍ ويُحَرِّمُه، وخَشِيتَ من ارتكاب ذلك المحرَّم غضبَ الله عليك وعقابه لك، وغلب على ظَنِّكَ أنك واقعٌ فيه إِن فعلتَ ذلك المحرم فتركتَه، ما الجامعُ بَيْن الأمرينِ وأين هذا من هذا؟! الإشكال السابع عشر: أن ثقيفاً سألوا رسولَ الله ﷺ تغييرَ الشريعة ، وتركَ ما أنزل اللهُ عليه، واتباع أهوائهم وجهلهم وجفاوتهم، فروى الزمخشري في " الكشاف " أن ثقيفاً قالت للنبيِّ ﷺ : لا ندخُل في أمرِك حتَّى تُعْطِينا خِصالاً نفتخرُ بها على العَربِ: لا نُعْشَرُ وَلَا نُحْشَرُ ولا نجبّي (٣) في صَلاَتِنَا، وكُلُّ رِباً لنا فهو لنا، وكَل رباً علينا، فهو موضوعٌ

стр. 637

عنا، وأن تُمَتِّعَنَا باللاتِ سنةً، ولا نكسرها بأيدينا عند رأسِ الحولِ، وأن تَمْنَعَ مَنْ قَصَدَ وادِينا وجَّاً (١)، فَعَضَدَ (٢) شَجَرَه، فإذا (٣) سألتك العرب لم فعلت ذلك؟ فقل: إنَّ الله أمرني بذلك وجاؤوا بكتابهم، فكتب: بِسْم اللهِ الرحمن الرحيم هذا كتاب مِن محمد رسول الله لِثقيف لا يُعْشَرون ولاَ يُحْشَرونَ فقالوا: ولا يُجَبُّونَ فسكت رسولُ الله ﷺ ثم قال الكاتبُ: اكتب ولا يُجبّون، والكاتب يَنْظُرُ إلى رسول الله ﷺ ، فقام عُمَر بنُ الخطاب فَسَلَّ سيفه وقال: أسعرْتُم قَلْبَ نبينا يا مَعْشَرَ ثقيفٍ أسْعَرَ الله قلوبَكُم ناراً فقالوا: لسنا نُكلِّمُ إيَّاك إِنَّما نُكَلِّمُ محمداً فنزلت (٤). انتهي كلامُه. ﵀، وقولهم: ولا نُجِبِّي في صلاتنا. يعنون (٥): لا يركعون ولا يسجدون. فهذا الذي سألوه هو تبديلُ الشريعة وتحريفُها، فالهَمُّ بمساعدتهم إِلى هذا من قبيل الهَمِّ بالمعاصي من غير عزمٍ، كقوله تعالى في يُوسُفَ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] لأنَّه لا يجوزُ على رسول الله ﷺ العَزْمُ على تبديلِ الشريعة بغير إذنٍ من الله تعالى، ومما يَدُلُّ على أنهم أرادوا هذا قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] فكيف يَصِحُّ أن يُقاس تحريمُ قبولِ المتأولين الصادقين في الظنِّ الراجح على مساعدة ثقيف إلى تبديلِ الشريعة، فإنّه في تصديق المتأولين العملَ بالشريعة المظنون ثبوتها، والمحافظة على أن

стр. 638

لا يَضِيعَ شيء منها لا معلوم ولا مظنون. وكيف يَحْرُمُ قبول من ثبت في الظن الراجح أنَّه بلغ عن رسول الله ﷺ ما قاله من الحق خوفاً مِن عقاب الله تعالى على كتم العلم على تحريم قبول مَنْ صَرَّحَ بأنه يُرِيدُ تبديل كلامِ الله وتحويلَ شريعةِ رسول الله وما العلةُ الجامعة بينهما؟ فأما قولُ السيد: إِنَّ الله قد سمَّى هَمَّه ﷺ بمساعدتهم (١) ركوناً إليهم، فنقول له: إنما سمى ذلك ركوناً إن صحَّت هذه القِصة، لأنَّه لم يَمِلْ إليهم لظن صدقهم فيما قالوه، ولا لِخوف مضرَّةٍ مظنونة تلحقه بمخالفتهم (٢)، وإنما هَمَّ بذلك بمجردِ الطبيعة البشرية، وما كان فيه عليه الكلامُ مِن محبة اللُّطْفِ، وتيسيرِ الأمور، وكثرةِ الرفق بالخلق، والتأليف لهم إلى إلإِسلام، فقد أثَّرَ قولُهم فيه حتى مَيَّلُوا طبعَه الكريم بمجرد السؤال، فميله (٣) إليهم بطبعه الشريف مِن غير عزم سببٌ من أسبابِ مقاربة الركونِ إليهم، فلهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] فهذا همٌّ طبيعي محض ليس مما نحنُ فيه في مَرَاحٍ ولا مغْدَى، وإنما الذي يُشبه مسألتنا ما قدمناه من أمانه ﵇ لهم في الأصلاح التي كانت بينَه وبينَهم، فلم يكن ﵇ يُنْكِرُ على المسلمين دخولَهم بلادَ الكفار ثقةً بوفائهم في أمانهم وصدقهم في قولهم، وعدم غدرهم في عهدهم، وكذلك رسولُ الله ﷺ ، فإنَّه اعتمر عمْرَةَ القضاء (٤) في الأمان الذي جرى بينه وبينَهم، ولم يكن

стр. 639

في شيء من فعله ﵇، ولا مِن فعل المسلمين الذي أقرَّهم عليه ركونٌ إليهم لما كان اعتماداً على الظن الصحيح الراجح الحاصلِ عن القرائن العقلية الدائمة الصِّدق أو الأكثرية (١)، وهذا مقتضى المعقول في المظنون إلا ما خصَّه الدليلُ. الإشكال الثامن عشر: أن السيد -أيَّده الله- تَشَدَّد (٢) في معرفة صِحَّةِ الحديثِ، ثم روى هذا الحديثَ في قصة ثقيف مع ما فيه من الإشكالِ في أمر النبيِّ ﷺ لكاتبه أن يكتب لهم ألا يركعُوا ولا يسجُدوا مِن غير إذن من الله، لأنَّه لو أَذِنَ له في ذلك لم يُنْزِلْ عليه الوعيدَ الشديد لو فعل ذلك فإن كان هذا صَحَّ للسيد -أيَّدهُ الله- فلا يمتنِعُ أن يصِح لِغيره شيء من الحديثِ، وإن لم يكن صَحَّ له، فلا ينبغي أن يحتجَّ بما لم يَصِحَّ بل لا ينبغي أن يَرْويَه. ثم في تأويله إشكال، وفي القرآن دليلٌ على أن النبِيَّ ﷺ لم يرْكَنْ إلَيْهِمْ قليلاً ولا كثيراً ولا كاد يركن ركوناً كثيراً، وإنما الذي في القرآن " شيئاً يسيراً "، فلو كان قد ساعدهم إلى تغيير الصلاةِ، وأمر كاتبه أن يكتُبَ لهم ذلك مع أنها أعظمُ أركانِ الدين، لكان قد ركن إليهم، وُيوَضِّحُ

стр. 640

هذا ما رواه أبو داود بإسناد صحيح في كتاب الخراج عن عثمان بن أبي العاص أنَّ وفدَ ثقيف لما قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ أنزلهم المسجدَ لِيكون أرَقَّ لقلوبهم، فاشترطوا عليه أن لا يُحْشَرُوا ولا يُعْشَرُوا ولا يُجَبُّوا، فقال لهم رسول الله ﷺ : " [لكم أن] لا تُعْشَرُوا ولا تُحْشَرُوا ولا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فيه ركوع " (١). وروى أبو داود أيضاًً عن جابر ﵁ بسندٍ صحيح أيضاًً فقال: حدثنا الحسنُ بنُ صباح، حدثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريم، قال: حدثني إبراهيمُ بنُ عقيل بن منبه، عن أبيه، عن وهب قال: سألتُ جابِرَ بنَ عبدِ الله عن شأن ثقيف إذ بايعت، فقال: اشترطَتْ على النبي ﷺ أنْ لا صَدَقَةَ عَلَيْهَا، ولا جِهَاد، وأنه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ بعدَ ذلك يقول: " سَيتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إذَا أسْلَمُوا " (٢). قال الخطَّابي (٣): وُيشبه أن يكونَ النبيُّ ﷺ إنما سَمَح لهم بالجهادِ والصَّدَقةِ، لأنهما لم يكونا وَاجِبَيْنِ في العاجل، لأنَّ الصدقةَ إنما تجبُ بحُؤول الحَوْلِ، والجهادُ إنما يجب بحضورِ العدو، وأما الصلاةُ فهي واجبة في كلِّ يومٍ وليلة في أوقاتها المؤقَّتَةِ، فلم يجز أن يشترِطَ تركها، وقد قَدَّمنا عن جابر ﵁ أنَّه سَمِعَ النبي ﷺ يقول: " سَيَتَصَدَّقونَ ويُجَاهِدونَ إذَا اسْلَمُوا ".

