فيدلُّ على أن من آذاه إذا قُتِل دخل النار، وذلك لكفره وجواز قتلِه، وإلا كان يكون شهيدًا. وفي هذا الحديث أنه ﷺ عفى عنه؛ لأنه كان له أن يعفو عمَّن آذاه.
ومن ذلك قول الذي قال له حين قَسَم غنائمَ حُنين: إن هذه قِسْمة ما أُرِيْد بها وجهُ الله، فقال عمر: دعني أضربُ عُنُقَ هذا المنافق.
والحديث في "الصحيح" (١)، وإنما منعه لئلَّا يتحدَّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، كذا قاله ﷺ .
ومن ذلك قول عبد الله بن أُبَي: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فقال عمر: دعني أضربُ عُنُقَه، فقال: إذَن [تُرْعَد] (٢) له أُنوْفٌ". وكان ذلك والإسلام ضعيف، فخاف أن ينفر الناس عن الإسلام (٣).
وكذلك قوله: "مَنْ يَعْذِرُني في رجل بلغَ أذاه في أهل بيتي؟ " [قال سعد بن معاذ: أنا أْعذِرُك، إن كان من الأوس ضربت عنقَه] (٤)، ولم ينكر عليه النبي ﷺ (٥).
стр. 72
الحديث الخامس عشر: قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في "مغازيه" عن الشعبي (١): لما افتتح رسول الله ﷺ مكةَ دعا بمال العُزَّى فنثره بين يديه، ثم دعا رجلًا قد سمَّاه فأعطاه منها، ثم دعا أبا سفيان بن حرب فأعطاه منها، ثم دعا سعيد بن حُرَيث (٢) فأعطاه، ثم دعا رهطًا من قريش فأعطاهم، فجعل يُعطي الرَّجلَ القِطعة من الذَّهب فيها خمسون مثقالًا وسبعون، فقام رجلٌ فقال: إنك لبصير حيث تضع التِّبْر، ثم قال الثانية، فأعرض عنه، ثم قام (٣) الثالثة فقال: إنك لتحكم وما نرى عدلًا، فقال: "وَيْحَكَ إذًا لا يَعْدِلُ أحدٌ بعدي"، ثم دعا رسول الله أبا بكر فقال: "اذْهَبْ فاقْتُلْه"، فذهب فلم يَجِدْه، فقال: "لو قتلْتَه لرَجَوْتُ أن يكونَ أوَّلَهم وآخِرَهم".
فهذا نصٌّ في قتل مثل هذا الطاعن على رسول الله مِن غير استتابة، وهذه قصةٌ أخرى غير قصَّة غنائم حُنين، ولا قصَّة الذهب الذي بعثه عليٌّ، وكان هَدْم (٤) العُزَّى عقيب الفتح سنة ثمانٍ، وحُنين بعد ذلك في ذي القَعْدة، وحديث علي سنة عشرٍ.
стр. 73
وتقدم أن عمر قتلَ الرجل الذي لم يرضَ بحكم النبي ﷺ (١)، ونزل القرآن بتقرير ذلك، وجُرمه أسهل من جُرم هذا.
وفي "الصحيحين" (٢) حديث الذي لمزه في قسمة الذهبيَّة التي أرسل بها عليٌّ، وقال: "يخرج من ضِئْضِئ هذا قومٌ يتلون كتابَ الله رَطْبًا لا يُجاوِزُ حناجرَهم يَمْرُقون من الدِّين كما يمرقُ السَّهْم من الرَّميَّةِ، يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعون أهلَ الأوْثانِ، لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قَتْلَ عادٍ".
وقال: "سيخرجُ قومٌ في آخر الزمان حِداث (٣) الأسنان، سُفَهاء الأحلام، يقولون من خيرِ قولِ البريَّة، لا يُجاوِز إيمانُهم حناجِرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السَّهم من الرَّمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلَهم يوم القيامةِ" (٤).
فهذه الأحاديث كلُّها دليل على أن النبي ﷺ أمر بقتل طائفةِ هذا الرجل العائب عليه، وأخبر أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم، وقال: "هم شرُّ قَتْلَى تحتَ أديمِ السَّماءِ" (٥) فرتَّب القتل على مروقهم من الدين،
стр. 74
فعُلِمَ أنه الموجِب لقتلهم لما غَلَوا فيه حتى مرقوا، وهم أصناف، وكان هذا أولهم قد خرج في زمنه ﷺ فعاب قَسْمه.
فكلُّ من عاب شيئًا من سنَّته فحكمه كحكمهم، فمن زعم أنه يَجُورُ في قَسمه فهو مكذَّب له، ولا يجب اتباعه عنده، وهو مناقض لما تضمَّنته الرسالة من أمانته ووجوب طاعته، وزوال الحرج عن النفس من قضائه بقوله وفعله، فإن الله قد أوجبَ طاعتَه والانقيادَ لحكمه، وأنه لا يَحِيْف على أحدٍ، فمن طَعَنَ في هذا فقد طعن في صحَّةِ تبليغه، وذلك طَعْن في الرِّسالة، وهذا من أقبح الكفرِ وأشنعِه.
* * *
стр. 75
فصلٌ (١)
وأما إجماع الصحابة ﵃؛ فقد نُقِل ذلك عنهم في قضايا متعدِّدة منتشرة مستفيضة، ولم يُنكرها أحدٌ منهم = فصارت إجماعًا.
قال شيخ الإسلام: واعلم أنَّه لا يمكن ادَّعاء إجماع الصحابة على مسألةٍ فرعيَّةٍ بأبلغَ من هذه الطريق.
فمن ذلك ما ذكره سيفُ بن عُمر التميمي (٢) قال: رُفِعَ إلى المُهَاجِر (٣) امرأتان مُغَنِّيَتَان، غنت إحداهما بشتم النبي ﷺ ؛ [فـ]ـقطع يدها وَنزعَ ثناياها، وغنَّت الأخرى بهجاء المسلمين؛ فقطع يدها ونزع ثنيَّتها.
فكتب إليه أبو بكرٍ: بلغني الذي سِرْت به في المرأة التي غنَّت بشَتْم النبي ﷺ ، فلولا ما قد سبقتني فيها لأَمَرْتُك بقَتْلِها؛ لأن حدَّ الأنبياء ليس يُشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلمٍ فهو مرتدٌّ، أو معاهد فهو محارب غادِر.
وكتب إليه في التي تغنَّت بهجاء المسلمين: أما بعد فإنه بلغني أنك قطعتَ يدَ امرأةٍ تغنَّت بهجاء المسلمين ونزَعْت ثنيَّتَّها، فإن كانت ممن
стр. 76
تدعي الإسلام فأدبٌ وتَقْدمه دون المُثلَة، وإن كانـ[ـت] ذِمِّية فلَعَمْري لَمَا صفحت عنه من الشِّرك، أعظم، ولو كنتُ تقدمتُ إليك في مثل هذا لبلغت مكروهك، فاقبل الدَّعَة وإياك والمُثْلَة في الناس، فإنها مأثَم ومَنْفَرة إلا في قِصاصٍ.
