← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 29719

المدخل لدراسة القرآن الكريم

محمد أبو شهبة

Полный текст (477 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[المدخل لدراسة القرآن الكريم]ـ المؤلف: محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة (المتوفى: ١٤٠٣هـ) الناشر: مكتبه السنة - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

[التعريف بالقرآن الكريم] مقدمة الطبعة الثالثة بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، والصلاة والسلام على شفيعنا يوم المآب. أما بعد: فإن الله تعالى أنزل خاتم كتبه، على خير أنبيائه ورسله؛ ليكون كلمة الله الأخيرة للعالمين، فانقسم الناس في تلقّيه أحزابا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر: ٣٢]. ولئن كان هذا القرءان تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣] فإن هناك من يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [التوبة: ٣٢] وما يزال هذا دأبهم جيلا بعد جيل أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [الذاريات: ٥٣] فكان الواجب على علماء الأمة خدمة كتابها، وتبيين علومه، والذبّ عنه، خاصة في تلك الأوقات العصيبة التي تنطلق فيها سهام التشكيك من كل صوب، من وسائل الإعلام العالمية المتنوعة المرئية والمسموعة والمقروءة. ولن تعدم خير الأمم من يقوم بهذا الواجب، فما زالت أيدي علمائها تسطّر من العلوم وتزيل الشبهات بما تبهر به العقول، وتقر أعين المؤمنين، وتنكّس رءوس المنافقين. وكتاب «المدخل» لفضيلة الشيخ العلامة الدكتور محمد أبو شهبة يعد حسن الختام لما كتب في هذا المجال، فقد جمع فيه بين عمق المعرفة، وسلاسة الأسلوب. جمع بين علوم القرءان على نهج المتقدمين، وبين تفنيده لشبهات المستشرقين، مع أدب عال في النقد والحوار، وغيرة شديدة على الإسلام وكتابه وعقيدته الصافية.

стр. 3

وها هو الكتاب يطبع للمرة الثالثة بعد أن نفدت طبعته الثانية تماما، وذلك لما جمع فيه من العلم الغزير مع النية الطيبة الحسنة، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا. وكان المؤلف ﵀ قد ألحق بقلمه زيادات وتنقيحات على الطبعة الأولى للكتاب، فلما طبع الطبعة الثانية أدخلت هذه الزيادات فيها، ولكنها للأسف أحيانا أدخلت في غير موضعها! وفي أحايين قليلة استبدلت بعض الكلمات ظنا من المصحح أنها تصحيف! لكن بحمد الله قمنا في هذه الطبعة بالمقابلة على الأصل- كما هو منهج المحدثين- فأرجعنا الزيادات إلى أماكنها الصحيحة، واستبقينا الكلمات التي صاغها المؤلف بيده إذا تبين أنها صحيحة لغة، وأن المؤلف قصدها بعينها. وإذا كانت مكتبتنا تشرف بمثل هذا الكتاب، فلا ريب أن المكتبة الإسلامية تزداد به حسنا وبهاء. نسأل الله أن يرحم المؤلف رحمة واسعة على ما قدم لخدمة كتابه، ونسأله سبحانه أن يوفقنا لما فيه رضاه، وأن يجزي خيرا كل من ساهم في خدمة الكتاب وتصحيحه، والقيام على نشره، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. مركز السنة للبحث العلمي بالقاهرة

стр. 4

مقدمة الطبعة الثانية بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان، والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل: «ما من نبي من الأنبياء إلا وآتاه الله من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فقد نفدت الطبعة الأولى من هذا الكتاب القويم الذي يدور في فلك القرآن الكريم، من منذ بضع سنين. وقد رغب إليّ الكثيرون ممن قرءوه وانتفعوا به، من طلاب جامعة الأزهر الشريف، وغيرهم من طلاب المعرفة وعشاق الثقافة الإسلامية الأصيلة؛ هذه الثقافة التي تدور حول الأصلين الشريفين: القرآن الكريم، والسنة النبوية المنيفة. وقد رأيت أن تجيء هذه الطبعة الثانية- كما هي سنة الله في التطور والارتقاء- مشتملة على مزيد من التحقيقات، ومن الموضوعات التي لا يستغني عنها الدعاة الذين نصبوا أنفسهم للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ولا سيما فيما أورده المستشرقون والمبشرون على القرآن من شبهات، فقد عرضت للشبه التي أثيرت على الوحي، ورددتها بالقواعد العلمية الصحيحة لا بالعاطفة والعصبية. وكذلك زدت بحوثا حول ثبوت النص القرآني بالتواتر المفيد للقطع واليقين، وسلامة هذ النص من التحريف والتبديل، وهي خصيصة للقرآن لم تتوافر لأي كتاب آخر سماوي. وكذلك زدت فيه بحوثا حول نزول القرآن على سبعة أحرف، ورد شبه

стр. 5

بعض المستشرقين في هذا، والكتاب المعاصرين الذين لم يأخذوا من الدراسات القرآنية بحظ وافر. والله أسأل أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يجعل عملي مقبولا، وأجري موصولا، إنه سميع مجيب، وهو حسبي! ونعم الوكيل. أبو عمر محمد بن محمد أبو شهبة

стр. 6

مقدمة الطبعة الأولى بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أنزل على عبده «محمد» القرآن مشتملا على الحكم والأحكام والمواعظ والآداب، والصلاة والسلام على سيدنا «محمد» الذي خصه الله بجوامع الكلم، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله وصحابته، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الحساب. أما بعد: فإن أحق ما يشتغل به الباحثون، وأفضل ما يتسابق فيه المتسابقون- مدارسة كتاب الله، ومداومة البحث فيه، والغوص عن لآلئه والكشف عن علومه وحقائقه، وإظهار إعجازه وتجلية محاسنه، والدفاع عن ساحته ونفي الشكوك والريب فيه، والقرآن بحر لا يدرك غوره، ولا تنفد درره، ولا تنقضي عجائبه، فما أحق الأعمار أن تفنى فيه، والأزمان أن تشغل به، وكل ساعة يقضيها الباحث في النظر في كتاب الله، والتأمل فيه أو في البحث فيما يتصل به، في سبيل الله، وفي سبيل الإسلام. ولما أسند إليّ تدريس «علوم القرآن» بقسم «الدراسات العليا» بكلية أصول الدين من كليات الجامعة الأزهرية رأيت أن أضع في هذا مؤلفا وسطا: لا هو بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل؛ ليكون مرجعا لطلاب هذا القسم وغيرهم من عشاق القرآن وعلومه. ولما كانت مباحث هذا العلم مدخلا وسبيلا لدراسة «القرآن الكريم» وفهمه وتدبره لم أجد نفسي في حاجة إلى أن أتكلف لهذا المؤلف اسما وسميته: «المدخل لدراسة القرآن الكريم»، ويعتبر هذا «المدخل» أول كتاب ألف في هذا الفن، من أحد رجال الطبقة التي تلي طبقة شيوخنا وأول باكورة شهية، لقسم الدراسات العليا شعبة «التفسير وعلومه، والحديث وعلومه» أقول هذا تحدثا بنعمة الله عليّ ولله الحمد، والمنة. والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه، وأن يجعل نفعه عاما موصولا. أبو عمر محمد بن محمد أبو شهبة

стр. 7

التعريف بالقرآن الكريم القرآن الكريم: هو كتاب الله- المنزل على خاتم أنبيائه محمد ﷺ بلفظه ومعناه، المنقول بالتواتر المفيد للقطع واليقين المكتوب في المصاحف من أول سورة «الفاتحة» إلى آخر سورة «الناس». أحكمه الله فأتقن إحكامه، وفصّله فأحسن تفصيله، وصدق الله كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]، لا يتطرق إلى ساحته نقض ولا إبطال. وصدق العلي العظيم حيث يقول: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [فصلت: ٤١ - ٤٢]. وهو المعجزة العظمى، والحجّة البالغة الباقية على وجه الدهر لرسول البشرية سيدنا «محمد» صلوات الله وسلامه عليه، تحدى به الناس كافة، والإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو ببعضه فباءوا بالعجز والبهر. وقد وقع التحدي «بالقرآن» على مرات متعددة، كي تقوم عليهم الحجة تلو الحجة، وتنقطع المعذرة. تحداهم أولا أن يأتوا بمثله فعجزوا وما استطاعوا، قال عز شأنه في سورة «الإسراء» المكية الآية [٨٨] قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨). وقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) سورة الطور المكية الآية [٣٣ - ٣٤]. ثم تحداهم: أن يأتوا بعشر سور مثله، فما قدروا، قال تعالى في سورة «هود» المكية الآية [١٣ - ١٤] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ (١) وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا

стр. 8

لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) أي أسلموا، فهو طلب برفق ولين وهو لون من ألوان أدب الخطاب في القرآن. ثم تحداهم مرة ثالثة: بأن يأتوا بسورة منه، أيّ سورة مهما قصرت، كسورة «الكوثر» فما رفعوا بذلك رأسا، قال تعالى في سورة «يونس» المكية الآية [٣٨ - ٣٩]: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩). وهذا الذي ارتضاه جمهور العلماء وارتضيته في ترتيب آيات التحدي هو ما يجب أن يصار إليه، ومن العلماء من يجعل آية «يونس» متقدمة على آية «هود»؛ لتقدم نزول سورة يونس على نزول سورة هود، فيجعل التحدي بسورة قبل التحدي بعشر سور (١)، والجواب أنه على فرض تسليم ذلك فلا يمنع من تأخر نزول آية في سورة متقدمة، على نزول آية في سورة متأخرة، على أن بعض العلماء يرى تقدم سورة «هود» على سورة «يونس»؛ وحينئذ يكون ما ذهبنا إليه هو الحق والصواب، وإذا كان مستقبحا في الكلام العادي التحدي بشيء فإذا عجز تحداه بعشرة أمثاله فما بالك بأبلغ الكلام، وأحكمه هذا ما لا يمكن أن يكون في الكتاب المعجز المبين ثم كرر التحدي بسورة ما، فقال في سورة «البقرة» المدنية [الآية ٢٣ - ٢٤] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤). فألقموا حجرا، ولم ينبسوا في المعارضة بكلمة ... !

стр. 9

وبذلك ثبت إعجاز «القرآن» على أبلغ وجه وآكده، وإذا ثبت عجز العرب فغيرهم بالعجز أحرى وأولى (١). ١ - القرآن كتاب العربيّة الأكبر والقرآن هو كتاب العربية الأكبر، ورمز وحدة العرب الكبرى وجامعتهم العظمى، وبه اكتسبت لغة العرب بقاءها، وحيويتها؛ وبه صار العرب أمة واحدة مؤمنة موحدة، متآلفة القلوب متجانسة المزاج، متحدة اللسان، متشابهة البيان، وبه صار المسلمون في صدر الإسلام أمة واحدة، لا يفرق بينها جنس، ولا لون، ولا لغة، فقد انصهرت كل هذه الفوارق في نور الإسلام، ولم يبق إلا الاعتزاز بالإسلام والقرآن، وصار لسان الواحد منهم يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم ومنه استمد العرب والمسلمون علومهم ومعارفهم، فما من علم من علومهم إلا وله بالقرآن سبب، وله منه ورد ومدد، ولولا هذا الكتاب العربي المبين لاستعجمت لغة العرب، وأضحت في عداد اللغات الميتة، فهو الذي يجدد شبابها كلما اعتراها الهرم والضعف، ويأخذ بيدها إذا ألمّ بها التخلف والركود، ولولا هذا الكتاب لما كانت هذه الثروة الطائلة من العلوم التي تدور حول القرآن، ولغة القرآن وتجول في رحابه الواسعة. وما من عربي- أيا كان دينه- إلا وله بهذا الكتاب مفخرة واعتزاز وحب ووفاء؛ لأنه يخاطب فطرته اللغوية ووجدانه البياني، وروحه العربية الصافية الشفافة. ٢ - القرآن كتاب الهداية الكبرى والقرآن هو هداية الخالق لإصلاح الخلق، وشريعة السماء لأهل الأرض. وهو التشريع العام ... الخالد الذي تكفل بجميع ما يحتاج إليه

стр. 10

البشر في أمور دينهم ودنياهم. في العقائد، والأخلاق وفي العبادات وفي المعاملات: المدنية، والجنائية، وفي الاقتصاد، والسياسة، والسلم، والحرب، والمعاهدات، والعلاقات الدولية وهو في كل ذلك حكيم كل الحكمة، لا يعتريه خلل ولا اختلاف، ولا تناقض ولا اضطراب وصدق الله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) [سورة النساء: ٨٢] وأصيل غاية الأصالة، وعدل غاية العدالة، ورحيم غاية الرحمة، وصادق غاية الصدق، وصدق الله وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) [سورة الأنعام: ١١٥]. فلا عجب .. أن كانت السعادة الحقة لا تنال إلا بالاهتداء بهديه، والتزام ما جاء به وأن كان الشفاء لأمراض النفوس وأدواء المجتمع؛ فاهتدت به القلوب بعد ضلال، وأبصرت به العيون بعد عمى، واستنارت به العقول بعد جهالة، واستضاءت به الدنيا بعد ظلمات، وصدق الله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) [سورة الإسراء: ٩ - ١٠]. وقال: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [سورة الإسراء: ٨٢]. وقال: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) [سورة المائدة: ١٥ - ١٦]. ٣ - القرآن حارب التقليد، ودعا إلى النظر، والتأمل في الكون وهو الكتاب الذي فك العقول من عقالها، وأطلق النفوس من إسارها، وأنحى على التقليد والمقلدين بالذم والتوبيخ، قال عز شأنه: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) [سورة البقرة: ١٧٠]، وقال: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ

стр. 11

آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)! [سورة المائدة: ١٠٤]. وهو الكتاب الذي وجه العقول والأنظار إلى النظر في الأنفس، وما فيها من عجائب وأسرار وغرائز واستعدادات، قال عز شأنه: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) [سورة الذاريات: ٢١] والنظر في الآفاق والآيات الكونية علويّها وسفليّها، ظاهرها وخفيها وعما تنطوي عليه من حكم، وما أودع الله فيها من خواص وسنن وأفاض في ذلك في غير ما سورة وآية، وإن شئت اليقين في ذلك فاقرأ قول الحق ﵎: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) [سورة البقرة: ١٦٤] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) [سورة آل عمران: ١٩٠]. وقد روي: أن النبي ﷺ قال لما نزلت: «ويل لمن قرأها ولم يتفكّر» رواه ابن مردويه وعبد بن حميد، وقال تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) [سورة ق: ٦ - ٨] وقال سبحانه: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) [سورة الغاشية ١٧ - ٢٢] وقال: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ (١) يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) [الرعد: ٤] إلى غير ذلك من الآيات التي لا يحصيها العد. وقد زخر القرآن العظيم بهذا النوع من الآيات، وكثرت كثرة زادت على

стр. 12

آيات الأحكام (١)، ولا سيّما في القسم المكي، ولذلك سرّ: ذلك أن هذا النظر، وذاك التأمل غالبا ما ينتهيان بالإنسان العاقل المجرد عن الأهواء والشهوات، إلى الوصول إلى الإيمان بالخالق- جل وعلا- ووحدانيته وتفرده بصفات الكمال والجلال، والجمال والإيمان بالبعث والمعاد، وأن هناك حياة أخرى خيرا من هذه الحياة، والإيمان بالملائكة والرّسل الكرام وإذا ما آمن البشر بهذه العقائد سهل عليهم بعد تلقي الشرائع، والتزامها علما، وعملا، وسلوكا، وخير الإيمان ما كان عن بينة ودليل، وخير العلم والعمل ما كان عن اطمئنان وبحث، واقتناع. ٤ - القرآن فتح الباب للعلوم التجريبية والقرآن حينما دعانا إلى النظر في الآيات الآفاقية والأنفسية لم يقف بنا عند حد الاعتبار والاتعاظ بالظواهر والصور والأشكال فحسب، وإنما أراد- إلى ذلك- استكشاف المستور، واستكناه الأسرار، والتقصي عما فيها من عجائب وسنن وخواص عن طريق الملاحظة حينا والتجارب أحيانا أخرى؛ وبذلك يكون القرآن فتح أبوابا للعلوم التجريبية منذ أربعة عشر قرنا من الزمان. ولو أن المسلمين استفادوا بما في هذا الكتاب الكريم من توجيهات وإرشادات؛ لكانوا- كما كان الشأن في سلفهم الأولين- أسبق الأمم إلى الكشوف العلمية والاختراع والابتداع، ولصاروا سادة الدنيا، وأضحى بيدهم زمام الأمور، ولكنهم جمدوا ولم يستفيدوا بهدي القرآن وإرشاداته، فكانوا على ما ترى ... ! ٥ - القرآن حارب العنصرية، والعنجهية الجاهلية والقرآن هو الذي قضى على العنجهية، ودعاوى الجاهلية، وقضى على التفرقة العنصرية والنسبية واللونية، ووضع أساس المساواة بين الناس

