← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ومثلُ حديث معاوية حيث قال ﵇: " إذا ارتقى معاوية منبري هذا، فاقتلوه " رواه الذهبي (١) بثلاثة أسانيد طعن في واحد منها وسكت عن (٢) اثنين، ورواه بإسناد آخر " فاقبلوه، فإنَّه أمين " وقال: إسنادٌ مظلم وأمثالُ ذلك شيء كثير، لو نُقِلَتْ من كتب رجالهم لما جاءت في أقلِّ مِن مجلد كبير. الثامن: تضعيفُهم لأحاديث أئمتهم المحتج بها في الفروع، فمن نظر " البدر المنير " و" خلاصته " و" الإرشاد " و" التلخيص " في الأحاديث التي احتج بها الشافعي عَلِمَ إنصافَهم، وأنَّهم غيرُ متعصبين، فلعلَّهم أجمعوا على ضَعْفِ قدر الربع من حُجَجِهِ، هذا وَهُمْ أصحابُه المنتسبون إليه، وكذلك المحدثون من الحنفية، ولهم في ذلك كتاب أحاديث الهداية (٣)، وكذلك المالكية، وَمِنْ أحسنِ الكتب لهم في ذلك

стр. 807

وأكثرها إنصافاً كتابُ " التمهيد " (١) لابن عبد البر وهو أحدُ كتب الإِسلام ومختصره " التنضيد " حسن جداً. العاشر (٢): تضعيفُهم للأحاديثِ الدالة على مذاهبهم في التفضيل وغيرِه مثل حديث أنس مرفوعاًً: " لمَّا عرج بي جبريلُ رأيتُ في السَّمَاءِ خيلاً مَوْقُوفَةً مُسْرَجَةً مُلْجَمَة لا تَرُوثُ ولا تَبُولُ، رُؤُوسُها مِنَ اليَاقُوتِ وحَوَافِرُهَا مِن الزُّمُرُّدِ الأخْضَرِ، وأبْدَانُهَا مِن العِقْيَانِ الأصْفَرِ ذوات الأجنحة، فقلتُ لِجبريل: لِمَنْ هذه؟ قال: لِمُحِبِّي أبي بَكرٍ وعُمَرَ "،

стр. 808

قال الذهبي في " الميزان " (١): إنَّه حديث كذب. ومثل حديثِ عقبةَ بنِ عامر سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " أتاني جبريلُ، فقال: يا محمَّدُ إنَّ الله أمَرَكَ أن تستشيرَ أبا بكر ". في إسناده رجل يقال له: محمد بن عبد الرحمن بن غزوان. قال الدارقطنيُّ وغيرُه: كان يضعُ الحديثَ، وقال ابنُ عدي: له عن ثقات الناس بواطيل، وعدُّوا هذا الحديث منها (٢). ومثل: " أبو بكر يلي أُمَّتي مِن بعدي " قال الذهبي: هو كذب (٣). ومثل حديث رواه محمد بن بابشاذ البصري، وقد وثقه الدارقطني، قال الذهبي (٤): لكنه أتى بطامَّةٍ لا تتطيب، فروى عن عائشة قالت: لمَّا كانت ليلتي مِن رسول الله ﷺ ضمَّني وإياه الفراشُ قلتُ: يا رسولَ الله حدثني بشيء لأبي، قال: "أخبرني جبريلُ عن الله أنَّه لما خلق الأرواح اختار روحَ أبي بكر لي مِن بين الأرواح، وإني ضمنتُ على الله أن لا يكونَ لي خليفةٌ مِن أمتي، ولا مؤنس في خلوتي، ولا ضجيع في حُفرتي إلا

стр. 809

أبوكِ، وتخرج بخلافته يومَ القيامة رايةٌ من دُرَّةٍ" فانظر إلى أمورٍ ثلاثة: أوَّلُها: معنى هذا الحديث على مذهبهم غيرُ محال ولا ممتنع. وثانيها: أنَّ رَاوِيَه ثقة، لكنه أغربه وشذَّبه، ولم يُتَابَعْ عليه. وثالثها: أن الذهبيَّ سمَّى هذا الحديث طامة لا تتطيَّبُ مع ثقة راويه وإمكانِ صحته، فلو قال في حق علي مثل هذا لم يَشُك المغرب من (١) عوائدهم عند الغضب مما بان لهم أنَّه كذب أنَّه يُبْغِضُ علياً ﵇، وبمثل هذا ينفي بغضَه لعلي حين يقع منه شيءٌ من هذا مما يظنُّه مكذوباً من مناقبه ﵇، كما يُزَيِّفُ مثلَ ذلك في فضائل القرآن العظيم، وفي معجزاتِ النبي الكريم، فتأمَّلْ ذلك، فقد كان يكفيه ألطفُ من هذه العبارة في نفي هذا وأمثالِهِ من مناقب أبي بكر، لكنَّه يشتد غضبُهم مِن الكذب الواضح عندهم على حَسَبِ اجتهادهم. ومثل ما روى محمدُ بنُ عبد الله بن إبراهيم بن ثابت أبو بكر البغدادي عن البراء مرفوعاً: " في أعلى عِلِّيينَ قُبَّةٌ معلَّقة بالقُدرة تخترِقُها رياحُ الرحمة، لها أربعةُ آلاف باب، كلما اشتاقَ أبو بكر إلى الجنة، فتح له منها بابٌ ". قال الدارقطني: كان دجالاً. وقال الخطيب: كان يضعُ الحديثَ، وعدُّوا هذا من موضوعاته (٢).

стр. 810

ومثل ما روي عن أبي سعيدٍ مرفوعاً: " لما عُرِجَ بي إلى السماء ما مَرَرْتُ بسماءٍ إلا ووجدتُ فيها مكتوباً: محمد رسولُ الله، وأبو بكر الصديق مِن خلفي ". قال الذهبي (١): هو باطل، وعن ابن عباس مثله وهو أيضاً باطل، وعن أبي هريرة أيضاًً مثله (٢) وفيه رَجُلٌ مُتَّهم بالكذب. ومثل ما روي عن الزُّبير بن العوَّام ﵁ قال النبي ﷺ : " اللهم (٣) جعلتَ أبا بكر رفيقي في الغارِ، فاجعله رفيقي في الجنة " من رواية محمد بن الوليد بن أبان القلانسي البغدادي مولى بني هاشم. قال ابنُ عدي (٤): كان يضع الحديث. وقال ابن أبي عَروبة: كذاب.

стр. 811

ومثل ما روي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاًً: " إن لله عَلَماً من نور مكتوبٌ فيه: لا إله إلاَّ اللهُ محمد رسولُ الله أبو بكر الصِّدِّيق ". قال الذهبي: هو موضوع. ومثل ما روي عن أنس مرفوعاًً: " انفلقت في يدي تُفاحةٌ عن حوراء، فقالت: أنا للمقتولِ ظلماً عثمان " قال الذهبي (١): وهذا كذب. ومثل ما روى عمر بن الخطاب أنَّه قال: حدثني سيدا شَبابِ أهلِ الجنة عن أبيهما المرتضى، عن جدِّهما المصطفي أنَّه قال: " عمَرُ نُورُ الإسلام في الدنيا، وسراجُ أهل الجنة في الجنة "، وأوصى أن يجعلَ ذلك في كفنه على صدره فوضع فلما أصبحوا، وجدوه على قبره، وفيه: صَدَق الحسنُ والحسين، وصَدَقَ أبوهما، وصدق رسول الله ﷺ . ذكره الحافظُ المحدِّثُ أبو الخطاب عمر بن حسن المعروف بابنِ دحية الكلبي في كتابه " العَلَم المشهور " في جملة أحاديث موضوعة وأخبار مصنوعة، وهو مِن حفاظ الحديث على أنَّه متكلم عليه، وموصوم بالمجازفة، كذا قال الذهبي في ترجمته في كتابيه (٢) " التذكرة " (٣) و" الميزان " (٤). وقال الذهبي (٥): إسحاق بنُ محمد بن إسحاق السُّوسي ذاك

