← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 29719

المدخل لدراسة القرآن الكريم

محمد أبو شهبة

Полный текст (477 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المؤلفات في القرن السادس: وفي القرن السادس الهجري، ألف الإمام «أبو الفرج بن الجوزي» المتوفّى سنة ٥٩٧ هـ كتابا سماه: «فنون الأفنان، في علوم القرآن» وكتابا آخر سماه: «المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن» (١). المؤلفات في القرن السابع: وفي القرن السابع: ألف الشيخ «علم الدين علي بن محمد السخاوي» المتوفى سنة ٦٤٣ هـ كتابا سماه «جمال القراء»، وألّف العلامة عبد الرحمن ابن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف «بأبي شامة» المتوفى سنة ٦٦٥ هـ كتابا سماه «المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز». وهذه الكتب- كما قال «السيوطي» -: «عبارة عن طائفة يسيرة، ونبذة قصيرة» بالنسبة للمؤلفات التي ألفت بعد في هذا العلم. المؤلفات في القرن الثامن: ثم أهلّ القرن الثامن: فألف فيه الإمام «بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي» (٢) المولود سنة ٧٤٥ والمتوفى سنة ٧٩٤ هـ كتابا سماه: «البرهان في علوم القرآن»، ذكر فيه سبعة وأربعين نوعا من أنواع علوم القرآن، وقد سردها «السيوطي» في مقدمة إتقانه، ثم نقل عن «الزركشي» قوله: «واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لأفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره، ولكنا اقتصرنا من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله، فإن الصناعة طويلة والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير».

стр. 37

وهو كتاب جليل، لا يفوقه في هذا العلم إلا كتاب «الإتقان» للسيوطي، وقد اعتمد عليه السيوطي في تأليف إتقانه، كما ستعلم فيما بعد. وللإمام «تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني» المتوفى سنة ٧٢٨ هـ رسالة في «أصول التفسير» وهي على وجازتها قيمة جدّا، وقد اشتملت على بعض أنواع «علوم القرآن». المؤلفات في القرن التاسع: ثم طلع القرن التاسع: فترعرع فيه هذا العلم، وخطا خطوات فسيحة، فقد ألف فيه الإمام «محمد بن سليمان الكافيجي» (١) المتوفّى سنة ٨٧٩ هـ، كتابا يقول مؤلفه عنه: «إنه لم يسبق إليه» وهو صغير جدّا في بابه، وقد رتبه على بابين وخاتمة: الأول: في ذكر معنى التفسير والتأويل، والقرآن والسورة والآية. والثاني: في شروط القول بالرأي. والخاتمة: في آداب العالم والمتعلم. وفي هذا القرن أيضا، وضع الإمام «جلال الدين البلقيني» (٢) المتوفّى سنة ٨٢٤ هـ كتابا أسماه: «مواقع العلوم من مواقع النجوم» قال في مقدمته: «قد اشتهرت عن «الإمام الشافعي» ﵁ مخاطبة لبعض خلفاء بني العباس (٣)، فيها ذكر بعض أنواع القرآن، يحصل منها لمقصدنا

стр. 38

الاقتباس وقد صنف في «علوم الحديث» جماعة في القديم والحديث، وتلك الأنواع في سنده دون متنه، أو في مسنديه وأهل فنه (١)، وأنواع علوم القرآن شاملة، وعلومه كاملة، فأردت أن أذكر في هذا التصنيف ما وصل إليه علمي، مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف، وقد ذكر في كتابه هذا خمسين نوعا من علوم القرآن وقد سردها «السيوطي» في مقدمة «الإتقان». ثم جاء فارس هذه الحلبة الإمام «جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين الأسيوطيّ» المولود سنة ٨٤٩ والمتوفّى سنة ٩١١ هـ، فألف كتابا سماه: «التحبير في علوم التفسير» ضمنه ما ذكره شيخه البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها، وقد فرغ منه سنة ٨٧٢ هـ، وقد بلغت أنواعه مائة واثنين. لكن نفسه التواقة إلى المعرفة والاستقصاء لم تقنع بهذا المجهود، فعزم على تأليف كتاب جامع يسلك فيه مسلك الإحصاء والجمع، والضبط مع حسن الترتيب، والتبويب، وفي هذه الآونة .. وقف على كتاب «البرهان» للزركشي ولم يكن اطلع عليه من قبل فقوي عزمه على إبراز ما أراد، وسأدع «السيوطي» يتحدث عن نفسه في هذه الفترة، التي خطر له فيها تأليف هذا الكتاب الجامع فيقول: «فبينا أنا أجيل في ذلك فكري، أقدم رجلا وأؤخر أخرى (٢)، إذ بلغني

стр. 39

أن الشيخ الإمام «بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي» ألف كتابا حافلا يسمى «البرهان في علوم القرآن» فتطلبته، حتى وقفت عليه، ثم قال: «ولما وقفت عليه ازددت به سرورا، وحمدت الله كثيرا، وقوي العزم على إبراز ما أضمرته، وشددت الحزم في إنشاء التصنيف الذي قصدته، فوضعت هذا الكتاب العلي الشأن، الجلي البرهان، الكثير الفوائد والإتقان ورتبت أنواعه ترتيبا أنسب من ترتيب البرهان، وأدمجت بعض الأنواع في بعض، وفصلت ما حقه أن يبان، وزدته على ما فيه من الفوائد والفرائد والقواعد والشوارد ما يشنف الآذان وسميته ب «الإتقان في علوم القرآن». وقد جعله مقدمة للتفسير الكبير الذي شرع فيه، والجامع بين الرواية والدراية، والمسمى: «مجمع البحرين ومطلع البدرين»، وقد جمع ثمانين نوعا من أنواع علوم القرآن (١). ٨ - الإتقان في الميزان الإمام «السيوطي» - عليه رحمة الله- رجل طلعة باقعة (٢) لم يدع شاردة ولا واردة، إلا اطلع عليها، فلا عجب أن جاء كتابه كالفهرس لعلوم القرآن، وقد ذكر فيه خلاصات مئات الكتب المؤلفة في هذه العلوم، وفي غيرها، وبحسبك أن تقرأ أسماء الكتب التي اعتمد عليها في تأليف كتابه، وقد سردها في مقدمته، لتتبين صدق هذا القول. ومن محاسن «الإتقان» أن يذكر في مقدمة كل نوع من أنواعه الكتب التي ألفت مستقلة في هذا النوع وهو بهذا يرشد القارئ إلى المراجع، ويحمله على الاستزادة في البحث، والتحري عن الحقائق، واستقصاء ما كتب في الموضوع، ثم يأخذ في ذكر نقول ونماذج من هذه الكتب، توضح

