← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المعدوم أولى من حمله على الأكثرِ دونَ الموجود الكثير على هذا الأصلِ؟ لا سيما وليس العموم بصريحٍ فكان يجبُ على السَّيِّد -أيَّده الله- أن يُبطل هذا القول. الإشكال الرابع: أنها جاءت أدلةٌ على أن المتأوِّل في الكبيرة التي ليست بكفرٍ يُسمَّى مسلماً بنصِّ النبي ﷺ مثل ما يُسَمَّى مُوَحِّداً (١)، ومِن أهل الملة، ومِن أهل القبلة، والمسلم مقبول. أمَّا المقدمة الأولى -وهو أنَّه يُسمَّى مسلماً وإن كان عاصياً باغياً- فكقولِ النبي ﷺ في حديث الحسن: " إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ وسيُصْلِح اللهُ به بَيْن طائفتيْنِ عظيمتين من المُسلمين " (٢)، وهذا حديثٌ صحيح مشهورٌ متلقىً بالقبول روته الزيديةُ، وعلماءُ الحديث، وكلُّ من تكلَّم في فضائل الحسنِ بنِ علي ﵉ غالباً. وقال الحافظ ابن عبد البر في كتاب " الاستيعاب " (٣) في مناقب الحسن ﵇: رواه اثنا عشر صحابياً.

стр. 597

وليس يدخل فيه من عَلِمْنَا بالقرائنِ أنَّه معاندٌ مجترىءٌ غير متأوِّل منهم، ولا مَنْ صحَّ في الحديث أنَّه منافق أو نحو ذلك، لأن حكم الواحدِ المخصوص لا يتعدَّى إلى الجماعة، ولا يلزمُ مِن خروج الخصوصِ بطلان العموم. وفي " صحيح مسلم " عن عمَرَ بنِ الخطاب ﵁ أن جبريلَ ﵇ سأل النبيَّ ﷺ عن الإسلام، فقال: " شهادةُ أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمَّداً رسولُ الله، وإقَام الصَلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وحجُّ البَيْتِ، وصَوْمُ رمضان " (١). وفي الحديثِ من هذا القبيل ما يطولُ ذكرُه، والمتأولون ممن ليس بكافر قائمون بهذه الأركان، وقد سمَّى رسول الله ﷺ أصحاب معاوية مسلمين في حديث الحسن ﵇ (٢)، وهو خاصٌّ لا يُعَارَضُ بالعمومات، وكذلك ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ أن أصحابَ معاوية بُغَاة كما جاء في حديث عمار: " تقْتُلكَ يَا عَمَّارُ الفِئَة البَاغِيَةُ " (٣) خرجه

стр. 598

أهل الصحاح والسنن والمسانيد والتواريخ وجميع أهل البيت وأهل الحديث والشيعة، وحكم علماء الحديث بتواتره، منهم الذهبي ذكره في " النبلاء " (١) في ترجمة عمار ﵁، وهو مذهبُ أئمة الفقهاء، ومذهبُ أهلِ الحديث كما نقله عنهم العلامة القُرطبي في أواخر كتابه " التذكرة في التعريف بأحوالِ الآخرة " (٢) كما سيأتي بيان ذلك مبسوطاًً في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله. فلا يخلو، إما أن يُثبت أن أصحابه يسَمَّوْنَ فسقةً في ذلك الزمان بنصٍ صحيح مثل ما ثبت أنهم يُسمَّوْنَ مسلمينَ وبغاةً، أو لا، إن لم يثبت ذلك لم تَنَاوَلْهمُ الآية الكريمة، وإن ثبت ذلك، فقد تناولهم اسمُ الفسق الذي يرد أهله، واسم الإسلام الذي يقبل أهله، فتعارضَ دليلُ قبولهم، ودليلُ ردِّهم، ولم يكونوا كالذين يُسمَّوْنَ فساقاً فقط، ولا يُسمون مسلمين ألبتة. فلا تدُلُّ الآيةُ الكريمة على مقصودِ السَّيِّد حتى يرتفِعَ هذا الاحتمالُ، فإنَّه إما راجحٌ، أو مساوٍ، أو مرجوحٌ محتمل، يوضِّحُ ذلك إن التفسيرَ للآية بذلك هو المشهور في كتب أهل البيت ﵈ كما ذكره صاحب (٣) " شفاء الأوام " وادَّعى الإجماع عليه، فإنه قال في كتاب الوصايا من " شفاء الأوام " ما لفظه: وقولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة﴾ [الحجرات: ٦] تدل على المنع من الإيصاء إلى الفاسق، وقولنا: إن الوصية لا تجوزُ إلى الفاسق نريدُ الفاسق المجاهر، فأما الفاسقُ

стр. 599

مِن جهة التأويل، فلسنا نُبْطِلُ كفاءته في النكاح كما تقدَّم، ونقبلُ خبره الذي نجعلُهُ أصلاً في الأحكام الشرعية لإِجماع الصحابة ﵃ على قبول أخبارِ البُغاة على أمير المؤمنين ﵇، وإجماعُهم حجة. انتهي كلامُه ﵇. فإن قلتَ: الدليلُ على أنهم لا يُسَمَّوْنَ مسلمين إجماع أهل البيت ﵈. فالجوابُ أنَّ أهلَ البيت ﵈ لم يتكلموا في هذه المسألة، وإنما أجمعوا في صورتين لم نُخالفهم في واحدة منهما (١): إحداهُما: أجمعوا أن حُكْمَ الفاسق في الآخرة غيرُ حكمِ المسلمين القائمين بالواجبات، المجتنبين للمحرمات، ونحن لا نُخالفهم في هذه الصورة (٢). الصورةُ الثانية: أجمعوا أنَّه لا يُسمى مؤمناً ولا مسلماً ولا كافراً في هذه الأعصار الأخيرة، لأنها قد صارت هذه الأسماء في هذا العرف الأخير تُفيد معانيَ مختلفةً يترتَّبُ عليها أحكام شرعية، وللعرف تأثير في تحريم إطلاقِ الألفاظ، ألا ترى أنَّه قد ورَد في الحديث تسميةُ كثير من المعاصي بالكفر (٣)، ولا يجوز أن يُسَمَّى فاعِلُها اليوم كافراً. وتلخيصُ هذا الوجه أن

стр. 600

المسلم والمؤمن لم يكن معلوماً أنَّه يفهم من إطلاق أهل العلم لهما في ذلك الزمان، أنهما يُفيدان عدمَ فسق التأويل، ولا ثبوتَه، وأما اليومَ، فقد صار العارفُ لا يُطْلِقُ هذه اللفظة على فاسقِ التأويل، فلو قال العارف اليوم في فاسق التأويل: إنَّه مسلم كان تزكيةً له من فسق التأويل، ولو قال ذلك قائلٌ في الصدر الأول، جاز أن لا يكون تزكيةً من فِسْقِ التأويل. ويدُلُّ على هذه التفرقة بين الأزمان في جواز إطلاق الأسماء وعدمه أن أهل البيت ﵈ لا يُجيزون أن يُسمَّى الكافِرُ فاسقاً في الزمان الأخير، لأن تسميته بذلك تُفيد أنَّه ليس بكافر وقد ثبت بالنصوص المتقدمة أنه كان يُسمى فاسقاً في الزمان الأول، وهذا دليل واضح. فإن قلت: كيف يجوز أن يُسمى مسلماً في ذلك الزمان وهو اسمُ مدح، والفاسقُ لا يستحق المدحَ؟ قلتُ: كما يجوزُ أن يسمى مُوحِّداً ومصلياً وحاجّاً، وذلك لأن هذه أسماء فاعلين، وكُل من فعل فعلاً حسناً أو قبيحاً، اشتق له منه اسم، وإذا فعَل الفاسِقُ ما يستحِق أن يُمدح به، مُدِحَ بما فعل، كما يُوصَفُ حاتِم بالكرم، وعنترةُ بالشجاعة ولا مانع من هذا، وإنما يمتنع مدحُه على فسقه أو مدحُه على الإطلاق، فإن قدرنا إنَّه منع من هذا مانعٌ، لم يمنع من مجرد التسمية، فقد تصِحُّ التسميةُ من غير مدح، ويكون الوجه أن المدح لا يستحق إلا مع عدم الإِحباط، وأما مع الإحباط، فلا يكون مدحاً ولكن ليس بلازم إذا حَبط الثواب أن يَبْطُلَ اشتقاق اسم الفاعل، ودليلُه تسميةُ الفاسق موحِّداً، وأما المقدمة الثانية -وهو أن المسلم مقبول- فسوف يأتي الدليلُ عليها في الفصل الثاني، إن شاء الله تعالى.