стр. 13

كافة، فالناس ربهم واحد وكلهم لآدم لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض، وإنما التفاضل بالتقوى، والتقوى جماع كل هدى وحق وخير. وصدق الله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) [الحجرات: ١٣]، فالناس مهما تعددت شعوبهم، وتباينت أممهم فيجمعهم رباط واحد، وهو رباط الإنسانية العام، وهذا أسمى ما يطمع فيه من تشريع! وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [سورة النساء: ١]. ٦ - القرآن كوّن أمة مثالية وهو الكتاب الذي صلحت به الدنيا، وحول مجرى التاريخ، وأقام أمة كانت مضرب الأمثال في الإيمان والإخاء والعدل والوفاء، والوفاق والوئام، وأظل العالم بلواء الأمن والسلام حقبا من الزمان، وصيّر من رعاة الإبل والشاء علماء حكماء رحماء، وسادة قادة في الحكم، والسياسة والسلم، والحرب، عقمت الدنيا عن أن تجود بمثلهم. وهو الكتاب الذي لا تفنى ذخائره، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا يزداد على التكرار إلا حلاوة وطلاوة، وصدق القائل: تزداد منه- على ترداده- مِقَة ... وكلّ قول- على التّرداد- مملول وتلك لعمر الحق خصيصة من خصائص «القرآن» ومن كان في شك من هذا فليستفت الذوق والوجدان والقلب والآذان، وليوازن في هذا بين كلام الله وكلام الإنسان، وحينئذ سيتذوق، ومن ذاق عرف، ومن عرف اعترف. ومهما تعاقبت على هذا الكتاب العزيز الأجيال والسنون لا يزداد إلا جدة وطرافة ولا يزال غضا طريا كما أنزل، وكلما تقدمت العلوم والمعارف الإنسانية تكشف للناس منه العجب العجاب وصدق الحق تبارك وتعالى

стр. 14

حيث يقول: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ (١) الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [سورة فصلت: ٥٣] بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. وقصارى القول وحماداه: أنك لن تجد في الكشف عن حقيقة هذا الكتاب وخفاياه وفضائله ومزاياه أوفى مما وصفه به نبينا «محمد بن عبد الله». روى الترمذي (٢) بسنده عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على «عليّ» فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث قال: أوقد فعلوها قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة» قلت: وما المخرج منها يا رسول الله قال: «كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء (٣) ولا تلتبس به الألسنة (٤)، ولا يشبع منه العلماء (٥) ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه،

стр. 15

هو الذي لم ينته الجن إذ سمعوه حتى قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ من قال به صدق، ومن عمل أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم». إن كتابا هذا بعض شأنه لجدير أن يضعه الإنسان بين عينيه، ويجعله أنيسه في خلوته، ورفيقه في سفره، وصديقه الصدوق في يسره وعسره، ومستشاره الأمين في أمور دينه ودنياه، وحجته البالغة في حياته وأخراه. ٧ - عناية الأمة الإسلامية بالقرآن فلا عجب- والقرآن كما سمعت- أن عنيت الأمة الإسلامية به عناية فائقة، من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فحفظوا لفظه، وفهموا معناه، واستقاموا على العمل به وأفنوا أعمارهم في البحث فيه والكشف عن أسراره، ولم يدعوا ناحية من نواحيه الخصبة إلا وقتلوها بحثا وتمحيصا، وألفوا في ذلك المؤلفات القيمة، فمنهم من ألف في تفسيره ومنهم من ألف في رسمه، وقراءاته، ومنهم من ألف في: محكمه ومتشابهه ومنهم من ألف في مكيّه ومدنيّه ومنهم من ألف في جمعه وتدوينه في الرقاع واللخاف والأكتاف ثم في الصحف، ثم في المصاحف، ومنهم من ألف في استنباط الأحكام منه ومنهم من ألف في ناسخه ومنسوخه، ومنهم من ألف في أسباب نزوله ومنهم من ألف في إعجازه، ومنهم من ألف في مجازه، ومنهم من ألف في أمثاله، ومنهم من ألف في أقسامه، ومنهم من ألف في غريبه، ومنهم من ألف في إعرابه، ومنهم من ألف في قصصه، ومنهم من ألف في تناسب آياته وسوره إلى غير ذلك من العلوم المتكاثرة. وقد تبارى علماؤنا في هذا المضمار الفسيح، وجروا فيه أشواطا بعيدة

стр. 16

حتى زخرت المكتبة الإسلامية بميراث مجيد من تراث سلفنا الصالح، وعلمائنا الأعلام، وكانت هذه الثروة- ولا تزال- مفخرة نتحدى بها أمم الأرض، ونباهي بها أهل الملل في كل عصر ومصر. وأضحت هذه العناية بحق أروع مظهر عرفه التاريخ لحراسة كتاب هو سيد الكتب وأجلها، وأبعدها من التحريف والتغيير، وبذلك هيأ الله الأسباب المتكاثرة لحفظ كتابه، وهل هذا إلا مصداق قوله- : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [سورة الحجر: ٩]. ***

стр. 17

المبحث الأول [معنى علوم القرآن وتحليل هذا المركب الاضافى] ١ - معنى علوم القرآن يقتضينا منهج البحث التحليلي أن نبين معنى كل من طرفي هذا «المركب الإضافي» ثم نبين بعد ذلك المراد منه بعد التركيب ثم بعد ما صار فنّا مدونا. طرفا هذا المركب هما لفظ «علوم» ولفظ «القرآن». أما «العلوم»: فهو جمع «علم»، والعلم في اللغة العربية: مصدر بمعنى الفهم والمعرفة، ويطلق ويراد به: اليقين أيضا (١). أما في الاصطلاح: فقد اختلفت فيه عبارات العلماء باختلاف الاعتبارات، فعرفه الشرعيون بتعريف، وعلماء الكلام بتعريف آخر، وعرفه الفلاسفة والحكماء بتعريف ثالث (٢). وليس شيء من هذه التعريفات بمراد هنا، وإنما المراد: العلم في اصطلاح أهل التدوين وعرفهم، و «العلم» في عرف التدوين العام عبارة عن: «جملة من المسائل المضبوطة بجهة واحدة» سواء أكانت وحدة الموضوع أم وحدة الغاية، والغالب أن تكون تلك المسائل كلية نظرية، وقد تكون ضرورية، وقد تكون جزئية، مثل: «مسائل علم الحديث رواية» كقولهم: «إنما الأعمال بالنيات ... » بعض قوله ﷺ . أما «العلم» بمعنى: «الملكة التي بها تستحصل هذه المسائل» أو بمعنى: «إدراك المسائل» فغير مراد هنا؛ لأن بحثنا في «العلم» بمعنى: الفن المدون، ومعلوم أن الذي يدوّن ويؤلف هي «المسائل والقواعد» لا الملكة

стр. 18

ولا الإدراك. وأما «القرآن»: لفظ «قرآن» قد اختلف فيه العلماء من جهة الاشتقاق أو عدمه، ومن جهة كونه مهموزا أو غير مهموز، ومن جهة كونه مصدرا أو وصفا على أقوال نجملها فيما يأتي: أما القائلون: بأنه «مهموز» فقد اختلفوا على رأيين: الأول: قال جماعة منهم «اللحياني»، القرآن: مصدر «قرأ» بمعنى: تلا، كالرجحان والغفران، ثم نقل من هذا المعنى المصدري، وجعل اسما للكلام المنزل على نبينا «محمد» ﷺ ، من باب «تسمية المفعول بالمصدر»، ويشهد لهذا الرأي ورود القرآن مصدرا بمعنى: القراءة في الكتاب الكريم، قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) [سورة القيامة: ١٧ - ١٨] أي قراءته. وقول «حسان بن ثابت» يرثي «ذا النورين» عثمان- ﵁: ضحّوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة وعلى هذا يكون على وزن فعلان. الثاني: قال جماعة منهم الزجاج «إنه وصف على فعلان مشتق من «القرء» بمعنى الجمع، يقال في اللغة: «قرأت الماء في الحوض، أي جمعته، ثم سمي به الكلام المنزل على النبي ﷺ لجمع السور والآيات فيه أو القصص والأوامر والنواهي، أو لجمعه ثمرات الكتب السابقة. وهو على هذين الرأيين مهموز، فإذا تركت الهمزة فذلك للتخفيف، ونقل حركتها إلى الساكن قبلها والألف واللام فيه ليست للتعريف، وإنما للمح الأصل وعلى هذا أيضا يكون على وزن فعلان. والقائلون بأنه غير مهموز اختلفوا في أصل اشتقاقه: ١ - فقال قوم منهم «الأشعري» هو مشتق من «قرنت الشيء بالشيء» إذا ضممت أحدهما إلى الآخر وسمي به «القرآن» لقران السور والآيات

