← Акыда

Акыда · id 296

مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول

بدر الدين البعلي

Полный текст (131 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الطعن فيه، ودعوته إلى خلافه، وهذا شأن الإمام، فكلُّ طاعن في الدِّين فهو إمامٌ في الكفر، فيجب قتاله لقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. الوجه الرابع: أنه قال: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣] فجعل همَّهم بإخراج الرسول من المُحضِّضات على قتالهم، وذلك لما فيه من الأذى له. وسبُّه أغلظُ من الهمِّ بإخراجه، لأنه عفى عام الفتح عن الذين همُّوا بإخراجه، ولم يعف عمَّن سبَّه. الخامس: قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ الآية [التوبة: ١٤]، فأمر - سبحانه - بقتال النَّاكثين الطاعنين في الدين، فضَمِنَ أنَّا إذا فعلناه عذَّبهم وأخزاهم ونَصَرَنا عليهم، وشفَى صدورَ المؤمنين الذين تأذَّوا من نقضهم، وأذهبَ غيظَ قلوبهم، فدلَّ على أن الناكث الطاعن مستحقٌ لذلك كله، والسَّابُّ للرسول ناكث طاعن فيستحق القتل. السادس: أن قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥] دليلٌ على أنَّ شفاء الصدور من ألمِ النَّكْثِ والطعنِ، وذهابَ الغيظِ الحاصل [أمرٌ مقصود للشارع] (١)، فمن سبَّ الرسول، فإنه يغيظ المؤمنين ويُؤْلمهم أكثر من سَفْك دمائهم وأَخْذ مالهم، فإن هذا يُثير الغضب لله ورسوله (٢).

стр. 37

الموضع الرابع (١): قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [التوبة: ٦٣]، فإنه يدل على أن أذى النبي ﷺ مُحَادَّة لله ولرسوله؛ لأنه قال هذه الآية عقيب قوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] وسبب نزول الآية عِتابه ﷺ لمن كان يسبُّه من المشركين المنافقين. الموضع الخامس: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. وهذه توجب قتل من آذى الله ورسوله، ونحن لم نعاهدهم على أن يؤذوا الله ورسوله، يوضِّح ذلك قوله ﷺ : "مَنْ لِكَعْبِ بن الأشْرفِ، فإنّه قد آذى الله ورسوله" (٢). * * *

стр. 38

فصل (١) وأما الآيات الدالة على كفر الشاتم وقتله إذا لم يكن معاهدًا، وإن كان مُظهرًا للإسلام فكثيرة، مع [أنه مُجْمَعٌ عليه] (٢). منها: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦١ - ٦٣]، فعُلِمَ أنَّ إيذاء رسول الله محادّة لله ولرسوله؛ لأن ذِكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذِكر المحادَّة؛ فيجب أن يكون داخلًا فيه، فيدل على أنَّ الإيذاء والمحادّة كفر؛ لأنه أخبر أن له نارَ جهنَّم خالدًا فيها (٣)؛ بل المحادة هي المعاداة وذلك كُفْر ومُحاربة، فيكون المؤذي لرسول الله كافرًا عدوًّا لله ورسوله محاربًا لله ورسوله. وفي الحديث: أن رجلًا كان يسبُّ النبيَّ ﷺ فقال: "مَن يَكْفِيني عَدُوِّي" (٤).

стр. 39

وأيضًا قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فإذا كان من يُوادِد المحادّ ليس بمؤمن، فكيف بالمحاد نفسِه؟! وقيل: إن سبب نزولها أن أبا قُحافة شتم النبي ﷺ ، فأراد أبو بكرٍ قتلَه (١)، فثبتَ أن المحادَّ كافر حلال الدَّم. الدليل الثاني (٢): قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٦]، وهذا نصٌّ أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرٌ صريح، فدلَّت الآية أنَّ كلَّ مُتَنَقِّصٍ رسولَ الله جادًّا أو هازلًا (٣) = فقد كفر. الدليل الثالث (٤): قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] واللَّمز: العَيْب والطَّعْن. وقال: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ... ﴾ الآية [التوبة: ٦١]، فدل على أنَّ كل من لمزه وآذاه كان منهم، فلما أخبر أنَّ الذين يلمزون النبي ويؤذونه من المنافقين ثبت أنه دليل على النفاق. الدليل الرابع (٥): قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]، أقسم - سبحانه - بنفسه أنهم لا

стр. 40

يؤمنون حتى يُحكِّموه في الخصومات التي بينهم، ثم لا يجدوا في نفوسهم ضِيقًا من حكمه، بل يُسلِّموا تسليمًا لحكمه ظاهرًا وباطنًا. وقال قبل ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦٠, ٦١]، فبيَّن أن من دُعِيَ إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله، فصدَّ عن رسوله، كان منافقًا، مع قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، فمن تولَّى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه، فهو منافق وليس بمؤمن، بل المؤمن من يقول: سمِعْنا وأطَعْنا. وإذا ثبت النفاقُ بمجرَّد الإعراض عن حكم الرسول، فكيف بالتنقُّص والسَّبِّ ونحوه؟! الدليل الخامس (١): قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٧]، فَقَرَنَ أذاه بأذاه، كما قرن طاعته بطاعتِه، فمن آذاه فقد آذى الله، وقد جاء ذلك منصوصًا عنه، ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم، يوضِّحه أنه جعل محبةَ الله ورسوله، وإرضاءَ الله ورسوله، وطاعةَ الله ورسوله شيئًا واحدًا، وجعل شِقَاقَ الله ورسوله [و] (٢) محادَّة الله ورسوله، وأذى الله ورسوله، ومعصيةَ الله ورسوله، شيئًا واحدًا، ففي ذلك بيانٌ لتلازم الحَقَّيْن، وأن جهةَ الله ورسوله جهةٌ واحدة؛ فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع

стр. 41

الله؛ لأنه واسطة بين الله وبين الخلق، ليس لأحدٍ منهم طريق غيره، وقد أقامه مُقامَ نفسِه في أمره ونهيه، وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن نفرِّق (١) بين الله ورُسُلِه في شئٍ من هذه الأمور. وأيضًا: فإنه فرَّق بين أذى الله ورسوله، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعلَ هذا قد احتمل بهتانًا وإثمًا مُبِينًا، وجعل على ذلك لعنته في الدنيا والآخرة، وأعدَّ له العذاب المهين، ومعلومٌ أن أذى المؤمنين قد يكون فيه الجَلْد فيكون من كبائر الإثم، وليس فوقه إلا الكفر والقتل. وأيضًا: فإنهم (٢) لعنهم، واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ولا يُطرَد من رحمته في الدنيا والآخرة إلا الكافر، فلا يكون محقون الدم، بل مباحه؛ لأن حَقْنَه رحمةٌ عظيمة، يؤيده قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦١]. يؤيده: أنَّ سائر من لعنه الله في كتابه؛ إمَّا كافر أو مُباح الدم. فإن قيل: يَرِد عليك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] مع أنَّ مجرَّد القذف ليس بكفر. فجوابُه من وجوه: أحدها: أن هذه الآية نزلت في عائشة ﵂ قاله ابن