стр. 812

الجاهل الذي أتى بالموضوعاتِ في فضل معاوية، فهو المُتَّهَم بها، أو شيوخه المجهولون (١). وقال الذهبي في ترجمة السري بن عاصم (٢): وهَّاه ابنُ عدي، وكذَّبه ابنُ خِراشٍ، قال الذهبي: ومن مصائبه أنَّه أتى بحديث متنه " رأيتُ حولَ العرش وردةً مكتوب فيها: محمَّدٌ رسولُ الله أبو بكر الصديق ". وقال في ترجمة سعيد بن جَمْهَان: وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يحتج به (٣)، هو راوي " الخلافة بعدي ثلاثون سنة" حسنه الترمذي، وهذا

стр. 813

كالنَّصِّ على خِلافة الثلاثة. وقال (١) سعيدُ بن محمد الجرْمِي: روى عنه البخاري (٢) وهو ثقة، لكنه شيعي. وقال ابنُ معين: صدوق. ولما روى أحمد بنُ بكر البَالِسِي (٣) حديث " مَنْ أبغضَ عمر، فقد أبغضني " قال الأزديُّ: كان يضعُ الحديثَ (٤). وكذبوا إسماعيلَ بنَ يحيى بن عُبيد الله من ذرية أبي بكر، وقالوا: لا تَحِلُّ الروايةُ عنه، ولم يتشيَّعْ (٥). وعكس هذا: وهو تصحيحهم لما يُبَاينُ مذهبهم إذا رواه الثقات. قال الذهبي في ترجمة زيد بنِ وهب (٦)، وهو ممن اتفقوا على الاحتجاجِ بحديثه في الصحاح، قال: هو مِن جِلَّةِ التابعين وثقاتهم، متفق على الاحتجاج به إِلا ما كان مِن يعقوب الفسوي، فإنه قال في تاريخه (٧): في حديثه خَللٌ كثير. ولم يُصِبِ الفسوي. ثم إنَّه ساق من روايته قولَ عمر: يا حُذَيفةُ باللهِ أنا من المنافقين (٨)؟

стр. 814

قال: وهذا محال (١) أخافُ أن يكونَ كذباً. قال: ومما يُستَدَلُ به على ضعفِ حديثه روايتُهُ عن حذيفة: إن خرج الدجال، تبعه مَنْ كان تحت راية عثمان (٢). ومِن خَلَلِ روايته قولُه: حدثنا واللهِ أبو ذر بالرَّبَذَةِ قال: كنتُ مع النبي ﷺ فاستقبلَنَا أُحد. الحديثَ (٣).

стр. 815

فهذا الذي استنكره الفسويُّ من حديثه، ما سُبِقَ إليه، ولو فتحنا هذه الوساوسَ على أنفسنا، رددنا كثيراً من السُّنن الثابتة بالوهم الفاسد، ولا نفَتَح علينا في زيد بن وهب خاصة بابُ الاعتزال، فردُّوا حديثَه الثابتَ عن ابنِ مسعود حديث الصادق المصدوق (١). وزيدٌ سيدٌ جليلُ القدر، هاجر إلى النبي ﷺ فَقُبِضَ وزيدٌ في الطريق، وروى عن عمر، وعثمان، وعلي والسابقين، وحدث عنه خلقٌ، ووثقه ابن معين وغيره حتى إن الأعمشَ قال: إذا حدَّثَك زيد بن وهب عن أحد، فكأنك سمعتَه من الذي أخبرك عنه. وذكر الذهبيُّ في ترجمة إبراهيم بن يعقوب (٢): أن ابْنَ عديٍّ، قال في ترجمة إسماعيل بن أبان الورَّاق (٣) لما قال فيه إبراهيمُ بن يعقوب الجوزجاني: كان مائلاً عن الحقِّ: لم يكن يكذِبُ، والجوزجاني كان مائلاً إلى مذهب أهلِ دمشق في التَّحَامُلِ على علي ﵁ (٤)، فقولُه في إسماعيل بن أبان: كان مائلاً عن الحق يعني ما عليه الكوفيون من

стр. 816

التشيع (١). وقال (٢) في بشر بن حرب البزار: منكرُ الحديث جداً، ثم ساق له حديث: " الخليفة بعدي أبو بكرٍ وعُمَرُ، ثم يقعُ الاختلافُ "، قال: باطل. وضعف الذهبي (٣) جعفر بن عبد الواحد قال (٤): ومن بلاياه حديثه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريره بحديث (٥): " أصحابي كالنجوم " ومن هذا القبيل في ترجمة الحُسين بنِ عبدِ الرحمان (٦)، وخالد بن إسماعيل المخزومي (٧)، وخالد بن أنس (٨)، وعبد الله بن داود (٩)، وعبد الله بن محمد بن ربيعة (١٠). وروى الذهبي في ترجمة سعيد بن خُثَيم الهلالي (١١) قيل لابن معين فيه: هو شيعي؟ قال: وشيعي (١٢) ثقة.

стр. 817

وقال (١): سلام بن مسكين: أحد الثقات لكنه يرمى بالقدَرِ، وقال أبو داود: كان يذهب إلى القدر. وقال في ترجمة سلم بن ميمون الزاهد الخواص (٢): غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ الحديث فلا يحتج به، روى أن أعرابياً بايع النبي ﷺ إلى أجل، فقال له علي: يا أعرابي، إن مات النبي ﷺ مَنْ يقضيك؟ قال: لا أدري، قال: فأتهِ فَسَلْه (٣)، فقال: " يقضيك أبو بكر " وذكر الحديثَ، وآخره: " إِذا أنا مِت وأبو بكر وعمر وعثمان، فإن استطعت أن تموت، فمت ". قال العقيلي: حدث بمناكير لا يتابع عليها، وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه. وذكر (٤)، أن أحمد بن حنبل وثق سليمان بن قَرْم، وكان غالياً في التشيع. فلم يمنعهم غُلُوُّهُ في التشيع مِن توثيقه، ولا مِن رواية توثيق مَنْ وَثَّقَهُ، وقال ابن عدي (٥): أحاديثُهُ حسان، هو (٦) خيرٌ من سُليمان ابنِ أرقم بكثير. قلت: ولم يكن ابنُ أرقم من الشيعة. وقال الذهبيُّ في ترجمة عبد الرحمانِ بنِ أبي حاتم الرازي (٧):

стр. 818

الحافظُ الثبتُ ابنُ الحافظ الثبت ... إلى قوله: وما ذكرتهُ لولا ذِكْرُ أبي الفضل السليماني له، فبئس ما صَنَعَ، فإنه ذكر أسامي الشيعة المحدِّثين الذين (١) يُقَدِّمُونَ علياً على عثمان: الأعمشَ، النعمانَ بنَ ثابت، شعبةَ ابن الحجاج، عبدَ الرزاق، عبدَ الله بن موسى، عبدَ الرحمان بن أبي حَاتم. انتهى. فقد ردَّ الذهبيُّ على السليماني ذكرَ هؤلاء بالطعن في روايتهم لأجل التشيع. وقال (٢) في عبد الرحمان بن [مالك بن] مغول عن الدارقطني: متروك. وعن أبي داود: كذاب يضع الحديث، ثم روى من طريقه حديث " لا يُبْغِضُ أبا بكر وعمر مؤمن ولا يُحبهما منافق ". قال الذهبي: وقد رواه معلَّى بن هِلال كذّاب. قلتُ: وذكر في ترجمةِ عبدِ الرحمان بن محمد بنِ أحمد بنِ فَضالَة (٣) أنَّه حافظٌ، صاحبُ حديث، لكنه رافضي جلي. فلم يمنعه رفضُهُ مِن مدحه بأنه حافظٌ صاحبُ حديث. وقال (٤) في عبدِ الرحمان ابنِ أبي الموال (٥): ثقةٌ مشهورٌ، خرج مع محمد بن عبد الله (٦). قال ابن عدي (٧): هو مستقيمُ الحديثٍ،

стр. 819

والذي أنكروا عليه حديثَ الاستخارة وقد رواه غيرُ واحد من الصحابة. قلت: وأخرجه البخاريُّ (١) عنه، وهو مِن رجال البخاري (٢) والأربعة. وقال ابنُ خراش: صدوق. وقال غيرُه: ضربه المنصورُ ضرباً شديداً ليدُلَّهُ على محمد بنِ عبد الله، وحبسه، وكان مِن شيعتهم. وقال الذهبي في " الكاشف " (٣): ثقة. وقال الذهبي في ترجمة الصَّقْرِ بنِ عبد الرحمان: حَدَّثَ عن أنسٍ بحديثٍ كذبٍ: " قم يا أنس فافتح لأبي بكر، وبشره بالخِلافة من بعدي " وكذا في عمر وعثمان.