وذكر هذه القصة غير سيف (١)، وهذا يوافق ما تقدَّم عنه: أنه من شتم النبي ﷺ كان له أن يقتله، وليس ذلك (٢) لأحدٍ بعده، وهذا صريح في وجوب قتل من سبَّ النبي ﷺ من مسلمٍ ومعاهد، وإن كانت امرأةً، وأنه يُقتل بدون استتابةٍ، بخلاف من سبَّ الناس، وأن قتلها (٣) حدٌّ للأنبياء، كما أن جَلد من سبَّ غيرهم حدٌ له، وإنما لم يأمره بقتْلِها؛ لأنه اجتهد فيها وعمل لها حدًّا، فكَرِهَ أبو بكر أن يجمعَ عليها حدَّين، ويُحْتمل أنها أسلمت أو تابت فقبِل المُهَاجِر توبتَها قبل كتابِ أبي بكرٍ، وهو محلُّ اجتهادٍ سبق فيه حكمٌ فلم يُغيِّرْه أبو بكرٍ؛ لأن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.
وروى حَرْبٌ في "مسائله" (٤) عن ليث عن مجاهد قال: أُتي عمر ﵁ برجلٍ سبَّ النبي ﷺ فقتله ثم قال: من سبَّ الله أو رسولَه أو أحدًا من أنبيائه فاقتلوه.
стр. 77
وقال مجاهد عن ابن عباس: أيُّما مسلمٍ سبَّ الله أو رسوله أو أحدًا من الأنبياء، فقد كذَّب برسول الله، وهي رِدَّة، يُستتابُ فإن تابَ وإلا قتل، وأيُّما معاهدٍ سبَّ أحدًا من الأنبياء، فقد نقض العهد فاقتلوه.
وروى حَرْب (١) - أيضًا - أن عمر قال للنَّبَطيّ الذي كتب له كتابًا حين دخل الشام، وكان قد وقع منه شيءٌ فقال: ... (٢) لم أُعْطِك الأمان فتُدْخِل علينا في ديننا (٣)، لئن عُدْتَ لأضربنَّ عُنُقَك (٤).
فهذا عمر ﵁ بمحضرٍ من الصحابة من المهاجرين والأنصار يقول لمن عاهده: إنَّا لم نُعْطك العهد على أن تُدْخِل علينا في ديننا، وحلف لئن عاد ليضربنَّ عُنقَه، فَعُلِمَ بذلك إجماع الصحابة ﵃ على أن أهل العهد ليس لهم أن يُظهروا الاعتراض علينا في ديننا، وأن ذلك مُبِيْح لدمائهم.
وإن من أعظم الاعتراض سبَّ النبيِّ ﷺ ، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به.
ورُوِيَ عن ابن عمر: أنه مَرَّ براهبٍ، فقيل له: هذا يسبُّ النبي ﷺ ، فقال ابن عمر: لو سمعته لقتلْتُه (٥).
стр. 78
وذكر هذا الحديث غير واحدٍ، وتقدم حديثُ صَبِيْغ مع عمر (١)، وحديث ابن عباسٍ في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ خاصة (٢).
وبخبر خالد بن الوليد: أنه قتل امرأةً سبَّت النبيَّ ﷺ ، رواه أحمد (٣).
وذكر ابن المبارك بسنده أن غَرَفة بن الحارث الكِنْدي - وكانت له صحبة - سمع نصرانيًّا شتم النبي ﷺ ، فضربه فدَقَّ أنْفَه، فرُفِع إلى عَمْرو (٤) بن العاص، فقال: إنا قد أعطيناهم العهد، فقال غَرَفة: معاذ الله أن نُعطيهم العهد على سبَّ الرسول ﷺ ، فقال له عمرو: صَدَقتَ (٥).
فهذه أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ ﵃.
* * *
стр. 79
وأمَّا الاعتبار، فمن وجوه:
أحدها: أن عيب ديننا وشتم نبينا مجاهدة لنا ومحاربة؛ فكان نقضًا للعهد كالمحاربة باليد وأوْلَى.
يُبَين ذلك قوله: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) [التوبة: ٤١]، والجهاد في النفس يكون باللسان كما يكون باليد.
الوجه الثاني: أنا وإن أقررناهم على ما يعتقدونه من الكفر، فهو إقرار على ما يُضْمِرونه من العداوة، وأما إظهار السبِّ لله ولرسوله ودينه؛ فهو محاربة تنقض العهدَ.
الوجه الثالث: أنَّ مطلق العهد الذي بيننا وبينهم يقتضي أن يكفُّوا عن إظهار الطعن والشتم، كما يقتضي الإمساك عن سفك الدماء، بل السبّ أعظم من سفك الدماء، لأنا نبذل المال والنفسَ على أن نعزِّر الرسول ونعظَّمه ويعلو الدين (٢)، وهم يعلمون ذلك من ديننا فإذا خالفوه انتقض عهدُه.
الوجه الرابع: أن العهد الذي عاهدهم عليه عمر ﵁ قد بيَّن فيه ذلك وشَرَطَه عليهم، كما روى ذلك حَرْب بإسنادٍ صحيح عن عبد الرحمن بن غَنْم (٣).
стр. 80
الوجه الخامس: أن العقد مع أهل الذّمة على أن تكون الدار لنا تجري فيها أحكام الإسلام، وعلى أنهم أهل صَغَارٍ وذِلَّةٍ، على هذا عُوهِدوا وصُولحوا، فإظهار شتم الرسول والطعن في الدين يُنافي كونهم في صَغَارِ وذِلَّةٍ.
الوجه السادس: أن الله فرض علينا تعزير رسوله وتوقيره ونصره ومنعه وإجلاله وتعظيمه، وذلك يُوْجِب صونَ عِرضِه بكلِّ طريقٍ.
الوجه السابع: أن نصر رسول الله ﷺ فرضٌ علينا؛ لأنه من التعزير، وهو من أعظم الجهاد، وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]، بل نصر آحاد المسلمين واجب، فكيف بِنَصْر سيِّد ولد آدم ﷺ .
الوجه الثامن: أن الكفار قد عُوهِدوا على أن لا يُظهروا شيئًا من المنكرات المختصَّة بدينهم، فمتى أظهروا شيئًا منها عوقبوا؛ فكذلك إذا أظهروا سبَّ الرسول استحقوا عقوبة ذلك، وهي القتل.
الوجه التاسع: أنه لا خِلاف بين المسلمين أنهم ممنوعون من إظهار السبَّ، وأنهم يُعاقَبون عليه إذا فعلوه بعد النَّهْي، فَعُلِمَ أنهم لم يُقَرُّوا عليه، وإذا فعلوا ما لم يُقَرُّوا عليه من الجِنايات استحقوا عقوبته بالاتفاق، وسبُّ غيرِ الرسول يوجبُ جَلْدَهم، فكذلك سبُّ الرسول يوجب قتلَهم.
الوجه العاشر: أن القياس الجلي يقتضي أنهم متى خالفوا شيئًا مما عُوهِدُوا عليه انتقض عهدُهم، كما ذهب إليه طائفةٌ من الفقهاء، وإذا لم يفوا بما عُوهِدُوا عليه انفسخَ عقدُهم كما ينفسخ البيع وغيره إذا لم
стр. 81
يفِ أحد المتعاقدين بما شَرَطَه، والحكمة ظاهرة؛ فإنه إنما التزمَ ما التزمَه بشرطِ أن يلتزم الآخر بما التزمه، فإذا لم يلتزم له الآخر صار هذا غير ملتزم، فإن الحكم المعلَّق بشرطٍ لا يثبت عند عدمه باتفاق العقلاء.
