رسولُ الله ﷺ يَمْسَحُ على الخُفَّيْنِ بعد نزولِ المائدة؟ سَلُوا علياً عن هذا، فإنّه كان لا يُفَارِقه في سفرٍ ولا حضر (١). وإذا ثبت أن مزية الضبط كانت معتبرةً في ذلك، إذ لا فائدةَ في اعتبار حالِ الضبط لما يرويه إلا حصول (٢) قوة الظن عند خبره. انتهي كلامه ﵇. وبتمام هذا الكلام ثم الإشكال الثالث.
فإذا عرفت هذه القَاعدة، فالإِنصاف أن تقولَ: لا يخلو المبتدع إما أن تكون بدعتُه القولَ بالإرجاءِ أو غيرِه، إِن كانت بدعتُه القول بالإرجاء، فإن استويا في جميع وجوه الترجيح إِلا أنَّ أحدَهما مرجىء، وأحدهما وعيدي رجح خبر الوعيدي على خبر المرجىء، لأنهما اختلفا في أمر يُوجِبُ تفاوتَ الظنِّ المعتبر في الأخبار، فإنَّه لا شَكَّ مع الاستواء في وجوه الترجيح أن من يخاف العذابَ على ذلك الذنبِ بعينه وعلى غيره مِن الذنوب أبعدُ من الذنب ممن لا يخاف العذابَ عليه، وإنما يخاف مِن ذنب الكُفر. وإن لم يستويا في وجوهِ الترجيح مثل أن يكونَ الراوي للخبر جماعةً من المبتدعة مشهورين بالحفظ (٣) والإتقان الجيد، ويُخالفهم عدلٌ متنزّه مِن البدع إلاَّ أنَّه منحط عن مرتبتهم في الضبط والحفظ، ومتفرِّدٌ لم يُتابعه غيرُه على ما روى، فها هنا تختلِفُ الظنونُ، ولا يجري القولُ على
стр. 842
قانون، بل كُلُّ أحدٍ مكلفٌ بما يقوى في ظنه، ولكل ناظرٍ نظرُهُ.
وأما إن كان المبتدعُ مبتدعاً بغيرِ الإِرجاء مما ليس بكفر، فلا يخلو إما (١) أن يستويا في جميع وجوهِ الترجيح إلا فسقَ التأويل، أو (٢) يختلفا، إن اختلفا في وجوه الترجيح، فالقولُ في ذلك لا يستمر على طريقةٍ واحدةٍ، فقد يكون المتنزِّه عن فسق التأويل أولى بالقبول لِقوة الظَّنِّ بصدقه، وهذا هو الأكثرُ، وقد يكونُ فاسقُ التأويل أولى بالقبولِ لقوة الظن، وقد يكونُ قولُه أقوى في الظن في بعضِ الأحوال لبعض الأسباب الموجبة لذلك، فقد نصَّ المنصورُ بالله ﵇ على أن قولَ مَنْ يرى أن الكذبَ كُفْرٌ أولى بالقبول ممن لا يرى ذلك، وروى ذلك صاحبُ " الجوهرة " وحكاه الحاكمُ في " شرح العيون " عن بعض أهلِ العلم. ونصُّ المنصور بالله ﵇ في الخبرين إذا تعارضا على أنَّ العملَ على الظن الأقوى هو الواجبُ بهذا اللفظ، وذلك لأن المَرْجِعَ بالترجيح إلى قُوَّةِ الظن لا إلى تفضيل الراوي، فليس المبتدع يُساوي المتنزه من البدعة، ولا كرامة له، وقد نَصُّوا على الإجماع على الترجيح بالضبط، وشِدَّةِ الحفظ، روى الإجماعَ على ذلك أبو طالب ﵇، وقد قدمنا كلامَه، والمنصورُ بالله ﵇، فإنه ذكر الترجيحَ بكون الراوي أكثرَ حفظاً وضبطاً حتى قال ﵇: وهذا مما وَقَعَ الإجماعُ عليه برواية شيخنا ﵀، وكذلك أبو الحسين نَصَّ على الترجيح بكون أحدِ الراويين أضبطَ، ثم قال: وقد يُسْتَدَلُّ على كونه أضبطَ بكونه أكثرَ اشتغالاً بالحديث، وأشدَّ انقطاعاً إليه، وبِقِلَّهِ ما يقع في حديثهِ مِن الخلل في
стр. 843
المعنى واللفظ.
قلتُ: فالترجيحُ بمرجِّحٍ مُجْمَعٍ على أنَّه مرجِّحٌ، ومجمعٍ على الإجماعِ على الترجيح به، أولى من الترجيح بالنزاهة عن البِدعة، لأنه غيرُ مجمع على الترجيح به، أو متنازع في الإجماعِ على الترجيح به، وكذلك منْ يرى أن الواجبَ حكايةُ اللفظ، وأن الروايةَ بالمعنى حرامٌ، فإنَّ روايتَه أقوى من رواية مَنْ يرى جوازَ الحكاية بالمعنى متى استويا في جميع وجوهِ الترجيح إلا في هذا.
فإن قلتَ: وما مثالُ تلك الصورةِ التي يكون الظنُّ مرجحاً لِخبرِ المبتدع فيها؟
قلتُ: لذلك صُوَرٌ كثيرة:
فمنها: أنا نعلم أن المبتدعَ لو كان حافظاً لِكتاب مِن الكتب عن ظهر قلبه، إما القرآنُ الكريم، أو مِن كتب الحديث، أو اللغة، أو النحو، أو الفقه، أو غير ذلك، وكان معروفاً بالتجويد فيه، والإتقان له، معروفاً بأنه يُعيده كُلَّ ليلةٍ أوْ كُلَّ أسبوعٍ أو نحو ذلك عن ظهر قلبه، مشهوراً بالتدريس فيه، منقطعاً في الاشتغال به، مُجَرَّباً في سرعة الجواب، وإصابة مَحَزِّ الصَّوابِ إذا سُئِلَ عن شيء من مسائله وألفاظه، وما يتعلق بضبطه، مختبراً حين يُعارض في ذلك بالتبريز على الأقران، والتجويد عند (١) الامتحان، فإنَّكَ متى عرفتَه بهذه الصفة، وتمكَّنَتْ في نفسِك هذه المعرفةُ، وأخبرك عن مسألة في كتابه هذا الذي اشتهر بحفظه، وجَوَّدَ في نقله بلفظه، ثم عارضه رَجُلٌ من أهل العدل والتوحيد في تلك المسألة،
стр. 844
ولم يكن لهذا العَدْلِي مثلُ عنايته، ولا انتهى في التحقيق إلى مثل نهايته، بل قد سَمِعَ الكتابَ مرة، ولم يحفظه عن ظهر قلبه، ولم يُكَرِّرْ فيه النظرَ، فإن قولَ المبتدع يكونُ أقربَ إلى الظن، وأقوى في الذهن عند كل منصف، ولهذا، فإنا لو قدرنا أن عابداً مِن أهل العدل والتوحيدِ قرأ القرآن مرةً: واحدةً على بعض أهلِ العدل، ولم يحفظه عن ظهر قلبه، ولم يُكثر من تلاوته، ثم تنازعَ في إعرابِ آية هو وابنُ شداد المقرىء المشهور شيخ ابن النساخ ﵀، لم يَشُكَّ عاقِلٌ في أنَّ روايةَ ابنِ شداد أقربُ إلى الصواب، وأرجحُ في الظنون.
