المتأول، لكن قبوله عند السَّيِّد باطل قطعاً، والفروع المبنية عليه باطلة قطعاً، فيلزم أن لا يعتد بقولهما ﵉، ولا بقول غيرهما من علماء الإِسلام، سواء قلنا بتقليد الميت أم لا، فلا يجوز تقليدُ أحدٍ إلا من علم بطريقٍ صحيحة أنَّه لا يقبل المتأولين ولا مرسل مَنْ يقبل المتأولين.
الإِشكال الثاني عشر: يلزم السيدَ -أيده اللهُ- أن الرادين لِرِواية المتأول إذا أجمعوا في الفروع، وخالفهم القابلون، انعقد الإِجماعُ وكان حجةً، لأنهم قد بَنَوْا مذاهبَهُمْ على باطل، والتبس ما بَنَوْه على الباطل بما بَنَوْه على الحق فترك جميعاًً، فلم يعتد لهم بقول، فلم يجز تقليدُهم، وقد ذكر -أيَّده الله- إن مَنْ لم يبق له خلف يُقَلِّدونه، بطل قولُه، وانعقد الإِجماعُ على رأسه، فكذلك من يحرم تقليده بل هو أولى.
الإشكال الثالث عشر: أن الأمة أجمعت على عدم التأثيم لمن خالف العموم وأخبارَ الآحاد والقياسَ والاستدلالَ متأولاً في مخالفته، وقول السيد: إنها قطعية يستلزم تأثيمَ مَنْ خالف هذه الأدلةَ، أو أحدها متأولاً، وذلك أنَّه استدل بها، وزعم أن مدلولَها قطعي، فقد توجه عليه مخالفة الأمة إما في هذه القاعدة كلها، وإما في تخصيص أدلته، فإن خالفهم في القاعدة كُلِّها، أثم جميعُ المخالفين في الفروع، وإن خالفهم في هذه وحدها، تحكم.
الإشكال الرابع عشر: استدل بهذه الأدلة، وكلها ظني ، ثم استنتج منها نتيجةً قطعية، وقد أجمع علماء البُرهان من المسلمين والفلاسفة أن مقدماتِ الدليل إذا كان كُلُّها قطعية إلا واحدة منها، فإن النتيجةَ تكون ظنية وقالوا: النتيجةُ تتبع أخَسَّ المقدمات، فكيف تكونُ مقدمات السَّيِّد كلها ظنية، ويقر بذلك، ثم يستنتج منها نتيجة، ويزعم أنها قطعية، وأن
стр. 737
المخالف له فيها على الخطأ قطعاً؟ ما كأنَّه قد خاض في علم النظر يوماً واحداً، والفرق بين هذا وبين الإشكالِ الثاني أنا ألزمناه في الثاني أن تكونَ علميةً مع إقراره أن أدلتها ظنيةٌ، هذا خلف، وها هنا ألزمناه عكسَ ذلك، وذلك أنَّه ادَّعى أنها قطعية، فألزمناه أنها ظنية.
الإِشكال الخامس عشر: إذا كنتَ استدللتَ بأدلة ظنية، وادعيتَ القطع بأن الحقَّ معك، وأن خصمَكَ على الباطل، فما يمنع خصمَكَ من مثل هذه الدعوى؟ بل: ما يمنع من مثلها في كثيرٍ من مسائِلِ الفروع، وإنما بين المتناظرين الأدلة المفيدة للعلم، فمن ادعى القطعَ بأنَّه محق، وأن خصمَه مبطل أظهر ما عنده مِن البراهين المفيدة للعلم القاطعة للأعذار، وأما لو كَانَ مَن ادَّعى الحَقَّ كفاه أن يقول: لأني ظننتُ أنَّه حق بأمارات ظاهره لا تخفي على أحد، وظننتُ أن قولَ الخصوم (١) باطل مثل ذلك كان هذا الكلام مقدوراً لكل أحد.
الإشكال السادس عشر: أنا قد بيّنّا غير مرة أن جماعةً من الأئمة والعلماء ادَّعَوْا إجماعَ الأمة على قبول المتأولين ، فيلزمه القطعُ بتكذيب من ادَّعى الإجماعَ من الأئمة مثل: المنصور بالله، ويحيى بنِ حمزة وغيرهم ممن يأتي ذكره. أقصى ما في الباب أن يقول: إنَّهم لم يكذبوا عمداً لكنهم قد كذبوا عندك على سبيلِ الخطأ، لكن دعوى الإجماع ليست من مسائل الفروع التي كُلُّ مخطىءٍ فيها مصيب ومعذور.
الإشكال السابع عشر: يلزم السيدَ -أيده الله- الإنكارُ على مَنْ خالفه في هذه المسألة، وتحريم النزاع فيها، لكن لم يزل العلماءُ قديماً
стр. 738
وحديثاً يخوضون في هذه المسألة، ويذكرون الخلافَ فيها في كتب الفقه والأصول من غيرِ نكير مِن أحدِ الفريقين على الآخر، وهذا يقتضي بطلانَ قولِ السيد: إنها قطعية، ومما يدل على هذا أن أحداً ما سبق السّيّد إلى هذا القول فيما نعلم، وهذه كتب الأولين والآخرين والسابقين والمقتصدين والزيدية، والشافعية والمعتزلة والأشعرية ما نعلمُ أنَّ أحداً ذكر فيها أن هذه المسألة قطعية، وأوصدَ باب النزاع، وقطع طُرُقَ الخلافِ عنها إلا السيد أيَّده الله، فإنه سلك مسلك الغُلُوِّ في رسالته، والزيادة على أساليب العلماء في مصنفاتهم، فإن جميعَ مَنْ ذكَرَ هذه المسألة من العلماء ما زادوا على ذكر الخلاف والأدلة، وسكتوا عما يقتضي تأثيم المخالفين.
الإشكال الثامن عشر: أنَّه يلزمُ مِن كلام السَّيِّد نقضُ الأحكام المثبتة على شهادة المتأولين، لأن القاضي إذا أدَّاه اجتهادُه إلى مخالفة القطعيات نقض حكمه، وإن كان مذهباً له، إذ لا معنى للمذهب الباطل قطعاً، وهذا يؤدي إلى نقضِ أحكام كثيرة، فإنَّ مذهب الفقهاء مبني على جواز هذا، وكذا حكام مذهب الزيدية إنما عملُهم في الغالب بما هو منصوص في " اللمع "، والمنصوص في " اللمع " قبول شهادة المتأولين، بل هذا يُؤدِّي إلى الشك في الأحكام كلها، لأنا لما علمنا أو ظننا أن الحكامَ مستحلون للحكم بشهادة المتأولين، وكانت باطلةً قطعاً، وقد اختلطتِ الأحكامُ ولم نعلم ما ترتَّب منها على شهادتهم وما لم يترتب، وجب الوقفُ فيها كُلِّها إلا في ما ثبت لنا أن الحكم فيه لم يترتب على شهادة متأول وكذلك يلزمُ مِن هذا نقض أحكام المقلدين للمؤيد والفقهاء ومَنْ بنى مذهبه على قبول المتأولين.
الإشكال التاسع عشر: أنَّه يلزمُ تحريمُ نصبِ الحكام الذين يستحِلُّونَ الحكم بشهادة المتأولين ، سواء كانوا مجتهدين أو غيرَ مجتهدين، وسواء
стр. 739
كانوا مقلِّدين لمن يقبل المتأولين، أو لمن لا يقبلهم، لأنهم يستحِلُّونَ شهادة المتأولين، وهذا عند السَّيِّد باطِلٌ قطعاً، ولا يحِلُّ نصبُ من يستحل الحكم بالباطل القطعي، وكلُُّ هذا مخالف لما عليه أهلُ الإسلام في جميع أقطار الدنيا، فكان أولى بالبطلان.
الإشكال الموفي عشرين: أنَّه يلزم من هذا تحريم نصب الأئمة الذين يستحِلُّونَ قبولَ المتأولين ، وذلك لأنَّهم حكام، ولا يجوزُ نصب مَنْ يستحِلُّ الحكم بالباطل القطعي، ولأنَّهم يستحلون نصبَ الحكام الذين يَرَوْن قبولَ المتأولين، وفي هذا مفسدة عظيمة وهي توليةُ مَن يَسْتَحِلُّ الحكمَ بالباطل.
الإِشكال الحادي والعشرون: أنَّه يلزم القطعُ ببطلان إمامةِ مَنْ صح عنه قبولُ المتأولين من كبار الأئمة الميامين لهذا الوجه الذي ذكرناه في الإشكال الذي قبلَ هذا، وكُلُّ هذا في غاية النكارة، فما أدى إليه، فهو أنكر، والبعد عنه أولى وأجدر.
