← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

السلامُ، ولا من غيرهِ مِنْ علماءِ الإسلام. إذا تقرَّرَ هذا، فلا شَكَّ أنَّ أَرْفَعَ المراتِبِ في رفع الالتباسِ أنْ يقولَ العالِمُ: صح لنا عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، ثم يُبَينُ طريقَ الحصةِ. المرتبة الثانيةُ: أن يقول: صَحَّ لنا، ولا يُبَين طريقَ الصحةِ. المرتبة الثالثَةُ: أن يقول: قال رسول الله ﷺ ، هكذا على الجزم منْ دونِ تصريحٍ بِالصِّحةِ. المرتبةُ الرابِعَةُ: أنْ يقول: مذهبي كذا وكذا، وحُجَّتي على ذلك قولُ النَّبِيِّ ﷺ ، أو ما بَلَغَنِي في ذلك عَنِ النبِي ﷺ ، ثمَّ يَذْكُرُ الحديثَ مُصَرحاً أنَّه حُجَّتُهُ ومُعْتمدُه. فَهذِهِ مراتبُ أربع، وفيها خلاف كُلُّها، لكنِ المرتبةُ الأولى لم يُخَالِفْ فيها إلَّا البَغْدَادِيَّةُ، وكلامُهم مهجورٌ مدفوعٌ بالإجماعِ قبلَ خلافِهم، ولكن لا يَتَّجِة الإنكارُ على من خالفَ الحديث الصَّحيحَ؛ لجوازِ أن يكونَ خالَفَهُ لِما هُوَ أَرْجحُ منهُ. وأمَا المراتِبُ الثلاث المتأخِّرةُ، فلا سبيل إلى الإنكار على مَنْ لم يَقْبلْها، والخلافُ فيها شائِعٌ بين العُلَمَاءِ، فأمَّا إذا نَزَلَت الرواية عن هذِهِ المراتب الأربع، مثل أن (١) يَحْكِي العالِم مَذْهَبَهُ وحجتَهُ عليه، ثم يقولُ بعد ذلك: وبلغنا عنْ رسولِ الله ﷺ ، فلا أعلمُ أن أحداً يقول: إنَّ هذا طريقٌ للمجتهد إلى معرفَةِ صِحةِ الحَديثِ. قال الإِمامُ يحيى بنُ حَمْزَة في " المعيار" في طرق (٢) صِحةِ

стр. 912

الحديثِ: وأمَّا رابعاً، فالعَمَلُ علَى خَبَرِه، فإنَّه يكون تعديلاً إذا كان لا مُحْتَمَلَ لهُ إلا العَمَل عليه، فإنِ احتملَ غيره لم يكن تعديلاً. انتهى كلامُه ﵇. وهو مثل الذي ذكرتُه، فلِله الحَمْد، ولهذا لم يَقُلْ (١) أَحَد مِنْ أهل النقل: إن كُتُبَ المسانِيدِ صحيحة عِنْد مصنِّفيها، مثل مَسانيد الشافِعِيِّ، وأبي حنيفةَ، وأحْمَدَ بنِ حَنْبَل وغيرهم، لمَّا كانت عبارتُهم (٢) لا تقتضي دعْوى الصِّحة عِنْدَهم، ولكن أَخْبَرُوا بما سَمعُوا، وَبَلَغَهُم عَنْ ثِقَةٍ وغيره، ولهذا أَعْرَضَ أربابُ الصِّحاح، ونُقَّادُ الحَدِيثِ عَنْ بلاغات " الموطَّأ "، ولم يقولوا بصحَّتِها على جلالَةِ مَالكٍ عندهم، وإجماعهم على أمانَتِهِ وتقدُّمِه في الحِفْظِ والاحتياط في الحديثِ والرِّجالِ، فإنهُمْ لا يختلفون أنه رأسُ أئمةِ الحديثِ، وأوثقُ نَقَلَةِ (٣) الأخْبَارِ وحملَةِ الآثارِ، وَهُو الَّذي أَقَلَّ مِن الرواية، وأَطَابَ، وَبَلَغَ الغايَةَ القُصوى في تَحَري الصدْقِ والصوابِ، فلَمْ يقْبَلُوا بَلاَغَاتِه، ولا التفتوا إلى ما مَرَّضَهُ مِنْ رواياتِهِ. خاتِمَةُ أقصى ما في البابِ أنْ يثبُتَ عِنْدَك (٤) أنَّ بلاغاتِ بَعْضِ الأئِمَّة حجةٌ مِنْ غَيْرِ أنْ ينُصَ ذلِكَ الإمامُ على ذلك، ولا يَدُلَّ عَلَيْهِ بظاهرٍ، ولا مفهومٍ، ولا يُبَيّنُ أنَّه حُجَّتُه، لكن هذا يكون مذهباً لَكَ، لا لذلكَ الإمامِ، ولا لِغيْرِهِ، ولو أَنَّ بعضَ المتأخِّرين خالفَ بعضَ الأئِمَّةِ في صحَّةِ حديث، لم يستحقَّ الإنكار، فكيف إذا (٥) خَالَفَ بعضَ أَهْلَ عَصْرِه؟

стр. 913

وقُصارى الأمْر أن يثبُتَ عَنْ بَعْضِ الأئمَّةِ أنَّ هذهِ طَريق إلى صحة الحديث، فهذا مما لا يقطَعُ الخلاف، كما نَصوا أنَّ الإرسال طريق إلى ذلِكَ، ولم يمنَعْ ذلكَ مِنْ تحريم رَد المراسيل على المُجْتَهدين، فَهذا هُوَ الكلامُ على الحديث الأوَّلِ، وقد تَبَيَّن بِهِ أن الهادي ﵇ لم يدَّعِ صحَّتَه ألبتَّةَ. وأمَّا الحديث الثاني، فإنه ﵇ رواه عن أبيه، عن جَده، عن أبي بكر بنِ أبي أُوَيسٍ، عنِ الحُسين بنِ عبد الله بن ضُمَيرة، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عليٍّ ﵇، وفيه وجهان: الوجهُ الأوَّلُ: أنَّا لا نعْرِفُ عَدالَةَ الحسينِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ ضُميْرةَ، ولا عدالَةَ أبيه، ولا جَدِّه. فإنْ قُلْتَ: روايةُ الهادي ﵇ تقتضي عدالتَهُم. قلتُ: روايةُ العالِمِ لا تدُلُّ على توْثيقِ مَنْ زوَى عَنْهُ على الأصَح المشْهورِ، خلافاً لبعض أصحاب الشافعي، ذكره ابنُ الصَّلاح في كتابه " العلوم " (١)، والإمامُ يحيى بنُ حمزةَ في كتابه " المعيار "، فقد روى الثَّقاتُ العُدولُ مِنَ الصَّحابَةِ والتَّابعينَ عَنْ معاوية، والمغيرةَ، وعمرو بن العاص، وروى عليٌّ بنَ الحسينِ ﵇ عَنْ مَرْوَان بنِ الحَكَمِ، ولم يكن ذلك مِنْهم تعديلاً لِهؤلاءِ، وسيأتي بيانُ من رُوِيَ عنهم في المسألة الثانية إن شاء الله تعالى.

стр. 914

الوجه الثاني: أنَّ أهْلَ الحديثِ الذين (١) نَصَّ أئمةُ العِترةِ على قبُولهم قدَحُوا في الحُسينِ بنِ عبدِ الله بن ضمَيْرَةَ هذا، وضعَّفُوه في كُتُبِ الجَرْحِ والتعديل، ولم يذكروا له تعديلاً قطُّ، وهذِه ألفاظهم في ذلك: قالوا: هو أبو ضَمْرَة الحسينُ بنُ [عبد الله] أبي ضميرة (٢) الحِمْيَري المدَني، كذَّبه مالك، وقال أبو حاتِم: متروكُ الحديثِ، كَذَّاب، وقال أحمد: لا يساوي شيئاً، وقال ابن معين: ليس بثقة، ولا مأمون، وقال البخاري: منْكَرُ الحَدِيثِ، ضعيف، وقال أبو زُرعة: ليس بشيء، اضْرِبْ على حدِيثه (٣). فهذا الرجُل مجروحٌ بِمَرَّةِ، مَقْدُوحٌ فيه كما ترى، وجرحُ مالكٍ لَهُ قويٌ لاختصاصه به، فإنَّ بَلَدَهُما واحدةٌ، وزمنَهُما واحد، فهما مَدَنِيَّانِ معاً، وابن أبي ضُميرة شيخُ أبي بكر بنِ أبي أُويس، وأبو بكر هذا: هو ابنُ أختِ مالكٍ. فهذا يدُلُّ على أنَّهم مختلطون، وأهلُ بلدٍ واحدٍ، وزمانٍ واحد. والقاسِمُ ﵇ لم يدْرِكِ ابْنَ أبي ضميرة، ولا صَحِبَه، ولا جاوَرَهُ، وإنَّما رَوَى عَمَّن روى عنه، فلا يكون في هذا تعديل لَهُ، ولو فرضنا أنَّه تعديلٌ عِنْدَ بعضِ الشَّافِعيَةِ، لم يلزَمْنا مذهبُ بعضِ (٤) الشافِعِيةِ.