стр. 601

الإشكال الخامسُ: أن في هذه الأدلة ما يدل على أن المتأوِّل غيرَ الكافر كان يُسَمَّى مؤمناً في ذلك الزمان، وإن كان باغياً عاصياً إلا من عُرِفَ عنادُه أو نفاقُه كما تقدم، وكما يأتي، إن شاء الله تعالى، والمؤمن مقبول. بيان المقدمةِ الأولى من وجهين: أحَدهُما: أنَّه قد ثبت في الإشكال المقدم آنفاً أنَّه كان يُسَمَّى مسلماً، والمسلم مؤمن بإقرار الخصم. وثانيهما: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقولُه ﵇ في حديث جبريل وقد سأله ما الإيمانُ؟ قال: " أن تُؤمِنَ باللهِ وملائكتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِه، وتؤمِن بالقدر خيرِه وشرِّه " رواه مسلم (١). قال النواوي: القَدَرُ مِن اللهِ، ليس بإجبار خلقه على أفعالهم، ذكره في " شرح مسلم " (٢). وكذا قال الخطابي في " معالم السنن " (٣)، وأبو السعادات ابن الأثير في " جامع الأصول " (٤)، وأجمعَ أهلُ السنة على ذلك كما سيأتي. ومن ذلك حديثُ الأمَةِ السوداء التي سألها رسولُ اللهِ ﷺ ، فأشارت أن الله ربُّها، وأن محمداً ﷺ هو رسول الله، فقال ﷺ : " هِيَ مؤمنة "،

стр. 602

والحديث صحيح رواه مسلم (١) وغيره، وذكر الحافظ ابن حجر في " تلخيصه " له طرقاً كثيرة. وبيان المقدمة الثانية يأتي في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى، وفي هذا الإشكال من الأسئلة له ما في الذي قبلَه، والجواب كالجواب سواء. الإشكال السادس: أن الاستدلالَ بهذه الآية الكريمة من قبيل مفهومِ المخالفة أحد قسْمَي مفهومِ الخطاب، وهو مِن مفهوم الشرط أحد أنواع مفهوم المخالفة، ولا شك أن مفهوم الشرطِ يقتضي المخالفةَ في ما بعد حرف الشرط والذي بعدَ حرف الشرط هو المجيء، لا الفسقُ فيكون مفهومُ الآية: وإن لم يأتكم فاسق فلا تبيَّنُوا، وظاهر هذا المفهوم يحتاج إلى تأويل، فإن التبين لا يكون منهيّاً عنه (٢) في حال من الأحوال وإذا كان التبين غير منهي عنه في حال من الأحوال لم يصح التعلقُ بالمفهوم، فوجب إما الوقفُ أو التأويلُ ممن يعلمه فإنه يمكن أن يقال: إنَّه إنما ذكر الفِسْقَ ها هنا لأحد أمرين إما للسبب الذي نزلت الآية لأجله، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] نزلت في رجل لَحِقَه المسلمون، فسلم عليهم، فقتلوه ثبت ذلك في الصحيح (٣) فلا يجوزُ أن يكونَ معنى الآية: وإن لم تضربوا في سبيل الله، فلا تَبَيَّنوا، بل يكون الوجه أن الله تعالى إنما ذكر الضربَ في الأرض وشرطه التبيُّن (٤) لأن الذين نزلت فيهم الآيةُ كانوا ضاربين في الأرض وقتَ

стр. 603

نزولها، وإما للذم لمن نزلت فيه الآية كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] مع أنَّه سبحانه لا يتخذ عَضُداً من المضلين ولا مِن غيرهم، وقد ذكر الزمخشري ﵀ أن المعنى: وما كنتُ مُتخِذَهُم عضُداً، ولكن ذَكَرَ المضلين للذم (١) وقد حكم في " الكشاف " بمثل هذا في مواضِعَ كثيرة، فكذا يُمْكِنُ أن يكونَ وضع الفاسق في موضع ما هو أعَمُّ منه، كما لو قال: إن جاءكم أحدٌ ليفيد الذم، وتلك الفائدة حاصلة بالعام لو أتى به معروفة، أو وضع الفاسق موضع ما هو أخصُّ منه، وهو الوليدُ (٢) ليفيدَ الذم، والفائدة أيضاًً معروفة فتأمَّل ذلك. فإن قلتَ: ما المانعُ من القول بأن المعنى: وإن لم يأتكم فاسق، فلا تَبَيُّنُوا، وهلاَّ قلت: إن هذا المعنى صحيح، ولا يمنع منه ما في ظاهره من النهي من التبين، لأنَّه لم ينه عنه لأمر يعود عليه في نفسه، ولكن نهى عن طلبه لِحصوله، كأنه قال: وإن جاءكم مسلم، فقد حصل البيان، فلا تطلبوا البيان. قلتُ: الجواب أنَّه لا يَصِحُّ القطعُ على أن هذا هو المراد لوجهين. أحدُهما: أنا بينا أن المفهومَ لا يصح أن يكونَ: وإن جاءكم مسلم، وإنما المفهوم وإن لم يأتكم فاسق. ويدل عليه وجوه.

стр. 604

أحدها: أن الله تعالى قد أمر بالتَبَيُّنِ (١) مع خبر المسلم في قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] كما يأتي بيانه في الإشكال الثامن. الثاني: ما مر أن التبين (٢) لا يكون منهيّاً عنه ظاهراً لا قاطعاً. الثالث: ما في الإشكال التاسع من أن العلة خوف الإصابة بالجهالة، فمتى حصل ما يُسَمَّى جهالةً، وجب التبين، وإن كان المخبر مسلماً، ومتى حصل انتفاء الجهالة، قبل وإن كان متأولاً. الثاني: أن الجهاتِ الموجبة للتبين كثيرة، وليست الفسقَ فقط حتى إذا انتفي الفسقُ، اتتفي التبَيُّن، فقد يجب التبينُ مع انتفاء الفسق في مواضعَ، منها في خبر المجهول، ومنها في خبرِ العدل إذا كان بينَه وبينَ مَنْ أخبر عنه إحْنَةٌ أو عداوة، ومنها خبرُ العدل الذي لا شائبة في عدالته إلا أنَّ ذلك الحكم مما يجب فيه اعتبارُ عدلين، ومنها في خبرِ العدل إذا كان خبرُه دعوى على غيره، ومنها خبرُ العدل إذا عارضه عدلٌ آخر، ومنها في خبر العدل إذا كان معروفاً بالغفلة، ومجرباً عليه كثرة الغلطِ والنسيان، وغير ذلك مما ورد الشرع بعدم قبول العدل فيه. الإشكال السابع: أن الآية الكريمة نزلت في حقوق المخلوقين ، وذلك واضحٌ في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ وقد قال الحاكم ﵁ في هذه الآية ما لفظه: والجوابُ أن هذه الآية نزلت في

стр. 605

الوليد بن عقبة بعثه رسولُ الله ﷺ مُصَدِّقاً (١) فجاء، وأخبر بالامتناع عنهم كذباً، فنزلت الآية، وإذا (٢) كانت خاصة في هذه الآية وما يجري مجراها، لم يَصِحَّ الاستدلال بها. انتهى. ومن العجب أن السَّيِّد ذكر في تفسيره أن الفاسقَ هو الوليد بصيغة الجزم، ولم يذكر خلافاً في ذلك ذكره في " تجريد الكشاف المزيد فيه النكت اللطاف " ولم يُدخل معه المصرحين دعِ المتأولين فالله المستعان. وكلام الحاكم صحيح، فإن حقوقَ المخلوقين لا تُقاس على حقوق الله تعالى، لأنَّه يُعتبر فيها مِن قوة الظن ما لا (٣) يُعتبر في حقوق الله تعالى، ولهذا لا يُعتبر في الإخبار عن رسول الله ﷺ إلا خبر واحد، ويجب في حقوق المخلوقين اعتبارُ شاهِدَيْنِ، وفي بعضها أربعة شهود، وفي بعضها (٤) شاهدٌ ويمينٌ، وفي بعضِها اليمينُ مع الخبر، ولا يُقبل فيها العَدُوُّ على عدوه، ولا شهادةُ الأبِ لولده عند بعضِ العلماء، وكم بينَ