الإشكال الثاني والعشرون: أن السَّيِّد -أيده الله- يلزمه أن يكون المؤيَّدُ بالله والفقهاء مجروحين عنده غيرَ مقبولين في الرواية، هذا بإقراره، ويلزمه مثلُ ذلك في حق المنصور، والإمام يحيى بن حمزة، والقاضي زيد، وعبدِ الله بن زيد، والهادي، والقاسم وسائر الأئمة.
فإن قلت: هذه عبارة منكرة.
قلت: لا شَكَّ في ذلك، ولكن أنكرُ منها ما أدى إليها.
فإن قلت: وأينَ كلامُ السَّيِّد الذي يلزم هذا منه؟
قلت: هو متفرق في موضعين من رسالته.
أحدهما: قولُه، إن الكاذب لا تُقْبَلُ روايتُه وإن كان متأولاً قياساً على
стр. 740
الخطابية، والجامع بينهما أن كل واحد منهما قد استحل الكذب للتأويل، فلما أجمعت الأمةُ على رَدَّ رواية الخطابية لعلة استحلالهم للكذب متأولين، لَزِمَ في كل من استحل الكذب متأولاً أن ترد روايته. وسيأتي الجوابُ عن هذه الشبهة الضعيفة، وإنما نذكر ها هنا طرفاً مما يلزمه، فنقول، كُلُّ مَن خالف في مسألة قطعية، فقد كذب متأولاً، فالمعتزلة قد كذبوا متأولين حيث قالوا: إن الخليفة بعدَ النبي ﷺ غيرُ أمير المؤمنين علي ﵇، وكذلك كُل متأول خالف في القطعيات، وقد قررت أن القول بردِّ رواية المتأولين قطعي، فيلزمك أن المخالف لك فيه كاذب متأول، لأنَّه قال: إن المتأول مقبول، وهذا عندك كذبٌ قطعاً، وقد استحله المخالف لك فوجب رَدَّ شهادته وروايته قياساً على الخطابية.
فنقول: أما المؤيَّد، والفقهاء، وأبو الحسين، وقاضي القضاة فيلزمُك أنهم غيرُ مقبولين في الشهادة، ولا في الرواية، لأنَّك قررت أنهم قد خالفوك في هذه المسألة القطعية، وأما المنصورُ بالله، ويحيى بنُ حمزة، والقاضي زيد، وعبدُ الله بنُ زيد، فلأنهم قد كذبوا متأولين في موضعين.
أحدُهما: قولُهم: إن المتأولين مقبولون.
وثانيهما: في قولهم: إن الأمة مجمعة على ذلك، وهذه أغلظ من الأولى، لأنهم عندك ما قنِعُوا بما كذبوا حتى نسبُوه إلى الأمة والأئمة.
وأما الهادي، والقاسم، فإنما يلزمُك ذلك، لأن أبا مضر قد نسبه إليهم وهو ثقة، لأنَّه لم يختر ذلك لنفسه مذهباً، إنما حكى ذلك عنهم، وقولك: إن أبا جعفر قد عارضه لا ينفعُك، لأنك قد قلت في رسالتك: إن الجارح مُقَدَّمٌ على المعدل، والمثبت مُقدَّمٌ على النافي، وكذا لا ينفعك أن تقول: إن هذه الأشياء لم تواتر عنهم، لأنك قد قلتَ في رسالتك: الجرح
стр. 741
يثبت بخبرِ الواحد بخلاف التكفير والتفسيق، وقلتَ، في مثل هذه الأشياء: أقل الأحوال أن يكون هذا موجباً للشك، فلا تَحِلُّ الرواية عن أحد منهم حتى تحصل له تبرئة صحيحة من المخالفة لك في هذه المسألة القطعية، وأما سائرُ الأئمة، فإنما يلزمُك جرحُهم، أو الوقفُ فيهم، لأنَّه قد ثبت من عشرِ طرق كما يأتي بيانُه أن الأمة أجمعت على ذلك، وهذه الطرق العشر من جماعة قد تَحصَّلَ بخبرِ مثلهم التواتُر لا سيما وهم متفرقو الأوطانِ والأزمانِ، والبُلدان والأنساب، فَبَعُدَ تواطؤهم على الكذب لكنك لما علمتَ أن الأمة معصومة، وجب أن تقطع بأنهم ما صدقوا على الأمة كلها، لكن يعلم بالضرورة استحالةٌ تواطئهم على عمدِ الكذب، وصريحِ المباهتة، فيجب أن يُحْمَلَ كلامُهم على أنَّهم عَلِموا أن ذلك قولُ الأكثرين، ولم يعتدوا بالباقين إما لأنَّ المخالف إِذا ندر لم يعتبر عندهم، وإما لتوهمهم أن سكوتَ الباقين سكوت رضا، ونقول في دعواهم للإِجماع مثل ما قلنا في دعوى المعتزلة إجماع الصحابة في الإِمامة.
إذا ثبت - هذا فلا شَكَّ أنَّه قد التبس عليك الآنَ: مَن البريء من الأمة من هذه الدعوى، فلا تَحِلُّ الرواية عن أحدٍ من الأمة حتى تَحْصُلَ له براءة صحيحة غير معارضة بمثلها، شاهدة له بأنه لا يذهب إلى مخالفتك في هذه المسألة، ومن لم يحصل ذلك في حقه، بقي على الشك، فانظر أيُّها السيد إلى قول يُؤدي إلى التشكيك في قبول شهادة القاسم، ويحيى، والمنصور، والمؤيَّد فما أبعدَه عن الصواب.
الإِشكال الثالث والعشرون: أنَّه قد ثبت أن المخالفة في القطعيات معصية ، وأن المخالفَ فيها غيرُ معذور بالتأويل، ألا ترى أن السيدَ -أيده الله- قال ما هذا لفظه: فيكون ردُّ روايتهم مقطوعاً به، ولا يصح الاجتهاد
стр. 742
فيه، وهذا صحيح في الأمارة الظاهرة التي يقع لِكل أحدٍ عندها الظن، وهذه المسألة من هذا القبيل. انتهي كلامه.
فبين أن الاجتهاد لا يَصِحُّ، وعلى هذا لا يُعذَرُ مَن اعتذر به، وأيضاًً قد بَيَّنَ السَّيِّد أن الأمارةَ الدالة على رد المتأولين ظاهرة يقع لكلٍ عندها الظن، فثبت بهذا أن المخالفين له -أيده الله- قد وقع لهم الظنُّ الراجح برد رواية المتأولين، وأن قبولهم للمتأولين مما هو عمل بالمرجوح قطعاً، وإنما توهموا أنَّه راجحٌ توهماً لا حقيقةَ له؛ لما لم ينظروا على الوجه الصحيح. والتقصير في النظر في المسائل القطعية حرام.
فإذا تقرر هذا، فقد ثبت أنَّه لا يجوزُ العلمُ بصغر المعصية، فوجب أن يكونَ المخالف للسيد -أيَّده الله تعالى- عاصياً معصيةً محتملة للكبر والفسق، ومحتملة للصغر، فلا يجوز في مَنْ صَحَّ عنه أنَّه خالف السَّيِّد في هذه المسألة أن يقطع بأن ظاهره الإسلامُ والإِيمان، ولا يقطع بأن ظاهره الفسقُ، بل نقف في أمره، ويكون الخلاف في الترضية عنه مثل الخلاف في الترضية عن المتقدمين على علي ﵇، لأنهم سواء، إذ كُلُّ منهم أخطأ في مسألة قطعية متأولاً، وأصرَّ على خطئه ومعصيته حتى مات فهذه مِئتا إشكال ونيف على مقدارٍ يسير من كلام السَّيِّد في كتابه أظهرتُ بيانها لِيظهر له أنْ (١) قد تعسَّف عليَّ في كتابه، وتعنتني في احتجاجه، فالله المستعان.
стр. 743
الفصل الثاني: في الدليل على قَبول المتأوِّلين، ومعارضة الحُجَجِ التي أوردهَا السيدُ مِن العمومات والأحاديث، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الكلامُ (١) في الفاسق بالتأويل. والذي حَضَرني الآنَ مِن الحجج على قَبوله خمسُ وثلاثون حُجةً، منها ما أوردتهُ للاعتماد عليه في الاحتجاج، ومنها ما أوردتهُ معارضةً لما أَورَدَه السَّيِّد من العمومات البعيدة.