стр. 42

عباسٍ (١) وغيره، ففي قذفها طعنٌ وأذىً للنبيِّ ﷺ ، فإن زِنى امرأةِ الرَّجلِ يؤذيه. ولهذا ذهب أحمد - في روايةٍ عنه - إلى أن من قذف امرأةً غير محصنةٍ كالأمَةِ والذِّمِّية، ولها زوجٌ أو ولد محصن حُدَّ لقذفها، لما يلحقه من العار بولدها وزوجها المحصَنَيْن، فتكون هذه الآية خاصة بمن قذف أزواج النبي ﷺ ، فإن من يقصد عيبَ النبيِّ بعيبِ أزواجه فهو منافق، فأما من رَمَى امرأةً من المسلمين فهو فاسق، كما قال تعالى، أو يتوب، ويكون الألف واللام في قوله: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، عهديَّة راجعة إلى معهودٍ وهم أزواج الرسول ﷺ ؛ لأن الكلام في قصة الإفك، أو يُقْصَر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك؛ لأن أزواج النبي ﷺ مشهود لهنَّ بالإيمان، وهنَّ أُمهات المؤمنين، وهنَّ أزواجه في الدنيا والآخرة. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١] فعُلِمَ أن الذي يرمي أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسول الله ﷺ ، وتولّى كِبْر الإفك، وهذه صفة المنافق ابن أُبَيٍّ. فرميهنَّ نفاق مُبيح للدم إذا قصد به أذى النبي ﷺ ، أو أُوذِيْنَ بعد العلم بأنهنَّ أزواجه في الآخرة، فإنه ما بغت امرأةُ نبيٍّ قطُّ. ولهذا قال ﷺ فيما ثبت عنه في "الصحيحين" (٢): "مَنْ يَعْذِرُني مِن

стр. 43

رجلٍ قد بلغني أذاهُ في أهل بيتي فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا ... " الحديث. وفيه: فقال سعد بن مُعاذ: "أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عُنُقَه" ولم ينكر النبي ﷺ على سعدٍ استيماره في ضرب أعناقهم. ولا يَرِدُ على ذلك مِسْطح وحسَّان وحَمْنَة، وإن كانوا في أهل الإفك، فإنهم لم يُرْموا بنفاقٍ، ولم يقتل النبي أحدًا في ذلك السبب، بل اخْتُلف في جلدهم، فإنهم لم يقصدوا أذى النبي ﷺ ، ولا ظهر منهم دليل أذاه، بخلاف ابن أُبَيٍّ الذي إنما كان قصده أذاه. وأيضًا: لم يكن قد ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هنَّ أزواجه في الآخرة، وكان وقوع ذلك منهنَّ ممكنٌ عقلًا، ولذلك توقَّف النبي ﷺ في القصَّة. الوجه الثاني: أن الآية عامة، وقد رُويَ من غير وجهٍ أنّ قذف المحصنات من الكبائر (١)، ثم قد يقال (٢): هي في مشركيِّ العرب من أهل مكة، فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله مهاجرةً قذفها المشركون من أهل مكة، فيكون ذلك فيمن قذف المؤمنات قذفًا يصدُّهُنَّ به عن الإيمان، ويقصد ذمَّ المؤمنين لِيُنَفِّر الناس عن الإسلام، كما فعل كعب بن الأشرف.

стр. 44

وعلى هذا؛ فمن فعل ذلك فهو كافر، وهو بمنزلةِ من سبَّ النبيَّ ﷺ . وقد يقال: هي عامَّة مُطلقًا؛ ولكن قوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] هو مبنيٌّ للمفعول، فلم يُسَمَّ اللاعِن من هو، فيجوز أن يكون اللاعن غيرُ الله من الملائكة والناس، وجاز أن يلعنهم الله في وقتٍ، أو يلعن بعضَهم دون بعضٍ، ويلعنُهم بعضُ خَلْقِه في وقتٍ. واللهُ إنَّما يلعن من كان قذفه طعنًا في الدين، وأما لعنةُ خلقِه بعضهم لبعضٍ فقد تكون بمعنى الدعاء عليهم، وقد يكون بمعنى أنهم يُبْعِدونهم عن رحمة الله، ويؤيده أن الرجلَ إذا قذفَ زوجته تلاعَنا، وكذلك قوله: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ (١) [آل عمران: ٦١] فمما يُلْعن به القاذف أن يُجْلَد وتُرَد شهادتُه ويُفَسَّق، فإنه عقوبة له، وإقصاءٌ عن مواطن الأمن والقبول، وهي من رحمة الله، وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في الدنيا والآخرة، فإن لعنةَ اللهِ تُوجِبُ زوال النصر عنه من كلِّ وجهٍ، وبُعده عن أسباب الرحمة. يؤيده أنه قال هنا: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ولم يجئ العذاب المُهين في القرآن إلا للكافرين، كقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ (٢) [البقرة: ٩٠].

стр. 45

وأما قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]؛ فهي فيمن جحد الفرائض واستخفَّ بها، على أنه لم يذكر أنه أعدَّه له. والعذاب إنما أُعِدَّ للكافرين، فإنَّ جهنمَ لهم خُلِقت؛ لأنهم لا بُدَّ لهم من دخولها (١) وما هم منها بمُخْرَجين. وأما أهل الكبائر من المؤمنين فيجوز ألا يدخلوها إذا غُفِر لهم، وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بَعْد حين. الدليل السادس: قوله - سبحانه -: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية [الحجرات: ٢]. فوجه الدلالة: أنه - سبحانه - نهاهم عن رفع أصواتهم فوقَ صوتِهِ، وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعضٍ، لأن ذلك قد يُفْضي إلى حُبوط العمل وصاحبه لا يشعر، وما يُفْضي إلى حبوط العمل يجبُ تركُه غايةَ الوجوب، والعملُ يحبطُ بالكفر لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] ولا تحبط الأعمال بغير الكفر، لأن من مات مؤمنًا لا بُدَّ له من دخول الجنة، ولو حبط عملُه كلُّه لم يدخلها، نعم قد يبطل بعضُها بوجود ما يفسده، كالمنِّ والأذى. وإذ ثبتَ أن رفعَ الصوت والجهر به يُخاف منه أن يكفر صاحبُه وهو

стр. 46

لا يشعُر؛ لأن فيه سوء أدب واستخفاف وهو لا يشعر به؛ فكيف بمن يسبُّه ويستخفُّ به ويؤذيه مع قصده له وتعمُّده لذلك؟! فهو كافر بطريق الأَوْلى. الدليل السابع: قوله - سبحانه -: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. فأمر من يخالف أمره أن يحذر الفتنة وهي الرِّدَّة والكفر، لقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. قال الإمام أحمد (١): "الفتنة الشرك، لعلَّه إذا (٢) ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شئٌ من الزيغ فيُهْلِكَه" وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]. قال (٣): فأَتعجَّبُ من قومٍ عرفوا الإسنادَ وصحتَه ويذهبون إلى رأي فلان أو فلان، قال: فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] تدري ما الفتنة؟ الكفر، فيدعون الحديثَ وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي. وإذا كان المخالف (٤) لأمره قد حُذِّر من الكفر أو العذاب الأليم، وإفضاؤه إلى الكفر إِنَّما هو لما قد يقترنُ به من استخفافٍ بحقِّه كما

стр. 47

فعل إبليس، فكيف بمن عمل ما هو أعظم من ذلك من السبِّ والانتقاص ونحوه؟! وهذا باب واسعٌ مع أنه بحمد لله مُجْمَعٌ عليه. الدليل الثامن (١): أنه - سبحانه - قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ... ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. فحرَّم على الأمَّة أن تنكح أزواجه من بعده؛ لأنه يؤذيه، وجَعَله عظيمًا عند الله، ثم إن من نكح أزواجه أو سرارِيْه عقوبته القتل جزاءً له بما انتهك من حُرمته، فالشَّاتِم له أولى، والدليل على ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" (٢) عن أنسٍ أن رجلًا كان يتَّهم بأُمِّ ولد النبي ﷺ ، فأمر عليًّا أن يضربَ عُنُقَه، فأتاه عليٌّ فإذا هو في رَكيٍّ (٣) يتبرَّد، فقال له: اخرج، فتناول يده فأخرجه، فإذا هو مَجْبُوب ليس له ذَكَر، فكفَّ عليٌّ، ثم أتى النبيَّ ﷺ فقال له: إنه مجبوب ما له ذَكَر. وكذلك لما تزوَّج رسول الله قَيْلَةَ (٤) بنت قَيْس أخت الأشعث، ومات قبل أن يدخل بها وقبل أن تَقْدَم عليه (٥)، وقيل: إنه خيَّرها بين

стр. 48

أن يضرب عليها الحجاب وتكون من أمهات المؤمنين، وبين أن يطلِّقها فتنكح من شاءت، فاختارت النكاحَ، فتزوَّجها عكرمةُ بعد رسول الله، فبلغ أبا بكرٍ فَهَمَّ بقتلهما حتى قال له عمر: ما هي من أمهات المؤمنين، فتركها (١). * * *

стр. 49

فصلٌ (١) وأما السنة فأحاديث: الحديث الأول: ما رواه الشعبي عن عليًّ أن يهوديَّةً كانت تشتم النبيَّ ﷺ وتقع في؛ فخنقها رجلٌ حتى ماتت، فأبطل رسول الله دمها. رواه أبو داود (٢) وابن بطَّة (٣)، واستدلّ به أحمد (٤)، ورُوِيَ أن الرجل كان أعمى (٥)، وهو حديث جيِّد، وهو متَّصل؛ لأن الشعبي رأى عليًّا (٦)، ولو كان مرسلًا فهو حجة وفاقًا؛ لأن الشعبي صحيح المراسيل عندهم، ليس له مرسل إلا صحيح (٧). وهذا صريحٌ في جواز قتله؛ لأجل شَتْم النبي ﷺ ، وهو

стр. 50

دليل (١) على قتل الذَّمَّي والمسلم والمسلمة إذا سبَّا بطريق الأوْلَى. الحديث الثاني (٢): ما روى ابنُ عباسٍ: أن أعمى كانت له أمُّ ولدٍ تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فأخَذَ المِغْوَلَ (٣) ووضعه في بطنها واتَّكأ عليه فقتلها، ثم ذُكر ذلك للنبي ﷺ فأهْدَر دَمَها، رواه أبو داود والنسائي (٤)، واستدلَّ به أحمد (٥). فهذه القصَّة يمكن أن تكون هي الأولى، فتكون يهودية، وهو قول القاضي أبي يعْلَى وغيره، جعلوا كلا الحديثين واقعة واحدة، ويمكن أن تكون هذه قضية أخرى. قال الخطَّابي (٦): "فيه أنَّ سابَّ النبيِّ ﷺ يُقْتَل؛ لأنّ السبَّ ارتداد"، فهذا دليل أنه اعتقد أنها مسلمة، وليس في الحديث دليل على ذلك، بل الظاهر أنها كافرة، فإن في الحديث أن سيّدها كان ينهاها مرارًا (٧) ولو كانت مرتدةً لَما جاز وطؤها وإبقاؤها مدةً طويلةً ... (٨)

стр. 51

الحديث الثالث: ما احتج به الشافعيُّ أن الذِّمي إذا سبَّ قُتل، وهو قصة كعب بن الأشرف اليهودي، وقصَّته مشهورة معلومة (١)، قال فيها رسول الله: "مَن لكعبِ بن الأشرافِ فإنه قد آذى الله ورسولَه"؟ فقام محمد بن مَسْلَمة فقالَ: يا رسول الله! أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم"، قال: فأذن لي [أن أقول شيئًا] (٢)، فأذن له، فأتاه فقال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقةَ وعنَّانا، فلما سمعه كعبٌ قال: وأيضًا والله لَتَمَلُّنَّه ... الحديث، فقتلوه. وهو متفق عليه، وكان كعبٌ قد هجا النبىَّ ﷺ فندبَ رسول الله إلى قتلِه، فأتى أصحابُ كعبٍ رسولَ الله فقالوا: إنه قد اغْتِيْل وهو سيدنا، فقال رسول الله: "إنه لو قرَّ كما قرَّ غيرُه لما أوذي (٣)، لكنه نال منَّا الأذى وهجانا بالشِّعر، ولم يفعل هذا أحدٌ منكم إلا كان السيف". فذلَّت يهودُ وحَذِرَت من يوم قَتْل كعب بن الأشرف. وكان كعبٌ معاهدًا، فلما سبَّ نقض عهده، وقال فيه: "فإنه قد آذى الله ورسولَه"، فكل من آذى الله ورسولَه قُتِل، والسبُّ أذًى لله ورسوله باتفاق المسلمين، فيكون موجِبًا للقتل. الحديث الرابع (٤): ما رُوي عن عليًّ ﵁ قال: قال

стр. 52

رسول الله ﷺ : "من سبَّ نبيًّا قُتِلَ، ومن سبَّ أصحابه جُلِد"، رواه أبو محمد الخلَّال، وأبو القاسم الأزَجِيُّ، وأبو ذرًّ الهروي. وظاهره قتله من غير استتابة؛ لكن فيه عبد العزيز بن الحسن بن زبَالَة وهو ضعيف، قاله شيخ الإسلام (١). الحديث الخامس: ما روى عبد الله (٢) عن أبي بَرْزَة قال: أغلظَ رجلٌ لأبي بكر الصديق، فقلتُ: أقتله؟ فانتهرني وقال: ليس هذا لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ . رواه النسائي (٣). وفي رواية: أن رجلًا شتم أبا بكرٍ، فذكره، رواه أبو داود في "سننه" (٤)، بسند صحيح. وقد استدلَّ به جماعاتٌ من العلماء على قتل سابِّ الرسول، منهم: أبو داود، وإسماعيل بن إسحاق، وأبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى، وغيرهم.