стр. 19

والحروف فيه. ٢ - وقال «الفراء»: هو مشتق من «القرائن» لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضا، ويشابه بعضها بعضا، وهي قرائن، أي أشباه ونظائر. وعلى هذين القولين: فنونه أصلية، بخلافه على القولين الأولين، فنونه زائدة ويكون وزنه على هذين فعال. رأي خامس: مقابل للأقوال السابقة: وهو أنه اسم علم غير منقول، وضع من أول الأمر علما على الكلام المنزل على «محمد» ﷺ وهو غير مهموز، وهذا القول مروي عن الإمام «الشافعي»، أخرج البيهقي والخطيب وغيرهما عنه، أنه كان يهمز قراءة، ولا يهمز «القرآن» ويقول: «القرآن» اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قراءة، ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل. وبالتخفيف قرأ «ابن كثير» وحده؛ أما بقية السبعة فقرءوا بالهمزة. وأرجح الآراء وأخلقها بالقبول «الأول» ويليه الرأي الثاني. ومما يقوي مذهب القائلين بالهمز، أنهم خرجوا التخفيف تخريجا علميا صحيحا، ولا أدري ماذا يقول القائلون بالرأي الأخير في توجيه قراءة لفظ «القرآن» بالهمز، مع أن عليها معظم القراء السبعة، كما ذكرنا آنفا! رأي آخر: يرى بعض الباحثين (١): أن «قرآن» مأخوذ من «قرأ» بمعنى «تلا» وهذا الفعل أصله في اللغة الآرامية ثم دخل العربية قبل الإسلام بزمن طويل ولو صح هذا، فلا ضير فيه؛ لأن هذه الكلمة وأمثالها- وإن كانت في الأصل أعجمية- فقد صارت بعد التعريب عربية بالاستعمال وبإخضاعها لأصول العرب في نطقهم ولغتهم، واندمجت فيها حتى صارت جزءا منها فنزل القرآن بها، وهي على

стр. 20

هذا الحال. وهذا القول لا يخرج عما ذكره اللحياني فهو مكمل له، لأنه ليس في كلام اللحياني ما ينفي أن يكون أصل الكلمة من اللغة الآرامية. ٢ - «تعريف القرآن» عند الأصوليين والفقهاء، وأهل العربية هو كلام الله المنزل على نبيه «محمد» ﷺ المعجز بلفظه، المتعبد بتلاوته المنقول بالتواتر، المكتوب في المصاحف، من أول سورة «الفاتحة» إلى آخر سورة «الناس» وقد خرج بقولنا: المنزل على نبيه «محمد» المنزل على غيره من الأنبياء كالتوراة والإنجيل والزبور والصّحف. وخرج بالمعجز بلفظه المتعبد بتلاوته الأحاديث القدسية على الرأي بأن لفظها من عند الله، فإنها ليست معجزة ولا متعبد بتلاوتها. وخرج بقولنا (المنقول بالتواتر ... الخ) جميع ما سوى القرآن المتواتر من منسوخ التلاوة. والقراءات غير المتواترة سواء نقلت بطريق الشهرة كقراءة «ابن مسعود» في قوله تعالى في كفارة الأيمان فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [سورة المائدة: ٨٩] بزيادة متتابعات، أو بطريق الآحاد مثل قراءة: متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان [الرحمن: ٧٦] بالجمع فإنها ليست قرآنا؛ ولا تأخذ حكمه. ثم إن العلماء بحثوا في الصّفات الخاصة ب «القرآن» فوجدوا أنها تنحصر في الإنزال على النبي ﷺ والإعجاز، والنقل وبالتواتر، والكتابة في المصاحف، والتعبد بالتلاوة، فرأى بعض العلماء زيادة التوضيح والتمييز، فعرفه بجميع هذه الصفات كما ذكرنا آنفا. واقتصر بعضهم على ذكر الإنزال على النبي، والإعجاز، لأن ما عداهما من الصفات ليس من الصفات اللازمة، لتحقق القرآن بدونها في زمن النبي ﷺ فقالوا في تعريفه: «هو الكلام المنزل على محمد ﷺ ، المعجز».

стр. 21

واقتصر بعضهم على الإنزال والكتابة في المصاحف، والنقل تواترا، لأن المراد تعريفه لمن لم يدرك زمن النبوة، وإنزال الألفاظ والكتابة في المصاحف والنقل تواترا من أبين اللوازم للقرآن وأوضحها بخلاف الإعجاز فليس من اللوازم البينة؛ إذ لا يعرفه إلا الخواص الواقفون على أسرار اللغة وأساليبها، كما أنه ليس شاملا لكل جزء؛ إذ المعجز هو السّورة أو مقدارها. واقتصر البعض على النقل في المصاحف تواترا، لأنه كاف في الغرض المقصود، وهو تمييز القرآن عن جميع ما عداه، فقد ثبت أن الصحابة- رضوان الله عليهم- بالغوا في ألا يكتب في المصحف ما ليس منه، مما يتعلق به، حتى النّقط والشّكل، واحتاطوا في ذلك غاية الاحتياط، حتى لا يختلط القرآن بغيره. واقتصر بعضهم على ذكر الإعجاز فحسب، لأنه وصف ذاتي للقرآن إذ هو الآية العظمى المثبتة لرسالة نبينا «محمد» ﷺ ، ولكون القرآن المنزل عليه من عند الله لا من عند البشر. ولما كان بحثنا في هذا العلم، إنما يتعلق بنظمه العربي المبين، فقد آثرت ألا أتعرض للقرآن من حيث كونه كلام الله، وصفة من صفاته، لأن هذا البحث محله «علم الكلام» (١).

стр. 22

لفظ «القرآن» علم شخصي: وذهب المحققون من الأصوليين، والفقهاء، وأهل العربية: إلى أن لفظ القرآن «علم شخصي» مدلوله: الكلام المنزل على النبي ﷺ من أول سورة «الفاتحة» إلى آخر سورة «الناس» وعلميته: باعتبار وضعه للنظم المخصوص، الذي لا يختلف باختلاف المتلفظين، ولا عبرة بتعدد القارئين والمحال. وعلى هذا فما ذكره الأصوليون، وغيرهم من تعاريف للقرآن، ليس تعريفا حقيقيّا، لأن التعريف الحقيقي لا يكون إلا للأمور الكلية، وإنما أرادوا بتعريفه: تمييزه عما عداه مما لا يسمّى باسمه، كالتوراة والإنجيل، والأحاديث القدسية، وما نسخت تلاوته. لفظ «القرآن» أمر كلي: ويرى بعض العلماء: أن لفظ القرآن موضوع للقدر المشترك بين الكل وأجزائه: فمسماه: كلي. كالمشترك المعنوي وعلى هذا يعرف بما عرّفه العلماء. القرآن مشترك لفظي: ويرى فريق ثالث: أنه مشترك لفظي بين الكل وبين أجزائه، فهو موضوع لكل منهما بوضع. والحق: أنه علم شخصي، مشترك لفظي بين الكل وأجزائه فيقال لمن قرأ اللفظ المنزل كله: قرأ قرآنا، ويقال لمن قرأ بعضه: قرأ قرآنا، وهو ما يفهم من كلام الفقهاء، حينما قالوا: «يحرم على الجنب قراءة القرآن» فإنهم يقصدون: قراءة كله أو بعضه على السواء.

стр. 23

٣ - أسماء القرآن للقرآن الكريم أسماء كثيرة: أشهرها: «القرآن» ومنها «الفرقان» لأنه فارق بين الحق والباطل، قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) [سورة الفرقان: ١]. ومنها: «الكتاب» وهو مصدر لكتب بمعنى: الجمع والضم، أريد به القرآن لجمعه العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه، قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) [سورة الكهف: ١ - ٢]. ومنها: «التنزيل»، مصدر أريد به المنزل، لنزوله من عند الله، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [فصلت: ٤١ - ٤٢]، وغيرها من الآيات كثير. ومنها: «الذكر» سمي به القرآن، لاشتماله على المواعظ والزواجر، وقيل: لاشتماله على أخبار الأنبياء، والأمم الماضية، وقيل من الذكر، بمعنى: الشرف، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [سورة الزخرف: ٤٤] أي شرف لأنه نزل بلغتكم، وقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [سورة الحجر: ٩]. وهذه الأربعة هي أشهر الأسماء بعد لفظ «القرآن»، وقد صارت أعلاما بالغلبة على القرآن في لسان أهل الشرع وعرفهم. وقد تسامح «أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك» - المعروف ب «شيذلة» (١) في كتابه «البرهان في مشكلات القرآن» - في عد ما ليس باسم اسما، وبلغ بها خمسة وخمسين اسما وقد نقل ذلك عنه «السيوطي» في «الإتقان» ووافقه

стр. 24

ثم شرع يوجه ما ذكره من الأسماء (١)، وبلغ بها صاحب «التبيان» نيفا وتسعين اسما. ومما ينبغي أن يتنبه إليه أن أغلب ما ذكروه أسماء للقرآن هو في الحقيقة أوصاف له، فمثلا: عدوا من الأسماء لفظ «كريم» أخذا من قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) [سورة الواقعة: ٧٧]، ولفظ «مبارك» أخذا من قوله تعالى: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ [الأنبياء: ٥] مع أن الظاهر كونهما وصفين للقرآن لا اسمين. كما أن في بعض ما عدوه اسما للقرآن بعدا وتكلّفا في أن المراد به القرآن وذلك مثل عدهم من الأسماء: «مناديا»، لقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ [آل عمران: ١٩٣]، ومثل عدهم من الأسماء: «زبورا»، لقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) [الأنبياء: ١٠٥] مع أن الظاهر: والذي عليه جمهور المفسرين، أن المراد بالمنادى الرسول وبالزبور الكتاب المنزل على داود- ﵇ والذكر التوراة وقيل الزبور: جميع الكتب المنزلة، والذكر: اللوح المحفوظ، ويكون المراد بالزبور الوصفية لا العلميّة، فهو بمعنى المزبور أي المكتوب (٢). ٤ - علوم القرآن بالمعنى الإضافي والآن وقد وضح لنا المراد من كل طرفي «المركب الإضافي» يتبين لنا المراد من الإضافة التي بينهما، فهي تشير إلى كل المعارف والعلوم المتصلة بالقرآن، ومن ثمّ جمع لفظ «علوم» ولم يفرد، لأن المراد شمول كل علم يبحث في القرآن من أي ناحية من نواحيه المتعددة، فيشمل ذلك «علم التفسير» و «علم الرسم العثماني» و «علم القراءات» و «علم غريب القرآن» و «علم إعجاز القرآن» و «علم الناسخ والمنسوخ» و «علم المحكم

стр. 25

والمتشابه» و «علم إعراب القرآن» و «علم مجاز القرآن» و «علم أمثال القرآن»، إلى غير ذلك من العلوم الكثيرة التي توسع العلماء في بحثها، وأفردوا لها المؤلفات المتكاثرة. ويكون موضوعه: هو القرآن الكريم من ناحية تفسيره، أو من حيث رسمه، أو من حيث طريقة أدائه، أو من حيث إعجازه، أو من حيث مجازه وهكذا فتأتي بأو التي تدل على أنها علوم متعددة. ٥ - علوم القرآن بالمعنى اللقبي أي الفن المدوّن ثم اختصرت هذه المباحث والعلوم المتعددة، وجمعت جلّ أصولها ومسائلها في كتاب واحد، وصار هذا العنوان «علوم القرآن» (١) علما ولقبا لهذه المباحث المدونة في موضع واحد، بعد أن كانت مبعثرة في عشرات الكتب، وصار علما واحدا بعد أن كان جملة من العلوم، وبذلك يمكننا أن نعرف هذا الفن بمعناه «العلمي» - بفتح العين واللام- بأنه: «علم ذو مباحث، تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وترتيبه وكتابته وجمعه وقراءاته وتفسيره وإعجازه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه إلى غير ذلك من المباحث التي تذكر في هذا العلم». وموضوع هذا العلم القرآن الكريم من هذه النواحي كلها السابقة في تعريفه، بخلاف علوم القرآن بالمعنى الإضافي، فإن موضوع كل علم منها إنما هو «القرآن الكريم» من هذه الناحية فحسب، فعلم «التفسير» مثلا؛ موضوعه: القرآن الكريم من حيث بيان شرحه ومعناه والمراد منه بقدر الطاقة البشرية. وعلم «القراءات» موضوعه: القرآن الكريم من حيث لفظه وأدائه. وعلم الرسم موضوعه: القرآن الكريم من حيث طريقة كتابته، وهكذا.

стр. 26

وعلى هذا نقول: موضوع علوم القرآن بمعناه العلمي هو القرآن الكريم من حيث جمعه، وتفسيره، ورسمه، وقراءاته، ومكيه ومدنيه وهكذا فنأتي «بالواو» ولا نأتي «بأو». وفائدة علوم القرآن: (أ) إنه يساعد على دراسة «القرآن الكريم» وفهمه حق الفهم واستنباط الأحكام والآداب منه، إذ كيف يتأتى لدارس القرآن ومفسره أن يتوصل إلى إصابة الحق والصواب، وهو لا يعلم كيف نزل! ولا متى نزل! وعلى أي حال كان ترتيب سوره وآياته! وبأي شيء كان إعجازه! وكيف ثبت! وما هو ناسخه ومنسوخه! .. إلى غير ذلك مما يذكر في هذا الفن، وإلا كان عرضة للزلل والخطأ. فهذا العلم بالنسبة للمفسر مفتاح له، ومثله مثل «علوم الحديث» بالنسبة لمن أراد أن يدرس الحديث دراسة حقة، وقد صرح بذلك الإمام «السيوطي» في مقدمة «الإتقان» حيث قال: «ولقد كنت في زمان الطلب أتعجب من المتقدمين؛ إذ لم يدونوا كتابا في أنواع «علوم القرآن» كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى «علم الحديث». (ب) إن الدارس لهذا العلم يتسلح بسلاح قوي حاد، ضد غارات أعداء الإسلام التي شنوها على «القرآن الكريم» زورا وبهتانا، واختلقوا عليه ما شاء لهم هواهم أن يختلقوا، ولا شك أن الدفاع عن القرآن- الذي هو أصل الإسلام- من أوجب الواجبات على الأمة الإسلامية، ولا سيما علماؤها وأهل الرأي فيها وإنه لشرف عظيم، وفضل كبير أن يكون المسلم منافحا عن هذا الكتاب الجليل. (ج) إن الدارس لهذا العلم يكون على حظ كبير من العلم بالقرآن، وبما يشتمل عليه من أنواع العلوم والمعارف، ويحظى بثقافة عالية وواسعة فيما يتعلق بالقرآن الكريم، وإذا كانت العلوم ثقافة للعقول، وصلاحا للقلوب وتهذيبا للأخلاق، وإصلاحا للنفوس والأكوان، وعنوان التقدم والرقي،