الحُجَّة الأولى: الإجماعُ، وهو مِن أقوى ما يُحْتجُّ به في هذه المسألةِ؛ لأن حجج السَّيِّد كُلَّها عامَّةٌ، وهذه الحجة خاصةٌ، والإجماع الخاصُّ مُقَدَّمٌ على العمومات بإجماع، لأنَّه متأخر عنها، مُبيِّنٌ لها، فهو في أرفع مراتب الأدلَّةِ الظاهرة، وأقوى المتمسَّكَاتِ في مثل هذه المسألةِ، والذي يدل على صحة هذا الإجماعِ وجهان:
الوجه الأول: أنَّه قد ادَّعى جماعةٌ مِن الأئمة ﵈، وخلقٌ مِن سائر علماءِ الإسلام أنَّ الصدرَ الأوَّل من الصحابة ﵃ أجمعوا على قَبولِهم، ونقل هذا الإجماع عَدَدٌ كثير لا يأتي عليه العَدُّ، وأنا أُشير إلى جماعةٍ يسيرة من أعيانهم لم أتمكَّن في الوقت مِن ذكر أكثر منهم، وقد شكَّ جماعة من العلماء في صحة دعوى الإجماع من غير قطع على بطلانه، ولا رواية لِخلاف كان في ذلك بين الصحابة.
فاعلمْ أَنَّه لم يُنْقلْ عن أحدٍ مِن الصحابة أنَّه لا يقبلُهم ألبتة، وكذلك
стр. 744
لم يَدَّعِ أحدٌ من الخلف، ولا مِن السَّلَفِ أَن الأمة أجمعت على رَدِّ فساق التأويل. فتأمل هاتين الفائدتين وإنما وقع الخلافُ في إجماعهم على القَبول، فطائفةٌ من الأئمة والعلماء قطعوا بأنهم أجمعُوا على ذلك، وطائفة منهم شكُّوا في ذلك، وبيان هذه الجملة يَظهر في أربعِ فوائد:
الفائدة الأولى: في الإشارة إلى طرف يسيرٍ من طرق الإجماع المروي في قبول فُسَّاق التأويل، فاعلم أنَّ طرق نقل الإجماع في هذه المسألةِ كثيرةٌ لا سبيل إلى حصرها، وقد ذكر السَّيّدُ أبو طالب أن مَنْ قَبِلَ المتأولين فإنه يذهبُ إلى أنَّ الإجماعَ قد حصل في قبولِ شهادتهم وخبرِهم، وكلامُه ﵇ يدل على أَنَّ كُلَّ مَنْ يذهب إلى هذا المذهبِ، فقد روى الإِجماعَ على ذلك، ولا شَكَّ أن الذاهبينَ إلى هذا المذهب عدد كثير يزيدون على العددِ المشروط في التواتر أضعافاً مضاعفة، ولو حضرتنا تواليفُ كثيرٍ منهم لنقلنا ذلك عن كثيرٍ منهم بألفاظهم، ونحن نذكُرُ طرفاً يسيراً من ذلك على حسب ما حضر مِن التواليف، وجملةُ ما حضر من ذلك عشرُ طرق:
الطريق الأولى: طريق الإمام المنصور بالله ﵇، فإنه ﵇ ادَّعى إجماعَ الأمة على قبول فساق التأويل، وذلك معروف في تصانيفه ﵇، وقد تيسَّر لي في وقت كتابة هذا الجواب نقلُه عنه ﵇ من موضعين:
الموضع الأول: كتاب " صفوة الاختيار " في أصول الفقهِ من تصنيفه ﵇، فإنه قال فيه ما لفظُه:
مسألة: اختلف أهل العلم في خبرِ الفاسقِ مِن جهة التأويل، فحكى شيخُنا الحسن بن محمد ﵀ عن الفقهاء بأسرهم، والقاضي، وأبي
стр. 745
رشيد أنَّه يقبل إلاَّ أن يُعلم أنَّه ممن يستجيزُ الكذب كالخطَّابية (١) ومَنْ ضاهاها، وحُكي عن الشيخين أبي علي (٢) وأبي هاشم (٣) أنَّه لا يقبل، قال ﵀: وكان القاضي يقول: مذهبُ (٤) أبي علي وأبي هاشم أقيسُ، ومذهبُ الفقهاء أقربُ إلى الأثر، وكان يعتمِدُ الأولَ، وهو الذي نختارُه. والذي يدُلُّ على صحته إجماعُ الصحابة على قبوله، وإجماعُهم حجةٌ على ما يأتي بيانُه، أما أنهم أجمعوا، فذلك معلوم من ظاهر حالهم لمن تَصَفَّحَ أخبارَهم، واقتصَّ آثارهم، وذلك لأن الفتنة لما ظهرت فيهم، وتفرَّقوا فِرَقاً، وصاروا أحزاباً، وانتهي أمرُهم بينهم إلى القتلِ والقتالِ، وكان بعضُهم يروي عن بعضٍ بغير مناكرةٍ بينَهم، بل اعتمادُ أحدهم على ما يرويه عمَّن يُوافقه كاعتماده على ما يرويه عمَّن يُخالفه، وذلك ظاهر فيهم كروايتهم عن النعمان بنِ بشير (٥)، وروايتهم عن أصحاب الجمل، وعن
стр. 746
نَقَلَةِ أصحاب النَّهروان (١) وغيرهم، وكانوا في أمرهم بين راوٍ عنهم، وعاملٍ على مقتضى الرواية، وساكتٍ عن الإِنكار، وذلك يُفيد معنى الإِجماع، ولأنَّهم لما افترقوا، لم يختلفوا في أن الكذبَ لا يجوزُ، بل المعلوم من حالِهِم التشديدُ على مَنْ فعل ما يعتقدون قُبْحَهُ، أو كذب في شيء من كلامه.
ومن ذلك ما رُوي أن الخوارجَ لما نادت قَطَرِيَّ بنَ الفجاءة (٢) من خلفه: يا دابَّة يا دابة، فالتفت إليهم، وقال: كفرتُم، فقالوا: بل كفرت لِكذبك علينا وتكفيرك إيانا، وما قلنا لك إلاَّ ما قال اللهُ سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ثم قالُوا له: تُبْ من تكفيرك إيَّانا، فقال لعُبيدة بن هلال (٣): ما ترى؟ قال: إن أقررت بالكفر، لم يقبلوا توبتَك، ولكن قُلْ: إنَّما استفهمتكُم، فقلتُ: أكفرتم؟ فقالوا: لا ما كفرنا. ثم انصرفوا، فإذا كان الأمرُ كما ترى، كان من يقول: من كذب، كفر، روايتُه أولى من رواية مَنْ يقول: من كذب
стр. 747
فسق، لأن الإنسان قد يتجاسر على الفسق، ولا يتجاسر على الكفر، وقولُ مَنْ يقول: إن مَنْ عُرِفَ بالكذب في المعاملات لا يُقبل خبرُه، فكيف يُقبل خبرُ من عُرِفَ بالكذب على أفاضِل (١) الصحابة، وساداتِ المسلمين من المهاجرين والأنصار، وانتقاصهم لا يتَّسِقُ، لأن المعلوم مِن حالهم أنَّهم لا يكذبون على أفاضِلِ الصحابة في الرواية عنهم، وإنَّما يكذبون عليهم في الاعتقاد، وذلك خارج عن باب الإخبار، وكانوا لا ينتقِصُونَ إلاَّ مَنْ يعتقدون الصوابَ في انتقاصه ومحاربته.
فأما من عُلِمَ مِن حاله استجازةُ الكذب على آحاد الناس فيما يرويه عنهم فضلاً عن فضلاء الصحابة، لم يُقبل خبره كما قلنا في الخطابية ومَنْ شاكلهم، وإنَّما منعنا مِن قبول خبرِ الفاسق مِن جهة التصريح، فلأنا نعلم منه التجاسرَ على الكذب، والإقدامَ على القبيح، فلا تَسْكُنُ النفسُ إلى صدقه فيما يرويه، ولا يَغْلِبُ على الظن صحةُ ما يقوله، وليس كذلك الفاسق من جهة (٢) التأويل لأنَّه لا (٣) يُقْدِمُ على ما يعلم كونه قبيحاً، فصح ما قلناه. انتهي كلام المنصور ﵇ في كتاب " الصفوة ".
الموضع الثاني: كتاب " المهذب " (٤) فإنَّه ﵇ قال في كتاب " الشهادات " منه ما لفظه: وقد ذكر أهلُ التحصيلِ من العلماء جوازَ (٥) قبولِ أخبار المخالفين في الاعتقادات، وروى عنهم المحققون بغير مناكرةٍ، ذكره ﵇ في كتاب " الشهادات " محتجّاً به على قبولِ
стр. 748
شهادتهم.