стр. 641

وقال البغوي (١) في " تفسيره ": واختلفوا في سببِ نزولها، فقال سعيدُ بن جبير: كان النبيُّ ﷺ يستلِم الحجرَ الأسودَ، فمنعته قريش، وقالوا: لا نَدَعُكَ حتى تُلِمَّ بآلهتنا فَحَدَّث نفسه: ما عليَّ أن أفعلَ ذلك، والله يعلم إنِّي لها لكارِهٌ وأُحِبُّ (٢) أن يَدَعُوني حتى أستلِمَ الحَجرَ. وقيل: طلبوا منه أن يَمَسَّ آلِهَتَهُم حتى يُسلِمُوا، ويتبعوه، فحدَّث نفسه بذلك، فأنزل اللهُ هذه الآية. وقال ابنُ عباس: قَدِمَ وَفْدُ ثقيف على النبيِّ ﷺ فقالُوا: نبايعُك على أن تُعطِينَا ثلاثَ خصال، قالوا: لا نجبي في الصلاة، أي: لا ننحني، ولا نكسَر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا بالَّلاتِ سنةً من غير أن نَعْبدَها، فقال النبيُّ ﷺ : " لا خَيْرَ في دينٍ لا رُكُوعَ فيه ولا سُجُود، وأما أن لا تكسِرُوا أصنامَكم بأيديكم، فذلك لكم، وأما الطاغية -يعني اللاتَ والعُزَّى- فإني غيرُ ممتعكم بها ". فقالوا: يا رسول الله إنا نُحِبُّ أن تَسْمَعَ العربُ أنك أعطيتَنا ما لم تُعْطِ غيرَنا، فإن خَشِيتَ أن العرب تقولُ: أعطيتَهم ما لم تُعطنا، فقل: اللهُ أمرني بذلكَ، فسكت النبي ﷺ ، فَطَمِعَ القَوْمُ في سكوته أن يُعطِيَهُم ذلك، فأنزل اللهُ هذه الآية. قلت: الصحيح أن الآية نزلت في وفد ثقيف، فقد ثبت ذلك بالإسناد الصحيح من طريقين في سنن أبي داود (٣)، وكذا هو في " عين المعاني " و" تفسير الواحدي " و" تفسير عبد الصمد " وبكُلِّ حالٍ، فليس في شيءٍ من هذه الأحاديثِ والأقوالِ أن رسولَ الله ﷺ سَاعَدَ وَفْدَ

стр. 642

ثقيف إلى شيء من تغيير الشريعة بغير إذنٍ من الله تعالى على وجه صريح. وإذا تطابق الرُّواةُ والحُفَّاطُ على مخالفة الثقة عَدُّوا حديثه منكراً، وإن لم يكن في لفظه، ولا في معناه نَكَارَةٌ، فكيف إذا كان كذلك، وينبغي التثبتُ الكثيرُ في رواية هذا الحديث بهذا اللفظ الذي ذكره العلامة ﵀، فكُلُّ أحدٍ يُؤْخَذ مِن قوله وُيترك إلا مَنْ عصمه اللهُ مِن رسله وأنبيائه، والله سبحانه أعلم. فإذا صحَّ للسيدِ أن يَرْويَ هذا الحديثَ، ويتأوَّلَه ويجعلَه معارضاً لكتاب الله، جاز لِغيره أن يَرْوِيَ من الأحاديث المتشابهة ما هوَ دُونَ هذا ومثله (١) ويتأوَّلَه، ويقول: إنَّه غير معارضٍ للقرآنِ. فإن قلتَ: إنَّك لم تروِ الحديثَ بتمامه. قلت: قد رويت أوَّله، وأشرتَ إليه بطُوله بقولك: القصة واستكملها (٢)، والظاهِرُ أنَّكَ لا تستحِلُّ الروايةَ عن المحدثين والرجوع إلى تفاسيرهم، فلم نحملك على أنك أردتَ أخذ رواياتِهِم التي ذكرناها، لأنَّك صرحت بأنه ﵇ هَمَّ أن يُسَاعِدَهُم إلى قولهم هكذا على الإطلاق فنسبتَ إليه الهَمَّ بتغيير الشريعة، وتمتيعهم باللات، والكذبَ على الله، لأن فيما سألوه أن يقول: الله أمره بذلك ولم يأمره به، وهو ﵇ مُنَزَّهٌ: من (٣) هذا، لأن الإجماعَ منعقِدٌ على تنزيهه من معاصي

стр. 643

الخِسَّةِ، والهَمِّ بالكذب على الله تعالى، وتغيير شريعته بغير إذن (١) مراعاة لِرِضا ثقيف مما يَجِلُّ عنه مقامُ النُّبوة على صاحبها الصلاةُ والسلام. الإِشكال التاسع عشر: أن لِهذه الآيةِ معارضاً يَدُلُّ على قبولِ المتأولين ، كما سيأتي في الفصل الثاني، ولا يَتِمُّ للسَّيِّد الاحتجاجُ حتى يُبْطِلَ المعارض. الإِشكال الموفي عشرين: أن السَّيِّد قاس قبولَ تحريم المتأوِّلين فيما بلَّغوا عن رسول الله ﷺ على تحريمِ قبول ثقيف في تبديل شريعةِ رسول الله ﷺ ، والقياسُ على تسليم صحته لا يجوزُ إلا لمجتهد، لأنَّه لا يَصِحُّ إلا بعدَ المعرفة بعدمِ النصوصِ والظواهر، ولا يَعْرِفُ ذلك إلا مجتهد، والسيدُ قد شَكَّ في إمكانه وقطع بتعسُّرِه. الإشكالُ الحادي والعشرون: أنَّه يَلْزَمُ من الاحتجاج بهذه الآية تفسيقُ مَنْ قَبِلَ المتأوِّلين مثل المؤيَّد بالله، والمنصور بالله، ويحيى بن حمزة ﵈، وعبد الله بن زيد ﵀، ومن لا يُحصى كثرةً من كبار الأئمة، وعلماء الأمة، لأن الكبائر عند الزيدية هي ما وَرَدَ عليه وعيد في القرآن، وقد ورد الوعيدُ في القرآن على الركون لقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ وليس للسيد -أيَّده اللهُ- أن يقولَ: إنهم معذورون بعدمِ تعمد المعصية، لأنَّه قد نصَّ على أنها قطعية، ولا يُعْذَرُ المخالِفُ في القطعيات، فإن خالف السيد -أيده الله- مذهبَ الزيدية في أن ما ورد عليه الوعيدُ، فهو من الكبائر، فقد لزمه على مقتضى كلامه أنَّهُ غيرُ معظم لأئمة الزيدية، لأنَّه قد ألزمني ذلك بمخالفتي في بعض المسائل الظنية الفروعية لبعضهم.

стр. 644

قال: ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين﴾ [الأعراف: ١٤٢] وهو عام، فدخل فيه قبولُ قولهم. أقول: يَرِدُ على كلام السَّيِّد بهذه الآية إشكالات: الإشكال الأول: أنَّه ترك بيان وجه الاستدلال بهذه الآية كأنه لا يحتاج إلى الذكر لوضوحه، فنقول: لا يخلو إما أن يقولَ بالمعنى السابق إلى الأفهام أو يتعنَّت ويُلاحظ ألفاظ العموم، إن كان الأول، فلا شَكَّ أنه لا يَسْبِقُ إلى الأفهام من قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين﴾ لا يُقبل حديث المتأولين المتدينين الذين بلَّغوا عن رسول الله ﷺ ما يغْلِبُ على ظنِّك أنه صحيح، وأنَّك متى خالفته استحققتَ العقوبةَ من الله تعالى، وإنما يسبق إلى الفهم تحريمُ اتباعِ سبيل المفسدين في الفساد في الأرض الذي هو إخافةُ السبل، وسفكُ الدماء وقد ذكر أهل العلم أن هذا هو المفهومُ في مثل ذلك، فقالوا: إن القائل إذا قال لِغيره: اتبع سبيلَ الصالحين، فُهِمَ أن مرادَه في صلاحِهم، ولا يلزم أن يَتَّبِعَ سبيلَهم فيما ليس مِن قبيل الصلاحِ من سكونِ بُلدانهم التي نشأوا فيها، ولزومِ معايشهم التي اعتادوا جِنسَها ونحو ذلك، بل قال العلماءُ بذلك في حقِّ رسول الله ﷺ -وقد أمرنا الله أن نتأسَّى به، ونقتديَ به- فقالوا: لا يلزمُ من ذلك اتباعُه في أمور الجِبِلَّةِ التي يفعلُها بداعي الطبيعة من كراهة بعض المآكل، وحُبِّ بعضِ الروائح والأزواج ما لم يَكنْ في ذلك قربةٌ ورد بها الشرعُ، وذلك لأنَّا لم نفهم أن متابعتَه في ذلك مرادةٌ بكلامِ الله تعالى، وإن كان إطلاقُ الأمرِ بالتأسي يقتضي ذلك في أصلِ الوضع اللغوي، وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين﴾ لم يُرِدِ العمومَ في كُلِّ سبيل حتى لو فعلوا بعضُ المباحات لحرمت علينا، ألا ترى أنَّ بني العباس لمَّا استعملوا القصورَ الحصينة والطبول والآلات