стр. 915

وعلى تقدير صحة مذهبِهِم، فالجَرْحُ المعَيَنُ (١) مُقَدَّم على التَعْدِيل، والمعدِّل محمولٌ على عَدَمِ الاطِّلاع على ذلك، وعلى العَمَلِ بالظَّاهِرِ، كما هُوَ مَذْهَبُ أَهْل البَيْتِ وغيرهم، بَل الظَاهرُ أنَّ الجَرْح المطلق مُقَدَّمٌ عندهم ﵈، أو عند كثيرٍ منهُم، فكيف الجَرْحُ المُعَيَّنُ؟ وأمَّا أبو بكر بن أبي أويس (٢) الذي يروي عنه القاسِمُ ﵇ (٣)، وهو الراوي عن ابن أبي ضميرة، فهو ثِقَة حُجَّة (٤) عِنْدَ الجماهيرِ، ولا أَعْلَمُ فيه مقالاً إلاَّ ما قالَهُ الأزدي، فإنَّه قال: كان يَضَعُ الحديث، قال الذَّهبي (٥) في قول الأزدي هذا: وهذِهِ زَلَّةٌ قبِيحَةٌ. انتهى. فمن كان يُقَدِّم الجرح مُطلقاً، لَزِمَه جرْحُه، وهذا مقتضى اختيارِ السَّيدِ في رسالته، فيزدادُ الحديث ضعْفَاً على ضَعْفِهِ، لكن السيدَ قَدِ التزَمَ ما يوجبُ عليه التَّشكيك في ثُبوتِ هذا الجَرْحِ والتَّعديلِ، بل ما يُوجب عليه التَّشكيك في كونِ الهادي ﵇ روى هذا الحديث في الأحكام، بل ما يوجب عليه التشكيكَ في كونِ ابن أبي أويس، وابنِ أبي

стр. 916

ضَمْيَرَةَ مخلوقين أو غيْر مخلوقين، كما مر تقريرُ ذلك في المسألة الأولى. الوجه السابع: أنَّ الخبَرَ إذا وَرَدَ في شَيْءٍ، ظهر في الأصل ظُهوراً عامَّاً ، وقضتِ العادَةُ في ذلك الأمْرِ أنْ يُنْقَل نقلاً عامَّاً، ثُمَّ ورَدَ ذلك الخَبَر وُرُودَاً خاصَّاً، فإنه لا يُقْبَلُ، وقد ذكر هذا عدَد كثير من علماءِ الأصول وأهلِ علم النظرِ، منهم المنصورُ بالله ﵇، فإنه قال في كتاب " الصَّفْوَة " ما لفظه: قال شيخُنا ﵀: فأمَّا إذا ورد الخَبَرُ بشيْءٍ ظهر في الأصل ظهوراً عاماً، والعادةُ جارية فيما ظهر ذلك الظُّهور (١) أن يُنقل نقلاً عاماً، ثم ورد ذلك خاصَّاً، فإنه لا يُقْبَل. قال ﵇: وهو الذي نختارُه، وقد خالف ذلك أبو علي (٢)، وقال: إنَّه يُقْبَلُ. قال ﵇: ومثَال المَسْأَلَةِ: الجَهْرُ بـ (بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم). قال ﵇: والدَّليلُ على ما ذهبنا إليه، أن كُلَّ أَمْرَيْنِ استويا في الظُّهور، وكان الدَّاعي إلى نقل أَحَدِهِما كالداعي إلى نقل الآخر، فإنهُ يجبُ أن يستويَ نقلهما، لأنَّ ما دعا إلى نقل أَحَدهِمَا هو بِعَيْنِهِ يدعو إلى نقلِ الآخر، لولا ذلك، لجوَّزْنَا أن يكون امرؤ القيس قد عُورِضَ بقصائدَ تَبْرزُ على شعره في الفصاحَةِ والجَزَالَةِ (٣)، ولم يُنْقَلْ إلينا، ولجَوََّزْنَا أن تكون قد عُورِضتَ مُعْجزاتُه - يعني النبي ﷺ بما هو أَبْهَرُ مِنْها، وإنَّما لم يُنْقَل إلينا، وكذلك القرآن الكريم، كُنا نُجَوِّز معارضتَه على هذا القول على ما هو مُساوٍ لَهُ في النظْمِ والفصاحة، أو مُبَرِّزُ عليه، وإن لم يُنْقل على

стр. 917

حَدِّ نقله، وكلُّ ذلِك لا يجوز؛ لأن كل ما دعا إلى نقل أَحَدِهِمَا بعينه يدعو إلى نقلِ الآخرِ، ولا وَجْهَ يُوجِبُ نقلَ أحدهما دون الآخر مع الاستواء، فوجب أن يُقتضى بفساده -إلى قوله ﵇: فإذا لم يُنْقَلْ إلينا أَحَدٌ الأمرين مع استوائِهمَا في باب الدَواعي إلى نقلهما، علِمْنَا بذلك أنهُما لم يَسْتَوِيَا في الظهور في الأصل. انتهى كلامُه ﵇. ولما عَرَفَ المنصور بالله (١) أنَّهُ يلزَمُ مِنْ هذا القطْع بأنَّ رسولَ الله ﷺ لمْ يَكُنْ يجهر بالتَسْمِيَة (٢) مثلَ جَهْرِه بالفاتحة، إذن لاستوى نقلُهما، فلمَّا نُقِل الجَهْرُ بالفاتِحَة تواتُراً و (٣) إجماعاًً، والجهْر بالبسملة ظنَّاً وآحاداً، علمنا بذلك عدم استوائهِما في زمانه ﵇، فيجبُ رد حديثِ مَنْ نَقَل ما يقتضي (٤) استمرارُه ﵇ على حالَة واحِدَة، فَحينَ رأى المنصور (٥) ﵇ هذا السؤال وارداً -ولم يكنِ القَوْلُ بإخفاء البَسْمَلةِ مذهبَهُ- أشار إلى الجواب، فقال ﵇: فأما الجهر بالتَسمية والفاتِحَةِ، فقد عللَ شيخُنا ﵀ تعذُّر استوائِهِمَا في ظهورِ النقل بِعلةٍ ظاهِرَة، وهي أنهما لم يستويا في الأصل، لأن النبِي ﷺ كان يجهر بالتَّسمية حالَ اشتغال المسلمين بالتكبيرة، فبعضُهم يسْمَعُه يجهر، وبعضُهم لا يسمعُه مِنْ رَهَجِ (٦) التكْبيرِ، وليس كذلك الفاتِحَةُ. انتهى

стр. 918

كلامُه ﵇. وقد اخْتَلَفَ العلماءُ في هذا الجواب الذي ذكره ﵇، فهو جوابٌ معروفٌ مُتَداوَلُ بين الأصوليِّين، فمنهم من قوَّاه، وهؤلاء نظروا إلى الجَهْر بعد التَكبيرة الأولى، ومنهم مَنِ اسْتضعفه، وهؤلاء نظروا إلى الجهر أوَّلَ الرَّكعة الثَّانية، وفي أول السورة بعد الفاتحة. وَقَدِ اعتذر الشيخُ أبو الحُسين عن هذا بأن القارىء يبتدىء القراءَةَ بصوتٍ ضعيف، وفيه نَظَرٌ لوجهين. أحدهما: أنَّه كان يلزمُ التّواتُر في التسمية عند قراءة السورة بعد الفاتحة، لأنها تكون بعد قوة صوت القارىء. وثانيهما: كان يلزمُه أن لا يتواتَرَ الجهرُ بأولِ الفاتِحَة، لأنَّه يكون عند ضعفِ صوته، وأيضاًً فقد اشتركا في الجهر الذي يسمعهُ من بعده من المؤتمِّين سيَّما في الركعة الثانية، والحامِلُ على التَّبليغِ هو السماع، لا شدَّةُ الصَوتِ وخِفَّتُه، وقوَّتُه وضعفُه، بحيث لو كان ضعفُ صوته مستمراً، لنُقلَ أنَّه جَهَرَ. وقد ذكر عن الفقيه علي بنِ عبد الله هذين الوجهين في الجواب في تعليقه على " الجوهرة "، وضعَّفَهُما. إذا تقرر هذا، فهذه عِلةٌ مانعة مِنْ صِحَّة أحاديثِ الجهر، فَمَنْ ترك العمَلَ بها لهذه العِلة، لم يستحِق الإنكارَ عندَ أحدٍ من الأئِمَّة الأطهار، ولا عندَ غيرهم من عُلماءِ الأقطار، ولا يُنْسَبُ إلى تقديم الفُسَّاق على إمامي الأئِمَّة: الهادي والقاسم ﵉. الوجه الثامن: أنَّ هذِهِ الأحاديثَ الواردَةَ في هذه المسأَلَةِ هِيَ مِنَ

стр. 919

الأحاديث الوارِدَةِ فيما تَعُمُّ به البلوى، مثل أحاديث الوضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّار (١)،

стр. 920

والغُسُلِ مِن التقاءِ الخِتَانَيْنِ (١) ونحوهما، وَقَدِ اختلف العلَمَاءُ كثيراً في خَبَرِ الواحد إذا كان فيما تَعُمُّ به البَلْوى هل يُقْبَلُ أم لا (٢)؟، ولم