قال ﵇: لأن الإخبارَ نوع من الشهادة، وتجري مجراها في بعضِ الأحكام، والدليلُ على أنَّه ﵇ ادَّعى الإجماعَ في هذا الكلامَ وجوه:
أولها: -وهو أقواها- أنَّه احتجَّ على جواز الشهادة بالقياسِ على الأخبار، واحتجَّ على قبولهم في الأخبار بأنَّ المحصلين ذهبوا إلى جواز ذلك بغيرِ مناكرة، فلو أراد بالمحصِّلين بعضَ العلماء، أو أراد بغير مناكرة مِن بعضهم مع وجود المناكرة مِن البعض، لم يكن ذلك إجماعاًً، ولو لم يكن إجماعاً، لم يكن فيه حجة، وقد ثبت أنَّه جعله حجةً، وقاسَ عليها، ولفظهُ صالح لإفادة دعوى الإجماع في اللغة من غير تعسُّفٍ ولا تأويل، فوجب القولُ بظاهره، وتأكَّد الظاهرُ بهذه القرينة.
وثانيها: أنَّ ظاهر كلامه يقتضي دعوى الإجماعِ من غير قرينة، وذلك لأنَّ قولَه: إن أهلَ التحصيل من العلماء ذكروا جوازَ ذلك يَعُمُّ جميعَ أهلِ التحصيل ولم يخرج مِن هذا اللفظ إلاَّ مَنْ ليس مِن أهل التحصيل، ومن لم يكن مِن أهل التحصيل، فليس بمجتهد لا في الوضع اللغوي، ولا في العرف الطارىء، لأنَّه ليس يَصحُّ أن يقَالَ لِعالم مجتهدٍ من علماء الإسلام: إنَّه ليس مِن أهل التحصيل.
وثالثها: قولُه بغيرِ مناكرة مطلقٌ يقتضي نفي المناكرة (١) عن جميع الأُمَّةِ، وقد أطلق القولَ في ذلك، ولم يُقيده بقيدٍ، فأفاد الإجماعَ على أنه ﵇ قد صرَّح بدعوى الإجماع في كتاب " الصفوة "، وإنَّما
стр. 749
أحببنا التبركَ بالاستكثار من كلامه، فمن استكثر من كلامه، فقد استكثر مِن طيب.
الطريق الثانية: طريقُ الإمامِ المؤيَّدِ بالله يحيى بنِ حمزة ﵇، فإنَّه قال: إن الإجماعَ منعقدٌ على قبول رواية الخوارج مع ظهور فسقهم وتأويلهم، قلتُ: ما خلا الخطابية. هذا كلامُه ﵇ في " المعيار ".
وقال ﵇ في باب الأذان في " الانتصار ": وأما كفارُ التأويلِ -وهم المجبرة، والمشبِّهة والروافض والخوارجُ- فهؤلاء اختلف أهلُ القبلة في كفرهم، والمختارُ أنهم ليسوا بكُفَّارٍ، لأن الأدلة بكفرهم تحتمِلُ احتمالاتٍ كثيرة. وعلى الجملة، فمن حكم بإسلامهم، أو بكفرهم، قضى بصحة أذانهم، وقبول أخبارهم وشهاداتهم.
وقال ﵇ في كتاب " الشهادات " من هذا الكتاب: ومن كَفَّر المجبرة والمشبِّهة، قَبِلَ أخبارَهم، وأجاز شهاداتهم على المسلمين وعلى بعض، وناكحوهم، وقبروهُم في مقابر المسلمين، وتوارثوا هُمْ والمسلِمُونَ (١).
الطريق الثالثة: طريقُ المؤيَّد بالله ﵇، فإنه قال في كفار التأويل دَعْ عنك الفساقَ ما هذا لفظُه: فعلى هذا شهادتُهم جائزة عند أصحابنا. هكذا ثبت هذا اللفظ عنه في كتاب " اللمع " وكتاب " التقرير " وغيرهما أنَّه روى جواز الشهادة دَعْ عنك الرواية عنِ الكفار، دع عنك الفساقَ عن أصحابِنا بلفظ العموم من غير استثناء لأحد منهم، لا متقدِّمٍ ولا
стр. 750
متأخر. وقد تمسَّك السَّيِّد أيَّدَهُ اللهُ بمثل هذا في الإجماع، فروى في كتابه عن أبي طالب ﵇ أنَّه قال: إلَّا أن المشهورَ والمعمولَ عليه عند أصحابنا ما يقتضيه أصولُه مِن المنع منه.
قال السَّيِّد أيَّده الله: فقولُه " عند أصحابنا " لفظ عموم يقتضي حكايةَ إجماعهم هذا لفظ السَّيِّد في المسألة الأولى في وضع اليُمنى على اليُسرى، فقد احتججنا على السَّيِّد بما نَصَّ على أنَّه طريق إلى معرفة الإجماعِ وهذا غايةُ الإنصاف، ولم نُوافِقْه على ما ذكره إلاَّ وهو كما قال، لأنَ المؤيَّد ﵇ لولا أنَّه لا يعلمُ فيه خلافاً بين أصحابنا، لقال: عندَ بعض أصحابنا، أو عند أكثرهم، أو عند كثير منهم، أو عند متأخريهم أو متقدميهم، لكنه ﵇ ترك هذه العبارات التي تُفيد الاختلافَ، وعدل عنها إلى العبارة العامة المستغرقة المفيدة لاجتماعهم على قبولِ كفار التأويل، والواجبُ حمل كلام العلماء على ظاهره، لا سيّما وقد قال أخوه السيد أبو طالب ﵇ ما لفظه: ومن يُجيزُ شهادَتهم يذهب إلى أن الإجماعَ قد حصل في قبول شهادتهم وخبرهم، ذكره في " اللمع " وغيره فهذه رواية من أبي طالب عن أخيه المؤيَّد بالله ﵇ أنَّه يذهب إلى أن الإجماعَ قد حصل على قبولِ خبرهم وشهاداتهم، فبيَّنَ بهذا أن الظاهر من كلام المؤيَّد بالله ﵇ أنَّه يذهب إلى أن الإِجماعَ قد حصل على قبولِ خبرهم وشهاداتهم، فتبيَّن بهذا أن الظاهرَ مِن كلام المؤيد بالله ﵇ دعوى إجماعِ (١) العِترة، وهو حجة ظاهرة.
الطريق الرابعة: طريقُ السَّيِّد الإمام أبي طالبِ ﵇، فإنه قال في كتاب " المجزىء " ما لفظُه: والذي يَعْتمِدُهُ الفقهاءُ في نصرة
стр. 751
المذهب الأول -يعني قبولَ المتأولين- هو الرجوعُ إلى إتِّفاقِ الصحابة والتابعين على ذلك قالوا: لأن المعلومَ مِن حالهم أنهم كانوا يُراعون في قبول الحديث والشهادة الإِسلامَ الذي هو إظهارُ الشهادتين، والتنزّه عمَّا يُوجب الجرحَ، وُيسقِطُ العدالةَ من أفعالِ الجوارح دونَ أمر المذاهب، وأنهم كانوا مجمعينَ على التسوية بين الكل فيمن هذه حاله في قبول شهادته وحديثه مع العلْمِ باختلافهم في المذاهب، وهذه حكايةٌ من أبي طالب ﵇ عن جميع الفقهاء أنَّهم ادَّعوا العلم بالإجماع.
ولما فرغَ مِن الحكاية أرادَ ﵇ أن يُحَرِّرَ دعواهم للإجماع بِأفْصحَ مِن عبارتهم، ويقَرِّرَ مَا رَوَوهُ بأوضح مِن دلالتهم، فقال ﵇ ما لفظُه: وُيمكن أن يُزاد في نصرة هذه الطريقة أن يقال: إنَّه لا إشْكَال في حدوثِ الفسق في أواخر أيَّامِ الصحابة فيما يتعلَّق بالاعتقاد، كمذهب الخوارج، وفيما يتعلق بأفعال الخوارج كفعل (١) البُغاة، والمعلوم من أحوال جماعتهم أن شهادتَهم كانت تُقْبَلُ وأخبارُهم لا تُرَدُّ، ولو رد ذلك لكان ينقل الرد كما نُقِلَ سائرُ الأحوال المتعلقة بمنازعة بعضهم لبعض. ثم تكلَّم ﵇ في ما يُجاب به، وما ينقض به تلك الأجوبة على منهاج أهل النظر والإنصافِ من غير تجريح على المخالف، ولا دعوى لِوضوح (٢) دليله في المسألة حتَّى لا يخفى على أحدٍ، كما فعل السَّيِّد أيده الله، ولم يَرْضَ بعبارتهم في دعوى الإِجماع حتى هذَّبها، فأحسنَ تهذيبَها، وحرَّرها فأجاد تحريرَها، وختَمَ كلامَه في المسألة بأن قال: والمسألةُ محتمِلَةٌ للنظر. ولم يقل كما قال السَّيِّدُ -أيَّده الله-: إن المسألة قطعيةٌ، وإن الحق معه دون
стр. 752
غيره، وإن دليلَه لا يخفي على أحدٍ من العُقلاء. وسيأتي كلامُ أبي طالب ﵇ الذي أورده في دعوى الإجماع.