стр. 645

الملكية، وسائر الهيئات المختصة بالدول العجمية التي لم يعرفها رسولُ الله ﷺ ولا الصحابةُ، لم يحرم على الأئمة المتأخرين متابعتُهم في ذلك لِما قَصَدُوا فيه من إرهاب العدو، وإعزازِ الإسلام، وكذلك، فإن أئمة الجَوْرِ أوَّلُ مَنْ سن الألقابَ مثلَ الناصرِ والمنصورِ والمهدي، ولم يكن ذلك في زمن الصحابة، ولا نَعْلَمُ لعلي ﵇ لقباً (١)، ولا لسيدي شبابِ أهل الجنة، وفعل ذلك الأئمةُ الكِبارُ من أهلِ البيتِ مِن غير طائل منفعة تحتَه، ولم يكن ذلك مِن اتباع المفسدين، وقد سأل رسولُ اللهِ ﷺ عن صومِ يومِ عاشوراء، لما سَمِعَ أن اليهودَ تصومُه، ولم يكن يصومُه ﵇، فقالُوا: إِنَّه اليومُ الذي أنجى الله فيه موسى من البحر، فقال ﵇: " نحْنُ أحَقُّ بِموسَى مِنْهُم " وَصَامَهُ وأمَرَ بصومه (٢). ولم يكن فيه اتباعُ المفسدين مع أنَّه استند إلى خبرهم بأنَّه اليومُ الَّذي نَجَّى اللهُ فيه موسى، لأنَّه يتعلق بفضائلِ الأعمالِ دونَ الأحكامِ، وكذا في الحديث: أن رسولَ الله ﷺ كان يُحِبُّ موافقةَ أهلِ الكتاب فيما لم يَنْزِلْ عليه فيه شيء، وأنَّهم كانوا يَسْدِلُونَ الشَّعرَ، والمشركون يَفْرِقونَ، كَان يَسْدِلُ ثم فرَقَ [بَعْد] (٣) فلم يكن في شيء من ذلك راكناً إلى اليهود.

стр. 646

إذا ثبت هذا، فنقول لِلسيد: ما هذا الإرسالُ لهذه الآية مِن غير بيان وجه الاحتجاج؟ هل يريدُ أنا لا نَتَّبعُ سبيلَ المفسدين فيما ثبت عندنا أنه واجبٌ؟ أو فيما ثبت أنَّه مباح؟ أو في ما ثبت أنَّه حرام؟، أو في جميع ذلك؟ وكُلُّ هذا مردود عليك إلا اتباعهم فيما هو حرام، وأما في الواجب والمباح، فخلاف إجماع الأمة، لكنا نستدِلُّ على أن قبول المتأوِّلين المتديِّنين الذين يقضي الظنُّ الراجحُ بصدقهم ليس هو مِن الحرام، وإنما هو من الواجب، كما سيأتي مبيناً في الفصل الثاني إِن شاء اللهُ تعالى. الإشكال الثاني: أنَّ النهي عن اتباعِ سبيل المفسدين ليس نهياً عن اتباعِ السبيل الحقيقية إنما هو نهي عن اتباع السبيل المَجَازية، وكلُّ ما فعل الإنسان لا يُسَمَّى سبيلاً له في المجاز، لأنَّه يحتاح إلى عَلاقة ظاهرة، وقرينة معروفة، فلا يُسَمَّى فعلُ الإنسان سبيلاً له (١) حتَّى يُلازمه وَيلْتَجَّ به، فالفسادُ سبيلُ المفسدين، وليس الأكلُ والشربُ سبيلَهم، وإن كانوا يأكلون ويشربون، وكذلك العملُ بقول من يَغْلِبُ على الطَّنِّ صدقُه ليس سبيلَ المفسدين بل سبيلُ العقلاء. وإذا قال السَّيِّدُ -أيده الله-: إن تصديقَ المتأوِّل المظنونِ صدقُه اتباع لسبيله. قلنا له: تسمية كلامِه سبيلاً مجازٌ، والمجازُ لا بُد له من قرينة ظاهرة، كالشجاعة في الأسد والشجاع، ولا يجوز أن تكون خفية، كالبَخَرِ

стр. 647

في الأسَدِ والرجُل الأبْخَرِ (١)، فأخبرنا ما القرينة الظاهرة الجامعة بين السبيل المسلوكة الحقيقية وبَيْنَ قول المتأوِّل: قال رسول الله ﷺ : هذا حرام أو (٢) هذا حلال، وكيف قَطَعَ السيدُ بأن هذا مرادُ الله تعالى وقد عسرَ تفسيرَ القرآن على الظاهر في آيات الأحكام الشرعية التي هي أجلَى من هذا وأقربُ منالاً!! فإن قلتَ: سبيلُ المفسدين هي قبولُهم لا قولهم. قلنا: هذا أضعفُ من الأول، لأن القبولَ سبيل القائلين، لا سبيل المقبولين، فإنه لا يَصِحُّ وصفُهم بقبول أنفسهم، فإنَّهم إذا سَمِعُوا الحديث من النبي ﷺ أو من أحد الثقات من غير أهل البدع، وجب عليهم العملُ بما علموا بالإجماع، ولم يَحْرمْ عليهم قبولُ أنفسهم هذا ما لا يقولُه أحد من أهل المعرفة. الإشكال الثالث: أن قولَه: ﴿سبيل المفسدين﴾ يقتضي العمومَ في المفسدين كما أن قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] يقتضي العموم في المؤمنين، فلا يدل ظاهرُه على وجوب اتِّباع بعض المؤمنين، بل يجب اتباعُ جميعهم، وهكذا هذه الآية ليس فيها تحريمُ اتباع سبيل بعض المفسدين، إنما فيها اتِّباعُ جميع المفسدين، وليس قبول خبرٍ واحدٍ منهم اتباعاً لسبيلهم أجمعين. فإن قلتَ: العلةُ كونُهُم مفسدين، فلا فرق بينَ اتباع سبيل الواحد والجماعة.

стр. 648

قلت: الجوابُ من وجهين: الأول: معَارضَة، وهي (١) أن نقول: وكذلك العِلَّةُ في اتِّباع سبيل المؤمنين كونُهُم مؤمنين، والإيمانُ حاصل في الواحد، فكان يلزمُ وجوبُ اتباعه. الثاني: تحقيق، وهو أن نقول: سبيل الواحد من المؤمنين لما كانت تختلِفُ، فقد تكون صالحةً، وقد تكون غيرَ صالحة، لم نُؤْمَرْ باتباعها، وأما سبيلهم معاً، فلما علم الله أنهم لا يجتمِعُونَ كُلُّهُمْ إلاَّ على صلاح، أمر باتباعِ سبيلِهم، وكذلك في هذا يمكن مثل ذلك، وهو أن الله لما علم أن فعلَ الواحد منهم قد يكونُ مفسدة، وقد لا يكون كذلك لم ينهنا عن اتباع سبيله، بل يَقِفُ ذلك على الدليل، فإن كان مباحاً، أو واجباً لم يَحْرُمْ، وإن كان حراماً حَرُمَ، وأما جماعة المفسدين، فإنَّهم إذا اعتمدوا طريقة، واختصّوا بسنة لم يُوافقهم أهلُ الإيمان عليها، فإنها لا تكونُ إلا مفسدة، وما هذه صورته فهي التي تَصِحُّ في المجاز أن يُسمى سبيلاً لهم، وأما فعلُ الواحد منهم أو قولُه، فليس يَصِحُّ أن يُسمَّى سبيلاً للمفسدين. الإِشكال الرابع: أنا إذا سَمِعْنَا خبراً، وظننا أنَّه صادق راجح، وكان علينا مَضَرَّةٌ في مجانبته مظنونةٌ، وَعَمِلْنَا بما ظننا دفعاً للمضرة عن أنفسنا، لم نُسَم متبعين لسبيل مَنْ أخبرنا به في حقيقة اللغة ولا مجازها، أما الحقيقة، فظاهر، وأما المجاز، فلأن الأصل عدمُ إطلاق هذه العبارة على فاعل هذه الصورة، وإنما نسمَّى عاملين بالظنِّ الراجحِ، وبما فُطِرَتْ عليه العقولُ