стр. 40

ما عنون له، وفي هذه النقول روايات صحيحة وجياد، لا يرد عليها أي طعن ولا يعلق بها غبار، وفيها مرويات زائفة مدسوسة، وكان الأولى أن ينبه عليها، أو ينزه كتابه عن ذكرها. وقد اتخذ المبشرون والمستشرقون، وأضرابهم المتابعون لهم من هذه الروايات مادة للطعن في «القرآن» والإسلام؛ فقد صادفت هوى في نفوسهم المريضة، فقالوا ما شاء لهم هواهم أن يقولوا من زور وافتراء. والإمام السيوطي من حفاظ الحديث- ولا ريب- ومثله أجل من أن يذكر مثل هذه الروايات الواهية الساقطة التي تصل إلى حد الوضع والاختلاق دون التنبيه عليها، ولعله يرى؛ أنه ما دام ذكر الرواية بسندها أو عزاها إلى مخرجها؛ فقد أعفى نفسه من التبعة، وعلى القارئ أن يبحث ويجدّ في البحث حتى يصل إلى مفصل الحق في هذه الروايات المريبة، وهو رأي لبعض حفاظ الحديث. على أن هناك حقيقة ينبغي التنبه إليها، وهي أن الإمام «السيوطي» من نقاد الحديث، المتشددين جدّا في الحكم بالوضع أو السقوط ومن المتمسكين بحرفية قواعد أصول الحديث، وربما يرجح هذه الحرفية على القرائن التي تكاد تنطق بأن هذه الروايات مدسوسة على الحديث ورجاله. وهناك حقيقة أخر: وهي أن نقاد الحديث وأئمته، ليسوا في درجة واحدة في أصالة النقد وبعد الغور وشفوف النظر، والكشف عن المعايب الخفية، فمنهم الناقد الجهبذ، والصيرفي الماهر، الذي لا يخفى عليه التزييف مهما استتر، ومنه الطبيب النّطاسيّ، الذي يعرف مكمن الداء بمجرد النظر، ومنهم من هو دون ذلك، فمن ثم خفيت هذه الروايات المدسوسة على بعض العلماء دون بعض، واغتر بها البعض فذكرها في كتبه، وتنبه إليها بعضهم؛ فلم يخدع بها بل نبه على وضعها. ومن المآخذ التي أخذتها على مؤلف هذا الكتاب أنه يذكر بعض الأقوال الشاذة والآراء الباطلة، ويمر بها من غير أن يفندها ويبين بطلانها، وليس من شك في أن ذكر هذه الآراء من غير تمحيص، وتحقيق، يضر بالقارئ

стр. 41

الذي لم يتعمق في الدراسات الإسلامية، وليس له من العلم بأصول الدين ما يعصمه من قبول هذه الآراء الزائفة المتسترة، أو على الأقل ما يوقعه في بلبلة فكرية، وشكوك علمية، وسيأتي فيما بعد أمثلة لذلك أثناء البحوث إن شاء الله تعالى. والكتاب مع هذا «نفيس» ولكنه محتاج إلى التحقيق والتعليق، حتى يسلم من هذه العيوب المعدودة، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه وقد راودتني هذه الفكرة مرارا .. إلا أن الأحوال لم تكن مواتية والفراغ غير ميسر، ومثل هذا العمل يحتاج إلى جهد جهيد وتفرغ، وعسى أن يقوم بهذا العمل الجليل «قسم الدراسات العليا» بكلية أصول الدين، وبهذا يكون قد أسدى للعلم خدمة تذكر فتشكر. وقد كان كتاب «الإتقان» - ولا زال- أوفى مرجع في هذا العلم، وعليه اعتماد من جاء بعد مؤلفه من العلماء إلى عصرنا هذا، وبهذا الكتاب توقف التأليف في «علوم القرآن» أو كاد، ولم نعلم أن أحدا ألف في «علوم القرآن» إلا ما كان من الإمام العلامة الشاه «أحمد» المعروف بولي الله الدهلوي المتوفى سنة ١١٧٦ هـ فقد ألف رسالة سماها: «الفوز الكبير في أصول التفسير» وهي رسالة صغيرة .. إلا أنها اشتملت على مباحث قيمة، وهي مطبوعة في «الهند» .. إلى أن جاء العصر الأخير .. عصر نهضة العلوم . عصر نهضة العلوم: لما نهضت العلوم في العصر الأخير كان «لعلوم القرآن» من هذه النهضة نصيب ملحوظ، ونشاط ملموس، فبدأت الحياة تدب في «علوم القرآن» من جديد، والذي ساعد على هذا النشاط، وبعث هذه الحياة، ما أخذ به «الأزهر» في تطوره في القرن الأخير من إدخال الدراسات التخصصية في منهجه فحظي القرآن الكريم وعلومه ببعض شعب التخصص. ولم تقف مباحث علوم القرآن عند الأنواع التي عني بها المؤلفون

стр. 42

القدامى، بل أضيفت مباحث أخرى، فقد جدت بعض المباحث، مثل ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية، وقد تناولها العلماء بالبحث ما بين مجوز ومانع، وألفوا في الانتصار لآرائهم الكتب والرسائل، وكذلك جدت بعض الشبه التي أوردها القسس والمستشرقون، ومتابعوهم من الكتّاب المعاصرين، فرأى الغيارى المخلصون من علماء «الأزهر» وغيرهم أن يناهضوا هذه الحركة الهدامة، التي تتعرض لأقدس ما يقدسه المسلمون، وهو «القرآن الكريم» فوضعوا في الرد على هؤلاء الطاعنين بعض الكتب والرسائل وبذلك أضيفت إلى مباحث هذا العلم مباحث أخرى جديدة، وتضخمت هذه الثروة العلمية أكثر من ذي قبل، ومن هؤلاء الذين حملوا شرف الدفاع عن القرآن الكريم الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين- ﵀ أحد شيوخ الجامع الأزهر الشريف في العصر الأخير، فقد ألف كتابا قيما في الرد على الدكتور طه حسين فيما ذكره في كتابه «الشعر الجاهلي» من شبهات على القرآن الكريم، وقد فند شبهاته التي أوردها مع العفة في القول، والأصالة في النقد كما هو شأن العلماء الراسخين، وكذلك صنع العالم الكبير الأستاذ الشيخ محمد عرفة- مد الله في عمره (١) - في الرد على الدكتور طه فيما كان يلقيه على طلاب الجامعة من محاضرات فيها طعون على القرآن الكريم، وألف في ذلك كتابا صغير الحجم، ولكنه جم الفائدة، وسماه «نقد مطاعن القرآن». المؤلفات في العصر الأخير: في هذا العصر ألفت كتب في «علوم القرآن» بعضها شامل لجميع أنواعه أو لجلها، وبعضها في بعض أنواعه ومباحثه، وبعضها سلك فيه مؤلفه مسلك الإطناب والاستقصاء، وبعضها متوسط؛ وبعضها قصير. فمن المؤلفات التي اشتملت على كثير من أنواعه: كتاب «التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن» للعلامة المغفور له الشيخ «طاهر الجزائري»،

стр. 43

فرغ من تأليفه سنة ١٣٣٥ هـ، وهو مختصر لبعض مباحث كتاب «الإتقان» مع بعض زيادات طفيفة. وألف المغفور له العلامة الشيخ «محمود أبو دقيقة» من كبار علماء الأزهر كتابا في «علوم القرآن» سلك فيه مسلك التوسط، إلا أنه لم يتم. جاء بعده المغفور له العلامة الشيخ «محمد علي سلامة» من كبار العلماء، فألف كتابا سماه: «منهج الفرقان في علوم القرآن» وقد سلك فيه مؤلفه مسلكا وسطا، وقد اشتمل على الكثير من أنواع علوم القرآن، ثم سار على هذا المنهج وزاد عليه الأستاذ العلامة الشيخ «محمد عبد العظيم الزرقاني» ﵀ فألف كتابا حافلا في مجلد كبير سماه «مناهل العرفان في علوم القرآن» وهو دون سابقه في استيعاب أنواع علوم القرآن، إلا أنه أوسع فيه القول، وأطنب في بعض موضوعاته إطنابا مشكورا ولا سيما في الرد على الشبه والمشكلات التي أثيرت حول «القرآن» والوحي، ويظهر أن المؤلف- عليه سحائب الرحمة- كان في نيته أن يكمل الكتابة عما ترك من الأنواع في جزء ثان، ولكن المنية عاجلته (١). ٩ - رسائل وكتب في بعض علوم القرآن كما ألف بعض العلماء والأدباء كتبا ورسائل في بعض أنواعه، منهم: العلامة الشيخ «محمد بخيت المطيعي» ﵀ مفتى الديار المصرية سابقا، وله رسالة سماها: «الكلمات الحسان في الحروف السبعة وجمع القرآن»، والعلامة الشيخ «محمد حسنين العدوي» ﵀، والعلامة الشيخ «محمد خلف الحسيني» فقد كتب في نزول القرآن على سبعة أحرف، ومنهم أستاذنا العلامة المحدّث الشيخ «محمد حبيب الله الشنقيطي» ﵀، فقد ألف رسالة سماها: «إيقاظ الأعلام في اتباع رسم المصحف الإمام» وهي رسالة قيمة، تنم عن علم غزير، ومنهم