стр. 27

وباعثة للنهضات، ففي القمة- من كل ذلك- «علوم القرآن». فالقرآن أحسن الحديث، وأصدقه، وعلومه أشرف العلوم وأوجبها على كل مسلم أيّا كان تخصصه وأيّا كانت حرفته. ٦ - تاريخ علوم القرآن قبل عصر التدوين: كان «القرآن الكريم» ينزل على النبي ﷺ متجمعا على حسب الوقائع والحوادث وحاجات الناس، وقد تكفل الله لنبيه أن يقرئه «القرآن» ويفهمه معناه، قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) [القيامة: ١٦ - ١٩] أي: جمعه في صدرك، وإثبات قراءته على لسانك، وبيان ما يخفى من معانيه، وكان الرسول ﷺ يعلم من القرآن وعلومه ما لا يعرفه أحد، وذلك بسبب الوحي والفيوضات الإلهية التي كانت تلقى في قلبه. ثم بلّغ الرسول ما أنزل عليه لأصحابه فقرأه على مكث (١)؛ ليحفظوا لفظه ويفهموا معناه، ويقفوا على أسراره، وشرحه لهم بأقواله وأفعاله وتقريراته وأخلاقه- أي بسنته الجامعة لكل ذلك- قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [سورة النحل: ٤٤] وقال: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ... الآية [سورة النساء: ١٠٥]. [علم الصحابة بالقرآن] وكان الصحابة- رضوان الله عليهم- يحرصون غاية الحرص على حفظ ما ينزل من «القرآن» على حسب ما يتيسر لكل واحد منهم وتفاوتهم في الحفظ قلة وكثرة، كما كانوا يعرفون من معاني «القرآن» وعلومه وأسراره الشيء الكثير، لكونهم عربا خلّصا متمتعين بمزايا هذه العروبة ومن صفاء القلوب، وذكاء العقول، وسيلان الأذهان، وقوة الحافظة ولأنهم شاهدوا الوحي والتنزيل، وعلموا من الظروف والملابسات ما لم يعلمه غيرهم،

стр. 28

وسمعوا من النبي ﷺ ما لم يسمعه غيرهم، ورأوا من أحواله ما لم يره غيرهم، وكان ابن مسعود- ﵁ من أعلم الصحابة بعلوم القرآن ولا سيما علم أسباب النزول، وعلم المكي والمدني، وعلم قراءاته، روى البخاري بسنده عنه أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما من آية من كتاب الله إلا وأعلم أين نزلت وفيم نزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لركبت إليه». فإن خفي عليهم من القرآن شيء لم يدركوه بفطرتهم اللغوية، ومعارفهم المكتسبة، رجعوا فيه إلى «النبي» فيعلمهم إياه، فمن ثمّ تجمع لهم من علم «القرآن» شيء كثير. روى البخاري (١) أنه لما نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) [سورة الأنعام: ٨٢] اهتم الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه فبين لهم النبي ﷺ أن المراد بالظلم: الشرك، أخذا من قول الله تعالى: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان: ١٣]. وروى البخاري: أنه لما نزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة: ١٨٧] عمد «عدي ابن حاتم» إلى عقالين، أحدهما: أبيض، والآخر: أسود، ووضعهما تحت وسادة حتى بين له النبي ﷺ أن المراد بالخيطين بياض النهار وسواد الليل (٢) ... وغير ذلك كثير. ولم يكن همّ الصحابة حفظ ألفاظ القرآن فحسب؛ بل جمعوا إلى حفظ اللفظ فهم المعنى، وتدبر المراد، والعمل بمقتضى ما تضمنه من الأحكام والآداب. قال «أبو عبد الرحمن السلمي» (٣): حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن،

стр. 29

كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: «فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا»، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة الواحدة، وهذا هو السر فيما روي أن «ابن عمر» أقام على حفظ «البقرة» ثمان سنين ذكره مالك في «الموطأ»، وما يفسر لنا قول «أنس» ﵁: «كان الرجل إذا قرأ «البقرة» و «آل عمران» جد في أعيننا» (١) أي: عظم. وعلى ما كان عليه الصحابة من العروبة الخالصة، والتصرف في فنون القول، وأخذهم بزمام الفصاحة، فقد خفيت عليهم بعض ألفاظ «القرآن» اللغوية، ولم يعرفوا معناها. أخرج «أبو عبيد» في «الفضائل» عن إبراهيم التيمي: أن أبا بكر- الصديق- سئل عن قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) [سورة عبس: ٣١] فقال: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم»، وفي سنده انقطاع لأن إبراهيم التيمي لم يلق الصديق (٢). وأخرج عن «أنس» أن «عمر بن الخطاب» ﵁ قرأ على المنبر وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) فقال: «هذه الفاكهة قد عرفناها .. فما الأب» ثم رجع إلى نفسه فقال: «إن هذا لهو الكلف يا عمر؛ وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري: ما الأبّ». لأن عدم معرفة معنى كلمة من القرآن لا تضر المسلم ما دام حافظا للقرآن عاملا بكل ما فيه من الأحكام والآداب. وأخرج أيضا من طريق «مجاهد» عن «ابن عباس» قال: «كنت لا أدري

стр. 30

ما فاطر السموات (١) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها». وروي عنه أيضا أنه قال: «ما كنت أدري ما قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٨٩] حتى سمعت بنت «ذي يزن» - وقد جرى بيني وبينها كلام- تقول: «تعال أفاتحك» تريد، أقاضيك وأخاصمك (٢). وبلّغ الصحابة ما حملوه عن النبي ﷺ من تفسير القرآن وعلومه، وما فهموه منه باجتهادهم إلى من جاء بعدهم من التابعين، وبلّغه التابعون إلى من جاء بعدهم، فقد كان المعول عليه في القرون الأولى، في «علوم القرآن» وكذلك الحديث وعلومه- هو الرواية والتلقي عن الغير والمشافهة لا على الخط والكتابة في الصحف وقد استمر الأمر على هذا، إلى أن جاء عصر التدوين ، فدونت المعارف والعلوم في الصحف، والسطور، بعد أن كانت مقيدة محفوظة في الصدور. عصر التدوين: لم تكن «علوم القرآن» وغيرها من العلوم مدونة في «العصر الأول» في الكتب والصحف، بل كانت مدونة على صفحات القلوب، وإنما كان المدوّن والمكتوب هو «القرآن الكريم» فحسب (٣)، وذلك لما ورد في الصحيح: «من النهي عن كتابة غير القرآن»: روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا

стр. 31

عني ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (١). فمن ثمّ تحرّج كثير من الصحابة والتابعين من كتابة وتدوين غير القرآن حتى الحديث الشريف لم يدونوه، واكتفوا فيه وفي علومه بالحفظ والرواية .. إلى أن كان عهد «علي» ﵁ فأمر «أبا الأسود الدؤليّ» بوضع علم «النحو» فكان هذا فاتحة خير لتدوين علوم الدين، واللغة العربية. وفي العهد الأموي: اتسعت دائرة التدوين والتأليف عن ذي قبل، وفي هذا العهد رأى الخليفة الراشد: «عمر بن عبد العزيز» ﵁ أن يجمع الأحاديث؛ فأمر علماء الأمصار بجمع أحاديث الرسول: مخافة أن يذهب شيء منها بذهاب العلماء، وحتى يتميز الصحيح من السقيم، والمقبول من المردود. وفي العصر العباسي الأول: اتسعت دائرة التأليف، واتسعت حتى شملت معظم علوم الدين واللغة العربية بل وغير علومها كالفلسفة وفروعها، فقد ترجم كثير من كتب الفلسفة في هذا العصر. وهكذا نرى: أن حركة التأليف والتدوين نشطت نشاطا قويّا في هذا العصر، وكان «لعلوم القرآن» من هذا النشاط حظ غير قليل. التدوين في علوم القرآن بالمعنى الإضافي أي العام: وكان من الطبعي أن يكون أول ما يدون من «علوم القرآن» هو علم «التفسير»؛ إذ هو الأصل في فهم القرآن وتدبره، وعليه يتوقف استنباط الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. فألف في تفسير القرآن سفيان الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ، وسفيان ابن عيينة المتوفى سنة ١٩٨ هـ، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هـ، وشعبة ابن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هـ، ومقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ،

стр. 32

وكانت تفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين. ثم تلاهم: محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ، فألف تفسيره المشهور، وهو من أجل التفاسير، وأعظمها؛ لأنه أول من تعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، وبذلك يعتبر أول من حاول مزج التفسير بالمأثور بالتفسير بالرأي والاجتهاد. وكان تفسير «ابن جرير الطبري» قطرة تلاها غيث كثير، فألف في التفسير بقسميه: المأثور وغير المأثور، خلق لا يحصون، من أجلة العلماء، ما بين مطنب ومتوسط وموجز، وما بين مفسر للقرآن كله ومفسر لبعضه. وقد شملت هذه الحركة التأليفية كل نوع من أنواع «علوم القرآن» تقريبا فألف في أسباب النزول، عليّ بن المديني، شيخ البخاري المتوفى سنة ٢٣٤ هـ. وفي الناسخ والمنسوخ: أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٤ هـ، وأبو جعفر أحمد بن محمد النحاس المتوفى سنة ٣٣٨ هـ، وابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. وألف في مشكله وغريبه أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ كما ألف في غريبه ومفرداته أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢٠٩ هـ، وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو بكر السجستاني المتوفى سنة ٢٣٠ هـ والراغب الأصفهاني المتوفى سنة ٥٠٢ هـ وغيرهم. وألف في إعرابه: محمد بن سعيد الحوفي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، وأبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري المتوفى سنة ٦١٦ هـ. كما ألف في إعجاز القرآن: الرماني المتوفى سنة ٣٨٤ هـ، والخطابي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ، وأبو بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ وغيرهم. وفي مجاز القرآن: ابن قتيبة، المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، والشريف الرضي المتوفى سنة ٤٠٦ هـ، والعز بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠ هـ.

стр. 33

وفي قراءاته: أبو بكر أحمد بن مجاهد المتوفى سنة ٣٢٤ هـ، وعلم الدين السخاوي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ، وابن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣ هـ. وفي أقسامه: ابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ. وفي أمثاله: أبو الحسن الماوردي المتوفى سنة ٤٥٠ هـ. وألف في جدله: نجم الدين الطوفي المتوفى سنة ٧١٦ هـ. وفي فضائله: أبو عبيد المتوفى سنة ٢٢٤ هـ، والنسائي المتوفى ٣٠٣ هـ، وابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ، إلى غير ذلك من المؤلفات المتكاثرة، التي تناولت كل نواحي القرآن العديدة. وقد سلك هؤلاء العلماء في تأليفاتهم طريقة الاستيعاب والاستقراء لأجزاء الأنواع التي ألفوا فيها، فمن دوّن في: مجاز القرآن، يتتبع كل آية فيها مجاز، ومن يؤلف في: أمثاله، يتتبع كل آية فيها مثل، ومن يؤلف في: أقسامه، يتتبع كل آية فيها قسم، حتى تكونت من كل ذلك ثروة ضخمة في: علوم القرآن، وبحسبك أن تتناول فهرسا لمكتبة من المكاتب العامة، وستجد ما يبهرك، وأن المؤلفات التي تدور في فلك (القرآن) في العصور المتعاقبة تملأ خزانة كبيرة فسيحة. ٧ - علوم القرآن، بمعنى الفن المدون وهناك طريقة أخرى في التأليف، فقد رأى بعض العلماء أن يجمعوا هذه الأنواع في كتاب مستقل على غرار ما صنع المحدثون في: «علوم الحديث» فاستخلصوا من هذه العلوم علما واحدا، يكون كالفهرس لها، يجمع خصائصها ومقاصدها، وإن لم يحط بكل مسائلها وجزئياتها فكان هذا العلم الذي سموه «علوم القرآن». وقد جاء التدوين على هذه الطريقة متأخرا عن التدوين على الطريقة الأولى ثم سار بعد ذلك جنبا إلى جنب، فكان بعض العلماء يؤلف في العلم كفن مستقل، والبعض يؤلف في نوع من أنواعه.

стр. 34

متى ظهر هذا الاصطلاح كان المعروف لدى الكاتبين في هذا الفن أن ظهور هذا الاصطلاح كان في القرن السادس الهجري، على يد «أبي الفرج بن الجوزي» استنتاجا مما ذكره «السيوطي» في مقدمة «الإتقان». ولكني وقفت على مؤلّف بعنوان: «مقدمتان في علوم القرآن» طبع في عام ١٩٥٤، ووقف على التصحيح والطبع الأستاذ المستشرق «آرثر جفري»، وإحدى هاتين المقدمتين لمؤلف لم يعرف، لفقدان الورقة الأولى من المخطوطة (١) .. التي نقل عنها الطابع، إلا أنه ذكر في الصحيفة الثانية منها: أنه بدأ في تأليف كتابه في سنة أربعمائة وخمس وعشرين، وسماه: «كتاب المباني في نظم المعاني»، وهو تفسير للقرآن الكريم وقد صدره بهذه المقدمة، وهي تقع في عشرة فصول، وهي إحدى المقدمتين المنشورتين، والأخرى: مقدمة التفسير للإمام «عبد الحق بن أبي بكر» المعروف «بابن عطية» المتوفى سنة ٥٤٣ هـ. وقد ذكر صاحب كتاب «المباني» في فصول هذه المقدمة العشرة: المكي والمدني، ونزول القرآن، وجمع القرآن وكتابة المصاحف، واختلافها، ورد الشّبه الواردة على الجمع والمصاحف وبيان عدد السور والآيات والتفسير والتأويل، والمحكم والمتشابه ونزول القرآن على سبعة أحرف، إلى غير ذلك من مباحث «علوم القرآن». وقد بلغت هذه المقدمة مائتين وخمسين صحيفة من هذا الكتاب المطبوع وتمتاز هذه المقدمة بإشراق اللفظ ونصوع البيان، وقوة الحجة، مما يلقي ضوءا على أن المؤلف من علماء الأندلس كما استنتج المصحح، وعسى أن يتاح لي، أو لأحد الباحثين الوقوف على مؤلف هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى.

стр. 35

وإن أغلب ما ذكره «السيوطي» في مقدمة «الإتقان» من الكتب المؤلفة في هذا الفن لا يداني هذه المقدمة، بل بعضها لا يزيد عن فصل من فصولها فهي جديرة بأن تذكر في كتب هذا الفن، وهي- بحق- تعتبر محاولة جدية في التأليف في هذا العلم، ولا يغض من قيمتها أنها مقدمة لتفسير، فكتاب الإتقان الذي هو عمدة كتب الفن قد جعله مؤلفه مقدمة لتفسيره الكبير كما ذكر. ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أذكر: أن بعض المفسرين في القديم والحديث صدّروا كتبهم بمقدمات قيمة في «علوم القرآن»، لتكون مفتاحا لهذه التفاسير، ولا تزال إلى اليوم مرجعا للكاتبين في هذا الفن، وذلك كما فعل «ابن جرير الطبري» و «القرطبي» و «الآلوسي» في تفاسيرهم، ولعل أطول هذه المقدمات وأحفلها هي مقدمة تفسير القرطبي، وهي- على طولها- لا تبلغ ما بلغته هذه المقدمة في طولها، وتنوع موضوعاتها. وبذلك أكون قد تقدمت بتاريخ هذا الفن نحو قرن ونصف من الزمان. ويرى أستاذنا الشيخ «محمد عبد العظيم الزرقاني» ﵀ وأثابه- في كتابه «مناهل العرفان»: أن هذا الاصطلاح ظهر في مستهل القرن الخامس على يد «الحوفي» المتوفّى سنة ٤٣٠ هـ في كتابه «البرهان في علوم القرآن»، والرأي عندي: أن هذا الكتاب لا يخرج عن كتب التفسير، التي تتعرض لذكر التفسير، وأسباب النزول والقراءات، والوقف والتمام، ولا فرق بين صنيعه وصنيع «القرطبي» و «الفخر الرازي» في تفسيرهما، فكتابه هذا أمس بالتفسير منه بعلوم القرآن، وإن كانت التسمية تشعر أنه بعلوم القرآن أمس، وقد ذكر- ﵀: أن الجزء الأول مفقود، ولا أدري من أين عرف التسمية ولعله اعتمد على فهرس دار الكتب المصرية، وقد رجعت إلى كتاب «كشف الظنون» الجزء الأول ص ٢٤٢ فتبين لي أن اسم الكتاب: «البرهان في تفسير القرآن» وبذلك زالت الشبهة في عدّه من علوم القرآن، وثبت أنه كتاب تفسير، وهو الحق والصواب، كما يعلم ذلك من يرجع إلى الأجزاء الموجودة من الكتاب.

стр. 36

المؤلفات في القرن السادس: وفي القرن السادس الهجري، ألف الإمام «أبو الفرج بن الجوزي» المتوفّى سنة ٥٩٧ هـ كتابا سماه: «فنون الأفنان، في علوم القرآن» وكتابا آخر سماه: «المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن» (١). المؤلفات في القرن السابع: وفي القرن السابع: ألف الشيخ «علم الدين علي بن محمد السخاوي» المتوفى سنة ٦٤٣ هـ كتابا سماه «جمال القراء»، وألّف العلامة عبد الرحمن ابن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف «بأبي شامة» المتوفى سنة ٦٦٥ هـ كتابا سماه «المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز». وهذه الكتب- كما قال «السيوطي» -: «عبارة عن طائفة يسيرة، ونبذة قصيرة» بالنسبة للمؤلفات التي ألفت بعد في هذا العلم. المؤلفات في القرن الثامن: ثم أهلّ القرن الثامن: فألف فيه الإمام «بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي» (٢) المولود سنة ٧٤٥ والمتوفى سنة ٧٩٤ هـ كتابا سماه: «البرهان في علوم القرآن»، ذكر فيه سبعة وأربعين نوعا من أنواع علوم القرآن، وقد سردها «السيوطي» في مقدمة إتقانه، ثم نقل عن «الزركشي» قوله: «واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لأفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره، ولكنا اقتصرنا من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله، فإن الصناعة طويلة والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير».