стр. 921

يتكلَّمْ في هذه المسأَلَةِ القاسم والهادي ﵉ وأمثالهما من مُتَقَدمي الأئِمة، وأكثَرُ مَنْ تكلم فيها ووسع القولَ علماءُ الأصول، منهمُ السيدُ أبو طالب في كتاب " المجزىء "، فإنَّه تكلم في المسألة، ووسعَ القول، وذكر حُجَجَ الفَريقَيْنِ، ثُمَّ قال: وفيما ذكرناه تنبيه على طريق النَّظَرِ في المسألَة، فأشار ﵇ إلى جواز الأمْريْنِ. وقال في أوَّل المسألة: ذهب بعضهم إلى أنَّ خبرَ الواحِدِ لا يُقْبَلُ فيه -يعني فيما تعُمُّ به البَلْوى- وإنَّما يُقْبَلُ مَا يَشيعُ نَقْلُه، ويجبُ العلمُ (١) به، وهو قول أكثَرِ أصحابِ أبي حنيفَة، وإليه ذهب شيخُنا أبو عبد الله، وحكاه عن أبي الحسنِ الكرْخي (٢). وطريقُ نصْرَةِ القول الأولِ ما ذكره شيخُنا أبو عبد الله واعتمده، فإنه بَلَغَ في نصْرَةِ هذه المسألة نهاية ما في الوُسْع، فغايةُ أمرِ غَيْرِه مِمنْ ينْصُر هذه المسألة أنْ يفهم كلامَه، وما رواه فيها (٣) استدلالاً وانفصالاً عَنِ الأسئلة والمُعارَضَاتِ. انتهى كلامه ﵇. والقصد بإيرادِهِ بيانُ أنهُ كلامُ مَنْ يجوز للمختارِ أن يختارَ ذلِكَ، ولا يَحْرَجُ فيه. فإذا ثبت هذا، كانَ منَ الجائِز أنْ يترك العمَلَ بخبر الواحد في هذِهِ المسأَلَةِ، لأنَّها مِمَّا تعُمُّ به البلوى، لا لأنَّ الفُساقَ أرجَحُ عنْذنَا مِنْ أَئِمَّةِ التقْوَى، فيجبُ على هذا أن لو كان الجَهْرُ بالبَسْمَلَةِ واجباً، أن يتواتر

стр. 922

ذلِكَ، وهذا إنما يَرِدُ على الأحاديث التي أوردها السَّيِّدُ، فأمَّا الأحاديثُ التي فيها أنَّه ﵇ كان يجْهَرُ، أو كان يُخَافتُ، فلا يَرِدُ هذا عليه، لأنهُ لا يَمْتَنِعُ تواتُرُ الجَهْرِ والإِخفاتِ عنه ﵇ فِعْلاً لا قَوْلاً، فقد صنف علماءُ الأثر في ذلك كتباً منفردهَ، وادعَوُا التواتُر في الجانِبَيْنِ. أما مَنْ ذَهَبَ إلى الإِخفات، فَقَدِ ادَّعى تواتُرَ ذَلِكَ في مَسْجِد رسول الله ﷺ ، وإتصال عَمَل الأئمةِ والمصلين فيه منْذُ تُوُفَيَ ﵇ إلى زَمَنِ مالك، فإنَ مالكا أدْركَ الناسَ على ذلك، ولم يُنْقَلْ أنَّ أحداً أكْرهَ الناسَ على تغيير شَيْءٍ في الصَّلاةِ، ولا نهاهُمْ عَنِ الجَهْرِ بعد أنْ كانوا عليه، مع ما رُويَ في ذَلِكَ مِنَ الأحاديث (١) الصَّحيحَةِ الكَثِيرَةِ التي أجْمَعَ علَمَاءُ النَقْلِ على صِحَّتِهَا وَقُوَّتها (٢)،

стр. 923

مع ما يَشْهَدُ (١) لِذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ التَوَاترِ في الجَهْرِ لو (٢) كان صحيحاًً مستمراً كما قررَهُ المنصور وأبو طالب، واختارَتْه (٣) الحنَفيَّةُ.

стр. 924

وأما الجَهْرُ بِالبَسْمَلَة، فقد رُوَيتْ فيه أحاديث كثيرة، وصَنَّفَ في ذلِكَ غَيْرُ واحدٍ مِنَ الحُفَّاط تصانِيفَ مُفْرَدةً، وقد جَمَعَ الحافظ الكبير أبو بكر بنِ الخطيبِ (١) أحاديثَ الجَهْرِ في ثلاثةِ أجزاء (٢). إذا عرفت هذا، فدعوى التَّواتُر في ثُبوتِ الجَهْرِ والإِخفات غيرُ مُسْتَنْكَرٍ عَقْلاً ولا نَقْلاً، أما العَقْلُ فلأنَه تَواتُر فيما تَعُمُّ بِه البَلْوى، ويجب في العادَة ظُهورُه وشُهْرَتُه، وأما النقْل فلأنَ الرُّوَاة (٣) في الجانِبَيْنِ عددٌ

стр. 925

كثيرٌ، وجمٌ غَفِير. الوجه التاسع: سلَّمنا سلامَةَ هذا الحديثِ منْ جميعِ هذِهِ المَطَاعِنِ، فإنَّه حديث مُرْسَل ، وكَذلِكَ أكْثَرُ ما يرويه الأصحاب في هذا البابِ هُوَ مِنْ قبيل المراسيلِ، لكِنْ لنَا أنْ نُنَازعَ في قبولِ المراسِيلِ، وفي المسْأَلَةِ خلافٌ ظاهرٌ، قديمٌ وحديثٌ، ولا أَعْرِف كتاباًً في الأصول الفِقْهِيَّةِ إلاَّ وفيه ذِكْرُ الخلافِ في هذِهِ المَسْأَلَة، وَلَمْ يَزَلِ الفَريقان منْ القابلين للمِرَاسِيلِ والرَّادِّينَ يَسْتَعْملونَ ما ذهبوا إليه مِنْ قَبولٍ ورَدٍّ من غير نَكيرٍ. فالإِنكارُ عَلى مَنْ ذهبَ إلى أَحَدِ المَذْهَبَيْن خلافٌ (١) لِمَا عليه علماءُ الإسْلامِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. فإذا جازَ أَنْ نَكونَ مِمنْ يَردُّ المَرَاسِيل، لَمْ يَكُنْ في (٢) عَمَلِنَا (٣) بالمسْنَدِ تقديمٌ لِرِوايَة فُسَّاقِ (٤) التأْويلِ على الهادي والقاسم ﵉، وإنما فيهِ تقديمٌ لِرِوَايَةِ الثِّقاتِ مِنَ المتَأَوِّلينَ وغيرِهِم على رِوَايَةِ المجاهيلِ الذين بَيْنَ الهادي والقاسم، وبَيْنَ رسولِ الله ﷺ مِمن لم يعْلَم مَنْ هوَ، ولا ما حَالُهُ، وهذا وَجْهٌ ظاهِرٌ. فإنْ قيل في عَدَمِ القَبولِ لمرْسَلِ الهادي ﵇ سوءُ ظَنٍّ بِهِ وتُهْمَةٌ لَهُ بالتَّقْصِيرِ والتَّسَاهُلِ. قلنا: حاشى يحيى بنِ الحسَيْنِ مِنْ سُوءِ الظنَ والتُّهْمَةِ بالتَقْصِيرِ، ولكِنَّه غيرُ خافٍ على أهل العلم أنَّ المجتهدَ قد يبني قَبُولَ الحديثِ على

стр. 926

مَذْهَبٍ لَهُ مُخْتَلَفٍ فيه، فيكون العالِمُ الرَّاوي للحديث (١) غيرَ مُقَصِّرٍ؛ لأنَّه بنى روايَتَهُ على ما هو عندَهُ حَقٌّ وصوابٌ، بَلِ العَمَلُ بذلِكَ الحديثِ هُوَ الواجِبُ علَيْهِ بإجماعِ الأمَّةِ، فكيف يكون مُقَصِّراً أو مَلُوماً (٢) بأَدَاءِ ما أَوْجَبَه اللهُ عليه وكَلَّفَهُ بِهِ؟ وأمَّا غَيْرُهُ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، فلا يجوزُ له تقليدُه في قَبُولِ الحَدِيث إذا كان قَبُوله ينْبَنِي على قاعِدَةٍ مُخْتلَفٍ في صحَّتِها حتى يتَّفِقَ مذهَبُهُما في تلك القَاعِدةِ. فمثالُ (٣) ذلكَ: أنَّ العُلَمَاءَ مختلفونَ في قَبُولِ المَجَاهِيلِ كما قدَّمْنَا ذلِك (٤) وقد قال عبدُ الله بنُ زَيْدٍ: هو مَذْهَبُنَا، وتوقَّفَ فيه السيدُ أبو طالب ﵇، وذهبت إليها الحنفِيَةُ بأَسْرِهَا (٥)، وليس القولُ بِهِ مِنَ القَبَائِح التي تنَزَّهَ عَنْهَا الهادي والقاسمُ ﵉، فليس يمْنَعُ أن يَذْهَبَا إلى جوازه، فَيُرْسِلان بَعْضَ الأحاديثِ عَنْ مَجْهُولٍ، وهذا جائِزٌ لهما ولغَيْرِهِمَا لا مانِعَ مِنْهُ، لا عَقْلاً ولا سَمْعَاً، لكِنْ مَنْ كان لا يَقْبَل المجْهُولَ، كانَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِع مِنْ قَبُولِ المُرْسَلِ إذا أَرْسَلَهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَذْهَبَه في هذِهِ المَسْأَلةِ، وكذلِكَ غيرُ هذِهِ المَسْأَلَةِ مِنْ مَسَائِلِ الخِلاَفِ في هذا البَابِ، مثلُ حديث المُدَلِّسِ، فإنه مقبولٌ عِنْدنَا، لا أَعْلَم فيه خِلافاً عندَ أَصْحَابِنَا، وفيه خلاف (٦)، فَلَوْ ذهبَ ذَاهِبٌ إلى أنهُ غَيْرُ مقبولٍ، كانَ لَهُ أنْ

стр. 927

لا يَقْبَلَ المُرْسَل مِمَّنْ يَقْبَلُ المُدَلِّسَ، واللهُ سبحانهُ أَعْلمُ. الوجه العاشر: سلَّمنا أنَّ المُرْسَلَ حجَّةٌ إذا لَمْ يُعَارِضْهُ المُسْنَدُ، أمَّا مَعْ مُعارَضَةُ المُسْنَدِ (١) لَهُ، فَلَنَا أَنْ نُرَجِّحَ المسْنَدَ على المُرْسَلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جماعةٍ وافِرَة مِنْ أهلِ العلْمِ. وقد نصَ الإِمامُ يحيى بنُ حمزة ﵇ في كتابِ " المعيار " على تَرجيحِ المُسْنَدِ على المُرْسَلِ، واحتجَّ على ذلكَ بأنَ المُسند مُجْمَعٌ على قَبُولهِ، والمُرْسلُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وقد أشار الشَّيخُ الحسنُ بن مُحَمد الرصاص في كتابِهِ " الفائق "، وحفيدُه أحمدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ في كتابهِ " الغُرر " إلى تفصيل حَسَن في ذلِكَ، وهو تفصيل المُسْندِ المَعْروفِ رجالُ إسنادِه الذي ادعى مُسْنِدُهُ عَدَالَةَ رُوَاتِهِ، وَوَثَّقَهم. وقال في "الجوهرة" ما لفظه: والصَحِيحُ أنَّ الخَبرَيْن فيما بَعْدَ التَّابِعين، أو في زَمَانِنَا هذا مَتَى وَرَدَ أو كان المُسْندُ معْلُومَاً، ورِجَاله غيْرَ مغمورين، ولا مُلْتَبِسي العَدَالَةِ والضبْطِ، فإن المُسْنَدَ أوْلى بِلا مِرْيَةٍ، لأنَّ المُرْسِلَ حيثُ أَرْسَلَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ سَنَدٍ إنْ لَمْ يُشَاهِدْ رَسولَ اللهُ ﷺ ، ولا سَمِعَ مِنْهُ، ولكِنْ يَتَطَرقُ (٢) إلى المُرْسِلِ مِن السهْوِ والذهُول عَنْ حالِ ما يَروي عَنْهُ ما لَمْ يَتَطَرقْ إلى المُسْنِدِ الَّذي قَدْ أبدى صفحَتَهُ، فكان أولى، وحسن الظنِّ بِمَنْ أَرْسلَ، وإنْ كانَ يُوجِبُ قبُولَ رِوَايَتهِ، إلاَّ أنَّ الظَّن في المسندِ صارَ أقوى لما ذكرنا، فكان أرجَحَ، والعلماءُ مُجْمِعُون على

стр. 928

قَبُولِ المُسْنَدِ، وكثيرٌ دَفَعَ المُرْسَلَ، والظُّن يَقْوَى لأقَلّ (١) مِنْ هذِهِ الوجُوه. انتهى كلام صاحبِ " الجوهرة ". وقد قرَّره الفقيهُ علي بنُ عبدِ الله في تعليقه غايةَ التَّقرير، وَلَمْ يَزِدْ في شرحه على أن قال: إنَّه كما ذكر، فالذي يختار هذا، لم يَأْتِ ببديعٍ، ولا ذَهَبَ إلى غريبٍ، بلِ اختارَ القَوْلَ المَنْصُورَ في مَدْرَسِ الزيْدِيَّةِ في أُصُولِ الفِقْهِ في هذِهِ الأعْصَارِ. وقد ردَّ المنصورُ باللهِ ﵇ على مَنْ رَجَّح المُرْسَلَ على المُسْنَدِ، ذكر ذلك في " الصَّفْوَةِ ". وكذلِكَ الشَيخ أبو الحسَيْنِ في " المعتمد " (٢)، والحاكم في " شرح العيون ". فأين تقديمُنا لِرِوَاية فُسَّاقِ التَّأْويل على رِوَايَةِ الهَادي، والتقديمُ إنَّمَا يصحُّ لو كانت روايةُ الهادي ﵇ مسْنَدَةً، وهو ﵇ مُدَّعٍ لصحَّتِها، مُعَدِّلٌ لروَاتِها، فحينَئِذٍ إذا عَمِلْنَا (٣) بِرِواية غَيْرِهِ، كنَّا قَدْ رَجَّحْنا تصحيحَ غَيْرِهِ على تصحيحه، وأمَّا إذا رجَّحْنا حَدِيثَ غَيْرِهِ عَلَى (٤) ما أرْسَلَهُ لأجْلِ مَنْ بيْنَه وبينَ النبِي ﷺ ممَّنْ لَمْ يَنُصَّ ﵇ على عَدَالَتهِ، ولا يلزَمُنا العَمَل بِرِوَايته، فإنَّا لا نكونُ قد رجَّحْنَا قَبولَ الفسَّاقِ على قَبولهِ، والفرقُ بينَ هذا الوَجْهِ والذي قَبْله أنَّ الَّذي قَبْلَهُ في رَدِّ المُرْسَلِ منْ أصلِهِ، وهذا في ردِّه إذا عارَضَهُ المُسْنَدُ على تسليم أنَّهُ حجَّةٌ لو لم يُعارَضْ.

стр. 929

الوجه الحادي عشر: أنَّ هذا كُلهُ بناءٌ على أنَّا ما تَمَسَّكْنَا في المسأَلَةِ إلأَ بحديثِ فاسِقِ التَّأْويلِ ، وهذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فإن أحاديث الإخْفَاتِ قد رواها أَهْلُ العَدْلِ والتَّوْحيدِ منْ أَهْل البَيْت وغيرُهم، كالأميرِ الحُسَيْنِ، والقاضي زيدٍ، وَلَمْ يَطْعَنُوا فيها، وإنَّما تعرَّضُوا للجواب عَنْها بالتَرجيح والتأويل، وقد ذكر روايتَها المنصورُ باللهِ ﵇، ولهذا تَعَرَّض لتأويلِهَا، ولو لم تكن ثابتةً عندَهُ، لم يتأوَّلْها، وقد ذكرنا قول الفقيه علي بنِ عبد الله في تعليق " الجوهرة " إنَّ الإِنصاف، أنَّ المخافتة كانت مِنْ رسولِ الله ﷺ كما كان الجَهْرُ منْهُ، فَهذِهِ روايةٌ مِنْ عالِمٍ مِنْ (١) أهْلِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، بل مِن رؤوس شِيعَةِ البَيْتِ ﵈، بلْ هذِهِ دَعْوى لِلْعِلْم بِثُبوت المخافَتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبالجُمْلَة فإنَّ رِوَايَةَ أحاديثِ الإخفات في كُتُبنَا مشهورَةٌ على حَدِّ شُهْرةِ أحاديثِ الجَهْرِ، لأنَّ مَنْ تَكَلَّمَ في هذِهِ المسألة تكَلَّمَ بأَدِلَّةِ الفريقين مِنَ الشِّيعَةِ، والشَّافِعيةِ، والمعتزلةِ وغيرهم، فَمنْ أينَ للسيدِ أنَّ أحاديث الإخفات ما وَرَدَتْ إلَّا مِنْ طريقِ فُسَّاقِ التَأويلِ وكفَارِه حَتَّى يقطع عَلَيْنَا حِينَ تَوَهَّمَ أنَّا عَملْنَا (٢) بِهَا أنَّا قَدْ قدَّمنا رِوَايَةَ فُسَّاقِ التَّأويلِ على رِوايةِ (٣) أئِمَّةِ الهُدى؟ وأكثَرُ ما في البابِ أنْ يَكونَ السيدُ لَمْ يَعْرفْ لأحاديث الإخفات طريقاً عَنْ أهْلِ العَدْلِ، فإذا لم يَعْرِفِ الطَّريقَ في نَفْسِهِ، انتفتِ الطَّريقُ في نَفْسِ الأمر. الوجه الثَّاني عشر: أنَّ السيدَ نَصَّ على أنَّا نُرَجِّحُ فُسَّاق التَّأويلِ عَلَى

стр. 930

الهادي والقاسمِ ﵉، وأقصى ما في البابِ أنهما ﵉ ادَّعَيَا صِحَّةَ حديثٍ مُسْنَد، وتَعْدِيلَ رُوَاتِهِ، ثُمَّ إنَّا قَدَّمْنَا بعضَ الأحاديث عَلَى ذلِكَ الحَديثِ لأمْرٍ يتعلَّقُ بغيرِهِما منْ رجالِ إسنادِه، فهذا يكونُ ترجيحاً على مَنْ رَوَيَا عَنْهُ، لا ترجيحاً عَلَيْهمَا. فَمِنْ أين للسَّيِّد أنَّا رجَّحْنَا عليهما، لولا مَحبَّةُ التَّشنيعِ، وذكرُ ما يَخْبُث سماعه، ويفحُشُ ذِكْرُهُ مِنَ العبارات المهُولةِ، وإنَّما يصدُق كلامُه لو كانا ﵉ سَمِعَا منْ رسولِ اللهِ ﷺ بغير واسِطَةٍ، وعارَضَهما فاسقُ تَأْويلٍ (١)، وكنَّا أيضاً سَمعْنَا عَنْهُما وَعَنْ فَاسِقِ التأْوِيلِ بغير واسطة (٢)، ثُمَّ رجَّحْنا فاسِقَ التَّأْوِيلِ، فحينئذٍ يصدق كلام السَّيِّدِ لكِنْ " لوْ " غيرُ مُثْمِرَةٍ للصِّدْقِ، واللهُ أَعْلَمُ. وبعدُ، فإنَّا قَدْ ذكرنا فيما تقدَّمَ كلامَ المنصورِ باللهِ ﵇ في تقديمِ رِوايةِ الخارجِيِّ، وترجيح حديثه لاعتقادِهِ أنَّ الكَذِبَ [كفر (٣)] على رِوَايَةِ العَدْلِ الصَّحيحِ الاعتقادِ، وقد نَصَّ ذلِكَ المنصورُ باللهِ ﵇، والحاكم في " شرح العيون " حكايةً عَنْ غَيْرِه، وصاحبُ " الجوهرة "، ولم يُنْكِرْ ذلِكَ أَحَدٌ. وقد ذكرنا قولَ المؤيَّد بالله في " الزِّيادات " إنَّ تقليدَ غَيْرِ الأئِمَّةِ ﵈ أرجح مِنْ تقليدهم، وبيَّنَّا ما في ذلِكَ مِنْ دَعْوَى الإجماع، وفرَّقنا بين الترجيحِ والتَّفصيلِ بِمَا لا (٤) مَزِيدَ عَلَيْهِ، فتأمَّلْهُ في مَكَانهِ (٥)

стр. 931

تَعْرِفْ أنه لَوْ كان منَّا ما لَمْ يَكُنْ منْ دعْوى السيد لمْ يَكُنْ في ذلكَ ما يُوجِبُ الإنْكارَ، ولا كان ذلِكَ خروجاً عَنْ مذاهبِ الأئِمَّة الأطهار، وليس القَصْد بِهذا الوَجْهِ الاعترافَ بتقديمِ رِوايَةِ غَيْرِ الأئِمةِ (١) عَلَى رِوايَتهمْ، ولكن فيه إلزامُ السَّيِّد تَخْطِئَة منْ جوَّز ذلِكَ منْهُم كالمنصور باللهِ وغَيْرِهِ. فإنْ قُلْتَ: فَهذا الكلَامُ إنَّما هو فيما رَوَى الهادي ﵇ مِنْ ذَيْنِك الحديثين في الجَهْر، فَهلاَّ تكلَّمْتَ على سائِرِ الأحاديث التي ذكرها القاضي زيد في ذلك؟ قلتُ: خشيتُ (٢) التَّطويل والإملالَ، ففي تلك الأحاديثِ كلامٌ طويلٌ، وهذِهِ الوُجُوهُ تعُمُّ تلكَ الأحاديثَ أيضاًً، ولو بسطتُ القوْلَ، لذكرتُ ما يَخُصُّ تلكَ الأحاديثِ على انفرادها، وفي هذا كفايةٌ وتعريفٌ لكثرة المحَامِل (٣) على السَّلامَةِ لِمنْ أرادَها، وسَعَةِ الطُّرُقِ إلى الظَّنِّ الجميل لِمنْ أحبَّها، وبتمام هذا الكلامِ تَمَّ الجواب (٤) على المسألة الثَّالِثَة، ولله الحَمْدُ والمنَّةُ. قال: المسألةُ الثانِيةُ: إنْ قيلَ: الصَحيح منْ حديثِ رَسُولِ الله ﷺ ما أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داوود، وكذلك أصحابُ الصِّحاح، وهي معروفَةٌ عِنْدَ المُحَدِّثين والفقهاء، وفي بعضها خلافٌ، فأمَّا ما رُوي في غَيْرِ تِلْكَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بصحيحٍ، إلى قوله: أمَّا هذا الفصل، فزعم القائِلُ به أنَّ مُؤلِّفَ (٥) الصِّحاح أعرفُ الناسِ به، وقد تعرَّضُوا لحَصْرِ

стр. 932

الصَّحيحِ، فما لم يذكُرُوه فهو غَيرُ صَحِيحٍ عندَهُم، وما كان غيرَ صحيحٍ عندَهم، وَجَبَ أن نَحْكُمَ بأنَّه غيرُ صَحيح، وذلِكَ لمعرفتهم (١) واطِّلاعِهم. وهذا القولُ في غاية الفَسَادِ، والسيِّد عِزُّ الدِّين -مَتَعَ اللهُ ببقائِهِ المسلمينَ- لا يقولُ بِهِ في غَالِبِ ظَنِّي، وإلاَّ لَزِمَهُ نَفْي " حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ " في الأذان، وإنَّما حَكيته، لأنِّي كنت أَفْهَمُه مِنْ حيّ الفقيهِ الصَّالحِ المُحَدِّث أحمد بنِ سليمان الأوزريّ ﵀ فَهْمَاً لا نصَّاً مِنْهُ، وأن ما يَذْهَبُ إليه هذا المفهومُ حكايةً عنْ مَشَايخِهِ مِنْ مُحَدِّثي الفُقَهاءِ. أقول: كلام السَيِّد جمال الدين في هذه المسألة قد (٢) تقدَّم الجوابُ على أكثَرِهِ، وقد رَأيْتُ أَنْ أذكُرَ مِنْهُ ما تَمَسُّ الحَاجَة إلى ذِكْرِهِ مِنْ دونِ استقصاءٍ، فإنَّ التَّكْرَارَ غَيْرُ مُفيدٍ ولا مَقْصُودٍ، وقد ذَكَرَ السَّيدُ عن المُحَدِّثين ما لم يَذْهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ القوْلِ بِضَعْفِ ما ليس في الصِّحاح، وفي الحقيقَةِ أنَّهُ لا يلزَمُ جوابُ كَلَامِ السَّيِّدِ هذا، لَأنَّهُ اعتراضٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ، واحتجاجٌ على غَيْرِ خَصْمٍ، ولكنْ لا بدَّ مِنْ ذكرِ إشكالاتٍ يَسِيرَةٍ عَلَى ما ذَكَرَهُ. الإِشكال الأول: أنَّ المحدِّثينَ قد نصُّوا على عَكْسِ ما ذَكَرَهُ السيد ، وظَهَر ذلِكَ عَنْهُم ظُهورَاً لا يكادُ يَخْفى على مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِعِلْم الحديثِ، ومِنَ المشهُورِ المستفيضِ عَنِ البُخارِيِّ أنَّه قال: إنَّه اختارَ حدِيثَه مِنْ مِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ صحيحٍ، مَعْ أنَّ صَحيحَه لا يَشْتمِلُ إلاَّ عَلَى قَدْرِ سِتَّة آلافِ حَدِيثٍ (٣)، فَمَنْ نَصَّ على أنَّه أَخْرَجَ سِتَّةَ آلافِ حَدِيثٍ مِنْ مِئَةِ

стр. 933

أَلْفِ حَدِيثٍ صحيحٍ، كيف يذهبُ إلى أنَّ ما ليس في كتابه، فليس بصحيحٍ، أو يقال: إنَّه تعرَّض لِحَصْرِ الصَّحِيحِ (١)؟ وقد روى النَّواوي في " شرح مسلم " (٢) عن الحافظ الكبير أبي زُرْعَةَ الرازي (٣) أنَّه ذكر " صحيح مسلم "، وأنكر عليه، وقال: يُطرِّقُ (٤) لأهْلِ البِدَعِ علينا، فيَجِدُونَ السبيلَ بأنْ يقولُوا إذا احتجَّ عَلَيْهِمْ بحديثٍ: ليس هذا في الصَّحيحِ. قال سعيد بن عمرو (٥): فلمَّا رَجَعْتُ إلى نَيْسابورَ، ذكرتُ لمسلمٍ

стр. 934

إنكارَ أبي زرْعَةَ، فقال: إنَّما قلت: صحيحٌ (١). قال سعيدٌ: وقَدِمَ مُسْلِمٌ بَعْدَ ذلِكَ الرَّيَ، فبلغني أنَّه خَرَجَ إلى الحافِظِ أبي عَبْدِ اللهِ [محمد بن] مُسْلم بنِ وارَة (٢)، فجفاه وعاتَبَهُ على هذا الكتابِ، وقال له نحواً مِمَّا قال لي أبو زُرْعَةَ مِنْ تطريقِهِ للمبتدِعَةِ عَلَيْنَا أن يقولوا ما تقدَّمَ، فأجاب، فقال (٣): إنَّما أخرجتُ هذا الكتابَ، وقلت: هو صحيحٌ، وَلَمْ أَقُلْ إنَّ ما لَمْ أُخَرِّجْهُ في هذا الكتاب فَهو ضَعيفٌ، فَقبِلَ عُذْرَهُ وحدَّثَهُ. انتهى. قلتُ: فانظر إلى هذيْنِ الحَافِظَيْن الكبيرين: أبي زُرْعَةَ، وابنِ وارة كيف اشتدَّ نكيرُهُما على مُسْلمٍ لما توَهَّمَا أنَّه ادَّعى حَصْر الحديث الصَّحِيح حَتَى صرَّح بالبراءَةِ مِنْ ذلِكَ، حَتَّى إنَّ ابنَ وارَة جفاهُ، وامتنَعَ مِنْ تحديثِهِ، حَتَّى بَيَّنَ أَمْرَ ذلِكَ، ثُمَّ حدَّثَهُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ ببراءَتِهِ مِنْ ذلِكَ (٤). فكيفَ يُنْسَبُ إلى هُؤلاءِ القَوْلُ بانحصار الصَّحِيح (٥) في هذِه

стр. 935

الكُتُب، وقد ذكَروا ذلك في عُلُومِ الحَدِيثِ، مِمَّنْ ذَكَرَهُ منهم: ابنُ الصَّلاحِ (١)، و (٢) زين الدِّين العِراقي في كتابه " التَّبْصِرَة " (٣)، والحاكم أبو عبد الله في " علوم الحديث " (٤) له، وفي " المستدرك " قال في خطبة " المستدرك " (٥): ولم يدَّعِ ذلك البخارِيُّ ولا مُسْلِمٌ، ونقل عنه أبو السَّعادات في مقدِّمة " جامِعِه " (٦) أنَّ الصَّحيحَ عَشْرَةُ أقسامٍ، حديثُ البخاري ومسلم قِسْمٌ واحِدٌ منها، ونَصَّ على أنَّهما لم يجمعاه، وعدَّه ابنُ الصلاحِ، وزينُ الدِّين سبعةَ أقسام، حديث البخاري ومسلم منها ثلاثة (٧). وبعدُ، فالتَّطويلُ في هذا لا يليقُ، فأهل الجبْرَةِ يَعْلَمُون (٨) بالضَّرُورَةِ أنَّ هذا ليس مذهباً لأهْلِ الحَدِيثِ، فلَمْ يَزَلْ علماءُ الحديثِ يُصَنِّفُونَ ويصحِّحُونَ ويستدركُونَ عَلَى صاحِبَي الصَّحِيحِ ما تركاهُ، وهُو على شَرْطِهِمَا.

стр. 936

وقد صنَّف في هذا المعنى غير واحدٍ منِ الحُفَّاظ، مِنْهم الحافظ أبو عبد الله الحاكمِ الشِّيعيُّ (١) مَذْهَبَاً، فإنَّه صنَفَ كتابَ " المستدرك على الصَّحِيحَيْنِ "، وَهو كتابٌ كَبِيرٌ، وقد ذكره ابنُ الصَلاح في كتابه " العلوم " (٢)، وذكر أنَّه اشتمل على صحيحٍ كثير. وذكر الذَّهبِيُّ في " النُّبلاء " (٣) أنَّ فيه قدر الثُّلُثِ على شَرْطِ البُخَّارِيِّ ومسلمٍ، وقدر الرُّبعِ صحيحٌ، ولكِنْ على غير شرطهما، والباقي (٤) مما فيه نظر، وفيه قَدْر مئةِ حديثٍ باطلة، أو كما قال. والمصنِّفونَ للصِّحَاحِ مِنَ المحدِّثينَ عَدَدٌ كثير، وليسَ همْ هؤلاء

стр. 937

السِّتَّة (١)، ولا هُؤلاءِ نصفُهم ولا رُبعهم ولا ما يُقارِبُ هذا القَدر، وفيهم مَنْ لم يَسْمَعْ أكثرُ النَّاس باسمِه، وَمَنْ أحبَّ مَعْرِفَةَ ذلِكَ، فلْيُطالِعْ كُتُبَ الرِّجَالَ. وقد استفاضَ بينَ عُلَمَاء الحَدِيثِ قديماً وحديثاًً الاحتجاجُ بمَا صحَّحَهُ غيرُ هؤلاء، كالحافِظِ البرقاني (٢)، وإمامِ الأئِمَّةِ ابنِ خُزيْمَة (٣)، والحافظِ الكبيرِ ابنِ حِبَّان (٤)، ..........................

стр. 938

.......... والحاكِم ابن البَيِّع (١)، والدَّارقُطني (٢)، والبيهقي (٣)،

стр. 939

وعبدِ الحَقِّ (١)، وعبدِ الغَنِيِّ المقْدِسِي (٢)، والشَّيخ تَقِيِّ الدِّين (٣)، وابن سيدِ النَّاس (٤)

стр. 940

والنواوي (١)، ومنْ لا يأتي عليه العَدُّ، ولا أعلمُ عَنْ أحدٍ منهم شيئاً من هذا إلاَّ روايةً شاذّة لَمْ تَصحَّ فيما أعلمُ عَنْ أبي داوود، فقال: في " سننه " شيئاً من هذا، ولو صَحَّ هذا عنه، لاحتمَلَ أن مُرَادَهُ أنَّه حَصَرَ الحديثَ الصَّحيح الذي يعرِفُهُ، ويدُلُّ على ذلك أنَّه قَدِ اشتهر عنه من غير وجه أنَّه قال: إنَّه يذكر في كل باب أصَحَّ ما يعرفه في ذَلكَ البابِ، هكذا رواه الحافظُ الحازميُّ (٢) بهذا اللفْظِ، وهو (٣) واضحٌ في بيانِ مَقْصِدِهِ، فَالمُقَيَّد يُفَسِّرُ

стр. 941

المُطْلق في الحقيقة اللُّغَوِيَّةِ، والحقيقةِ العُرْفِيَّةِ، فوجبَ المصيرُ إلى ذَلِكَ، وارتفع الإِشكالُ. وقال النَّواوي: إنَّ أبا داوود لم يَسْتَوْعِبِ الصَّحيح مِنْ أحاديثِ الأحكامِ ولا مُعْظَمَهُ، وذلك ظاهر، بل معرفتُه ضَرُورِيَّةٌ لِمن لَهُ أدنى اطِّلاعٍ. انتهى. فانظر إلى النَّواوي كيف ادَّعى العلم الضَّرُورِيً لِمنْ لَهُ أدنى اطِّلاعٍ، على أنَّ السُّنَنَ غيرُ جامِعَةٍ لأحاديثِ الأحكام الصَّحيحَةِ ولا لمُعْظَمِها أيضاًً، وقد ذكرَ أهلُ الحديث أنَّهم إذا قالوا: هذا حديثٌ ضعيفٌ، فمرادُهُم: إسنادُه ضعيفٌ، لجوازِ أن يكونَ هذا الحديثُ في نَفْسِهِ صحيحاًً بغيرِ ذلِكَ الإسنادِ، لكِنْ لَمْ يَعْرِفُوا الإسنادَ الصَّحيحَ، وهذا أَوْضَحُ دليل على عَدَمِ دَعْواهُم لحَصْر الصَّحيحِ، ثمَّ إنَّ حديث رسول الله ﷺ أَوْسَعُ مِنْ أنْ يَحْصُرَهُ عالِمٌ بحيث يقطع على أنَّه لم يبْقَ حديثٌ إلاَّ وقد عَلِمَهُ، وقد قدَّمنا عَنْ أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ أنَّه كان يَسْتَحْلِفُ بَعْضَ الرُّواةِ، فإذا حلَفَ لَهُ صدَّقه (١)، فهذا دليلٌ عَلَى أنَّه ﵇ لَمْ يَعْتقِدْ أنَّه قدْ أحاطَ بالحديث، فهذا، وهو عند طوائفِ الشِّيعَةِ وكثيرٍ مِنَ المعتزلَةِ، أوْ أكثرهم أَعْلَمُ الأمَّةِ بدليلِ أنَّه أقضاهم بالنَّصِّ، فكيفَ بغَيْرِه؟!. وقد رُوي عن الشَّافعِي أنَّه قال: عِلْمانِ لا يَجْمَعُهُما أَحَدٌ، ولا يُحِيطُ بِهِما أَحَدٌ (٢): عِلْمُ الحديثِ، وعِلْمُ اللُّغَة. وفي هذا القدرِ كفايَةٌ في التَّعريف ببراءَةِ أهْلِ الحديث مِمَّا رَماهُمْ بهِ

стр. 942

السَّيدُ أيَّدَهُ اللهُ. الإِشكال الثاني: أنَّ السيدَ -أيدَهُ اللهُ- قال: إنَّما حكى هذا القوْلَ، لأنَهُ كان يَفْهَمُهُ مِنَ الأوزري، فنقول: نَقْلُ المَذْهَبِ بِمُجَرَّد الفَهْم والحَدْسِ لا يصِحُّ، وَلنَقْل المَذَاهِبِ شُروط معْتَبَرَةٌ عِنْدَ العُلماءِ، لَمْ يذكُرِ السَّيِّدُ منها شيئاً. الإشكال الثالث: سلَّمنا للسيدِ أنَّ ذلكَ مَذْهَبُ الأوزريِّ ، فمِنْ أين لَهُ أنه (١) مذهبُ مشايِخِهِ، وقد أجمعَ العُلَمَاءُ والعُقَلاءُ على أنَّه لا يُنْسَبُ مذهبُ التِّلميذِ إلى الشَّيخِ، وقد عَدَّ العلماءُ طُرُق نَقْلِ المذاهبِ، فلم يذكروا فيها أن ما ذهبَ إليه التَلميذُ، فَهُوَ مذهبُ شَيْخِهِ، وقد قرأ كثيرٌ مِنْ أَهْلِ العَدْلِ والتَّوحيدِ على المخالِفِينَ في العقائد، ولم يَلْزَم اتّفاقهم فيها، وقد قرأ غيرُ واحدٍ من أَئِمَّة العِتْرَةِ ﵈ على من يُخالِفُهمْ في العقيدة، منْ أعظمهم الإِمام (٢) المنصورُ بالله علمِه السّلامُ، فقد أَخَذَ عَنِ الحافِظِ أبي الحُسينِ يحيى بنِ الحسنِ الأسدِيَ الحَلَبِي (٣)، وقرأ السَّيِّد أبو طالب على الحافِظِ ابنِ عديٍ، وروى عنه " أماليه "، وعامَّةُ أحاديثِ المؤيَّد في " شرح التَّجريد " عن الحافِظ ابن المقرىء (٤). وابنُ عَدِيٍّ مِنْ كبار أَئِمَّةِ الحَدِيثِ حِفْظَاً وَمَذْهَبَاً.

стр. 943

وبعدُ، فالأوزَرِيُّ كان زَيْدِيَّ العَقِيدَةِ، صَحِيحَ المَذْهَبِ، فلو كان بينَ اعتقادِه واعتقادِ مشايخِه مُلازَمَةٌ، لوجَبَ أن نُحْسِنَ الظَّنَّ بهم في العَقِيدَةِ. الإِشكال الرابع: أنَّ هذا المفهومَ مِن الأوْزَري إنْ كان حَسناً، فلا معنى لإبطالِهِ، وإنْ كان قبيحاً، فَنِسْبتُهُ إليه لِمُجَرَّدِ الفَهْمِ والحَدْسِ مِنْ قبِيلِ سوءِ الظَّنِّ المُحَرَّم. الإِشكال الخامسُ: سلمْنَا أنَّ هذا مَذْهَبُ شيخ الأوزريِّ ابنِ مطير، فكيف يَنْسُبه السَّيِّدُ إلى طائِفَةِ المُحَدِّثين؟ وما الرابِطَةُ بين مذهب رَجُلٍ منْ بيت حسين، وبين مَذْهَبِ مَشَايخِ الحديث في جميع أقطارِ الإسلام؟ الإشكال السَّادسُ: سلَّمنا أنه يلزمُهُم ، فَقَد صرَّح السَّيِّدُ في كتابه أنَّه يغْلِبُ على ظَنِّهِ أنَّ مُحمَّدَ بنِ إبراهيم لا يَذْهَبُ إلى ذلك، فما معنى التَرسُّل عليه في مذْهَبٍ لم يَذْهَبْ إليه؟ وهل هذا إلا تَوسيعٌ لدَائِرَةِ الجِدَالِ، وتَمَحُّل في المِرَاء واللَّجَاجِ، وكان اللائِقُ أنَّ السيدَ يترسلُ في هذا على الأوزري الذي فَهِمَهُ مِنْه، فقد عاصَرهُ، وقرأ عليه. لكِنَّه لم تتَوفَّرِ الدَّواعي إلا على مُحمدِ بنِ إبراهيم، وإنْ كان الذَّنْبُ (١) لغيرِه، وما أحسنَ قَوْلَ بعضهم (٢): وحمَّلْتَني ذنبَ (٣) امرىءٍ وتَرَكْتَه ... كَذِي العُرِّ يُكْوَى غَيْرُهُ وهو رَاتِعُ

стр. 944

الإِشكال السابع: قال السيدُ: أمَّا هذا الفَصْلُ، فزعَمَ القائِل بِهِ أنَّ مُؤلِّفَ الصِّحَاحِ أَعْرَفُ النَّاسِ بهِ، وهذا (١) عجيبٌ، فإنَّ السيِّدَ قد أَقَرَّ أنََّهُ لمْ ينقُلْ هذا المذهبَ بالنصِّ، وإنَّما نقله بالفهْمِ والحدْسِ، فكيف نَسَبَ إليهم الاحتجاجَ عَلَى ذلكَ بِهذِهِ الحُجَّةَ الَّتي ذكرها، وزعم أنَّهم زعموها كما ذكر؟ الإشكال الثامن: أنَّ السَّيِّدَ وصف الأوزريَّ، ومدحه بأنَّه المُحَدِّثَ الضابِطَ، فكيف استحقَّ المدحَ على التَّحديِث (٢) بهذِه الكُتُبِ والضبْطِ لَهَا، وهِي عند السيدِ مِنْ رِوايَة الكُفَّارِ والفُسَّاقِ المُصَرِّحِينَ، والمُحَدِّثُ بِهَا عنده رَاكنٌ إلى الظَّالمين، مُتَبعٌ سَبِيلَ المُفْسِدِين؟ ثُم إنَّ السيد قال: لا نُسَلِّم أنَّ أصحابَ الحديثِ أرادوا حَصْرَ الحديثِ الصَّحيحِ، وهذا عجيبٌ، فإنْ كانوا ما أرادوا ذلِكَ وكُنْتَ تَظُنُّ أنِّي لَمْ أَقُلْ بِهِ، فما ذَنبي حَتَّى تَرسَّلَ عليَّ في هذا؟ واللهُ المستعان. قال: وأمَّا الفَصْلُ الأوَّلُ، وهو أن كل ما في هذه الكُتُبِ مِنْ حديث رسول الله ﷺ ، فَهُو صحيح، ففيه مَوْضِعَان. الأوَّل: في حِكَايَةِ المَذْهَبِ. والثاني: في الدَليلَ. أمَا الأوَّلُ، فقد ذَهَبَ قومٌ إلى أنَّ كُلَّ ما في هذه الكتُبِ مِنْ حديثِ رسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهُوَ صَحِيحٌ، وزَعَمُوا أنه إجماعُ، وهذا عِنْدَنا غيرُ

стр. 945

لازِم، ومِمَّن قال به: ابنُ الصَّلاَحِ، وحكى عن إجماع الفُقَهاءِ أنَّهم أفتوا مَنْ حَلَفَ بِطَلاَقِ امْرَأتهِ إنْ لم يَكُنْ ما بَيْن دَفَتَيْ " صحيح البخاري " قاله رسولُ الله ﷺ أنَّ امْرَأتهُ لا تَطْلُق (١). أقول: الجواب عَنِ السيِّدِ في هذا مِنْ وُجُوهٍ . الوجه الأول: أنَّهُ حَكى الخلاَف في هذِهِ المَسْألَةِ عَنِ ابْنِ الصَّلاحِ، وعَنْ بَعْضِ النَاسِ، ولم يحْكِ عَنِّي أنِّي خَالَفْتُ فيها، فما ذَنْبي حَتَّى يَتَرَسَّل عَلَيَّ في هذِهِ المسأَلَةِ؟ وَلَوْ أنَّه سلكَ في رسالته مسالكِ العلَمَاءِ، تصَبَرَ حتَّى يَقِفَ لي على نَصٍّ، فينقلُ نَصِّي في ذلِكَ، ثم يَنقُضُه بَعْدَ معرِفَتهِ. الوجه الثاني: أنَّ السيدَ غَلِطَ على ابنِ الصَّلاحِ، ولم يَنْقُلْ عنه مَذْهَبَه ، ولا قرِيبَاً منهُ، فإنَّ السيِّدَ جَزَم بِكَلامِهِ عَنِ ابنِ الصَّلاح أنَّه يقولُ بِصِحَّةِ ما في هذِهِ الكتُبِ السَتَّةِ، وأنَّه يدَّعي إجماعَ الأمَّة على ذلِك، ولم يَقُلِ الرَّجُلُ بِذلِكَ، وقد نَصَّ في كتابه " علوم الحديث " على عكس ذلِك، فقال في كتابه " علوم الحديث ": إنَّ في " البخاري " ما ليس بصحيحٍ، بل قال: إنَّ كَوْنَ ذلِكَ فيه معلومٌ قطعاً بهذا الَّلفْظِ، وذكر مِن ذلك: حديث " الفَخِذَ عَوْرَةٌ " (٢)، وحديث "الله أَحَقُ أَنْ يُسْتحيى

стр. 946

مِنْه " (١)، فإنَّ هذا قَطْعَاً ليْسَ مِنْ شرْطِهِ، ولهذا لم يُوردْه (٢) الحُمَيْدِيُّ في " جمعه بين الصَّحيحين "، فاعلم ذلكَ، فإنَّهُ مُهِمٌ خافٍ (٣). هذا لَفْظُ ابنِ الصلاحِ، وقد تَأَوَّل ابنُ الصَّلاح كلامَ مَنْ قالَ بصِحَّةِ جَمِيعِ ما في " البخاري " على المُراد بمقاصِدِ الكتَابِ وموضوعِهِ ومُتُونِ الأبواب بهذا اللفْظ. فالسيدُ نَصَّ على رجُلٍ واحدٍ مِنَ المحدِّثين، فانكشَفَ أنَّه يقولُ بعكس ما قالَ السيدُ، فكيف بمَنْ لَمْ يَنُصَّ عليه السيِّدُ؟ قال (٤): وليت شعري، كيف كان هذا الإجماعُ؟ أكان بِأَنْ طافَ