стр. 53

وهذا الحديث يُفِيد أنَّ من سبَّه في الجملة أُبِيح قتلُه، وهو عامٌّ في المسلم والكافر. الحديث السادس (١): قصة العَصْماء بنت مروان، ما رُويَ عن ابن عباس قال: هَجَت امرأةٌ من خَطْمَةَ النبيَّ ﷺ ، فقال: "مَنْ لي بها"؟ فقال رجلٌ من قومها: أنا يا رسول الله، فنهض فقتلها، فأخبر النبيَّ ﷺ فقال: "لا يَنْتَطِحُ بها عَنْزَان (٢) "، وقصتها مبسوطة عند بعض أهل المغازي، وكان الرجل عُمَير بن عَدِي، فامتدحَه حسَّان بأبياتٍ (٣): بني وائلِ وبني واقفٍ ... وخَطْمَةَ دونَ بني الخزرجِ متى ما دعت أختُكم ويحها ... بُعُولَتها والمنايا تجي فهزَّت فتًى ماجدًا عِرقُه ... كريمَ المداخِلِ والمَخْرجِ فضرَّجَها مِن نجيع الدِّما ... قُبيل الصباح ولم تخرجِ فأوْرَدَكَ اللهُ بردَ الجِنا ... ن جَذلانَ في نَعمةِ المولِجِ وكان قتلها لخمس ليالٍ بقين من رمضان مرجِعَ رسول الله من بَدْر، وذكر هذه القصة أصحاب السِّيَر، مثل ابن سعد والعسكري وأبو

стр. 54

عبيد في "الأموال" (١) والواقدي وغيرهم، وهي مشهورة، وأنها قُتِلت لسبِّها النبيَّ ﷺ . الحديث السابع (٢): قصة أبي عَفَك اليهودي، ذكره أهل المغازي والسير (٣)، وكان من شأنه هِجاء النبيَّ ﷺ ، حتى خرج إلى بدرٍ وظفَّره الله بمن ظفَّره، فحسدَه وهجاه وذمَّ من اتّبعَه، أعظم ما فيها قوله: فيسلبهم أمرَهُم راكبٌ ... حرامًا حلالًا لِشَتَّى معًا قال سالم بن عُمير: عليَّ نذرٌ أن أقتله، وذكر محمد بن سعد (٤) أنه كان يهوديًّا. لكنه من رواية أهل المغازي، لكنه يصلح أن يكون عاضدًا ومؤكِّدًا ومؤيدًا بلا تردُّد. الحديث الثامن: حديث أنس بن زُنَيم الدِّيلي، وهو مشهور عند أهل السِّيَر، ذكره ابن إسحاق والواقدي (٥) وغيرهما، أنه هجا رسول الله ﷺ ؛ فسمعه غلام من خُزَاعة فشجَّه، وكان قد نَدَر رسول الله دَمَه، أي: أهدره، فلمَّا بلغه ذلك جاء إلى رسول الله ﷺ مُعْتذرًا ومدحه في قصيدةٍ أوَّلُها: أأَنتَ الذي تُهْدَى مَعَدٌّ بأمره ... بل اللهُ يهديها وقال لكَ أشهدِ

стр. 55

فما حملتْ مِن ناقةٍ فوقَ رَحْلِها ... أبرَّ وأوفى ذِمةً من محمدِ تَعَلَّم رسولَ الله أنك مُدْركي ... وأنَّ وعيدًا منك كالأخذِ باليدِ تَعَلَّم رسولَ الله أنك قادِرٌ ... على كلَّ سَكْنٍ من تَهامٍ ومُنجدِ (١) ونُبَّي رسولُ الله أني هجوتُه ... فلا رفعَتْ سَوْطي إليَّ إذن يدي (٢) سوى أنني قد قلتُ يا ويحَ فِتْيَةِ ... أُصِيْبوا بنحسٍ يوم طَلْقٍ وأسعُدِ فإنيَ لا عِرضًا خرقتُ (٣) ولا دمًا ... هرقتُ ففكِّر (٤) عالمَ الحقَّ واقصِدِ فلما بلغ رسول الله قصيدتَه واعتذارَه، وكلَّمه فيه نوفل بن معاوية الدَّيلي وشَفَع فيه، وكان قد شجَّه بعضُ بني خُزاعة، فقال رسول الله: "قد عفوتُ عنه"، قال نوفَل: فِداك أبي وأُمِّي، ثم قَدم واعتذر، وقال: إنهم قد كذبوا عليه (٥). فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان قد صالح قريشًا عشر سنين،

стр. 56

ودخل فيهم خزاعة وبنو بكر (١)، ثم إن هذا الرجل المعاهد هجا رسول الله - على ما قيل عنه - وشجَّه ذلك الرجل، فلولا أنهم علموا أن هجاء النبي ﷺ من المعاهد مما يوجِبُ الانتقامَ منه لم يفعلوا ذلك. ثم إن النبي ﷺ هَدر دمَه لذلك، وهذا نصٌّ في أنَّ المعاهد الهاجي يباح دمُه، ثم إنه أسلم في شعره، ولهذا عدُّوه من الصحابة، وقوله: "تعلَّم رسولَ الله" دليل على إسلامه، ومع ذلك فانكر أنه هجاه، وردَّ شهادة الذين شهدوا عليه، فإنهم أعداؤه، وبينهم حروب وقتال، فلو لم يكن ما فعله مُبِيحًا لدمه، لما احتاج إلى فعل شئٍ من ذلك. ثم إنه بعد إسلامه واعتذاره وتكذيبه المُخْبِريْن ومدحِه لرسول الله، طلبَ العفوَ منه عن إهدارِ دمه، والعفوُ إنما يكون مع جواز العقوبة على المذنب (٢)، فعُلِمَ أنه كان له أن يُعاقبه بعد مجيئه مسلمًا معتذرًا، وإنما عفا عنه حلمًا وكرمًا، مع أن العهد كان عهد هُدْنة ليس عهد جِزْية، والهادن المقيم ببلده يُظهر ببلده ما شاء، فلا ينتقض عهدُه حتى يُحارب، فعُلِمَ أن الهجاءَ من جنس الحِراب وأغلظ منه، وأن الهاجي لا ذِمَّةَ له. الحديث التاسع (٣): قصة ابن أبي سَرْحٍ، وهي مما اتفق عليها أهلُ العلم، واستفاضت عندهم استفاضةً تُغني عن رواية