стр. 649

من أن دفع المضرة المظنونة واجبٌ، فالمتبع هنا هو الظنُّ، ودليلُ العقل لا سبيلُ المخبر بذلك. الإشكال الخامس: أنَّ العملَ بما يظن الإِنسانُ وجوبَه، وترك ما يظن حرمتَه ليس سبيلَ المفسدين إنما هو سبيلُ التحري من المؤمنين وهذا معلوم لِكُلِّ عاقِل، فثبت أن العملَ بروايتهم فيما يُظنّ وجوبه أو حرمتُه ليس اتباعاً لِسبيلهم قطعاً، بل اتباع لسبيل أهل الاحتياط والورع والتقوى. الإشكال السادس: أنا قد بينَّا في الفصل الثاني أنه قد روي إجماعُ الأمة على جواز قبولِ المتأولين، وجاء ذلك من عشر طرق، فصارَ من اتباع سبيلِ المؤمنين، وكان الأولى أن يقال: لا يُرَدُّ حديثُهم ورواياتُهم لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. الإشكال السابع: أنَّه معلومٌ بالتواتر والضرورة على تقديرِ تسليم عدمِ الإجماع أن قبولَهم قولُ طائفة من أئمة العِترة ﵈، ومِن سائر عيون العلماء الأعلام، فالقائلُ لهم مُتَّبعٌ لسبيل (١) هذه الطائفة، لا لسبيلِ المفسدين لأنَّه اتبع سبيل ص (٢) بالله وم بالله وأمثالهما من شِيعة العِترة رحمهم الله تعالى وسبيلَ أئمة الفقهاء الأربعة المقتدى بهم في جميع آفاق الإسلام، وهؤلاء ليسوا من المفسدين في الأرض الذين قال الله تبارك اسمُه فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].

стр. 650

الإِشكال الثامن: أن الآية حكاية لخطاب موسى لأخيه هارون ﵉ قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] وفي الاحتجاج بشرعِ مَنْ قَبْلَنَا خلافٌ كثير، فكان يجب على السَّيِّد أن يَدلَّ بدليل قاطع على أنا متعبَّدُونَ بشرع مَنْ قبلَنا، فأما الاحتجاجُ على ذلك بالأدلَّةِ الظنية فلا ينفعه في هذا المقام، لأن المسألةَ عنده قطعية. الإِشكال التاسع: أن هارون ﵇ نبيٌّ مرسل من الله تعالى عالمٌ بالشريعة، مبلِّغٌ لها إلى العباد، وليس يَصِحُّ أن يكونَ متعبداً بأخبار الآحاد في شريعته، لأنَّه صاحبُها المنقول عنه أخبارُها لا إليه، فإذا كان كذلك، فمن المعلومِ أن موسى ما أراد نهيه عن قبول فساقِ التأويل في إخبارهم عن شريعته، وإذا كان انتفاءُ ذلك معلوماً، لم يَصِح استنباط ما هو فرع عليه، وذلك لأن الآية ليست متناولةً لنا بلفظها، ولا بمفهومها، وإنما تناولُنَا بدليل التأسي به على تسليم أنا متعبَّدون بالتأسي بجميع مَنْ قبلنا من الأنبياء، فكل ما (١) علمنا أنَّه لم يَقْصِدْ في خطابه، فكيف يحرُم علينا وهو إنما حرم لكونه حَرُمَ عليه فحين لم يثبت أنَّه حَرُمَ عليه لم يثبت ما هو فرعُه من تحريمه علينا. الإشكال العاشر: أن الآية إما أن تَرِد على المعنى الذي ذكرنا مِن العُرف السَّابِق إلى الأفهام ، وهو أن المرادَ تحريمُ سبيلهم في الفساد في الأرض، فذاك الذي نُرِيد، وبِهِ يَبْطُلُ مرادُ السيد، وإن كانت واردةً على معنى العمومِ الذي تَوهَّمه السيدُ، وجب أن يكونَ مفهومُها إيجابَ اتباعِ

стр. 651

سبيلِ المؤمنين على هارونَ ﵇، وذلك ظاهر من مفهوم الصفة أحدِ أقسام مفهومِ المخالفة، لأن المفهومَ مِن النهي عن اتباعِ سبيلِ المفسدين إيجابُ اتباعِ سبيلِ المؤمنين، لكنه لا يجب على هارون ﵇ أن يقتديَ بأحدٍ من المؤمنين، ولا اتباع سبيلهم. فإن قلت: كيف لا يجبُ على هارون اتباعُ سبيلِ المؤمنين مع أن من لم يَتَّبعْ سبيلَ المؤمنين فقد اتبع سبيلَ المفسدين؟ قلتُ: سبيلُ المؤمنين قسمان: أحدهما: ما ذكرناه من السبيل العُرفية السابقة إلى الأفهام، وهي الإيمان بالله ورسلِه والمحافظة على طاعته. والآخر: اتباعُهُمْ في جميع الأفعال والأقوالِ على التفصيل، فإما أن يُرِيدَ السَّيِّد أنَّه واجبٌ على هارون ﵇ اتباعُهم على الوجه الأول، فذلك مسلَّمٌ لا يَضرُّ تسليمه، أو على الوجه الثاني، فذلك ممنوع، لأن المشروعَ تأسي المؤمنين بالأنبياءِ لا تأسِّي الأنبياء بالمؤمنين، فإن نازع السيدُ في هذا، فعليه أن يَدُلَّ بدليلٍ قاطع، وإنما قلنا: لا يضر تسليمُ الأول، لأن الآية متى أرِيدَ بها ذلك لم يدخل فيه قبول المتأولين بنفي ولا إثبات، لأنَّه لَمْ يَسبق إلى الأفهام عند سماع الآية أن قبولَ المتأوِّلين من سبيل المؤمنين، أو ليس مِن سبيلهم، إنما السابقُ أن سبيلَهم ما ذكره من الإيمان بالله، والمحافظةِ على طاعته. فإن قلتَ: غاية المفهوم من هذه الآية أن يُبِيحَ اتباعَ سبيل المؤمنين، فلم قلت: إن مفهومها يقتضي إيجابَ اتباع سبيل المؤمنين على هارون ﵇.

стр. 652

قلت: لأنك ذهبتَ إلى أن المرادَ بالآية تحريمُ قبولِ المتأوِّلين، وغير ذلك، فلزم منه وجوبُ قبول المؤمنين، لأن قبول خبرِ الثقات من المؤمنين في الحلال والحرام لا يكونُ مباحاً إنما يكونُ واجباً أو محرماً، لأن الإباحة في قبوله تقتضي التخييرَ، فيكون المكلفُ مخيراً إن شاء قَبِلَهُم، فحرم ما رَوَوْا تحريمَه، وإن شاء لم يقبلْهم، فحلَّ ما رَوَوْا تحريمه، وهذا لا يجوزُ، لأنَّه يُؤدِّي إلى أن تكون الشرائعُ موقوفةً على اختيار المكلفين. سلمنا أنَّه لا يجبُ عليه ذلك من قبيل المفهوم، فإنَه يُمكن أن (١) يجب من حيث إِنَّ النهي عن الشيء أمرٌ بضده عند كثير مِن أهل العلم، فكان يلزمُ السَّيِّد أن يستدِلَّ بدليل قاطع ٍعلى بُطلان هذا القولِ حتى يصِحَّ له الاستدلال بهذه الآية، فإن دلالتها لا تكون قطعيةً مع قبولها لهذا الاحتمال وأمثالِه. الإشكال الحادي عشر: أن الاستدلال بهذه الآية لا يَصحُّ إِلا من مجتهدٍ ، والسيد مُدَّع لعدم الاجتهاد في حقِّه، بل شاكٌّ في دخوله في الإمكان، وقد قالَ -أيّدَهُ الله- فِي كتابه: إنَّه لا يُستنتج العقيمُ، ولا يُستفتى منْ ليس بعليم. الإشكال الثاني عشر: أن السيدَ قد سَدَّ الطريقَ في كتابه إلى معرفة تفسير القرآن العظيم وشغب (٢) فيه كما تقدم، ثم إنَه فسر هذه الآيةَ الكريمة بهذا المعنى البعيد، فكيف التلفيقُ بَيْنَ تفسيره هنا، وتشديده هُناك!! الإِشكال الثالث عشر: أن السيدَ ادَّعى أن المسألة قطعية، وهذه