стр. 606

حقوقِ الله تعالى وحقوقِ المخلوقين من الفروق الواضحة، وسيأتي لهذا مزيد بيان، إن شاء الله تعالى. فإذا فَرَّقَ الشرعُ بينَ الحكمين، لم يصح القياس مع وجود هذه التفرقة المستمرة في أكثر الأحوال، أو في كثير منها، فأما العموم فقد تَبَيَّنَ بهذا الإِشكال تعذُّرُهُ، فلا تحرم روايةُ الحديث عن فاسقِ التأويل بعموم هذه الآية، لأنها خاصة بحقوق المخلوقين، فتأمل ذلك، وهذا لازم (١) له، لا (٢) نقول بأن المنع من قبول المتأوِّلين من المسائل القطعية، ويستدل على ذلك بهذه الآية النازلة عن مرتبة الظن كيف القطع، فليتَ ما استدل به على القطع أثْمَرَ الظن! الإشكالُ الثامن: أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ولم يقل: فلا تقبلوه، والتبين: هو النظر فيما يدل على صدقه أو كذبه، وليس القطع على تكذيبه، والجزمُ على عدم قبوله يُسَمَّى، تبيناً في اللغة، ولا في العُرف، ولا في الشرع. والتبين: تَفعُّل من البيان وهو تطَلُّبُ البيان، وذلك لا يكون مع بيان ردِّه، ولا مع بيان قبوله، كما لا تقول بعد شروق الشمس لصاحبك: تبيَّن هل طلع الفجرُ؟ وإنما تقول ذلك لأجلِ الالتباس، ويوضِّح هذا أنَّه قد جاء التبيُّن في القرآن الكريم، وليس المراد به الردَّ والتكذيب، كما في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ فإنَّه روى ابن عباس ﵄: أن المسلمين لحقوا رجلاً في غُنَيْمَةٍ (٣) له فقال: السَّلام

стр. 607

عليكم. فقتلوه، وأخذوا غنيمتَه، فنزلت، رواه البخاري ومسلم (١)، وروي من غير طريق. فإذا ثبت أن التبين: هو طلب البيان، لا ردُّ الخبر، فإنا نقول: من جملة التبين أنا ننظر في المُخْبِرِ: أهو مِن أهل الصدق والتجنبِ لِكل ما اعتقد أنه قبيح، أم من أهل التعمُّد للمعاصي، والوقوع فيما يُعلم أنَّه قبيح؟ فنظرنا في المتأولين، فوجدناهم من أهل الصدق والتحري فيما يعتقدون قبحَه فقبلناهم، وإنما قلنا: هذا مِن التبين، لأنَّ الله تعالى أمرنا بالتَّبَيُّنِ أمراً مطلقاً، ولم يُعينه في تبيُّن مخصوصٌ، وهذا تبين في لُغة العرب، وإنما تكون الآية حجةً صريحة (٢) فيما قصد السَّيِّد لو قال الله تعالى فيها كما قال في القاذفين: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أبَداً﴾ [النور: ٤]، وكما قال في خبرهم: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وكما قال تعالى في خبرهم: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، ونحو هذه الآيات الصريحة، فأما التَّبَيُّن، فليسَ مِن الرد والتكذيب في شيء. الإشكال التاسعُ: قالَ -أيده الله-: إنَّه علَّق الحكم على صفة وهي الفسق.

стр. 608

قلنا: لكنه قد علَّل تعليقه للحكم على تلك الصفة بخوف الإصابة بالجهالة، وذلك واضح في الآية لقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] وهذه العلة غير حاصلة في خبر المتدين المتأوِّل، فإن خبره يُفيد الظنَّ الراجحَ، والظن الراجحُ ليس بجهالة لوجهين: أحدُهما: أنَّه قد ورد تسميتُه علماً في لسان العرب مثل ما ورد تسمية العلم ظناً، كذلك في قوله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب ﵇: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وقد احتج بها في " شفاء الأوام " في باب الشهادات، وما ثبت أنَّه يُسمى علماً في اللغة، فلا يسبق إلى الفهم أنَّه يسمى جهالة. وثانيهما -وهو المعتمد- أنا نظرنا في الجهالة: هل المرادُ بها عدم العلم أو عدمُ الظن؟ فوجدنا (١) عدمَ الظن لا عدمَ العلم، وإنما قلنا: ليست عدمَ العلم، لأن العلمَ لا يَحْصُل أيضاً بخبر المسلم الثقة، وكذلك لا يَحْصُلُ بخبرِ الثقتين، فثبت أن الجهالة تنتفي بحصول الظن، والظنُّ حاصل مع خبر المتأول المتدين فوجب قبولُه، وقبولُ كل خبرٍ يُفيدُ الظنَّ إلا ما خرج بالأدلة القاطعة أو الراجحة الخاصة. وقد قال القرطبي (٢): في هذه الآية الكريمة سبعُ مسائل. ذكرها كلها حتى قال: السابعةُ فإن قضى بما يَحْكُمُ على الظن لم يكن ذلك عملاً بجهالة كالقضاء بشاهدَيْنِ عدلينِ، وقبولِ قول عالم مجتهد. انتهى. وهذا صريح في المعنى الذي قصدتهُ ولله الحمد، أفاده النفيسُ

стр. 609

العلوي. وللزمخشري مثلُ هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]. الإشكال العاشرُ: أنَّ السَّيِّد -أيده الله- قد ادّعى أن الآيةَ في معنى العموم، لكن العموم لا يَصِحُّ الاحتجاج به إلا بعد فقدِ المعارض، والناسخ، والمُخَصِّصِ، والمعرفة بفقد هذه تحتاج إلى الاجتهاد بالاتفاق، وقد شدَّد السيدُ في التحذير منه، فما بالُه خاض في بحاره، وَعَشَا إلى ضَوْءِ ناره. الإشكال الحادي عشر: أن السَّيِّد -أيده الله- عَظَّمَ الكلامَ في تفسير القرآن العظيم، وكاد يُلحِقُه بما لا يستطاع، أو ألحقه به، ونص على أنَّه صعبٌ شديد، مدركُه بعيد، ثم إنَّه فَسَّرَ هذه الآية الكريمة، واحتج بها في هذه المسألة التي زعم أنها قطعية مع ما في هذه الآية من الإِشكالات، فإن الله تعالى سهل للسَّيِّد تفسيرَ هذه الآية، فلعله سبحانه يُسَهِّل لغيره تفسيرَ غيرها، وإن كان قال فيها بغير علم، فإن ذلك لا يليقُ بفضله. الإشكال الثاني عشر: بقي على السيد -أيده الله- بقية في الاستدلال بهذه الآية، وذلك لأنها وردت على سبب ونزلت في الوليد بن عقبة، وكان فاسقاً مصرحاً غيرَ مقبول عند المحدثين، ولا عند الزيدية -كما سيأتي بيانُه في المسألة الثانية إن شاء الله تعالى- ذكر ذلك الواحدي في " أسباب نزول القرآن " (١)، وفي " الوسيط " في التفسير له ولم يذكر غيرَه، وكذا في " عين المعاني " (٢) ولم يذكر غيره مع كثرة توسعه في النقل،

стр. 610

وكذا في تفسير عبد الصمد الحنفي (١)، وكذا في تفسير الرازي (٢) ولم يذكر غيره، وفي تفسير القرطبي قيل: إنَّه الوليد، ولم يذكر غيره مع كثرة اتساعه في النقل. وقال أبو عمر بن عبد البر في " الاستيعاب " (٣): ولا خلاف بينَ أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله تعالى: ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ أن الآية نزلت في الوليد بن عُقبة. والعلماء (٤) مختلفون فيما ورد على سببٍ من العمومات هل يُقصرُ عليه، أو يُجرى على عمومه؟ والسيد لا يدري ما مذهبُ خصمه في ذلك، فبقي عليه أن يُلْزِمَ خصمَه القولَ بأن العموم لا يُقصر على سببه، ويستدِلُّ على ذلك بدليل قاطع يمنعُ الخصم من المخالفة، فإن الدليلَ الظني لا يَصْلُحُ وازعاً للخصم عن المنازعة، وإنما يَصْلُحُ مثيراً لظن المستدل به فمع (٥) عدم الدليل القاطع للخصم أن يقولَ: هذه الآيةُ نزلت في الوليد بنِ عُقبة كما جاء ذلك من غير وجه، وهو إجماعٌ مِن المفسرين كما ذكره ابنُ عبد البر، وقد ثبت في الصحاح (٦): أن الوليدَ كان فاسقاً يشربُ الخمر، فتُقصر الآيةُ على الفاسق المصرّح الذي نزلت فيه وهو الوليدُ بن عقبة. فإن قيسَ على المنصوص عليه، لم يَقْضِ القياسُ إلا دخولَ سائرِ الفساق المصرِّحين، وهذا مذهبٌ مشهورٌ قال به كثير من