وبعدُ، فالترجيحُ غيرُ التفضيل، وقد قال المؤيَّدُ بالله ﵇ في كتاب " الزيادات " ما لفظه: والأقوى عندي أن تقليدَ المقتصِد في الفتاوى أولى لِفراغه دون السَّابِقِ، لأنَّه في شغل عن النظرِ والمطالعة. فنص ﵇ على ترجيح تقليدِ غيرِ الأئمة السابقين على تقليدِهِم لأجل مرجح لا يتعلق بالتفضيل، فالأئمةُ الدعاة أفضلُ من السادة بالإِجماع.
وقد تكلَّم الإمام يحيى بنُ حمزة ﵇ في تقليد الصحابة وقال: إنه لا يجوزُ تقليدُهم في هذه الأزمانِ الأخيرةِ، مع تجويزه ﵇ تقليدَ الميت ترجيحاً منه ﵇ لتقليدِ المتأخرين، لجمعهم العلومَ، وتبحرهم فيها، وادَّعى ﵇ الإجماعَ على ذلك، وكذلك الجوينيُّ ادعى الإِجماعَ على ذلك، لكن (١) قال شارح " البرهان " (٢): إن
стр. 845
المجمع عليه أنَّه لا يجوزُ التزامُ مذهبٍ واحد منهم، لأنَّه ليس لِواحد منهم مِن النصوص على الحوادث ما يكفي الملتزم لمذهبه، ويُغنيه عن الانتقال عن مذهبه، لا لقصور في علمهم، وهذا هو الصوابُ إن شاء الله تعالى، وإنما القصد حكاية مذهب (١) الإِمام ﵇، وأنه قد يقع من بعض أهل العلم ترجيحٌ لبعض المذاهب والأخبار من غير تفضيلٍ لأهل المذاهب والأخبارِ الراجحة عنده على أهل المذاهب (٢) والأخبار المرجوحة.
وهذا (٣) المؤيَّد بالله ﵇ يَنُصُّ على ضعف مذهب الهادي ﵇ في بعض المواضع، وليس يعتقِدُ أنَّه أفضل منه.
وأعظمُ مِن هذا ما ذكره الإِمامُ المؤيَّدُ بالله يحيى بنُ حمزة ﵇ مِن أن العالِمَ بالفن قد يكون أعرفَ بفنه من النبيِّ ﷺ ، مثل العالِم في أصولِ الدِّين العالم المُبرِّزِ في دقيقه، وكذلك العالم بالمنطق المتوغِّل في لطيفه، وكذلك سائرُ الفنون التي لم يُمارِسْها رسول الله ﷺ ، وإن لم يكن هذا العالِمُ أفضَلَ مِن رسول الله ﷺ ، ولا أعْرَفَ بالدين الذي ذلك الفنُّ وصلة إلى معرفته وطريق إلى العلم به (٤).
стр. 846
فهذا قولُ الإمام يحيى بنِ حمزة ﵇ فكيف يُنكرُ ترجيحُ رواية (١) بعضِ المبتدعة على رواية بعضِ أهل العدل والتوحيد لبعض القرائِنِ المقوية لذلك، وينسب القائلُ لذلك إلى مخالفةِ الإِجماع. هذا على تقدير اتفاقِ هذا، وباللهِ العظيم الرحمن الرحيم ما أعلمُ أنَّ هذا قد كان مني أبداً.
فهذا الكلامُ أن اختلفا في وجوه الترجيح.
وأما إذا استويا فيه، واستوى الظَّنُّ الحاصِلُ في خبريهما إلا أن هذا مبتدع، وهذا متنزِّهٌ عن البدعة، فعلى كلامِ المنصور بالله لا يُرَجَّحُ المتنزه على المبتدع، لأن الظن مستوٍ، وقد نَصَّ على أن المعتبر هو الظَّنُّ، واختلافُ مرتبتيهما عند الله فيما لا يتعلق بالرواية غيرُ مؤثر، كما أن العالِم والعامي عنده ﵇ سواء عنده في الرواية، وإن اختلفت مراتِبُهما عند الله، وكما نَصَّ ﵇ أن الخارجي أولى بالقبول مِن المتنزه عن هذه البدعة، فهذا على مقتضى عموم قوله. وقد اختلفوا فيما أُخِذَ من عموم كلام العالم: هل يكون تجريحاً؟ فمنهم من قال: ليس بتجريح، وهو قوي، لأن التجريح ما لم يُؤخذ مِن قوله، ومنهم من قال: هو تجريح واختاره السيدُ أبو طالب في كتابه " المجزىء "، وهو تجريح صحيح لا أعلم فيه نزاعاً، والله سبحانه أعلم.
والمختار عندي أن المتنزه من البدعة أولى عند استواء الظنون، وذلك لأنَّ الحجة على قبول العدل المتنزِّه عن البدع أقوى من الحجة على قبولِ المبتدع العدلِ في دينه، والحجج هي الأصولُ، ومدلولاتُها هي
стр. 847
الفروع، وإذا كان الأصلُ أقوى، كان الفرعُ أقوى.
فإن قلتَ: إنَّه يلزمُ مِن كون خبر العدل المتنزه أقوى أن الظَّنَّ لصدقه أقوى.
قلتُ: ليس كذلك بل اللازمُ أن الظن للتكليف بقبوله أقوى، فقد يختلِفُ ظَنُّ التكليف وَظَنُّ الصدق، ألا تَرَى أنَّه لو غلب على ظَنِّكَ أن جماعةً من الفساق المصرحين أصدقُ مِن رجل عدل في ظاهره لم يَحِلَّ لك العملُ بالظن الأقوى لما ظننت أن العملَ بغيره هو الذي كلَّفك اللهُ تعالى، فهذا في مخالفة التكليف لِلظَّنِّ الراجح فضلاً عن الشك المستوي الطرفين، ولو أنَّ الشرع ورد برد المبتدع المتأوِّل لم يقبل حديثه، وإن أفاد الظَّنَّ الراجح، لكن الشرع وَرَدَ بقبوله عندنا (١) وروداً خفياً يَنْقُصُ عن مرتبة ورودِ الشرع بقبول المتنزِّه عن البدع، فكان أقوى من الظن للتكليف بخبرِ المبتدع، وإن لم يكن أحدُهُما في الظن أقربَ إلى الصدق من الآخر، وهذا في غاية القوة عندي، ولكني لا أعلم أنَّه إجماعٌ كما ذكر السيدُ أيَّدَهُ الله، ولنتكلم بَعْدَ هذَا في إنصافٍ وخصيصتين، فقد كنتُ ذكرت ذلك في بعض تعاليقي في فوائد تَعَلَّقُ بهذا الشأن.
الإنصاف: لا يشك مَنْ أنصف مِن نفسه، وترك العصبية في رأيه أن هذه الأمةَ المرحومة قد تقسَّمَتِ الفضائلَ، وانتدبت كُلُّ طائفةٍ منها لإتقان عمل فاضل.
فأهلُ الأدب أتقنوا الإعرابَ، وَأتَوْا في جميع أنواعه بما يأخذ بمجامع الألباب.