إذا تبيَّن ذلك، فإن كان المعقود عليه حقًّا للعاقد، له أن يَبْذله بدون الشرط، لم ينفسخ العقد بفواته، بل له فسخه، كما إذا شرَط رهنًا في البيع.
وإن كان حقًّا لله أو لغيره ممن يتصرَّف له بالولاية؛ لم يَجُز إمضاء العقد، بل ينفسخ بفوات الشرط، أو يجب فسخُه، كما إذا شَرَطَ الزوجةَ حُرة مسلمة فبانت وثنيَّة.
وعقد الذِّمة ليس حقًّا للإمام؛ بل هو حق لله ولعامة المسلمين، فإن خالفوا شيئًا مما شُرِط عليهم فقد قيل: يجب على الإمام فسخ العقد، وفَسْخُه: أن يُلْحِقَه بمأمَنِه ويُخرجه من دار الإسلام، وهذا ضعيف؛ لأن الشرط حقٌّ لله، فينفسخ العقد بفواته من غير فسخٍ، وهنا شروط (١) الذمة حق لله.
ولو فُرِض جواز إقرارهم بلا شرط، فإنما ذاك فيما لا ضرر فيه على المسلمين، فأما ما يضرُّ بالمسلمين، فلا يجوز إقرارهم عليه بحال، ولو فُرِض إقرارهم على ما يضرُّ المسلمين في أنفسهم وأموالهم فلا يجوز إقرارهم على إفساد (٢) دين الله والطعن على كتابه ورسوله.
ومقتضى عقد الذِّمة أن لا يُظهروا سبَّ الرسول، كما أن سلامة
стр. 82
المبيع من العيوب، وحلول الثمن، وسلامة المرأة والزوج من الموانع، وإسلام الزوج وحُرِّيته = من مُوْجب العقدِ المطلقِ ومقتضاه، فإن موجب العقد هو ما يظهر عُرْفًا وإن لم يُتَلَفَّظ به. والإمساك عن الطعن والسبّ مما يُعْلَم أن المسلمين يقصدونه بعقد الذِّمة، ويطلبونه كما يطلبون الكفَّ عن مقاتلتهم وأَوْلَى، فإنه من أكبر المؤذيات.
فإن قيل (١): أهل الذمة قد أقررناهم على دينهم، ومنه استحلال السبِّ، فإذا قالوا ذلك لم يقولوا غير ما أقررناهم عليه.
قلنا: ومن دينهم استحلال قتال المسلمين وأخذ أموالهم ومحاربتهم بكلِّ طريق، ومع هذا فليس لهم أن يفعلوا ذلك بعد العهد، ومتى فعلوا نُقِضَ عهدهم، وذلك لأنا وإن كنَّا نُقِرُّهم على أن يعتقدوا ما يعتقدونه ويخفوا (٢) ما يخفونه، فلم نقرّهم على أن يُظْهِروا ذلك ويتكلموا به بين المسلمين، ونحن لا نقول بنَقْض عهد السابّ حتى نسمَعَه أو يشهد به المسلمون، فمتى حصل ذلك كان قد أظهروه (٣).
ولو أقررناهم على دينهم لأقْررناهم على هدم المساجد، وإحراق المصاحف، وقتل العلماء والصالحين، فإنهم يدينون بذلك، ولا خِلافَ أنهم لا يُقَرُّون على شيءٍ من ذلك أَلبتةَ.
* * *
стр. 83
المسألة الثانية (١): أنه يتعيَّن قتلُه، ولا يجوز استرقاقُه، ولا المنُّ عليه، ولا فداؤه
أما إن كان مسلمًا فبالإجماع؛ لأنه نوع من المرتدّ أو من الزنديق، والمرتدُّ يتعيَّن قتلُه وكذا الزنديق، وسواء كان رجلًا أو امرأةً، وإن كان معاهدًا يتعين قتله - أيضًا -، سواء كان رجلًا أو امرأة عند عامة الفقهاء من السلف ومن تبعهم، وقد تقدَّم قول (٢) ابن المنذر: "أجمع عوامُّ أهل العلم على أن على من سبَّ النبي ﷺ القتل، وممن قاله: مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. وحُكِي عن النعمان: لا يُقْتَل الذِّمِّي"، وهذا اللفظ دليل على وجوب قتلِه عند عامة العلماء، ولقتله مأخذان:
أحدهما: انتقاض عهده.
والثاني: أنه حدٌّ من الحدود، وهو قول فقهاء الحديث.
قال ابن راهوية: إن أظهروا السَّبَّ قُتِلُوا، وأخطأ من قال: "ما هم
стр. 84
فيه من الشرك أعظم من سبِّ النبي ﷺ ". قال إسحاق: يقتلون، لأنه نقض للعهد، وكذلك فعلَ عمر بن عبد العزيز فلا شُبْهة في ذلك، وقد قتل ابنُ عمر الراهبَ الذي سبَّ النبي ﷺ وقال: "ما على هذا صالحناهم" (١)، وكذلك نصَّ الإمام أحمد على وجوب قتله وانتقاض عهده، وتقدم بعض نصوصه (٢)، وكذلك نصَّ عامة أصحابه، ذكروه بخصوصه في مواضع، وذكروه - أيضًا - في جملة ناقضي العهد.
ثم المتقدِّمون وطوائف من المتأخرين (٣) قالوا: يتعيَّن قتله وقتل غيره من ناقضي العهد، كما دلَّ عليه كلام أحمد.
وذكر طوائفُ منهم أن الإمام يُخيَّر فيمن نقضَ العهدَ من أهل الذَّمة، كما يُخَيَّر في الأسير (٤)، فدخلَ هذا السابُّ في عموم الكلام؛ لكن المحققون منهم كالقاضي (٥) وغيره قيَّد ذلك بغير السابِّ، وأما السابُّ فيتعيَّن قتله. فإما أن لا يُحْكَى في تعيُّن قتلِه خلافٌ؛ لكون الذين أطلقوا في موضعٍ قيدوه في موضع آخر: بأن السابَّ يتعيَّن قتلُه، فهو غير داخلٍ في العموم، أو يُحْكَى فيه وجهٌ ضعيف؛ لأن الذين قالوا به في موضعٍ نصوا على خلافه في موضعٍ آخر.
واختلف أصحاب الشافعي - أيضًا - فمنهم من قال: يتعين قتلُه، ومنهم من ذكر الخلاف، وقال: هو كغيره (٦)، والصحيحُ جواز قتله،
стр. 85
قالوا: ويكون كالأسير يجب على الإمام أن يفعل فيه الأصلح.
وكلام الشافعي يقتضي أن الناقض حكمه حكم الحربي، وفي موضعٍ أمر بقتله عينًا من غير تخيير (١).
وأما أبو حنيفة (٢): فلا تجيءُ هذه المسألة على أصلِه، إذ أصله: لا ينتقض عهد أهل الذمة إلا أن يكونوا أهل شوكة ومَنَعَة، فيمتنعون بذلك على الإمام فلا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم.
ومذهب مالك: لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ممتنعين مِنَّا، مانعين للجزية من غير ظلمٍ أو يلحقوا بدار الحرب، لكن مالكًا يوجب قتل سابِّ الرسول عينًا، وقال: إذا اسْتَكْرَه الذِّميُّ مسلمةً على الزِّنا قُتِل إن كانت حُرَّة، وإن كانت أمَةً عُوقِبَ العقوبة الشديدة.