стр. 611

الكبار، منهم: علي بن أبي طالب، وابنُ عباس، وعثمانُ، لكن في وقائع مخصوصة، وهو مذهب الشافعي ﵁ مع جلالته وما علمنا أن أحداً فسق (١) من قال بقصر العموم على سببه، ولا نسبه إلى الجهل وقلة التمييز، فلا بُدُّ للسَّيِّد مما ذكرناه من نصبِ الدليل القاطع على تحريم قصرِ العموم على سببه. الإِشكال الثالث عشر: بقي على السيّد -أيده الله- بقية، وذلك أنه قد عَلِمَ أن العمومَ مُختلف في الاحتجاجِ به، وفيه أقوالٌ كثيرة، فقيل: إن خص بمبيّن فهو حجة، وإلا فليس بحجة، وقيل: إن خص تخصيصاً متصلاً، فهو حجة، وإلا فلا. قاله أبو القاسم البلخي. وقال أبو الحسين البصري: إن كان العموم مُنبئاً عنه، فهو حجة، كاقتُلوا المشركين، فإنه يُنبىء عن اليهود والنصارى على أحد القولين في أنَّهم مشركون بقولهم: " عزير ابن الله " و" المسيح ابن الله " وقوله تعالى فيهم: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ولقول النصارى: " إن الله ثالث ثلاثة "، قال أبو الحسين: وإن (٢) لم يكن منبئاً عن الخصوص فليس بحجة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فإن العمومَ مخصوصٌ باشتراط النصاب والحرز، وهو لا ينبىء عنهما (٣). وقال قاضي القضاة: إن كان غير مفتقر إلى بيان كالمشركين، فهو حُجَّةٌ، وإن افتقر إلى بيان، فيس بحجة مثل: ﴿أقيموا الصلاة﴾ فإنهم كانوا لا يعرفون كيفيتها، فحين جاء تخصيصُ الحائض لم يبقَ في قوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ حجة، ومِنَ العلماء من قال: إنَّه يكون حجةً في أقلِّ

стр. 612

الجمع فقط، ومنهم من قال: إنَّه لا يكون حجةً على الإطلاق وهو مذهبُ أبي ثور (١)، وحكاه المنصورُ بالله ﵇ في " الصفوة " عن عيسى بنِ أبان (٢)، ومنهم من عكس (٣). فمع هذا الاختلافِ الشديد كيف يحتج السيدُ على خصمه بالعموم المخصوصِ، ويلزمه الموافقة في المسألة ويدعي أنَّها قطعية، ولا يبينُ الدليلَ القاطع على أن العمومَ المخصوص حُجة؟ فإن قلتَ: ومن أين أن (٤) هذا العموم مخصوص؟ قلتُ: على تسليم إنَّه عمومٌ، فهو مخصوص بالإجماع، فإن خبرَ الفاسق مقبول في مواضع بالاتفاق، سواء كان مصرحاً أو متأولاً، وذلك كخبره بطلاق زوجته، وتذكيته لذبيحته، وإسلامه، ووقفه لماله، وتوبته، ونجاسة ثوبه وطهارته، وعتقه لمملوكه، وإقراره على نفسه، وأمثال ذلك مما لا يحصى كثرة. الإِشكال الرابع عشر: أنَّ الآية وردت بلفظِ الأمر في قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، والسيد -أيده الله- يعرف أن بينَ العلماء خلافاً كثيراً في

стр. 613

الأمر، فقد اختلفوا فيه على ثمانية أقوال (١): الأوَّل: أنَّه للوجوب فقط. والثاني: أنَّه للندب، وبه قال أبو هاشم. والثالث: أنَّه للرُّجحان، فيكون عامّاً فيهما. الرابع: أنَّه مشترك بينَ الوجوب والندب. الخامس: الوقف في الوجوب، والندبُ مع القطع على أنَّه ليس للإباحة. السادس: أنَّه مشترك في الوجوب والندب والإباحة. السابع: أنَّه للإِذن المشترك بينَ الوجوب والندب والإِباحة فيدخل تحتَ الإِذن دخولَ النوع تحت الجنسِ، والخاصِّ تحتَ العام. والثامن: أنَّه مشترك بينَ الوجوب والندب والإِباحة والتهديد. وفي هذه الأقوال الخالص والمزَّيف، فكيف منع السيدُ خصمَه من المخالفة في المسألة، وادَّعى أنها قطعية، واستدل بهذه الآية ودلالتها مبنية على أن الأمرَ للوجوب، وقد خالف في هذه القاعدة خلقٌ كثيرٌ من المتقدمين والمتأخرينِ من أهل العدل والتوحيد وغيرهم؟ الإِشكال الخامس عشر: أن في (٢) أهل العلم مَنْ يقول: إن ألفاظ العموم مشتركة بينَ العموم والخصوص، لأنها أكثر ما وردت العموماتُ،

стр. 614

والمراد بها الخصوصُ، حتى قال بعضهم: ليس في القرآنِ عمومٌ إلا وهو مخصوص إلا قولَه تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] قالوا: والأصلُ في الاستعمال الحقيقةُ، وإنما أشرت إلى طرف من حجة أهل هذا القول لعدم اشتهاره، وهو قول ضعيف، ولكن لا يتم دليل السيد حتى يُبين أنَّه باطل قطعاً، ولا يكفيه أنَّه ضعيف على مقتضى الأدلة الظنية، وفي العموم أقوالٌ كثيرة قريب من الأقوال المذكورة في الأمر، فيلزم السيدَ نصبُ الدليلِ القاطع على بطلانها، وإلا لم يمنع خصمه من المنازعة، ويحرم عليه المخالفة. الإشكالُ السادسَ عشر: أنَّ لهذه الآية معارضاتٍ كثيرة يأتي بيانُها إن شاء الله تعالى في الفصل الثاني، ولا يتم الاحتجاجُ بها حتى يُبيِّن (١) السيد رجحانَهَا على تلك المعارضات، بل مجردُ الرجحان لا يكفي في المسائل القطعيات. الإشكال السابع عشر: أن لهذه الآيةِ مخصصاً كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني، فلا يصح الاستدلالُ بها مع وجود المُخصِّصِ، فهذه واجبات كثيرة أخلَّ بها السيدُ، أوجبها عليه التعنتُ بدعواه: أن المسألة قطعية، وأن الخلاف فيها حرام. قال: ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، ومن الركون إليهم: قبول قولهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥] وذلك أن ثقيفاً أرادُوا أن

стр. 615

يُصالحوه على ألا يُعْشَروا ولا يُحْشَرُوا، القصة (١). فهمَّ بأن يُساعِدَهم إلى قبول قولهم، فنزلت، وفيها مِن الوعيدِ ما ترى، هذا وقد قلَّلَ الركونَ حيث قال: ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾. أقول يرد على استدلال السيد -أيَّدَهُ اللهُ- بهذه الآية إشكالات: الإشكالُ الأولُ: أن معنى الآية ظني، مختلَف فيه أشد الاختلاف كما ذكره السَّيِّد في تفسيره " تجريد الكشاف المزيد فيه النُّكت اللطاف " والعجبُ منه أنَّه (٢) هنالك حكى الأقوالَ من غير تقبيحٍ لشيءٍ منها، بل حكى عن القاضي والحاكم شيخي الاعتزالِ تصحيحَ غيرِ ما ذكره هنا، وكذلك عن الرازي، ولم يعترِضْ تصحيحَهم، ولا يَحِلُّ له حكايةُ البواطِلِ في تفسيرِ كلام الله مِن غير إِنكار، وقد قال في تفسيره ما لفظه: وقيل: لا تَرْضَوْا بأعمالهم، عن أبي العالية. وقيل: لا تُدَاهِنُوا، عن السدي. وقيل: لا تلحقوا بالمشرَكين، عن قتادة. قلت: وهو من رؤوس المعتزلة القدماء. قال السيدُ: وقيل: الركونُ المنهي عنه الدخولُ معهم في ظلمهم، أو معاونتهم، أو الرضى بفعلهم، أو موالاتهم، وأما إذا دَخَلَ عليهم، أو خالطهم لدفع شرهم، أو أحسن معاشرتهم، وَرَفَق بهم في القول ليقبلوا منه ما يأمُرُهمْ به من طاعة الله، فذلك غيرُ منهي عنه، عن القاضي. قال الحاكم: وهو الصحيح، لأن الله تعالى أمر بإلاَنَةِ القولِ للكافر في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فأولى الظالم.