стр. 653

الآية مِن قبيل العموم، وهو إذا تناولَ العمليات ظنيٌّ بلا خلاف، والظنيُّ لا يوجبُ القطعَ بالاتفاق، ولا يُنتج اليقينَ بغير منازعة. الإشكال الرابع عشر: أن المتأوَّلين من هذه الأمة ما كانوا موجودين في زمان هارون ﵇ ، وقد بينا فيما تقدم أن في (١) العلماء من يَقْصُر العمومَ على الموجود السابق إلى الأفهام، وقد تقدَّم الدليلُ على ذلك وتقريره. الإشكال الخامس عشر: أنَّه يلزم السيد -أيَّدهُ اللهُ- أن مَنْ أجازَ قبولَ المتأوِّلين مِن أئمةِ العِترة الطاهرة، ونجومِ العلم الزاهرة، ممن اتَّبَعَ سبيلَ المفسدين، واقتفى آثارَ الظالمين مثل الإمام السَّيِّد المؤيَّد بالله، والإِمامِ المنصورِ بالله، والإِمام المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة ﵈، ومثل القاضي زيد، والعلامة عبد الله بن زيد، والقاضي أبي مضر ﵃، وغيرهم ممن يأتي ذكرُه في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى، بل يلزمه أنَّهم ممن (٢) دعا إلى اتباع سبيلِ المفسدين، واعتقد وجوبَ ذلك، واحتج عليه وليس له أن يقولَ: إنهم مصيبون، وإنهم معذورون إذ هي عنده قطعية. الإِشكال السادس عشر: سيأتي في الفصل الثاني -إن شاء الله تعالى- رواية الثقات مِن الأئمة إجماعَ الصدر الأول من هذه الأمة على قبولِ المتأوِّلين، وثبوت ذلك مِن عشر طرق أو أكثر، فيلزم السيد -أيده الله- أن خيرَ أمة أُخْرِجَتْ للناس ذهبوا إلى وجوبِ اتباعِ سبيل المفسدين.

стр. 654

الإِشكال السابع عشر: أنهم كانوا يُسَمَّوْنَ مسلمين ، والمسلم مقبول وقد مرَّ تقريره. الإشكال الثامن عشر: إنهم في زمن النبيِّ ﷺ كانوا يُسَمَّوْنَ مؤمنين والمؤمن مقبول وقد مر أيضاً تقريرُه. الإِشكال التاسع عشر: أنَّه كان يلزم السيدَ إبطالُ القول بقصر العموم على سببه بدليلٍ قاطع أو (١) الاستدلال بدليل قاطع على أن هذه ما نزلت على سببٍ، وقد مر أيضاً تقريرُه. الإشكال الموفي عشرين: أنَّه كان يلزمُه إبطالُ القول بأن العمومَ مشترك لدعواه القطعَ، وقد مر أيضاً. الإِشكال الحادي والعشرون: أن لهذه الآية مخصصاتٍ على تقديرِ تسليم العموم وقد مر مثلَه أيضاً، وسيأتي ذكرُ المخصصات في الفصل الثاني. الإشكال الثاني والعشرون: أن هذا العمومَ مخصوصٌ والاحتجاجُ بالعموم المخصوص مختلفٌ فيه، فكان يلزم السَّيِّد إبطالُ أنَّه ليس بحجة، وبيان أنَّه مخصوص أنَّه يجوزُ اتباعُ سبيل المفسدين فيما فعلوه مِن الواجبات والمندوباتِ والمباحات، وقد مَرَّ شيءٌ منه. قال: وَمِن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] فهذا من الدلائل القرآنية. أقول: أطلق السَّيِّد هذه الآيةَ، ولم يُبين وجهَ الاحتجاج بها كأنه

стр. 655

ظاهرٌ لا يخفى، وَيرِدُ عليه في ذلك إشكالات: الإِشكال الأول: أن ظاهر هذه الآيةِ الكريمة يقتضي الأمرَ (١) باتِّباعِ كُلِّ مَنْ أنابَ إلى الله تعالى، لأن لفظهما مِن أحد الفاظ العموم، فصارت كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ العلماء أجمعوا على أنها لا تُوجب اتباعَ سبيل المؤمن الواحد، وإنما اختلفوا هل توجِبُ اتباعَ المؤمنين إذا اجتمعوا على أمرٍ، فكذلك هذه الآية لا تُوجِبُ اتباعَ سبيلِ المؤمنِ الواحد. الإشكال الثاني: أن هذه الآية نزلت على سبب فيما رواه الزمخشري في " الكشاف " واعترف بذلك السَّيِّد في تجريده للكشاف (٢). قال الزمخشري (٣)، وَرُوِيَ أنها نزلت في سعدِ بنِ أبي وقاص

стр. 656

رضيَ الله عنه وأُمَّه، وفي القصة أنَّها مكثت ثلاثاً لا تَطْعَمُ ولا تَشْرَب حتى شجروا فَاهَا بعود، ورُوِيَ أنَّه قال: لو كان لها سبعون نفساً ما ارتددتُ إلى الكفر. فإذا ثبت هذا، فقد عرفت الخلاف في ما نزل على سبب، وما في هذا من الإِشكال وقد مرَّ تقريرُه. الإشكال الثالث: أن الحجةَ في هذه الآيةِ من قَبِيلِ مفهومِ المخالفة أحدِ قسمي المفهوم، وفي الاحتجاج بها خلافٌ كثيرٌ، ممن أنكرها الإِمامُ أبو حنيفةَ (١) ﵁ على جلالته، فيلزمُ السيدَ إثباتُ دليلٍ قاطعٍ (٢) على أنَّ مفهومَ المخالفة حُجَّةٌ حيث ورد لا يكونُ له صورةٌ ظنية، ولا يكفيه أن يكونَ حُجَّةً قطعية في بعضِ المواضع. الإشكال الرابعُ: أنا بَيَّنَّا أن هذه الآيةَ نزلت لأجل ما جرى مِن سَعْدٍ ﵁ وأُمِّه، وقد ذكر أهلُ الأصول أن مفهومَ المخالفة إذا وَرَدَ لأجل حادثةٍ لم يكن حجةً، فإِن كان السيد يقول بهذا، لزمه الإِشكالُ،

стр. 657

وإن لم يُساعد على هذا، لزمه نصبُ الدليل القاطع على أن المفهومَ الوارد على حادثة حجةٌ قطعية كلية حتى تَدْخُلَ هذه المسألةُ تحتها على القطع، بل قد اعترفَ السَّيِّد في تجريده للكشاف (١) بذلك وقال في معناه ما لفظُه: يُريدُ: واتبع سبيلَ المؤمنين في دِينِكَ، ولا تُطِعْهُما فيه، يعني والديه المشرِكيْنِ الداعيين له إلى الشرك كما تقدم الآن في ذكر سببِ نزول هذه الآية. الإشكال الخامس: أن الزمخشري ﵁ ادَّعى أن المفهوم من هذه الآية هو (٢): ولا تتبع سبيلَهما، يعني: الوالدين المشركين، وهو إمامُ هذا الفن بلا مدافعة، والسيدُ فَهِمَ مِن هذه الآية: ولا تقبل أحاديثَ المتأوِّلين عن النبيِّ ﷺ ، فلا يَتمُّ له هذا الذي فهمه حتى يَدُلَّ بدليلٍ قاطع على أن ما فهمه الزمخشري باطل لا يصح. الإِشكال السادسُ: أن قولَه: (مَنْ أنَابَ إليَّ) من المطلقات التي لم تقَيَّدْ بكثرة ولا قِلة بإطلاقها يقتضي أن مَنْ وُجِدَتْ منه إنابةٌ قليلة أو كثيرة، فهو ممن يَتَّبعُ سبيلَه إما في إنابته على المفهومِ الصحيح، وإما في قبول خبره وسائرِ سبله على تفسير السيد، فيلزم أن يجبَ قبولُ المتأولين على تفسير السَّيِّد خاصة، لأنَّهم قد أنابوا في كثير من الأمور. الإِشكال السابع: أنَّ حجة السَّيِّد إنما تستقيم على المفهوم ، لكن المفهومَ يقتضي تحريمَ اتباع من لم يُنِبْ إلى الله في شيء، وهذا غيرُ حاصل في المتأوِّلين لما ذكرناه آنفاً، وهذا غيرُ الأول، فلا يَقَعُ وَهْمٌ، فإن هذا يقتضي رفعَ تحريم القبول، وذلك يقتضي إيجابَ القبول.