فشاتم الرسول (٣) يتعيَّنُ قتلُه كما نصَّ عليه الأئمة، أما على قول من [يقول] (٤): يتعيَّن قتل كلِّ من نقضَ العهد وهو في أيدينا، أو: يتعيَّن قتل كل ناقضٍ للعهد بما فيه ضررٌ على المسلمين وأذى، كما ذكرناه من مذهب الإمام أحمد، وكما دلّ عليه كلام الشافعي، أو يقول: يتعين قتل من نقض العهد بسَبِّ الرسول وحده، كما ذكره القاضي، وكما ذكره طائفةٌ من أصحاب الشافعي، وكما نصَّ عليه عامة الذين ذكروه في نواقض العهد، وذكروا أن الإمام يتخَيَّر فيمن نقض العهد
стр. 86
على سبيل الإجمال، فإنهم ذكروا في مواضع أُخَر أنه يقتل من غير تخيير فظاهر.
وأما على قول من يقول: إن كل ناقضٍ للعهد يتخيَّر فيه الإمام؛ فقد ذكرنا أنهم قالوا: إنه يستوفي منه الحقوق كالقتل والحدِّ والتعزير؛ لأن عقد الذِّمة على أن تجري أحكامنا عليهم، وهذه أحكامنا، ثم إذا استوفينا فالإمام مخيَّر فيه، كالأسِيْر.
وعلى هذا القول؛ فيمكنهم القول بقتل السابِّ حدًّا من الحدود، كما لو نقض بزنى أو قطع طريق، فإنه يقتل بذلك إن أوجب القتل، بل قد يقتل الذميُّ حدًّا من الحدود وإن لم ينتقض عهدُه، كما لو قَتَل ذِمٍّيًا، ومذهب مالك يمكن توجيهه على هذا الوجه إن كان فيهم من يقول: لم ينتقض عهدُه.
وبالجملة؛ فالقول بأن الإمام يتخيَّر فيه إنما يدلُّ عليه عموم [كلام] (١) بعض الفقهاء أو إطلاقه، وكذلك قولهم: إنه يُلْحق بدار الحرب.
وأخْذُ المذاهب من الإطلاقات يجرُّ إلى غلطٍ عليهم، بل لا بد من أخذ ذلك من كلامهم المفسّر، وبالجملة؛ فإن تقرَّر في هذا خلاف فهو ضعيف نقلًا وتوجيهًا، والدليل على تعيُّن قتله ما قدَّمناه من أقوال الصحابة والتابعين والسنن والآيات (٢).
* * *
стр. 87
المسألة الثالثة (١): أنَّه يُقْتل ولا يُسْتتَاب سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا
قال الإمام أحمد (٢): كلُّ من شتم النبيَّ ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يُستتاب.
مع نصِّه أنه مرتدٌ إن كان مسلمًا، وأنه ناقضٌ للعهد إن كان ذِمِّيًّا.
وكذلك أطلق غالب أصحابه أنه يُقتل ولم يذكروا استتابة، حتى فيمن قذفَ أمَّ النبي ﷺ أطلقوا قتله ولم يذكروا استتابة.
مع أنَّ له في قتل المرتدِّ غير السابِّ هل يجب استتابتُه أم يُسْتحبُّ؛ روايتان منصوصتان.
فلو تابَ من السبِّ بأن يُسلِم أو يعود إلى الذِّمة إن كان كافرًا ويُقْلِع عن السبِّ، فقال القاضي وغيره (٣): لا تُقبل توبةُ من سبَّ النبيَّ ﷺ ؛ لأن المعرَّة تلحق الرسول، وكذلك قال ابنُ عقيل، وهو حقٌّ آدمي لم يُعْلَم إسقاطُه.
стр. 88
قال عامة الأصحاب: لا تُقبل توبته بل يُقتل ولو تاب، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن كان مسلمًا يُستتاب؛ فإن تابَ وإلا قُتِل.
وإن كان ذميًّا؛ فقال أبو حنيفة: لا ينتقض عهدُه، واختلف أصحابُ الشافعي فيه.
قال الشريف في "الإرشاد" (١) - وهو ممن يُعْتَمد نقلُه -: "من سبَّ النبيَّ ﷺ قُتِل ولم يُسْتتب (٢)، ومن سبَّه من أهل الذِّمة قُتِل وإن أسلم".
وقال أبو علي بن البناء في "الخصال" (٣): "من سبَّ النبيَّ ﷺ وجبَ قتلُه، ولا تقبل توبتُه. وإن كان كافرًا فأسلم؛ فالصحيح من المذهب أنه يُقْتَل - أيضًا - ولا يُستتاب".
ومذهب مالكٍ كمذهبنا، وعامة هؤلاء لم يذكروا خلافًا في وجوب قَتل المسلم والكافر، وأنه لا يسقط بالتوبة من إسلام وغيره.
وقال القاضي في "الجامع الصغير" (٤): "من سبَّ النبيَّ قُتِل ولم تُقْبَل توبته، فإن كان كافرًا فأسلم ففيه روايتان".
وكذلك ذكر أبو الخطاب فيمن سبَّ أُمَّه لا تُقْبَل توبتُه، وإن كان كافرًا فروايتان.
стр. 89
وحكى بعض أصحابنا روايةً أن المسلم تُقْبَل توبته - أيضًا - في رواية (١) بأن يُسْلِم ويرجع عن السبِّ، كذا ذكره أبو الخطاب في "الهداية" (٢)، ومن احتذى حَذْوَه من المتأخرين، فتلخَّص أن الأصحاب حَكَوا في توبة السابِّ ثلاث روايات:
- لا تُقْبل، وهي المنصورة.
- تقبل.
- الثالثة: الفرق بين الكافر والمسلم، فتقبل توبة الكافر دون المسلم، وتوبة الذَّمِّي إذا قلنا تُقْبَل هو أن يُسْلِم، فأما إن أقلع وطلب عقد الذمة ثانيًا (٣) لم يُعْصَم روايةً واحدة كما تقدم.
وعلى قولنا يخيَّر فيه كالأسير، فتُشْرع استتابته بالعَوْد إلى الذِّمة؛ لكن لا تجب هذه الاستتابة رواية واحدة، وعلى الرواية التي ذكرها أبو الخطاب فإنه إن أسلم الذمي سقط عنه القتل، وعلى قول من يقول: تجِب دعوة كل كافرٍ قد تجب استتابة الذِّمي (٤).
وذكر السَّامري (٥): أن توبة المسلم على روايتين، وتوبة الكافر لا
стр. 90
تُقْبَل، عكس ما ذكره الأصحاب من الفرق، وليس الأمر كذلك، بل فيه خلل، وإلَّا فلا رَيْب أنَّا إذا قبلنا توبة المسلم بإسلامه فتوبة الذِّمي بإسلامه أَوْلَى. ذكره شيخ الإسلام (١).
ثم قال: وقد يُوجَّه ما ذكره السَّامري بأن يقال: السبُّ قد يكون غلطًا من المسلم لا اعتقادًا، فنقبل توبته إذ هو عَثْرة لسان أو قِلَّة (٢) علم، والذِّمي سبُّه أذًى مَحْض لا ريب فيه فإذا وجب عليه الحدُّ لم يسقط بإسلامه كسائر الحدود.
فتلخَّص (٣) أنهما لا يُستتابان في المنصوص المشهور، فإن تابا لم تقبل توبتهما في المشهور - أيضًا -، وحُكِي عنه في الذِّمي إذا أسلم سقط عنه القتل وإن لم يُسْتتب، وحُكِي عنه أن المسلم يستتاب وتُقبل توبته، وخُرِّج عنه في الذمي أنه يستتاب، وهو بعيد.
واعلم أنه لا فرق بين سبِّه بالقذف وغيره، نصَّ عليه، وذكره عامَّةُ أصحابه، وأكثر العلماء.
وفرَّق الشيخ أبو محمد (٤) بين القذف والسبِّ، فذكر الروايتين في المسلم وفي الكافر في القَذْف، ثم قال: "وكذلك سبه بغير القذف، إلَّا
стр. 91
أنه يسقط بالإسلام" (١)، وسيأتي تحرير ذلك (٢).
وأما مذهب مالك، فإنه يُقتل السَّابُّ ولا يُستتاب - أيضًا - والمشهور من مذهبه: أنه لا يقبل توبة المسلم إذا سبَّ، وحكمه حكم الزنديق، ويُقْتَل عندهم حدًّا لا كفرًا إذا أظهر التوبة، ورُوي عنه أنه جعله رِدَّة، قال أصحابُه: فعلى هذا يُستتاب، فإن تاب نُكِّلَ، وإن أبى قُتِلَ.
وأما الذميُّ إذا سبَّ ثم أسلم، فهل يدرأ عنه إسلامُه القتلَ؛ على روايتين، ذكرهما عبد الوهَّاب (٣) وغيره (٤).
وأما مذهب الشافعي (٥)؛ فلهم في السابِّ وجهان:
أحدهما: هو كالمرتدِّ إذا تاب سقط عنه القتل.
والثاني: أن حدَّه القتل بكلِّ حال.
وذكر الصيدلاني (٦) قولًا ثالثًا: أن السابَّ بالقذف يقتل للرِّدة، فإن تاب زال القتل، وجُلِد ثمانين للقذف، وبغير القذف يُعزَّر بحسَبِه.
стр. 92
ثم ذكر (١) أدلَّة من قال لا تُقْبَل توبته وما يعارضها وأجاب عن المعارض، واستدلَّ على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، بأدلَّةٍ لا يمكن أحدًا دفعها، مقدارها ثمان كراريس بالبلدي، فليُطالع هناك (٢).
* * *
стр. 93
المسألةُ الرَّابِعَة (١): في بيان السبِّ المذكور، والفرق بينه وبين مجرَّد الكُفْر
وقبل ذلك لا بد من تقديم مقدمة، وذلك أن نقول:
سبُّ الله أو سبُّ رسوله كفرٌ ظاهرًا وباطنًا، سواء اعتقد السَّابُّ أنه محرَّم أو كان مستحلًّا أو كان ذاهلًا عن اعتقادٍ، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.
وقد قال إسحاق بن راهوية - وهو أحد الأئمة يُعْدَلُ بالشافعي وأحمد -: "قد أجمع المسلمون أنَّ مَنْ سبَّ اللهَ، أو سبَّ رسولَهُ، أو دفع شيئًا مما أنزل الله، أو قتلَ نبيًّا = أنه كافر وإن كان مقِرًّا بكل ما أنزل الله" (٢).
وبذلك قال سُحْنون، وقال: ومن شكَّ في كفره كفَر، ونصَّ على ذلك غيرُ واحد من الأئمة؛ أحمد والشافعي وغيره، قال: "كلُّ من هَزَل بشيءٍ من آيات الله فهو كافر" (٣).
стр. 94
وكذلك قال أصحابُنا وغيرهم: من سبَّ الله أو رسولَه كفر إن كان مازحًا أو جادًّا، وهذا هو الصواب.
وقال القاضي (١): من سبَّ الله أو رسولَه فإنه يكفر سواءٌ استحلَّه أو لم يستحلَّه، فإن قال: لم استحلّ ذلك، لم يُقبل منه في ظاهر الحكم، روايةً واحدة، وكان مرتدًّا، وإنما يُحْكَم بكفره ظاهرًا، أما في الباطن، فإن كان صادقًا؛ فهو مسلم كما قلنا في الزنديق.
وذكر القاضي عن الفقهاء أن سابَّ النبي ﷺ إن استحلَّه كفر، وإن لم يستحلَّه فَسَق ولم يكفر كسابِّ الصحابة، وحُكِيَ عن بعض أهل العراق فيمن سبَّ الرسولَ يُجْلَد، فأنكر ذلك مالكٌ وردَّ فُتْياه (٢).
وحكى ابنُ حزمٍ أن بعض الناس لم يُكفِّر المستَخِفّ به (٣).
وذكر القاضي عِياض (٤) - بعد أن ردَّ هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي ذكره ابن حزمٍ - بما نقله من الإجماع عن غير واحدٍ، وحملَ الحكايةَ على أن أُولئك لم يشتهروا بالعلم، وتأوَّل الفُتيا على وجوه.
стр. 95
قال شيخ الإسلام: والحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مُستحلًّا كفر وإلا فلا، ليس لها أصل، وإنما نقلها القاضي (١) من كتاب بعض المتكلِّمين الذين حكوها عن الفقهاء، وهي كَذِب ظنُّوها جاريةً على أصولهم، فلا يظن ظانٌّ أن في المسألة خِلافًا، إنما ذلك غَلَط (٢).
فصلٌ (٣)
ثم نعود إلى مقصود المسألة فنقول:
قد ثبت أن كلَّ سبٍّ وشَتْمٍ يُبيح الدمَ فهو كفر، وإن لم يكن كل كفرٍ سبًّا، ونحن نذكر عبارات العلماء.
قال الإمام أحمد (٤): "من شتم الرسول أو تنقَّصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، ولا يُستتاب".
وقال: من ذكر شيئًا يُعرِّض بذكر الربِّ فعليه القتل (٥).
وقال أصحابُنا: التعرُّض لسبِّ الله وسبِّ رسوله رِدَّةٌ كالتصريح (٦)،
стр. 96
ولا يختلف أصحابُنا أن قذف أمِّه هو من جُملة سبِّه الموجِبِ للقتل وأغْلَظ.
وقال القاضي عِياض (١): "كلُّ من سبَّه أو عابَه أو ألحقَ به نقصًا في نفسِه أو نَسَبِه أو دينِه أو خَصْلَةٍ من خِصاله، أو عرَّضَ به، أو شبَّهه بشيءٍ على طريق السبِّ له والإزراء عليه، أو الغض منه والعَيْب له = فهو سابٌّ له يُقْتَل، تصريحًا كان أو تلويحًا. وكذلك من لعنه، أو تمنَّى مضرَّةً له، أو دعا عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذمِّ، أو عَيَّبَه في جهته (٢) العزيزة بِسُخْفٍ من الكلام، وهُجْرٍ ومُنْكرٍ من القول وزورٍ، أو عيَّره بشيءٍ مما يجري من البلاء والمحنة عليه، أو غَمَصَه (٣) ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة (٤) لديه.
قال: وهذا كلُّه إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من أصحابه [و] هلُمَّ جرَّا".
وقال مالك: من سبَّه قُتل ولم يُستتب، قال ابن القاسم: أو شتمه أو عابه أو تنقَّصَه قُتِل؛ كالزنديق (٥).
وذكر بعضُ المالكية أن من دعا على نبيٍّ بشيءٍ من المكروه قُتِلَ بلا استتابة (٦).
стр. 97
وذكر عياضٌ (١) أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بدون استتابةٍ في قضايا:
منها: رجلٌ سمع قومًا يتذاكرون صفةَ النبيِّ؛ إذ مرَّ بهم رجلٌ قبيح الوجه واللحية، فقال: تريدون تعرفون صِفَتَه؟ هي صفة هذا المارِّ.
ومنها: رجلٌ قال: النبيُّ ﷺ كان أسود.
ومنها: رجلٌ قيل له: "لا وحق رسول الله"! فقال: فعلَ اللهُ به كذا.
ومنها: عَشَّارٌ (٢) قال: أَدَّ، واشْكُ إلى النبيِّ ﷺ (٣).
ومنها: متفقَّهٌ كان يُسميه في أثناء مناظرته: "اليتيم" و"خَتَن حَيْدرة"، ويزعم أن زهدَه لم يكن قصدًا، ولو قَدَر على الطيَّبات لأكلها وأشباه هذا.
قال الشافعي: كلُّ تعريض فيه استهانة فهو سبٌّ.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه - فيمن تنقَّضه، أو بَرئ منه، أو كذَّبه -: إنه مرتدٌّ.
فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقُّصَ به كفر مُبِيح للدم، وهم في استتابته على ما تقدَّم من الخلاف، ولا فرقَ
стр. 98
في ذلك بين أن يقصد عيبه أو لا يقصده أو يَهْزِل أو يمزح، فهذا كله سواء، فإن الرجل يتكلَّم بالكلمة ما يُلْقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرقَيْن (١).
ومن قال ما هو سبٌّ وتنقُّصٌ له فقد آذى الله ورسولَه، وهو مأخوذٌ بما يؤذي به الناس من القول الذي هو في نفسه أذًى وإن لم يقصِد أذاهم، ألم تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ... ﴾ الآية [التوبة: ٦٥].
فمن شاجَرَ غيره وبحث معه في حكم وحَرَجَ (٢) لذكر رسول الله ﷺ حتَّى أفحشَ في منْطِقِه؛ فهو كافرٌ بنصِّ التنزيل؛ لقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... ﴾ الآية [النساء: ٦٥]. ولا يُعْذر هذا بأن مقصوده ردُّ الخصم.
ومن هذا الباب: قول القائل: "هذه قِسْمَةٌ ما أُرِيْدَ بها وَجْهُ اللهِ" (٣)، وقول الآخر: "اعْدِل فإنَّك لم تَعْدِل" (٤)، وقول ذلك الأنصاري: "أنْ كان ابنَ عَمَّتِكَ" (٥)؛ فإن هذا كفرٌ صريح، وإنما عَفَى عنه كما عَفَى عمَّن قال: "إنَّ هذه لقسمةٌ ما أريدَ بها وجهُ الله"، وعن الذي قال:
стр. 99
"اعْدِل"، وقد ذكرنا (١) عن عمر ﵁ أنه قتل رجلًا لم يرضَ بحكم النبي ﷺ فنزل القرآن بموافقته (٢)، فكيف بمن طعن في حكمه!؟
وقد ذكر طائفةٌ - منهم ابنُ عقيل وأصحابُ الشافعي -: أنَّ هذا كان عقوبته التعزير، ثم منهم من قال: لم يُعَزِّره؛ لأنه غير واجب، ومنهم من قال: عَفَى عنه؛ لأنَّ الحقَّ له. ومنهم من قال: عاقبَه بأن أمرَ الزُّبيرَ أن يسقي ثم يحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، وهذه كلُّها أقوالٌ رديَّة، ولا يستريب من تأمَّل أن هذا كان يستحق القتل.
فإن قيل: ففي روايةٍ صحيحة أنه كان من أهل بدرٍ، ولا يقال عن بدريٍّ: إنه كفر.
فيقال: هذه الزيادة ذكرها أبو اليَمَان عن شُعيب ولم يذكرها أكثر الرواة، فهي وهم (٣). كما وقع في حديث كعب وهلال بن أميَّة (٤) أنهما من أهل بدرٍ، ولا يختلفُ أهل المغازي والسِّيَر أنهما لم يشهدا بدرًا (٥)،
стр. 100
ولذلك لم يذكره ابنُ إسحاق في روايته عن الزهري (١)؛ لكن الظاهر صحتها.
فنقول حينئذٍ: ليس في الحديث أن هذه القِصَّة كانت بعد بدرٍ؛ فلعلَّها كانت قبل بدرٍ، وسُمَّي الرجلُ بدريًا؛ لأن ابن الزبير حدَّثَ بالقِصَّة بعد أن صار الرجلُ بدريًّا. ولو كانت بعد بدرٍ فقد تاب قائلها واستغفر، فإن التوبةَ تجبُّ ما قبلها (٢).
فصلٌ (٣)
إذا ثبت أنَّ كلَّ سبًّ تصريحًا أو تعريضًا موجبٌ للقتل، فالذي يجب أن يُعْتَنَى به: الفرق بين السبِّ الذي لا تُقبل منه التوبة والكفر الذي تُقبل منه التوبة، فنقول:
هذا الحكم قد نِيْطَ في الكتاب والسنة باسم أذى الله ورسوله، وفي بعض الأحاديث ذكر الشتم والسبّ، وكذلك ما في ألفاظ الصحابة والفقهاء من ذكر السبّ والشتم، والاسمُ إذا لم يكن له حدٌّ في اللغة، كاسم الأرض والسماء، ولا في الشرع كالصلاة والزكاة والكفر والإيمان، فإنه يُرْجَع في حدِّه إلى العُرْف، كالقَبْض والحِرْز، فيجب أن يُرْجَع في حدِّ الأذى والسبّ والشتم إلى العُرْف، فما عدَّه أهل العُرْف
стр. 101
سبًّا أو انتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا ونحو ذلك فهو من السبّ، وما لم يكن كذلك [وهو كفر]، فهو كفر وليس بسبٍّ، [والمعتبر أن يكون سبًّا وأذًى للنبي ﷺ وإن لم يكن سبًّا وأذًى لغيره] (١)؛ فعلى هذا كلُّ ما لو قيل لغير النبي ﷺ أوجبَ تعزيرًا أو حدًّا بوجهٍ من الوجوه؛ فإنه من باب سبِّ النبي ﷺ كالقذف واللعن وغيرهما.
وأما ما يختصّ بالقدح في النبوَّة؛ فإن لم يتضمَّن [إلا] مجرَّد (٢) عدم التصديق بنبوته؛ فهو كفر محضٌ، وإن كان فيه استخفافٌ واستهانةٌ مع عدم التصديق؛ فهو من السبِّ.
وهنا مسائل اجتهاديَّة يتردَّد الفقهاء هل هي من السبِّ أو من الرِّدة المحضة، ثم ما ثبت أنه ليس بسبٍّ؛ فإنْ استسَرَّ به صاحبُه فهو زندقة حكمه حكم الزنديق، وإلا فهو مرتدٌّ محض، واستقصاء الأنواع والفرق بينها له موضعٌ آخر.
فصلٌ (٣)
فأما الذمِّي فيجب التفريق بين مجرَّد كفره به وبين سبِّه، فإنَّ كفره به لا ينقض العهدَ ولا يُبِيْحُ دَمَ (٤) المعاهد بالاتفاق، وأما سبُّه له فإنه ينقض العهدَ ويوجب القتلَ كما تقدم (٥).
стр. 102
قال القاضي: "عَقْد الذمة (١) يوجب إقرارهم على تكذيبه لا على سبِّه ﷺ ".
فنقول: الآثار عن الصحابة وعن السَّلف كلها مطلقة فيمن شتم من مسلمٍ ومعاهدٍ لم يُفَصِّلوا بين شتمٍ وشتمٍ، ولا بين أن يكرر الشتم أو لا يكرره، أو يُظهره أو لا يظهره، وأعني بقولي: "لا يظهره"، أن لا يتكلَّم به في ملأٍ من المسلمين، وإلَّا فالحدُّ لا يُقَام عليه حتى يشهد مسلمان أنهما سمعاه يشتم أو يُقرُّ بالشتم، اللهم إلا أن يُفْرَض أنه شتمه في بيته خاليًا؛ فسمعه جيرانه المسلمون أو من استرقَ السمع منهم.
وقال مالك وأحمد: كل من شتمه أو تنقَّصَه مسلمًا كان أو كافرًا قتِل (٢)، وكذلك أطلقه سائر أصحابنا: أنه إن تنقَّصَه قُتِلَ مسلمًا كان أو كافرًا.
وذكر القاضي وابنُ عقيل: أنَّ ما أبطل الإيمان أبطل الأمانَ إذا أظهروه، وطَرَد ابنُ عقيلٍ (٣) هذا القياس في كلَّ ما ينقض الإيمان من التثْنِية والتثليث (٤)، كقول النصارى: إن الله ثالث ثلاثة، ونحو ذلك: أن الذمي متى أظهرَ ما يعلم (٥) من دينه من الشرك نقضَ العهدَ.
стр. 103
قال القاضي: وقد نصَّ على ذلك أحمد في رواية حنبل: "كل من ذكر شيئًا يعرِّض به الربّ فعليه القتل - مسلمًا كان أو كافرًا - وهذا مذهب أهل المدينة" (١).
وقال أحمد في رجلٍ يهودي سمع مؤذِّنًا يؤذِّن فقال: كذبتَ، فقال: يُقْتَل لأنه شتم (٢).
وقال ابن القاسم فيمن سبَّه فقال: ليس بنبيٍّ، أو لم يُرْسَل، أو لم يَنْزل عليه قرآن وإنما هو شيءٌ قاله = يُقْتَل. وإن [قال]: إنه لم يُرْسَل إلينا وإنما أُرسِلَ إلى المسلمين، وإنما نبينا موسى أو عيسى = لا شيءَ عليهم (٣).
ولو قال: دينه خيرٌ من ديننا = أُدِّب وسُجِن طويلًا وهذا قول محمد بن سُحْنُون، وذكره عن أبيه، ولهم قولٌ إذا سبَّه بالوجه الذي به كَفَرَ (٤) لا يُقْتَل، وبغيره يُقتل إلا أن يُسْلِم (٥).
وقال في اليهودي - إذا قال للمؤذَّن حين تشهده "كذبتَ" -: يُعَاقَب ويُسجن (٦)، قد تقدم نصُّ الإمام أحمد في مثل هذه الصورة على القتل؛ لأنه شَتْم.
стр. 104
وكذلك اختلف أصحاب الشافعيِّ في السبّ الذي ينتقض به عهدُ الذَّمي ويُقْتَل به إذا قلنا بذلك على وجهين:
أحدهما: ينتقض بمطلق السبِّ لنبينا والقدح في ديننا إذا أظهروه، وإن كانوا يعتقدون ذلك دينًا، وهذا قول أكثرهم.
والثاني: أنهم إن ذكروه بما يعتقدونه فيه دينًا (١) مِن أنه ليس برسولٍ والقرآن ليس بكلام الله؛ فهو كإظهارهم قولهم في المسيح ومعتقدهم في التثليث، قالوا: وهذا لا ينتقض العهدُ به بلا تردد، بل يُعَزَّر على إظهاره.
وأما إذا ذكروه بما لا يعتقدونه دينًا؛ كالطعن في نسبِه؛ فهو الذي قيل فيه: ينقض العهدَ، وهذا اختيار الصيدلاني وأبو المعالي (٢) وغيرهما.
والأدلَّة تدلُّ على أن السبَّ بما يعتقدونه فيه دينًا وما لا يعتقدونه فيه دينًا سواء، وأنَّ مطلق السبَّ مُوجبٌ للقتل، وقد تقدم ذلك بما فيه كفاية. فإن الذين كانوا يهجونه ويعيبونه وينفَّرون عنه الناس إنما كان ذلك فيما يعتقدونه، ومع ذلك أمرَ بقتلهم.
وهذا الفرق متهَافِتٌ جدًّا (٣).
وأيضًا: لو قلنا: لا يكون سبًّا إلا ما ليس دينًا لهم أمْكَنَ كلُّ من
стр. 105
سبَّه أن (١) يقول: أنا اعتقده دينًا. وحينئذٍ فنقول:
التكلُّم في تمثيل سبَّه وذكر صفة (٢) ذلك مما يثقُل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نَفُوهَ بذلك؛ لكن للحاجة إلى الكلام فنحن نفرض الكلام في أنواع السبِّ مطلقًا من غير تعيين، والفقيه يأخذ حظَّه من ذلك فنقول:
السبُّ نوعان: دعاءٌ وخبر، أما الدعاء: فمثل أن يقول القائل لغيره من الناس: لَعَنَه الله، قبَّحه الله، أخزاه الله، لا ﵀، لا ﵁، قطعَ اللهُ دابِره، فهذا سبٌّ للأنبياء ولغيرهم، وكذلك لو قال عن نبيٍّ: لا صلَّى الله عليه ولا سلَّم، أو: لا رفع الله ذكرَه، أو: مَحَى الله اسمه، ونحو ذلك من الدعاء بما فيه ضررٌ في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة، فهذه كلُّه إذا صدر من مسلمٍ أو من معاهدٍ فهو سبٌّ، فيُقْتَل المسلم بكلَّ حالٍ، والذميُّ يُقْتَل بذلك إذا أظهره.
فأما إن أظهرَ الدعاءَ له وأبطنَ الدعاءَ عليه إبطانًا يُعرف من لَحْن القول، بحيث يفهمه بعض الناس دون البعض، مثل قوله: "السام عليكم" إذا أخرجه مخرج التحية، وأظهر أنه يقول: "السلام"؛ ففيه قولان:
أحدهما: أنه من السبِّ الذي يُقْتَل به، وإنما كان عفو النبي ﷺ عن اليهودي حين حيَّاه بذلك حالَ ضعف الإسلام، لمَّا كان مأمورًا بالعفو، وهذا قول طائفةٍ من المالكية والشافعية والحنبلية (٣).
стр. 106
والقول الثاني: أنه ليس من السبِّ الذي ينقض العهد؛ لأنهم لم يُظهروا السبَّ ولم يجهروا به، وإنما أظهروا التحيَّة والسلام لفظًا وحالًا وحذفوا "اللام" حَذْفًا خفيًّا يَفْطُن له بعض السامعين، وقد لا يُفْطَن له (١)، ولهذا أُمِرْنا أن نردَّ عليهم، وجعل ذلك شرعًا باقيًا فينا، وهذا قول جماعةٍ من المتقدمين من أصحابنا وغيرهم.