فإن قلْتَ: كيف تروي الإجماعَ مِن طريق أبي طالب، وهو متوقف في صحته؟
قلتُ: إنَّما قصدتُ التمسك برواية الإجماعِ عن الفقهاءِ من طريقه ﵇، فإنَّه قد روى عن الفقهاء بأسرهم أنَّهم رَوَوا الإجماعَ، وهو ﵇ ثقة، والفقهاءُ ثقات أيضاًً.
الطريق الخامسة: طريقُ القاضي زيد (١) رحمه الله تعالى، وذلك ما رواه الأمير الحسين بن محمد (٢) ﵀ في كتاب " التقرير " فإنَّه قال فيه ما لفظُه: وفي " الوافي ": لا بأسَ بشهادة أهلِ الأهواءِ إذا كان لا يرى أن يَشْهَدَ لموافقه بتصديقه وقبول يمينه تجريحاً.
قال القاضي زيدٌ ﵀: وذلك لأنَّ الإجماعَ قد حَصَلَ على قبول خبرهم، فجاز أن تُقْبَلَ شهادتُهم، هذا كلامُ القاضي زيد ﵀ وهو نظيرُ كلامِ المنصور بالله ﵇ في " المهذَّب " في تخصيص دعوى الإِجماع بقبول الأخبارِ دونَ الشهادة، وقياس الشهادة عليها، وكثيرٌ مِن العلماء ادَّعى الإجماعَ على قبول الشهادة والأخبار معاً، كما هو بَيِّنٌ فيما نقلناه عنهم، وكلامُ القاضي زيد يَعُمُّ الكفارَ والفُسَّاقَ، فكيف وإنَّما
стр. 753
كلامُنا في هذه المسألة في الفساق فقط.
الطريق السادسة: طريقُ الفقيه العلامة عبد الله بن زيد، فإنه قال:
-وقد ذكر (١) فاسقَ التأويل وكافره- والمختارُ: أنه يُقبل خَبَرُهُما متى كانا عَدلَيْن في مذهبهما، وهو قولُ طائفة من العلماء، قال: والذي يَدُلُّ على صحة قولنا أن الصحابة أجمعت على ذلك، وإجماعُهم حجة. إلى قوله ما لفظه: يُبيِّنُ ذلك وُيوضحه أن من عرف الأخبارَ، وبحث عن السِّيَرِ والآثار، عَلِمَ أنهم أجمعوا على ذلك، ولهذا، فإنهم كانوا يقبلون الأخبارَ بينهم في حال الفتنة وبعدَها، ولا يُمَيِّزونَ بينَ ما وقع قبل الفتنة وبعدَها، وبذلك جرت عادة التابعين، فإنَّهم كانوا ينقلون الأخبارَ عن الصحابة من غير تمييز لما رُوِيَ قبل الفتنة وبعدَها. تم بلفظه من " الدرر المنظومة ".
الطريق السابعة: طريق الشيخ أبي (٢) الحسين محمد بن علي البصري، فإنَّه قال في كتاب " المعتمد " (٣) بعد ذكر حجة من رَد خبر المتأولين ونقضِه لكلامهم، وجوابه عليهم إلى أن قال: وعند جُلِّ الفقهاء أن الفسقَ في الاعتقادات لا يمنع مِن قبول الحديثِ، لأن مَنْ تقدم قد قَبِلَ (٤) بعضُهم حديثَ بعضٍ بعد الفُرْقَة، وقَبِلَ التابعون روايةَ الفريقين من السلف، ولأنَّ الظن يقوى بصدقِ مَنْ هذه سبيلُه إذا كان متحرجاً إلى قوله:
وأما الكفر بتأويل، فذكر قاضي القضاة -أيَّده الله- أنَّه يمنع مِن قبول الحديث قال: لاتفاق الأمة على المنع مِن قبول خبر الكافر، قال:
стр. 754
والفقهاءُ إنَّما قَبلُوا أخبارَ من هو كافر عندنا، لأنهم لم يعتقدوا فيه أنَّه كافر.
قال أبو الحسين: والأولى أن يُقبل خبرُ من كفر أو فسق بتأويل إذا لم يخرج من أهل القبلة وكان متحرِّجاً، لأن الظنَّ لصدقه غير زائل، وادعاؤه الإِجماعَ على نفي قبولِ خبرِ الكافر على الإطلاق لا يَصِحُّ، لأن كثيراً من أصحابِ الحديثِ يقبلون أخبار سلفنا ﵏ كالحسن (١) وقتادة (٢) وعمرو (٣) مع علمهم بمذهبهم وإكفارِهم مَنْ يقول بقولهم، وقد نصُّوا على ذلك.
стр. 755
وقول أبي الحسين: " على الإِطلاق " يعني أنَّه لم يقيد ذلك الكفر المجمع على ردِّ صاحبه بالكفر المخرج عن المِلَّةِ.
الطريق الثامنة: طريقُ الشيخ العلاّمة الحاكم أبي سعد المحسن بن محمد بن كرامة رحمه الله تعالى، فإنه قال في كتابه " شرح العيون " ما لفظُه: الفاسقُ مِن جهة التأويل يُقبل خبرُه عند جماعة الفقهاء وهو قولُ أبي القاسم البلخي، وقاضي القضاة، وأبي رشيد.
وقال أبو علي وأبو هاشم: لا يُقبل، ووجهُ ذلك إجماعُ الصحابة والتابعين، لأن (١) الفتنة وقعت وهُمْ متنافرون وبعضُهم يُحدِّث عن بعض مع كونهم فِرَقاً وأحزاباً مِن غير نكير. يُوضِّحُهُ أَنَّهم مع كثرة الاختلاف والمقاتلة، وسفكِ الدماء وكانت الشهادات مقبولةً، فلم يَرُدَّ أحدٌ شهادةً لأجل مذهب مع معرفتهم بالمذاهب، وذلك إجماعٌ منهم على قبول الشهادة، كذلك الخبرُ، ويدل عليه أن علياً وطلحة والزبير وعائشة ﵃ اختلفوا وتقاتلُوا، ثم لم يَرُدَّ بعضُهم خبرَ بعض، ولم يَردُّوا خبرَ عبدِ الله بن عمرو يعني ابنَ العاص لِكونه مع معاوية، ولأنَّه مع تلك الاعتقادات مُتنَزَّهٌ عن الكذب وُيحرمه، بل ربما كَفَّرَ مَنْ كذب كالخوارج، فوجب أن يُقبل خبرهم، ولأن الخطأ بالتأويل يُزيل التهمة وتعمدَ الكذب بخلاف الفسق من جهة ارتكاب المحظورات مِن غير تأويل وهذا على ما روي عن بعضهم أنَّه سُئِلَ عن شهادة الخوارج، فقال: شهادة من يُكفر بكذبه أولى مِن شهادة من لا يرى ذلك، احتجُّوا بأن الفسقَ مِن جهة الفعلِ يُوجب رَدِّ الخبر، فَمِنْ جهة الاعتقاد أولى.
стр. 756
والجوابُ: أن مَنِ ارتكب محظورَ دينه لا يُفرق أن يكذب في خبره وشهادته بخلاف الاعتقاد، لأن تأويلَهُ يُزيل التُّهمة.
فإن قيل: لو ارتكبه مع العلمِ، أثَّرَ في خبره، فمعَ الجهل أولى، لأنهما (١) معصيتان.
قلنا: مع الجهل والتأويل رباطُ التمسك بالدِّيانة لم يَنْحَلَّ، فإذا أقدم مع العلم فقدِ انحلَّ، يُوضحه مَن استخفَّ بأبيه مع العلم لا يكونُ كمن استخفَّ وهو لا يعلم أنَّه أبوه، وكذلك مَنْ كشف عورتَه بحضرة النبي ﷺ وهو لا يعلمُه لا يكون (٢) كمن كشف وهو يعلمُه، لأنَّه يكفر. إلى قوله: فأما الفتوى، فأبو القاسم جرى على أصله، وقال: يُقْبَلُ خبرُه وفتواه إذا كان مِن أهل الاجتهاد، والشيخان مرَّا على أصلهما، وقالا: لا يُقبل خبره ولا فتواه، والقاضي فرق بينهما.
