المخالفين في الاعتقاد مع أنَّه قد قرر في كتابه أن الرازي من كفارِ التصريح دعَ عنك التأويلَ.
فهذا من أعظم دليل على أن السَّيِّد سلك في كتابه مسلكَ التعنت والتشديد، وقال بما لم يَعْمَلْ به، فإن كان يعتقد أن الرازي كما قال، فكان ينبغي أن يختصِرَ من تفاسير الباطنية تفسيراً للقرآن العظيم، وأن ينقل خلافَهم في تفسيره كما نقل أقوالَ الأشعرية، وكذلك كان ينبغي أن ينقل خلافَهم في الفقه والفرائض، وقولهم: إن للأنثى مثلَ حظ الذكر. وإن كان لا يعتقد ما قرَّره في كتابه من نسبته للرازي إلى الكفر الصريح، فما ينبغي منه أن يقول ما لا يَعْتَقِدُ، وينهي عما هو عليه معتمد، وإن كان إنما اختصر كتابَ الرازي لغرض غيرِ هذا فكان ينبغي منه أن يُنبه (١) لئلا يغترَّ بذلك مَنْ يراه من المسلمين، فإنه -أيده الله- في محل القدوة، لأنَّه شيبةُ العِترة في هذا الزمان، وكبيرُ علمائهم المتصدر للتعليم (٢) في هذه الديار.
وأما كتُبهم في العربية وغيرها، فالسيد لا يزال مُكِبَّاً عليها ملقياً لها كـ " الحاجبية " وشروحها وهو من جملة من شرحها، وكتاب " التذييل والتكميل في شرح التسهيل " لأبي حيان (٣)، وكتاب " التلخيص "،
стр. 772
وكتاب " المنتهى " وشروحه، وكتاب " الجوهرة " وغير ذلك، فدل ذلك على صحة إجماع الأمة على الاعتماد على كتب المخالفين مِن الموافق على قبولهم والمخالف. ولم نذكر فعل السَّيِّد للاحتجاج به في الإجماع، فإنَّه لا يصح الاحتجاج بفعلِ منْ صرح بما يُخالف فعله، وإنما يحتج بالفعل إذا لم يُناقضه القولُ كأفعال الأئمة ﵈، وسائِرِ العلماء الأعلام، ولم نذكر فعله في ذلك لبيان المناقضة بين فعله وقوله.
وإنما أحببنا أن نُريه حاجةَ الجميع إلى الرواية عن المتأولين، وأن كلاًّ معتمد عليها محتاج (١) إليها، ألا ترى أنها في خزائن أئمة الزيدية وعلمائهم وعليها خطوطُهم بالسماع أو الإجازة أو (٢) نحو ذلك، ومن ملك شيئاً منها منهم، اغتبط به، وصانه، وحَفِظَه، وربما سمعه، كما سمعها المنصورُ بالله عبد الله بن حمزة، وذكر أسانيدَه فيها في كتابه " الشافعي "، وسمعها الإمامُ الناصر محمد بن الإمام المهدي ﵉، والمصنفون من الزيدية ينقلون منها كالمتوكل في " أصول الأحكام " والأمير الحسين في " شفاء الأوام " و" سنن أبي داود " (٣) كانت
стр. 773
عمدةَ الإمامِ يحيى بنِ حمزة وأمر مَن سمعها له، وهي نسخةٌ مسموعة بعناية الإمام المهدي محمد بن المطهر، وهي في خزانة كتبه مما وقفه لله تعالى، وفيها كان سماعي. وكان اللائقُ على كلامك ودعواك على أهل البيت أَن يشتهِرَ في بلادهم وممالكهم تحريقُ هذه الكتب، والضرب الشديد والتعزير لمن قرأ فيها، وإظهار أنها إنما تترك في الخزائن ليعلم كفرُ
стр. 774
أهلها وكفرُ من صَدّق ما فيها كما يكون ذلك في حفظ بعض كتب الباطنية خذلهم اللهُ تعالى، وسيأتي مزيدُ بيانٍ لهذا عند ذكر المرجحات لذكر ما ورد في كتب الحديث مما يجب تأويلُه، ويُمكِنُ، إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثانية: في ذكر ما اعترض به على الإجماع والجوابِ عنه وقد تقدم ذلك حيث أورده السيد، ونزيد ها هنا بيانَ كيفية اختلاف العلماء في نقل الإجماعِ على قبول فاسق التأويل.
واعلم أن العلماء على ضربين: منهم مَنِ ادَّعى العلم بالإجماع على ذلك، ورواه كما قدمنا ذكره، ومنهم منْ شَكَّ في ثبوته وتوقَّفَ، وليس منهم من ادَّعى العلمَ ببطلان الإجماع، ولا فيهم منْ روى عن أحد من الصحابة القول بتحريم قبولِ الفاسق المتأول، وهذا ظاهر في كلامات العلماء.
قال السَّيِّد أبو طالب ﵁ في كتاب " المجزىء " في الاعتراض على من احتجَّ بدعوى الإجماع في هذه المسألة ما لفظه: واعلم أنَّ ما احتج به جمهورُ الفقهاء من الإجماع (١) وإطباقِ الصحابة والتابعين عليه إن كان صحيحاً، فاتباعُهُ واجب، ويكون الصحيحُ هو المذهبُ الأول دونَ الثاني، لأن طريقَ إثبات المذهب الثاني قياسٌ، فإذا اقتضى الإجماعُ خلافَه، وجب اتباعُه، والعدولُ عما أوجبه القياسُ، والذي يُمكِنُ أن يقدم به في ما ادَّعَوْه من الإجماعِ أن يقالَ: مِن أين أنَّ كُلَّ العلماءِ مِن الصحابة والتابعين رأوا قبولَ شهادة الفساق من طريق التأويل وحديثهم، وبماذا عَلِمْتُم إطباقهم على ذلك؟
стр. 775
ومما يُمكن أن يُجابَ به عن هذا هو أن يقال: قد علمنا (١) أن في آخرِ أيام الصحابة حدثت مذاهبُ وأفعال أوجبت الفسقَ عند كثيرٍ منهم، كمذاهب الخوارج، وحروبِ مَنْ حارب من البغاة، ولم يُنْقلْ أن أحداً ردَّ شهادة هؤلاء وحديثهم، ولو وقع الرَّدُّ، لنقل حتى قال ﵇ في الرد على ما ادَّعي من الإجماع: إنَّا لا نعلم قبول الكل منهم لشهادة هؤلاء وحديثهم، والمسألة محتملة للنظر. انتهي كلامه ﵇.
وهو ظاهر في أنَّه لم يدفع دعوى الإجماعِ بالعلم ببطلانها بل بين أنظاراً عرضت له أوجبت القدح في العلم بصحة دعوى الإجماع، ولم يُوجب العلم ببطلان دعوى الإجماع، ولهذا قال: إن كان دعوى الإجماع صحيحاً، فاتباعُه واجب، وليس يقول هكذا، وهو يعلم أن الإجماع باطل، وأوضح من هذا قولُه في آخر الكلام: والمسألة محتملة للنظر.
وهو ظاهر في المقصود، ويقوي ذلك أنَّه ﵇ قد روى عنهم في كتابه " الأمالي " وهذا أمارة مقوية (٢) لا حُجَّةٌ مستقلة.
فإذا ثبت هذا، لم يكن في كلام أبي طالب ﵇ اعتراضٌ قادح على من ادَّعى العلم بالإجمْاع من الأئمة ﵈، فإن العلمَ فعلُ الله تعالى، وقد يخلقه للبعض دون البعض فيما لا يجب التسويةُ فيه من علوم العقل الضرورية التي يجب أن يشتركَ فيها جميعُ المكلفين، وقد ثبت أن الراوي الجازمَ القاطعَ المدعيَ للعلم بصحة ما روى مقبولٌ متى كان ثقة عدلاً في دينه، وثبت أن روايته لا تُعارض بشك من شَكَّ من العدول في صحة ما روى، وإنما تُعارض بخبر مَنْ هو مثلُه في العدالة متى أخبر أنه يعلم بطلانَ خبره، وتعارض الخبران. ومثال (٣) ذلك: لو قال قائل:
стр. 776
إن هذا الشاهد هو فلان بنُ فلان الثقة المشهورُ أعرفه، ولا أشكُّ فيه، وقال آخر: أما أنا، فعندي شكٌّ في هذا، ولا أتحقق أنَّه هذا الذي ذكريت، فإنَّه يعمل على قول مَن علم، وبترك قول مَنْ شكَّ وهذا ظاهر عند أهل العلم، وكذا في غير هذه الصورة من سائر (١) المسائل، كما لو أخبر ثقةٌ بنجاسة هذا الماء أو طهارتِهِ، وشك آخرُ، فالعمل على قول مَنْ أخبر عن العلم واليقين دونَ من شك وتردَّدَ.
وكذلك الإجماعُ قد ادَّعى المنصورُ، ويحيى بنُ حمزة ﵉، وكذلك المؤيَّدُ بالله ﵇، والقاضي زيد، وعبدُ الله بن زيد، والفقهاء بأسرهم ومَنْ لا يأتي عليه العَدُّ والإحصاءُ مِن الأصوليين وسائر علماء الطوائف أنَّهم علموا إجماعَ الصحابة والتابعين على قبولِ الفاسق المتأول، وجزموا بالقولِ في ذلك، وقطعوا على حصولِ العلم لهم بهذا الإجماعِ، وأحالوا العلمَ بذلك إلى الاطلاع على التواريخ، وأخبارِ الصحابة كما أشار إليه المنصورُ بالله ﵇، وهؤلاء جَمٌّ غفير، وعددٌ كثيرٌ من أهل الفضل والتقوى والورع الشحيح فيما يصدر عنهم من الرواية والفتوى، فخبرهم يُفيدُ العلمَ القاطع، أو الظَّّنَّ الراجح، ومن تمسَّك بروايتهم، واعتمد على تصديقهم، واستند إلى خبرهم، لم يستحق الإنكارَ والتشنيع، ويعترض عليه بأن غيرَهم من الأئمة العلماء شكَّ في دعوى الإجماع، وأورد أسئلة تقطع في طريقهم، فإن لهم أن يُجيبوا بأنَّ العلم يحْصُلُ عند كثرة المطالعة لأخبار الصحابة، والإحاطة بأحوالهم، ولا شَكَّ أن أحوال الناس تخْتَلِفُ في ذلك، وقد يكون بعض أهلِ العلم أكثرَ إطلاعاً مِن بعض في بعضِ المسائل، فيَحْصُلُ له العلمُ
стр. 777
دونَ غيره، فيكون المدعي للعلم صادقاً، والمدعي للشك صادقاً، وكُلُّ أحدٍ أخبر بما يَعْلَمُ مِن نفسه، ولا يُكذّب هذا ولا هذا، كما لو روى هذا خبراً عن رسول الله ﷺ ، وأخبر أنَّه يعلمه، وأخبر غيرُه أنَّه لا يعلمه، صدقناهما معاً.
فقد تبيَّنَ لك بهذا أنا متى قبلنا روايةَ الأئمة: المؤيَّد، والمنصور، ويحيى بنِ حمزة ﵈، وسائرِ من (١) روى ذلك مِن عيون أهل العلم، فقد جمعنا بينَ قبول كلامهم، وقبولِ كلام أبي طالب ﵇، وأما لو عملنا على (٢) أن كلام أبي طالب مُقَدَّمٌ على روايتهم، لكنا قد نسبنا إليهم ما لا يليق بهم مِن القول بغيرِ علم، والرواية من غير تثبث، وذلك لا يجوز، مع أنَّا سلَّمنا أن أحداً مِن العدول عارض روايتهم معارضةً صريحة (٣)، وادعى العلمَ ببطلان الإجماع، لكان لنا أن نُرَجِّحَ روايتهم بوجوه:
أحَدُهَا: كثرتُهُم، فقد ثبت دعوى الإجماع عن الأئمة والعلماء المذكورين، وعن جميع العِصابة العظمى مِن فقهاء الطوائف مع كثرتهم وسَعةِ علمهم، وكثرةِ اطَّلاعهم، فإن هؤلاء الذين ادَّعَوا الإجماعَ مِن أكثرِ العلماء معرفةً بأحوال الصحابة.
وثالثها (٤): أنهم مُثْبِتُون، والمُثْبِتُ مقدَّمٌ على النافي للإجماع إلا أن يُثبت خلافاً معيناً عن بعضِ أهل الإجماع وذلك لم يكن، فقد روينا نصَّ
стр. 778
أبي طالب ﵇ على أنَّه لم يَنْقلْ أن أحداً من الصحابة رَدَّ شهادةَ المتأولين ولا حديثهم، ولم يقعِ النزاعُ في أن ذلك نقل، فعدمُ النقل مما لا نزاع فيه.
الفائدة الثالثة: في الإِشارةِ إلى شهرةِ الخلاف في هذه المسألة مِن غير نكير ولا تأثيم، فذلك كثيرٌ شهير لا يُمْكِنُ أن يذكر منه إلا اليسير، لأن أكثر المصنفين في الأصول والفروعِ من أهل الكتب الحافلة، والتواليف الممتعة مِن المتقدمين والمتأخرين لا يذكرون هذه المسألة إلا ويذكرون اختلافَ الخَلف فيها، وكثيرٌ منهم يذكر إجماعَ السلف على القبول للمتأولين كما قدمنا. فإذا عَرَفْتَ أن الخلافَ واسع، فاعلم أنا لا نتعرَّضُ للاستقصاء في ذكر كلام الأئمة والعلماء في ذلك، وإنما نُشير إلى طرفٍ يسير من الخلاف المشهور المذكور في الكتب المتداولة المعروفة عند كثيرٍ من المبتدئين في طلب العلم، وإنما نذكرُه، لأن السَّيِّد أعرض عن ذكره مع التعرض لحكاية الخلاف في الطرفين في المسألة، فلم يذكر السَّيِّد عن أحد من العِترة ﵈ أنَّه يَقْبَلُ خبرَ المتأولين إلا عن المؤيَّدِ بالله ﵇ كأنَّه لا يعرف هذا القول منسوباً إلى غيره، وما هذا عمل المنصف، ففي كتاب " اللمع " الذي لا يزال السَّيِّد مشتغلاً بدرسه ما لفظه: وفي تعليق الإفادة: ومن بلغ إلى حدِّ الكفر والفسق وكان متأوِّلاً فالعلماءُ مختلفون فيه، والأظهرُ عند أصحابنا أن شهادتَه جائزة، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابِه والشافعي، وعند أبي علي، وأبي هاشم لا تُقبل شهادته، وهذا كالخوارج والمجبرة.
قلتُ: قد قدمنا أن هذه رواية من المؤَّيد عن جميع أهل المذهب من أهل البيت ﵈ وأتباعهم أن الأظهرَ عندهم قبولُ كافر التأويل. قال
стр. 779
في " اللمع ": لنا أنَّه لم يرتكب محظوراتِ دينه، فجاز قبولُ شهادته كما إذا كان صحيحَ الاعتقاد، ومن هذه سبيلُه إذا تاب في الحال، يجوزُ قبولُ شهادته، ولا يجب الاستمرارُ، وإنما الخلاف: هل (١) تقبلُ شهادتُه قبل التوبة أم لا؟ وفي شرح أبي مضر: قال م بالله في الإِفادة: مَنْ لم يبلغ في الاعتقاد الكفر أو الفسق، فشهادتهُ جائزة، ومن بلغ إلى هذا الحد -وكان متأوِّلاً- فأكثرُ العلماء مختلفون فيه، فالأظهرُ عند أصحابنا أن شهادتَهَ جائزة إلى آخره، فعلى هذا شهادةُ المجبرة والمشبهة يجب أن تكونَ مقبولة عنده قَدَّس الله روحه، وكذلك عند القاسم، ويحيى ﵉ يدل على أن الجبرَ والتشبيه من جهة التأويلِ والتدين يُوجب (٢) قبولَ شهادتهم، لأنَّه مِن أهل القبلة والشهادة وأهل الكتاب والتَّبَرِّي من الأديان ما عدا (٣) دينَ الإسلام، وهذه الأشياء أمارة العدالة من جهة الظاهر، فلا يمنعُ مِن قبول الشهادة.
فإن قيل: من قال بكفرهم من أصحابنا قال: إنهم كالمرتدين، وقد ثبت أن المرتد لا تُقبل شهادته.
قلنا: المرادُ به في بعض الأحكام لا على الإطلاق في جميعِ الأحكام والأحوال.
قال السَّيِّد أبو طالب: وأما شهادةُ أهلِ الأهواء من البُغاة والخوارج، فإنَّ جوازَ شهادتهم لا يمتنعُ أن يُخرج على اعتباره ﵇ أن تكونَ الملةُ واحدة، لأن هؤلاء كُلَّهُمْ مِن أهل ملة الإسلام، قال: ويُمْكِن أن يخرج من مذهبه ﵇ أن شهادَتَهم لا تجوز، لأنَّه نصَّ في " الأحكام " على أن مَنْ نَكَثَ بيعةَ إمام زمانه، طُرِحَتْ شهادتُهُ، وهذا
стр. 780
سبيلُ الخوارج والبغاة، ومن يُجيز شهادتهم يذهب إِلى أن الإجماعَ قد حصل في قبول شهادتهم وخبرهم.
قال المؤيَّدُ بالله: من أنكر إمامَه، طُرِحَتْ شهادتُهُ إذا كان لا يقول بإمامته لأجل الفسوق والتهتك، لا لأجل النظر في أمره، والتفكر في أحواله.
وقال المؤيَّدُ مرة: لعلَّه قال ذلك اجتهاداً، ولكنه يضعف عندي إذا كان مستقيمَ الطريقة في سائر أحواله، فإن عُرِفَ منه الفسوقُ بما يقوله، فإني لا أقبلُها. انتهي كلام الأمير في " اللمع " رحمه الله تعالى.
قال القاضي شرف الدين في شرحه للزيادات: معنى قولِه: لعله قال ذلك اجتهاداً، أي: استحساناً، لأن المعلوم أن جميع أقواله اجتهاد.
ومثلُهُ قال الفقيهُ علي بن يحيى في تعليقه: قال مِن غير دليل معيّن.
قلت: قد قال المؤيَّدُ بالله في " الزيادات ": والقولُ بالاستحسان قوي عندي، ولكن ما هذا يَدُلُّ على أن الاستحسانَ هو الاجتهادُ، بل هو بعضُ طرقِ الاجتهاد، ويمكن أن المؤيَّدَ بالله ﵇ أراد أنَّه قال ذلك بالاجتهاد المستند إلى غيرِ النصوصِ الصريحة والله أعلم.
وقال القاضي شرفُ الدين ﵀ في " تذكرته " ما لفظه: وأما كفارُ التأويل، كمشبِّه ومجسِّم، فتُقبل على كل أحدٍ، كخبره عن النبي ﷺ في أحد قولي المؤيَّد بالله وتحصيله، والأكثر، والثاني والناصر، وأبو علي، وأبو هاشم، ورواية أبي جعفر للهادي: لا تَصِحَّانِ، وكذا فاسقُ التأويل كخارجي وباغ غير الخطابية، ومن لم يبلغ خطؤه كفراً أو فسقاً،
стр. 781
كمخالف في العوض وإلإرجاء، وتفضيل النبي على الملك، والإمامة مع العدالة في الكل، وفي كتاب مختصر لبعض الخصوم (١) ما لفظه: ولا تَصِحُّ يعني الشهادة منْ أخرسٍ وصبي مطلقاًً، وكافرٍ تصريحاً إلا ملياً على مثلهِ، وفاسق جارحة وإن تاب إلا بعدَ سنة، وفيه ما لفظه: وكُلُّ فعلٍ أو (٢) تركٍ محرمين في اعتقاد الفاعلِ التارك لا يُتسامح بمثلهما؛ وقعا جُرْأةً، فجرح.
وقال الفقيه علي بنُ يحيى الوشلي في تعليقه على " اللمع " في قول أبي مضر: فعلى هذا شهادةُ المجبرة والمشبهة يجب أن تكونَ مقبولةً عنده قَدَّسَ الله روحَه، وكذا عند يحيى، والقاسم: ظاهرُ هذا أنَّه رواية عن يحيى، وليس بتخريج.
قال ﵀: وهو مذهب المؤيَّدِ بالله وتخريجه، وهو أحدُ تخريجي أبي طالب، وعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعي أن شهادتَهم مقبولة، والتخريج الثاني لأبي طالب، وهو قولُ أبي علي، وأبي هاشم أن شهادتَهم لا تُقبل، والمذكور في " الكافي " ما لفظه: ومن بلغ اعتقادُهُ فسقاً بتأويل إلى قوله لا يُقبل خبرُه وشهادته، وكذلك من كفر بالتأويل، وعند الباقي من السادة يُقبل خبرهما وشهادتهما ذكر ذلك في " التقرير ". انتهى.
وقال في " فائقة الفصول (٣) في ضبط معاني جوهره الأصول " في
стр. 782
شروط خبرِ الواحد ما لفظه:
تَنَزُّه الرَّاوي عَنِ الكَبَائِرِ ... وَتَرْكُ إصْرَارٍ على الصَّغَائِرِ
وَمَا يُضَاهِي لَعِبَاً بِطَائِرِ ... واختَلَفوا في فَاسِقٍ وَكافِرِ
مؤوِّلاً فَغَيْرُنَا لا يَقْبَلُهْ ... وَنَحْنُ لا نَرُدُّ شيئاً يَنْقُلُهْ
وهذا من شهادةِ الخصم لخصمه وهو (١) من أرفع المراتب.
والفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بهِ الأعْدَاءُ.
فإذا ثبت هذا، فقد عَرَفْتَ أن المؤيَّد بالله ﵇ نسب قبول المتأولين إلى جميع أهلِ المذهب الشريف مِن الأئمة وأتباعهم، وروى ذلك عنه في " اللمع " وقرّره ولم يعترضه، فالذي في كتاب " اللمع " أنّ قبولَهم مذهبُنا ومذهبُ القاسم والهادي والمؤيَّد، ولم يذكر فيه عن أحد من العِترة أنَّه نصَّ على تحريمه، لا مِن المتقدمين، ولا مِن المتأخرين، وإنما روي عن أبي طالب أنَّه قال: يُمْكِنُ أن يُخرج للهادي ﵇ قبولُهُم، ويمكن أن يخرج له رَدُّهُم، وإنما روى في " اللمع " الخلاف في ذلك (٢) عن أبي علي وأبي هاشم، ولو كان يَعْرِفُ في ذلك خلافاً للهادي والقاسم، لكانا أحقَّ بالذكر من أبي علي، وأبي هاشم، ويشهد لما (٣) ذكرتُهُ مِن أن مذهَبَنَا قبولُهُم قولُه في " اللمع ": لنا أنَّه لم يرتكب محظوراتِ دينه، إلى آخره. فقولُهُ: " لنا " واضح في أن ذلك مذهبُنا لا
стр. 783
مذهبَ لنا سواه، ولم يعترض أحدٌ على صاحب " اللمع " في قوله ذلك، فثبت أن المؤيَّد ذكره لأهل المذهب، ولم يذكر خلافاً، والمنصورُ بالله ذكره في " المهذب " ولم يذكر خلافاً، والأميرُ علي بن الحسين ذكره (١) ولم يذكر خلافاً لأهل المذهب (٢)، والفقيهُ عبدُ الله بنُ زيد ذكره ولم يذكر خلافاً، وغيرُ هؤلاء من أهل التعاليق والمذاكرين لم يعترضوا على أحدٍ ممن روى الإجماعَ، ولا ممن روى الخلافَ، ولا شَذَّ واحد في ذلك حتى جاء السيدُ -أيَّده الله- فبالغ في إنكارِ قبولهم، بل الظاهرُ أنَّه -أيَّده اللهُ- كان مقرراً له غيرَ منكر حتى دخلت سنة ثمانٍ وثماني مئة، وعَلِمَ السيدُ أن محمد بنَ إبراهيم اختار القولَ المنصوصَ في " اللمع " المشهور عن الخلف والسلف، فترجَّحَ له تحريمُ هذا القول، والمنع من الخلاف فيه، وجعل هذه المسألة من القطعيات التي يأثم المخالفُ فيها، ويعلم أنه معاند مع أنَّه قبل هذا التاريخ لم يزل يمُرُّ على كلامِ الأمير علي بن الحسين ﵁ في " اللمع " فلا يُنكره، ولا يُنبه التلامذةَ على أنَّه قولٌ باطل، ومذهب قبيح مخالف للأدلة القاطعة، وإنما توفَّرت دواعيه إلى تحريم النزاع في هذه المسألة في حق شخص مخصوص، وما هذا من الإنصافِ، فالله المستعان.
الحجة الثانية: إجماعُ العِترة ﵈، وذلك أنَّ المنصورَ باللهِ والإمامَ يحيى بنَ حمزة، وغيرَهما ممن سبق أنّه ادعى إجماعَ الصحابة قَدِ ادَّعَوْا إجماعُ الصدر الأول مِن الأمة، ولا شكَّ أن هؤلاء الذين ادَّعُوا الإجماعَ من المشاهير بتعظيم العِترة ﵈، ومن أهل الورع
стр. 784
والاطلاع، وذلك يقتضي أنَّهم ما ادَّعوا إجماعَ الأُمة حتى عَرَفُوا إجماعَ أهلِ البيت ﵈ أولاًً خاصة في ذلك العصرِ، فإن أهلَ البيت ﵈ في زمان (١) حدوث الفسق في المذاهب، لم يكونوا إلا ثلاثةً عليٌّ، وولده ﵈، وإجماعُهُم حجة، ومعرفتُهُ متيسرة مستهلة (٢) لانحصارهم واشتهارهم، فأقلُّ أحوال المنصورِ بالله والإِمامِ يحيى، ﵉ أنهما لا يَدَّعيان إجماعَ الصحابة ألا وهما يعرفان ما مذهَبُ علي وولديه ﵈، فإنهما لو لم يعرفا مذهبهم، لكانا مجازفين بدعوى الإجماع، وهُما منزَّهان من ذلك باتفاق الجميعِ على أمانتهما وسَعة معرفتهما.
الحجة الثالثة: أن ذلك يقتضي أنَّهما ﵉ عرفا أن قبولَ المتأولين مذهبٌ علي ﵇، لأن أقلَّ أحوالهما حين ادَّعيا العلم بمذهب جميع الصحابة المشهور والمغمور أن يكونا قد عَرَفَا أن ذلك مذهبُ إمام الأئمة، وأفضل الأمة، وكفي به ﵇ حجة (٣) لمن أراد الهدى، وعِصمَةً لمن خاف الردى.
الحجة الرابعة: أنا لو لم نقبل المتأوِّلين، لوجب أن لا نقبلَ الصحابة أجمعين، ولا الصدرَ الأول مِن أهل البيت الطاهرين إذا لم يُصَرِّحُوا بالسماعِ من النبي ﷺ ، وذلك لأنَّ هؤلاء الثقات من الأئمة وغيرهم قد رَوَوْا عنهم أنَّهم يقبلون الفاسقَ المتأول، فذلك لا بدَّ أن يفيد العلمَ، أو الظنّ بأنهم كانوا كذلك، أقصى ما في الباب أن ذلك يُفيد الشَّكَّ
стр. 785
في قبولهم للفساق المتأولين، فلو كانوا مردودين بالقطع، وحصل الشكُّ في أن روايةَ العدولِ مستندةٌ إليهم لم يجز قبولُه إلا إذا حصلت تبرئة صحيحة يحصلُ معها الظَّنُّ الراجحُ أن روايتَه غير مستندة إلى من لا يقبل قطعاً، وقد ألزمنا السَّيِّد في رسالته مثل هذا، ومن التناصفِ بين المتناظرين أن يجري كُلُّ خصم على قياسه، ويبنيَ كُلُّ أحدٍ على أساسه.
الحجة الخامسة: هي الحجة العقلية التي عَوَّلَ عليها الإمامان: المنصورُ بالله والناطقُ بالحقِّ ﵉، والشيخُ المحقِّقُ أبو الحسين البصري ﵀ وهي أنَّ خبرهم يُفيدُ الظنَّ قطعاً، والعمل بالظن حسن عقلاً، وقد قررنا اتفاقَ العقلاء على حُسْنِ الخبر والاستخبار، واعتمادهم عند المهمات على إرسالِ الرسول، وكتابةِ الكتاب، وبعثِ النذير إلى من يخاف عليه منه (١) والطليعةِ إلى من يُخاف منه، وسفرِ التاجر على ظنِّ الربح، وزرع الزراع على ظنِّ التمام، وغزوِ الملوك على ظن الظَّفَرِ، وقراءة القرآن (٢) على ظن الفائدة، وكذلك العملُ في ضِرَابِ الأنعام وتربية صغارها (٣)، وجمعِ سمنها وألبانها، وسائرُ تصرفات العقلاء كُلُّها مبنية على ظن (٤) المنفعة دون اليقين (٥)، ولهذا فإن رسل (٦) رسولِ الله ﷺ لما كانت تأتي (٧) العرب، تُخبرهم بالشريعة، وتُبلِّغهم الأحكامَ، امتثلوا ذلك، وَعَمِلُوا به بمقتضى فِطرة العقول من غير أن يقولَ لهم رسولُ الله ﷺ ذلك (٨) جائز، ومن غير أن يسألوا عن ذلك، ولا
стр. 786
تناظروا (١) فيه، ومن غير أن يستقبح ذلك منهم واحد، بل اجتمعوا على استحسان ذلك، وقررهم عليه رسولُ الله ﷺ . ولو كان ذلك لا يُعرف إلا (٢) بالشرع، لكانوا قد أقدموا على قبيحٍ في عملهم بكلام الرسل التي جاءتهم من عنده ﵇، ولو كان عملهم في ذلك قبيحاً، لما أقرهم عليه رسولُ الله ﷺ .
فثبت بذلك أنَّ العمل على قول من يُظَنُّ صدقُه حسنٌ عقلاً، معمول به قديماً وحديثاً إلا ما خصَّه الدليل الشرعي من ذلك، فيُقرر حيث ورد، ويُعمل بدليل العقل فيما عداه. وقد كفانا مؤنَة الاحتجاج في هذه المسألة بهذا الوجه العقلي أبو طالب في كتاب " المجزىء " وكذلك المنصورُ بالله، وأبو الحسين، فمن أراد تحقيقها، فليطالعها في مصنفاتهم.
الحجة السادسة: أن في مخالفتهم مضرةً مظنونة ، ودفعُ الضرر المظنون عن النفس واجبٌ، والمقدمة الثانية اتفاقية، وبيانُ المقدمة الأولى أن الثقة من المتأولين متى أخبرنا بتحريم الشيء، وظننا صِدْقَهُ، فإن ظن صدقه يستلزم ظنَّ العِقاب المتوعّد به على ارتكاب الحرام، وكذلك إذا أخبر بوجوبِ الواجب، وكذلك إذا أخبر بإباحة إلمباح، فإنه ليس لنا أن نُخَالِفَ رسول الله ﷺ في تحريم ولا إيجاب.
الحجة السابعة: أنّه (٣) إمَّا أن يحصل بخبرهم الرُّجحانُ أو لا، إن لم يَحْصُل الرجحانُ، ثم يُقبلوا، وإن حصل الرجحانُ، فإما أن يعمل بالراجح، أو المرجوحِ، أو يساوي بينهما، وترجيحُ المرجوح على
стр. 787
الراجح والمساواة بينهما في الترجيح قبيحٌ عقلاً، فوجب المصيرُ إلى ترجيح الراجح، وذلك مقتضى العقول.
الحجة الثامنة: أنَّه يَحْصُلُ بخبرهم الظنُّ لثبوت الحكم الشرعي المخصص للعموم وليس يجوزُ الحكم بالعموم (١) مع ظن أنّه مخصوص إجماعاً، وإنما اختُلفَ هل يجب العلم بانتفاء الخاصِّ، أو يجب الظَّنُّ لانتفائه، أو يكفي البقاءُ على الأصلِ وهو عدمُ المخصص حتى يظن وجودُه، فأما إذا ظن المجتهدُ وجودَ المخصص، فلا خلاف في تحريم العمل بالعموم حيث ورد الخاصُّ، وهي حُجة قوية.
الحجة التاسعة: أنَّه يحصل بخبرهم الظنُّ لثبوت النص الشرعي ومع ذلك يحرم الاعتمادُ على القياس والاجتهاد، وتقريرُها مثل الثامنة.
الحجة العاشرة: أنَّه يحصل ظَنُّ النص، فيحرم التمسكُ بالحظر والإباحة الأصليين.
الحجة الحادية عشرة: أنَّه يحصل بخبرهم ظنُّ النسخ، ومتى غلب على الظن أن هذا الحكمَ منسوخٌ لم يحل التمسكُ به إجماعاً، وتقريرُهُ كما في الثامنة.
الحجة الثانية عشرة: أنَّه ينتفي الإجمالُ في الاشتراك بخبرهم، فإنهم متى أخبروا عن النبي ﷺ أن المراد متعين في أحد اللفظين المشتركين ترجح ظنُّ (٢) ذلك.
وقد ثبت أنَّه يُرجع في المشترك إلى القرائن المفيدة للظن، ولهذا
стр. 788
ثبت التجوزُ بالعادة وهي ظنية، وحكموا بها في تفسير كتاب الله تعالى فقالوا في ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (١) [المسد: ٤]: إن المرادَ بها نَمَّامة لمَّا كانت مِن أهل الشرف والثروة والترفة في أحدِ التفسيرين، واتفقوا على التجوز في قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] لأجل القرينة العرفية.
الحجة الثالثة عشرة: أنَّه ينتفي الظن في الطواهر والحقائق الظنية الموجبة للتجوز وتقريره كما مر في الثانية عشرة، وخبرُهُم قرينة ظنية بغير شك، فوجبَ قبولُه.
الحجة الرابعة عشرة: أنَّه قد ثبت أنَّه مَنْ أكثرَ من ارتكاب المعاصي الملتبسة على جهة التعمد، وأصَرَّ عليها مع العلم بقُبحها، فإنه مجروحُ العدالةِ، غيرُ مقبولٍ في الشهادة والرواية، ومن عصى معاصيَ كثيرةً لا تَبْلُغُ الكفرَ والفسق وكان متأوِّلاً فيها، غيرَ عالم بقبحها، فإنَّه مقبولُ الشهادة والرواية، مع أنَّ معه دليلاً لو أنصف وتأمَّلَه، عَلِمَ الحق كالفاسق المتأوِّل سواء، فدل على أن العلة في القبول هي صدورُ المعصية على جهة التأويل، صغيرةً كانت أو كبيرةً، وليست العلةُ الفسقَ، ألا ترى أنا نَرُدُّ من تعمد المعاصي، وإن لم يكن فسقاً، ونقبل مَنْ فعلها بعينها متأولاً، فقد
стр. 789
فَرَّقْنَا بين المتأوِّل (١) والمتعمِّدِ في ارتكاب المعاصي، فدار القبولُ مع التأويل ثبوتاً وعدماً، ودار الردُّ مع التصريح ثبوتاً وعدماً، وهذا يُفيد ظَنَّ العِلية، وهو أحد طرق العلل، وإن لم يُفد ذلك دائماً، فمن اعتمد ذلك، لم يستحق النكيرَ، ولا التأثيمَ.
فإن قلتَ: إن مرتكب الكبيرة تأويلاً (٢) قد خرج من ولاية الله قطعاً بخلاف صاحب المعصية الملتبسة.
قلت: ليس العلةُ الخروجَ من ولاية الله قطعاً بدليل أنَّ من ارتكب المعاصي تعمداً، لم يُقبل وإن لم تكن كبائرَ مع أنا لم نعلم أنَّه قد خرج مِن ولاية الله قطعاً ولا ظناً، فدل على أن المعتبر التأويل الذي يبقى معه ظَنُّ الصدق.
الحجة الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ودخول السؤالِ عن الأدلة في هذه الآية على سبيلِ طلب (٣) الاجتهاد أقربُ من دخول السؤال عن المذاهب على سبيلِ التقليد، لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقد تَقدَّمَ ذكر ذلك عند الاحتجاج على تعديل حملةِ العلم (٤).
فإن قُلْتَ: فقد تقدَّم أن الصحيحَ أنها في سؤال المشركين لأهل الكتاب عن الرُّسُلِ أكانوا بشراً أم لا.
قلت: ذلك صحيح أنَّه معناها الذي سِيقَتْ له، ونَزَلَتْ فيه،
стр. 790
ولكن قد يُؤخذ من الآية حكمٌ لم يَرِدْ فيها على سبيل الاستنباطِ، وقد يكونُ ذلك من مفهومِ الموافقة (١)، وهو قطعي وظني، فالأوَّلُ مثل تحريم الضَّربِ مِن تحريم التأفيف، والثاني مثلُ وجوبِ الكفارة في قتل العمدِ من وجوبها في قتل الخطأ على قولِ الشافعي، وهذا مِن ذاك، فإن المفهومَ أن المشركين، إنَّما أُمِرُوا بسؤالِ أهل الكتاب لجهل المشركين وعلم أهل الكتاب في تلك الحادثة، فكذا (٢) كُلُّ حادثة يُوجد فيها عالم وجاهلٌ مِنَ المسلمين، فإنَّه يكون المفهومُ مِن الآية أن المشروعَ للجاهل مِن المسلمين أن يسأل العَالِمَ من أهلِ الإسلام، وهذا أولى من ذاك (٣)، أقصى ما في الباب أنَّه قياس على المنطوق، فالكُلُّ منهما حُجَّةٌ.
إذا ثبت هذا، فالآية عامة في العلماءِ المتنزهين عن البدع على سبيلِ التأويل، وليس يلزمُنا في هذه الحجة وأمثالها مثلُ ما ألزمنا السيدَ في
стр. 791
تلك الإِشكالات، لأنا لم ندَّعِ أَنَّ المسألَة قطعية، وتلك الإِشكالات إنَّما ورد عليه أكثرُها لدعواه أَنَّ المسألة قطعية، وأما مَنْ أَقَرَّ أنها ظنية، فليس عليه إلَّا أن يستدِلَّ بدليل يُفيده (١) الظن، وليس عليه أيضاًً أن يُفيد غيرَه الظن، وإنَّما عليه أن يُبْدِيَ دليلَه لمن أراد أن يعرفه، فيستدل به، أو يعارضه.
الحجة السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] وهذا عامٌّ في كل ما جاء عن الله، سواء كان مِن كلامه في القرآن العظيم، أو على لسانِ رسوله ﷺ ، وسواء كان معلوماً أو مظنوناً، بل الأكثر مِن ذلك هو الذي جاءَ مظنوناً، وقد ثبت أن في القرآن العظيمِ ما معناه (٢) مظنونٌ، وما معناه معلومٌ، وثبت أنهما جميعاً مُعْتَدٌّ بهما، وأن المعنى المظنون من جملة ما جاء مِن عند الله تعالى، فكذلك السنة فيها معلوم و (٣) مظنون، وكل منهما مما جاء مِن عند الله تعالى، ألا ترى أن السيدَ إذا قال لعبده: إذا جاءَك لي قريبٌ، فأكرمه، وكان العبدُ لا يعرف أقاربَ سيده، فإنَّه متى أخبره مَنْ يظن صدقَه عن أحدٍ أنَّه مِن قرابة سيده، فإنه يَحسن منه إكرامُه، لأجل ذلك الخبرِ المظنونِ صدقُه، وكذلك إذا جاءه كتابُ سيده مع رجل يُوصيه، وعرف خطَّه، فإنَّه يَحْسُن منه العملُ به وإن لم يكن معرفة الخط يُفيده إلاَّ الظن، وقد تقرَّرَ أن المشروعَ في معرفة الحلالِ والحرام هو العلمُ أو الظن، كما ذكره المنصورُ وغيرُه من علماء العِترة ﵈.
стр. 792
فإذا عرفتَ هذا، فحديثُ المتأولين مِن جملة ما جاء عن الله ورسولِ الله ﷺ مما يظن صحتُه، ويعتقد تحري رواته في الصدق وأمانتِهم في الرواية، فوجب الامتثالُ، وأمِنَّا باتباعهِ من الشقاء والضلال.
الحجة السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ذَمَّهُمُ الله تعالى بعدمِ الاستماع، وهو مطلق في كل ما جاء عن الله تعالى من معلوم ومظنون، خرج المُجْمَعُ على ردِّه، وبقي المُخْتَلَفُ فيه إلاَّ ما خصَّه دليل، وأمثال هذه الآية الكريمة كثيرٌ في القرآن الكريم مما ورد في ذَمِّ مَنْ لا يسمع، ومدحِ المستمعين مثل قوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] وأمثال ذلك.
الحجة الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] فهذا عام فيما آتانا الله تعالى مِن معلوم ومظنون، وقد ثبت أنَّه تعالى إذا أمرنا بأمرٍ، وجبَ علينا منه ما علمنا وما ظننا، ألا ترى أنَّه يَجِبُ طلبُ الماء للطهور حيث يُعْلَم وحيث يُظن، ولا يُجزىء الاكتفاءُ بالطلب في المواضع المعلوم وجودُه فيها مع ترك المواضِع المظنون وجوده فيها، وقد ثبت عنه ﵇ أنَّه قال: " إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْه ما اسْتَطَعْتُم " (١).
فيجب بذلُ الوسع في القُدرة، ومراتبها ظاهرة، فيصلي قياماً ثُم قعوداً
стр. 793
ثم على الجُنُوبِ (١).
وكذلك يجب بذلُ الوُسْعِ في تَعَرُّفِ ما آتانا (٢) الله، وأمرنا بأخذه، وذكر ما فيه، وبذل الوسع في ذلك حسبَ الطاقة ومراتبها، فأعلى المراتبِ أن نعلمَ اللفظَ والمعنى، وهذا يكون في كثير من القرآن، وكثير من السنة المتواترة، ودُونَ هذه المرتبة أن نعلَم اللفظ ونظن المعنى، وذلك يكون (٣) أيضاًً كثيراً في القرآن والمتواترِ مِن السنة.
والمرتبة الثالتة أن نظنَّ اللفظ والمعنى، أو نعلم المعنى، ونظن اللفظ وكلاهما في السُّنَّةِ المنقولة بطريق الآحاد، وهما متقاربان.
واعلم أنَّه لو لم يجب علينا مِن ألفاظ السنّة إلاَّ ما علمنا، لما وجب علينا من معاني القرآن إلاَّ ما علمنا، لأن ذلك كُلَّه يرجِعُ إلى العمل في الشريعة بالظن، وذلك يؤدّي إلى خلاف الإجماع، ومما يؤيِّدُ ما ذكرته في العمل بالمظنون مما آتانا الله من الشريعة أنَّه تعالى لما أمرنا بِبِرِّ الوالدين والأقربين، والصدقة على المساكين وجب في ذلك أنَّه يُراد به من ظننا قرابته ومن ظننا فقره ومسكنته، لأنَّه لا طريقَ معلومة إلى معرفة القرابة والفقر غالباً، وأمثالُ ذلك في الشريعة كثيرة.
الحجة التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
стр. 794
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فهذا وعيد شديد، ومضرَّة عظيمة فيجب الاحترازُ مِن الوقوع فيما يُخاف الوقوعُ فيه لمخالفتها، ولا يَحْصُلُ الأمانُ من ذلك إلاَّ بامتثال كُلِّ معلومٍ ومظنونٍ مما جاء عنه ﵇، فيدخل في ذلك خبرُ المتأولين.
الحجة الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وفي آية: ﴿الفاسقون﴾، وفي آية: ﴿الظالمون﴾، ولا شك أنَّ ما أنزل اللهُ يكون معلوماً ومظنوناً (١)، ولم يقُلْ أحدٌ من أهل العلم: إنَّه لا يكون مظنوناً، وخبر المتأولين من ذلك، ولكن لا يُفِيدُ الكفر والفسق والظلم، لأن المسألة اجتهادية، إذ هذه الآية من العمومات العملية الظنية المخصوصة المؤوَّلة، ولكنها حجةٌ لمن ظَنَّ في شيء معيَّن أنَّه يدخل في عمومها.
الحجة الحادية والعشرون: قولُه تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] وكلامُه ﵇ من جملة ما أنزلَ الله تعالى، لقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) [النجم: ٣ - ٤] إذا ثبت هذا في حقه ﵇ ثبت في حقنا مثله، لأنَّ التأسي به واجبٌ علينا، فيحرم علينا أن نفتتن عن بعض ما أنزل اللهُ إليه، وذلك يُوجب المحافظة على قبولِ ما صدر منه ﵇، وتلك المحافظة لا تَتِمُّ إلاَّ بقبول المتأولين، وإلا لم يَحْصُل
стр. 795
الأمانُ من الإخلال ببعضِ صَدَرَ منه ﵇، لأنَّا لا نأمن أن ما روَوْهُ (١) مما أنزل اللهُ إليه، وخرج من ذلك ما قام الدليلُ على رده.
الحجة الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فأمر اللهُ باتباعه، وقد قال ﵇: " إِذَا أَمَرْتُكمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْه مَا اسْتَطَعْتُمْ " (٢) فوجب أن نتَّبِعَه فيما استطعنا مِن معلوم ومظنون على الإطلاق إلاَّ ما قيَّده الدليل.
الحجة الرابعة والعشرون (٣): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فتجب طاعتُه في كل معلوم ومظنون كما تقدَّم.
واعلم أن العمومات الواردة في هذا الباب كثيرة جداً، والعلماء تركوا الاستدلال بها استغناءً بحجة الإجماع، لأنها أخصُّ من العمومات، وأقطعُ للشغب، وإنَّما أوردت هذه العمومات معارضةً لما توهَّمه السيدُ مِن صحة الاحتجاج بتلك العمومات التي أوردها، وقد بيَّنا فيما تقدم الجوابَ عليه في (٤) الاحتجاج بها، بل قد تقدَّم فيها، أو في أكثرها أنَّها حجج عليه لا له، وذلك مقرر في الإشكالات الواردة على احتجاجه بها، وهذا القدرُ يكفي في المعارضة فلنقتصر عليه.
стр. 796
الحجة الخامسة والعشرون: ما رواه عِكرمةُ، عن ابن عباس ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إني رأيتُ الهلال يعني رمضان، فقال: " أَتَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُول اللهِ "؟ قال: نَعَمْ، قال: " يَا بلَالُ أَذِّنْ في الناسِ أَنْ يَصُومُوا غَدَاً " (١). رواه أهلُ السنن الأربع، ولفظُه لأبي داود، وهو مروي من طريق أهل البيت ﵈، ومن طريق شيعتهم.
وقالَ أبو عبد الله الحاكمُ الحافظُ أحدُ علماء شيعة أهلِ البيت ﵈: هو حديثٌ صحيحٌ، وفي إسنادِه وإرسالِه خلافٌ يسير، لا يَضُرُّ مثلُه إن شاء الله تعالى، وهو يدل على قبول من شهد الشهادتين من أهل الإسلام القائمين بأركانه الخمسة ما لم يثبت جرحُهم.
الحجة السادسة والعشرون: حديثُ الأمةِ السوداء التي قالَ ﵇: " هِيَ مُؤمِنَةٌ " لما أشارت أن الله ربُّها، وأنَّه ﵇ رسولُ الله والحديثُ صحيح خرجه مسلم (٢) وغيره وهو دليلٌ على قبول كُلِّ مَنْ آمن بالله ورسوله مِن أهل الإسلام ما لم يثبت عنه فعل ما يُجرح به بدليل صحيح من كتابٍ أو سُنَّة أو إجماعٍ، وهذا كله مفقودٌ في المتأوِّلين، لأنه ﵇ قد أثبت لها الإيمانَ بذلك، والمؤمنُ مقبولٌ، لقوله تعالى في صفة رسول الله ﷺ : ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)
стр. 797
[التوبة: ٦١] وقد مرَّ في كلام السَّيِّد أبي طالب أنَّ العدالةَ كانت منوطةً في ذلك الصدر الأول بالإِسلامِ والقيامِ بأركانه، واجتنابِ معاصي الجوارح المعروفة دونَ معاصي الاعتقاد وما يتفرَّعُ عنها، هذا معنى كلامه ﵇، وقد مَرَّ بلفظه.
الحجة السابعة والعشرون: حديثُ الحسن بن علي ﵉ الذي فيه " إنَّ ابْنِي هذا سَيِّدٌ وسَيُصْلِحُ الله بِهِ بَيْنَ طَائِفَتيْنِ عظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ " (١) وفيه النَّصُّ على تسميتهم مسلمين، وقد تقدَّم الكلام على صحة الحديث.
والمسلم مقبولٌ ما لم يظهر ما يجرحه والدليلُ على ذلك إجماعُ الصحابة عليه في الصدر الأول. رواه الشيخ أبو الحسين في " المعتمد " كما تقدم، وقد تقدَّم أيضاً أثر عمر الصحيح في ذلك في كتابه المشهور (٢)، ولم يُنكره أحد، وهو شاهدٌ جيد لدعوى الشيخ أبي (٣) الحسين والشواهد على ذلك كثيرة، ولا معنى للتكثير بإيرادها، لأنَّ الخصم غيرُ منازع في قبول من ثبت أنَّه مسلم. والله أعلم.
الحجة الثامنة والعشرون: قولُه ﵇ في الحديث المشهور
стр. 798
الصحيح " كَيْفَ وَقَدْ قيلَ " (١) ففيه تنبيهٌ على حسن قبولِ خبر من أخبر عن تحريم أو وجوبٍ بمجرد القول مِن غير ظن على جهةِ الاحتياط، فكيف مع الظن الغالب، والصِّدْقِ الراجح خرج من ذلك المصرح، وبقي المتأوِّل.
الحجة التاسعة والعشرون: قولُه ﵇ في حديث الحسن بن علي ﵉ " دَعْ ما يُرِيْبُكَ إلى ما لَا يُرِيبُكَ " (٢) وهذا حديثٌ حسن معمول به، خرَّجه النواوي في مباني الإسلام وحسنه، ورواه الترمذي في " جامعه " وهو يدُلُّ على قبول من يظن صدقه، لأن رده مما يُريب خوفاً أن يكونَ رسولُ الله ﷺ قال ذلك الذي رواه.
فإن قلتَ: إن تصديقَهم ريبٌ أيضاًً، فتعارضت جِهتا الترجيحِ، فوجب الوقف.
قلت: الجوابُ مِن وجوه:
أحدها: أن قبولَهم يُريب ريباً مرجوحاً، فلم يُعتبر، لأن الريبَ المرجوح حاصلٌ في خبر الثقة المتنزِّه من البدع، فكما أنَّه لم يُؤثر فيه، كذلك (٣) هذا.
وثانيها: أن نقولَ: اجتمع في قبوله ورده رَيْبَانِ، ففي قبوله ريبٌ مرجوح موهوم، وفي ردِّه ريبٌ راجح مظنون، فوجب الاحترازُ مِن الرَّيْبِ الرَّاجِحِ المظنون، لأن فيه مضرةً مظنونةً، ولم يجب الاحترازُ مِن الريب
стр. 799
المرجوح، لأن فيه مضرَّة مرجوحة، والمضرةُ المجوزة مِن غير رجحان لا يجبُ الاحترازُ منها، فكيف إذا كانت مرجوحةً موهومةً، فلم يقل أحدٌ من العقلاء بوجوب الاحتراز من ذلك، ولو وجب مثلُ ذلك، لوجب على العقلاء أن يخرجوا من بيوتهم خوفاً لسقوطها عليهم مِن غير أمارة للسقوط.
وثالثها: أنَّ الراجح المظنون (١) لا يُسمى ريباً في اللغة، ولهذا، فإن الإنسانَ إذا غابَ من منزله وأولادِه ساعةً من نهار، وعهده بالدار صحيحةً، وبأهله سالمين، فإنه لا يُسمى مريباً في انهدام الدارِ، وموتِ الأولاد لمجرد أن ذلك ممكن مِن غير محال، وهذا واضح، وقد ذكر الزمخشريُّ (٢) هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].
الحجة الموفية ثلاثين: ما ثبت في الصحمِح من قوله ﵇: " الحَلاَلُ بيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَن اتَّقى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرأ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ " الحديث (٣)، وفيه ما لا يخفى من الحثِّ على تركِ المتشابهات، ولا شَكَّ أنَّ رَدَّ المتأولين من المتشابهات لوجوه:
أحدُها: ظَنُّ صدقهم.
وثانيها: دعوى الثقاتِ من الأُمة الإجماعَ على قبولهم، ولم يَدَّعِ أحدٌ الإجماعَ على ردهم، كما قدمنا.
وثالثها: أنَّهم إذا رَوَوْا عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه حرم شيئاً، فإنَّه لا يكونُ
стр. 800
حلالاً بيِّناً، وكذلك إذا رَوَوْا أنَّه أوجب شيئاً لا يكونُ تركُه من الحلال البَيِّنِ لوقوع الشبهة بروايتهم للنص النبوي، وهذا قوي جداً.
الحجة الحادية والثلاثون: قولُه ﵇: " يَحْمِلُ هذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ " (١)، وقد مَرَّ الكلامُ على تصحيحه، ووجهِ الاحتجاج به حيث (٢) نقضنا احتجاحَ السَّيِّد به، وبينا أنَّه حجةٌ عليه، لا لَهُ.
الحجة الثانية والثلاثون: أنَّه يَحْرُمُ عليهم كتمُ ما يحفظونه من العلم، والنصوصِ النبوية لنَصِّ القرآن الكريم على تحريمِ كَتْمِ العلم فلا يرتفع (٣) الوجوبُ عنهم إلا بدليل مثل ذلك النص في القُوَّةِ والظهور، ولا شَكَّ أنَّه لا يُوجَدُ ما يُماثِلُه في إسقاط التكليف عنهم في ذلك (٤) فإذَا ثبت أنَّه يجبُ عليهم التبليغُ، وَيحْرُمُ عليهم الكتمُ ثَبَتَ أنَّه يُقْبَلُ منهم، وإلا لم يكن لتبليغهم فائدةٌ، ولا لوجوب ذلك عليهم معنى، وأما المصرِّحُ، فقد دل الإجماعُ القاطع على اشتراط توبته في القبول فافترقا.
الفائدة الثانية: في الإشارةِ إلى المرجِّحات لقبول المتأولين على تقدير تسليم التعارض وهي خمسةَ عَشَرَ وجهاً:
الأولُ: خبرُ الثقاتِ مِن عشر طرق أو أكثر بأنَّ الأمة أجمعت على ذلك كما تقدَّم بيانُه عن الأئمة المؤيَّد ِ بالله، وأبي طالب، والمنصور (٥)، والإمامِ يحيى بنِ حمزة في كتبهم، والأميرِ الحسين في " شفاء الأوام "،
стр. 801
والقاضي زيد في " الشرح "، وعبدِ الله بن زيد في كتابه " الدرر المنظومة " في أصول الفقه، والشيخِ أبي الحسين في " المعتمد "، والحاكم في " شرح العيون "، والشيخ الحسن الرصاص في " غرر الحقائق "، وحفيدِه أحمد في " الجوهرة "، وابنِ الحاجب في " مختصر المنتهى "، وروايةِ السيدِ أبي طالب عن الفقهاء أنهم رَوَوْا ذلك لا عن نفسه كما تقدم بيانُ ذلك مفصَّلاً قريباً مع ما شهد لخبرهم مِن القرائن، ومع اطلاعهم على الخلاف وأخبار الصحابة، وذلك يقوي الظَّنِّ قوةً عظيمة على أن ذلك الإجماعَ صحيحٌ إن لم يُفِدِ العلمَ، ولا شَكَّ أنَّه ما رُوي إجماعٌ على رد فُسَّاقِ التأويل ألبتة، فكان القول بقبولهم أولى، لأن في ردهم التعرضَ للعقاب والوعيد الحاصل بمخالفة الإجماعِ، ولا شَكَّ أنه حاصِلٌ إما علماً ضرورياًً، أو ظناً، أو تجويزاً، وليس في قبولهم شيءٌ من مخالفة الإجماعِ ألبتة.
الثاني: أن التكذيبَ لحديثِ رسولِ الله ﷺ مع العلم أنَّه حديثُه كُفْرٌ صريح، والتصديقُ بمن كَذَبَ على رسول الله ﷺ عمداً ليسَ بكفر بالإِجماع، بل الكذبُ على رسول الله ﷺ عمداً ليس بكُفْر بالإجماعِ قبل خلافِ الجويني (١)، والخطاُ فيما عمدُه ليس بكفر أقلُّ إثماً مما عمده كفر بالإجماع، فإن قتل مَنْ يجوز أنَّهُ نبي أقبحُ مِن قتل منْ يجوز أنَّه مؤمن، وليس بنبي قطعاً.
الثالث: أن في القبول تكاليفَ حتى بالإِباحة، فإن ما (٢) أباحه ﵇ يحرم تغييرُه تحريماً مغلَّظاً بحيث يكفر منكرُه إذا كان معلوماً ضرورة
стр. 802
وعليه الحديثُ " وأكَلَ ذَبِيحَتَنَا " جعل ذلك شرطاً في الإسلام بخلاف المباحِ على الأصل.
الرابع: أنَّه أحوطُ إما كُلُّه وإما أكثره فيجب قبولُ الجميع، لأن تركَ قبولِ الجميع تغليبٌ للنادر على الأكثر، وهو مثلُ ترجيح المرجوح على الراجح، وهو خلاف المعقول، وقبولُ البعضِ دونَ البعض تحَكُّمٌ. إنما قلنا: أحوطُ، لأنَّ حديثَهم إن عارض الكتابَ، أو ما هو أرجحُ (١) منه مِن حديث الثقات لم يعمل به إذ هو مرجوحٌ، وإن لم يُعارض، فالفرضُ أنَّه ورد في مباح يجوز تركُه وفعلُه، فإن اقتضى التحريمَ، فالتركُ أحوطُ، وإن اقتضى الوجوبَ، فالفعلُ أحوط، وهذا الوجه يختص بما لم يخصّ العموم المعلوم.
الخامس: نحن نعلمُ بالقرائنِ صِدْقَ أكثرِه، لأنَّ الدواعي إلى الصدق في حديثِ رسول الله ﷺ متوفِّرَةٌ وهي العلم بما فيه مِن كثرة الثواب الوارد في حفظ العلم وتعليمه، وبما في كتمه والكذب فيه مِن العقاب، والصوارفُ منتفية، لأنَّه ليس في الكذب على رسول الله ﷺ شهوةٌ ورغبة، وللأكثرين مثلُ ما في غيره مِن سائر المعاصي المحبوبة بنفسها، مثل الزنى، وأكلِ الحرام، ولا هو من الأكاذيب المؤدِّية إلى ذلك غالباً مثل الشهادة الباطلة في الأموال.
ويدل على هذا وجهان:
أحدهما: أنَّه ربما مضى عمرُ الفاسق المصرح وما كَذَب على رسول الله ﷺ كذبةً واحدة متعمِّداً لها، ولعله لا يمضي له (٢) يوم لم يكذب فيه في مصالح دنياه، فأما العصيانُ بغيرِ الكذب، فلا يكاد ينفك.
стр. 803
الوجهُ الثاني: أنَّ الله شَدَّدَ في الشهادة، فلم يقبل إلا اثنينِ، وأكد إنكارَ المُنْكِرِ باليمين (١)، ولم يقبل منْ بينَه وبَيْنَ أخيه عداوةٌ إلى غير ذلك بخلاف الحديث، فَكُلُّ هذه الأمور (٢) مقبولةٌ فيه.
قال بعضُ العلماء: وذلك لِقوة الداعي إلى الصدق (٣) في الحديث، وقِلَّةِ الداعي إلى الكذب فيه.
وأما مما يقدر مِن قوة محبة الكذبِ على رسول الله ﷺ فهو في نفسه نادر، وعلى تقدير وقوعه، فهو مِن العدل المتأوّل نادرٌ جداً هذا معلومٌ بالضرورة، فلما علمنا أنَّ الصدق في حديثهم أكثري، وأن الكذبَ نادرٌ، وجب ترجيحُ الصدقِ المعلومِ الغالبِ الراجحِ الأكثري على الكذبِ الموهومِ النادرِ المرجوح.
السادس: أن لهم خطأً وصواباً، فوجب النظرُ في أيُّهما أكثرُ، فما كان أكثرَ، علق به الحكم إلا ما خصَّه الدليلُ، وقد نظرنا، فوجدنا صوابَهم أكثر، لأنهم أقاموا أركانَ الإسلامِ الخمسة، وانْتَهَوْا عن جميع الكبائر المعلومهَ، وآمنوا بكُلِّ ما هو معلومٌ بالضرورة من الدين، وكثيرٌ منهم لا يعصي إلا في فعلٍ واحد، أو اعتقاد واحد وقع فيه أيضاًً مع عدم العلم بتحريمه، ومع وجود الشُّبْهَةِ في فعلِه واعتقادِهِ.
وبيان ذلك أن لِلدين عموداً وهو الإِيمانُ بالقلب، وأركاناً ظاهرة، وهي الخمسةُ المنصوصة: الشهادتان، والصلاةُ والصيامُ والحجُّ والزكاةُ،
стр. 804
وحدوداً معلومة ضرورية التحريم، وهي الكبائرُ المنصوصة، فهذه مهماتُ الإسلام، وقد جاؤوا بذلك كُلِّهِ على ما يُحِبُّ الله ويرضى، وهو الأكثرُ والأكبر، وليس التعذيبُ في الآخرة دليلاً على عدم القبول في الدنيا بدليلِ الجرحِ بالمعاصي الملتبسة، بل ببعض المباحات الدالة على قِلَّةِ الحياء والمروءة، وبكثرة السهو والغفلة، فكما قد يُرَدُّ مَنْ هو مِن أهل الخير، فقد يقْبَلُ مَنْ هو مِن أهل الشر، لأن حكم الرواية يرجع إلى الصدق وظنِّه، لا إلى استحقاق العقوبةِ في الآخرة. فأحكامُ الآخرةِ بِمَعْزِلٍ عن هذا، ولا شَكَّ أن القياس تعليقُ الحكم بما هو أكثرُ، دليلُه إجماعُ العلماء على أن مَنْ كان يَهِمُ في الحديث وَهْماً نادِراً، ويُصِيبُ كثيراً، فإنه يُقْبَلُ حديثُه تغليباً للأكثر إذا ثبت هذا، قبلوا تغليباً للأكثر.
السابع: روايتُهم للحجج الدالةِ على خلاف مذهبهم مثل أثر عائشة في نفي الرؤيةِ في ليلةِ الإسراء، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] بجبريل ﵇ (١). واتَّفَقُوا على صحة ذلك عنها، ومثلُ الأحاديث والمناقب الدالة على تفضيلِ أمير المؤمنين علي ﵇، ولقد ذكر الذهبي في كتابه " طبقات القُراء " (٢) عليّاً ﵇، وذكر أنَّه لم يَسْبِقْهُ إلى الإسلام إلاّ خديجةُ، وأن المكان يَضِيقُ عن مناقبه وأنَّه جمع القرآنَ العظيم، وصحح ذلك، وَرَدَّ على من خالف فيه. ثم ذكر: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابنِ سيرين أن أبا بكر
стр. 805
رَضِيَ الله عنه مات ولم يَخْتِم القرآن، ولم يُضعف هذه الرواية، ولا عارضها بشيء، وكيف يُضعفها وقد بين إسنادَها، وهو على شرط البخاري ومسلم وجميع أئمة الحديث.
وكذلك عمر ﵁، فإِنَّهم اتَّفقُوا على أنَّه لم يجمع القرآنَ كأبي بكر، ولو كانوا مِن أهلِ الكذب مع تفضيلهم لهما، لَكَذَبُوا لهما، أو تركوا ذكر (١) ذلك نفياً وإثباتاً ليبقى مجملاً، ولم يعتنوا في ذكره، وإيرادِ إسناده (٢) الصحيح، ولهذا نظائرُ لو ذكرتُها واستوفيتُها جاءت في مصنف مفرد، وأخرجت عن المقصود.
ومنْ ذلك حديثُ سَمرَةَ بنِ جُندب حيث (٣) قال له ﵇ ولأبي هُريرة، ولثالث معهما: " آخِرُكُمْ مَوْتاً في النَّارِ " (٤) فكان آخرَهم موتاً سَمُرَةُ بن جندُب، رووه وحكموا بصحته، وقد رُوي أنَّه مات حريقاً؛ روي (٥) أنَّه وقع في نارٍ أو ماء يغلي، ولعلَّ هذا معنى الحديث إن صحت روايتُه، فقد كان سمرةُ حافظاً، أثنى عليه الحَسَنُ البصري ووثقه، وروى عنه.
стр. 806
ومثلُ حديث معاوية حيث قال ﵇: " إذا ارتقى معاوية منبري هذا، فاقتلوه " رواه الذهبي (١) بثلاثة أسانيد طعن في واحد منها وسكت عن (٢) اثنين، ورواه بإسناد آخر " فاقبلوه، فإنَّه أمين " وقال: إسنادٌ مظلم وأمثالُ ذلك شيء كثير، لو نُقِلَتْ من كتب رجالهم لما جاءت في أقلِّ مِن مجلد كبير.
الثامن: تضعيفُهم لأحاديث أئمتهم المحتج بها في الفروع، فمن نظر " البدر المنير " و" خلاصته " و" الإرشاد " و" التلخيص " في الأحاديث التي احتج بها الشافعي عَلِمَ إنصافَهم، وأنَّهم غيرُ متعصبين، فلعلَّهم أجمعوا على ضَعْفِ قدر الربع من حُجَجِهِ، هذا وَهُمْ أصحابُه المنتسبون إليه، وكذلك المحدثون من الحنفية، ولهم في ذلك كتاب أحاديث الهداية (٣)، وكذلك المالكية، وَمِنْ أحسنِ الكتب لهم في ذلك
стр. 807
وأكثرها إنصافاً كتابُ " التمهيد " (١) لابن عبد البر وهو أحدُ كتب الإِسلام ومختصره " التنضيد " حسن جداً.
العاشر (٢): تضعيفُهم للأحاديثِ الدالة على مذاهبهم في التفضيل وغيرِه مثل حديث أنس مرفوعاًً: " لمَّا عرج بي جبريلُ رأيتُ في السَّمَاءِ خيلاً مَوْقُوفَةً مُسْرَجَةً مُلْجَمَة لا تَرُوثُ ولا تَبُولُ، رُؤُوسُها مِنَ اليَاقُوتِ وحَوَافِرُهَا مِن الزُّمُرُّدِ الأخْضَرِ، وأبْدَانُهَا مِن العِقْيَانِ الأصْفَرِ ذوات الأجنحة، فقلتُ لِجبريل: لِمَنْ هذه؟ قال: لِمُحِبِّي أبي بَكرٍ وعُمَرَ "،
стр. 808
قال الذهبي في " الميزان " (١): إنَّه حديث كذب.
ومثل حديثِ عقبةَ بنِ عامر سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " أتاني جبريلُ، فقال: يا محمَّدُ إنَّ الله أمَرَكَ أن تستشيرَ أبا بكر ". في إسناده رجل يقال له: محمد بن عبد الرحمن بن غزوان. قال الدارقطنيُّ وغيرُه: كان يضعُ الحديثَ، وقال ابنُ عدي: له عن ثقات الناس بواطيل، وعدُّوا هذا الحديث منها (٢).
ومثل: " أبو بكر يلي أُمَّتي مِن بعدي " قال الذهبي: هو كذب (٣).
ومثل حديث رواه محمد بن بابشاذ البصري، وقد وثقه الدارقطني، قال الذهبي (٤): لكنه أتى بطامَّةٍ لا تتطيب، فروى عن عائشة قالت: لمَّا كانت ليلتي مِن رسول الله ﷺ ضمَّني وإياه الفراشُ قلتُ: يا رسولَ الله حدثني بشيء لأبي، قال: "أخبرني جبريلُ عن الله أنَّه لما خلق الأرواح اختار روحَ أبي بكر لي مِن بين الأرواح، وإني ضمنتُ على الله أن لا يكونَ لي خليفةٌ مِن أمتي، ولا مؤنس في خلوتي، ولا ضجيع في حُفرتي إلا
стр. 809
أبوكِ، وتخرج بخلافته يومَ القيامة رايةٌ من دُرَّةٍ" فانظر إلى أمورٍ ثلاثة:
أوَّلُها: معنى هذا الحديث على مذهبهم غيرُ محال ولا ممتنع.
وثانيها: أنَّ رَاوِيَه ثقة، لكنه أغربه وشذَّبه، ولم يُتَابَعْ عليه.
وثالثها: أن الذهبيَّ سمَّى هذا الحديث طامة لا تتطيَّبُ مع ثقة راويه وإمكانِ صحته، فلو قال في حق علي مثل هذا لم يَشُك المغرب من (١) عوائدهم عند الغضب مما بان لهم أنَّه كذب أنَّه يُبْغِضُ علياً ﵇، وبمثل هذا ينفي بغضَه لعلي حين يقع منه شيءٌ من هذا مما يظنُّه مكذوباً من مناقبه ﵇، كما يُزَيِّفُ مثلَ ذلك في فضائل القرآن العظيم، وفي معجزاتِ النبي الكريم، فتأمَّلْ ذلك، فقد كان يكفيه ألطفُ من هذه العبارة في نفي هذا وأمثالِهِ من مناقب أبي بكر، لكنَّه يشتد غضبُهم مِن الكذب الواضح عندهم على حَسَبِ اجتهادهم.
ومثل ما روى محمدُ بنُ عبد الله بن إبراهيم بن ثابت أبو بكر البغدادي عن البراء مرفوعاً: " في أعلى عِلِّيينَ قُبَّةٌ معلَّقة بالقُدرة تخترِقُها رياحُ الرحمة، لها أربعةُ آلاف باب، كلما اشتاقَ أبو بكر إلى الجنة، فتح له منها بابٌ ".
قال الدارقطني: كان دجالاً.
وقال الخطيب: كان يضعُ الحديثَ، وعدُّوا هذا من موضوعاته (٢).
стр. 810
ومثل ما روي عن أبي سعيدٍ مرفوعاً: " لما عُرِجَ بي إلى السماء ما مَرَرْتُ بسماءٍ إلا ووجدتُ فيها مكتوباً: محمد رسولُ الله، وأبو بكر الصديق مِن خلفي ".
قال الذهبي (١): هو باطل، وعن ابن عباس مثله وهو أيضاً باطل، وعن أبي هريرة أيضاًً مثله (٢) وفيه رَجُلٌ مُتَّهم بالكذب.
ومثل ما روي عن الزُّبير بن العوَّام ﵁ قال النبي ﷺ : " اللهم (٣) جعلتَ أبا بكر رفيقي في الغارِ، فاجعله رفيقي في الجنة " من رواية محمد بن الوليد بن أبان القلانسي البغدادي مولى بني هاشم.
قال ابنُ عدي (٤): كان يضع الحديث. وقال ابن أبي عَروبة: كذاب.