ولا يقال: هذا دعاءٌ بالموت وهو حقٌّ ليس بسبٍّ. فإن الدعاء على المسلمين بالموت وترك الدين من أعظم السبِّ، كما أنَّ الدعاءَ بالصحة والسلامة كرامة.
النوع الثاني (٢): الخبر، فكلُّ ما عدَّه الناسُ شتمًا وسبًّا أو تنقُّصًا، فإنه يجب به القتل كما تقدم، فإن الكفر ليس مستلزمًا للسبِّ، والكلمةُ الواحدةُ تكون في حالٍ سبًّا وفي حالٍ ليست بسبٍّ، فعُلِمَ أنه يختلف باختلاف الناس والأحوال والأقوال، وإذا لم يكن للسبِّ حدٌّ لغويٌّ ولا شَرْعي رُجِعَ فيه إلى العُرْف، فما كان سبًّا في عُرْف الناس حُمِل عليه كلام الصحابة والعلماء وإلا فلا، ونحن نذكر من ذلك أقسامًا فنقول:
لا شكَّ أن إظهار التنقُّص والاستهزاء به عند المسلمين سبٌّ؛ كالتسمية باسم الحمار والكلب، أو وصفه بالمسكنة والخِزْي والمهانة، والإخبار بأنه في العذاب وأنّ عليه آثام الخلائق، وكذلك إظهار التكذيب على وجه الطعن في المكذَّب؛ مثل وصفه بأنه ساحر خادع محتالٌ، وأنه يضرُّ من اتبعه، فإن نَظَمَ ذلكَ شِعرًا فهو أبلغ في الشتم، فإنه يُحْفَظ.
стр. 107
وأما إن أخبر عن معتقده بغير طعنٍ، مثل قوله: لست متَّبعه، لست مصدِّقه، أو: لا أُحبُّه، أو: لا أرضى به (١) ولا قرينةَ على تنقُّصه، فقد أخبر بمُعْتَقَدِه، وهو [يحصل لجهله] (٢) أو لعناده وحسدِه وتقليد الأسلاف.
وإذا قال: "لم يكن رسولًا ولا هو نبيٌّ"؛ فهو تكذيب صريح، وكل تكذيب فقد تضمَّن نِسبته إلى الكذب ووصفه بأنه كذاب. لكن بين قوله: "ليس بنبي" وقوله "كذَّاب" فرقٌ من حيث أن هذا إنما تضمَّن التكذيب بواسطة علمنا أنه كان يقول: "إني رسول الله"، وليس من نَفَى عن غيره بعض صفاته نفيًا مجرَّدًا كمن نفاها عنه ناسبًا له إلى التكذيب في دعواها، والمعنى الواحد يؤدَّى بعباراتٍ بعضها يُعَدُّ سبًّا وبعضُها لا يُعَدُّ سبًّا.
* * *
стр. 108
فصلٌ فيمن سبَّ الله تعالى (١)
فإن كان مسلمًا وجبَ قتله بالإجماع (٢)؛ لأنه كافر بل أسوأ حالًا منه.
ثم اختلف أصحابنا وغيرهم في قبول توبته، بمعنى أنه هل يُستتاب كالمرتَدّ ويسقط عنه إذا أظهر التوبة بعد رفعه إلى السلطان؟ على قولين:
أحدهما: أنه بمنزلة سابِّ الرسول فيه الروايتان، كالروايتين في سابَّ الرسول، هذه طريقة أبي الخطاب (٣) ومن تَبِعَه من المتأخَّرين، ويدلُّ عليه كلام أحمد، وهو مذهب أهل المدينة (٤).
وعلى هذه الطريقة؛ فظاهر المذهب أنه لا يسقط القتل بالتوبة بعد القدرة عليه كما ذكرنا في سابَّ الرسول.
وأما الرَّواية الثانية: فإنه يكون مرتدًّا، وبالرواية الأولى قال مالك والليث وابن القاسم= إنه يُقْتَل ولم يُسْتَتَب (٥).
стр. 109
والثاني: يُسْتتاب وتُقْبَل توبتُه بمنزلة المرتدَّ، وهذا قول القاضي والشريف (١) وابن البنَّاء وابن عقيل، مع قولهم: إن سابَّ الرسول لا يُستتاب وهو قول طائفةٍ من المدنيين، وكذا ذكره أصحاب الشافعي، قالوا: سبُّ اللهِ رِدَّة، وهذا مذهب أبي حنيفة.
فأمَّا مأْخَذ من استتاب السابّ لله ورسوله؛ فقالوا: هو رِدَّةٌ، ومن فرَّق قال: سبُّ الله كفرٌ محضٌ حقٌّ لله، وهو - سبحانه - علم منه أنه يُسْقِط حقَّه عن التائب ولا يلحقه غضاضة ولا مَعَرَّةٌ، وحُرْمته في قلوب العِباد أعظمُ من أن تهتكها جُرْأةُ أحدٍ، وبهذا يظهر الفرقُ بينه وبين الرسول، ولأنه حق آدميٍّ فلا يسقط بالتوبة.
وبالنظر إلى أنه حقٌّ لله، فما انتهكه من حُرْمة الله لا ينجبر إلا بالحدِّ فأشبه الزنا والسَّرقة والشرب.
فصلٌ (٢)
وإن كان السابُّ لله ذِمِّيًّا؛ فهو كما لو سبَّ الرسول، وقد تقدَّم نصُّ أحمد أنه يُقتل مسلمًا كان أو ذِميًّا (٣)، وكذلك أصحابنا وكذا مذهب مالكٍ وأصحابِه، وكذلك أصحاب الشافعي؛ لكن هنا مسألتان:
إحداهما: أن سبَّ اللهِ على قِسمين:
أحدهما: سبُّه بما لا يُتَدَيَّن به، بل هو استهانةٌ عند المتكلِّم وغيره، كاللعن، فهذا هو السبُّ بلا رَيْب.
стр. 110
والثاني: أن يكون مما يُتديَّن به، ويعتقده تعظيمًا، مثل قول النصارى: له ولدٌ وصاحبة، فهذا مما اخْتُلِفَ فيه إذا أظهره الذمي؛ فقال القاضي وابن عقيل: ينتقض به عهدُه.
وقال مالك والشافعي: ما يتديَّن به ليس هو بسبٍّ، وهو ظاهر كلام أحمد، وذلك أن الكافر لا يقول ذلك سبًّا، بل هو عنده تعظيم.
المسألة الثانية: في استتابة الذمي:
فجمهور أصحابنا يقبلون توبته، وهذا المعروف من مذهب الشافعي، وكذا قال ابنُ القاسِم وغيره من المالكية: إنه يُسْتَتَاب، والمنصوص عن مالكٍ: أنه لا يُستتاب بل يُقتل، وهو ظاهر كلام أحمد.
وبالجملة؛ فالسبُّ ثلاثة (١) مراتب:
الأولى: ما يتديَّن به، كقول النصارى في عيسى ونحوه، فهذا حكمه حكم سائر أنواع الكفر، وقد ذكرنا الخلاف في انتقاض العهد بإظهاره (٢)، وإذا قيل بانتقاض العهد به؛ فسقوط القتل عنه بالإسلام متوجِّه، وهو قول الجمهور.
المرتبة الثانية: أن يذكر ما يتديَّن به، وهو سبٌّ لدين المسلمين، كقول اليهوديِّ للمؤذِّن: "كذبتَ"، وكردِّ النصرانيِّ على عمر (٣)، وكما لو