стр. 848
وأهْلُ القراءات حَفِظُوا الحروفَ القرآنية وبيَّنُوا المتواتر والصحيح والشاذ في إعراب الآي السماوية.
وأهلُ الحديث ضَبطُوا الآثارَ والسنن، وأوضحوا أحوالَ الرجال، وبَيَّنُوا العِلَلَ.
والفقهاء أوعبوا الكلامَ على الحوادث، وأفادوا معرفةَ اختلاف الأمة وإجماعها.
وأهلُ الأصول ذَلَّلُوا سُبُل الاجتهاد، ومهَّدوا كيفيةَ الاستنباط.
وكذلِكَ سائرُ أهلِ الفنون المفيدة، والعلومِ النفيسة، وكل أبدع وأجادَ، وأحسن وأفاد، وأكمل ما تعرض له وزاد، وممن ذكر هذا المعنى الإمام المؤيَّد ُ بالله في كتابه في " إثبات النبوات " والشيخ الصالح السهروردي صاحب " عوارف المعارف ".
فإذا عرفتَ هذا، فلا يَعْزُبُ عنك معرفة خصيصتين:
الخصيصةُ الأولى: أنَّ أهل البيت ﵈ اختصوا مِن هذه الفضائل بأشرفِ إقسامها، وأطولِ أعلامها، وذلك لأنهم كانوا على ما كان عليه السلفُ الصالحُ مِن الصحابة والتابعين مِن الاشتغال بجهادِ أعداء الله، وبذلِ النفوسِ في مرضات الله مع الإعراضِ عن زهرة الدنيا، وتركِ المتشابهات (١) والاقتصاد في المأكول والملبوس، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيامِ بالفرائض والنوافل في أفضلِ أوقاتها على أتمِّ هيئاتها، وتلاوةِ القرآن العظيم، والتهجد به آناءَ الليل والنهار، والتحري
стр. 849
والخوفِ من الله تعالى، والدعاءِ إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبذلِ النصيحة للناس وتعليمِهم معالِمَ الهدى، والاقتصارِ في العلم على ما اقتصر عليه أهلُ بيتِ رسول الله ﷺ وعليهم أجمعين، وعلى ما اقتصر عليه أصحابُه المشهودُ لهم في كتابِ الله بأنَّهم خيرُ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس، وعلى ما اقتصر عليه التابعون الذين شَهِدَ لهم رسولُ الله ﷺ بأنهم من (١) خيرِ القرون، فإن جميعَ هؤلاء ما تشاغلوا بالإكثارِ من التواليف والتفاريع وجمع الحديث الكثير.
وقد قال العلماء ﵃: إن طريقة السلف أسلمُ وطريقة الخلف أعلم (٢)، والأفضلُ للمسلم الاقتداءُ بالسلف، فإنَّهم كانوا على طريقةٍ قد رآهم عَليها (٣) رسولُ الله ﷺ وأقرَّهم عليها، وواللهِ ما يَعْدِلُ السلامة شيء، فنسأل اللهَ السلامة، ولا شكَّ أن عنايَتَهم بعدَ تحصيل ما لا بُدَّ منه من العلم إنما كانت بالجهاد، وافتقادِ العامة، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظةِ على أورادهم في التهجد، وقيامِ الليل، ومناقشةِ النفوس وتهذيبها، وذلك أفضلُ مما كان عليه كثيرٌ من المحدثين والفقهاء من الإخلال بكثيرٍ من هذه الفضائل الجليلة، والنعوتِ الجميلة التي وردت نصوصُ الآيات القرآنية في وصف المؤمنين بذكرها، ولم يشتغِل السلفُ الصالحون بغيرها، والذي كانوا عليه أولى مِن الإخلال به بسبب الاشتغال بجمع العلم الزائد على الكفاية، وقد نَصَّ الإمامُ المنصور بالله ﵇ على مثل هذا الكلام في كتاب " المهذب "، واحتج
стр. 850
بفعلِ رسول الله ﷺ وفعل السلف الصالح، وللهِ دَرُّهُ ما أحسنَ استخراجه للفوائد من أفعال السلف الصالح وأحوالِهم ﵃.
ولقد كان الواحدُ مِن جلَّةِ الصحابة لا يروي إلا مئتي حديث أو ثلاث مئة حديث، بل أكثرُهُم لا يُجاوز روايتهم هذا إلا بالقليل (١)، وكثيرٌ منهم يروي أقلَّ مِن هذا بكثيرٍ، ولم يتَّسِعْ منهم في الرواية مثلُ أبي هريرة، وعائشةَ، وعبدِ الله بن عمرو بن العاص، وقد انحصرت روايةُ المحدثين عن علي ﵇ في خمس مئة حديث وستة وثمانين حديثاً (٢)، ورواية أهلِ البيت ﵈ لا تزيدُ على ذلك (٣) فيما أحْسِبُ، فإن أحاديثَ مجموع زيدِ بنِ علي (٤)، وأحاديثَ الجامعين للهادي ﵇ لا يستند منها إلى علي ﵇ أكثر من هذا القدر فيما أحسب، والله تعالى أعلم.
وقد روى سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي ﵇ أنَّه قال: ما كتبنا عن رسول الله ﷺ إلا القرآنَ وما في
стр. 851
هذه الصحيفة (١). فهذا مع أنَّه ﵇ بحرُ العلم الزخار، والمخصوص به (٢) من بين الصحابة الأخيار، فلم (٣) يشتغِل بنشر علمه وكتابته وتأليفه والتدريس فيه مع فراغه في أيامِ الخُلَفَاءِ الثلاثة، بل اشتغل بما كانوا عليه في زمان رسولِ الله ﷺ مِن التلاوة والعبادة، ومراقبة النفوس، وخشونة العيش، وخشونة الملبس كما ذلك معروفٌ من سيرته ﵇ وما ذلك إِلا إيثاراً لترك ما يزيدُ على الكفاية من العلم، وكراهةِ دعاء الناس إلى ما لا يحتاجون إليه في أمرِ الدين، واقتداءً برسول الله ﷺ حين أقام عشرَ سنين قبلَ الهجرة، وقبل الشغل بالجهاد، ومعه أصحابُه من السابقين الأولين، فلم يشتغل ﵇ في تلك المدة بغير التلاوة، وملازمة الذكر، ولم يأمُرْ مَنْ آمن به بأكثرَ من ذلك، ولم يُلزمهم بعد معرفة ما يجب عليهم معرفتُه من أمر الإِسلام بالتدرب في النظر والمناظرة، ولا بتقدير الحوادث، وتقدير سائل يسأل عنها، وتحرير الجواب عنه متى سأل عنها ونحو ذلك مما اشتغل به المتأخرون عما كان عليه المتقدمون، بل صحَّ عنه صلوات الله عليه النهي عن السُّؤال عن (٤) الحرام حتى ينص عليه، وفي الحديث الصحيح " إنَّما أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم كَثْرةُ مَسَائِلِهِم واختلافهم على أنْبِيَائِهِم " (٥)، وقد قيل: إنَّه (٦) السؤال المذمُومُ في النهي عن كثرة القيلِ والقالِ بكثرة السؤال بقرينة تخصيص النهي بالكثرة.