стр. 616

وقال الواحدي: الركونُ السُّكُونُ إلى الشيء، والميلُ إليه بالمحبة، قال ابنُ عباس: لا تميلوا، يريدُ في المحبة، ولين الكلام والمودة. وقال عكرمة: هو أن يطيعهم أو يودَّهم. وقال الرازي (١): الركونُ المنهي عنه عند المحققين: الرِّضى بما عليه الظلمةُ من الظلم، وتحسينُه لهم أو لغيرهم، وأما مداخلتهم، لدفع ضرر، أو اجتلاب منفعة عاجلة، فغيرُ داخل في الركون. انتهي تفسير السيد للركون بعدَ حكايته كلام الزمخشري وما ينَاسبه. فظهر من ذلك أن معنى الآية ظني، وذلك منافٍ لقول السيد: إن المنع من قبول المتأولين قاطع، ويدل على أن ذلك ظني مع ما ذكره السَّيِّد -أيده الله-: أن الركونَ هو الميل في أصل اللغة، ومنه: أركنت الإناءَ: إذا أصغيتَه، وأركن الرَّحْلَ: أماله، قاله الزمخشري (٢)، وكذا قال (٣) في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ أي: تميل. ولا شك أن الميلَ إنما يصح إطلاقُه على الحقيقة في الأجسام، فثبت أن هذا الركون مجازٌ، والمجازُ يحتاج إلى علاقة ظاهرة، ألا ترى أنهم قالُوا: يقال للشجاع: أسد لظهور العلاقة، وهي قوة القلب، ولا يقال للأبخر: أسد لخفاء العلاقة، وهي ما فيه من البَخَرِ، فأكثر السامعين لا يفهم معنى الكلام لخفاء معنى (٤) هذه العلاقة، ولم يبين السَّيِّد المشبِّه وهو المقصود في الآية، فأما الميلُ الحقيقي الذي هو كميل الإِناء، فليس بمحرَّم، ولا

стр. 617

مقصود قطعاً، إذ كان المجاهدُ حين يهوي إلى الكافر ليطعنه، أو يضرِبَه، أو يقتله قد مال إليه كميل الإناء أو أشد، ولكن لمضرته، وإنما المحرم الميلُ المجازي، ولا بدَّ من مخالفته للميل الحقيقي، كما أن الأسد المجازي يُخالِفُ الأسدَ الحقيقي. وقد قال العلامة أبو حيَّان الأندلسي إمامُ اللغة والعربية والتفسير (١): إِن معناها: ولا تطمئِنُّوا (٢)، فجعل المجازَ المشبه بالميلِ الحقيقي هو الطمأنينة، ولا يمنعُ منه قولُه: ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ لأن الطمأنينة يُوصَف قليلُها بالقلة، وكثيرُها بالكثرة، لأن القِلة والكثرةَ أمران عُرفيان إضافيان، وليسا ذَاتِييْنِ حقيقيين، يُوضِّحه أنَّه يصِحُّ أن تقول: ولا تطمئنوا إليهم شيئاً قليلاً، كما يَصِحُّ أن تقول: ولا تطمئنوا إليهم كثيراً. والتحقيق: أن الرمخشري ذكر أصلَ الركونِ في الوضع اللغوي مبالغةً في البحث والزجر، وأبا حيان ذكر المعنى العُرفي المستعمل السابق إلى الأفهام فيما نقلت إليه هذه اللفظة، ولا شَكَّ في تقدم الحقيقة العرفية على اللغوية كما ذكروه في الدابة والقارورة ولا يَشُكُّ منصفٌ أن (٣) الركونَ اللغوي الذي ذكره الزمخشري غيرُ مراد، وأن حقيقتَه في ميل جسومنا إلى جسومهم، وأن كلام أبي حيان معروف، وأن الركونَ إلى القوم صار في العُرف بمعنى السكون إليهم، والطمأنينة بهم، وفي ترك هذا المعنى وسائر أقوال المفسرين مِن الصحابة والتابعين، والاقتصار على أصل الوضع تضييعٌ للتفسير، ومجانبةٌ للتحقيق، فتأمل ذلك. والله أعلم.

стр. 618

إذا عرفتَ هذا، فإنا نقول: إن قبولَنا لكلام المتدين المتأوِّل الذي يغلِبُ على الظن صدقُه فيما لم يظهر لنا أن بينه وبينَ الركون الحقيقي علاقةً ظاهرةً قطعية تمنع الاختلافَ كما ادَّعى السيد، وبيانُ عدم ظهور العلاقة أنا لم نركن إليه في الحقيقة، وإنما ركنا إلى أمرين: أحدهما: الدليل الدال على وجوب قبول روايته وسيأتي بيانُه مفصلاً في الفصل الثاني، إِن شاء الله تعالى. وثانيهما: الظنُّ الراجحُ المجرب أن صِدقه دائم، أو أكثري الذي قضت العقولُ بوجوب العمل به في دفعِ المضار وحسنِ العمل به في جلب المنافع، وإنما المتأول قرينةٌ للظن، والمركون إليه هو الظنٌّ لا القرينةُ بدليل أن الظنَّ متى زال لم يستند إلى القرينة ولا يُعمل بها، ألا ترى أن من رأى السحابَ الثقال التي هِيَ قرينةُ المطرِ، فاستبشر، وأصلح سواقي زرعه لم يكن في المجاز راكناً إلى السحاب، وإنما يَكونُ في المجاز راكناً إلى ظنه الراجح، وكذلك لو أخبرك المتأوِّلُ أن في هذا الطعام سمّاً وظننتَ صدقه، قَبُحَ منك الإِقدام على أكله، لأن فيه مضرةً مظنونة، ودفعُ المضرة المظنونة واجبٌ عقلاً، فلو أنَّك ذهبتَ تأكلُه لئلا تركنَ إلى خبر المتأوِّل، لم يختلف العقلاء في قبحِ اختيارِك، وكذلك إذا أخبرك أنه سَمِعَ النبي ﷺ يقول: إن هذا حرامٌ يستحق فاعلُه العقابَ، فإنَّك إذا ظننتَ صدقه، قَبُحَ منك الإِقدام على ما تَظُنُّ أن الإِقدام عليه محرَّم موجبٌ لغضب الله، وشديدِ عقابه، نعوذ بالله من ذلك، ولم يكن إقدامُك على ما تظنُّ أنَّه يُدخلك النار والحرام والعمل بالمعقول فراراً من الركون إلى مَنْ أخبرك، وقد رجع المسلمون إلى أطباء الفلاسفة والنصارى في جميع أقطارِ الإسلام من غير نكير، ولم يكن ذلك ركوناً إليهم، وذلك لأنهم ظنوا صِدْقَهم في فنهم،

стр. 619

وجربوا حُسْنَ معرفتهم، بل أعظم من هذا أن الفقهاء بَنَوْا على أقوالهم حكماً شرعيّاً، فقالوا: من ادَّعى الطب، وليس بطبيب، فقتل أو أبطل عضواً، وجب عليه القصاصُ في ذلك أو الديةُ على حسب ما اتفق منه من العمدِ والخطأ، ومن كان يَعْرفُ الطبَّ لم يجب عليه شيء من ذلك، وهذا الطِّبُّ الذي يسقط عنه القود والدية هو معرفة ما قالت اليهودُ والنصارى وسائر علماء الطب على جهة التقليد لهم، والثقةِ بمعرفتهم وصدقهم، وقد أجمع (١) المسلمون على جواز (٢) الإقدام على مداواة الأئمة والعلماء والفضلاء، وسائر المسلمين بأقوال الأطباء في كتبهم متى كان المداوي من أهل المعرفة التامة بمقاصدِ الأطباء، والعلم بما وضعوه هذا مع ما في مداواة الأئمة والعلماء من الخطرِ العظيم لجواز أن تكونَ تلك الأدوية سبباً لموتهم متى كان الواضعُ لها غيرَ صادق في كلامه ولا بصيرٍ (٣) في علمه، ويدل على ذلك مع ما تقدم وجوه: الأول: أجمع العقلاءُ من أهل الإِسلام وغيرِهِم على أن الإنسانَ يرجِعُ إلى تصديق عدوِّه وقبولِ كلامه حيث يظن صدقه في أمور الحربِ والإصلاح، فمن ذلك أن الكفارَ إذا عقدوا الذمة بينَهم وبينَ المسلمين، جاز للمسلم أن يأمَنهم، ويَدْخلَ بلادَهم لحاجته ركوناً منه إلى ما وثق به من ظن صدقهم في أنهم يفون، ولا يَغْدِرُونَ، وإلا لوجب أن يحرمَ ذلك عليه، ويكون فاعله ملقياً بنفسه إلى التهلكة راكناً بذلك إلى الظلمة، وهذا خلافُ إجماعَ المسلمين.