стр. 57

الآحاد (١)، وذلك أن يومَ فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بايع عبدَ الله، فرفع رأسه فنظر إليه، ثلاثًا، كلُّ ذلك يأبى، فبايعه بعد الثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقومُ إلى هذا حين رآني كففتُ يدي عن بيعته فيقتله"، فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أوْمأت إلينا بعينك؟ فقال: "إنه ما يَنْبَغي لنبيٍّ أنْ تكون له خائنةُ الأعْيُن" رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح، والنسائيُّ كذلك. وكان قد ندر (٢) رسول الله دَمَه، وكان أخا عثمان من الرَّضاعة، فشَفَع له إلى رسول الله فتركه، وكان ابن أبي سَرْح هذا قد أسلم ثم ارتدَّ ولحق بالمشركين، وكان يكتب لرسول الله الوحيَ، وكان لما رجع إلى المشركين يقول لهم: إني لأصرِّفه كيف شئت، إنه ليأمرني أن أكتب له الشئَ، فأقول له: كذا أو كذا، فيقول: نعم، وذلك أن رسول الله كان يقول: "عليم حكيم"، فيقول: أو أكتبُ: "عزيز حكيم" فيقول له: "نعم كلاهما سواء" (٣).

стр. 58

وقيل (١): إن فيه نزلت: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ... ﴾ الآية [الأنعام: ٩٣] فوجه الدلالة: أنه افترى على رسول الله أنه كان يُتَمِّم له الوحي ويكتب ما يريد ويقرّه رسول الله على ذلك، وهذا نوع من أنواع السبِّ. وكذلك لما افترى عليه كاتب آخر مثل ذلك، قَصَمه الله وعاقبه بأن أماتَه، وكلما دفنوه تلفظه الأرض (٢). فهذا من أوضح الدلالة أن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه. فإباحة دم ابن أبي سَرْح بعد مجيئه تائبًا مسلمًا، وقول رسول الله: "هلَّا قتلتموه" ثم عَفوه عنه بعد ذلك = دليلٌ على أن النبيَّ ﷺ كان له أن يقتله وأن يعفو عنه، وهو دليلٌ على أنَّ له أن يقتل من سبَّه، وإن تاب وعاد إلى الإسلام. وصحَّ (٣) أن ابن أبي سَرْح كان قد رجعَ إلى الإسلام قبل الفتح، وقال لعثمان: "إن جُرْمي عظيم، وقد جئتُ تائبًا" (٤)، ثم جاء به إلى النبي ﷺ بعد الفتح، وهدوء الناس بعدما تاب، فأراد النبي ﷺ من

стр. 59

المسلمين أن يقتلوه حينئذٍ، وتربَّص زمانًا ينتظر قتلَه، ويظن أن بعضهم سيقتله، وهذا أوضح دليلٍ على جوازِ قتلِه بعد إسلامه. واعلم أن افتراء ابن أبي سَرْح والكاتب الآخر النصراني على رسول الله ﷺ ، بأنه كان يتعلَّم منهما افتراءٌ ظاهر، فإن النبي ﷺ لا يُكَتِّبه إلا ما أنزله الله عليه، ولا يأمره أن يُثْبِت قرآنًا إلا ما أوحاه الله ولا يتصرَّف به (١) كيف شاء، بل يتصرف كما يشاء الله تعالى. ثم اختلف أهل العلم؛ هل كان رسول الله أقرَّه على أن يكتب شيئًا غير ما ابتدأه النبي ﷺ بإكتابِه، وهل قال له شيئًا؟ على قولين: أحدهما: أن النصرانيَّ وابنَ أبي سرح افتريا ذلك كلَّه، وأنه لم يصدر منه إقرارٌ على كتابةِ غيرِ ما (٢) قاله أصلًا، وإنما هما افتريا ذلك لينفِّروا الناسَ عنه. والقول الثاني: أن النبي ﷺ قال له شيئًا، فيقول له ويُمْلي عليه: "سميعًا بصيرًا"، فيكتب: "سميعًا عليمًا"، فيقول له: "دعه" (٣)، ونحو ذلك. ويكون كل واحد من الحرفين قد نزل، فيقول له: اكتب كذا وإن شئت كذا، فكلٌّ صواب، وقد جاء مصرَّحًا عن النبي ﷺ أنه قال: "أُنْزِلَ

стр. 60

القرآنُ على سبعةِ أحْرُفِ كلُّها شافٍ كافٍ، إن قلتَ: "عزيز حكيم" أو "غفور رحيم" فهو كذلك ما لم تَخْتم آيةَ رحمةٍ بعذاب أو آيةَ عذابٍ برحمةٍ" (١). فالأحاديث تدلُّ على أن من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن أن تُخْتم الآية الواحدة بعدَّة أسماء من أسماء الله تعالى على سبيل البدل، يُخَيَّر القارئُ في القراءة بأيِّها شاء، فكان النبي ﷺ يُخَيّره أن يكتب ما شاء من تلك الحروف، وربَّما قرأها النبيُّ بحرفٍ، فيقول له: أو كذا وكذا لكثرة ما سمعه منه يُخَيِّر بحرفَيْن، فيقول له: "نعم كلاهما سواء"؛ لأن الآية نزلت بالحرفين معًا، فيقرّه على ذلك، ثم إن الله نسخ بعض تلك الحروف لما كان جبريل يُعارض النبيَّ بالقرآن في كلِّ رمضان، وكانت العرضة الآخرة على حرف زيد بن ثابت الذي يقرأ به الناس اليوم، وهو الذي جمع عثمانُ والصحابةُ عليه الناسَ. ورُوِيَ فيها وجه آخر (٢): أنه كان يقول للنبيِّ ﷺ : أكتب "تعملون" (٣) أو "تفعلون"؟ فيقول له: "اكتب أيَّ ذلك شئت". فيوفّقه الله للصواب من ذلك، فيكتب أحب الحرفين إلى الله إن كان

стр. 61

كلاهما منزّلًا، أو يكتب ما أنزله الله فقط، وكان هذا التخيير من النبي ﷺ توسِعَةً في المُنَزَّل، وثقة في (١) الله بحفظ القرآن، وعلمًا بأنه لا يكتب إلا ما أنزل، وليس هذا بمنكرٍ في كتابٍ تولَّى الله حفظه، وضمن أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلْفِه. وذكر بعضهم وجهًا ثالثًا: أنه ربما كان يسمع من النبي ﷺ الآية حتى لم يبق منها إلا كلمة أو كلمتان، فيستدّل بما قرأ منها على باقيها، كما يفعله الفَطِن الذكيُّ، فيكتبه ثم يقرأه على النبي ﷺ فيقول: "كذاك أُنْزلَ"، كما اتفق مثل ذلك لعمر بن الخطاب في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢) [المؤمنون: ١٤]. قال شيخ الإسلام: والقول الأول أشبه الأقوال. الحديث العاشر (٣): حديث القَيْنتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبيّ ﷺ ، ومولاة بني هاشم (٤).

стр. 62

وذلك مشهور مستفيض عند أهل السير، فأمر رسول الله بقتل قَيْنَتين لابن خَطَل تُغنِّيان بهجاء رسول الله، فَقُتِلت إحداهما وكمنت الأخرى حتى اسْتُؤمن لها. ذكره محمدُ بن عائذ، وابنُ إسحاق، وعبدُ الله بن حزم. وقيل: كانت القينتان لابن خطل، فأمر رسول الله بقتلهما معه، وحديثهما مما اتفق عليه علماء السير واستفاض. ووجه الدلالة: أن تعمد قتل المرأة لمجرَّد الكفر الأصلي لا يجوز بالإجماع، وقد استفاضت بذلك السنة عن رسول الله أنه نهى عن قتل النساء والصبيان (١). فعُلِم أن أمره بقتل هاتين المرأتين إنما كان لأجل الهجاء الذي كانتا تُغنِّيان به، فمن هجاه وسبَّه وجبَ قتله بكلِّ حال. الحديث الحادي عشر (٢): أنه ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه، جاء رجلٌ فقال: ابن خَطَلٍ متعلِّق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه". وهذا مما استفاض نقلُه، وهو في "الصحيحين" (٣)، وأنه قُتِل، وكان جُرْمه: أن النبي ﷺ استعمله على الصدقة، وأصْحَبه رجلًا يخدمه

стр. 63

فغضب على رفيقه لكونه لم يصنع له طعامًا، فقتله، ثم خاف أن يُقْتَل فارتدَّ واستاق إبل الصدقة، وأنه كان يهجو رسول الله ﷺ ويأمر جاريتيه تغنيان بذلك (١)، فله ثلاث جرائم مبيحة لدمه: قتل النفس، والرِّدة، والهجاء. فلا يمكن قتله أنه كان بالقِصاص (٢)؛ لأنه كان ينبغي أن يُسَلَّم إلى أولياء القتيل الذي قتله من خُزاعة؛ إما أن يقتلوه، وإما أن يعفوا عنه، أو يأخذوا (٣) الدِّيَة. ولم يُقتل لمجرّد الردة - أيضًا - لأن المرتَدَّ يُستتاب، وإذا اسْتَنْظَرَ أُنْظِر، وهذا ابن خَطَل قد فرَّ إلى البيت عائذًا به، طالبًا للأمان، تاركًا للقتال، مُلْقيًا للسلاح، وقد أمر النبىُّ بعد علمه بذلك بقتله، وليس هذا سنة من يُقْتَل لمجرَّد الرِّدة، فثبت أنه إنما كان لأجل الهجاءِ والسَّبِّ. الحديث الثاني عشر: أنَّ النبِيَّ ﷺ أمر بقتل جماعةٍ لأجل سبِّه ﷺ ، وقَتَل جماعةً لأجل ذلك، مع كَفِّه عمن هو بمنزلتهم في كونه كافرًا حربيًا؛ فمن ذلك ما تقدم عن ابن المسيب أن النبي ﷺ أمر يوم فتح مكة بقتل ابن الزِّبَعْرَى (٤).

стр. 64

وذكر ابن إسحاق قال (١): لما قَدِم رسولُ الله المدينةَ منصرفًا عن الطائف كتب بُجِير بن زُهَيْر إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله قد قتلَ رجالًا (٢) بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقيَ من شعراء قريش ابن الزِّبَعْرى وهُبيرة بن أبي وَهْب قد هربوا في كلِّ وجهٍ، فهرب ابن الزِّبَعْرى إلى نجران، ثم قدم على رسول الله مسلمًا وله أشعار حسنة في التوبة والاعتذار، فأهدر دمه للسَّبِّ مع أمانِه لجميع أهل مكة إلا من كان جرمه مثله. ومن ذلك عبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب، قصَّته في هجائه للنبي مشهورة (٣)، وكان أخاه من الرضاعة أرضعته حليمة، فاهدر دمَه لجل أذاه وهجائه له ولأصحابه، حتى جاء واعتذر وأسلم وجعل يتشفَّع بعمه العباس وبَعلِيٍّ وبكلِّ أحدٍ، ثم دخل عليه وأنشَده في إسلامه واعتذاره حتَّى رقَّ له فقال: لعمرك إني يومَ أحملُ رايةً ... لتغْلِبَ خيلُ اللاتِ خيلَ محمدِ لكالمدْلِجِ الحيرانِ أظلمَ ليلُه ... فهذا أواني حين أُهدى وأهْتدي هدانِىَ هادٍ غيرُ نفسي ودلَّني ... على الله من طرّدتُ كلَّ مطرَّدِ

стр. 65

وذكر باقي الأبيات. وفي روايةٍ (١) قال: فطلبنا الدخول على رسول الله، فأبى، فكلَّمته أم سلمة زوجته - لعبد الله بن أبي أمية وأبي سفيان بن الحارث - فقالت: يا رسول الله! صِهْرك وابن عمتك وابن عمك وأخوك، وقد جاء الله بهما مُسلِمَين، لا يكونان أشقى الناس بك، وقد عفوتَ عمن هو أعظم جرمًا منهما، وأنت أحقُّ الناس عفوًا عن جُرمه. فقال: "هتكَ عِرضي لا حاجة لي به"، فلما بلغ الخبر لأبي سفيان - وكان معه [ابنه] (٢) - فقال: والله ليقبلنَّ مني أو لأذهبنَّ أنا وابني حتى نموت في البرِّيَّة (٣) جوعًا وعطشًا، وأنت أحلم الناس وأكرم الناس. فرقَّ رسول الله حينئذٍ، فأَذِنَ ودخلا (٤) فأسلما، وكانا حَسَني الإسلام. قُتِل عبد الله بن أبي أُمية بالطائف، ومات أبو سفيان بالمدينة في خلافة عمر. فوجه الدلالة: أنه ندر دم أبي سفيان بن الحارث دون غيره من صناديد قريش الذين كانوا أشدَّ تأثيرًا بالجهاد واليد والمال (٥)، وليس له سبب سوى السَّبِّ والهجاء، ثم جاء مسلمًا، وهو يُعرض عنه، وكان من شأنه أن يتألَّف الأباعدَ فكيف بعشيرته!؟ كلُّ ذلك بسبب هَتْك عِرضه كما فسَّره في الحديث (٦).

стр. 66

وكذلك أمر يوم الفتح بقتل ستة سماهم: ابن أبي سَرْح، وابن خَطَل، والحويرث، ومِقْيَس، وعكرمة، وهبَّار (١). فمثل [هذا] مشهور عن هؤلاء، وقد رواه الأئمة (٢)، وأكثر ما فيه أنه مرسل، والمرسل إذا روي من جهاتٍ مختلفة لا سيما ممن له عناية بهذا الأمر كان كالمسنَد؛ بل بعض ما يشتهر عند أهل المغازي أقوى مما يُروى بالإسناد الواحد. وكذلك عُقبة بن أبي مُعَيْط قُتِل صبرًا فقال: يا معشر قريش مالي أُقتل من بينكم صبرًا؟ فقال رسول [الله]: "بكفرك وافترائك على رسول الله" (٣). وكذلك النضر بن الحارث قتلَه عليٌّ صبرًا لسبِّه لرسول الله (٤). ففي هذا بيان أن السبَّ أوجبَ قتلَ هذين من بين أُسارى بدرٍ، وأمر بقتل من كان يهجوه بعد الفتح من قريشٍ وسائرِ العرب. وكذلك جنّيٌّ سبَّ وهجا فقتلَه عِفْريتٌ من الجنّ كان قد أسلم، فأخبر به رسولُ الله الناسَ (٥).

стр. 67

وكذلك أبو رافع بن أبي الحقيق اليهودي، وقصته مشهورة في "الصحيح" (١). فكل هذه الأحاديث دالَّة على أن من كان يهجوه ويؤذيه فإنه يقتل ويحض عليه الناس. الحديث الثالث عشر (٢): ما رُوي من حديث أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي، ورواه أبو أحمد بن عدي في "الكامل" (٣) قال: كان حيٌّ من بني ليث من المدينة على مِيْلَين، وكان رجلٌ قد خطبَ منهم في الجاهلية فلم يزوِّجوه، فأتاهم عليه حُلَّة، فقال: إن رسول الله ﷺ كساني هذه الحُلَّة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم، ثم نزل على تلك المرأة التي كان يحبُّها، فأرسلوا إلى رسول الله، فقال: "كذبَ عَدُوُّ الله"، ثم أرسل رجلًا فقال: "إنْ وَجَدْتَه فاقْتُلْه، وإن وجَدْتَه ميِّتًا فأحْرِقه في النار"، ثم قال: "من كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأ مَقْعَدَه مِنْ النَّار". وإسناده على شَرْط الصحيح، لا يُعلم له عِلَّة (٤).

стр. 68

وله شاهدٌ (١)، وفيه: ثم قال: "لا تحرِّقه، فإنه لا يعذِّب بالنارِ إلا ربُّ النار". وللناسِ في هذا الحديث قولان: أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمَّد الكذبَ على رسول الله ومِن هؤلاء من قال: يكفُر بذلك، قاله جماعةٌ، منهم أبو محمد الجويني. ووَجْه ذلك: أنَّ الكذبَ عليه كذبٌ على الله، ولهذا قال: "إنَّ كذبًا عَلَيَّ ليس ككذبٍ على أحَدِكُم" (٢)، فإن ما أمر به الرسول فقد أمر الله به، يجبُ اتباعُه كما يجب اتباع أمر الله، فإن الكاذب عليه كالمكذِّب له. يوضِّحه أن تكذيبه نوع من الكذب، فإن مضمون تكذيبه الإخبار عن خبره أنه ليس بصدق، وذلك إبطالٌ لدين الله. وأيضًا فإن الكاذبَ (٣) عليه يُدْخِل في دينه ما ليس منه عمدًا (٤)، ويزعم أنه يجب على الأمة

стр. 69

التصديق بذلك. وهو - أيضًا - استهزاء واستخفاف به؛ لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به، بل وقد لا يجوز الأمرُ بها، وهذا نِسبة [له] إلى السَّفَة، أو أنه يُخبر بأشياء باطلة، وهذا نسبة له إلى الكذب، وهو كفر صريح. وبالجملة؛ فمن تعمَّد الكذب على الله، فهو كالمتعمِّد لتكذيب الله وأسوأ حالًا، فكذلك الكذب على رسوله كالتكذيب له. قال شيخ الإسلام (١): "واعلم أن هذا القول في غاية القوة" - وذكر له أدلة لا يمكن دفعها قوَّةً وكثرةً (٢) - ثم قال: "لكن يتوجَّه أن يُفرَّق بين الذي يكذب عليه مشافهةً، وبين الذي يكذب عليه بواسطة، مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا، فإن هذا إنما كذبَ على ذلك الرجل، فأما إن قال: هذا الحديث صحيح، أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالمًا بأنه كَذِب، فهذا قد كذبَ عليه. أما إذا افتراه ورواه روايةً ساذَجَةً؛ ففيه نظر. وأما من روى حديثًا وهو يعلم أنه كذب؛ فهو حرام، لكن لا يكفر، إلا أن ينضمَّ إلى روايته ما يوجب الكفر؛ لأنه صادق في أن شيخه حدَّثه به، وعلى هذا؛ فمن سبَّه فهو أولى بالقتل ممن كذب عليه، والنبيُّ ﷺ قد أمر بقتل الذي كذبَ عليه من غير استتابة، فكذلك السَّابّ وأولى.

стр. 70

والقول الثاني: أن الكاذب عليه تُغَلَّظ عقوبته ولا يكفر ولا يجوز قتلُه، لأن موجبات الكفر والقتل معلومة، وليس هذا منها، فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له. ومن قال هذا فلا بُدَّ أن يقيِّد كلامه بأنه لم يكن الكذِبُ عليه متضمِّنًا لعيبٍ ظاهر، فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلامًا يدلُّ على نقصِه وعيبِه دلالةً ظاهرةً، مثل حديث: عَرَق الخيل (١)، ونحوه من التُّرَّهات، فهذا مستهزِئٌ به استهزاءً ظاهرًا، ولا ريب أنه كافر حلال الدم. ذكر ذلك شيخ الإسلام. فهذا الرجل كذبَ عليه كذبًا يتضمَّن عَيْبَه وانتقاصَه؛ لأنه زعم أنه حكَّمه في دماء قومٍ وأموالهم، وأذن له أن يبيتَ حيث شاء من بيوتهم، ليبيت عند تلك المرأة ويفجر بها. ومن زعمَ أنه حلَّل المحرَّمات، فقد انتقصَه وعابَه، فثبت أن الحديث نصٌّ في قتل الطاعن على كلا القولين، وهو المطلوب، أما على الأوَّل؛ فلأنه كافر، وأما على الثاني؛ فلأنه طاعن، ويؤيد الأول أنهم لو ظهر لهم طعنٌ وسبٌّ لبادروا إلى الإنكار عليه. الحديث الرابع عشر (٢): حديث الأعرابيِّ الذي قال للنبيِّ ﷺ لما أعطاه: ما أحسنتَ ولا أجملتَ، فأراد المسلمون قتلَه، فقال: "لو قَتَلْتُموه لدخلَ النَّارَ" (٣).

стр. 71

فيدلُّ على أن من آذاه إذا قُتِل دخل النار، وذلك لكفره وجواز قتلِه، وإلا كان يكون شهيدًا. وفي هذا الحديث أنه ﷺ عفى عنه؛ لأنه كان له أن يعفو عمَّن آذاه. ومن ذلك قول الذي قال له حين قَسَم غنائمَ حُنين: إن هذه قِسْمة ما أُرِيْد بها وجهُ الله، فقال عمر: دعني أضربُ عُنُقَ هذا المنافق. والحديث في "الصحيح" (١)، وإنما منعه لئلَّا يتحدَّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، كذا قاله ﷺ . ومن ذلك قول عبد الله بن أُبَي: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فقال عمر: دعني أضربُ عُنُقَه، فقال: إذَن [تُرْعَد] (٢) له أُنوْفٌ". وكان ذلك والإسلام ضعيف، فخاف أن ينفر الناس عن الإسلام (٣). وكذلك قوله: "مَنْ يَعْذِرُني في رجل بلغَ أذاه في أهل بيتي؟ " [قال سعد بن معاذ: أنا أْعذِرُك، إن كان من الأوس ضربت عنقَه] (٤)، ولم ينكر عليه النبي ﷺ (٥).

стр. 72

الحديث الخامس عشر: قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في "مغازيه" عن الشعبي (١): لما افتتح رسول الله ﷺ مكةَ دعا بمال العُزَّى فنثره بين يديه، ثم دعا رجلًا قد سمَّاه فأعطاه منها، ثم دعا أبا سفيان بن حرب فأعطاه منها، ثم دعا سعيد بن حُرَيث (٢) فأعطاه، ثم دعا رهطًا من قريش فأعطاهم، فجعل يُعطي الرَّجلَ القِطعة من الذَّهب فيها خمسون مثقالًا وسبعون، فقام رجلٌ فقال: إنك لبصير حيث تضع التِّبْر، ثم قال الثانية، فأعرض عنه، ثم قام (٣) الثالثة فقال: إنك لتحكم وما نرى عدلًا، فقال: "وَيْحَكَ إذًا لا يَعْدِلُ أحدٌ بعدي"، ثم دعا رسول الله أبا بكر فقال: "اذْهَبْ فاقْتُلْه"، فذهب فلم يَجِدْه، فقال: "لو قتلْتَه لرَجَوْتُ أن يكونَ أوَّلَهم وآخِرَهم". فهذا نصٌّ في قتل مثل هذا الطاعن على رسول الله مِن غير استتابة، وهذه قصةٌ أخرى غير قصَّة غنائم حُنين، ولا قصَّة الذهب الذي بعثه عليٌّ، وكان هَدْم (٤) العُزَّى عقيب الفتح سنة ثمانٍ، وحُنين بعد ذلك في ذي القَعْدة، وحديث علي سنة عشرٍ.

стр. 73

وتقدم أن عمر قتلَ الرجل الذي لم يرضَ بحكم النبي ﷺ (١)، ونزل القرآن بتقرير ذلك، وجُرمه أسهل من جُرم هذا. وفي "الصحيحين" (٢) حديث الذي لمزه في قسمة الذهبيَّة التي أرسل بها عليٌّ، وقال: "يخرج من ضِئْضِئ هذا قومٌ يتلون كتابَ الله رَطْبًا لا يُجاوِزُ حناجرَهم يَمْرُقون من الدِّين كما يمرقُ السَّهْم من الرَّميَّةِ، يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعون أهلَ الأوْثانِ، لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قَتْلَ عادٍ". وقال: "سيخرجُ قومٌ في آخر الزمان حِداث (٣) الأسنان، سُفَهاء الأحلام، يقولون من خيرِ قولِ البريَّة، لا يُجاوِز إيمانُهم حناجِرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السَّهم من الرَّمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلَهم يوم القيامةِ" (٤). فهذه الأحاديث كلُّها دليل على أن النبي ﷺ أمر بقتل طائفةِ هذا الرجل العائب عليه، وأخبر أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم، وقال: "هم شرُّ قَتْلَى تحتَ أديمِ السَّماءِ" (٥) فرتَّب القتل على مروقهم من الدين،

стр. 74

فعُلِمَ أنه الموجِب لقتلهم لما غَلَوا فيه حتى مرقوا، وهم أصناف، وكان هذا أولهم قد خرج في زمنه ﷺ فعاب قَسْمه. فكلُّ من عاب شيئًا من سنَّته فحكمه كحكمهم، فمن زعم أنه يَجُورُ في قَسمه فهو مكذَّب له، ولا يجب اتباعه عنده، وهو مناقض لما تضمَّنته الرسالة من أمانته ووجوب طاعته، وزوال الحرج عن النفس من قضائه بقوله وفعله، فإن الله قد أوجبَ طاعتَه والانقيادَ لحكمه، وأنه لا يَحِيْف على أحدٍ، فمن طَعَنَ في هذا فقد طعن في صحَّةِ تبليغه، وذلك طَعْن في الرِّسالة، وهذا من أقبح الكفرِ وأشنعِه. * * *

стр. 75

فصلٌ (١) وأما إجماع الصحابة ﵃؛ فقد نُقِل ذلك عنهم في قضايا متعدِّدة منتشرة مستفيضة، ولم يُنكرها أحدٌ منهم = فصارت إجماعًا. قال شيخ الإسلام: واعلم أنَّه لا يمكن ادَّعاء إجماع الصحابة على مسألةٍ فرعيَّةٍ بأبلغَ من هذه الطريق. فمن ذلك ما ذكره سيفُ بن عُمر التميمي (٢) قال: رُفِعَ إلى المُهَاجِر (٣) امرأتان مُغَنِّيَتَان، غنت إحداهما بشتم النبي ﷺ ؛ [فـ]ـقطع يدها وَنزعَ ثناياها، وغنَّت الأخرى بهجاء المسلمين؛ فقطع يدها ونزع ثنيَّتها. فكتب إليه أبو بكرٍ: بلغني الذي سِرْت به في المرأة التي غنَّت بشَتْم النبي ﷺ ، فلولا ما قد سبقتني فيها لأَمَرْتُك بقَتْلِها؛ لأن حدَّ الأنبياء ليس يُشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلمٍ فهو مرتدٌّ، أو معاهد فهو محارب غادِر. وكتب إليه في التي تغنَّت بهجاء المسلمين: أما بعد فإنه بلغني أنك قطعتَ يدَ امرأةٍ تغنَّت بهجاء المسلمين ونزَعْت ثنيَّتَّها، فإن كانت ممن
следующие страницы →