قلتُ: وكذلك الإمامُ يحيى بنُ حمزه، فإنه اختار في " المعيار " أنه يجوز قبولُ فتواهم مثلَ قول أبي القاسم البلخي.
الطريق التاسعة: ما ذكره صاحبُ " شفاء الأوام " ﵀ في كتاب الوصايا في باب ما يجوز من الوصية وما لا يجوز، فإنه قال فيه ما لفظه: وقولُنا إنَّ الوصية لا تجوزُ إلى الفاسقِ يُريدُ الفاسقَ المجاهر، فأما الفاسق مِن جهة التأويل، فلسنا نُبْطِلُ كفاءَته في النكاح كما تقدم، ويُقبل خبرُه الذي يجعله أصلاً للأحكام الشرعية لإجماعِ الصحابة ﵃ على قبولِ أخبار البغاة على أميرِ المؤمنين ﵇، وإجماعُهم
стр. 757
حجة. انتهي بحروفه (١).
الطريق العاشرة: طريق الشيخ أحمد بن محمد الرصاص، فإنَّه قال في " الجوهرة " التي هي مِدْرَسُ الزيدية في هذه الأعصار ما لفظه: واختلفُوا في قبول الفاسق مِن جهة التأويل، فذهب الفقهاءُ بأسرهم أنَّه يُقْبَل خبرُه، وهو قولُ القاضي، وأبي رشيد. إلى أن قال:
وجه ما قاله الفقهاء إجماعُ الصحابة على قبولِ خبر الفاسق المتأوِّل، فإن الفتنة لما وقعت في الصحابة، ودارت رحاها، وشبَّت لظاها، كان بعضُهم يُحَدِّثُ عن بعض، وُيسندُ الرجل إلى من يخالفه كما يُسندُ إلى من يُوالفه من غير نكير من بعضهم على بعض في ذلك، فكان إجماعاً إلى أن قال: ولأن من يقول: من كذب كفر، أولى بالقبول ممَّن لا يرى ذلك وإن كان مخطئاً في قوله هذا، لأنَّه يَبْعُدُ الظن لكذبه (٢)، ويقرب صدقه ... إلى أن (٣) قال: ويجيء عليه رواية كافر التأويل كالجبري وهو اختيار أبي الحسين.
الطريقُ الحادية عشرة والثاثية عشرة: طريقا الشيخين أبي محمد الحسن بن محمد بن الحسن الرصاص (٤)، والشيخ أبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب.
стр. 758
فأمَّا طريقُ الشيخ الحسن، فذلك ما نقله عنه حفيده الشيخ أحمد بن محمد بن الحسن في كتاب " غرر الحقائق من مسائل الفائق ".
قال الشيخ أحمد في كتابه " الغرر " المنتزع مِن كتاب " الفائق " ما لفظه: حكى ﵁ قبولَه عن الفقهاء، والقاضي أبي رشيد إلا أن يُعْلَمَ أنَّه ممن يستجيزُ الكذبَ كالخطابية، وهو الذي مالَ إليه أبو الحسين البصري وأجراه والكافرَ المتأوِّلَ مجرىً واحداً، وهو الظاهرُ مِن قول الفقهاء، واحتجاجُ الكُلِّ على قبول خبرِ الفاسق المتأول قائمٌ في الكافر المتأول وإن لم يُصرح به في الكتاب .. إلى قوله:
وجهُ القولِ الأول إجماعُ الصحابة على قبوله، وإجماعهم حجة، أما أنهم أجمعوا، فذلك معلوم من ظاهر أحوالهم لِمَنْ تصفح أخبارَهم، واقتصَّ آثارَهم، وذلك أنَّ الفتنة لما وقعت فيهم، وتفرَّقوا فرقاً، وصاروا أحزاباً، وانتهي الأمرُ بينهم إلى القتل والقتال، كان (١) بعضهم يروي عن بعض مِن غير مناكرة بينهم في ذلك. وساق مثلَ كلام المنصورِ بالله ﵇، وقال كما قال المنصور: وإذا كان الأمرُ كما ترى، فإن مَنْ يقول: من كذب، كفر، أولى مِن رواية من يقول: من كذب، فسق. إلى آخر كلام المنصور المتقدم.
ثم أورد حُجَحَ الرَّادِّينَ وأجابها ونقضها، وأطال الكلامَ في ذلك. فهذه رواية الشيخ أحمد عن جده.
وأما روايةُ ابنِ الحاجب، فهي معروفة في " المنتهي " (٢) وقد أوردها السَّيِّدُ في كتابه، لكن ابن الحاجب رواها عمَّن يقبلُ المتأولين، ثم
стр. 759
اعترضها، وقد مَرَّ جوابُ اعتراضه.
الوجه الثاني: مما يدل على صِحة دعوى الإجماعِ هذه أنَّها دعوى صدرت مع القرائن الشاهدة بصدقها، وقد ذكر العلماءُ أن خبرَ الواحد مع القرائن يُفيدُ العلم، فكيف بخبر الجمِّ الغفيرِ من الأئمة الأعلامِ، وجميعِ فقهاء الإسلام إذا انضمَّ إلى القرائن العظيمة.
فإن قلتَ: وما تلك القرائنُ؟
قلتُ: اشتهارُ الرواية عن المتأولين قديِماً وحديثاً مع الموافق والمخالف من غير نكير، أما قديماً، ففي عصر الصحابة وهذا هو الإجماعُ الذي ادَّعاه هؤلاء الثقاتُ، وقد مَرَّ تقريرُه، وأما حديثاً -وهو الذي أردنا تأكيدَ ذلك الإجماع به- فإنَّ الناسَ ما زالوا يقرؤون كتبَ المخالفين، ويروون منها (١) في شرق الأرضِ وغربها (٢)، فالزيديةُ يروون عن المخالفين في تصانيفهم، ويدرسون كتبَ المخالفين في مدارسهم، ألا ترى أن المعتمد في الحديث في التحليل والتحريم في كتب الزيدية هو " أصولُ الأحكام " (٣) للإمام المتوكِّل على الله أحمد بن سليمان (٤) عليه
стр. 760
السلام وقد ذكر في خطبته أنَّه نقل فيهِ من كتاب البخاري، وكتاب المزني، وكتاب الطحاوي ولم يُبين فيه ما نقله في هذه الكتب عمَّا نقله عن غيرها، وعلماءُ الزيدية وأئمتُهم معتمدون في التحليل والتحريم على الرجوع إلى هذا الكتاب منذ سنين كثيرةٍ، وقرونٍ عديدة، وكذلك " شفاءُ الأوام " صرَّح فيه بالنقل عنهم في غيرِ موضع، وكذلك محمد بن منصور الكوفي مصنف كتاب " علوم آل محمد " الذي يُعرف " بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد " فنقل عنهم، وفيه مِن ذلك شيء كثير، لأنَّه يُسند، وفيه روايتُه عن البخاري نفسِه وصاحب " أصول الأحكام " وصاحب " شفاء الأوام " ينقلان عنه، بل هو مادتُهما وعُمْدَتُهما، والزيدية مطبقون على الأخذ منها، وكذلك " الكشافُ " فإن صاحبَه ﵀ ممن يستحِلُّ النقلَ عنهم في " كشافه " ولا يُعلم في الزيدية من يتحرى عن النقل عن " الكشاف " وكذلك الحاكمُ (١) قد صرَّح بجواز النقلِ عنهم، واحتجَّ على ذلك بالإجماع، والزيدية مطبقون على الرجوع إلى كتبه مثل تفسيره " التهذيب "، وكتاب (٢) " السفينة " وغيرهما، وكذلك المؤيد بالله، والمنصورُ بالله قد صرَّحا بجوازِ الرواية عنهم، ولا يُوجد في الزيدية من لا يقبلُ مرسلَ المؤيَّدِ والمنصور لجواز أن يكونا استندا في الرواية إليهم. فهذا في كتب الحديث والتفسير.