ومثلُ حالِ عليٍّ ﵇ كانت أحوالُ أهلِ بيته ﵈
стр. 852
كالحسنين، وزينِ العابدين، والباقرِ، والصادقِ وسائرِ مَنْ عاصرهم لم يكتب أحدٌ منهم في علم الحديث عشرةَ أجزاء ولا نصف ذلك ولا ما يُقاربه، وليست الدرجاتُ العلية تُنَالُ في الآخرة بكثرةِ الرواية، وسَعَةِ الحفظ، وجمع الطُّرُقِ والأجزاء، وضبط مشكلات الأسماء مع إهمال ما هُوَ أهَمُّ مِن هذَا (١) من أمورِ الدين وصلاحِ المسلمين، وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر أويساً القَرني: " أنَّه يشفع في مثل ربيعة ومضر " (٢) وجاء في فضله ما لم يحضرني الآنَ مع أن بعضُ أهل الحديث من أهل الحفظ الواسع، والاطلاعِ التام على معرفة الرِّجال ذكر أنَّه لم يُرو عن أويس حديثٌ قَطُّ، ولقد كان السلفُ يقِلُّونَ الرواية جداً، فعن أبي عمرو الشيباني (٣) قال: كنت أجلس إلى ابنِ مسعود حولاً لا يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ ، فإذا قال: قال رسولُ الله ﷺ استقلَّته الرِّعْدَة، وقال: هكذا أو نحو هذا أو هذَا، مع أنَّ ابنَ مسعود كان من أوعية العلم، وأعيانِ علماء
стр. 853
الصحابة وأجل الأصحاب والتلامذة، فلم تَزِدْ مروياتُهُ على ثمانِ مئة حديث وثمانية وأربعين حديثاً (١).
وكذلك أضرابُه من السابقين الأولين ونبلاء الأنصار والمهاجرين.
هذا أبو ذر الغِفاري الذي ما أظلَّتِ الخضراءُ أصدقَ لهجةً منه (٢) روى مئتي حديثٍ وثمانين حديثاًً.
وهذا سلمان الفارسي الذي قال فيه علي ﵇: " إنَّه أدرك العلمَ الأولَ والعلمَ الثاني " (٣) روى ستين حديثاًً.
وهذا أبو عبيدة بن الجراح أمينُ الأمة (٤) روى أربعة عشر حديثاً.
وأمثال هؤلاء السادة النجباء، والأعلام العلماء الذين نَصَّ المصطفى ﵇ على أنَّ غيرَهم: " لو أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبَاً ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهم ولا نَصِيفَهُ " (٥).
ولقد روى أبو أسامة عن سفيان الثوري أحدِ أقطابِ الحديث التي تدور رحاه عليها أنَّه قال: ليس طلبُ الحديثِ مِن عِدَّةِ الموتِ، لكنه عِلْمٌ يتشاغلُ به الرجلُ (٦).
стр. 854
قال بعضُ حفاط الحديث: صدق -واللهِ- سفيانُ، فإن طلبَ الحديث شيء غيرُ الحديث، وطلب الحديث اسمٌ عرفي لأمورٍ زائدة على تحصيل ماهية الحديثِ، وكثيرٌ منها مَرَاقٍ إلى العلم، وأكثرُها أمور يَشْغَف بها المحدِّثُ من تحصيل النُّسَخِ المَلِيحَةِ، وتطلُّبِ العالي، وتكثيرِ الشيوخ، والفرحِ بالألقاب والثناء، وتمنِّي العمر الطويل ليروي، وحبّ التفرد إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية لا للأعمال الرّبّانيّة، فإن كان طلبُ الحديث النبوي محفوفاً بهذه الآفات، فمتى خلاصُك منها إلى الإخلاص؟، ومتى كان علم الآثار مدخولاً، فما ظَنُّك بعلم المنطقِ والجَدَلِ وحكمة الأوائلِ التي تَسْلُبُ الإيمانَ، وتورِث الشُّكُوكَ والحَيْرَةَ. انتهى (١).
قلتُ: فالذي اشتغل به أهلُ البيت ﵈ هو الذي روي فيه عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: " العِلْم ثَلَاثةٌ، وَمَا سِوى ذلِكَ، فَهوَ فَضْلٌ: آيَة مُحْكَمَة، وَسُنَّةٌ قَائمَةٌ، أوْ فَرِيْضَةٌ عَادِلَة " رواه أبو داود في سننه (٢) وهذا هو
стр. 855
العلم الذي لا ينبغي لأحدٍ أن يشتغل بعدَهَ بغيره عن الجهاد والأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأمثالِ ذلك مما نطقت بالحثِّ عليه الآياتُ القرآنية، والآثارُ النبوية، فإنه ليس في القرآن مِن الأمرِ بطلب العلم الزائدِ على الكفاية مثل ما فيه مِن الثناء على الخاشعين في الصلاة، المعرضين عن اللغو، الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس الذين إذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلوبُهم، وإذا سَمِعُوا وعيدَه اقشعرَّتْ جلودُهم، وكذلك الحديثُ فإن في " الصحيحين " والسُّننِ الثلاث و" المُوطأ " ثمانيةً وستين حديثاً في الحثِّ على الجهادِ، وفيها في الحث على طلب العِلْمِ ثمانية أحاديث، وذلك يدل على أن أمرَ الجهاد بعد تحصيل ما لا بُدَّ منه من العلم أهمُّ أمورِ الدين. فانظر بعين الإنصاف إلى أئمة العِترة الطاهرة، ونجومِ العلم الزاهرة كيف سَلِمَتْ علومُهم مِن كُلِّ شينٍ، وخَلَصَتْ مِنْ كل عيب، ولم يَشبْ تصانِيفَهم شيءٌ مِن غُلُوِّ (١) المتكلمين، ولا حَطَّ مِن قدر شيعتهم المتعبدين شيءٌ مِن بدع المتصوفين، ولا ظهر في أدلتهم على مذاهبهم شيءٌ مِن تكلف المتعصبين، ولا استمالَتْهُم عَن المِنهاج السَّوِيِّ شُبَهُ المشبِّهين، تنزَّهُوا عن غلو الإماميةِ الجُهَّالِ، وعَمَايَةِ النَّواصِبِ الضُّلال، وهَفَواتِ أهلِ الحديث والاعتزالِ، فهم النُّمْرُقَة الوسطى، والمَحَجَّةُ البَيْضَاءُ، والحُجَّةُ الغراء، وسفينةُ النجاة، والعِصْمَةُ مِن الأهواء (٢) بعدَ أبيهم المصطفى ﷺ وعليهم أجمعين.
تكميل: من حَصَّل ما فيه كفايةٌ مِن العلم، ولم يتشاغل بما كان عليه السَّلَفُ الصالح من الجهاد وإصلاحِ أمر المسلمين، فالأولى له
стр. 856
الاشتغالُ بالعلم، ولا يتوغُّل إلاَّ في علومِ الكتاب والسنّة، وأخبارِ الصحابة، والنحو والمعاني واللغة، وأصولِ الفقه واللغة (١) ونحوِها مما يُؤمَنُ الخَطَرُ مع التوغُّلِ فيه، ويقطع بالسلامة في النَّظَرِ في دقائق معانيه.