стр. 658

الإِشكال الثامن: كان يجب على السَّيِّدِ بيانُ أن الأمرَ للوجوب بدليلٍ قاطع كما تقدم. الإِشكال التاسع: أن المتأوِّلين كانوا غيرَ موجودين في ذلك الزمان ، فيكون السابق إلى الأفهام تحريمَ قبول خبرهم عن النبيِّ ﷺ وقد مر تحقيقه. الإشكال العاشر والحادي عشر: أنهم كاْنوا يسمَّون مسلمين ومؤمنين في زمانه ﵇، والمسلم والمؤمن مقبولان، وقد مر أيضاًً. الإِشكال الثاني عشر: إن الاستدلالَ بهذه الآية لا يَصِحُّ إلا من مجتهد، وقد جوَّزَ السيدُ أنَّه محال، وقطع بالتعسيرِ، فلا يَصِح أن يَصْدُرَ منه ما يجوز أنه محال. الإشكال الثالث عشر: أنَّه قد حرَّجَ في تفسير القرآن العظيم ثم فسَّرَ هذِه الآية الكريمة بما لا يَسْبِقُ إلى فهم، ولا يوجَدُ في كتاب من كتب التفسير المشهورة. الإشكال الرابع عشر: إن لم يَصِح أن للمفهومِ عموماً، لم يتِمَّ للسيد حُجَّةٌ في هذه الآية، وإن صَح أن له عموماً، فهو مخصوص، لأنه لَا يَصِحُّ قبولُ مَنْ لَم يُنِبْ في مواضعَ كثيرة كما تقدَّمَ، ونزيد ها هنا صورة، وذلك أنَّه يَصِح قبولُ قولِ المشرك: إنَّه أناب من الشرك فلو لم يُقْبَلْ حتى يثبت أنَّه منيب بغير خبره، لوجب أن لا تُقبل توبة التائبين، لأنَّه لا طريق لنا إلى العلم بصدقهم، ويلزم أن لا يكونَ العدل إلا مَنْ لم يصدُرْ عنه المعصيةُ البتة، وقد مضى لهذا صورٌ كثيرة، وتقدم دورُ هذا الإشكال.

стр. 659

الإشكال الخامس عشر: أن العلماء اختلفوا في عموم المنطوق: هل هو مشترك، وقد قدمنا ذلك، فكيف بعموم المفهوم، فكان يلزم ذكر دليلٍ قاطع على أن عمومَ المفهوم لا يجوزُ أن يُرَادَ به الخصوصُ إلا على سبيلِ التجوز. الإشكال السادس عشر: أن لِعموم مفهوهاِ هذه الآيةِ مخصصات تأتي في الفصل الثاني، إن شاء الله. الإشكال السابع عشر: أنَّه يلزم السَّيِّد أن يكون مَنْ خالفه من كبار الأئمة وخيار الأمة ممن اتبع سبيل من لم يُنِبْ إلى الله، وممن ترك اتباع سبيلِ مَن أناب، ولا عذْرَ لهم في الاجتهاد، لأنها عنده قطعيةٌ وقد سبق مثل هذا. الإشكال الثامن عشر: أنا بيَّنَّا أن مَن غلب على ظنه صدقُ الخبر بالقرائن الصحيحةِ الدائمة الصدق أو الأكثرية، وغلب على ظنه أنَّه إن لم يعمل بمقتضاها وقع في مضرةِ العقاب، فإنه يجب عليه في العقل دفعُ تلك المضرة المظنونة، فاتباعُه لسبيل العقل، لا لسبيل منْ لم يُنِبْ إلى الله تعالى. الإشكال التاسع عشر: أنَّا بَينَّا أن في قبول المتأولين دفع مضار العقاب المعلومة والمظنونة، والإتيان بالواجبات المعلومة والمظنونة ومن المعلوم أن هذه ليست سبيل من لم يُنِبْ إلى الله تعالى، بل سبيل أهل التحري والتقوى مِن فُضلاء الأمة، ومن لم يُنبْ إلى الله، فقد خلع رِبقة التحري، واجترأ على ما يعلم أو يظن أنَّه قبيحٌ، فلم يكن بينهما ملازمةٌ، ولو دفعوا عن أنفسهم مضرة العقاب المعلومة والمظنونة، لأنابوا إلى الله تعالى.

стр. 660

الإشكال الموفي عشرين: أن الآية دليلٌ على وجوب قبول المتأوِّلين ، لأن في قبولهم العملَ بما يُعلم أو يُظن أنَّه واجب، والترك لما يُعلم أو يُظن أنَّه حرام، وهذه طريقة المنيبين، وقد أمر اللهُ تعالى باتباعها، فوجب ذلك على مقتضى تفسيرِ السَّيِّد المختار، وهذا غيرُ الأول فتأمله. الإشكال الحادي والعشرون: أن هذه الحجة لا تَصحُّ إلا بعدَ عدم المعارض ، وسيأتي أن لهذا المفهوم معارضاتٍ منطوقة ومفهومة. الإشكال الثاني والعشرون: هو الإشكالُ الثاني في الآية التي قبل هذه الآية ، وقد تقدم بطوله فخذه من هناك. فهده مئة إشكال، واثنان وعشرون إِشكالاً على القلب من كلام السيد في هذه المسألة، أو تزيدُ قليلاً، وقد انتهت الأدلةُ القرآنية التي تمسَّك بها السَّيِّد -أيده الله- ولم يبقَ معه إلا ما لا يحتمل أن يكونَ فيه حجة قطعية من خبر آحاد أو قياس، وقد سئمتُ من التطويل في هذا، وخشيتُ أن يكون الواقفُ (١) عليه أكثرَ سآمة مني، وإنما حملني على بعضِ البسط فيما تقدم دعوى السيدِ أن هذه المسألة قطعية، وتعريضه بتأثيم من خالفه فيها، ودعواه أن أدلتَه ظاهرة لا يحتمل أن يشُكَّ فيها عاقل فأحببتُ أن أستكثر من إيراد الإشكالاتِ، لعل السَّيِّد -أيده الله- يَشُكُّ في تأثيمي ولا يقطع به بل (٢) في تأثيم مَنْ خالفه من الأئمة الكبار، والسادة الأطهار، وسائرِ العلماء الأخيار.

стр. 661

قال: الثاني قولُه ﷺ : " إنَّ هذا العِلْمَ دِينٌ فَانْظُروا عَمَّن تأخُذُونَ دِينَكُمْ " (١). أقول: في احتجاج السَّيِّد بهذا الحديث إشكالات: الأول: أنه قد شك في تعذُّرِ معرفةِ الحديث، وقطع بالتعسُّرِ، وأطال الكلامَ في هذا، وأوسع الدائرة في استبعاد وجودِ طريق صحيحهَ لرواية الآثار، وها هو ذا سابحاً في بحارها، عاشياً إلى ضوء نارِها كما منع مِن تفسير القرآن العظيم، ثم فَسَّر منه هذه الآيات المتقدمة بما لعلَّه لا يُوجَدُ في شيءٍ من التفاسير المعتمدة، بل المهجورة، فكيف التلفيقُ بينَ تحذيرِه من الرواية للحديث، والعملِ به هناك، واعتماده على رواية الحديث، والاحتجاج به هنا. الإشكال الثاني: سلمنا أنَّ كلام السَّيِّد غيرُ متناقض، وأنه يُمكن معرفةُ الحديث ، فكان يجب على السيدِ بيانُ الطريق الصحيحة لهذا الحديث حتى يُلْزِمَ خَصْمَه قبولَه، وقد شرط السَّيِّد علينا في صِحة الحديث أن يكونَ له إسناد صحيح متصل، رواته عدول بتعديل عدول معدلين، وذلك التعديل معلوم وقوعه بخبر عدل، وإسناد صحيح حتى ينتهي إلى زمننا، فإن كان هذا حاصلاً مع السَّيِّد في هذا الحديث، فليتم المِنَّةَ علينا،