стр. 37

وهو كتاب جليل، لا يفوقه في هذا العلم إلا كتاب «الإتقان» للسيوطي، وقد اعتمد عليه السيوطي في تأليف إتقانه، كما ستعلم فيما بعد. وللإمام «تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني» المتوفى سنة ٧٢٨ هـ رسالة في «أصول التفسير» وهي على وجازتها قيمة جدّا، وقد اشتملت على بعض أنواع «علوم القرآن». المؤلفات في القرن التاسع: ثم طلع القرن التاسع: فترعرع فيه هذا العلم، وخطا خطوات فسيحة، فقد ألف فيه الإمام «محمد بن سليمان الكافيجي» (١) المتوفّى سنة ٨٧٩ هـ، كتابا يقول مؤلفه عنه: «إنه لم يسبق إليه» وهو صغير جدّا في بابه، وقد رتبه على بابين وخاتمة: الأول: في ذكر معنى التفسير والتأويل، والقرآن والسورة والآية. والثاني: في شروط القول بالرأي. والخاتمة: في آداب العالم والمتعلم. وفي هذا القرن أيضا، وضع الإمام «جلال الدين البلقيني» (٢) المتوفّى سنة ٨٢٤ هـ كتابا أسماه: «مواقع العلوم من مواقع النجوم» قال في مقدمته: «قد اشتهرت عن «الإمام الشافعي» ﵁ مخاطبة لبعض خلفاء بني العباس (٣)، فيها ذكر بعض أنواع القرآن، يحصل منها لمقصدنا

стр. 38

الاقتباس وقد صنف في «علوم الحديث» جماعة في القديم والحديث، وتلك الأنواع في سنده دون متنه، أو في مسنديه وأهل فنه (١)، وأنواع علوم القرآن شاملة، وعلومه كاملة، فأردت أن أذكر في هذا التصنيف ما وصل إليه علمي، مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف، وقد ذكر في كتابه هذا خمسين نوعا من علوم القرآن وقد سردها «السيوطي» في مقدمة «الإتقان». ثم جاء فارس هذه الحلبة الإمام «جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين الأسيوطيّ» المولود سنة ٨٤٩ والمتوفّى سنة ٩١١ هـ، فألف كتابا سماه: «التحبير في علوم التفسير» ضمنه ما ذكره شيخه البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها، وقد فرغ منه سنة ٨٧٢ هـ، وقد بلغت أنواعه مائة واثنين. لكن نفسه التواقة إلى المعرفة والاستقصاء لم تقنع بهذا المجهود، فعزم على تأليف كتاب جامع يسلك فيه مسلك الإحصاء والجمع، والضبط مع حسن الترتيب، والتبويب، وفي هذه الآونة .. وقف على كتاب «البرهان» للزركشي ولم يكن اطلع عليه من قبل فقوي عزمه على إبراز ما أراد، وسأدع «السيوطي» يتحدث عن نفسه في هذه الفترة، التي خطر له فيها تأليف هذا الكتاب الجامع فيقول: «فبينا أنا أجيل في ذلك فكري، أقدم رجلا وأؤخر أخرى (٢)، إذ بلغني

стр. 39

أن الشيخ الإمام «بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي» ألف كتابا حافلا يسمى «البرهان في علوم القرآن» فتطلبته، حتى وقفت عليه، ثم قال: «ولما وقفت عليه ازددت به سرورا، وحمدت الله كثيرا، وقوي العزم على إبراز ما أضمرته، وشددت الحزم في إنشاء التصنيف الذي قصدته، فوضعت هذا الكتاب العلي الشأن، الجلي البرهان، الكثير الفوائد والإتقان ورتبت أنواعه ترتيبا أنسب من ترتيب البرهان، وأدمجت بعض الأنواع في بعض، وفصلت ما حقه أن يبان، وزدته على ما فيه من الفوائد والفرائد والقواعد والشوارد ما يشنف الآذان وسميته ب «الإتقان في علوم القرآن». وقد جعله مقدمة للتفسير الكبير الذي شرع فيه، والجامع بين الرواية والدراية، والمسمى: «مجمع البحرين ومطلع البدرين»، وقد جمع ثمانين نوعا من أنواع علوم القرآن (١). ٨ - الإتقان في الميزان الإمام «السيوطي» - عليه رحمة الله- رجل طلعة باقعة (٢) لم يدع شاردة ولا واردة، إلا اطلع عليها، فلا عجب أن جاء كتابه كالفهرس لعلوم القرآن، وقد ذكر فيه خلاصات مئات الكتب المؤلفة في هذه العلوم، وفي غيرها، وبحسبك أن تقرأ أسماء الكتب التي اعتمد عليها في تأليف كتابه، وقد سردها في مقدمته، لتتبين صدق هذا القول. ومن محاسن «الإتقان» أن يذكر في مقدمة كل نوع من أنواعه الكتب التي ألفت مستقلة في هذا النوع وهو بهذا يرشد القارئ إلى المراجع، ويحمله على الاستزادة في البحث، والتحري عن الحقائق، واستقصاء ما كتب في الموضوع، ثم يأخذ في ذكر نقول ونماذج من هذه الكتب، توضح

стр. 40

ما عنون له، وفي هذه النقول روايات صحيحة وجياد، لا يرد عليها أي طعن ولا يعلق بها غبار، وفيها مرويات زائفة مدسوسة، وكان الأولى أن ينبه عليها، أو ينزه كتابه عن ذكرها. وقد اتخذ المبشرون والمستشرقون، وأضرابهم المتابعون لهم من هذه الروايات مادة للطعن في «القرآن» والإسلام؛ فقد صادفت هوى في نفوسهم المريضة، فقالوا ما شاء لهم هواهم أن يقولوا من زور وافتراء. والإمام السيوطي من حفاظ الحديث- ولا ريب- ومثله أجل من أن يذكر مثل هذه الروايات الواهية الساقطة التي تصل إلى حد الوضع والاختلاق دون التنبيه عليها، ولعله يرى؛ أنه ما دام ذكر الرواية بسندها أو عزاها إلى مخرجها؛ فقد أعفى نفسه من التبعة، وعلى القارئ أن يبحث ويجدّ في البحث حتى يصل إلى مفصل الحق في هذه الروايات المريبة، وهو رأي لبعض حفاظ الحديث. على أن هناك حقيقة ينبغي التنبه إليها، وهي أن الإمام «السيوطي» من نقاد الحديث، المتشددين جدّا في الحكم بالوضع أو السقوط ومن المتمسكين بحرفية قواعد أصول الحديث، وربما يرجح هذه الحرفية على القرائن التي تكاد تنطق بأن هذه الروايات مدسوسة على الحديث ورجاله. وهناك حقيقة أخر: وهي أن نقاد الحديث وأئمته، ليسوا في درجة واحدة في أصالة النقد وبعد الغور وشفوف النظر، والكشف عن المعايب الخفية، فمنهم الناقد الجهبذ، والصيرفي الماهر، الذي لا يخفى عليه التزييف مهما استتر، ومنه الطبيب النّطاسيّ، الذي يعرف مكمن الداء بمجرد النظر، ومنهم من هو دون ذلك، فمن ثم خفيت هذه الروايات المدسوسة على بعض العلماء دون بعض، واغتر بها البعض فذكرها في كتبه، وتنبه إليها بعضهم؛ فلم يخدع بها بل نبه على وضعها. ومن المآخذ التي أخذتها على مؤلف هذا الكتاب أنه يذكر بعض الأقوال الشاذة والآراء الباطلة، ويمر بها من غير أن يفندها ويبين بطلانها، وليس من شك في أن ذكر هذه الآراء من غير تمحيص، وتحقيق، يضر بالقارئ
следующие страницы →