стр. 44

الأستاذ الشيخ «عبد العزيز جاويش» ﵀ فقد كتب رسالة بعنوان: «أثر القرآن في تحرير العقل البشري» وألقاها في «نادي دار العلوم»، ومنهم الأستاذ الشيخ «محمد عبد العزيز الخولي» ﵀ فقد ألف كتيبا بعنوان «القرآن الكريم- وصفه- هدايته- أثره- إعجازه»، ومنهم الأديب الكبير «مصطفى صادق الرافعي» ﵀ فألف كتابه «إعجاز القرآن» وهو على كثرة ما كتب في الإعجاز، يعتبر بدعا في بابه وقد كشف فيه عن كثير من إعجاز القرآن الأدبي والعلمي والاجتماعي. وللأستاذ الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز عضو جماعة كبار العلماء- ﵀ وأثابه- كتاب جليل سماه: «النبأ العظيم» عرض فيه لإعجاز القرآن، وأبان عنه بطريقة علمية فنية، ثم شرع يدلل على إعجاز القرآن البياني في سورة من سور القرآن، وهي سورة البقرة، إحدى الزهراوين، بما لا يدع مجالا للشك في أن هذا القرآن فوق مستوى قدر البشر، وأنه من عند خالق القوى والقدر. ولو أنه تناول القرآن كله على هذا المنوال لكان ذخيرة من الذخائر القرآنية التي تنتفع بها الأجيال المتعاقبة، فعسى أن يقيض له الله سبحانه من يقوم بإتمام هذه الدراسة القرآنية على هذا المنهج المستقيم البديع. ١٠ - ترجمة القرآن الكريم وجدت مسألة ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وتناولها العلماء والأدباء بالجواز والمنع، فألف المغفور له الأستاذ الأكبر «محمد مصطفى المراغي» شيخ الجامع الأزهر سابقا رسالة بعنوان: «بحث في ترجمة القرآن الكريم وأحكامها» ذهب فيها على جواز الترجمة، وألف المرحوم الأستاذ محمد فريد وجدي رسالة بعنوان: «الأدلة العلمية على جواز ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية» وقد أيد فيها الترجمة ورد على المخالفين. وقد انبرى للرد على المجوزين للترجمة العلامة الشيخ «مصطفى

стр. 45

صبري» ﵀ شيخ الإسلام بتركيا سابقا في كتاب دقيق سماه: «مسألة ترجمة القرآن»، كما عارض الترجمة المرحوم الأستاذ الشيخ «محمد سليمان» نائب المحكمة الشرعية العليا سابقا وسمى كتابه: «حدث الأحداث في الإسلام، الإقدام على ترجمة القرآن»، وألف الأديب الصحفي «محمد الههياوي» ﵀ رسالة بعنوان: «ترجمة القرآن الكريم غرض في السياسة وفتنة في الدين». وقد ألف- ولا يزال يؤلف- في بعض أنواع علوم القرآن كثير من الأحياء من أفاضل العلماء والأدباء. وقد كان لي شرف أن أدلي بدلوي في هذه الدلاء، وأن أشارك في التأليف في هذا المضمار الشريف الفسيح، مضمار الدراسات الأصيلة في كتاب الله العزيز فكان هذا الكتاب «المدخل لدراسة القرآن الكريم»، وفي النية- إن شاء الله- متابعة البحث والتنقيب عن كنوز القرآن الكريم وعلومه، حتى أخرج ما تيسر من مباحث هذا العلم المنيف في بضعة أجزاء، والله الموفق والمعين وقد استفدت مما كتبه المؤلفون في القديم والحديث في علوم القرآن، وأمكنني أن آتي بجديد لم يسبقني أحد إليه، وبتحقيق لبعض مسائله لم يحم أحد عليه، وبتهذيب، وبترتيب لبعض مباحثه، وكل ذلك بفضل الله وتوفيقه. ولبعض الزملاء، والأقران وبعض التلاميذ والأبناء في مصر، وغير مصر، وفي الأزهر وغير الأزهر كتب قيمة، ورسائل جيدة، في الدراسات القرآنية أو إن شئت فقل في «علوم القرآن» فجازاهم الله خيرا على صنيعهم هذا، وإنه لمضمار شريف، وفيه فليتنافس المتنافسون. وسيظل هذا الكتاب الكريم منهلا عذبا، وموردا صافيا، ومادة خصبة للباحثين والمفكرين، يدورون في فلكه الدوّار، ويستظلون بظله الظليل، ويستهدون بهديه القويم، ويسيرون على ضوئه ومنارته. وسيستمر مصدر حركة فكرية وباعث حياة شعوب، ومجدد شباب أمة، وحارس لغة هي أشرف اللغات، وأعذبها، ومشغلة للفكر الإنساني حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

стр. 46

المبحث الثاني نزول القرآن الكريم هذا المبحث من المباحث المهمة؛ إذ به يعرف تنزلات «القرآن الكريم» ومتى نزل وكيف نزل وعلى من نزل وكيف كان يتلقاه جبريل- ﵇ من الله ﵎ وعلى أي حال كان يتلقّاه الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- من جبريل ولا شك أن العلم بذلك يتوقف عليه كمال الإيمان بأن القرآن من عند الله وأنه المعجزة العظمى للنبي، كما أن كثيرا من المباحث التي تذكر في هذا الفن يتوقف على العلم بنزوله، فهو كالأصل بالنسبة لغيره، والعلم بالأصل مقدم على العلم بالفرع، فأقول- ومن الله أستمد العون والتوفيق: ١ - معنى النزول: النزول لغة يطلق ويراد: «الحلول» يقال نزل فلان بالمدينة: حلّ بها، وبالقوم: حلّ بينهم، والمتعدي منه معناه: الإحلال، يقال: أنزلته بين القوم، أي أحللته بينهم (١)، ومنه قوله تعالى: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [سورة المؤمنون: ٢٩]. ويطلق أيضا: على تحرك الشيء من علوّ إلى سفل، يقال: نزل فلان من الجبل، والمتعدي منه معناه: التحريك من علو إلى سفل، ومنه قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ... الآية [سورة الرعد: ١٧]. وكلا المعنيين اللغويين لا يليقان بنزول القرآن على وجه الحقيقة، لاقتضائهما الجسمية والمكانية والانتقال، سواء أردنا بالقرآن: المعنى

стр. 47

القديم القائم بذاته تعالى أو الكلمات الحكمية الأزلية، أو اللفظ العربي المبين؛ الذي هو صورة ومظهر للكلمات الحكمية القديمة؛ لما علمت من تنزه الصفة القديمة ومتعلّقها- وهو الكلمات الغيبية الأزلية- عن المواد مطلقا؛ لأن الألفاظ أعراض سيالة، تنتهي بمجرد النطق بها، ولا يتأتى منها نزول ولا إنزال. وعلى هذا يكون المراد بالنزول المعنى المجازي: والمجاز في اللغة العربية باب واسع (فإن أردنا بالقرآن: الصفة القديمة أو متعلقها، فالمراد بالإنزال: الإعلام به بواسطة إثبات الألفاظ والحروف الدالة عليه، من قبيل: إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، وإن أردنا اللفظ العربي الدال على الصفة القديمة) فيكون المراد: نزول حامله به سواء أردنا بالنزول: نزوله إلى سماء الدنيا، أو على النبي ﷺ ، ويكون الكلام من قبيل المجاز بالحذف، وهذا هو ما يتبادر إلى الأذهان عند إطلاق لفظ النزول. وللقرآن الكريم وجودات ثلاثة: ١ - وجوده في اللوح المحفوظ. ٢ - وجوده في السماء الدنيا. ٣ - وجوده في الأرض بنزوله على النبي ﷺ . ولم يقترن لفظ «النزول» إلا بالوجود الثاني والثالث، أما الوجود الأول، فلم يرد لفظ «النزول» مقترنا به قط، وعلى هذا: فلا ينبغي أن نسميه نزولا أو تنزلا. ٢ - أين كان القرآن قبل النزول يقول الله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) [سورة البروج: ٢١ - ٢٢]، فقد دلت الآية على أن «القرآن» كان قبل نزوله ثابتا موجودا في اللوح المحفوظ وهذا اللوح المحفوظ هو الكتاب المكنون الذي ذكره الله تعالى في قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) [سورة الواقعة: ٧٧ - ٨٠]، فالظاهر

стр. 48

والذي عليه جمهور المفسرين: أن الكتاب المكنون: هو اللوح المحفوظ، ومعنى «محفوظ»: أي عن استراق الشياطين، ومحفوظ عن التغيير والتبديل، ومعنى «مكنون»: مصون محفوظ عن الباطل، والمعنيان متقاربان. واللّوح المحفوظ: هو السجل العام الذي كتب الله فيه في الأزل كل ما كان وكل ما يكون. والواجب علينا: أن نؤمن به وأنه موجود ثابت، أما البحث فيما وراء ذلك، كالبحث في حقيقته وماهيته، وعلى أي حالة يكون وكيف دونت فيه الكائنات وبأي قلم كتب فلا يجب الإيمان علينا به، إذ لم يرد عن المعصوم ﷺ في ذلك حديث صحيح، وكل ما ورد إنما هي آثار عن بعض الصحابة والتابعين لا تطمئن إليها النفس (١). وحكمة وجود «القرآن» في اللوح المحفوظ: نرجع إلى الحكمة العامة من وجود اللوح المحفوظ نفسه وإقامته سجلا جامعا لكل ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتكوين، فهو شاهد ناطق، ومظهر من أروع المظاهر الدالة على عظمة الله وعلمه وإرادته، وواسع سلطانه وقدرته، ولا شك أن الإيمان به يقوي إيمان العبد بربه من هذه النواحي، ويبعث الطمأنينة إلى نفسه، والثقة بكل ما يظهره الله لخلقه من ألوان هدايته وشرائعه وكتبه وسائر أقضيته، كما يحمل الناس على السكون والرضا بسلطان القدر والقضاء، ومن هنا تهون عليهم الحياة بضرائها وسرائها كما قال جل شأنه: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) [سورة الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وللإيمان باللوح والكتابة أثر صالح في استقامة المؤمن على الجهاد في الله وتفانيه في طاعة الله ومراضيه، وبعده عن مساخطه ومعاصيه، لاعتقاده

стр. 49

أنها مسطورة عند الله في لوحه، مسجلة لديه في كتابه (١) كما قال جل شأنه: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) [سورة القمر: ٥٢ - ٥٣] (٢). ٣ - نزول القرآن الكريم للقرآن الكريم نزولان: الأول: نزول من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. الثاني: نزوله من السماء الدنيا على النبي ﷺ . وهذا كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل وتوضيح .. وإليك البيان: النّزول الأول: نزول «القرآن الكريم» من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السماء الدنيا جملة واحدة، وهذا النزول أكان بعد نبوته ﷺ أم كان قبل ذلك رأيان للعلماء، أرجحهما الأول، وهو الذي تدل عليه الآثار الآتية، وكان هذا النزول في رمضان ليلة القدر. والدليل على هذا النزول ما يأتي: ١ - قوله تعالى في مفتتح سورة «القدر»: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وقال في مفتتح سورة «الدخان»: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)، وقال في سورة «البقرة»: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥]، «والإنزال» أكثر ما يرد في لسان العرب فيما نزل جملة واحدة (٣)،

стр. 50

بخلاف «التنزيل» فإنه يعبر به في جانب ما نزل مفرقا؛ فدلّت الآيات على أن القرآن «نزل جملة واحدة في ليلة القدر! أخذا من سورة «القدر» وهي الليلة المباركة، أخذا من آية «الدخان»، وهي ليلة من شهر رمضان أخذا من آية «البقرة». وأيضا فمن البدهيّ: أن القرآن نزل على النبي ﷺ في سنين لا في ليلة واحدة، وأنه نزل في غير رمضان؛ كما نزل في رمضان: فدل هذا على أن النزول الذي نوّهت بشأنه الآيات غير النزول على النبي مفرقا في بضع وعشرين سنة، وأن المراد به: هو النزول جملة واحدة. ٢ - قد جاءت الآثار الصحيحة مبيّنة لهذا النزول وشاهدة عليه: (أ) فمنها ما أخرجه النّسائي والحاكم والبيهقي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس، أنه قال: «أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة» ثم قرأ: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [الفرقان: ٣٣]، وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء: ١٠٦]. (ب) ومنها ما أخرجه الحاكم والبيهقي من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله بعضه في إثر بعض». (ج) وأخرج الحاكم وغيره، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «فصل القرآن من الذّكر، فوضع في بيت العزّة من سماء الدّنيا فجعل جبريل

стр. 51

ينزل به على النبي ﷺ »، قال: الحافظ في الفتح: وإسناده صحيح (١). (د) أخرج ابن مردويه والبيهقيّ- في كتاب «الأسماء والصفات» عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود، فقال: أوقع في قلبي الشكّ قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وهذا أنزل في شوّال، وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع، فقال ابن عباس: أنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا (٢) في الشهور والأيام». ومعلوم: أن هذا لا يقوله ابن عباس بمحض الرأي، فهو محمول على سماعه من النبي ﷺ ، أو ممن سمعه من النبيّ من الصحابة، ومثل هذا له حكم المرفوع؛ لأن القاعدة عند أئمة الحديث: أن قول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليّات فيما لا مجال للرأي فيه له حكم الرّفع، وبذلك ثبتت حجّية هذه الآثار (٣). وقد ذكر «السيوطي» في «الإتقان» (٤) عن القرطبي: أنه حكى الإجماع على أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السماء الدنيا، ودعوى الإجماع غير مسلّمة؛ فإن من العلماء من لا يقول به ويحمل الآيات التي ظاهرها ذلك على ابتداء الإنزال. وهناك قول ثان: وهو أن «القرآن» نزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر، أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين (٥)، ينزل الله في كل ليلة منها ما

стр. 52

يقدر إنزاله في كل السنة، ثم ينزل به جبريل بعد ذلك على النبي ﷺ في جميع السنة، وبه قال «مقاتل بن حيّان» (١)، نقله القرطبي في تفسيره عنه، وبقوله قال الحليمي والماوردي، قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر قول الحليمي: «وهذا أورده ابن الأنباري من طرق ضعيفة ومنقطعة». أقول: فلا يعوّل عليه، قال: «وما تقدم من أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم أنزل بعد ذلك مفرقا هو الصحيح المعتمد». وهناك قول ثالث: هو أن المراد بالآيات السابقة ابتداء إنزاله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجّما في أوقات مختلفة على النبي ﷺ وبه قال «الشعبي» (٢) وكأنّ صاحب هذا القول ينفي النزول جملة واحدة إلى السماء الدنيا. وقد ذهب إلى هذا الرأي من المتأخرين الأستاذ الإمام الشيخ «محمد عبده» في تفسير جزء «عمّ»، فقد نقل كلام «الشعبيّ» وقوّاه، وقال: إن ما جاء من الآثار الدّالة على نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، مما لا يصح الاعتماد عليه؛ لعدم تواتر خبره عن النبي ﷺ وأنه لا يجوز الأخذ بالظن في عقيدة مثل هذه، وإلا كان اتباعا للظن (٣).

стр. 53

وأعقّب على قول الإمام فأقول: إن مسألة نزول القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليست من العقائد التي يتحتم تواتر الأخبار بها، والتي لا بد فيها من العلم القطعي اليقيني، مثل وجود الله وصفاته، ونحو ذلك من العقائد، وإنما يكفي فيها الأخبار الصحيحة .. التي تفيد غلبة الظن ورجحان العلم، ثم إن من قال إن مثل هذه الحقيقة الغيبية لا بد فيها من تواتر الأخبار عن النبي ﷺ ! إن كثيرا من السمعيات يكتفى فيها بالأخبار الصحيحة التي تفيد رجحان العلم بما دلت عليه، وعلى هذا جرى العلماء سلفا وخلفا، ثم إن تأويل الآيات بأن المراد ابتداء الإنزال صرف للآيات عن ظواهرها، وقد بينت أن ظاهر الآيات يشهد للنزول جملة واحدة، والظواهر لا يعدل عنها إلا بصارف، وأنى هو وبعد .. فالقول الأول، هو الراجح والصحيح الذي تشهد له الآيات والآثار. حكمة هذا النزول: والحكمة في هذا النزول أمران: (١) تفخيم شأن القرآن، وشأن من نزل عليه، وشأن من سينزل إليهم، بإعلام سكان السماوات من الملائكة بأن هذا آخر الكتب المنزلة، على خاتم الرسل، لأشرف الأمم، وهي الأمة الإسلامية، وفي هذا تنويه بشأن المنزّل، والمنزّل عليه، والمنزّل إليهم. (٢) تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب السماوية؛ بأن جمع الله له النزولين: النزول جملة واحدة، والنزول مفرقا، وبذلك شارك الكتب السماوية في الأولى، وانفرد في الفضل عليها بالثانية، وهذا يعود بالتفضيل لنبينا «محمد» على سائر إخوانه من الأنبياء ذوي الكتب المنزلة، وأن الله جمع له من الخصائص ما لغيره وزاد عليها. النزول الثاني: قلنا فيما سبق إن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، في ليلة القدر وهذا هو النزول الأول، وكان النازل به

стр. 54

«جبريل» ﵇ فألقاه على السفرة الكرام البررة، فقيدوه في صحفهم المكرمة، كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) [سورة عبس: ١١ - ١٦] هم الملائكة المختصون بذلك. وقد بقي القرآن محفوظا في هذه الصحف المرفوعة المطهرة، بأيدي هؤلاء الملائكة الكرام البررة حتى أذن الله لهذا النور الإلهي أن يسطع في أرجاء الأرض، ولهدايته الربانية أن تتدارك الناس، وتخرجهم من ظلمات الشرك والجهالة والضلال، إلى نور الإيمان والهدى والعرفان، على يد مخلّص البشرية، ومنقذ الإنسانية سيدنا ونبينا «محمد بن عبد الله» عليه صلوات الله وسلامه، فأنزل عليه «القرآن» هاديا ومبشرا ونذيرا للخلق أجمعين، وليكون آيته الكبرى، ومعجزته الباقية على وجه الدهر، شاهدة له بالصدق وأنه يوحى إليه من ربه، وهذا هو النزول الثاني للقرآن. وشواهد هذا النزول أكثر من أن تحصى، قال تعالى شأنه: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ (١) لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [سورة الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ (٢) مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) [سورة النحل: ١٠٢]، وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤) [سورة الكهف: ١ - ٤]، وقال: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) [سورة الفرقان: ١]، وقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [سورة البقرة: ٢٣]. والذي نزل به على النبي ﷺ هو أمين الوحي «جبريل» ﵇،

стр. 55

وهو المقصود بالروح الأمين في آية «الشعراء»، وبروح القدس في سورة «النحل»، وهو الرسول الكريم ذو القوة المتين الأمين في قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) [سورة التكوير: ١٩ - ٢٢]، والقول كما ينسب لقائله الأول، ينسب لمبلّغه وحامله إلى المرسل إليه. وهو شديد القوى ذو المرة، في قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) (١) [سورة النجم: ٤ - ٧]، وقد جاء النص على أن النازل بالقرآن هو «جبريل» في قوله سبحانه: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) [سورة البقرة: ٩٧ - ٩٨]، والمراد بهم اليهود. ٤ - كيف كان هذا النزول ومدّته وقد نزل به «جبريل» ﵇ على النبي ﷺ منجما مفرقا، على حسب الوقائع، والحوادث، وحاجات الناس، ومراعاة للظروف والملابسات. وقد اختلف العلماء في مدة هذا النزول؛ فقيل: عشرون سنة، وقيل: ثلاث وعشرون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة. ومنشأ هذا الاختلاف إنما هو اختلافهم في مدة مقامه ﷺ بمكة؛ فقيل عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة. وأقربها إلى الحق والصواب هو أوسطها؛ وهو ثلاث وعشرون سنة، وهذا على سبيل التقريب، وأبعدها هو آخرها. ولو راعينا التدقيق والتحقيق، تكون مدة نزول القرآن اثنتين وعشرين سنة، وخمسة أشهر (٢) ونصف شهر تقريبا، وبيان ذلك: أن النبي ﷺ نبّئ

стр. 56

على رأسي الأربعين من ميلاده الشريف، وذلك في شهر «ربيع الأول؛ الثاني عشر منه» وقد بدئ الوحي إليه بالرؤيا الصادقة، ومكث على ذلك إلى السابع عشر من رمضان، وهو اليوم الذي نزل عليه فيه صدر سورة «اقرأ» أول ما نزل من القرآن، وجملة ذلك: ستة أشهر وخمسة أيام، وآخر آية نزلت من القرآن هي قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨) [سورة البقرة: ٢٨١]، وقد روي أن ذلك قبل وفاة النبي ﷺ بتسعة أيام، وقيل: بأحد عشر يوما، وقيل: بواحد وعشرين يوما، فلو أخذنا بالمتوسط تكون جملة المدة التي لم ينزل فيها القرآن ستة أشهر وستة عشر يوما. وجملة عمره ﷺ ثلاثة وستون عاما؛ لأنه توفي في الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، كما عليه الجمهور، فتكون مدة نبوته: ثلاثا وعشرين سنة، فإذا أنقصنا منها ستة أشهر وستة عشر يوما، يكون الباقي اثنتين وعشرين وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وقد ذكر بعض الكاتبين في تاريخ التشريع غير هذا وقد بنى حسابه على أن آخر آية نزلت الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وهو خطأ مشهور وسنبيّن الحق في آخر ما نزل فيما يأتي إن شاء الله. ٥ - الدليل على نزول القرآن منجما المعروف الثابت: أن «القرآن الكريم» نزل على النبي ﷺ مفرقا، ويدل على هذا القرآن، والسنة الصحيحة. أما القرآن، فقوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [سورة الإسراء: ١٦]، وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ

стр. 57

بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [سورة الفرقان: ٣٢ - ٣٣]، فقد روي: أن المشركين أو اليهود عابوا على النبي ﷺ نزول القرآن مفرقا، وقالوا: هلا نزل جملة واحدة، كما نزلت التوراة على موسى، فأنزل الله- سبحانه- هذه الآية، حاكية لأقوالهم، ورادة عليهم ببيان الحكمة في إنزاله مفرقا، أي: أنزلناه مفرقا، لنثبت به فؤادك ولترتله ترتيلا في خاصة نفسك، وعلى أصحابك. أما السنن الصحيحة، فقد ورد فيها ما يدل على نزول «القرآن» منجما مفرقا، ففي الصحيحين وغيرهما عن عائشة- ﵂: «أن أول ما نزل صدر سورة «اقرأ» ... إلى قوله تعالى: ما لَمْ يَعْلَمْ، وفي الصحيحين- أيضا- عن جابر: «أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة «المدثر» إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)، وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة، القول في تقدم نزول بعض السور والآيات على بعض، وترتيب السور على حسب النزول (١)، إلى غير ذلك من الآثار التي لا تدع مجالا للشك في نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ مفرقا، وهذه الأحاديث والآثار وإن كانت آحادية إلا أنها بمجموعها تفيد التواتر المعنوي المفيد للقطع واليقين في هذا. ...

стр. 58

٦ - نزول الكتب السماوية السابقة أما الكتب السماوية السابقة، فالمشهور بين العلماء، أن ذلك كان جملة واحدة حتى كاد يكون هذا الرأي إجماعا، كما قال «السيوطيّ». والدليل على ذلك آية «الفرقان»: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ... الآية، ووجه الدلالة: أن الله- سبحانه- لم يكذّبهم في دعواهم نزول الكتب السماوية جملة، بل بين لهم الحكمة في نزوله مفرقا، ولو كانت الكتب السماوية نزلت مفرقة لكان كافيا في الرد عليهم أن يقول لهم: إن التنجيم سنة الله في الكتب التي أنزلت على الرسل، كما أجاب بمثل ذلك قولهم: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ... [سورة الفرقان: ٧] فقال في الرد عليهم: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٢٠]، فبين لهم أن ذلك سنن الأنبياء والمرسلين، وكذلك لما قالوا: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء: ٣] فردّ عليهم: بأن سنته ألّا يرسل رسلا إلّا من البشر فقال: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) [سورة الأنبياء: ٧] ولما قالوا: كيف يكون رسولا ولا همّ له إلا النساء رد عليهم فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨] إلى غير ذلك. ويدل على ذلك أيضا .. قوله تعالى في إنزاله التوراة على موسى ﵇ يوم الصّعقة: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ [سورة الأعراف: ١٤٤ - ١٤٥]، وقوله: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) [سورة الأعراف: ١٥٤]، وقال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧) [سورة الأعراف: ١٧١]، والمراد بالألواح: الألواح التي كتبت فيها التوراة. فهذه الآيات دالة على إنزاله- سبحانه- التوراة على «موسى» جملة.

стр. 59

وهناك آثار (١) صحيحة عن «ابن عباس» تفيد نزول «التوراة» جملة؛ منها ما أخرجه النسائي وغيره عن ابن عباس- ﵄ في حديث النتوق قال: «أخذ موسى الألواح بعد ما سكن عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر الله أن يبلّغهم من الوظائف، فثقلت عليهم، وأبوا أن يقرّوا بها حتى نتق الله عليهم الجبل، كأنه ظلّة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأقروا بها». وإذا كانت التوراة، وهي أعظم الكتب السماوية السابقة، وأكثرها أحكاما وهداية، وقد ثبت نزولها جملة واحدة، فأحر بغيرها من الكتب السماوية- كالإنجيل والزبور وصحف إبراهيم- أن تكون قد نزلت جملة واحدة، وآية (الفرقان) - كما ذكرنا- تدلّ على هذا التعميم وتؤيده. ٧ - كيف كان جبريل يتلقى الوحي هذا المبحث من أنباء الغيب، فلا يطمئن الإنسان إلى رأي فيه إلا إن ورد عن معصوم، ولم نطّلع في هذا على نقل من المعصوم ﷺ وإنما هي نقول عن بعض العلماء؛ منها: ١ - ما قاله «الطّيبيّ»: «لعل نزول القرآن على الملك أن يتلقفه تلقفا روحانيّا أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به على النبي ﷺ فيلقيه إليه، وكلمة «لعل» لا تفيد القطع، وإنما تفيد التجويز والاحتمال، وقد ردد الإمام «الطّيبي» الأمر بين هذين الاحتمالين، ولم يقطع برأي. ٢ - ما ذكره «البيهقي» في تفسير قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) [القدر: ١] قال: يريد- والله أعلم- إنا أسمعنا الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع، وهذا الرأي أمثل الآراء وأولاها بالقبول، ويشهد له ما رواه «الطبراني» من حديث «النواس بن سمعان» مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: «إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله، فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا، وخرّوا سجدا فيكون أوّلهم يرفع رأسه «جبريل» فيكلمه

стр. 60

الله بوحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة فكلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا قال: الحق، فينتهي به حيث أمر» والحديث وإن لم يكن نصّا في القرآن إلا أن «الوحي» يشمل وحي القرآن، وغيره، بل يدخل فيه الوحي بالقرآن دخولا أوليا. وهذا الرأي هو أحد الاحتمالين الّذين جوّزهما «الطيبيّ» وهو مراده بقوله: أن يتلقفه تلقفا روحانيّا. والاحتمال الثاني: وهو حفظه من اللوح المحفوظ وإن كان غير مستبعد إلا أن ما دل عليه النص أولى، وينبغي أن يصار إليه وهو الأليق بالقرآن الكريم. وفي تلقي «جبريل» ﵇ القرآن من ربه دون وساطة: إعظام للقرآن وتفخيم لشأنه، وتنبيه إلى غاية العناية به، والحرص والمحافظة عليه، ومبالغة في صيانته عن التحريف، والتبديل. ألا ترى في دنيا الناس أن الملوك والرؤساء حينما يرسلون رسولا برسالة كتابية أو شفهية فإنهم يسلمونها لهم بأيديهم أو يقرءونها عليهم مبالغة في الحرص عليها، وشدة الاعتناء بها، وتحذيرا لهم من الخيانة فيها أو عدم تبليغها بنصها، وكمالها، فما بالك بملك الملوك، وبالقرآن الذي هو رسالة الرسالات! ألا ترى أن أحد الملوك أو الرؤساء أو الأمراء إذا أرسل رسالة مهمة، في أمر مهم، لرجل ذي شأن فإنه يتخير لها الرسول، ويأبى إلا أن يختمها بختمه، وأن يناولها إليه بيده، أو أن يقرأها عليه بنفسه مبالغة منهم في الحرص عليها، وصيانتها، وعلى تبليغها كما تلقاها بنصها وفصها من غير تحريف لها ولا تزيد فيها. فما بالك بالقرآن الذي هو كلام الله ورسالة الرسالات وأحق الكتب بالتحوط والصيانة، والحفاظ عليه. ٨ - كيف كان يتلقّى النبي الوحي كان النبي- صلوات الله وسلامه عليه- يتلقى عن جبريل- عليه