стр. 820

وقال بعضهم: هو صدوق. قال الذهبي: من أين جاءه الصدق (١). وُيوجد مثلُ هذا في كتاب " ميزان الاعتدال في نقد الرِّجال " للذهبي، تركتُ ذكره للاختصار فليُنظر في تراجم عبدِ الله بن محمد بن سعيدٍ (٢)، وعبد الله بن واقد أبي قتادة الحراني (٣)، وموسى بنِ جعفر الأنصاري (٤)، وموسى بنِ جعفر الكاظم (٥)، وموسى بنِ عبد الرحمان الثقفي الصنعاني (٦)، وموسى بنِ عيسى بن عبد الله (٧)، وموسى بن محمد بن عطاء (٨) الدمياطي البلقاوي المقدسي الواعظ (٩)، ونُعَيم بنِ حَمَّاد الخُزاعي (١٠)، ونوحِ بن طلحة من أولاد أبي بكر الصديق (١١)، ونوحِ بن أبي مريم (١٢) من المتعصِّبين لمذهب السنة، وهارون بنِ أحمد (١٣) في ترجمته حديثٌ عجيب، وهشامِ بنِ حسان (١٤) وهشامِ بن عمار (١٥)، وعامر بنِ صالح بن عبد الله مِن ذُرِّيَّةِ الزبير بن العوام (١٦)، وإسماعيل بنِ يحيى مِن ذرية أبي بكرٍ الصديق (١٧)، ويحيى بنِ شبيب اليماني (١٨)، والحسنِ بن علي بن زكريا ابن صالح (١٩)، ومحمد بنِ أحمد بن عياض بن أبي ظبية (٢٠)، وعمرَ بنِ

стр. 821

حمزة (١) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (٢)، وفليح بنِ سليمان (٣). وفي باب السجود من " مجمع الزوائد " (٤) للهيثمي عن ابن عباس عنه ﷺ : " مَنْ لَمْ يَلْزِقْ أنفَه مَعَ جَبْهَتهِ بالأرْض إذَا سَجَدَ، لَمْ تَجُزْ صَلاَتُهُ " رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط ". قال الهيثمي: ورجاله موثَّقُونَ وإن كان في بعضهم اختلافٌ من أجل التشيع. انتهي بحروفه. وقال الذهبي (٥). محمدُ بنُ حمزة بن عمر بن إبراهيم العلوي، كان جَدُّه زيدياً مِن العلماء، وأما هو، فرافِضِي. فدلَّ على تنزيههم للزيدية من الرّفض، ومعرفتهم لذلك. وقال في ترجمة معبدٍ الجُهَني (٦): إنَّه تابعي صدوق في نفسه، لكنه سَنَّ سنة سيئة، فكان أوَّلَ مَنْ تَكلم في القدر. ونحو هذا لا يُحْصَرُ، يعرِفُه بالضرورة منْ طالع كتبهم في علم الرجال. وقد وثَّقوا مِن الشيعة: أبانَ بن تغلب (م ٤)، وأحمدَ بنَ محمد بن

стр. 822

أحمد أبو منصور (١)، وأحمدَ بن محمد بنِ الحسين بن فاذشاه صاحب الطبراني (٢)، وعبد الله بن الحسن (٤) وابنَه محمد (د س ت)؛ وأحمدَ ابنَ محمد بن سعيد بن عقدة (٣)، وأحمدَ بن المُفَضَّل (د س)، وإسماعيل بن أبان الأزدي شيخ البخاري (خ ت)، وإسماعيلَ بنَ زكريا الخلقاني الكوفي، حديثُه في كتب الجماعة (ع)، وإسماعيل بنَ عبد الرحمان السُّدِّي (م ٤)، وإسماعيل بن موسى الفزاري الكوفي ابن بنت السُّدي (د ت ق)، وبهزَ بنَ أسد (ع)، وقال الذهبي فيه: إمام حجة، وتليدَ بنَ سليمان (ت) أثنى (٤) عليه أحمد، وثعلبةَ بنَ يزيد الحمَّاني (عس)، وجابرَ بن يزيد الجعفي (د ت ق)، وثقه غيرُ واحدٍ منهم (٥)، وجعفرَ بنَ زياد الأحمر (د ت س)، وجعفَر بن سُليمان الضُّبَعي (م ٤)، وَجُمَيْعَ بنَ عمير (٦)، والحارثَ بن حَصيرة (بخ)، والحارثَ بن عبد الله

стр. 823

الأعور (١)، وحَبَّةَ بن جُوين من الغُلاة وثَّقه العجلي وحدَه (٢)، والحسنَ بنَ صالح بن حي (م ٤) وقال الذهبي: كان مِن الأعلامِ العُبَّادِ، وخالدَ بنَ مخلد القطواني الكوفي (ع) مِن رجال البخاري وسائر الجماعة (٣) وفي ترجمته قال الذهبي ما لفظه: قال الجوزجاني: كان شتَّاماً معلناً بسوء مذهبه، وكان أبو نُعيم الفَضْلُ بنُ دُكين (ع)، كوفيَّ المذهب يعني يتشيَّع، وهو أحدُ شيوخ البخاري، ورجالِ الجماعةِ كُلِّهم، وعبيدَ الله بن موسى العبسي (ع) أسوأ مذهباً - قال الذهبيُّ: وكذلك عبدُ الرزاق (ع) وعدَّة. قلت: قال ابنُ سعد في عُبيد الله بن موسى: كان مُفْرِطَ التشيع، وقال: كان شيعياً محترقاً، ومع هذا حديثه متفق على صحته، لأنَّه ممن خرَّج عنه البخاريُّ ومسلمٌ وسائرُ الجماعة. وقال الذهبيُّ: كان ذا زهدٍ وعبادة وإتقان.