وأما كتبُ الأصول، فالزيدية معتمدون فيها على كتاب أبي الحسين (٣) مع أنَّه يقبل فساقَ التأويلِ وكُفَّارَة، وعلى كلام الحاكم في
стр. 761
أصول الفقه، ومُعتَمَدُهم في هذه الأزمان الأخيرة كتابُ الشيخ أحمد " الجوهرة " (١) مع شهرة بغيه على الإِمام الشهيد أحمد بن الحسين، وكتاب " منتهي السول " لأبي عمرو بن الحاجب، فإنه معتمد عليه في هذه الأعصارِ في بلاد الزيدية. وكتبُ الأصولِ، وإن كانت نظريةً، فإن فيها آثاراً كثيرة لا بُدَّ فيها من عدالة الرواةِ، وكذلك ما يتعلق برواية الإجماع الآحادي والألفاظ اللغوية.
وأما كتبُ القراءات فما زال الناس معتمدين على كتاب " الشاطبية " (٢) آخذين بما وجدوا فيها ممَّا ليس بمتواترٍ. وأما كتبُ العربية، فلم يزل النحاة من الزيدية يقرؤون مقدمة طاهر وشرحه، وكذلك كتبُ ابن الحاجب في النحو والتصريف (٣) مع ما اشتملت عليه من رواية
стр. 762
اللغة والإعراب.
وأما المعاني والبيان، فالمعتمدُ عليه في هذه الأزمان الأخيرة كتاب " التلخيص " (١) في ديار الزيدية " وغيرها وهو من رواية الأشعرية.
وبعدُ، فهذه خزائنُ الأئمة مشحونة بكتب المخالفين في الحديث والفقه والتفسير والسِّيرِ والتواريخ، مشيرة إلى نقلهم عنها، واستنادهم إليها، فمنهم مصرحٌ بذلك في مصنفاته، وتكرر منه كالمنصور بالله ﵇، والسيد أبي طالب، والمؤيَّد باللهِ، فإنَّ أبا طالب يروي في " أماليه " عن شيخه في الحديثِ الحافظِ الكبير أبي أحمد عبدِ الله بن عدي (٢) يُعرف بابن عدي وبابنِ القطان أيضاًً وهو صاحبُ كتاب " الكامل " في الجرح والتعديل، وأحد أئمة الحديث في الاعتقاد والانتقاد، وتراه إذا روى عنه، وصفه بالحافظ دونَ غيره، ومِنْ طريقه روى حديثَ النعمان بن بشير في الحلال والحرام والمتشابه (٣) وهو الحديث الجليل الذي وصف
стр. 763
بأنه ربع الإسلام مع أن النعمان من أشهر البُغاة على أمير المؤمنين وأهلِ بيته ﵈، وكذا حديث " إنَّ هذا العِلْمَ دينٌ فانظروا عمن تأخذون دينَكم " (١)، وكذلك شيخُ المؤيَّدِ بالله (٢) في الحديث هو الحافظُ الكبير محمد بن إبراهيم الشهير بابن المقرىء (٣) وعامةُ رواية المؤيَّد بالله للحديث في " شرح التجريد " عنه عن الطحاوي الحنفي، وكذلك أبو العباس الحسني قد روى عن إمامِ المحدثين وابن (٤) إمامهم صاحب " الجرح والتعديل " عبد الرحمان بن أبي حاتم (٥) عن داود الثقفي (٦) هو ابن يزيد أحد المجاهيل عن أبي داود الطيالسي أحد أئمة الحديث على كثرة أوهامه (٧) عن
стр. 764
سهل بن شعيب، عن عبد الأعلى، عن نوفٍ هو البكالي ابن امرأة كعب (١).
وخرَّجه عن أمير المؤمنين علي ﵇ بحديثه الطويل، وخرجه أبو عبد الله السَّيِّد الجرجاني من طريق أبي داود الطيالسي عن سهل بن شعيب به.
وأما أحمد بن عيسى بن زيد، فعامة حديثه في " أماليه " عن حسين ابن علوان، عن أبي خالد الواسطي، عن زيد، فإن كان حسين بن علوان هو الكلبي -وهو الظاهر- فهو متكلم عليه كثيراً (٢)، وكذلك أبو خالد.
وأما السَّيِّد أبو عبد الله الجرجاني، فروى عن محمد بن عمر الجِعابي (٣) من غير واسطة، وعن الطيالسي بواسطة كما مر في حديث نوف البكالي وهو كثيرُ التسامح في الراوية حتى إنَّه روى في " سلوة العارفين " عن أبي الدنيا (٤) الأشج المشهور بالكذب على أمير المؤمنين فإنه
стр. 765
ادعى بعد ثلاث مئة سنة أنَّه من أصحابه، وروى عن شيخين عنه.
وروى المؤيَّدُ بالله في " أماليه " عن شيخ، عن عبد السلام عبد الله بن محمد النحوي أحد أئمة السنة، وروى فيها عن شيخين عن يَغْنَمَ (١) بن سالم بن قنبر وضُعّف بل كذبه الأكثرُ، وما وثقه أحد، ومن طريقه روى حديث ركعتي الفرقان.
ودع عنك الأئمةَ المتأخرين كثيراً، فإنَّ قدماء الأئمة (٢) ما رَوَوْا إلا عن رجالِ الفقهاء غالباً، فعامةُ أسانيد القاسم ﵇ في كتاب " الأحكام " تدور على الأخوين إسماعيل وعبد الحميد أبي (٣) بكر ابني
стр. 766
عبد الله بن أبي أويس عن حسين بن عبد الله (١) بن ضميرة بن أبي ضميرة (٢) عن أبيه عن جده.
وعامة رواية أحمد بن عيسى بن زيد عن حسين بن علوان هو الكلبي، عن أبي خالد الواسطي.
وعامة أسانيد الهادي في " الأحكام " عن أبيه عن جده عمن تقدم في
стр. 767
أسانيد القاسم وربما روى عن (١) ....
وعن أبي الزبير (٢) عن جابر، وعن عمرو بنِ شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه (٣) كُلُّه في " المنتخب "، وروى في
стр. 768
" المنتخب " (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة (٢)، وعن عبد الرزاق اليماني (٣)،
стр. 769
وعن كادح بن جعفر (١)، وعن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس (٢) حديث الجمع في السفر.
وروى المؤيَّد بالله في " الأمالي " عن النقاش (٣)، عن الناصر الحسنِ بنِ علي، عن محمدِ بنِ منصور، عن الحكمِ، عن سُليمان، عن عمرو بنِ حفص، عن أبي غالب، عن أبي أمامة عن النبي ﷺ حديثاً في فضل الوضوء، وذكر الدعاء فيه حتى قال في آخره: ثم مسح قدميه، فقال: اللَّهُمَّ ثَبّتْ قَدَمَيَّ على الصِّرَاطِ.
وروى أبو طالب في " أماليه " عن الناصر، عن الكلبي منقطعاً في موضعين.
ويُسند عن الناصر، عن عباد بن يعقوب، عن إبراهيم بنِ أبي يحيى (٤) يعني شيخ الشافعي المتكلم فيه حديثين حديثاً في وعيدِ مدمن
стр. 770
الخمرِ، وحديثاً في حكم آخر.
وكذلك عامةُ أسانيدهم متى ذكروها لم يذكروا إلا رجال العامة من الثقات والضعفاء ولا أعلمهم سلسلوا إسناداً بأهل البيت في الحلال والحرام لا يخلطهم أحدٌ من الفقهاء إلاَّ النادرَ الذي لا يُجتزأ به وتأمَّل ذلك، وذلك يقتضي أن مرسلَهم كذلك، إذ لا يُظن أنهم يُسقطونَ مِن سندهم أصحَّ الأسانيد، ولا يُظن ذلك بعاقل دائماً.
ومنهم من صرَّحَ بجواز الأخذ عنهم، ولم يُصرِّحْ بالنقل عنهم مشافهةً وإن أسند إلى من يُسند إليهم كالهادي ﵇.
ومنهم مَنْ يرى ذلك ويعلمه، ولا ينهي عنه ولا يُنْكِرُه.
والسيد -أيده الله تعالى- ممن شَدَّدَ في المنع من قبولهم، وغلا في ذلك غلواً منكراً حتى ادَّعى أنَّه حرام على جهة القطع بحيث لا يُعذر مَنْ قبلهم، وإن اجتهد وبذل (١) الوُسع في معرفة الصواب، هذا مع أن السيد -أيده الله- مِنْ أكثرِ الناس روايةً عنهم، واعتماداً على كتبهم، فهو في الحديث يقرأ كتبَهم التي حرم النقلَ عنها، واستدل على أنَّه لا طريقَ إلى صحتها، وزاد على الناس المنع عن عاريتها من الثقات صيانةً لصحتها من تجويز التغيير المستبعد، وهو في تفسيره ناقل مِن تفاسيرهم، راجع إلى تصانيفهم، ولشدة تولُّعِهِ بذلك وحِرْصِه عليه اختصر من " مفاتح الغيب " للرازي تفسيراً للقرآن العظيم، ثم ادخله في تفسيره " تجريد الكشاف "، مع زيادةِ نكت لطاف، وكذلك أدخل تفاسيرَ ابنِ الجوزي الحنبلي (٢) وغيرِه من
стр. 771
المخالفين في الاعتقاد مع أنَّه قد قرر في كتابه أن الرازي من كفارِ التصريح دعَ عنك التأويلَ.