стр. 61

السلام- على حالتين: ١ - أن ينسلخ النبي ﷺ من حالته الشريفة العادية، إلى حالة أخرى، بها يحصل له استعداد، لتلقي الوحي من «جبريل» ﵇، وهو على حالته الملكية وفي هذه الحالة قد يسمع عند مجيء الوحي صوت شديد كصلصلة الجرس (١) .. وأحيانا يسمع الحاضرون صوتا عند مجيء الوحي كدويّ النحل .. وتأخذ النبي ﷺ حالة شديدة روحانية، يغيب فيها عما حوله، ويثقل جسمه، حتى لتكاد الناقة التي يركبها تبرك، وإذا جاءت فخذه على فخذ إنسان تكاد ترضّها ويتصبب عرقه، وربما يسمع له غطيط كغطيط النائم، فإذا ما سرّي عنه وجد نفسه واعيا لكل ما سمع من الوحي فيبلغه كما سمعه، وهذه الحالة أشد حالات الوحي على النبي ﷺ ، ويشير إلى هذا قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) [المزمل: ٥]؛ وعلى هذه الحالة تلقى القرآن. ٢ - أن يتحول «جبريل» ﵇ من الملكية إلى الصورة البشرية، فيأتي في صورة رجل، فيأخذ عنه الرسول ويسمع منه .. وكثيرا ما كان جبريل- ﵇ يأتي في هذه الحالة في صورة «دحية الكلبي» (٢)، أو صورة أعرابي لا يعرف (٣)، وهذه الحالة أهون الحالين على

стр. 62

الرسول. يدل على هاتين الحالين: ما رواه البخاري، في صحيحه بسنده عن عائشة- ﵂: أن الحارث بن هشام- رضي الله تعالى عنه- سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم (١) عني، وقد وعيت منه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا، فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة- ﵂: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، وأن جبينه ليتفصّد عرقا» وإنما اكتفى النبي في الجواب بهاتين الكيفيتين دون غيرهما من الكيفيات والأنواع؛ لأن الظاهر أن السؤال كان على الوحي الذي يأتي عن طريق جبريل. والقرآن الكريم لم ينزل منه شيء إلا عن طريق جبريل- ﵇ ولم يأت شيء منه عن تكليم أو إلهام (٢) أو منام، بل كله أوحي به في اليقظة وحيا جليّا، ولا يخالف هذا ما ورد في صحيح مسلم (٣) عن أنس- ﵁ قال: «بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة (٤) .. ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله فقال: إنه نزل عليّ آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) [سورة الكوثر]. إذ ليس المقصود ب «الإغفاءة» في الحديث: النوم، وإنما المقصود: الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي، وهي الغيبوبة عما حوله.

стр. 63

وقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا، وبهذا يفسّر أيضا ما ورد في بعض روايات هذا الحديث: أنه أغمي عليه. وقال «السيوطي» في «الإتقان» (١) بعد أن ذكر أن من كيفيّات الوحي تكليم الله إما في اليقظة وإما في المنام: «وليس في القرآن من هذا النوع شيء- فيما أعلم- نعم يمكن أن يعد منه آخر سورة «البقرة» لما تقدم (٢)، وبعض سورة «الضحى» و «ألم نشرح»، فقد أخرج «ابن أبي حاتم من حديث عديّ بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، فقلت: أي رب، اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، فقال: يا محمد، ألم أجدك يتيما فآويت، وضالا فهديت، وعائلا فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي». وما أشار إليه فيما تقدّم: هو ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال: «لما أسري برسول الله ﷺ انتهى إلى سدرة المنتهى .. الحديث» وفيه: «فأعطي رسول الله ﷺ منها ثلاثا، أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك- من أمته- بالله شيئا .. المقحمات (٣)» .. وفي «الكامل» للهذليّ: نزلت آمَنَ الرَّسُولُ إلى آخرها بقاب قوسين» (٤). وأعقب على ما ذهب إليه الإمام «السيوطي» إمكانا: بأن رواية «مسلم» ليس فيها تصريح بنزول خواتيم سورة «البقرة» عن طريق تكليم الله، فلعلّ المراد بإعطائه إيّاها: إعلام الله له باختصاصه ﷺ وأمته بما تدلّ عليه؛ تمنّنا عليه في هذا الموقف العظيم .. ألا ترى أنه أعطي الصلوات الخمس، وفرضت مع أنها لم ينزل فيها قرآن هذه الليلة! وليس في رواية الهذليّ

стр. 64

على فرض صحّتها التصريح بنزول الآيتين عن طريق التكليم. وأيضا فالإسراء والمعراج كان قبل الهجرة بمكة، وسورة البقرة كلها مدنية، فكيف تنزل خواتيمها بمكة! وأما حديث «عدي بن ثابت» الذي أخرجه ابن أبي حاتم، فليس فيه أن الله أنزل هذه الآيات وإنما كل ما فيه: التمنن عليه بالمنن التي ذكرت في هذه الآيات، ولا سيّما وألفاظ الحديث مغايرة للنص القرآني للآيات، مما يستبعد معه أن تكون الآيات نزلت في هذا التكليم، والظاهر أن السورتين نزلتا قبل ذلك؛ لأن التمنن إنما يكون بأمر معروف معلوم للمخاطب. فالحق ما قاله الإمام السيوطي أولا، وهو أنه ليس في القرآن من هذا النوع شيء. تلقي النبي القرآن عن جبريل وهو على ملكيته والذي نقطع به- والله أعلم- أن القرآن الكريم كله نزل في الحالة الأولى، وهي الحالة التي يكون فيها جبريل على ملكيته، وتحول النبي ﷺ من البشرية إلى الملائكية، وهذا هو الذي يليق بالقرآن الكريم، ونفي أي احتمال، أو تلبيس في تلقيه، ولم أقف قط على رواية تفيد نزول شيء من القرآن عن طريق جبريل، وهو في صورة رجل، وكل ما جاء من ذلك في الأحاديث الصحاح كحديث جبريل المشهور وسؤاله النبي ﷺ عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة وأشراطها، فإنما هو في وحي السنة لا في وحي القرآن. نعم هناك قرائن لا تصل إلى حد الأدلة تدل على نزول القرآن بالطريق الأول، فمن ذلك قول الله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) [المزمل: ٥] أي ثقيلا تلقيه، وثقيلا علمه، وذلك إنما يكون في الحالة التي تسود فيها الملائكية عند تلقي الوحي، وقيل: ثقيلا العمل به، والقيام بفرائضه وحدوده، وقيل: ثقيل من الوجهين معا. وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن ابن عباس في قوله

стр. 65

تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) [القيامة: ١٦] قال: «كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه ... » (١) وهذه الشدّة لن تكون إلا في الحالة الأولى. وروى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي ﷺ فقلت: هل تحسّ بالوحي فقال رسول الله ﷺ : «أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلّا ظننت أن نفسي تقبض» رواه أحمد، وروى ابن جرير أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها (٢) فما تستطيع أن تحرك حتى يسرّى عنه، وعن زيد بن ثابت- ﵁ أنزل على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذي، فكادت ترضّ (٣) فخذي (٤)، رواه البخاري في الصحيح. وأيضا فلو أنزل شيء من القرآن في الحالة الثانية وهي مجيء جبريل- ﵇ في صورة رجل لكان هذا مثارا للشك، والتلبيس على ضعفاء الإيمان، ولكان فيه مستند للمشركين في قولهم: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ .... وقد أشار الله ﵎ إلى هذا في قوله حكاية لمقالة المشركين وردّا عليهم: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) (٥) [الأنعام: ٨ - ٩]، فكان من الرحمة بالعباد، وعدم التلبيس عليهم أن لا ينزل القرآن إلا في هذا الجو الملائكيّ، الروحانيّ.