стр. 824

- وعبدَ الحميد بن جعفر (م ٤)، ومنصور بن أبي الأسود (د ت س)، وهارونَ بن سعد العِجلي (م)، وهاشمَ بن البَرِيدِ (د س ق)، ويحيى بنَ الجزار (م ٤)، ويحيى بن عبد الله أبو حجيَّة الكندي الأجلح السَّبيعي (ع) يذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، وعمر بن إبراهيم العلوي الزيدي (١)، وقد مر (٢) عبدُ الرزاق بن همَّام الإمام، وعبدُ الرحمان ابن أبي الموالي (خ ٤) الخارج مع محمد بن عبد الله، وأبو معاوية الضرير محمد بن خازم (ع) - قال الحاكم: احتجَّا به، وقد اشتهر عنه الغُلُوُّ، قال الذهبي: أي: غلو التشيع، وقد وثقه العِجلي. وعدي بن ثابت (ع) متفق عليه في كتب الجماعة. وقد قال ابنُ معين: شيعي مفرط. وقال الدارقطني: رافضي غال. وممَّن أثنوا عليه لِصحَّة الحديث من المعتزلة: أحمدُ بنُ يوسف ابن (٣) يعقوب بن البُهلول (٤)، وإسماعيلُ بنُ علي بن سعد السَّمان (٥)،

стр. 825

وثورُ بن يزيد الكَلاعي (خ ٤)، وحسانُ بن عطية (ع)، والحسنُ بن أحمد أبو علي الفارسي النحوي صاحبُ التصانيف، وحمزةُ بن نجيح (بخ) (١)، وقتادة بنُ دِعامة (ع)، وعبدُ الله بن أبي لَبيد (خ م د س ق)، وعبدُ الله بنُ أبي نجيح (ع) وفي ترجمته نسبةُ الاعتزالِ إلى زكريا بنِ إسحاق (ع)، وشبلِ بنِ عباد (خ د س)، وابنِ أبي ذئب (ع)، وسيفِ بن سليمان (خ م د س ق) وكُلُّهُمْ من أئمة الحديث. انتهى، وعبدُ الأعلى بنُ عبد الأعلى الشامي (ع)، وعبدُ الرحمان بن إسحاق القرشيُّ المدني (م ٤)، وهِبةُ الله بن المبارك بن الدَّواتي (٢)، وهشامُ بن عمار (خ ٤) شيخ البخاري، والهبة بنُ حميد، ومحمودُ الزمخشري، وعليُّ بن محمد بن أقضى القَضاة (٣)، وعليُّ بنُ محمد بن الحسن بن يزداد (٤) وخلق سواهم (٥). وقد أثبتُّ على من ذكرتُه علامَةَ (٦)

стр. 826

من خَرَّج حديثَه من أئمة دواوينِ الإسلام ومَنْ لم أُخرج له علامةً، فهو مذكور في " الميزان ". الحادي عشر: تحريهم لِلصدق في كتب الجرح والتعديل، وعدم المداهنة، فقد تكلَّمُوا في تضعيف الأصدقاء والقرابات مثل نوح بنِ أبي مريم، وابن أبي داود (١)، ووالد علي بن المديني (٢) بل في منْ يعظمونه وهو حقيقٌ بالتعظيم كالإمام الأعظم أبي حنيفة ﵀ ضعَّفَهُ بعضهم من جهة حفظه (٣)، وصَدَعُوا بذلك في التصانيفِ مع أن الملوك حنفية في هذه الأعصار في مصر والشام وهم مستمرون في ذلك، وتجد المحدِّث الشافعي إذا تعرَّض لذكر الشافعي في كتب الرِّجال لم يُعظِّمْهُ في معرفة الحديث ورجاله وعِلَلِه كما يُعظم غيره بل يُوردون في تعديله عباراتٍ فيها لين مثل (٤): لا بأسَ به، وثقة ونحو ذلك، ويخُصُّونَ مَنْ هُوَ دونه بما هو أرفعُ من ذلك مثل: إمامٌ حُجَّة لا يُسأَلُ عن مثله، وقد كان الشافعي يُوثِّقُ ابنَ أبي يحيى أحدَ شيوخه في الحديث وأصفق (٥) الأكثرون على تضعيفه، وكذَّبه جماعة، وعَمِلَ أصحابُ الحديث من أصحابِ الشافعي على تضعيفه، وعدمِ المبالاة بتوثيقِ الشافعي له.

стр. 827

الثاني عشر: تعديلُهم لأعدائهم من غلاة الروافض، وكم في " الصحيحين " مِن رافضي سَبَّابٍ للصحابة، غالٍ في الرفض، كما مرَّ تعدادُ بعضِهم، ونقل ذلك من كتبهم وهم يعلمون ذلك، ويذكرون مذهَبه في كتبهم في الرجال، ويُصَرِّحونَ بأنه ثقةٌ حُجَّةٌ مأمونٌ في الحديث، والعدلُ على العدو من أبلغ أمارات الإِنصاف. الثالث عشر: روايتُهم لِفَضَائل علي ﵇، وفضائِل أهلِ البيت في أيَّامِ بني أمية وهو ﵇ -حاشاه من ذلك- يُلْعَنُ على المنابِرِ، ولا يروي فضائِلَه إلاَّ مَنْ خاطر بروحه. الرابع عشر: روايةُ مساوىء معاوية، والأحاديث الواردة بذمه (١) وذَمِّ صِبية بني أمية وهي في تواريخهم وكتبهم، وبيان المكذوب مِن فضائله، وأنه لم يَصِحَّ منها شيء. رواه الذهبي عن إسحاق بنِ راهويه، وبيان كُل ذلك رووه في زمنِ بني أمية بدليل اتصالِ إسناده، وبذلك تأوَّلوا حديثَ أبي هريرة في قوله: حفظتُ من رسولِ الله ﷺ جِرابين، أما أحدهما فبثثتُه في الناسِ، وأما الآخر فلو أبثه (٢) لَقُطِعَ هذا البُلْعُومُ (٣)، قالوا: هُوَ ما كان عنده من ذمِّ أمراءِ بني أمية الذين كان معاصراً لهم، وكذلك صَرَّحُوا بتأويلِ حديث عمرو بنِ العاص بذلك حيث قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول

стр. 828

جهاراً غيرَ سِرار: " إنَّ آلَ أبي فُلانٍ لَيْسُوا بأَوْليائي إِنَّما أَوْليائي المُتَّقونَ " (١) فسَّروه بآل أبي العاص، منهم الحكمُ طريدُ رَسولِ الله ﷺ ممَّن فسره بذلك القاضي عِياض في شرح مسلم، وكذلك النواوي في شرح مسلم (٢) أيضاًً، وكذلك ابنُ حجر في مقدمة شرح البخاري، وسيأتي ذلك مستوفى قريباً، ويأتي تمام لهذا في ترجمة مروان والوليد في الأوهام الآتية إن شاء اللهُ تعالى. وكذلك ذكر الرازيُّ (٣) عن ابن عباس أن الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية، وأنَّه ﷺ رأى بني أمية يتداولون مِنْبَرَهُ، فَقَصَّ رؤياه على أبي بكر وعمر سِرّاً، فتسمَّعهم الحكمُ، فأفشى سِرَّ رسول الله ﷺ ، فنفاه لأجل ذلك، هذا مختصر مما ذكره الرازي، وروى الترمذي ما يشهد لذلك كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 829

الخامس عشر: أنَّ حديثَهم أقوى مِن الرأي ولو لم نقبلْه، لقبلنا الرأيَ، وإنما قُلنا: إِنَّها أقوى مِن الرأي لوجهين: أحدُهما: أنَّ الظنَّ المستفاد منه أقوى مِن الظن عن الرأي، وذلك لِقلة مقدماته، وكثرةِ مقدمات الرأي، فالرأيُ يتوقَّف على ظَنِّ صحته في الجملة، وظنِّ صحة النصِّ في الأصل، وظنِّ أن الحُكْمَ الثابت في الأصل مُعَلَّلٌ، وظنِّ أن عِلَّته متعدية غيرُ قاصرة جملة، وظنِّ أنها موجودةٌ في الفرع، وظنِّ أنَّها غيرُ مخصّصة، وظنِّ عَدَم النصّ المانع من القياس، وظنِّ عدم العلة المعارضة لها. فأما أحاديث المتأولين فإنَّها تتوقَّفُ على ظنِّ قبولِ المتأوِّل وصدقه، وظنِّ عدم المعارض والناسخ والمخصِّصِ على الاحتياط وإلاَّ، ففيه نظر، ليس هذا موضِعَ ذكره. وثانيهما: أن الأدلةَ الدالة على قبول المتأولين أقوى من الأدلة الدالة على القياسِ، فلم يستدِلُّوا على القياس من القرآن إلاَّ بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] والاحتجاج بها ضعيف جداً (١). المسألة الثانية: قبولُ كافرِ التأويل. وليس في الأحاديث المُعْتَمَدِ عليها مَنْ هو عندنا كافِرُ تأويل بحمد الله تعالى، ولكني أذكر الحُجَجَ في ذلك لمن أحبَّ أن ينظر فيه، والمسألةُ محلُّ نظر، وأما مَنْ قبلهم، فقد احتجَّ على قبولهم بجميع ما تقدَّم إلاَّ أشياءَ يسيرةً، فهي تختصُّ فساقَ التأويل، وذلك لا يخفى على العارفِ المتأمل، ولْنَذْكُر من ذلك وجوهاً ثلاثة: الأول: الإجماعُ (٢) رواه خمسة ثقات: الإمامُ يحيى بنُ حمزة،

стр. 830

والمؤيَّد، والمنصورُ، والقاضي زيد، والفقيهُ عبدُ الله بن زيد، أما الإمام يحيى بنُ حمزة، فروى ذلك في موضعين من " الانتصار ": أحدُهما: في باب الأذان قال ما لفظه: وأما كفارُ التأويل، -وهم (١) المجبرة والمُشَبِّهة والروافض والخوارج-، فهؤلاء اختلف أهلُ القبلة في كفرهم، والمختارُ أنهم ليسوا بكفارٍ، لأن الأدلةَ بكفرهم تحتملُ احتمالاتٍ كثيرة، وعلى الجملة فمن حكم بإسلامهم أو بكفرهم قضى بصحة أذانِهم، وقبولِ شهادتهم. انتهى. وعدم التكفير لهؤلاء كُلِّهم هو اختيارُ شيخ المعتزلة أبي الحسين، وشيخِ الأشعرية الفخر الرازي وأصحابهما، ذكره الشيخ مختار المعتزلي في كتابه " المجتبى "، وهو اختيارُ القدماء كما أشار إليه محمدُ بنُ منصور الكوفي (٢) في كتابه " الجملة والألفة " (٣). وثانيهما: في كتاب الشهادات قال ﵇ ما لفظه: ومَنْ كفر المجبرة والمشبهة، قَبِلَ أخبارَهم، وأجاز شهادتَهم على المسلمين وعلى بعضهم، وناكحوهم وقبروهم في مقابر المسلمين، وتوارثوا هم والمسلمون. وأما المنصورُ بالله ﵇ فلفظه في " المهذب ": نعم، ذلك

стр. 831

لأنه قال فيه ما لفظه: وقد ذكر أهلُ التحصيل من العلماء جوازَ قبول المخالفين في الاعتقادات، وروى عنهم المحققون بغير مناكرة في ذلك، ذكره ﵇ في كتاب الشهادات من " المهذب "، وقد تقدم الكلام في أنَّ هذا يُفيدُ الإجماعَ عند الكلام (١) على رواية الإجماعِ على قبول فساق التأويل، فخُذه من هناك. وأما المؤيَّدُ بالله ﵇، فإنه قال: والأظهرُ عند أصحابنا قبولُ كافِر التأويل (٢) وقد تقدَّم نقلُه، وبيانُ الوجه في أنَّه يُفيدُ إِجماع علماء العترة (٣) ﵈. وأما روايةُ القاضي زيد، فقد تقدمت وهي صحيحة صريحة. وأما الفقيهُ عبدُ الله بن زيد، فقال: اختلفوا في قبول الكافر والفاسق من جهة التأويل، والمختارُ: أنَّهُ يقبل خبرهما متى كانا عَدْلَيْنِ في مذهبهما، وهو قولُ طائفة من العلماء، والذي يَدُلُّ على صحة قولنا أنَّ الصحابة أجمعت على ذلك. فإن قلتَ: قد رُوي الخلافُ من غير شك، فكيف يمكن الإصغاءُ إلى رواية هذا الإجماع؟ قلتُ: الجواب من وجوه: الأول: معارضة، وذلك أن (٤) السَّيِّد قد حكم بأنَّ راوي الإجماعِ مُقدَّم على راوي الخلاف، واحتجَّ على ذلك بحجتين:

стр. 832

أحدُهما: أن المثبِتَ أولى من النافي. والثانية: أنَّ راويَ الإجماع ناقلٌ عن حكم الأصل، والناقِلُ أولى، وقد بيَّنا فسادَ ما ذكره فيما تقدَّم (١)، وإنما أردنا بهذا أن يحتجَّ عليه بما هو صحيحٌ على أصله. الثاني: أنَّ شروطَ التعارض عزيزة كما ذكرها في الفرق بين النسخ والبداء (٢) وبيانُه في مسألتنا أنَّه يقعُ الإجماعُ من أهل عصر والخلافُ بينَ أهل عصر آخر، فإن كان الإجماعُ متقدماً، فالخلافُ وقع ممَّن لم (٣) يعلم بالإجماعِ، وإن كان الإجماعُ متأخراً، فذلك ظاهر. الثالث: أن أقلَّ أحوالِ مدَّعِي الإِجماعِ أن يعرف أنَّهُ قولُ الجماهير، وأنه لا يُعرف في ذلك خلافاً حتى لا يُنسب المختار لهذا القول إلى الشذوذ. فإن قيل: فقد روى الإمامُ الخلافَ في " المعيار " فتناقض. قلنا: شرطُ التناقض عزيز، إذ لا يَصِحُّ مع إمكان الجمع، والجمعُ ممكن وذلك أن يكون الخلافُ الذي في "المعيار" منسوباً إلى أهل

стр. 833

عصر، والإجماعُ الذي رواه في " الانتصار " منسوباً إلى أهل عصرٍ آخر، وذلك كثير في مسائل الإجماع. فان قيل: فقد روى قاضي القضاةِ الإجماعُ، فتعارضا. وقال ابنُ الحاجب: إِن كافرَ التأويلِ، كالكافر عند المكفِّرِ. قلنا: لا يتعارضان لوجوه: الأول: قد عُلِمَ الخلاف بغير شك، كما قال أبو الحسين، وقد تقدم تقريرُه حيث تقدم كلام أبي الحسين. الثاني: هؤلاء خمسة، والترجيح يَحْصُلُ بزيادة وأحمد، فكيف بأربعة. الثالث: أنهم أورعُ لتنزههم عن البِدعة، فبان الرجحان، وارتقع التعارض بحمد الله، وأما كلامُ ابن الحاجب، فقد تقدَّم جوابُه حيث ظن السيد أنَّه (١) حكاية للإجماع على ردِّه، وكلام الإمام يحيى بن حمزة يَرُدُّ عليه دعواه، ويُعارضه، وترجح عليه بما ذكرناه. الحجة الثانية: القياسُ على فاسق التأويل، وقد ذكرها في " الجوهرة " وهي قوية. الحجة الثالثة: ظن وجود النص، وتحريم العمل بالرأي وبالعموم مع ظنِّ النصِّ والمُخَصِّصِ إجماعاً -وهي قوية- ونحوها من الحجج المتقدمة (٢) على جوازِ قبولِ فاسقِ التأويل مما يَصِحُّ الاحتجاجُ به في كافر