الخصيصة الثانية: تقديمُ كلامِ أهل كُلِّ فَنٍّ على كلام غيرهم في ذلك الفن الذي اختصُّوا به ، وقطعُوا أعمارَهم فيه، فإنَّك متى نظرتَ وأنصفتَ، وجدتَ لِكُلِّ أهل فَنٍّ من المعرفةِ به، والضبطِ له، والتسهيل لجمع مسائِله، والتقييدِ لشوارد فوائِده، والإِحاطةِ بغرائبه، والتذليل لما يَصْعُبُ على طالبه ما لم يُشاركْهُمْ فيه غيرُهم ممن هو أفضل منهم مِن أئمة الدين، وكُبراء المسلمين، ألا ترى أنَّه ليس لأِحَدٍ من أئمة العِترة وأئمة الفقهاء في اللغة ما لِلجوهري، والأصْمعي، وأبي عبيدة وأضرابهم، ولا في الإعراب مِثل ما لسيبويه، والكِسائي وأصحابِهما ولا في المعاني والبيان مثل ما لِلسَّكاكي، وعبدِ القاهر وأضرابِهما، ولا في غريبِ الحديث مثل " فائق الزمخشري "، و" نهاية ابنِ الأثير "، ولا في علم الحروف مثل " الشاطبية " و" شروحها " ولا في لطائف المعاني القرآنية مثل " الكشاف " و" البحر المحيط " و" جامع القرطبي "، ولا في المختلِف والمؤتلِف في ضبط أسماء الرُّواة مثل " الإكمال " للأمير ابن ماكولا، ولا في تاريخ الزمان مثل " تاريخ محمد بن جرير الطبري "، وعز الدين بن الأثير، ولا في تاريخ الرجال مثل " تهذيب " أبي الحجَّاح المِزِّي، وكتاب " الفلكي " (٢)، ولا
стр. 857
في معرفة الأيام النبوية مثل ابنِ إسحاق، وابنِ هشام، والواقدِي ولا في معرفةِ أخبارِ الصحابة وأحوالِ السَّلَفِ مثل " الاستيعابِ " لأبي عُمَرَ بنِ عبد البر، و" أُسْدِ الغابة " لابن الأثير، ولا في أصولِ الفقه مثل " معتمد أبي الحسين "، و" محصولِ الرازي " على دواهي في غُضون فوائده، ولا في إعرابِ القرآن المجيد مثل " المُجيد " (١) إلى أضعافِ هذه المؤلفات مما يُقاربها، أو يساويها، أو يزيد في الإجادة والإفادة عليها.
فإذا تحققتَ أنَّ المرجعَ في علوم القرآن الكريم قراءته وإعرابِه.
ولغتِه، ومعانيه ودقائقِه، وشروحِ قصصه إلى غيرِ أئمة أهلِ الدين المتبوعين المقلَّدين مِن أهل البيت ﵈، وأئمة الفقهاء ﵃، وعَرَفْتَ أنَّك لو اقتصرتَ على مؤلفاتِ أئمة العِترة، وأئمة الفقهاء لما وجَدْتَ فيها من التحقيق ما يُوازي تحقيقَ أولئك المصنفين الذين لا يُوازِنُونَ أئمة العِترة فضلاً وأثراً في الدين، فإن ابن الأثير الوزير لا يُوازي يحيى بنَ الحسين الهادي إلى الحق ﵇ في ورعه وعلمه وجهاده وتقواه، ودعائه للعباد إلى الله، وإن لم يكن له ﵇ مُصَنَّفٌ في غريب الحديث والأثر مثل " النهاية "، لأنَّه اشتغل بما هو أَهَمُّ مِن ذلك، وكذلك
стр. 858
أئمةُ الفقهاء، فإنه ليس للشافعي ولا غيره في غريب الحديث مثل " النهاية " ولا ما يُدانيها مع أنَّه أعلمُ مِن ابن الأثير، وأفضلُ، وأورعُ، وأنبلُ.
فإذا عرفتَ أن المرجعَ بالمعرفة التامة في الفنون العلمية إلى أهلها، المختصِّين بمعرفتها (١)، المنقطعين في تحقيقها، المستغرقين في تجويدِها، المشغولين بها عن غيرها، المصنِّفين فيها الكُتُبَ الحافِلَة، والتواليفَ الممتعة، وكذلك، فتحقق أيضاًً أنَّ المرجعَ في معرفة الحديثِ صحيحهِ وموضوعهِ، وموصولِه ومقطوعِه، وموقوفِه ومرفوعه، ومُدْرَجِه ومُعْضَلِهِ، ومُسْندِه ومرسَلِه، ومقلوبِه ومُعَلَلِه، ومضطرِباته وبلاغاته، وشواهده ومتابعاته، وتواريخِ رجالهِ وأحوالهم، والكلامِ في جرحهم وتعديلهِم وتضعيفِهم وتليينهم إلى غير ذلك مِن علومه الغزيرة، وفوائِدِه العزيزَةِ هو إلى علماءِ الحديث الذين قطعُوا أعمارَهم في الرِّحْلَةِ إلى أقطارِ الدنيا لجمع شوارِدِه، ولقاء مشايخه حتى أخذ الواحِدُ منهم عن ألوفٍ من الشيوخ، وبلغ الحافظ منهم ما لا تكاد تحتملُه العقولُ، هذا السَّمعانيُّ (٢) كانَ له سبعة آلاف شيخ، وهذا البخاريُّ كان يحفظ ثلاث مئةِ ألفِ حديثٍ (٣).
стр. 859
ولقد قال ابن المديني: ما نعلمُ أحدَاً من لدن آدمَ كَتَبَ مِن الحديث ما كتب يحيى بنُ معين.
وقال يحيى بن معين: كتبتُ بيدي ألفَ ألفِ حديثٍ.
وقد ذكر السَّيِّد الإمام المؤيَّدُ بالله ﵇ في كتابه " إثبات النبوات " من الثناء على المحدِّثين بتجويد المعرفة والإتقان للحديث ما يشهد بما ذكرتُه وبمعرفته ﵇ بمحلهم المُنيف، وأن المعوَّلَ عليهم في هذا العلم الشريف، وذكر أخوه السَّيِّد الإمامُ أبو طالبٍ ﵇ في " شرح البالغ المدرك " أن أحمد بن حنبل كان يحفظ خمسَ مئةِ ألف حديث (١).
وكذلك عَمِلَ هذان السيدان الإمامان بمقتضى ذلك، فأخذا الحديثَ عن أئمته النحارير، وحُفاظه المشاهير، كما هو مشهور معروف (٢) عنهما في أسانيدِهما عنهم في كتابيهما الحافِلَيْنِ " شرح التجريد " للمؤيد و" شرح التحرير " لأبي طالب، وكذلك في " أمالي " السيد أبي طالب، وقد أكثر المويَّدُ من الرواية عن الحافظ ابن المقرىء، وأبو طالب عن الحافظِ ابن عَدِي، وما زال الإنصافُ شِعَار كُلِّ فاضلٍ ومجوِّدٍ، وسجيةَ كُلِّ عارف ومحقق.
قال أبو داود الخفافُ: أملى علينا إسحاقُ بنُ راهويه مِن حفظه أحدَ
стр. 860
عشر ألفَ حديثِ، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفاً، ولا نَقصَ حرفاً (١) وحتى إن الذُّهلي (٢) طلب هذا الشأنَ في الحرمَيْنِ والشام، ومصر، والعراق والرّي، وخُراسان، واليمن، والجزيرة.
وحتَّى قال ابنُ المؤمَّل في حق الفضل الشعراني (٣): كنا نقول: ما بقي بَلَدٌ لم يدخله الفضلُ الشعراني في طلب الحديث (٤) إلاَّ الأندلسَ، إلى ما لا يُحصى من أمثالِ ذلك.
وكم عسى أن يذْكُرَ الذَّاكِرُ، أو يُحصيَ الحاسِبُ، وقد جمع الفلكيُّ (٥) في معرفة رجال الحديث ألفَ جُزء، وجمع أبو الحجَّاج المِزِّي في معرفة رجال " الصحيحين " و" السنن " الأربع مئتين وخمسين جُزْءاً تشتمل على التعريف بما لهم مِن العناية في حِفظه وضبطه، وجمعه وإتقانه.
стр. 861
فإذا عرفتَ هذا، قلا تعتقد أن تفضيلَ أئمة العِترة ﵈، وأئمة الفقهاء ﵃ يمنع مِن القول بأنَّ أَهْلَ الحديثِ أكثرُ ضبطاً للحديث، وكشفاً للمشكل، وتمييزاً للصحيح من الضعيفِ، وفصلاً للمشهورِ عن الغريب، فكما كان المرجعُ في القرآن حروفاً وإعراباً ونحواً ولغة إلى القراء والنحاة واللغويين، ولم يقتضِ ذلك تفضيلاً لهم على الأئمة والفقهاء، فكذلك المرجعُ في علوم الحديثِ إلى المحدّثين وإن كانوا في الفضل عن درجةِ العِترة ناقصين، وليس ذلك لِقلةٍ في علوم العِترة ﵈، ولكن لأنَّهم لم يشتغلوا بالتصنيف إيثاراً لما هو أَهَمُّ منه من الجهادِ، وإصلاحِ أمورِ العامة، وكذلك أئمة (١) الفقهاء، فإنَّهم اشتغلوا بما هُوَ أَهَمُّ مِن ذلك من معرفة الحلال والحرام، وتعليمِ الناس وإفتائهم، ولهذا فإنَّ مسندَ الشافعي غيرُ معتمد عند الشافعية لِقلة حديثه، واشتماله على كثيرٍ من الأحاديثِ الواهيةِ والأسانيدِ الضعيفة، وكذلك مسندُ أبي حنيفة (٢).
وقال الزمخشري (٣) في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُم اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]: إن فائده قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أن يكونَ من يُعَلِّمُ الجوارح تحريراً في علمه، مُدَرَّباً فيه، موصوفاً بالتكليب (٤)، وفيه فائدةٌ جليلة، وهو أن على كُلِّ آخِذٍ علماً أن
стр. 862
لا يأخُذَه إلَّا مِنْ أقتل (١) أهلِه علماً، وأنحرهم دِراية، وأغوصِهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يَضْرِبَ إليه أكبادَ الإبل، فكم آخذٍ عن غيرِ متقن قد ضيَّع أيامَه، وعضَّ عند لقاء النحارير أنامله. انتهى.
وللزمخشري أيضاًً كلام، مشهور، في الاعتراف بالقصور في علم الرواية، كتبه إلى الحافظ السَّلَفي (٢)، وقد طلب السِّلَفِي (٢) منه الإِجازة، وفيه أن روايتَه حديثةُ الميلاد، ضعيفةُ الإسناد، وهو كلامٌ بليغ مشهور عن نصِّ الزمخشري ﵀، ولم يَشِنْهُ لِما فيه من الإنصافِ، ولولا خوفُ التطويل لذكرتُه بطوله (٣)، وفيه أكبرُ شهادةٍ لوجوب الرجوع إلى أئمةِ الحديث في علمهم.
وقد أجمعت الأمةُ على الرجوع إلى تصانيفِ أهلِ الفنون، فنجِدُ العلماءَ يرجعونَ إلى " صحاح " الجوهري في تفسير الألفاظ اللغوية، والنحاة يرجعون إلى تصانيف أهلِ العربية، والقُرَّاء يرجعون إلى " الشاطبية " ونحوها من غير نكيرٍ في ذلك، فمن أراد قراءةَ المنطق، وقرأ في كتب الفلاسفة، لم يُتَّهَمْ بالخروج من الإِسلام، ومن (٤) قرأ في العربية واعتمد على تواليف طاهرٍ وابنِ الحاجِب، لم يُتَّهَمْ برأي الأشاعرة.
ولهذا أيضاً فإنَّ السيدين المؤيَّد وأبا طالب ﵉ درساً على أبي العباس فِقه العِترة، ودرساً على المعتزلة ما يختصُّون بتجويده مِن علم
стр. 863
الكلام والأصول، ورويا الحديثَ عن أئمة المخالفين في الاعتقاد وقد أوضحتُ ذلك في غير هذا الموضع، وهو بَيِّنٌ في " أمالي " السَّيِّد أبي طالب، و" شرح التجريد " للمؤيد، وأكبرُ شيوخ أبي طالب ابنُ عدي صاحب كتاب " الكامل " في الجرح والتعديل، وأكبرُ شيوخ المؤيد ابنُ (١) المقرىء، وكلا هذين الشيخين على مذهب المحدثين في الاعتقاد، وإنما أهْلُ الحديثِ كَقُرَّاءِ كتابِ الله أوعيةٌ لعلم السمع، خلقهم اللهُ تعالى لحفظه، وحَبّبَ إليهم ضبطَه، كما حَفِظَ كُلَّ نوع كل من العلوم، ومصالِح الدين والدنيا بقومٍ خلقهم له، ولا يَضُرُّ الحديث غلطُ حملتِهِ في العقائد كما لا يَضُرُّ القرآنَ غلطُ القراء في ذلك، فإنما هُمْ أوعيةٌ والعيبُ المختص بالوعاء لا يسوي إلى المحفوظ فيه من الأُمور النفيسة، فإن الكاغدَ والجلدَ أوعيةُ القرآن والسنن، وقد يكونُ فيها الغاليَ والرخيصَ، والسالمَ مِن العيوب والمعيب، وكثرةُ المحبة للقدح في حَملَةِ العلم النبوي والولع بذلك مِن سوء الأدب مع رسول الله ﷺ ، فإن ذلك يكونُ وسيلةً إلى بُطلان حديثِهِ ﷺ ، لأنَّه إذا بَطَلَ حديثُ أهلِ العِنايةِ بالحديثِ، فحديثُ غيرهم أبطلُ، كما أنَّه إذا قُدِحَ في حفظ النحاة واللغويين للعربية، كان قدحاً فيها مطلقاً، إذ لا يُرجى لها طريقٌ غيرُ طريقهم، ومن هنا قال الحاكمُ أبو عبد الله مُحِبٌّ أهلِ البيت، ورأسُ التشيع في عصره، فقال في خطبة كتابه " علوم الحديث " (٢) ما لفظه: ليس شيء أثقلَ على أهل الإلحاد، ولا أبغضَ إليهم مِن سماع الحديث وَمِنْ روايته بإسناده، وعلى هذا عَهِدْنا (٣) في أسفارنا وأوطاننا كُلَّ من يُنْسَبُ إلى نوعٍ من الإلحاد والبِدَعِ
стр. 864
لاَ ينْظُرُ إلى الطائفة المنصورة إلا بِعَيْنِ الحَقَارَة، ويُسَميها الحشوية. انتهى.
وبيانُ ذلك أن المحدثين اسمٌ لأهل العناية بحفظ الحديث مِن أهل كلِّ مذهب كما مرَّ بيانُهُ في المرجح العاشر لقبول أهلِ التأويلِ (١)، وذكرتُ هناك المحدِّثين من الشيعة والمعتزلة، وليس المحدثون أسماء تَخْتَصُّ بمن خالف في الاعتقاد كالأشعريَّةِ والجبرية، ولكن المحدثين اسمٌ لمن ذكرنا من الفِرَقِ كُلِّهِم، كالقرَّاء والنُّحاة والأصوليين، فلذلك قلنا: إنَّ الحديثَ إذا قُدِحَ في صحته مِن طريقهم، كان قدحاً فيه مطلقاً مِن كل طريق، لأن أئمة الرواية من العِترة والشيعة هُمْ من أهل الحديث كما ذكره صاحب " الشفاء " عن الجُرجاني في حرب البُغاة من غيرِ إمام، ولم يقل: إن القدح المختص بالمحدثين المخالفين هو الذي يبطل الحديثَ، ولكنَّه يكون تحكماً، وتركُ المبتدعة المتأولة جميعاًً لا يُمكن كما تقدَّم بيانُهُ في الكلام على ذلك.
وإذا تأملتَ كلامَ السَّيِّد أبي طالب في " المجزىء "، عرفت إنصافَه، فإنه لا يذكر المعتزلةَ إِلا بمشايخنا يقول: قال شيخُنَا فلان، وقال الشيخانِ أبو علي وأبو هاشم، وإذا ذكر المسألةَ، لم يذكر فيها خلافاً لأحدٍ من العِترة قَطُّ فيما علمتُ، لأنهم لم يتكلموا في الفن، لا جهلاً به، ولا عدمَ معرفة له، ولكن مثل ما لم يتكلم فيه عليٌّ ﵇ وغيرُه من السلف الصالح، فلم يُتهم أبو طالب بالميلِ عن العِترة، والانحرافِ عنهم، والقول بأن المعتزلة أعرفُ بالأصوليين منهم، ولكن المعتزلة أكثرُ فيهما تصنيفاً وخوضاً، وإقبالاً عليهما، واشتغالاً. وكذلك لا يلزم النحويّ إذا رجح كلامَ النحاة في أن " لدى " ظرف لا حرف على كلام
стр. 865
الهادِي ﵇ أنها حرف أن يكونَ مُفَضِّلاً لهم ﵇، وقد رَجَّحُوا حديثَ أبي رافع في زواج ميمونَةَ على حدِيثِ ابنِ عباس، لأنَّه كان السفيرَ، فكان أخصَّ، لا لأنَّهُ أفضلُ من ابن عباس (١).
وفي " النبلاء " (٢) عن شُعبة، عن الأعمشِ، عن أبي وائل، عن عبدِ الله بنِ مسعود أنَّه قال: لَقَدْ عَلِمَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنِّي أقرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ وَلَسْتُ بِخَيْرِهم. روي هذا عن ابن مسعود من غير وجه، وهو صريح في المعنى الذي قصدتُهُ.
وقد ذكر الإمامُ المؤيَّدُ بالله عنه وعمن تقدَّمه في تأليفه في كتاب " إثبات النبوات " أموراً كثيرة مما يؤيَّدُ أمرَ رسول الله ﷺ وصدقَه ومعجزاتِهِ وكراماتِهِ وخصائصَه حتى ذكر ما اختصت به أُمَّتُهُ مِن العلوم الجمَّة، ثم ذكر الثناء الحَسَنَ على أهل كُلِّ فن بما (٣) يختص بهم حتى قال: ثم تأمل نقل أصحابِ الحديث للحديث وضبطَهم له، واختصاصَهم منه بما لم يختصَّ به أحدٌ من الأمم. انتهى بحروفه.
وكذلك محمدُ بنُ إبراهيم إذا قرأ في كتب المحدثين، لم يكن من الإنصاف أن يُتَّهَمَ بأنه يُفضِّلُهُم على أئمة الإسلامِ من أهل البيت ﵍، فأما تهمته بأنه جبري، أو مشبِّه، فليس ينبغي أن يُقال: ليس هذا من الإنصافِ، لأن هذا مِن المحرمات المغلَّظِ تحريمها، والكبائرِ الملعون مرتكبها، وفي الحديثِ الصحيح الثابتِ من غير طريق وعن غير واحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إذا قَالَ المُسْلِمُ لِأخيهِ: يَا كَافِرُ
стр. 866
فَقَدْ بَاءَ بِهَا أحَدُهُما " (١)، وفي الحديث الصحيح: " المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ " (٢)، وفي الحديث الصحيح: " لا يَتِمُّ إيمَانُ أحَدِكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " (٣).
ولقد يَحِقُّ على المرء المسلمِ أنْ يَزُمَّ لسانَه، ويعْلَمَ أنَّ الله سائلُه عن قوله، ومحاسِبٌ له عليه، ومقتصٌّ لِخصومه منه. فَرَحِمَ الله امرءاً قَصَّر مِن لسانه، واشتغل بشأنِه، وأقبل على تلاوة قرآنه، واستقلَّ مِن الجناية على إخوانِه.
стр. 867
تمَّ بعونه تعالى الجزء الثاني مِن العواصم والقواصم
ويليه
الجزءُ الثالثُ وأولُهُ: قال: واعلم مَتَّع اللهُ ببقائك أنكم قَبِلْتُم روايةَ فسقة التأويلِ ....
стр. 868
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط
الجزء الثالث
مؤسسة الرسالة
стр. 869
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
٣
стр. 870
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفراداً.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقياً، بيوشران
стр. 871
قال: واعلمَ -مَتَعَ اللهُ ببقائكَ- أنَّكم قَبِلْتم روايةَ فَسَقَةِ التَأويل المعارضَة لِروايةِ الهادي والقاسم وأشباهِهما من الأئَّمة المطهَّرين.
أقول: هذا الكلامُ الذي صَدَرَ من السيدَ -أيده اللهُ- دعوى مجرَّدة عن البَيِّنَةِ، وهو من القبيل الَّذِي شكوتُه منه -أيَّده اللهُ- في أوَّلِ جوابي هذا عليه، وقد ثَبَّتُ (١) هناك أنَّ النُّقَّادَ يَعيبون رَمْيَ (٢) الخصمِ بالأقوالِ من غير إيرادِ نصِّه وحِكاية لفظه. وللتَّعارُضِ شروطٌ غزيرةُ الوجود، وهي مُبيَّنَةٌ في الكتبِ الأُصوليَّة، فلا حاجة إلى التَّطويل بإيرإدِها، إذ لا تعْزُبُ عن معارِفِ السَّيِّد.
والجوابُ عن هذا لا يَتَّجِهُ حتَّى يُبيِّنَ السيدُ تلك الأحاديث التي رواها أهلُ البيت، وعارضَتْها (٣) روايةُ غيرهم ممَّنْ صَحَّ جَرْحُهُ، فمتى بيَّنَ ذلك، توجَّه الجوابُ عليه، وما أظنُه إلا توهَّمَ أنَّ مخالفَة بعضِهم في بعضِ المسائِلِ يقتضي ترجيحَ روايةِ أولئك المجاريحِ على روايتهم ﵈، وليس الأمرُ كذلك.
стр. 872
وقد ذكر السَّيَدُ مسائل أربعاً، قال السيد -أيَّده الله- قد اشتهر عنِّي المخالَفَةُ فيها. والكلامُ على تلك المسائلِ ينقسِمُ قسمين:
أحدُهما: في نُصرةِ مذهبي فيها (١)، وبيانِ أنِّي لم أُخالِفْ فيها إجماع العِترة وبيانِ الحُجج، ووجهِ التَّرجيح، وهذا ممَّا ليس بمُهمّ. وقد وعدتُ في خُطبة هذا الكتاب بالإضرابِ عن إجابة ما يَخُصُّنِي إلا ما تَخلَّلَ من ذلك في ضمن الكلام على هذه القواعد الكبارِ، وذلك لأنَّ الخَوْضَ في المسائل الظَنِّيَة الفروعية على جهة المنازَعةِ في بيانِ المحِقّ مِن المبطل لا يشتغِلُ به مُحَصِّلٌ، لأنَّ الأمرَ قريبٌ فيما كلُّ فيه مُسامحٌ أو مُصيب.
والقسم الثَّاني: قولُ السَّيِّد: إنِّي قد قَبِلْتُ روايةَ فَسَقَةِ التَّأويلِ المعارضَةِ لرواية الهادي والقاسم، وأشباهِهما مِنَ الأئمة المُطَهَّرِينَ، وقد خَتَمَ السيد الكلامَ في مسألة المتأوِّلين بهذه النُّكتةِ، وأَمَرَني أمراً جازماً أن أَعْلَمَها، وتَكُونَ على بالٍ منِّي، فأحببتُ أن أُبَرِّىء نفسي ممَّا ادعاه عليَّ مِنْ غيرِ تعرُّضٍ لترجيح مذهبي، ولا تصحيح اختياري (٢).
وأنا أَقتصِرُ على ذكر (٣) مسألةِ الجهرِ والإخفاتِ، لأنَّها أعظمُ مَا يُشَنّعُ (٤) بهِ المعترضون، ولأنَّ بعضَ أهلِ البيت ﵈ رَوَى فيها أحاديثَ تَدُلُّ على الجهرِ.
وأمَّا وضعُ اليمنى على اليُسرى والتَّأمين، فلم أعلم أنَّ أحداً مِن أهل البيت ﵈ روى في المنع من ذلك حديثاً نَصّاً، ولا روى
стр. 873
السيدُ في كتابه شيئاً من ذلك، بل روى محمدُ بنُ منصور الكوفي (١) حديثَ وائل (٢) في ذلك في " علومِ آل محمد"، ولم يُضعفْهُ، ولا روى له
стр. 874
معارضاً، ذكره في حَقِّ الصَّلاة، والتَّغليس بالفجر في جُملة ما جمعه لِلعمل به على مذهبِ أهل البيت، وسمَّاه " علوم آل محمد "، وروى الأميرُ شَرَفُ الدين الحسينُ بنُ محمد الهادي (١) نسباً ومذهباً في ذلك حديثَ علي السلام (٢)،
стр. 875
وحديث أبي هريرة (١) في وضع اليدِ على اليد تحتَ السُرَّة في الصلاة ولم يُضعِّفْهُما، ولا روى لهما مُعارِضاً، بل قال: إنَّ أحدَهما بلفظ الوضع، والآخر بلفظِ الَأخْذِ، والمتعارِضان إذا لم يُمكنِ التَّرجيحُ فيهما، سقطا، وقد نَبَّهَ على الجوابِ بقوله: إذا ثم يُمكنِ الترجيح، فإنَّه ممكن، وأيضاًً فلا بُدَّ مِنْ تعذُّرِ الجمع بالتَّأويل، وهو أيضاً ممكن.
وأمَّا قولُه: يُمكن أنَّ المرادَ بهما التطبيقُ في الركوع فسَهْوٌ، وغفلةٌ عن روايته فيهما معاً أن ذلك تَحْت السُّرة.
وفي هذه السُّنَّةِ اثنان وعشرون حديثاً، حديثُ وائل واحدٌ منها.
وعن عليٍّ ﵇ ثلاثةٌ منها مرفوعة، وأثرٌ موقوف روى أحدَهما أحمدُ وأبو داود، وروى الآخرَ (٢) الحاكمُ والدَّارقطنيُّ والبيهقي والرَّافعي (٣)، وقال الحاكم -على تشيُّعهِ- إنَّه أحسنُ شيءٍ كل في الباب.
الثالث: عنه، يأتي ختاماً لها.
الرابعُ: عن طاووس (٤).
стр. 876
الخامسُ: عن قبِيصَةَ بنِ هُلْبٍ، عن أبيه (١).
السَّادسُ: عن جابرِ بنِ عبد اللهِ (٢).
السَّابعُ: عن الحارثِ بنِ غطيف (٣).
стр. 877
الثَّامنُ: عن شَدَّاد بنِ شُرَحْبِيل (١).
التَّاسعُ: عن ابنِ عباس (٢).
العاشر: عن يعلى بن مُرَّةَ (٣).
стр. 878
الحادي عشر: عن أبي الدَّرداء مرفوعاًً.
الثاني عشر: عنه موقوفاً (١).
الثالث عشر: عن عُقبة بنِ أبي عائشة موقوفاً (٢).
الرابع عشر: عن علي موقوفاً رواه البخاريُّ في أبواب قيامِ اللَّيل، وأبو داود والمِزِّي (٣).
الخامس عشر: عن ابنِ مسعود (٤).
стр. 879
السادس عشر: عن ابنِ الزُّبير (١).
السابع عشر: عن سهل بنِ سعد (٢).
الثامن عشر: عن معاذ (٣).
التاسع عشر: عن أبي هريرة (٤).
стр. 880
الموفي عشرين عن ابن عمر (١).
الحادي والعشرون: عن الحسن البصري مرسلاً (٢).
الثاني والعشرون: عن عليٍّ ﵇ في الصِّيام من مجموعِ زيد ابن عليٍّ (٣) ﵇، وجملتُها في " العلوم " و" الشفاء" و" الكتب الستة " و" مجمع الزوائد " (٤)، وما علمُت أنَّه روى أحدٌ مِنْ أهل البيتِ وشِيعَتهم حديثاًً واحداً في النَّهْي عن وضع الكفِّ على الكَفّ في الصَّلاةِ حَتَّى نكونَ قَدَّمْنَا (٥) عليه واحدا وعشرين حديثاً من روايتهم ورواية غيرهم، فلم يكُنِ العَمَلُ في هذهِ المسائلِ يقتضي ترجيحَ حديث المجاريح على حديثِ أهل البيت ﵈، لكن السَّيد ادَّعى في