стр. 620

الثاني: أنَّه يجوز العملُ بخبر الفساق بالإجماع في مسائلَ كثيرة قد ذكرتُها في ما تقدم، كخبرهم بطلاق نسائهم مع ما يترتَّبُ عليه من جوازِ نكاحهن لغيرهم من المسلمين، وكذلك إخبارُهم بحل أموالهم وما يترتَّبُ على ذلك من معاملاتهم، وكذلك إخبارُهم بالبيع والوقفِ والطهارةِ والنجاسةِ، وكثيرٍ من الأحكام. الثالث: أنَّه يجوزُ نكاح الفاسقة بغير الزنى عند أهل المذهب مع ما يترتب على ذلك من جواز قبولِ خبرها عن طهارتِها من الحيض، واغتسالِها منه الغسلَ التام المشروع، وما يترتب على ذلك من جواز وطئها، وما في ذلك من الميل إليها، والإيناسِ لها. فَهذا (١) مما لا يعلم في جوازه خلافٌ، وكذلك نكاحُ الزانية المسلمة عند الجمهور، وهو مذهبُ أئمة الفقهاء الأربعة (٢) وأتباعهم، حكاه عن الجمهور صاحبُ " نهاية المجتهد " (٣)، ورواه السيدُ أبو طالب في " التحرير " عن الهادي ﵇ من أئمة الزيدية. وأما الآيةُ الكريمة وهي قولُه تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] فلا بُدَّ من تأويلها بالإجماع، لأن الزانية المسلمة لا يجوز لها نكاحُ المشرك، والصحيحُ قول ابن عباس: أن المراد لا يزني بها، وأن النكاح هنا: هو اللغوي لا الشرعي. رواه عنه البيهقي في "السنن

стр. 621

الكبرى" (١)، والمعنى: أن الزناة لا يرغبون في الأعفَّاء، والأعفَّاء لا يرغبون في الزُّناة، والدليلُ على ذلك أن القراءة برفع " يَنْكِحُ " على أنَّه خبر عن عاداتهم، وليست بجزمه على أنَّه نهي. وقوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] أي: وحرم الزنى، أو طبعوا على النُّفرة عنه، كقوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] والموجب للتأويل الإجماعُ على امتناع الظاهر في نكاح المشرك للزانية المسلمة وفي انفساخ النكاح، وتحريمه بزنى الزوج. وقال سعيد بن المسيِّب والشافعي: هي منسوخة (٢).

стр. 622

قلت: والناسخُ لها قولُه ﷺ في حَجَّة الوداع: " فإنْ أتَيْنَ بفاحِشَة مبيّنةٍ " الحديثَ (١). وحجة الجمهور حديث: " إنَّ امرأتي لا ترُدُّ يدَ لَامِسٍ " (٢)

стр. 623

ويضعف ما يدلُّ على التحريم من الأحاديث إما مطلقاًً، وإما بالنسبة إلى ما عارضها، أو الجمع مع تسليم الصحة، إما بإدعاءِ النسخ كما تقدَّم في الآية، أو بحمل النهي على الكراهة بدليل حديث: " إِنَّ امرأتي لا تَردُّ يَدَ لامِسٍ ". وأكثرُ من هذا ما ذهب إليه زيد بن علي ﵇، وجماهير الفقهاء، واختاره الإِمام يحيى بن حمزة، وادَّعى أنَّه إجماع الصدرِ الأول، وذلك جوازُ نكاح الذِّمِّية مِن اليهود والنصارى وهو ظاهرُ القرآن (١)، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] وهذه الآية أخصُّ مِن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] والواجب حملُ العام على الخاص، لا حملُ الخاص على العام، ولذلك أجمعوا على تقديمِ قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]

стр. 624

على قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إذ الآية الأولى خاصة بالحوامل، والثانية عامة لهنّ ولغيرهنّ، وكذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] عام في أهل الكتاب وغيرهم، وهذه الآية خاصة بالكتابيات. وإنما ذكرتُ حجةَ زيدِ بن علي ﵇، لأن هذا الأمرَ قد صار منكراً في هذا الزمان. وإذا ثبت هذا، فلا شك أنَّه يجوزُ على مذهب زيد بنِ علي ﵇، وعلى مذهب الجميعِ في الفاسقة غيرِ الزانية قبولُ خبرها عن طُهرها من الحيض ونحوِ ذلك. الرابع: أنَّه تجوزُ شهادةُ الكافر الكتابي عند الحاجة إليه (١)، لقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].

стр. 625

الخامس: أنَّ شهادة بعضهم على بعض مقبولةٌ عند كثير من العلماءِ مِن أهل البيت وغيرِهم، فهذه الصُّوَرُ ونحوُها مما يدل على أنَّ مجردَ القبول لورود الشرع بذلك، أو لقوة الظن مع ورود الشرع به لا يكون ركوناً إليهم. الإشكال الثاني: أن الاحتجاجَ بهذه الآية لا يَصِحُّ حتى يدل. (١) دليل قاطع على أنَّه لم يكن وقتَ رسول الله ﷺ عُرْفٌ يَسْبقُ إلى الأفهام في معنى الذين ظلموا غيرَ الحقيقة اللغوية، وغير عرف المتأخرين، لكنا نقيم الدليلَ على أن يكون هناك عُرفٌ شرعي يدل على أن الذين ظلموا هُمُ الكفار، وذلك مِن الكتاب والسنة، أما الكتابُ، فقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وظاهر هذه الآية قصر الظالمين على الكافرين، وإلا لوجب أن يكون المرادُ: والكافرون هم بعضُ الظالمين، وذلك خلاف الظاهر، وأصلُ الاستعمال الحقيقة، ولا يُعَدَلُ عن الظاهر إلا بدليل، والخصمُ يحتاج في هذه المسألة إلى دليل قاطع في لفظه ومعناه، حتى ما ادّعى من أنها قطعية وهو يُريد إلزامَ خصمه الوفاقَ وتحريم المنازعة عليه، فيحتاج إلى دليلٍ مقطوع بمعناه، وبأنه غيرُ مخصّص ولا منسوخٍ ولا معارَض، يوضحُ ما ذكرناه أن الخبر إذا كان معرفاً باللام ثم يجز أن يكون أعمَّ من المبتدأ، فلا نقول: الإنسان هو الحيوانُ، ولا قريش هم بنو عدنان من غير تقييد (٢) وذلك واضح. فإن قلت: قد ورد في القرآن تسميةُ المعاصي ظلماً وإن لم تكن كفراً.

стр. 626

قلت: هذا صحيح، ونحن نقولُ به، ولا ننكره، وإنما قلنا: يجوز أنها تسَمَّى ظلماً على صور. الصورة الأولى: أن يكونَ ظلماً في الحقيقة اللغوية لا العُرفية كما سَمَّى اللهُ الإنسان دابة في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وليس الإنسان يُسَمَّى دابةً في العُرف حتى لو حلف حالف: لَيَرْكبنَّ دابة، لم يُجْزهِ ركوبُ إنسان ولا غيره سوى الدابةِ المعروفة، فإذا أطلق اللفظ عن القرائن حُمِل على العرفية، وإذا جاء لغير ذلك، فمع القرائن. الصورة الثانية: أنا نسلِّمُ ذلك في المصادر والأفعال ولا نُسَلِّمُهُ في الموصولات مثل الذين ظلموا، ولا في أسماء الفاعلين كالظالمين، وقد قدمنا أنَّه لا يمنعُ ثبوت عرف في أسماء الفاعلين دون المصادر والأفعال كما ثبت ذلك في الدابة والدَّبيب، وقد تقدم بيانُه. الصورة الثالثة: أن تقول (١): قد ورد في الشرع ما يَدُلُّ على أن المعصية المسماةَ بالظُّلم تختصُّ بالكفر، ورُدَّ بأنها تَعُمُّ الكُفْرَ (٢) وغيره، أصلُ الاستعمال الحقيقة، فدلَّ على أنها لفظةٌ مشتركة في الحقيقة الشرعية، وحينئذ لا يَصِحُّ القطعُ بدخول مَنْ ليس بكافر إلا بقرينةٍ، فإن كانت المسألةُ ظنية، جاز أن تكون تلك القرينةُ ظنية، وإن كانت قطعية لم يكف إلا أن تكونَ القرينةُ قطعيةً. فإن قلت: وما المانِعُ من أن يكون الظلمُ عاماً في الكفر والفسق، ولا يكون مشتركاً، لأن الأصل عَدَمُ الاشتراك.

стр. 627

قلتُ: ظاهر قولِه تعالى: ﴿والكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يأبى العمومَ، لأنَّ ظاهرَةُ قصرُ الظالمين على الكافرين كما تقَدَّمَ، سلمنا جوازَ أنَّ الظاهر العمومُ دونَ الاشتراك، لكن الاشتراك محتمل غيرُ راجح، فلا يَصْلُحُ الاستدلالُ بها في مسألة قطعية حتى ينتفيَ الاشتراك بقاطع. فإن قلتَ: هلا قلْتَ: إن قوله تعالى: ﴿والكَافِرُون هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مجاز كقول القائل: العلماءُ هم العاملون مبالغة في أن كل عامل بغير علم فليس بعامل لما يعرض في عمله من الخطأ. قلتُ: الجوابُ من وجهين. الأول: أنَّه لا يُعْدَلُ إلى المجاز إلا بدليل، وإنما سألت عن الدليل. الثاني: أن السَّيِّد ادَّعى أن المسألة قطعية، فلا بُدَّ للسَّيِّد من الدليل القاطع على نفي هذا الاحتمال. وأما السنةُ، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقّ ذلك على أصحاب النبيِّ ﷺ ، فقالوا: أيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إيمَانَهُ بِظُلم؟ فقال رسولُ الله ﷺ : " إنَّه لَيسَ بذَاكَ [إنَّما هُوَ الشِّركُ] ألا تسْمَعُ إلى قَوْلِ لُقْمَانَ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " (١)،

стр. 628

وروى الحاكم مثلَه عن أبي بكر الصديق موقوفاً (١). وقولهم: إنَّه لا يَصِحُّ أن يكونَ مع الشرك شيء من الإيمان مردودٌ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] والتحقيق: أن الإيمانَ قسمان لغوي وشرعي، والشرعي قسمان أعلى وأدنى، والشركُ إنما ينافي الشرعي. فإن قلتَ: هذا يدل على عدم العرف، ولذلك قالوا: أيُّنا لم يَلْبِسْ إيمانَه بظلم؟!. فالجوابُ من وجهين، أحدهما: أن لبس الإيمانِ بالظُّلم قرينة يُفهم منها إنَّه ليسَ بظُلم الشرك، لأن الشِّرْكْ والإيمانَ الشرعي لا يجتمعانِ بخلاف سائر المعاصي، فإنها تجتمع مع الإيمان إلا الكبائر، وعلى قولِ الفقهاء والكبائر. وثانيهما: ما قدمنا مِن الفرق بين المصدر واسم الفاعل، وما في معناه من الموصول. وثالثها (٢): أنِّي لم أدَّعِ أن العُرف في ذلك كان مستمرّاً من أوَّل النبوة إلى آخرها، فما المانعُ أن يكونَ ذلك العُرف بعدَ أن سَمِعُوا مِن رسولِ اللهِ ﷺ هذا الحديث وغيره، وبعدَ نزول قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وغيرها، بل هو الظاهرُ، لأن العُرف لا يثبت إلا بعد كثرةِ الاستعمال وطولِ المدة.

стр. 629

فإن قلتَ: كيف يَصِحُّ الاحتجاجُ بحديث البخاري على الخصم وهو يُنكره. قلتُ: لأنَّه ادَّعى أن المسألة قطعية، وحديثُ البخاري وإن لم يكن عنده صحيحاً، فهو مما يجوز ويحتمل أنَّه صحيح، إذ ليس في العقل ما يحيله، ولا في نصوص السمع المعلوم لفظها ومعناها وعدم نسخها ومعارضتها، وتخصيصها، وغير ذلك ما يُفِيدُ القطعَ بكذب هذا الحديثِ، وأيضاًً فقد رواه الحاكم في " المستدرك " من طريق أبي بكر وصححه، والحاكم من علماء شيعة أهل البيت بلا نزاع والخصم إنما قدح في من توهَّمَ أنَّه منحرف عنهم ﵈، ومع تجويز صحة هذا الحديث، والقولِ بأنه محتمل (١) يبطل عليه القطعُ، لأنَّه لا يأمنُ أن يكونَ لهذا الحديث إسنادٌ صحيح من غير طريق البخاري، ولا يعلم انتفاء تلك الطريق، لكن غايةُ الأمر أنَّه يطلب، فلا يجد، وليس عدمُ الوجدان دالاًّ على عدم الوجود كما ذلك مُقَرَّرٌ في موضعه من العقليات، ولأنهُ رُبما وَقَفَ على هذا الكتابِ من يعتقد صحةَ هذا الحديثِ، فينتفع به، بل الظاهر أن الأكثرين يعتقدون ذلك، ولأنا ندل على صِحَّةِ حديث البخاري كما يأتي في الفصل الثاني، وإمَّا أن يُستدل على الخصم بما يُنازِعُ فيه متى أقمنا الدليلَ على بُطلان ما ادَّعاه، وقد تقدم في الإشكالات الواردة على احتجاج السيد بالآية الأولى ما يدلُّك (٢) على أنَّ هذا ليس بمخالفٍ لمذهب أهلِ البيت ﵈، فخذه مِن هناك. الإشكال الثالث: أن الآية عامَّةٌ في جميع الظالمين، والاحتجاج

стр. 630

بالعموم يحتاجُ إلى المعرفة بِفَقْدِ المعارِضِ والمُخَصِّصِ والناسخ، وذلك عند السيد -أيده الله- صعبٌ شديد، مَدْرَكُهُ بعيد، وهو عمودُ الاجتهاد الذي قال: إنَّه متعذِّر أو متعسِّر، فكيف صح له الاحتجاجُ بهذه الآيةِ الكريمة. الإشكال الرابع: قد قال: إن معرفةَ تفسير المحتاج إليه من القرآن صعبٌ شديد، مَدْرَكُهُ بعيد، وأورد (١) الإشكالات المتقدمة في المسألة الأولى، فمن أين حصل له تفسير هذه الآية الكريمة بحيث عَلِمَ أن الله يُريد فيها أن سؤال المتأوِّلين عن الحديث من الركونِ إلى الذين ظلموا. الإشكال الخامس: بقي على السيد -أيده الله- أن يُبين أن هذه الآية وردت على سببٍ، أو لم تَرِدْ على سبب، فإن كانت واردةً على سببٍ، وجب عليه بيانُ أن العمومَ الواردَ على سبب غيرُ مقصورٍ عليه، وإن (٢) لم تكن واردة على سبب عنده، فأين الدليلُ القاطع على أنَّها لم تَرِدْ على سبب، وعدمُ وجدان السبب لا يَدُلُّ على عدم وجوده كما تقدم، سواء وردت على سبب أو لم ترد على سبب، أما إن وردت على سببٍ، فظاهر، وأما إن لم ترد على سبب، فلأنه محتمل، ولا طريقَ إِلى القطع بعدمِ الاحتمال، والسيد يَدَّعِي القطعَ، والقطعُ يُضَادُّ الاحتمال. الإشكال السادس: أن هذا العمومَ مخصوص ، لأنَّه يجبُ برُّ الوالدين، وامتثالُ بعض أوامرهما، والانتهاء عن بعض نواهيهما، والركون: هو الميل، وفي مثل (٣) ذلك ميلٌ إليهما، وقد قال اللهُ تعالى:

стр. 631

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] هذا في المشركين كيف بالمسلمين العاصين، وكذلك قولُه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]. قال الزمخشري (١): معناه: لا ينهى عن مَبَّرةِ هؤلاء. وفي هذا ركون إلى الذين لم يُقاتِلُوا في الدين، وكذلك ما أسلفناه من جواز (٢) نكاحِ المرأةِ العاصية بغير الكُفر والزنى مع ما في ذلك من الركون العظيمِ إليها إذ هُو الميل، ولا يُوجد في الطباع ميلٌ أعْظَمُ مِن الميل إلى الزوجة، وأكثرُ النساء لا تكادُ تسلَمُ مِن هذا، ولو لم يكن إلا العصيانُ بالغيبة والنُّشُوزِ والكَذِبِ، والخروج من البيت بغير إذن، ونحو ذلك مما لا يخلو عنه النساء. وإذا (٣) تقرر هذا فالعمومُ المخصوصُ مختلف في الاحتجاج به إختلافاًً كثيراً، كما قد بيَّنّا، فكان يلزمُ السيدَ إبطال قولِ المخالف بالدليل القاطع. الإشكال السابع: أن الآيةَ مِن قبيل العموم ، والسيد ذكر أن المسألةَ قطعية، ومنع الخلافَ فيها، والعمومُ ليس من الأدلة القطعية التي يمتنع مخالفةُ من استدل بها. الإشكال الثامن: أن في العلماء من قال: العمومُ مشترك ، ولا يَحْصُلُ غرضُ السَّيِّد حتى يُبْطِل قولَ المخالف بدليل قاطع، لجواز أن يقول

стр. 632

الخصمُ: المرادُ بهذا العموم الخصوص لقرينة دلَّتْ على ذلك إما ما قدَّمنا مِن تخصيصه أو غيرِه، أو يقول: بأن بابَ الخصوص متحقّقٌ فيه، والعمومُ يحتاج إِلى قرينة وهي مفقودةٌ، فهذا محتمل، والاحتمال يمنعُ القطعَ. الإِشكال التاسعُ: إن ظاهرَ الآية متروكٌ بالإجماع ، لأنَّه لم يَقْصِدْ تحريم الركون إلى الذين ظلموا على ظاهره، لأن ظاهرَه يقتضي تحريمَ الركون إلى ذواتهم وأجسامهم، ومثال ذلك تحريمُ الأمهات، فإنه لما وُجَّهَ إلى الذواتِ، وجب تأويلُهُ، وكذا تحريمُ الميتة، لما وجه إلى ذاتها في ظاهرها وَجَبَ تأويلُهُ، وقد اختلف العلماءُ في ما ورد على هذه الصفة، فمنهم من قال: يكون مجملاً حتى يَرِدَ بيانه من القرآن أو السنة، ومنهم من قال غير ذلك كما هو مُبيَّنٌ في الأصول، فكان يجب على السَّيِّد إبطالُ القول بالإجمال في هذا الجنس بدليلٍ قاطع. الإشكال العاشر: سلمنا للسيدِ -أيَّده الله- أن القولَ بالإجمال في هذا ضعيف وفي أمثاله، لكن القول المنصور في الأصول أن التحريمَ ينصرِفُ إلى الأمير العُرفي السابق إلى الأفهام، وهو يختلِفُ، ففي تحريم الميتة يسبِقُ إِلى الفهم تحريمُ الأكل، وفي تحريم الأمَّهَاتِ يسبِقُ لنكاحُ لا النظر، وفي تحريم الأجنبيات يسبقُ النكاحُ والنظر ونحو ذلك، فنقول للسيد: لا يخلو إما أن يكونَ في تحريم الركون عُرْفٌ يَسبق إلى (١) الفهم كما في الميتة والأمهات أو لا، إن كان فيه عُرْفٌ لزم المصيرُ إليه، لكنا نعلم أنَّه لم يثْبت عُرْفٌ في أن الركونَ هو قبولُ قوْلِ المتأوِّل المظنون صِدقُه

стр. 633

وتديُّنُه، وإن لم يثبت عُرف، لم يكن له في الآية حُجَّةٌ علينا ظاهرة تحرم المخالفة، فكان الظاهرُ الإجمال، لأنا إن قدَّرْنا أن المضمر المحذوف شيء معين، كان تحكُّماً، وإن قدرنا جميعَ الأمور المحتملة، كان تقديرُ ذلك لا يجوزُ، لأن إضمارَ واحدٍ يكفي، والزيادةُ من غير ضرورة محرمة، واللفظُ لا يدل على العموم في تلك المضمرات، ولأنَّ القولَ بأن الله أراد كذا وكذا فيما لم يدُلَّ عليه اللفظُ ولا العقل، قولٌ على الله بغير علم ولا ظن، وذلك محرم إجماعاً مع ما وَرَدَ من تحريم التفسير بالرأي وسيأتي في آخر الكتاب. والقويُّ أنَّه لا عُرْف في لفظة الركون على انفرادها، لكنها إذا أُضِيفَتْ إلى صفةٍ مذمومة، وتعلَّق بها التحريمُ، كان المفهومُ في العرف أن التحريم يتعلق بتلك الصفة المذمومة، فيكون المعنى: ولا تركنوا إلى الذين ظَلمُوا في ظلمهم، كما أن المعنى في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] في إنابتهم، لا في مطاعمهم ومشارِبهم وسائرِ مباحاتهم، والعُرف شائع في نحوه، فإن سَلِمَ، بطلت الحُجَّةُ، وإن نُوزِعَ فيه، فالنزاعُ في ما عداه أشدُّ، والفهمُ لغيره أبعدُ، والله أعلم. وَيعْضُدُه ما ذكره الإمامُ محمد بن المطهّر بن يحيى أن الموالاةَ المجمع (١) على تحريمها إذا كانت لأجلِ الموالى عليه مِن القبيح، ومن الظن أنَّه (٢) القدر المتحقق إرادته، والزائد عليه قول بغير علم، ويَدُلُّ على ذلك كثرةُ المقيدات لإطلاق النهي عن الركون، ولو لم يرد في ذلك إلا قولُه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ الآية، ولذلك قالت الهادوية مع تشديدهم في ذلك: إنَّه يجوز محبةُ العاصي لِخَصْلَة خيرٍ فيه.

стр. 634

وكذلك قال أبو حيان: إنها الطُّمأنينة إليهم. ويجوزُ ترجيحُ قوله لتجويده في فنه وتحقيقِه في علمه في قراءةٍ وحديث ونحوٍ وفقهٍ وعلى هذا عملُ الأمة في جميع الأمصار منذ دهور وأعصار. وسيأتي بيان (١) استنادِ أهلِ البيت ﵈ إلى المخالفين في الحديث ونحوِه من العلوم التي هي أساسُ فروعهم الظنية، والعجبُ ممن منع المعلومَ بالضرورة من ذلك، وأعجبُ منه مَن سلَّمه، وزَعَمَ أن تقليدَ الفقهاءِ لا يجوزُ أو يكره (٢)، فجعل الفروع أقوى من الأصل، وهذه غفلة عظيمة. فإن قلت: في هذا الإشكال العاشر تضعيف للإجمال الذي أوردتَه في الإِشكال التاسع. قلتُ: لم أورده لذهابي إليه، ولا لابتناء دليل (٣) السَّيِّد على بطلانه، وإنما أقولُ بتضعيفه وعرض السَّيِّد لا يَحْصُلُ حتى يدلَّ على بُطلانه قطعاً. الإِشكال الحادي عشر: أن المتأولين كانوا غيرَ موجودين وقتَ النبي ﷺ ، وفي العُلماء من قال: إنَّ العمومَ لا ينصرِفُ إلا إلى الموجودِ المعروف الذي يَسْبِقُ إلى أفهام السامعين أن المتكلم أراده، وقد مَرَّ تقريرُ حجتهم في ذلك، ولا يَصحُّ الاستدلالُ بهذه الآية من السَّيِّد الذي يُبْطِلُ هذا الاحتمالَ بدليلٍ قاطِعٍ. الإِشكال الثاني عشر: أن المتأوِّل يُسَمَّى مسلماً بالنص الخاص، والمسلم مقبولٌ، وقد مر تقريرُ ذلك جميعاً.

стр. 635

الإشكال الثالث عشر: أن المتأوِّل يسَمَّى مؤمناً والمؤمن مقبول، وقد مَرَّ تقريرُهُ أيضاً. الإشكال الرابع عشر: أن الآية عامَّةٌ في جميع الذين ظلموا، والاحتجاجُ بالعموم لا يَصِحُّ مع وجود المُخَصِّصِ، وهو موجود كما سيأتي في الفصل الثاني، ونذكر هناك مَنْ روى الإجماعَ على وجوبِ قبول أخبارهم، وأن العملَ عَضَدَ تلك الرواية، وذلك العملُ هو ما الناسُ عليهِ مِن القراءة في كتب المخالفين في القراءاتِ (١) والحديثِ وعلومِ العربية نحواً ولغةً ومعاني وبياناً وسائر علوم الإِسلام، والسيِّدُ ادَّعى أن المسألة قطعية، وكان مِن تمام هذه الدعوى أن يَدُلَّ بدليلٍ قاطع (٢) على أنَّ تلك المخصصات بواطل لا يَحِلُّ التخصيصُ بها قطعاً. الإشكال الخامس عشر: أن السيدَ استدل على أن قبولَ قولهم ركونٌ إليهم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. قال السَّيِّد -أيَّده الله-: وذلك لأنهم أرادوا أن يُصالحوه على أن لا يُعْشَرُوا ولا يُحْشَرُوا، القصةَ. فَهَمَّ أن يُساعِدَهم إلى قبول قولهم، فنزلت، هذا لفظه، أيَّده الله. فأقول: الاستدلالُ بهذا على أن قبولَ المتأوِّل المتدين المظنون صدقه يُسَمَّى ركوناً لا يَصِحُّ، وذلك لأنَّه قياس، واللغة لا تثبُتُ بالقياس، فإن كان السَّيِّد يرى ثبوتَها بالقياس كما هو رأي بعضِ العلماء، فعليه أن
следующие страницы →