стр. 662

وُيعرفنا به وإن لم يكن له طريقٌ صحيحة كذلك فلا يليق بفضله أن يُوجِبَ علينا ما لا يُوجِبُ على نفسه، فإن اعتذر لنفسه بعُذْرٍ، فكان ينبغي منه أن يحْمِلَنَا على مثله. الإشكالُ الثالث: سلَّمنا أن الحديثَ صحيح، لكنه آحادي ظني ، والسيد قد ادَّعى أن المسألة قطعية. الإشكال الرابع: أن السَّيِّد قد عَظَّمَ القولَ في تفسير القرآن العظيم ، ومنع مِن معرفة اللغة، وحذَّرَ من الاجتهاد، لأنَّه ينبني على ذلك، ولا شك أن السنة مشاركة للقرآن في الحاجة إلى التفسير وأنَّ (١) تعذر تفسيرِ القرآن يستلزِمُ تَعَذُّرَ تفسير السنة، والاحتجاجُ بالسنة لا يَصِحُّ إلا بعدَ معرفةِ تفسير لها (٢)، فكيف احتج السيدُ بهذه السنة؟ فما أجاب به في هذا، فهو جوابُنا حيث أخذنا بنص الأحاديثِ، فادَّعى السيد أن ذلك من استنتاجِ العقيمِ، واستفتاء من ليس بعليم. الإشكال الخامس: أن في هذا الحديث عموماً في موضعين: أحدُهما: العلم، فإنه يُشْمَلُ العلمَ بالقطعيات والظنيات، والعلميات والعمليات. وثانيهما: قولُه: عمن تأخذون دينكم. فإنه يَشْمَلُ الثقاتِ من المتأولين، والمتنزهين عن البدع، والمصرحين بالكبائر، والمصرحين ببعض المعاصي الملتبسة، وليس بنصٍّ في واحد مِن هذه على إيراده،

стр. 663

فإذا كان كذلك، فهو محتمل لوجود مخصص لم يعلم به، وهذا الاحتمالُ يمنع من كونه حجةً قطعية. الإِشكال السادس: أن ذلك المخصصَ موجود كما سيأتي في الفصل الثاني، إن شاء اللهُ تعالى، ووجودُه يمنعُ من كون هذا العمومِ حجةً ظنية. الإشكال السابع: أن هذا العمومَ يحتمِلُ وجودَ المعارض، وذلك الاحتمال يمنعُ مِن كونه حجةً قطعية. الإشكال الثامن: أن ذلك المعارض موجودٌ كما سيأتي في الفصل الثاني، ووجودُه يمنع من كونه حجة ظنية. الإشكال التاسع: يحتمل أن يكونَ منسوخاً ، وهذا الاحتمال يمنع مِن كونه حجة قطعية. الإشكال العاشر: أن هذا الحديثَ مِن العمومات الواردة في العمليات ، وما كان كذلك، فهو ظني بالإجماع، والسيد ادَّعى أن هذه المسألة قطعية. الإشكال الحادي عشر: أن الاحتجاجَ بالعُموم يحتاج إلى الاجتهاد ، لأنَّه لا يَصِحُّ إلا بعدَ المعرفةِ بفقدِ (١) المعارض والناسخ والمخصص، واستكمال شرائطِ الاجتهاد، والسيد معترِفٌ بأنه ليس بمجتهد، ويحذِّرُ من الاجتهاد. الإشكال الثاني عشر: أنَّه يحتمل أن هذا العمومَ ورد على سبب ،

стр. 664

وهذا يمنعُ من القطع، وقد مرَّ تقريرُه في الآيات السابقة. الإشكال الثالث عشر: أن هذا العمومَ مخصوص بجواز الأخذ بخبر الفاسق المصرح في مواضع كثيرة، وقد قدمنا شيئاً منها، وفي العمل بالعموم المخصوص ما تقدم. الإشكال الرابع عشر: أن الحديثَ ورد بلفظ الأمر ، وفي كون الأمر للوجوب منازعة، والسيد مُدَّعٍ أن المسألة قطعية، فيجب بيانُ أن الأمر للوجوب بدليل قاطع. الإشكال الخامس عشر: أنَّه لا حجة في هذا الحديث لك، بل هي عليك ، وذلك أَن رسول الله ﷺ فوضَ الأمرَ في النظر إلينا فقال (١): فانظُروا عمن تأخذون دينَكم. وقد نظرنا كما أمرنا، هل الواجبُ الأخذُ بخبر من يُفيد خبرُه العلمَ أو الظنِّ، فوجد المعتبَر الظن؟ إذ لا طريق إلى العلم، فنظرنا في أخبار المتأوِّلين هل يُفيد الظن المعتبر أم لا؟ فوجدناها تفيده كما تفيده أخبارُ الثقات، فأخذنا به احتياطاً لديننا إذ كانت مخالفته تُؤَدِّي إلى ارتكاب المحرم المظنون تحريمه وتضييع الواجب المظنون وجوبُه مع ما دَلَّ على ذلك من سائر الأدله الآتية في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى. قال: ومنه قولُه ﷺ " يحملُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ سَلَفٍ عُدُولُهُ، ينْفُون عَنْهُ تَحرِيفَ المُبْطلينَ، وانتحالَ الغَالِينَ " (٢). أقول: احتجاجُ السَّيِّد بهذا الحديث كاحتجاجه بالحديث الأول في

стр. 665

الإشكال، ويردُ عليه الإشكالاتُ الثلاثة عشر الواردة على الأول، وإشكالان بعد تلك الثلاثة عشر. الإشكال الرابع عشر: وهو الأول منهما أن رواية السَّيِّد لهذا الحديث مخالفة للمشهور في كتب الحديث، فإنه قد رواه جماعة من أئمة الأثر حُفَّاظِ السنة، منهم الحافظ الكبير أبو عمر بن عبد البر، والحافظ ابن القطان، والحافظ العُقيلي، والحافظ ابن النحوي، والشيخ العلامة ابنُ الصلاح فقالوا: " يحْمِلُ هذا العِلْم منْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ " ذكره في " البدر المنير " (١)، وفي معنى رواية السَّيِّد إشكال، لأنَّه يكون المعنى: يحْمل هذا العلمَ عن كُلِّ سلفٍ عدول ذلك السلف فيكون السلف حاملين عن السلف، والمعروف أن الخلفَ هُمُ الذين يحملون عن السلف. الإشكال الخامس عشر: أن هذا الحديث حجة عليك لا لك ، وذلك لأنَّه يقضي بتعديلِ حَمَلَةِ العلم على الإطلاق، ولا شك أن الرُّواة من المتأوِّلين من جُمْلَةِ حمله العلم، وقد احتج ابنُ عبد البر بهذا الحديث على أن كل حاملِ علم معروف العناية به، فهو محمول على السلامة، مقبول في فنه ذلك حتى يظهر جرْحُهُ (٢) ولم أدرِ ما وجهُ احتجاج السيدِ بهذا الحديث؟! فليس فيه أمر بقبول المتأولين، ولا نهي عن قبولهم، وإنما أخبر عما يكون لا ذكر لهم فيه تصريح ولا مفهوم.

стр. 666

قال: ومنه قولُه ﷺ : " مَنْ أخذ دينه عن أفواه الرِّجال ذهبَتْ به الرجالُ مِن يمين إلى شمال، وكان مِن دينِ الله على أعظمِ زوال " تركنا العملَ به في خبر العدل لدليل، وبقي الباقي على الأصل. أقولُ: في الاحتجاج بهذا الحديث من الإشكالات الثلاثة عشر الذي في الحديثين الأول والثاني، ويختص بإشكالين بعدَها أولُهما . الرابع عشر: وذلك أن السيد ترك بعض الحديث، وهو قوله ﵇: " مَنْ أخَذَ دينَه عن التفكر في آلاء الله والتدبر لسُنتي، زالتِ الرواسي ولم يزل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال، مالت به الرجالُ من يمين إلى شمال، وكان من دين الله على أعظم زوال ". رواه السَّيِّد أبو طالب في كتاب " الأمالي " (١). وهذا الحديثُ لا يدل على ما ذكره السيد لوجهين. أحدُهما: أن في الحديث نصاً صريحاً في وروده في منْ أخذ دينه مِنْ أفواه الرِّجال على جهة التقيد لهم، وهذا يَدُلُّ على أن المراد به ما لا يجوزُ فيه التقليدُ، والذي لا يجوز فيه التقليد لا يُقبل من المتأول ولا من غيره، وإنما يُؤخذ فيه بالأدله القاطعةِ والبراهين الساطعة، فأين هذا مما نحن فيه؟! الثاني: أنه قد ذكر ﵇ أن المتدبر لسنته ممن (٢) تزولُ