стр. 834

التأويل، فتأملها هناك، فقد ذكرتُ فيما تَقَدَّمَ اثنتين وثلاثين حجة مِن الحجج الدالة على قبولِ الفساق المتأولين وأكثرُها حجج على قبولِ الكفار المتأولين ما يَخْرُج منها إلَّا النادِرُ، وذِكرُها يؤدِّي إلى التطويلِ من غير حاجة، لأني قد ذكرتُ أني لا أعلَمُ أني معتمد على كافِر تأويلٍ في الحديث. قال السيدُ -أيَّده اللهُ-: وأمَّا إذا عارض روايةَ فساقِ التأويل روايةُ العدل الصالح المنزّه مِن فسق التأويل، فالإِجماعُ على ترجيح روايةِ العدل الصالح ممَّن يَقْبَلُ رواية فُسَّاقِ التأويل منفردين، وممَّن لا يقبلهم. أقول: قد طالعتُ كثيراً من كتب الأصول والفروع لِطلب معرفة الإجماع هذا الذي ادَّعاه السيِّد على تقديم روايةِ العدل في التصريح والتأويل على رواية العدلِ في التصريح، الفاسق في التأويل، فلم أَجِدْ أحداً ذكرها فيما طالعتُ، والذي لم أُطَالِعْ أكثرُ مما طالعت، ولكن الكُتَبَ التي طالعتُ هي الكتبُ المتداولة، فلا أدري السيد -أيَّده الله تعالى- نقل هذا الإجماعَ عن أحدٍ من العلماء الثقات، أو وجده في شيء مِن المصنفات، فله المِنَّةُ بالإرشاد إلى ذلك، أو قال ذلك مِن طريق الفهم والحَدْسِ، فليس ذلك من طرق الإجماع. وللإِجماعِ طُرقٌ معروفة لا تخفى على السيدَ -أيده الله تعالى- فيجِب عليه أن يُفيدنا طريقاً إلى معرفة هذا الإِجماع. ثم إنَّه يرد على دعواه للإِجماع إشكالات: الإِشكالُ الأول: أن المنصور بالله ﵇ قد ذكر في كتاب " الصفوة " ما يقتضي الإجماعُ على التسوية بين العدلِ في التصريح والتأويل، والعدلِ في التصريح، الفاسق التأويل، فقال ﵇ في حكاية إجماع الصحابة على ذلك ما لفظه: أما أنَّهم أجمعوا، فذلك مِن

стр. 835

ظاهر (١) أحوالهم لمن تَصَفَّحَ أخبارَهم، واقتصَّ آثارهم، وذلك أن الفتنة لما وقعت فيهم، وتفرَّقوا فِرقاً، وصاروا أحزاباً، وانتهي الأمرُ بينهم إلى القتل والقتال، كان بعضُهم يروي عن بعض بغير (٢) مناكرة بينهم في ذلك بل اعتماد أحدهم على ما يرويه عمن يُوافقه، كاعتماده على روايته عمَّن يُخالفه. فنصَّ ﵇ على أن اعتمادَ الصحابة على حديث المخالف كاعتمادهم على حديث الموافق، وأطلق القولَ في ذلك، ولم يُقيِّدْهُ بحال الانفرادِ دونَ حال التعارض، وسيأتي ما هو أَعْظَمُ من ذلك من كلامه ﵇. وكذلك الشيخُ أحمد بن محمد الرَّصَّاص، فإنه حكى الإِجماعَ على مثل ذلك، فقال في كتاب " الجوهرة ": إن الفتنة لما وقعت في الصحابة كان بعضُهم يُحَدِّثُ عن بعض، ويُسْنِدُ الرجل إلى من يُخالفه، كما يُسند إلى من يُوالفه (٣) من غير نكير، وكذلك الفقهاء بأسرهم، فإنَّ السَّيِّد أبا طالب حكى عنهم في كتاب " المجزىء " أنهم قالُوا: إن المعلومَ مِن حال الصحابة أنهم كانوا يُراعون في قبول الحديث والشهادة الإسلامَ الذي هو إظهار الشهادتين، والتنزّه عمَّا يُوجِبُ الجرحَ مِن أفعال الجوارِح ... إلى قوله ﵇ (٤): وكانوا مجمعين على التسوية بين الكلِّ ممن هذه حالُه في قبول شهادته، وحديثه مع العلم باختلافهم في المذاهب. فنصَّ ﵇ على أن الفقهاء حَكَوُا العلمَ بإجماع الصحابة على التسوية بين المتأوِّل في فسقه والعدل في باب الرواية والشهادة فهذا إجماعٌ ثبت بخلاف

стр. 836

دعوى السيد، لكنه ثبت مِن طَرِيق (١) الظواهر دونَ النصوص، ولا شَكَّ أن الظواهِرَ معمول بها، وسواء كانت مِن كلام الله، أو مِن كلام رسول الله ﷺ ، أو كلامِ العلماء ﵃، وقد أجمعتِ الأمة على جواز العمل على ظاهر كلامهم، وإنَّما المُحَرَّمُ مخالفة الظاهر بغير دليل، فينبغي أنَّ السَّيِّد يُبَيِّنُ لنا مستندَه في إجماعه الذي ادَّعاه حتى نَعْرِفَ أهو أرجحُ مِن هذا فنقدِّمَه، فلعلَّه نصٌّ، والنصُّ مقدم على الظاهر، أو مروي مِن طرق أكثرَ من هذه، أو عن علماء أعدلَ من هؤلاء، والله سبحانه أعلم. الإِشكالُ الثاني: قال المنصورُ بالله ﵇ في كتاب " صفوة الاختيار" -بعد ذكر (٢) تشدُّد الخوارج في تحريم الكذب، وقوله: إنَّه كفر- ما لفظه: فإذا كان الأمرُ كما ترى كان مَنْ يقول: مَنْ كذب كفر، روايتُه أولى مِن رواية مَنْ يقول: من كَذَبَ فسق، لأن الإنسانَ قد يتجاسر على الفسق، ولا يتجاسر على الكفر. انتهي بلفظه وهو صريح في مخالفة دعوى السيد للإجماع. وكذلك الحاكم أبو سعدٍ، فإنه قال في " شرح العيون " ما لفظه: وعلى هذا ما رُوِي عن بعضهم أنَّه سُئِل عن شهادة الخوارج، فقال: شهادة من يكْفُرُ بكذبه أولى مِن شهادة من لا يَرى ذلك. وكذلك الشيخُ أحمد الرصَّاص، فإنه قال في " جوهرته " حاكياً عن غيره: ولأن مَنْ يقول: من كذب كفر أولى بالقبول مِنْ قولِ مَنْ لا يرى ذلك وإن كان مخطئاً في قوله هذا، لأنَّه يبعد الظن لكذبه، ويقرب صدقه. انتهى.

стр. 837

واتفق أئمةُ الحديث على أن الحديثَ الصحيح أولى بالقبول عند التعارض مِن الحديث الحسن، وصحَّحُوا حديثَ جماعةٍ من المبتدعة، وحسَّنُوا حديثَ جماعةٍ من أهل الحق والسنة، وهذا يقتضي القطعَ بأنَّهم قد (١) يُقَدِّمُونَ المبتدَع الثقةَ الحافظَ على مَنْ هوَ دونه مِن أهل السنة في الحفظ والإتقان، وكُلُّ هذا تصريح بأن الترجيحَ في باب الرواية إنما هو باعتبار قُوَّةِ الظنِّ، لا باعتبار كثرة الفضل في الراوي، فحيث يكونُ الظنُّ أقوى برواية فاسق التأويل لكثرة العدد، أو للعلم بحال جميعِ رجال السند، أو غير ذلك من الأسباب المثيرة لقوة الظن لا تَصِحُّ دعوى الإجماع على رَدِّ رواية المتأوِّل الراجحة في الظن (٢)، وكيف يدعي الإجماعَ، وهذا الإِمامَ المنصور بالله ﵇ يُصَرِّحُ بالخلاف، ويُقدِّمُ رواية الخارجي الذي يُكفِّر أميرَ المؤمنين علياً ﵇ على روايةِ العدل، ويصرح بأنها أولى، وكيف يَصِحُّ دعوى الإجماع، والخلافُ محكي في " الجوهرة " التي هي مِدْرَسُ علماءِ الزيدية، ولم نعلم أنَّ أحداً أنكر ذلك على صاحب " الجوهرة " من أهل التعاليق عليها، وقد نقَّحوا ما فيها، وحقَّقُوه، واعترضوا فيما (٣) يُمْكِن أن يعترض فيه (٤) مما هو أقَلُّ مِن هذا، وكذا الحاكمُ على ما قدمناه ولم يعترض. الإِشكالُ الثالث: أن العلماءَ قد ذكروا في كتب أصول الفقه أن الترجيحَ إنما يقع بما يتعلَّقُ بالرواية مما يُقويها، ويَدُلُّ على الصدق فيها، ولهذا نص (٥) المنصورُ بالله، وأبو طالب ﵉، وأبو

стр. 838

الحسين، والحاكمُ ﵄ وغيرُهم من المصنفين في الأصولِ على أن روايةَ العالمِ لا تَرْجُحُ على رواية العامي إذا كان العلم مما لا يتعلَّقُ بالرواية، وكذلك إذا كانت الرواية باللفظ، ولم ينقلوا الخلاف في هذا إلا عن عيسى بنِ أبان، فإنَّه رَجَّحَ روايةَ العالمِ والأعلم. قال المنصورُ بالله: ومنهم منْ قال: لا يُرَجَّحُ به، وهو الذي كان شيخنا ﵀ يذهب إليه ونحن نختاره، والدليلُ على صحته أن كونه أعلمَ بغير ما يرويه لا تعلُّق له بروايته، وما لا يتعلق بروايته لا يجب الترجيحُ به. وقال ﵇ في مسألة تعارضِ المرسل والمسند ما لفظُه: ومدارُ الأمرِ في هذه المسألة وما شاكلها على الظن، فما قوي معه الظَّنُّ، كان مرجحاً. انتهى. فهذا نصُّه ﵇ على أن ما لا يتعلق بالرواية من الفضائل والمرجحات في غير الرواية لا يكونُ مرجحاً في الرواية، وكلامُ السيدِ أبي طالب وغيره من المصنفين في الأصول مثل هذا، لو قلنا كلامَهم في هذا، لطال الكلامُ. وَمِنْ ذلك ما نصَّ عليه الإمامان أبو طالب والمنصور بالله ﵉ وغيرهما من المصنفين في الأصول على أنَّه لا يرجح خَبَرُ الذكرِ على الأُنثى، ولا الحرُّ على العبد إذا اسْتووْا في الحفظ والعدالة، فهذا مع النصوص على تفضيل الذكور على الإناث في باب الشهادة (١)، ومع النَّصِّ النبوي على نُقصان عقولِ النساء (٢) والإشارة الظاهرة إلى ذلك في

стр. 839

قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فإن قلتَ: فما الوجهُ في المساواة بَيْنَ الذكرِ والأنثى، وقد ظهر في الكتابِ والسُّنَّةِ تفضيلُ الرِّجال على النساء. قلتُ: الوجهُ في ذلك أنَّ الأئمة (١) والعلماء ﵈ لم يُساووا بينهما على الإطلاق، فيكونوا قد خالفوا ما فهموا مِن الكتاب والسنة، وإنما سَاوَوْا بينهما في باب الرواية فقط، وسبب مساواتهم بينهما في الرواية أنَّهم فهموا أن عمودَ الرواية هو قوةُ الظن، ومتى قدرنا استواءَ الذكر والأنثى في الضبط والورع، لم يكن خبرُ أحدِهما أقوى في الظن متى كانت أخصَّ بالأمر، والدليلُ على ذلك ما اشتهر من تقديمِ الصحابة لخبر عائشة في الجنابة على خبرِ أبي هريرة (٢)، ومِن رجوع الصحابة إلى أزواج النبي ﷺ فيما هُنَّ أخَصُّ به وأعرفُ مِن أمر الحيض، ومباشرةِ الحائض والغسلِ مِن التقاء الختانين، والقبلةِ للصائم، وإصباحِ الصائم جنباً (٣) وغيرِ ذلك. فلما فَهِمَ الأئمة والعلماء أن الصحابة اعتبروا قوةَ الظن لم يرجحوا أحد الخبرين المنسوبين (٤) في الظَّنِّ، وإن كان أحدُ الراويين أكثرَ علماً وفضلاً، مهما

стр. 840

لم يكن علمُه وفضلُه مرجحاً لِظنِّ صدقه. وقد ذكر هذا المعنى السَّيِّد أبو طالب ﵇، فقال بعد ذكر شيء من كلامه: فإن قال قائلٌ: ولمَ قلتُم: إن قوة الظن معتبرة في باب الأخبار، قيل له: الذي يَدُلُّ على ذلك وجوه: منها: ما قد علمنا من حالِ الصحابة أنَّهم كانوا يطلبون في أخبار الآحاد التي يعملون بها قوةَ الظَّنِّ، ويلتمسون ما يُؤدي إليها باستحلافِ الراوي مرة كما رُوِيَ عن أمير المؤمنبن علي صلواتُ الله عليه (١)، وبتطلّب مخبرٍ ثانٍ، فيُضاف إلى الأول، كما روي عن أبي بكر أنَّه طَلَبَ عند رواية المغيرة بن شعبة ما رواه في أمر الجدة ثانياً إليه حتى أخبره محمدُ بنُ مسلمة بمثل خبر (٢)، وكطلب عمر عند روايةِ أبي موسى الأشعري خبر الاستئذان مَنْ يشهد معه لما رواه (٣). وسلوك هذه الطريقة معلوم من جماعتهم إلى قوله: ومنهم أنَّه لا خلاف في ترجيح الخبر (٤) بكون راويه أضبطَ للقصة التي ورد الخبرُ فيها مِن غيره، ولهذا كانت الصحابةُ تَرْجِعُ إلى أزواج النبيِّ ﷺ في تعرُّفِ أحواله التي عُرِفَ أنَّهن يَعْرِفْنَ منها ما لا يَعْرِفُه الأجانبُ، ولذلك رجَّحوا خبرَ عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يُصبحُ جنباً وهو صائم، على خبر أبي هريرة (٥)، ولهذا قالت عائشة حين سُئِلَتْ: هل كان

стр. 841

رسولُ الله ﷺ يَمْسَحُ على الخُفَّيْنِ بعد نزولِ المائدة؟ سَلُوا علياً عن هذا، فإنّه كان لا يُفَارِقه في سفرٍ ولا حضر (١). وإذا ثبت أن مزية الضبط كانت معتبرةً في ذلك، إذ لا فائدةَ في اعتبار حالِ الضبط لما يرويه إلا حصول (٢) قوة الظن عند خبره. انتهي كلامه ﵇. وبتمام هذا الكلام ثم الإشكال الثالث. فإذا عرفت هذه القَاعدة، فالإِنصاف أن تقولَ: لا يخلو المبتدع إما أن تكون بدعتُه القولَ بالإرجاءِ أو غيرِه، إِن كانت بدعتُه القول بالإرجاء، فإن استويا في جميع وجوه الترجيح إِلا أنَّ أحدَهما مرجىء، وأحدهما وعيدي رجح خبر الوعيدي على خبر المرجىء، لأنهما اختلفا في أمر يُوجِبُ تفاوتَ الظنِّ المعتبر في الأخبار، فإنَّه لا شَكَّ مع الاستواء في وجوه الترجيح أن من يخاف العذابَ على ذلك الذنبِ بعينه وعلى غيره مِن الذنوب أبعدُ من الذنب ممن لا يخاف العذابَ عليه، وإنما يخاف مِن ذنب الكُفر. وإن لم يستويا في وجوهِ الترجيح مثل أن يكونَ الراوي للخبر جماعةً من المبتدعة مشهورين بالحفظ (٣) والإتقان الجيد، ويُخالفهم عدلٌ متنزّه مِن البدع إلاَّ أنَّه منحط عن مرتبتهم في الضبط والحفظ، ومتفرِّدٌ لم يُتابعه غيرُه على ما روى، فها هنا تختلِفُ الظنونُ، ولا يجري القولُ على