فهذا من أعظم دليل على أن السَّيِّد سلك في كتابه مسلكَ التعنت والتشديد، وقال بما لم يَعْمَلْ به، فإن كان يعتقد أن الرازي كما قال، فكان ينبغي أن يختصِرَ من تفاسير الباطنية تفسيراً للقرآن العظيم، وأن ينقل خلافَهم في تفسيره كما نقل أقوالَ الأشعرية، وكذلك كان ينبغي أن ينقل خلافَهم في الفقه والفرائض، وقولهم: إن للأنثى مثلَ حظ الذكر. وإن كان لا يعتقد ما قرَّره في كتابه من نسبته للرازي إلى الكفر الصريح، فما ينبغي منه أن يقول ما لا يَعْتَقِدُ، وينهي عما هو عليه معتمد، وإن كان إنما اختصر كتابَ الرازي لغرض غيرِ هذا فكان ينبغي منه أن يُنبه (١) لئلا يغترَّ بذلك مَنْ يراه من المسلمين، فإنه -أيده الله- في محل القدوة، لأنَّه شيبةُ العِترة في هذا الزمان، وكبيرُ علمائهم المتصدر للتعليم (٢) في هذه الديار.
وأما كتُبهم في العربية وغيرها، فالسيد لا يزال مُكِبَّاً عليها ملقياً لها كـ " الحاجبية " وشروحها وهو من جملة من شرحها، وكتاب " التذييل والتكميل في شرح التسهيل " لأبي حيان (٣)، وكتاب " التلخيص "،
стр. 772
وكتاب " المنتهى " وشروحه، وكتاب " الجوهرة " وغير ذلك، فدل ذلك على صحة إجماع الأمة على الاعتماد على كتب المخالفين مِن الموافق على قبولهم والمخالف. ولم نذكر فعل السَّيِّد للاحتجاج به في الإجماع، فإنَّه لا يصح الاحتجاج بفعلِ منْ صرح بما يُخالف فعله، وإنما يحتج بالفعل إذا لم يُناقضه القولُ كأفعال الأئمة ﵈، وسائِرِ العلماء الأعلام، ولم نذكر فعله في ذلك لبيان المناقضة بين فعله وقوله.
وإنما أحببنا أن نُريه حاجةَ الجميع إلى الرواية عن المتأولين، وأن كلاًّ معتمد عليها محتاج (١) إليها، ألا ترى أنها في خزائن أئمة الزيدية وعلمائهم وعليها خطوطُهم بالسماع أو الإجازة أو (٢) نحو ذلك، ومن ملك شيئاً منها منهم، اغتبط به، وصانه، وحَفِظَه، وربما سمعه، كما سمعها المنصورُ بالله عبد الله بن حمزة، وذكر أسانيدَه فيها في كتابه " الشافعي "، وسمعها الإمامُ الناصر محمد بن الإمام المهدي ﵉، والمصنفون من الزيدية ينقلون منها كالمتوكل في " أصول الأحكام " والأمير الحسين في " شفاء الأوام " و" سنن أبي داود " (٣) كانت
стр. 773
عمدةَ الإمامِ يحيى بنِ حمزة وأمر مَن سمعها له، وهي نسخةٌ مسموعة بعناية الإمام المهدي محمد بن المطهر، وهي في خزانة كتبه مما وقفه لله تعالى، وفيها كان سماعي. وكان اللائقُ على كلامك ودعواك على أهل البيت أَن يشتهِرَ في بلادهم وممالكهم تحريقُ هذه الكتب، والضرب الشديد والتعزير لمن قرأ فيها، وإظهار أنها إنما تترك في الخزائن ليعلم كفرُ
стр. 774
أهلها وكفرُ من صَدّق ما فيها كما يكون ذلك في حفظ بعض كتب الباطنية خذلهم اللهُ تعالى، وسيأتي مزيدُ بيانٍ لهذا عند ذكر المرجحات لذكر ما ورد في كتب الحديث مما يجب تأويلُه، ويُمكِنُ، إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثانية: في ذكر ما اعترض به على الإجماع والجوابِ عنه وقد تقدم ذلك حيث أورده السيد، ونزيد ها هنا بيانَ كيفية اختلاف العلماء في نقل الإجماعِ على قبول فاسق التأويل.
واعلم أن العلماء على ضربين: منهم مَنِ ادَّعى العلم بالإجماع على ذلك، ورواه كما قدمنا ذكره، ومنهم منْ شَكَّ في ثبوته وتوقَّفَ، وليس منهم من ادَّعى العلمَ ببطلان الإجماع، ولا فيهم منْ روى عن أحد من الصحابة القول بتحريم قبولِ الفاسق المتأول، وهذا ظاهر في كلامات العلماء.
قال السَّيِّد أبو طالب ﵁ في كتاب " المجزىء " في الاعتراض على من احتجَّ بدعوى الإجماع في هذه المسألة ما لفظه: واعلم أنَّ ما احتج به جمهورُ الفقهاء من الإجماع (١) وإطباقِ الصحابة والتابعين عليه إن كان صحيحاً، فاتباعُهُ واجب، ويكون الصحيحُ هو المذهبُ الأول دونَ الثاني، لأن طريقَ إثبات المذهب الثاني قياسٌ، فإذا اقتضى الإجماعُ خلافَه، وجب اتباعُه، والعدولُ عما أوجبه القياسُ، والذي يُمكِنُ أن يقدم به في ما ادَّعَوْه من الإجماعِ أن يقالَ: مِن أين أنَّ كُلَّ العلماءِ مِن الصحابة والتابعين رأوا قبولَ شهادة الفساق من طريق التأويل وحديثهم، وبماذا عَلِمْتُم إطباقهم على ذلك؟
стр. 775
ومما يُمكن أن يُجابَ به عن هذا هو أن يقال: قد علمنا (١) أن في آخرِ أيام الصحابة حدثت مذاهبُ وأفعال أوجبت الفسقَ عند كثيرٍ منهم، كمذاهب الخوارج، وحروبِ مَنْ حارب من البغاة، ولم يُنْقلْ أن أحداً ردَّ شهادة هؤلاء وحديثهم، ولو وقع الرَّدُّ، لنقل حتى قال ﵇ في الرد على ما ادَّعي من الإجماع: إنَّا لا نعلم قبول الكل منهم لشهادة هؤلاء وحديثهم، والمسألة محتملة للنظر. انتهي كلامه ﵇.
وهو ظاهر في أنَّه لم يدفع دعوى الإجماعِ بالعلم ببطلانها بل بين أنظاراً عرضت له أوجبت القدح في العلم بصحة دعوى الإجماع، ولم يُوجب العلم ببطلان دعوى الإجماع، ولهذا قال: إن كان دعوى الإجماع صحيحاً، فاتباعُه واجب، وليس يقول هكذا، وهو يعلم أن الإجماع باطل، وأوضح من هذا قولُه في آخر الكلام: والمسألة محتملة للنظر.
وهو ظاهر في المقصود، ويقوي ذلك أنَّه ﵇ قد روى عنهم في كتابه " الأمالي " وهذا أمارة مقوية (٢) لا حُجَّةٌ مستقلة.
فإذا ثبت هذا، لم يكن في كلام أبي طالب ﵇ اعتراضٌ قادح على من ادَّعى العلم بالإجمْاع من الأئمة ﵈، فإن العلمَ فعلُ الله تعالى، وقد يخلقه للبعض دون البعض فيما لا يجب التسويةُ فيه من علوم العقل الضرورية التي يجب أن يشتركَ فيها جميعُ المكلفين، وقد ثبت أن الراوي الجازمَ القاطعَ المدعيَ للعلم بصحة ما روى مقبولٌ متى كان ثقة عدلاً في دينه، وثبت أن روايته لا تُعارض بشك من شَكَّ من العدول في صحة ما روى، وإنما تُعارض بخبر مَنْ هو مثلُه في العدالة متى أخبر أنه يعلم بطلانَ خبره، وتعارض الخبران. ومثال (٣) ذلك: لو قال قائل: