← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

مِنْه " (١)، فإنَّ هذا قَطْعَاً ليْسَ مِنْ شرْطِهِ، ولهذا لم يُوردْه (٢) الحُمَيْدِيُّ في " جمعه بين الصَّحيحين "، فاعلم ذلكَ، فإنَّهُ مُهِمٌ خافٍ (٣). هذا لَفْظُ ابنِ الصلاحِ، وقد تَأَوَّل ابنُ الصَّلاح كلامَ مَنْ قالَ بصِحَّةِ جَمِيعِ ما في " البخاري " على المُراد بمقاصِدِ الكتَابِ وموضوعِهِ ومُتُونِ الأبواب بهذا اللفْظ. فالسيدُ نَصَّ على رجُلٍ واحدٍ مِنَ المحدِّثين، فانكشَفَ أنَّه يقولُ بعكس ما قالَ السيدُ، فكيف بمَنْ لَمْ يَنُصَّ عليه السيِّدُ؟ قال (٤): وليت شعري، كيف كان هذا الإجماعُ؟ أكان بِأَنْ طافَ

стр. 947

هذا السائِلُ جميع البِقَاعِ، أَمْ بِأَنْ جُمِع لَهُ علماءُ (١) الأمَّةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ وأذَّنَ فيهم بِهذا السُّؤالِ، وأجابُوهُ جميعاًً بأنَّ أمرأَتَهُ له حَلاَلٌ؟ وأيُّ إجماع صحيح بِغَيْرِ عُلماءِ أَهْلِ البَيْتِ الأطهار، وشِيعَتهِم الأخيارِ؟ أقول: في كلامِ السيدِ هذا مباحثُ . البحث الأول: أنَّهُ أثبت في كلامِهِ أنَّ سائِلاً سأَلَ الأمَّة، والرجُلُ لَمْ يقْلْ: إن أَحَدَاً سألَ الأمَةَ، وإنَّما قال: لو أنَّ رَجُلاً سَأَل الفُقهَاءَ، فَلَوْ كان يلزمُهُ ثبوتُ ما بَعْدَ "لو" مِنَ الكَلامِ المُقَيَّدِ، لَلَزِمَ ثُبوتُ الشرَكَاء لله تعالى عنْ ذلِكَ عُلُوَّاً كبيرَاً لِقَوْلهِ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَكما أن مَعْنَى الآية لكنهما (٢) لم يَفْسدا، فلم يَكُنْ مَعَهُ آلهةٌ، فكذا معنى ذاك الكلامِ، لكِنَّه لم يَسْألِ الفُقَهَاءَ، فَلَمْ يُفْتُوهُ. وبعدُ، فغيرُ خافٍ على السيدِ أنَّ "لو" تفيدُ امتناعَ الشيْءِ لامتناع غيرِه، فكيف رَكَّبَ هذا السؤالَ علَى هذا الكلامِ؟ البحث الثاني: أنَّ كلامَ السَّيد هذا يلزمه زيادةَ شروطٍ في روايةِ الإجماع لم نَعْلَمْ أنَّ أحداً اشترطها. أحدها: أنَّه يحبُّ في راوي الإجماعِ أنْ يَطُوفَ جميعُ البِقَاعِ، أو يُجْمَعَ لَهُ علماءُ الأمَّةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ. الثَّاني: أن يُؤذِّن فيهم بالحادثَةِ. الثالثُ: أن يُجِيبُونَ جَميعَاً، ولا يكونُ فيهمْ مَنْ سَكَتَ في تِلْك الحَالِ، وأجاب فيما بعد، أو روى مَذْهبَه بواسطة، وهذا كُلُّهُ مُجَرَّدُ

стр. 948

تَشْنِيعٍ مِن السيدِ وتهويلٌ في العبَارَهَ لا (١) طائِلَ تحْتَهُ. البحثُ الثَّالِثُ: أن السَّيِّدَ قدِ ادَّعَى في كتابه إجماعاتٍ كثيرةً، ولم يحْصُلْ فيها شيْءٌ مِنْ هذِهِ الشَّرائِطِ (٢). البحثُ الرَّابعُ: أنَّ السيد ادَّعى على الرجُلِ في أَوَّلِ كلامِهِ أنَّه ادَّعى إجماعَ الفقهاءِ، ثُم ألزَمَهُ هُنا أنْ يَجْمَع لَهُ الأمَّةَ في صَعِيدٍ واحِدٍ ، وكم بَيْنَ الفُقَهَاء والأمَّةِ، فلَعلَّ الفقهاءَ لا يكونون جزءاً مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِن الأمَّةِ، ولا ما يُقارِبُ ذلِكَ، فَلو اسْتَمَرَّ السيِّدُ في التَّشنيعِ عَلى حالٍ واحِدَةٍ، لألْزَمَ الرَّجُلَ أنْ يَجْمَعَ لُهُ الفُقَهَاءَ في صعيدٍ واحدٍ. البحث الخامس: وأيُّ إجماعٍ صحيحٍ بغير علماء (٣) أهلِ البيتِ وشِيعتهِم؟ ومِنْ أينَ يلزَمُه (٤) هذا، وأَنْتَ إنَّما رَويتَ عَنْهُ أنَّه إنَّما ادَّعى إجماعَ الفقَهاءِ؟ البحثُ السَّادِسُ: أنَّه ادَّعى إجماع العُلمَاءِ ، فقال ما لفظه: أجمعَ أَهْلُ العِلْمِ الفقهاءُ وغيرُهُم أنَّ رَجُلاً لو حَلف بالطَّلاقِ أنَّ جميعَ ما في " البخاري " مِمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ صح عنه: أنَّه لا يحنَثُ، والمرأةُ بِحَالهَا في حِبَالَتِهِ، وهذا خِلَاف ما نَقَلَهُ السيدُ عنه، فإنهُ إنَّما نقَلَ عنه إجماعَ الفقهَاءِ فقط، ولا شَك أنَّ كلامَ أبي نَصْرٍ هذا يقتضي أنَّه ادعى إجماعَ أَهْلِ البَيْتِ ﵈ على ذلِك، ولكنه لا يستَحِقُّ الإنكارَ والتَّكْذِيبَ، لَأنَّهُ يجوزُ عَليْكَ أَنْ لا تعْرِفَ بَعْضَ إجماعَاتِهِمْ ﵈،

стр. 949

وَيعْرِفُهَا غَيْرُك (١)، ألَا تَرى أنَّ المنصورَ بالله، والإمامَ يحيى بن حَمْزةَ، والقاضي زيداً (٢)، وعبدَ اللهِ بن زيدٍ وغيرهم مِمَّنْ قَدَّمنا قَدِ ادَّعَوُا الإجْمَاع على قَبُول (٣) المُتَأَوِّلين، ولم تَعْلَمْهُ أنت، ولم يلزم تكذيبُهم في دعواهم لعدَمِ عِلْمِك بِصِحَّة ما ادَّعَوا، وكذلِك هذا. البحث السابع: أنَّك إمَّا أنْ تُنْكِر الإجماعَ السُّكُوتيَّ أم لا ، إنْ أنكرْتَهُ، لَزِمَكَ تأثيمُ أكثَرِ الأمَّة والأئِمَّةِ، فإنَّهم يقولون بصِحَّةِ الاحتجاج بِهِ (٤)، وقد ذكره المنصورُ بالله ﵇ في " الصَّفوة " وغيرُه من العلماء، وأَكثرُ الإجماعات المروِيةِ، أو كُلُّها لا تكون إلاَّ بِهِ، وإنْ لم تُنْكِرِ الإجماعَ السُّكُوتيَّ، فالظَّاهرُ مِنْ إجماعِ أَهْلِ البَيْتِ وشيعَتِهِمُ القَوْلُ بمَا قالَهُ الفُقَهاءْ مِنْ صِحَّةِ هذِهِ الكُتُب إلاَّ ما ظهرَ القدْحُ فيه، ولا بُدَّ مِنْ هذا الاستثناء عندهم (٥) كما سوف نُبَيِّنُ ذلِك، وإنَّما قال: إنَّ الظَاهِرَ إجماعُهم عَلَى ذلِكَ، لَأنَّ الاحتجاج بصحيحِ هذِهِ الكُتُبِ ظاهِر في مُصَنَّفاتِهِم، شائعٌ في بِلَادِهِم.

стр. 950

وقد رَوَى عنهمُ الإِمامُ أحمد بن سُليمانَ في " أصول الأحكام "، والمنصورُ بالله في كثيرٍ مِنْ مُصَنَّفَاتهِ، والأمير الحسين، وصاحِبُ " الكشَّافِ " وغيرُهم (١)، وشاع ذلِكَ وتكرَّرَ، فلم يُنْكَرْ على طول المُدَّةِ، فلا نعلمُ كَذِبَ منِ ادَّعى الإجماعَ السُّكُوتيَّ على ذلِكَ. وأقصى ما في الباب أَنْ يُنْقَلَ إنكارٌ لِذلِك مِنْ بعضِ العُلماءِ في بَعْض الأعصارِ، فذلِكَ النَّقْلُ في نَفْسِهِ ظَنِّيٌّ نادِرٌ، واعتبارُ القدحِ بالنَّادِرِ الظَّنيِّ في عصرٍ مخصوصٍ لا يقدَحُ في إجماعِ أَهْل عصرٍ آخر، فلا يُؤمنُ صِدْقُ مُدَّعي هذا الإجماعَ على اعتبارِ كثيرٍ مِنْ أهلِ العلم في الطَّريق إلى مَعْرِفَةِ الإجماعِ، وقد رأينا العُلمَاءَ والأئِمَّة يثْبِتونَ الإجماعَ السُّكُوتيَّ بِمِثْلِ هذا، وبِأَقَلَّ منْ هذا. البحث الثامن: أقصى ما في الباب أنَّه ظهر للسَّيِّد غَلَطُ هذا (٢) الرَّجُلِ الَّذي ادَّعى الإجماعَ، فقد يغلَطُ كثيرٌ مِنَ العْلماءِ في مِثْل ذلِكَ، ولا يكادُ يسْلمُ أحمدٌ مِمَّنْ يتعرَّضُ لدعوى الإجماعِ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ غالباً إلاَّ في الأمورِ المعلومَةِ المتواترَةِ، وقد تطابق علماءُ الاعتزالِ وكثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ على دعوى القطع بأنَّ الصَّحابَةَ أجمعت على تقديم أبي بكرٍ في الخِلَافَةِ، وادَّعوُا القَطْعَ بأنَّ عليَّاً ﵇ قال بذلك، فردَّ عليهمُ العُلماءُ ذلِكَ بالعبارات الحَسنةِ، ولم يُلْزِمُوهُم أنْ يكونوا (٣) الصَّحابَةُ قد جُمِعُوا لهم في صعيد واحدٍ ونحو ذلك.

стр. 951

البحث التاسع: يتفضَّلُ السَّيِّدُ ويخبرُنا مَنِ الذي يقولُ مِنْ أهلِ البَيْتِ بطلاقِ زوجة هذا الحَالفِ بصحَّةِ حدِيثِ البُخَارِيِّ، وينقلُ ألفاظَ أَهْلِ البيتِ ونصوصَهُمْ في ذلِكَ، فإنْ لَمْ يجِدْ نصَّاً، ولكِنِ ادَّعى عليهم أن زوجة هذا الحالف تَطْلُق، فليس تصديقُه مِنْ غيرِ دليلٍ أولى منْ تصديق هذا الَّذي ادَّعى الإجماعَ. البحث العاشر: أنَّ الظَّاهِرَ إجماعُهم ﵈ على ذلِكَ ، وإجماعُ غيرهم، لأنَّ المعروفَ في كتب الفِقْهِ أنَّ مَنْ حلف بالطَّلاقِ على صِحَّة أَمْرٍ، وهو يظُنَّ صِحَّتهُ، ولم يَنْكشِفْ بُطلانُهْ، لم يَحْنثْ، لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الزَّوجيَّة، ولا تَطْلُق الزَّوجَةُ بِمُجَرَّدِ الاحتمال المرجُوحِ، كما لو ظَنَّ في طائِرٍ أنَّه غُرابٌ، فحلف بالطَّلاق أنَّه غرابٌ، ثمَّ غابَ عَنْ بصرِهِ، ولم يتَمَكَّنْ مِنْ أخذِ اليقين في ذلِكَ، فإنَّ زوجته لا تَطْلُق، وكذا لو علَّق الطَّلاق بدُخول امرأتِهِ الدَّارَ، وجُوِّز أنَّها قد دخلت، وهُوَ يَظنُّ أنها لم تدخلْ، فإن زوجته لا تطلُق، بل لا يَبْعُدُ أن هذا إجماعُ في مَنْ حَلَف على ما لا يَظُنُّ صِحَّتَهُ، ولهذا تأوَّلَ النَّواوي (١) هذا الكلام بأنَّه لا يُستَحَبُّ الاحتياطُ لِمَنْ حَلَفَ بِطَلاقِ زوجَتِهِ أنَّ حديثَ كتابِ البخاريِّ صحيحٌ، ولا يحنَثُ ظاهراً ولا باطناً، لأن الأمَّةَ تَلَقتْهُ بالقبول، فَهُوَ معلومُ الصِّحَّة بطريقٍ نَظَرِيٍّ. انتهى كلام النواوي. قلتُ: وكذلِكَ حديثُ غَيْرِ البخَارِيِّ، وغير هذِهِ الصِّحاحِ مِنْ أحاديثِ الثِّقات، فإنَّ الحالفَ عَلَى صِحَّتِه لا يحنَثُ، ولا يستَحبُّ أن يحتاطَ، لَأنَّ ظاهِرَهُ الصِّحَّةُ، وإنَّما يُسْتَحبُّ الاحتياطُ مَعَ الشَّكِّ المتساوي الطَّرَفَيْنِ أوِ الرُّجحانِ الضَّعيفِ الذي يَمْرَضُ مَعَهُ القلبُ، ألا تَرَى أنَّ

стр. 952

الإِنسانَ لا يحتاط في غسْلِ ثَوْبِهِ إلاَّ مَعَ ذلِكَ؟ وكذلِكَ في إسلام زوجَتِهِ، وحِلِّ طَعَامِهِ، وما لا يأتي عَلَيْهِ العَدُّ. البحث الحادي عشر: أنَّ بين دَفَّتي " البُخَارِيِّ " ما ليس مِنْ كَلَامِ رَسُولِ الله ﷺ قطْعَاً، وذلِكَ مثل (١) كلامِ العُلماءَ والأبوابِ والأسَانِيدِ، وحكايةِ أفعالِهِ ﵇ بلفظِ الصَّحابِيِّ أو غيرهِ، فإنْ كانَ الحَالِفُ مُمَيِّزَاً، حُمِلَتْ يمينُه على العُرْفِ في ذلك، ولم تَطْلُقْ زوجته، وإنْ كان الحالف يُمَيِّزُ (٢) وأراد ظاهِرَ كلامِه، ولم يُرِدْ ما فِيهِ الحديث، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، والله أَعْلَمُ. البحث الثاني عشر: ما (٣) ذكره النَّواوي في " شرح مسلم " (٤)، فإنَّه قال: إنَّ بعضَ الحُفَّاظِ قَدِ استدركوا علَى البُخَارِيِّ ومسلمٍ في مواضِعَ أخَلاَّ بشرطِهِمَا (٥) فيها، ونزلَتْ عَنْ دَرَجَةِ ما الْتَزَمَاهُ. وقد ألَّفَ الإِمامُ الحافِظُ أبو الحسن عليُّ بن عمر الدَّارقطني في بيان ذلِكَ كتابَهُ المسمَّى " بالاستدراكات والتَّتُّبع " (٦)، وذلك في مائتي حديثٍ

стр. 953

مِمَّا في الكتابين، ولأبي مسعود الدِّمشقيِّ (١) أيضاًً عليهما استدراك، ولأبي علي الغسَّاني الجَيَّاني (٢) في ذلِكَ كتابُه " تقييد المُهْمَلِ " في جُزْءِ العِلَلِ مِنْهُ استدراكٌ أكثَرُهُ على الرُّواة عَنْهُما، وفيه ما يلزَمُهُمَا. قال النواوي: وقد أُجيبَ (٣) عَنْ كل ذلكَ أو أكثَرِهِ، وستراهُ في موضعه إنْ شاء الله إلى قوله وما قدح فيه بعضُ الحُفَّاظِ، فَهُوَ مستثْنَى مِمَّا ذكرناه لِعَدَم الإجماعِ على تلَقِّيهِ بالقَبُولِ، وما ذلِك إلاَّ في مواضِعَ قليلةٍ سَنُنَبِّهُ (٤) على ما وقع منها في هذا الكتابِ إن شاء الله تعالى (٥). وكلام النَّواوي هذا لازمٌ فيما في " الصَّحيحين " مِنَ الأحاديث التي لا يَقْبَلُ أهلُ البيتِ ﵈ رُوَاتِها متى تَبيَّنَ وتحقَّقَ ذلكَ، مَعْ أنَّا لا نُنْكِرُ بعضَ ذلِكَ، وكذلِكَ ما تعارض معارضَةً مَحْضَةً، ولم يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ، وكذلِكَ ما أخرجه البُخاريُّ تعليقاً بصيغَةِ التَّمريضِ، أو بصيغَةِ الجَزْمِ،

стр. 954

وإنْ كانَ الصَّحيحُ أنَّ المجزومَ بِهِ مِنْ ذلِكَ (١) مقبول، لكِنْ لا يرتقي بِهِ إلى مَرْتبة الصَحيح مِنَ المُسْنَدِ المُجْمعِ على تَلَقَيه بالقَبُول. وقد ذكر هذا الاستثناءَ لِهذهِ الأشياء الحافظ ابن حجر في شرح كتابه " المختصر " (٢) في عُلومِ الحَديثِ، وفي مُقَدِّمَةِ شَرح " صحيح البُخَارِيِّ " (٣)، وأوضحَ ذلِكَ غايَةَ الإِيضاحِ، وكل هذا يجوز فيهِ أَنْ يحنَثَ باطِنَاً لا ظاهِرَاً، وَيُسْتَحَبُّ فيه الاحتياط لِمَنْ شَكَّ أو ضَعُفَ ظَنُّ الصحة عنده، وليس في هذا قَدْحٌ على راوي الإجماعِ كما زَعَمَ السَّيِّدُ، لَأنَّ ذلِكَ لم يَدَّعِ أنَّ الحالِفَ لا يحنَثُ باطِنَاً ولا يحتاطُ، وإنَّما ادَّعَى أنَّ زوجتَهُ لا تطْلُقُ، وهذا صحيحٌ لم يعْتَرَضْ. البحث الثالث عشر: أنَّه لا طريقَ إلى العِلْمِ بِأنَّ الحديثَ المُتَلَقَّى بالقَبُول هوَ بِنَفْسِهِ لفظُ رسولِ الله ﷺ -، وإنَّما يقْطَعُ على أنَّه (٤) مَعْنَىً لفظه عِنْدَ مَنْ يقولُ: إنَّ التَلقّي بالقَبُولِ يوجِبُ القَطْعَ بالصِّحَّةِ، وإنَّما قلت بذلِك، لَأنَّه يجوزُ أن يكون الصَّحابِيُّ أو غيرُه قد روى الحديث بالمعنى، ولا وَجْهَ للقطعِ بارتفاعِ هذا الاحتمالِ، فإنْ كان الحالِفُ قَصَدَ أنَّ الحديثَ لفظُ رسولِ الله ﷺ استُحِبَّ لَهُ الاحتياطُ، ولم يَرْتَقِ إلى تلك المَرْتَبَةِ، وإنْ (٥) قصدَ أنه حديثُه، أو معنى حَدِيثِه (٦)، كان كما ذكره العلماءُ.

стр. 955

البحث الرابع عشر: أنَّ السيدَ أَنْكرَ طَرِيقَ (١)، مَعْرِفَة إجماع الفقَهاءِ على ذلِكَ، وقسمها قسميْنِ، لم يَجْعَلْ لهُمَا ثالِثاً. أحدهما: أنْ يَطُوفَ المُدَّعي لَهُما جميعَ البقَاع. وثانيهما: أنْ تُجْمَعَ لَهُ الأمَّةُ في صعيدٍ واحدٍٍ. فأحببتُ أن أُرِيَ السيد طريقاً ثالِثَةً، وهي أنَّه قد ثبت عَنْ كثير مِنْ أَهْلِ البيتِ وغيرهم جوازُ نِسْبَةِ المذْهبِ إلى العُلماء بالتَخريج، فما المانعُ مِنْ أنَّ الرجُل يعرف مِنْ قواعدِ الفُقهاء ما يقتضي ذلك؟ قال: والذي يذهبُ إليه عُلماؤنا، ونجري على أُصولهِمْ أن في أخبار هذِهِ الكُتُبِ الصحيحَ والمعلولَ والمردود والمقبولَ. أقول: الجوابُ على ما ذَكَرَهُ في هذا أنْ نقولَ: ما مُرادُك بأنَّ ذلِكَ فيها؟ هل (٢) كثيرٌ مساوٍ للصحيح، أو أكثرُ منه، أو قريبٌ منه، أو مرادُك أنه نادر؟. فإنْ أردتَ أنُّه كثيرٌ، فأرِنَا الدَّليلَ على دعواك حتى نُرِيَكَ الجوابَ عليها، فإنَّ الجوابَ لا يَصْلُحُ إلَّا بعدَ الابتداءِ، والانتصافُ لا يليقُ إلا بَعْدَ الاعتداء، ومُجَرَّدُ الدَّعوى مقدورٌ لِكُلِّ مُحقٍّ ومُبْطلٍ. وإِنْ أردت أنَّ ذلِكَ فيها نادرٌ قليلٌ بالنَّظَرِ إلى ما فيها مِن الصَّحيحِ، فذلِكَ صحيحٌ عِنْدَ أهْلِ البَيْتِ ﵈، وعِنْدَ المُحَقِّقِين منْ أهلِ الحديث أيضاًً، وقد تقدَّم كلامُ النَّواوي في " شرح مسلم " وفيه النَّصُّ على

стр. 956

ذلِكَ، فإنَّه ذَكَرَ أنَّهَا قد صُنِّفَتْ (١) في الاعتراضِ على الصَّحيحينِ مصنَّفات، منها كتابُ " الاستدراكات والتَّتَبُّع " للدَّارقطني، وكتابُ أبي مسعودٍ الدِّمشقِى، وكتابُ أبي علي (٢) الغسانِيِّ الجَيَّاني. وقد رَوى البخاريُّ حديث الأسود عن عائِشَةَ أنَّ بَرِيرة عَتَقَتْ، وكان زوجُها حُرَّاً، فخيَّرها رَسُولُ اللهِ ﷺ (٣). قال البخاري: وقولُ ابنِ عباس: " رأيتُه عبداً " أصحُّ، فبيَّن بهذا ضعفَ الحديث الذي روي في الصحيح. وكذا قد ضعَّفَ هذا البيهَقِيُّ، فقال: إِنَّ قَوْلَهُ: " وكان حُرَّاً " مدرجٌ،

стр. 957

أدرجه سفيان في الحديثِ، فأوهم أنه عنْ عائِشَةَ، وإنَّما هُو مِنْ قولِ الأسودِ نفسه، كما فصَّلَهُ أبو عَوَانة، وقد روى القاسمُ، وعُرْوةُ، ومجاهدُ، وعمرةُ (١) عَنْهَا أنَّه كانَ عبداً (٢). وكذلِكَ أبو البركات ابنُ تيمية ضعَّف ما رواهُ البخاريُّ، وكذلِكَ ابنُ الجوزي. ذكره ابن تيمية في " المنتقى " (٣)، وابن الجوزي في " التحقيق " (٤). وكذلِكَ ضَعَّفوا ما رَوَاهُ البُخاريُّ ومسلم عَنِ ابنِ عبَاس أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تزوَّجَ ميمُونَة وهو مُحْرِم (٥)، ورجَّحوا ما رواه التّرمذِيُّ عن أبي رافعٍ، وأبو داوود، ومسلم عن ميمونةَ أنَّه كان حَلالاً (٦).

стр. 958

وكذلك ضعَّفوا ما رواهُ مسلمٌ عن أسامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه دخل البيتَ، ولَمْ يُصَلِّ فيه (١)، ورجَّحُوا عليه ما رواه البخاريُّ، ومسلمٌ عن بلال أنَّه صلَّى فيه (٢).

стр. 959

وكذلك ضعَّفُوا ما روى مسلمٌ (١) منْ طريقِ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّار أنَّ أبا سفيان طلب مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بعد إسلامه أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّ حبيبةَ، حَتَّى قال ابنُ

стр. 960

حزم: إنَّه حديث موضوعٌ، وضعه عكرمة، لأنَّ المعلومَ أنَّه ﷺ تزَوَّجَها قبل إسلامِ أبي سفيان. وردَّ عليه ابنُ كثير بأشياءَ جَمَعَها في جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وصَحَّح أنَّ أبا سفيان سأل النَّبِيَّ ﷺ أنْ يزَوِّجَه عَزَّةَ أُخت أمِّ حبيبة، واستعان بأُم (١) حبيبة، فقد ثبَتَ (٢) في " صحيح البُخاري " و" مسلم " (٣) أنها عرضت أختها على النَّبيِّ ﷺ ، فقال: " إنَّهَا لا تَحِلُّ لِي "، ولكِنْ غَلِطَ الرَّاوي في اسمَ عَزَّةَ (٤). وأمثالُ هذا كثيرَةٌ ظاهِرَةٌ عنهم، ولكِنْ لا بُدَّ مِنْ ذكر فائِدَة تشتمل على التَّعريف بِمَا قُدِحَ بهِ على البخاريِّ ومسلمٍ على سبيلِ الجُمْلَةِ، لئَلاَّ يتوهَّمَ مَنْ لا خِبْرَةَ لَهُ أنَّ في رُواةِ كتابَيْهِما المعتَمدَيْنِ مَنْ هُوَ مَجروحٌ يتعمَّدُ المعاصي، أو ضعيفٌ بمَرَّة لا يَحِلُّ الاعتماد عليه في التَّحليل والتَّحريم. فأقول: المضعَّف عليهما نوعان .

стр. 961

النوع الأول: المعلولُ ، ومثالُه: أن يرفَعَ الحديثَ بعضُ الثِّقات، ويقفَهُ الباقون، أو يُسْنِدَه ويُرْسِلُوه، أو نحو ذلك مِن العِلَل، وهذا النَّوع ممَّا يقدَحُ في الصحةِ عند المحدِّثين، ولا يقدَحُ في الرَّاوي، ولا يقدَحُ عند الأصوليّين في الصحة ولا في الرَّاوي، والذي في كُتُبِ أهل البيتِ ﵈ أنَّه لا يقدح بهذا النَّوعِ. مثالُ ذلك، حديثُ البخاريِّ عَنِ الشِّعبي، عن جابرٍ أنَّ النبي ﷺ قال: " لا تُنْكحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتهَا " (١). هذا الحديث رواه ثِقَات، لكِنِ المشهورُ أنَّ الشِّعْبِيَّ رواهُ عَنْ أبي هُريرة، لا عن جابرٍ، فرِوَايَةُ البُخاري له مِنْ طريقِ جابرٍ غيرُ صحِيحَةٍ عندهم لهذِهِ العلَّةِ، لأنَّ الذي يَغْلِبُ عَلَى الظن أن الشِّعبيّ لو كان يحفَظُه عن أبي هريرةَ وجابرٍ معاً، ما رواه الحُفَّاظُ الثِّقَاتُ عن أبي هريرة وَحْدَهُ. فهذا وأمثالُه مِمَّا يقدحون بِهِ أَمْرُهُ قريب (٢) عندنا، لأنَّه إنَّما يدُلُّ علَى أنَّ الثِّقَةَ وَهم في رِوَايَته، والوَهْمُ جائِزٌ على الثِّقات، ولا يقدح بِمُطْلَقِهِ إجماعاً، بل إذا كان حِفْظُه أكثرَ قُبِلَ إجماعاً، ذكره عبد الله بن زيد في " الدُّرر "، لأن ارتفاعَهُ عَنِ البَشَير غَيْرُ مقدورٍ لهم، وإنَّما اختلف العُلماء فيما يقدَحُ به منه. فقال جمهورُ الأصوليّين: إذا غلب الوَهْمُ على حديثه، وكان أكْثَرَ مِنَ الصَّواب أوِ اسْتَوَيَا حتَّى يَبْطُلُ ظَنُّ إصابَتِه، ولا يُمْكِنُ ترجيحُها، فهُنا يَبْطلُ الاحتجاجُ به إجماعاً.

стр. 962

وقال بعضُهم: لا بُدَّ مِنْ كثرة وَهْمِهِ وزيادَتِه على صَوَابِهِ، وَإِنِ استويا (١) قُبِلَ لِعُمُوم الَأدِلَّة الموجِبَةِ لقبُوله، وعَدَمِ انتهاض الاستواءِ لتخصيصِ العُموماتِ، واختاره الإمامُ المنصور بالله في " الصفوة "، وعبد الله بن زيد في " الدرر ". وأمَّا المحدِّثُون، فالظاهِرُ منهم أنَّ المُحَدِّثَ متى كَثُرَ وهمُه، ودخل في حيِّزِ الكثْرَة، بطل الاحتجاجُ به، وإنْ كان صوابُه أكثر، وإنَّما يحتجُّون بِمَنْ قلَّ وَهْمُه وَنَدَرَ، فافْهمْ ذلِكَ. ومِنْهُمْ مَنْ يغلو غُلُوَّاً منكراً، فيُضَعِّفُ الرَّاوي بالوهم النَّادِرِ، وهذا مخالِفٌ للإجماع، غيرُ مُمْكِنٌ اعتبارُه، ولا ملتفت إلى قائِلهِ، ومثل هذا لا يُعَدَّ مذهباً، وإنَّما هُوَ جَهْلٌ مَحْضٌ، والله أعلمُ. النوع الثاني: مما يقدح (٢) عليهما بِهِ الرِّوايةُ عَنْ بعضِ مَنِ اختلف في جَرْحِهِ وتعديلِهِ. وقد ذكر النَّواوي ذلِكَ، وذكر الجوابَ عليه، وأنا أورِدُ كلامهُ بلفظه. قال في " شرح مسلم " (٣): فصل: عابَ عائِبونَ مُسْلمَاً بِرِوايَتِه في " صحيحِه " عنْ جماعَةٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ والمُتَوَسِّطين الواقعين في الدرجةِ الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح، ولا عيبَ عليه في ذلك، بل جوابُه من أوجُهٍ، ذكرها الشَّيخُ أبو عمرو بنِ الصَّلاحِ (٤).

стр. 963

أحدها: أن يكونَ ذلِكَ في مَنْ هُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ غَيْرِهِ، ثقَةٌ عِنْدَهُ، ولا يقال: الجرحُ مُقَدَّمٌ على التَّعديلِ، لأنَّ ذلِكَ فيما إذا كان الجرحُ ثابِتَاً مُفَسَّراً، وإلاَّ فلا يقْبَلُ الجَرْحُ إذا لم يكنْ كذلِكَ. وقد قال الإمامُ الحافظُ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره: ما احتجَّ البُخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داوود [به] منْ جماعةٍ عُلِمَ الطَّعْنُ فيهم منْ غيرهم مَحْمُولٌ عَلَى أنَّه لم يثبتِ الطَّعْن المؤثِّر مفسَّر السَّببِ. انتهى كلام النواوي. قال شيخ الإِسلامُ عُمَرُ بنُ رسلان البُلْقيني في كتابه " علوم الحديث " (١): ولا يلزمُ ذلِكَ لجوازِ أنْ يكونَ لم يثبُت عِنْدَهُمُ الجَرْحُ، وإن فُسِّرَ هذا هو الأقربُ، فإنَّ المذكورين ما مِنْ شَخْصٍ منهم إلا وَنُسِبَ إلى (٢) أشياءَ مفَسَّرَة مِنْ كَذِبٍ وغيره، يَعْرِفُ ذلِكَ مَنْ راجَعَ كُتُبَ القَوْمِ، ولكِنَّها لَمْ تثبُتْ عند مَنْ أَخَذَ بحديثهِمْ، ووثَّقَهم، وروى عنهم. انتهى. قلتُ: وهذا بَيّنٌ وقد بسطتُ الدَّليل عليه في علوم الحديث (٣). رجعنا إلى كلام النَّواوي ﵀. الثَّاني: أنْ يكونَ ذَلِكَ واقعاً في المُتَابَعَاتِ، والشَّواهد، وقد اعتذر الحاكِمُ أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجِهِ عَنْ جماعةٍ ليسُوا مِنْ شَرْطِ الصَّحيح، منهم مَطَرُ بن الوَرَّاق (٤)،

стр. 964

وبقيَّةُ (١) بن الوليد (٢)، ومحمَّد بنُ إسحاق بنِ يسار (٣)، وعبدُ الله

стр. 965

بنُ عمر العمري (١)، والنُّعمان بن راشد (٢)، وأخرج مسلمٌ عنهم في الشَّواهد في أشباه لهم كثيرين. الثالِثُ: أن يكونَ ضَعْفُ الضَّعِيفِ الَّذي احتجَّ بِهِ طَرَأَ بَعْدَ أخذهِ عَنْهُ باختلاطٍ حَدَثَ عليه، غيرِ قادحٍ فيما رواه مِنْ قَبْلُ في زمنِ استقامته كما في أحمد بن عبد الرحمان بن وهب (٣) ابن أخي عبدِ الله بن وهب، فذكر

стр. 966

الحاكم أبو عبد الله (١) أنَّه اختُلِطَ بَعْدَ الخمسين ومئتين بعدَ خروجِ مسلم مِنْ مِصْر، وهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة (٢)،

стр. 967

وعبد الرزَّاق (١)، وغيرهما مِمَّنِ اختُلِط آخراً، ولم يمنع ذَلِكَ مِنْ صِحَّة

стр. 968

الاحتجاج في الصَّحيحَيْن بما أُخِذَ عنهم قَبْلَ ذلِكَ. الرابع: أن يعلو (١) بالشَّخْصِ الضَّعيفِ إسنادُه، وهو عِنْدَهُ مِنْ رواية الثِّقَات [نازِل]، فيقتصِرُ على العالي، ولا يُطَوِّل (٢) بإضافةِ النَّازل مُكْتَفِيَاً بمعرِفَةِ أَهْلِ الشَّأْنِ [في] ذلك، وهذا العُذْر (٣) قد رَوينَاهُ عنه تَنْصِيصَاً، وَهُوَ خلافُ حالِهِ فيما رواه عَنِ الثِّقاتِ أوَّلاً، ثُمَّ أتبعهم بِمَنْ (٤) دونَهُم متابَعَةً، وكأنَّ ذلِكَ وَقَعَ منه بحسبِ حُصولِ باعثِ النَّشاط وغيبته، روينا عَنْ سعيد بن عمرو أنَّه حضر أبا زرعة، وذكر " صحيح مسلم "

стр. 969

وإنكار (١) أبي زُرعة عليه روايَتَهُ عَنْ أسباط بن (٢) نَصْر، وقطنُ بن نُسَيْر (٣)، وأحمد بن عيسى المصري (٤) إلى قوله، فقال: إنَّما أدخلتُ من حديث أسباطَ وقَطنٍ وأحمد ما قد رواه الثِّقَاتُ عَنْ شُيوخهم، إلاَّ أنَّه رُبَّما وَقعَ (٥) إليَّ عنهم (٦) بارتَفاعٍ، ويكون عندي برِوَايةٍ أوثقَ منهم بنُزُولٍ، فأَقْتصِرُ عَلَى ذلِكَ، وأصلُ الحديث معروف مِنْ رِوَايَة الثِّقَاتِ إلى قوله: فَهذا مَقامٌ وَعِرٌ، وقد مهدتُهُ بواضحٍ مِنَ القَوْل لم أَرَهُ مجتمعاً في مؤلَّفٍ وللهِ الحَمْدُ، انتهى كلام النَّواوي. وفيه ما يَدُلُّ على أنَّهُ لا يعترض على حُفَّاظ الحديث إذا رَوَوْا حديثاً

стр. 970

عَنْ بعض الضُّعفاء، وادَّعَوا صِحتَهُ حَتَّى يُعْلَمَ أنَّه لا جابرَ لِذلكَ الضَّعْفِ مِن الشَّواهد والمتَابَعَاتِ، ومعرِفَة هذا عزيزةٌ لا تَحْصُلُ إلاَّ للمَهَرةِ مِنَ الحُفَّاطِ، وأهْلِ الدِّرْيَةِ التَّامَّةِ بهذا الفَنِّ. وقد رُئيَ عِنْدَ بَعْضِ (١) الحُفَّاظِ الجزءُ النَّيِّفُ والعشرون من مسند أبي بكر، فقيل له: ما هذا، وأحاديثُ أبي بكرٍ الصِّحاحُ لا تزيد على خمسين، أو لا تكون خمسين حديثاًً؟ فقال: إنَّ الحديث يكونُ معي مِنْ مئَةِ طريقٍ، أو كما قال. ولقد صنَّف الحافظُ العلامةُ محمد بنُ جريرٍ الطبري (٢) كتاباً في طرق حديث الطير (٣) في فضائل علي ﵇ لمَّا سمع رجلاً يقول: إنه

стр. 971

ضعيف. قال الذَّهبيُّ: وقفتُ علَى هذا الكتاب، فاندهشتُ لكثرَةِ ما فيه مِنَ الطُّرُقِ. ومِن الغَرَائِب (١) في هذا المعنى أنَّ كثيراً منْ أهلِ الحديث يعتقد في حديث " الأعمالُ بالنِّيَّاتِ " (٢) أنَّهُ حديث غريبٌ ما رواه إلاَّ عمر بن الخطاب، مِمَّن نصَّ على ذلك: الحافظ أبو بكر أحمدُ بنُ عمرو (٣) البزَّار (٤) في " مسنده "، فإنَّه ذكر أنه لا يَصِحُّ إلا مِنْ حديث عُمرَ. قال حافظُ العصر ابنُ حجر: وكأنَّه أراد بهذا اللَّفظِ والسَياقِ، وإلا

стр. 972

فقد روينا معناهُ من حديثِ أنسٍ، وعُبَادةَ بنِ الصَّامِتِ، وأبي ذَرٍّ، وأبي الدَرْداء، وأبي أُمَامَة، وصُهَيْب، وسهل بنِ سعدٍ، والنَّوَّاس بن سمعان، وغيرهم، وروينا بلفظِ حديثِ عُمَرَ مِنْ حديثِ عليِّ بن أبي طالب، وأبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة، وأنس، وابن مسعود. انتهى، لكن مِن وجوهٍ ضعيفةٍ، قاله ابن حجر في " علوم الحديث " (١).

стр. 973

فبهذا لا يقطعُ على راوي الحديثِ أنَّه يعتقدُ عَدَالَةَ بعضِ الضُّعفاء إذا صحَّحَ حديثَ بعضِهم، ولكن لا نقول أيضاً بِصحَّة الحديثِ قطعاً إذا علمنا بجِرْحِ الرَّاوي له، وَلَمْ نعلمْ ما يَجْبُرُهُ مِنَ المتابعاتِ، بل نقول: إنَّ هذه المسألة مَحَلُّ نَظَرٍ، والذي يقوى عندي وجوبُ العَمَلِ بذلِكَ، لأنَّ القَدْحَ بذلِكَ مُحْتَمَلٌ، والثِّقَةُ العَارِفُ إذا قال: إنَّ الحديثَ صحيحٌ عنده، وجَزَمَ بذلِكَ، وَجَبَ قَبولُهُ بالَأدِلَّةِ العقليَّة والسَّمْعِيَّة الدالَّةِ على قَبُولِ خَبَر الوَاحِدِ، ولم يَكُنْ ذلِك تقليداً له، إلاَّ أَنْ يَظُنَّ أو يجوز أنَّه بنى دعواه لذلكَ على اجتهادٍ، ولو كان مُجَرَّدُ الاحتمال المرجوح يَقْدَحُ، لطرحنا جميعَ أحاديثِ الثِّقات لاحتمالِ الوَهْمِ والخطأ في الرواية بالمعنى، بلِ احْتِمال تَعَمُّدِ الكَذِبِ. نعم، الظَّاهِرُ أنَّ البخاري ومسلماً بَنَيَا على شروط الحديث المعتبَرَة عند جُمهورِ أَهْلِ هذا الشَّأنِ إلاَّ في المواضِعِ التي استثناها الحُفَّاظُ، وهي ما انْتُقِدَ عليهما. قلت: ومجموعُه يكونُ في موضعين. الأول: ما ثَبَتَ عن بعض الحُفَّاط أنه خالفهما، أو أحدَهُما في صِحَّتِه. والثاني: ما كان متعارضَاً، لا بُدَّ مِنْ ضَعْفِ إحدى الرِّوايتين، ويدخل في الَأوَّلِ ما اختلفا فيه، وما جاءَ بِغَيْرِ صريحِ السَّماعِ منْ رِوَايَةِ المدلِّسين، وإنَّما أخرجا هذا الجنس بحسب اجتهادهما وتحرِّيهما، لأنَّ تَرْكَهُ كُلَّهُ مفسدهٌ بينَةٌ، إذ كان الغالبُ علَى الظنِّ صِحة أكثرِهِ، ورُبمَا اطلعنا على شواهِدَ وتوابعَ تُوجبُ تخريج ما أخرجا منه، لكِنَّ ذلِكَ على طريقَةِ الاجتهاد منهما، ولا يَجِبُ، بَلْ لا يجوزُ للمجتهدِ أنْ يُقَلِّدَ أحداً فيما

стр. 974

يجتَهِدُ فيه، وانْ كانا أهلاً للتَّقلِيدِ رحمهما الله، فطلبُ العِلْمِ غيرُ طَلَبِ التَّقليدِ، ولكُلِّ مَقامٍ مَقَالٌ. وقد ذكر ابن حجر في مقدمة " شرح البخاري " مما انتقد عليه مئة حديث وعشرة أحاديث غير عنعنة مَنْ يُدَلِّسُ، ولم يستقْصِ ذلك (١). قال: والضَّابِطُ في ذلِكَ أنَّ ما صححهُ أئِمَّتُنا، فهو صحيحُ، وما رَدُّوه أو طَعَنوا في رُواته مردود (٢)، مثل خَبَرِ الرُّؤية عَنْ قيسِ بن أبي حازم، عن جريرِ بن عبد الله (٣)، وإنَّما كان ما ردُّوه وجرَّحوا رُوَاتِهِ مردُودَاً، ومن (٤) جرَّحُوه مجْرُوحاً لوجهين: أحدهما: أنَّ أئِمَّتنَا عُدُولٌ لِصِحةِ اعتقادِهِم، واستقامَةِ أعمالهمْ، والقطعُ أنَّهُ إذا جرَحَ الراويَ جَمَاعةٌ عُدُولٌ، فإن جَرْحَهُم مقبولٌ، لأنَّ الجارجَ يُقَدَّم (٥) علَى المُعَدِّل.

стр. 975

الثاني: أنَّها إذا تعارَضَتْ رِوَايةُ العَدْل الَّذي لَيْسَ على بِدْعةٍ، وروايةُ المبتدعِ، قُدِّمَتْ رِوَايَة العَدْلِ الذي ليس على بِدْعةٍ، وهذا مُجْمَعٌ عليه. أقول: الجوابُ عَلَى هذا مِنْ وَجْهَيْن. الأوَّلُ: إمَّا أنْ يريدَ ما أَجْمَعُوا على رَدِّهِ إجماعاً مَعْلُوماً، فهو مردودٌ مثل خبَرِ الفَاسِقِ والكَافِرِ المُصَرِّحين، أو يريدَ أنَّ ما اختلفوا فيه فهُوَ مردودُ، مِثْلُ خبَرِ أهْلِ التَّأويلِ على تسليم أنَّهُمْ لَمْ يُجْمعُوا على قَبُولهِم. القسم الأول: مسلمٌ؛ لأنَّ إجماعهمُ المعلومَ ﵈ عندنا حجَّةٌ، وقولَهم إلى الحق أوضحُ مَحجةٍ، ولكنَّا لم نخالِفْ في هذا، فإنَّا نَرُدُّ منْ رَدُّوا، و (١) نُجَرِّحُ منْ جَرَّحُوا، وتحت هذا الجنس نوعان: أحدُهما: ما قطعوا بَرِدِّهِ لثُبوت جَرْحِ التَّصريح في راويه (٢). وثانيهما: ما قطعوا بردِّهِ أو تأويلِه لمخالَفَةِ دلالةِ العُقولِ الضَّرورِيَّة، أوِ القاطِعةِ المُجْمَعِ عليهما إن صحَّ الإجماعُ القاطِعُ، وصحَّ القطعُ في غير الضَّروريات ونتائجها، وكلا النَّوعين عندي مردودٌ مرذولٌ غيرُ صحيح ولا مقبولٍ، وقد بيَّنتُ هذا في كتابي " المبتدا " الذي أجابه السيد بنَصٍّ لا يحتملُ التَّأويل، ولم أَزَلْ بِحمدِ اللهِ مُتمسَّكاً بأهلِ البَيْتِ ﵈ سرَّاً وجهراً، مُفْتَنَّاً في إظهار عقيدتي في ذلِكَ نظماً ونثراً، فَمِنْ قولي قديماً في ذلِكَ: إنْ كانَ حُبِّي (٣) حَدِيثَ المُصْطفي زَلَلاً ... مِنِّي فما الذَّنْبُ إلاَّ مِنْ مُصَنِّفِهِ

стр. 976

وَإِنْ يكُنْ حبهُ دِيناً (١) لمعْتَرِفٍ ... فَذاكَ هَمِّي وديني (٢) في تعَرُّفهِ وَمَذْهَبِي مذْهَبُ الحق اليقينِ، فَمَا ... تَحَوَّلَ الحَالُ إلا مِنْ تَشَوُّفِهِ وذاكَ مذْهَبُ أَهْلِ البَيْتِ إنَّهُمُ ... نَصُّوا بِتَصْوِيبِ كُلٍّ في تَصَرُّفهِ نصُّوا بتصويبِ كُلٍّ في الفُروع، فَمَا ... لوْمُ الذي لامَ إلاَّ مِنْ تَعَسُّفِهِ فَمَا قَفَوْتُ سِوَى أعْلامِ مَنْهَجِه ... ولا تَلَوْتُ سِوَى آياتِ مُصْحَفِهِ أمَّا الأصولُ، فَقَوْلي فيه قوْلُهُمُ ... لا يبْتَغِي القلْبُ حَيْفاً عنْ (٣) تَحَنُّفِهِ ففِي المَجَازاتِ أَمْضي نَحْوَ مَعْلَمِهِ ... وفي المَحَارَاتِ أَبْقَى وَسْط مَوْقِفهِ فإنْ سَعيتُ فسعْيي حَوْلَ (٤) كَعْبَتِه ... وإنْ وَقَفْتُ، فَفِي وَادي مُعَرَّفِهِ وحقِّ حُبي لهُ إني به (٥) كَلِفٌ ... يُغنيني الطَّبعُ فيه عن تكلُّفِهِ هذا الَّذي كَثُرَ العُذَّال فيه فما ... تعجَّبَ القَلْبُ إلاَّ مِنْ معنِّفِهِ ما الذَّنْبُ إلاَّ وقوفي بين أظهرهِمْ ... كالماءِ مَا الَأجْنُ إلاَّ مِنْ تَوَقُفِهِ والمنْدلُ الرَّطبُ في أوطانه حَطَبٌ ... واستقْر صرفَ اللَّيالي في تصَرُّفهِ يستأْهِلُ القلبُ ما يلقاه ما بَقِيَتْ ... له علائِقُ تُغريه (٦) بمألفِهِ (٧) وَمِنْ قولي في هذا المعنى: لامَنِي الأهْلُ والأحِبّةُ طُرَّاً ... لاعتزالي مَجَالِسَ التَّدْرِيسِ أَشْفَقُوا أَنْ أكونَ فَارَقْتُهَا مِنْ ... رغْبَةٍ عنْ دُرُوسِ عِلْمِ الرُّسُوسِ قلت: لا تَعْذِلُوا، فَمَا ذاكَ مِنِّي ... رَغْبَةً عَنْ عُلُومِ تِلْك الدُّرُوسِ

стр. 977

هِيْ ريَاضُ الجِنَانِ مِنْ غيْرِ شَكٍّ ... وسَنَاها يُزْري بِنُورِ الشُّمُوسِ غيرَ أنَّ الريَاضَ مَأوَى الَأفاعِي ... وجِوارُ الحيَّات غَيْرُ أَنِيسِ حَبَّذا العِلْمُ لو أَمنْتُ وصاحَبْـ ... ـتُ إمَاماً في العلْمِ كالْقَامُوسِ غيرَ أنِّي خبرْتُ كلَّ جَلِيسٍ ... فوجَدْتُ الكتَابَ خَيْرَ جليسِ فَدَعُوني فَقَدْ رضِيتُ كِتابي ... عِوَضَاً لي عنْ أُنْسِ كُلِّ أَنِيسِ ولمَّا لَمْ أَسْلمْ مِنَ القيلِ والقال بعدَ الفِرَارِ والاعتزال، أعجبني أن أَصلَ هذهِ الأبيات بقولِ مَنْ قال: لِوْ تُرِكْنَا وذاك كُنّا ظَفِرْنا ... مِنْ أمانيِّنا بِعِلْقِ نفِيسِ غيرَ أنَّ الزَّمَانَ -أَعْني بَنيهِ- ... حَسَدُونا على حيَاةِ النُّفُوسِ (١) وَمِنْ قولي في ذلِكَ وَهُو في الكتابِ الذي تعرض السيدُ أيَّدهُ اللهُ لجوابه: وأُحِبُّ (٢) آلَ محَمَّدٍ نفسي الفِدَا ... لَهُمُ فما آحَدٌ كآل مُحَمَّدِ هُمْ بابُ حطَّةَ والسَّفِينَةُ والهُدى ... فِيهِم وَهُمْ للظَّالِمينَ بِمَرْصَدِ وَهُمُ النُّجُومُ لخيِّرٍ مُتعبِّدٍ ... وهُمُ الرُّجُوم لِكُلِّ مَنْ لمْ يَعْبُدِ (٣)

стр. 978

وَهُمُ الَأمَانُ لِكل مَنْ تَحْت السمَا ... وجزاءُ أَحْمَد وُدُّهُمْ فَتَوَدَّدِ والقومُ والفرقانُ فاعرف قَدْرَهُم ... ثقلانِ للثَقَلَيْن نصُّ مُحَمد وكفَى لَهُمْ شَرَفَاً ومجْداً باذِخَاً ... شرعُ الصَلاَةِ لهُمْ بِكُلِّ تَشَهدِ وَلَهُمْ فضَائِلُ لَسْتُ أُحْصِي عَدهَا ... منْ رامَ عد الشُهْبِ لَمْ تَتَعَددِ ديني كأهلِ البيْتِ دِينَاً قيمَاً ... مُتَنَزِّهَاً عَنْ كُلِّ مُعْتَقَدٍ رَدِي (١) ولي في ذلك أبياتٌ قد فاتتني، لكِنِّي أحفظُ منها قولي: ها إنَّها حَدَّثَتْ أُمُو ... رٌ عُمِّيَتْ فيها المَعالِمْ فالجَاهِلُ السَّفْسَافُ في ... أَمْشاجِها بالظَّن راجمْ لكِنني لا أَرْتضِي ... إلَّا مَقالات الفَوَاطِمْ لا سِيَّما عَلاَّمَتَيْ ... ساداتنَا يحيى وقاسمْ ولي في هذا المنظومُ والمنثورُ (٢) ما لا يتَّسِعُ لهُ هذا المسطورُ، ولكنَّهُ قد فاتني؛ لَأنَي لَمْ أتوهَّمْ أنَّني أحتاج إلى الاستشهادِ بِهِ، ولا ظَنَنْتُ أَنِّي أُتَّهَمُ بِبُغض المذهب وأهلِه، لأنِّي في جميع أحوالي أعطرُ بذكرِهم صُدُورَ المحافِل، وأُزَيَنُ بالَثَّناء عليهم وُجُوهَ الرسائل، فالعجب منْ توجيهِ السيِّد إليَّ التَّعريف بأنَّ ما رَدُّوه فهو مَرْدودٌ، كأنِّي خرجتُ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ المسدودِ، يا هذا، إنَّ النَّاسَ قَدْ عَرَفُوا ما عَرَفْت، فخلِّ الِإفراطَ في التَّشْنِيع، وحُلَّ رِبَاطَ التَّسْمِيعِ:

стр. 979

جَاءَ شَقِيقٌ عَارِضَاً رُمْحَهُ ... إنَّ بني عَمِّك فيهم رِمَاح (١) القسم الثاني: المتشابه: ما اختلفوا في ردِّه، مثل خبرِ المتأوِّلين على تسليم عَدَمِ إجماعهم على قَبُولهم، فَهذا مِمَّا ليس للسَيدِ أنْ يقول: إنَّه مردود؛ لأنَّ هذا خلافُ إجماعهم على كُلِّ تقدير، أمَّا إنْ قَدَّرنا أنَّهم أجمعوا على قَبُوله، فلا شَكَّ أنَّ المردودَ هُوَ قَوْلُ منْ رَدَّ عليهم، وشذَّ عنهم، ولم يَرْجِعْ إليهم، وأما إن قدَّرنا أنَّه لم يصحَّ لَهُمْ إجماعُ في ذلِكَ، فلا شَكَّ أنَّ المخالفَ في ذلِكَ غَيْرُ مُنْكرٍ على القائل، ولا مُجَرِّحٍ في رَدِّ تلك الأحاديث على من اعتقد صِحتَها، وقد روى في تفسيره مِنْ ذلِكَ أحاديثَ، وحكم بصحَّتها، وجزمَ بنسبتها إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال في آخر تفسير (٢) سورة الزمر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ما لفظه: جاء في الحَدِيثِ الصَّحِيح ما يُوافِقُ الآية، مِنْ ذلكَ؛ ما أخرجه البُخارِي ومسلمٌ منْ حديث أبي هريرة " يَقْبِضُ اللهُ الَأرْضَ يَوْم القِيَامةِ، ويَطْوِي السمَاءَ بِيَمِينهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنَّا الملِكُ، أَيْن مُلُوكُ الَأرْضِ " (٣).

стр. 980

وأخرجا مِنْ حديثِ ابنِ عُمَرَ: قال رسول الله ﷺ : " يَطْوِي الله السَماواتِ يَوْمَ القيامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَ بِيَدِه اليُمْنَى " (١). وهذا مثلُ الآية على التَّمثيل والتَّخييل. انتهى. وقال قبلَ هذا: وقال ابن عباس: الَأرْضُ والسماوات كلُّها بِيَمِينِهِ. وقال سعيد بن جبير: السَّماوات قَبْضَة، والأرْض قَبْضَةٌ. انتهى بحروفه. وفيه التَّصْريحُ بتصحيحِ البخاريِّ ومسلمٍ، إذ لا طريقَ لَهُ إلى تَصْحِيحِ هذِهِ الأخبار إلاَّ ذلِكَ، لتصريحه (٢) بتعذُّر معرفة (٣) ذلِكَ في عَصْرِه، وفيه الرِّواية عَنْ أبي هريرة، وتصحيحه حديثَه، وفيه تصحيحُ مثل هذا منَ المتشابه، وقد وَهِمَ في إيهامِهِ أنَّ الرِّوايَةَ " يطْوِي السمَاءَ " مِنْ دون جَمعٍ، فإنَّ الرِّوايَة " السماوات " رواه البخاري في التفسير، وفي التَّوحيد (٤)، ذكره المزِّيُّ في ترجمة عبد الرحمان بن خالد، عنِ الزُّهري،

стр. 981

عن أبي سلمة، عن أبي هُريرةَ، وابنِ الأثير في " جامعه " (١)، وقصَّر في ترك رِوَايَةِ ابنِ مسعود، وابنِ عباس، ورواية ابن مسعودِ في البخاري ومسلم (٢)، وابن عباس في " الترمذي " (٣)، وقال: حسنٌ غريبٌ

стр. 982

صحيحٌ، والمعنى متقاربٌ، ورواية البخاري " السماوات " في التفسير أولى من رواية " السَّماء " في التوحيد، لأنها زيادةٌ ومطابقة للقرآن ولسائِرِ الأحاديث الصَّحيحَة. ونسب المِزِّي رواية " السماوات " بالجمع في حديث أبي هريرة إلى البخاري ومسلم معاً في ترجمة يونس، عن الزهري، عن ابن المُسيِّبِ، عن أبي هريرة، من " الأطراف " (١) وفيه تسامح، والذي في " البخاري ": " السماوات " في التفسير، وهي روايةُ عبد الرحمان بن خالد عن الزُّهري، والأخرى روايةُ يونس بن يزيد عنه في التوحيد والرِّقاق معاً، وليونس منكراتٌ دونَ عبدِ الرحمان، ويدلُّ على وهم يونس عن الزُّهري في هذا الحديث، أنَّه رواه عنه عن (٢) ابن المسيب عن أبي هريرة، وعبد الرحمان بن خالد بن مسافر رواه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال البخارِيُّ: وكذلك رواه شعيب، والزبيدي، وإسحاق بن يحيى. وقد كان يونُس يَغْلَطُ فيما يرويه مِن حفظه فدلَّ على أنَّ رِوَايَةَ عبد الرحمان: " السماوات " أصحُّ؛ لموافقَةِ القُرْآن وسائرِ الأخبارِ، ولظُهُورِ عدمِ حفظِ يونس هذا الحديث خُصُوصاً. الوجه الثاني: مِنَ الجواب أنَّ كَلامَ السيدِ حُجَّةٌ عليه لا له؛ لأنَّا قد

стр. 983

بيَّنَّا فيما تقدم أنهم قد أجمعوا على صِحة الرجُوعِ إلى هذِهِ الكُتب، وأن ذلك قد شاع فيما بينهم منْ غيْر نكيرٍ، وهذا إجماعُ ظَنَيٌّ سكوتي، وقد كنتُ علَّقْتُ إشكالاتٍ ترد على السَّيِّد في كلامهِ في هذا الموضِع وغيره في هذه المسألة، ثم إنَّي ترجَّح لي الاختصارُ وذكْر ما تَمسُّ إليه الحاجة. قال: لأن روايتهم لا تخلو مِنْ ضعفٍ، وإنما تُقْبل عنْد عدم المعارِضِ (١). أقول: هذا قَصْرٌ للعدالَةِ على الأئِمَّة ﵈، وهذا غُلُوٌّ لم يُسْبَقِ السَيِّدُ إليه (٢)، ولو كان ما ذكره صحيحاًً، لوجَبَ في الشُّهودِ أن يكونوا أئمةً، وهذا يؤدِّي إلى وجوب أربَعَةِ أئِمَّة في شهادة الزِّنى (٣)، وإمامَيْنِ في الشهادة على الأموال. فإن قال: هذا تشنيعٌ لم يَقْصِدْه. قلت: فلْيحْفَظْ لِسَانَه عمَّا يقتضي ذلِكَ، ويتنكَّبْ عن هذِهِ المسالِكِ، فإنَّ الواجبَ على العاقلِ أن يَزُمَّ لِسَانه، وَيزِنَ كلامَهُ، وقَدِ اشتمل كلامُه على ثلاثِ دعاوي: إحداها: ما تقدَّمَ منْ قصر العدالَةِ على الأئمَّةِ. الدعوى الثَّانية: أنَّ الضَّعْفَ لا يَدْخُلُ في حديث الأئِمَّة، والجوابُ عليه أنَّ حديث الأئِمَّة مشحونٌ بحديثِ مَنْ ضعفتَ (٤)، فلَزِمَ أن يدْخُلَه الضَّعيف بالضَّرورة والمقدِّمتان (٥) ضرورِيَّتان عنْدَ البَحْث.

стр. 984

الدعوى الثالثة: أنَّ الضعيفَ مقبولٌ عنْدَ عَدَمِ المعارِض، وهذا مُجرَّدُ دَعوى مِنْ غيرِ دليل، وهو مكثرٍ مِنْ أمثال هذا، حتى كِدتُ لا أستنكرُهُ منه. قال: لأنَّها روايةٌ عَمَّنْ لا تُعْلَمُ عدالَتُه ولا نزاهَتُه عَنْ فِسْقِ التَّأويلِ. أقول: هذه دعوى على الأمَّةِ بالجهلِ بذلكَ، وهي غيرُ مقبولَةٍ، فإن ادَّعى أنَّهُ جاهِلٌ بذلِكَ، ولم يَدَّعِ ذلكَ على غيرِه، فهذا مُسَلمٌ ولا يَضُرُّ تسليمُه، وقد تقدَّم منه مثلُ هذا في المسأَلَه الأولى، وتقدَّم الجوابُ عليه، فخذهُ مِن هناك. قال: هذا إذا كان النَّاظِرُ في الحديث مجتهداً، أمَّا إذا كان غير بالِغٍ رُتْبَةَ الاجتهاد، فليس له أن يُرَجِّح بهذا الحديثِ قولاً، ويجعَلَهُ مختارَهُ، وإنْ كان الخبرُ نَصَّاً في ظاهِرِ الحال، لأنَّ التَّرجيحَ بالخبر إنَّما يكونُ بعد معْرِفَةِ كَوْنهِ صحيحاًًعنِ الرَّسُولِ، ولا يكونُ صحيحاً حتى يكونَ رَاوِيهِ عَدْلاً، والعدالَةُ غيرُ حاصلَةٍ كما سنذكره. أقول: هذا الكلام كلُه (١) قِشْرٌ ليس فيه لُبابٌ، ومجرَّدُ دعوى لا تفْتَقِرُ إلى جوابٍ، لأنَّه بناه على دعْوى عدَمِ العدالةِ وجعل الاستدلالَ عليها حَوَالَة، فالواجبُ (٢) تأخيرُ الجوَابِ حتَّى يأتيَ ما وعد به منَ الدّلالَةِ. قال: ولأنه لا يُرجّحُ بالخَبرِ حتَّى يعلمَ أنَّه غيرُ (٣) منسوخ، ولا مُخَصص، ولا مُعارَضٍ بمَا هُوَ أقوى مِنْ إجماعٍ أو غَيْرِهِ. أقول: هذا الذي ذكره لا يجبُ على المجتهدِ عنْدَ أحدٍ مِن أهلِ

стр. 985

البيت ﵈، ولا عِنْدَ أحدٍ من جماهيرِ أهل (١) الإسلام، وهو مذهبٌ شاذٌّ مهجورٌ، قَدْ رَدَّ عليه العلماء الجمهور، وقد مَرَّ تقريرُ الدليل على بُطلانه، وأنه لا سبيلَ إلى العلم بعدم الناسخ والمُعارِض والمُخَصص، وإنما اختلَفَ العُلَماءُ في وُجُوب الظن لعدم تِلْك الأمور في حقِّ المجتهدِ فقط، ولا أعلمُ أن أحداً شرط ذلِكَ فيٍ ترجيح المُقَلِّدِ، ولا سبق السَّيِّد أحد إلى ذِكْر هذا، وإنما اختلفَ العُلَمَاءُ، هل يجب الترجيح على المقلدِ فيما يفيد الظَّن؟ ولم يختلفوا في جوازِ ذلِك وحسنه، وإنما اختلفوا في وجوبه معَ اتِّفاقهم على أنَّه زيادَةُ في التحري، فلا يخلو السيد إما أنْ يُقِرَّ بأن (٢) الترجيح به يفيد الظن. أو لا إنْ قال: إنَّه لا يفيد الظن فذلك مدفوع، لأنَّ الظنَ يحْصُلُ بخبر الثقةِ منْ غيرِ تَوَقُّفٍ على العِلم بفقدِ المعارِض والنَاسخ والمخَصَصِ، ووجودُ (٣) الظنّ عِنْد خَبَرِ الثِّقَةِ ضَرُورِي، ولو كان ظن مدلولِ الخبَر النبَوي يتوقفُ على ذلكَ، لتوقف (٤) الظَنُّ على ذلِكَ في سائر الأخبار، فكانَ يجبُ إذا أَخْبَرَنَا ثقة بوقوعِ مَطرٍ، أو قُدُومِ غائِب، أو نفْعِ دَوَاءٍ، أَلاَّ نَظنَ صِحتهُ حَتَّى نَطْلُب المعَارِضَ والمُخَصِّصَ، بل يلزمُ إذا أفتى المفتي، ألاَّ تُقْبَلَ فتواهُ حتَّى نَطْلب معارِضَها مِنْ غَيْرِه، وكذلِكَ إذا سمعنا المؤذِّنَ أنا لا نَظُنُّ صدقَهُ، ولا نأْخُذ بخبَرِه حَتَّى نطلبَ المُعارِضَ، وكذلِكَ إذا شَهِدَ الشَّاهدانِ. وإما أنْ يُسَلِّمَ السيِّدُ أن الظنُّ يحصُلُ بالخَبرِ الصحيح، فالدليل على وُجوبِ الترجيح به وجهان:
следующие страницы →