стр. 842

قانون، بل كُلُّ أحدٍ مكلفٌ بما يقوى في ظنه، ولكل ناظرٍ نظرُهُ. وأما إن كان المبتدعُ مبتدعاً بغيرِ الإِرجاء مما ليس بكفر، فلا يخلو إما (١) أن يستويا في جميع وجوهِ الترجيح إلا فسقَ التأويل، أو (٢) يختلفا، إن اختلفا في وجوه الترجيح، فالقولُ في ذلك لا يستمر على طريقةٍ واحدةٍ، فقد يكون المتنزِّه عن فسق التأويل أولى بالقبول لِقوة الظَّنِّ بصدقه، وهذا هو الأكثرُ، وقد يكونُ فاسقُ التأويل أولى بالقبولِ لقوة الظن، وقد يكونُ قولُه أقوى في الظن في بعضِ الأحوال لبعض الأسباب الموجبة لذلك، فقد نصَّ المنصورُ بالله ﵇ على أن قولَ مَنْ يرى أن الكذبَ كُفْرٌ أولى بالقبول ممن لا يرى ذلك، وروى ذلك صاحبُ " الجوهرة " وحكاه الحاكمُ في " شرح العيون " عن بعض أهلِ العلم. ونصُّ المنصور بالله ﵇ في الخبرين إذا تعارضا على أنَّ العملَ على الظن الأقوى هو الواجبُ بهذا اللفظ، وذلك لأن المَرْجِعَ بالترجيح إلى قُوَّةِ الظن لا إلى تفضيل الراوي، فليس المبتدع يُساوي المتنزه من البدعة، ولا كرامة له، وقد نَصُّوا على الإجماع على الترجيح بالضبط، وشِدَّةِ الحفظ، روى الإجماعَ على ذلك أبو طالب ﵇، وقد قدمنا كلامَه، والمنصورُ بالله ﵇، فإنه ذكر الترجيحَ بكون الراوي أكثرَ حفظاً وضبطاً حتى قال ﵇: وهذا مما وَقَعَ الإجماعُ عليه برواية شيخنا ﵀، وكذلك أبو الحسين نَصَّ على الترجيح بكون أحدِ الراويين أضبطَ، ثم قال: وقد يُسْتَدَلُّ على كونه أضبطَ بكونه أكثرَ اشتغالاً بالحديث، وأشدَّ انقطاعاً إليه، وبِقِلَّهِ ما يقع في حديثهِ مِن الخلل في

стр. 843

المعنى واللفظ. قلتُ: فالترجيحُ بمرجِّحٍ مُجْمَعٍ على أنَّه مرجِّحٌ، ومجمعٍ على الإجماعِ على الترجيح به، أولى من الترجيح بالنزاهة عن البِدعة، لأنه غيرُ مجمع على الترجيح به، أو متنازع في الإجماعِ على الترجيح به، وكذلك منْ يرى أن الواجبَ حكايةُ اللفظ، وأن الروايةَ بالمعنى حرامٌ، فإنَّ روايتَه أقوى من رواية مَنْ يرى جوازَ الحكاية بالمعنى متى استويا في جميع وجوهِ الترجيح إلا في هذا. فإن قلتَ: وما مثالُ تلك الصورةِ التي يكون الظنُّ مرجحاً لِخبرِ المبتدع فيها؟ قلتُ: لذلك صُوَرٌ كثيرة: فمنها: أنا نعلم أن المبتدعَ لو كان حافظاً لِكتاب مِن الكتب عن ظهر قلبه، إما القرآنُ الكريم، أو مِن كتب الحديث، أو اللغة، أو النحو، أو الفقه، أو غير ذلك، وكان معروفاً بالتجويد فيه، والإتقان له، معروفاً بأنه يُعيده كُلَّ ليلةٍ أوْ كُلَّ أسبوعٍ أو نحو ذلك عن ظهر قلبه، مشهوراً بالتدريس فيه، منقطعاً في الاشتغال به، مُجَرَّباً في سرعة الجواب، وإصابة مَحَزِّ الصَّوابِ إذا سُئِلَ عن شيء من مسائله وألفاظه، وما يتعلق بضبطه، مختبراً حين يُعارض في ذلك بالتبريز على الأقران، والتجويد عند (١) الامتحان، فإنَّكَ متى عرفتَه بهذه الصفة، وتمكَّنَتْ في نفسِك هذه المعرفةُ، وأخبرك عن مسألة في كتابه هذا الذي اشتهر بحفظه، وجَوَّدَ في نقله بلفظه، ثم عارضه رَجُلٌ من أهل العدل والتوحيد في تلك المسألة،

стр. 844

ولم يكن لهذا العَدْلِي مثلُ عنايته، ولا انتهى في التحقيق إلى مثل نهايته، بل قد سَمِعَ الكتابَ مرة، ولم يحفظه عن ظهر قلبه، ولم يُكَرِّرْ فيه النظرَ، فإن قولَ المبتدع يكونُ أقربَ إلى الظن، وأقوى في الذهن عند كل منصف، ولهذا، فإنا لو قدرنا أن عابداً مِن أهل العدل والتوحيدِ قرأ القرآن مرةً: واحدةً على بعض أهلِ العدل، ولم يحفظه عن ظهر قلبه، ولم يُكثر من تلاوته، ثم تنازعَ في إعرابِ آية هو وابنُ شداد المقرىء المشهور شيخ ابن النساخ ﵀، لم يَشُكَّ عاقِلٌ في أنَّ روايةَ ابنِ شداد أقربُ إلى الصواب، وأرجحُ في الظنون. وبعدُ، فالترجيحُ غيرُ التفضيل، وقد قال المؤيَّدُ بالله ﵇ في كتاب " الزيادات " ما لفظه: والأقوى عندي أن تقليدَ المقتصِد في الفتاوى أولى لِفراغه دون السَّابِقِ، لأنَّه في شغل عن النظرِ والمطالعة. فنص ﵇ على ترجيح تقليدِ غيرِ الأئمة السابقين على تقليدِهِم لأجل مرجح لا يتعلق بالتفضيل، فالأئمةُ الدعاة أفضلُ من السادة بالإِجماع. وقد تكلَّم الإمام يحيى بنُ حمزة ﵇ في تقليد الصحابة وقال: إنه لا يجوزُ تقليدُهم في هذه الأزمانِ الأخيرةِ، مع تجويزه ﵇ تقليدَ الميت ترجيحاً منه ﵇ لتقليدِ المتأخرين، لجمعهم العلومَ، وتبحرهم فيها، وادَّعى ﵇ الإجماعَ على ذلك، وكذلك الجوينيُّ ادعى الإِجماعَ على ذلك، لكن (١) قال شارح " البرهان " (٢): إن

стр. 845

المجمع عليه أنَّه لا يجوزُ التزامُ مذهبٍ واحد منهم، لأنَّه ليس لِواحد منهم مِن النصوص على الحوادث ما يكفي الملتزم لمذهبه، ويُغنيه عن الانتقال عن مذهبه، لا لقصور في علمهم، وهذا هو الصوابُ إن شاء الله تعالى، وإنما القصد حكاية مذهب (١) الإِمام ﵇، وأنه قد يقع من بعض أهل العلم ترجيحٌ لبعض المذاهب والأخبار من غير تفضيلٍ لأهل المذاهب والأخبارِ الراجحة عنده على أهل المذاهب (٢) والأخبار المرجوحة. وهذا (٣) المؤيَّد بالله ﵇ يَنُصُّ على ضعف مذهب الهادي ﵇ في بعض المواضع، وليس يعتقِدُ أنَّه أفضل منه. وأعظمُ مِن هذا ما ذكره الإِمامُ المؤيَّدُ بالله يحيى بنُ حمزة ﵇ مِن أن العالِمَ بالفن قد يكون أعرفَ بفنه من النبيِّ ﷺ ، مثل العالِم في أصولِ الدِّين العالم المُبرِّزِ في دقيقه، وكذلك العالم بالمنطق المتوغِّل في لطيفه، وكذلك سائرُ الفنون التي لم يُمارِسْها رسول الله ﷺ ، وإن لم يكن هذا العالِمُ أفضَلَ مِن رسول الله ﷺ ، ولا أعْرَفَ بالدين الذي ذلك الفنُّ وصلة إلى معرفته وطريق إلى العلم به (٤).
следующие страницы →