стр. 667

الرواسي ولا يزول دينُه، ولا شَكَّ أن سنته ﵇ مأخوذة من أفواهِ الرجال المتواتر منها والآحاد، وكذلك القرآن الكريمُ مأخوذ من أفواه الرجال، فدلَّ على أن قوله: " من أخذ دينه من أفواه الرِّجال " عموم مخصوص، والمراد به منْ أخذ دينه من أفواههم على جهة التقليدِ لهم من غير حُجة، كما نجد المخالفين في العقائد يأخذونها عن شيوخهم مِن غير حجة سمعية، ولا عقلية، ولا أثارةٍ من علم، ويكون الدليلُ على التخصيص ذكره للكتاب والسنة المأخوذينِ من أفواه الرجال، فلو لم يحمله على هذا، لكان ظاهره متناقضاً، لأنَّه قضى لمن أخذ دينه عن أفواه الرجال بالزوال، ولمن أخذ دينه عن الكتاب والسنة المأخوذين عن أفواه الرجال بعدم الزوال، فلما تناقض الظاهرُ، وجب حملُه على ما يصح. الإشكال الخامس عشر: أن الحديث حجة لنا على السيد ، وذلك لأن قوله ﵇ في الحديث: " إن من أخذ دينه عن التفهم لكتاب الله والتدبر لسنة رسول الله ﷺ " عام للمعلوم منهما والمظنون، أما الكتابُ، فالمعلوم من معانيه والمظنون، وأما السنة، فالمعلوم من ألفاظها ومعانيها والمظنون منها، وأخبارُ المتأولين من جملة السنة المظنونة، فدخلت في هذا الحديث، ونحن نُخرج من هذا الحديث ما دَلَّ الدليلُ على خروجه، وهو حديثُ المجروحين بالتصريح دون التأويل، وبقى سواهم على الأصل، وسيأتي لهذه الحجة مزيد بيان. قال: الثالث: أن الأصل أن لا يُقبل خبرُ الواحد، لأنَّه إقدام على ما لا يُؤمن كونُه خطأ، وأخبارٌ بما لا يُؤمن كونهُ كذباً، دل الدليل على قبول العُدول، وبقي الكافران والفاسقانِ على الأصل. أقول: جوابُ هذا لا يخفي على من له أدنى معرفة بعلم العقليات ،

стр. 668

وأقل درْيَةً بالمسائل النظريات، فإن الإِقدام على ما لا يُؤمن كونُه كذباً وقبيحاً إنما يَقْبُحُ متى كان مستويَ الطرَفَيْنِ من غير رُجحان، أو كان مرجوحاً غيرَ مساوٍ ولا راجح، وهذا شيء ليس بالمختلف فيه، وإنما كلامُنا في المتأوِّل الذي صِدْقُه راجح على كذبه، ولا خلافَ بين أكثر العقلاء في حسن الراجح إن لم يكن في تركه مضرة، فإن كان في تركه مضرةٌ مظنونة، فهو واجب عقلاً، بل هو إجماعي فعلي من الموافق والمخالف كما يأتي بيانُه قريباً. والعجبُ مِن السيد -أيَّده الله- كيف غَفَلَ عن هذا وهو عمدة المتكلمين في إيجاب النظر حيث لم تندفِعِ المضرةُ المظنونة إلا به ودفعُها واجب، وما لا يَتمُ الواجبُ إلا به يجب كوجوبه، فكيف أُنْسِيَ السيدُ مثلَ هذا الذي لا يزال يُدَرِّسُه، ويُلقنه طلبةَ العلم؟ وقد ذهب السيدُ الإمام أبو طالب ﵇، والإمامُ المنصور بالله ﵇ إلى عكس ما ذهب إليه السيدُ، وذلك أن العملَ بخبر الواحد واجب عقلاً، ورواه (ص) و (ط) (١) ﵉ عن جمهورِ العلماء، وحكي الخلافُ فيه عن طائفةٍ من الإمامية، وطائفةٍ من البغدادية، وقومٍ من الخوارج، ثم قال: والذي يَدُلُّ على ما ذهب إليه الجمهورُ: العقل والسمعُ، وساق الأدلة وَجَوَّدهَا، وقد ذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسين البصري. قال (ص) باللهِ: والذي يَدُلُّ على صحة ما قدمنا من أن العقلاء يستحسنون بعقولهم العمل على خبر الواحد إذا غَلَبَ على ظنهم صِدْقُه في

стр. 669

جلب المنافع، ودفع المضار، ومعلومٌ أنَّ التعبد وُضِعَ لهذين الوجهين، وهما جلبُ منافع الآخرة، ودفعُ مضارِّها، ولأنا كما نعلمُ بعقولنا وجوبَ تناولِ الدواء مِن يدِ الطبيب على بعضِ الوجوه، فكذلك نعلم بعقولنا وجوبَ تناولِه من يد غلامه إذا قال: أنا أُنهيه إليكلم على يدِ هذا الغلامِ، وغَلَبَ على ظننا حصولُ أمانته وفقْدُ خيانته في أنَّه يجب علينا تناولُه في الحالين على سواء إلى آخر كلامه ﵇ في كتاب " صفوة الاختيار ". وأقول: إن العمل بالخبر المظنون صدقُه ما زال معمولاً به بَيْنَ العقلاء ممن وافق في هذه المسألة، ومِمن خالف، ولو كان الخبرُ بما يُظن صدقه قبيحاً في العقل لم يخبر أحد غيرَه إلا بالضروريات التي لا يُفيد الخبرُ بها، وإنما قلنا بغير ذلك، لأن المخبر بغير الضروري إن كان غيرَ عالم بما أخبر به، قَبُحَ منه الإخبار، وإن كان عالماً، قَبُحَ من صاحبه التصديق، وإن كانا عالِمَيْنِ معاً، فلا فائدة في الخبر إِلا ما لا يكاد (١) يُقْصَد من تعريف الإنسان لصاحبه أنَّه عالم، فهذه الصورة، ذَكَر علماء المعاني أنها قد تكون مقصودةً للمخبر، كقول المسلم للنبي ﷺ : أشهد أنَّكَ رسولُ الله، وهو المسمى بلازمِ فائدةِ الخبر. وهذا القسم يلزم السَّيِّد أيضاً أن لا يكون للخبرية معنى، لأن قبولَه من المخبر به يكون حراماً في العقل، وكلامُ السَّيِّد هذا يؤدي إلى القول بأن الخبرَ والاستخبارَ قبيحانِ عقلاً لولا ورودُ الشرع بجوازهما، وهذا قول لا يتماسَكُ ضعفاً، فلم يزل العقلاءُ من المسلمين والمشركين والفلاسفة

стр. 670

والبراهمة، وجميعِ الأجناس من أهل الملَلِ والنِّحَلِ والمذاهب والفِرقِ مطبقين من أوَّلِ عُمْرِ الدنيا إلى آخره في (١) أقطار الأرض وجزائر العالم على حُسْنِ الخبر والاستخبار، وتطلب الإِعلام، وتعلّم العلوم من الآحاد فالمريضُ يسأل الطبيبَ عما يشفيه، ويعتمِد على ما يأمره به، وأهلُ الحروب يبعثون العيونَ، ويعملونَ على ما يقولون، ومن خاف على صاحبه بعث إليه النذير، ومن احتاج إلى حاجةٍ من صاحبه وهو غائب أرسل إليه الرسول وكتب إليه الكتاب، وكذلك سائرُ التصرفات من جميع أعمال الدنيا والآخرة مبنية على الظَنَ، وحُسْنِ العمل عليه، فالتاجر يركب البحارَ، ويتعرض للأخطار على ظن الربح والسلامة، والزَّرَّاعُ يتحمل الأعمالَ الشاقة ويكدُّ بدنه في إثارة الأرضِ، ويُخاطر بما يطرح فيها من البذرِ على ظن التمام، والبقاء إلى يوم الحصاد، والملوك يجمعون الجنودَ، ويُنفقون الأموالَ في جمعها على رجاء الفتوح بمجرد الظن من غير قطع، وعمَّالُ الآخرة يتحمَّلون مشاق العبادة والمجاهدة على ظن القبول والسلامة في مستقبل العمر من الوقوع في المعاصي المُحْبِطةِ لتلك الأعمال، وطَلَبَةُ العلم يشرعون في غَيْبِ الكتب ودرسها على ظنِّ الفائدة وبلوغ الأمل، وكذلك ما لا يُحصى من جميع أجناس أفعال العقلاء الدالة على إطبقاهم على حسن العمل بالظن، ولا شَكَّ أن خبرَ المتأوِّلين يفيد الظنَّ عند من أجازه وعند من منعه، فالقول بأنه قبيح في العقل إما تعسُّفٌ شديد، وإما نزوحٌ عن التحقيق إلى مكان بعيد. واعلم أن العالِم من يرى الواضح واضحاً، والمشكل مشكلاً، وليس بمن يتكلَّفُ التشكيكَ في الواضحات وإيضاح المشكلات، فبان
следующие страницы →