стр. 947

هذا السائِلُ جميع البِقَاعِ، أَمْ بِأَنْ جُمِع لَهُ علماءُ (١) الأمَّةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ وأذَّنَ فيهم بِهذا السُّؤالِ، وأجابُوهُ جميعاًً بأنَّ أمرأَتَهُ له حَلاَلٌ؟ وأيُّ إجماع صحيح بِغَيْرِ عُلماءِ أَهْلِ البَيْتِ الأطهار، وشِيعَتهِم الأخيارِ؟ أقول: في كلامِ السيدِ هذا مباحثُ . البحث الأول: أنَّهُ أثبت في كلامِهِ أنَّ سائِلاً سأَلَ الأمَّة، والرجُلُ لَمْ يقْلْ: إن أَحَدَاً سألَ الأمَةَ، وإنَّما قال: لو أنَّ رَجُلاً سَأَل الفُقهَاءَ، فَلَوْ كان يلزمُهُ ثبوتُ ما بَعْدَ "لو" مِنَ الكَلامِ المُقَيَّدِ، لَلَزِمَ ثُبوتُ الشرَكَاء لله تعالى عنْ ذلِكَ عُلُوَّاً كبيرَاً لِقَوْلهِ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَكما أن مَعْنَى الآية لكنهما (٢) لم يَفْسدا، فلم يَكُنْ مَعَهُ آلهةٌ، فكذا معنى ذاك الكلامِ، لكِنَّه لم يَسْألِ الفُقَهَاءَ، فَلَمْ يُفْتُوهُ. وبعدُ، فغيرُ خافٍ على السيدِ أنَّ "لو" تفيدُ امتناعَ الشيْءِ لامتناع غيرِه، فكيف رَكَّبَ هذا السؤالَ علَى هذا الكلامِ؟ البحث الثاني: أنَّ كلامَ السَّيد هذا يلزمه زيادةَ شروطٍ في روايةِ الإجماع لم نَعْلَمْ أنَّ أحداً اشترطها. أحدها: أنَّه يحبُّ في راوي الإجماعِ أنْ يَطُوفَ جميعُ البِقَاعِ، أو يُجْمَعَ لَهُ علماءُ الأمَّةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ. الثَّاني: أن يُؤذِّن فيهم بالحادثَةِ. الثالثُ: أن يُجِيبُونَ جَميعَاً، ولا يكونُ فيهمْ مَنْ سَكَتَ في تِلْك الحَالِ، وأجاب فيما بعد، أو روى مَذْهبَه بواسطة، وهذا كُلُّهُ مُجَرَّدُ

стр. 948

تَشْنِيعٍ مِن السيدِ وتهويلٌ في العبَارَهَ لا (١) طائِلَ تحْتَهُ. البحثُ الثَّالِثُ: أن السَّيِّدَ قدِ ادَّعَى في كتابه إجماعاتٍ كثيرةً، ولم يحْصُلْ فيها شيْءٌ مِنْ هذِهِ الشَّرائِطِ (٢). البحثُ الرَّابعُ: أنَّ السيد ادَّعى على الرجُلِ في أَوَّلِ كلامِهِ أنَّه ادَّعى إجماعَ الفقهاءِ، ثُم ألزَمَهُ هُنا أنْ يَجْمَع لَهُ الأمَّةَ في صَعِيدٍ واحِدٍ ، وكم بَيْنَ الفُقَهَاء والأمَّةِ، فلَعلَّ الفقهاءَ لا يكونون جزءاً مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِن الأمَّةِ، ولا ما يُقارِبُ ذلِكَ، فَلو اسْتَمَرَّ السيِّدُ في التَّشنيعِ عَلى حالٍ واحِدَةٍ، لألْزَمَ الرَّجُلَ أنْ يَجْمَعَ لُهُ الفُقَهَاءَ في صعيدٍ واحدٍ. البحث الخامس: وأيُّ إجماعٍ صحيحٍ بغير علماء (٣) أهلِ البيتِ وشِيعتهِم؟ ومِنْ أينَ يلزَمُه (٤) هذا، وأَنْتَ إنَّما رَويتَ عَنْهُ أنَّه إنَّما ادَّعى إجماعَ الفقَهاءِ؟ البحثُ السَّادِسُ: أنَّه ادَّعى إجماع العُلمَاءِ ، فقال ما لفظه: أجمعَ أَهْلُ العِلْمِ الفقهاءُ وغيرُهُم أنَّ رَجُلاً لو حَلف بالطَّلاقِ أنَّ جميعَ ما في " البخاري " مِمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ صح عنه: أنَّه لا يحنَثُ، والمرأةُ بِحَالهَا في حِبَالَتِهِ، وهذا خِلَاف ما نَقَلَهُ السيدُ عنه، فإنهُ إنَّما نقَلَ عنه إجماعَ الفقهَاءِ فقط، ولا شَك أنَّ كلامَ أبي نَصْرٍ هذا يقتضي أنَّه ادعى إجماعَ أَهْلِ البَيْتِ ﵈ على ذلِك، ولكنه لا يستَحِقُّ الإنكارَ والتَّكْذِيبَ، لَأنَّهُ يجوزُ عَليْكَ أَنْ لا تعْرِفَ بَعْضَ إجماعَاتِهِمْ ﵈،

стр. 949

وَيعْرِفُهَا غَيْرُك (١)، ألَا تَرى أنَّ المنصورَ بالله، والإمامَ يحيى بن حَمْزةَ، والقاضي زيداً (٢)، وعبدَ اللهِ بن زيدٍ وغيرهم مِمَّنْ قَدَّمنا قَدِ ادَّعَوُا الإجْمَاع على قَبُول (٣) المُتَأَوِّلين، ولم تَعْلَمْهُ أنت، ولم يلزم تكذيبُهم في دعواهم لعدَمِ عِلْمِك بِصِحَّة ما ادَّعَوا، وكذلِك هذا. البحث السابع: أنَّك إمَّا أنْ تُنْكِر الإجماعَ السُّكُوتيَّ أم لا ، إنْ أنكرْتَهُ، لَزِمَكَ تأثيمُ أكثَرِ الأمَّة والأئِمَّةِ، فإنَّهم يقولون بصِحَّةِ الاحتجاج بِهِ (٤)، وقد ذكره المنصورُ بالله ﵇ في " الصَّفوة " وغيرُه من العلماء، وأَكثرُ الإجماعات المروِيةِ، أو كُلُّها لا تكون إلاَّ بِهِ، وإنْ لم تُنْكِرِ الإجماعَ السُّكُوتيَّ، فالظَّاهرُ مِنْ إجماعِ أَهْلِ البَيْتِ وشيعَتِهِمُ القَوْلُ بمَا قالَهُ الفُقَهاءْ مِنْ صِحَّةِ هذِهِ الكُتُب إلاَّ ما ظهرَ القدْحُ فيه، ولا بُدَّ مِنْ هذا الاستثناء عندهم (٥) كما سوف نُبَيِّنُ ذلِك، وإنَّما قال: إنَّ الظَاهِرَ إجماعُهم عَلَى ذلِكَ، لَأنَّ الاحتجاج بصحيحِ هذِهِ الكُتُبِ ظاهِر في مُصَنَّفاتِهِم، شائعٌ في بِلَادِهِم.

стр. 950

وقد رَوَى عنهمُ الإِمامُ أحمد بن سُليمانَ في " أصول الأحكام "، والمنصورُ بالله في كثيرٍ مِنْ مُصَنَّفَاتهِ، والأمير الحسين، وصاحِبُ " الكشَّافِ " وغيرُهم (١)، وشاع ذلِكَ وتكرَّرَ، فلم يُنْكَرْ على طول المُدَّةِ، فلا نعلمُ كَذِبَ منِ ادَّعى الإجماعَ السُّكُوتيَّ على ذلِكَ. وأقصى ما في الباب أَنْ يُنْقَلَ إنكارٌ لِذلِك مِنْ بعضِ العُلماءِ في بَعْض الأعصارِ، فذلِكَ النَّقْلُ في نَفْسِهِ ظَنِّيٌّ نادِرٌ، واعتبارُ القدحِ بالنَّادِرِ الظَّنيِّ في عصرٍ مخصوصٍ لا يقدَحُ في إجماعِ أَهْل عصرٍ آخر، فلا يُؤمنُ صِدْقُ مُدَّعي هذا الإجماعَ على اعتبارِ كثيرٍ مِنْ أهلِ العلم في الطَّريق إلى مَعْرِفَةِ الإجماعِ، وقد رأينا العُلمَاءَ والأئِمَّة يثْبِتونَ الإجماعَ السُّكُوتيَّ بِمِثْلِ هذا، وبِأَقَلَّ منْ هذا. البحث الثامن: أقصى ما في الباب أنَّه ظهر للسَّيِّد غَلَطُ هذا (٢) الرَّجُلِ الَّذي ادَّعى الإجماعَ، فقد يغلَطُ كثيرٌ مِنَ العْلماءِ في مِثْل ذلِكَ، ولا يكادُ يسْلمُ أحمدٌ مِمَّنْ يتعرَّضُ لدعوى الإجماعِ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ غالباً إلاَّ في الأمورِ المعلومَةِ المتواترَةِ، وقد تطابق علماءُ الاعتزالِ وكثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ على دعوى القطع بأنَّ الصَّحابَةَ أجمعت على تقديم أبي بكرٍ في الخِلَافَةِ، وادَّعوُا القَطْعَ بأنَّ عليَّاً ﵇ قال بذلك، فردَّ عليهمُ العُلماءُ ذلِكَ بالعبارات الحَسنةِ، ولم يُلْزِمُوهُم أنْ يكونوا (٣) الصَّحابَةُ قد جُمِعُوا لهم في صعيد واحدٍ ونحو ذلك.
следующие страницы →