стр. 66

٩ - ما الذي نزل به جبريل على النبي الذي نقطع به، أن «القرآن الكريم» كلام الله سبحانه، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [سورة التوبة: ٥]، وأن القرآن لفظه ومعناه من عند الله- سبحانه- قال تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) [سورة الزمر: ١]، حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) [سورة غافر: ١ - ٢]، وقال: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [سورة الإسراء: ١٠٥]. وأن الذي نزل به هو أمين الوحي جبريل- ﵇ قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وأن الذي نزل به جبريل هو هذا اللفظ العربي من غير أن يكون له فيه شيء ما، ومن غير أن يزيد فيه حرفا، أو ينقص منه حرفا. وكذلك ليس للنبي ﷺ في القرآن شيء إلا التبليغ، وهذا هو الحق الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده ويؤمن به، ولا تلتفت إلى ما زعمه بعض من يهرف بما لا يعرف، أو من يفتري ويختلق؛ من أن جبريل أوحي إليه المعنى، وأنه عبر بهذه الألفاظ الدالة على المعاني بلغة العرب ثم نزل على النبي كذلك، أو أن جبريل أوحى إلى النبي ﷺ المعنى، وأن النبي عبر عن هذه المعاني بلفظ من عنده (١)، متمسّكا بظاهر قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [سورة الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]، فإنه زعم وخرص لم تقم عليه أثارة من علم، وما تمسك به هذا الزاعم من الآية لا يشهد له؛ فإن القلب كما ينزل عليه المعنى، ينزل عليه اللفظ، وإنما آثر الحق ﵎ هذا التعبير للدلالة على أن القرآن كما وعته الأذنان، وعاه القلب اليقظان. وهذا القول خلاف ما تواتر عليه القرآن والسنة، وانعقد عليه إجماع الأئمة: من أن القرآن- لفظه ومعناه- كلام الله، ومن عند الله، ولو جاز

стр. 67

الزعم لما كان القرآن معجزا، ولما كان متعبّدا بتلاوته. وهذا الزعم لا يقول به إلا جاهل استولت عليه الغفلة، أو زنديق يدسّ في الدين والعلم ما ليس منه، ولا تغتر بوجوده في بعض الكتب الإسلامية فأغلب الظن: أنه مدسوس على الإسلام والمسلمين. وإنا لنبرأ إلى الله أن يقول هذا عالم مسلم، متثبّت. وقد بلغ النبي ﷺ القرآن كما نزل إلى الأمة من غير زيادة ولا نقصان، ولا تحريف ولا تبديل، ولا كتمان لشيء منه، ولو كان النبي ﷺ كاتما شيئا من الوحي، لكتم الآيات التي فيها عتاب له وتنبيه بلطف إلى ترك الأولى في باب الاجتهاد، وبحسبك أن تقرأ معي قول الله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [سورة المائدة: ٦٧]، وقول الله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) [يونس: ١٥]، وقوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] (١). نزول جبريل بالسنة (٢): وما ذكرنا من محافظة جبريل- ﵇ على تبليغ اللفظ كما سمعه، من غير تغيير حتى ولو كان اللفظان بمعنى واحد ... إنما هو فيما يتعلق بتبليغ «القرآن»، أما وحي «السنة» فلا يلتزم فيه جبريل- ﵇ اللفظ الذي سمعه، لأن تبليغ «السنة» مبناه: المعنى لا اللفظ، إذ ليس لفظها معجزا، ولا متعبدا بتلاوتها كالقرآن.

стр. 68

وللإمام «الجوينيّ» (١) في هذا المقام كلام حسن ذكره السيوطي في الإتقان (٢) وعلق عليه وإليك هذا الكلام. [الفرق بين الوحيين] قال الجويني: «كلام الله المنزل قسمان؛ قسم قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إن الله يقول: افعل كذا- وكذا وأمر بكذا ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل بعد ذلك إلى النبي وقال له ما قاله ربه» ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان: يقول لك الملك اجتهد في الخدمة، واجمع جندك للقتال، فإذا قال الرسول: يقول لك الملك: لا تتهاون في خدمتي، ولا تترك الجند تتفرق، وحثهم على المقاتلة .. لا ينسب إلى كذب، ولا تقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر: قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا. قال «السيوطي» قلت: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السنة، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى؛ لأن جبريل أداها بالمعنى، ولم تجز القراءة بالمعنى لأن جبريل أداه باللفظ، ولم يبح له إيحاءه بالمعنى، والسر في ذلك: أن المقصود منه، التعبد بلفظه، والإعجاز به؛ فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، وأن تحت كل حرف منه معاني، لا يحاط بها كثرة؛ فلا يقدر أحد أن يأتي بما يشتمل عليه، والتخفيف على الأمة، حيث جعل المنزل إليهم على قسمين، قسم يروونه بلفظه الموحى به، وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف، فتأمل، وسئل الزهري عن الوحي فقال: الوحي ما يوحي الله

стр. 69

به إلى نبي من الأنبياء، فيثبته في قلبه، فيتكلم به ويكتبه وهو كلام الله، ومنه ما لا يتكلم به، ولا يكتبه لأحد، ولا يأمر بكتابته، ولكنه يحدث به الناس حديثا ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه. «وحي السنة»: أما وحي السنة فمنه ما يكون عن طريق أمين الوحي جبريل، وفي إطار الحالة الأولى، وهي الحالة الملائكية. وذلك كما في قصة يعلى بن أمية؛ روى البخاري في صحيحه بسنده عن يعلى قال: قلت لعمر- ﵁ أرني رسول الله ﷺ حين يوحى إليه، قال فبينما النبي في الجعرانة جاءه رجل فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب، فسكت النبي ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر- ﵁ إلى يعلى، وعلى رسول الله ﷺ ثوب قد أظلّ به، فأدخل رأسه، فإذا رسول الله ﷺ محمّر الوجه، وهو يغط، ثم سري عنه، فقال: «أين السائل عن العمرة» فأتي بالرجل. فقال: «اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات؛ وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك». وبعضه في إطار الحالة الثانية كما في حديث جبريل، وبعضه بالمكالمة كما حدث ليلة الإسراء والمعراج، وبعضه بالإلهام والمنام، وبعضه بالقذف في القلب، وسواء أكانت السنة بوحي جلي أو خفي فلفظها من عند النبي ﷺ . ١٠ - حكم نزول القرآن منجما مفرقا لنزول القرآن الكريم على النبي ﷺ مفرقا حكم كثيرة، وأسرار عديدة نجملها فيما يأتي: الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبي ﷺ وتطمين قلبه وخاطره وهي ما أشار إليها الحق- ﵎ في رده على المشركين أو اليهود حيث قال: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [سورة الفرقان: ٣٢]، وهذه الحكمة من أجلّ

стр. 70

الحكم وأعظمها، ولذا ذكرها الله أول ما ذكر في الرد على هؤلاء. ويندرج تحت هذه الحكمة: ١ - تثبيت فؤاد النبي، وتقوية قلبه، وإلهاب حماسه، وتسليته، وذلك بسبب تكرر نزول الوحي، وتوالي آياته وما اشتملت عليه الآيات من أن رسالته حق لا شك فيها، وأن العاقبة للمتقين، والنصر إنما هو للأنبياء وأتباعهم، وأن الله مؤيده وناصره، وكان النبي ﷺ كثيرا ما يتحسر ويحزن، لعدم إيمان قومه، كما قال تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) (١) [سورة الكهف: ٦]. فكانت تنزل عليه الآيات مسلية له، فتارة تنهاه أن يذهب نفسه عليهم حسرات، كما قال تعالى: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) [سورة فاطر: ٨]. وتارة يبين له: أن هدايتهم إنما هي على الله، وإنما عليك البلاغ كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [سورة البقرة: ٢٧٢]، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [سورة القصص: ٥٦] وقال: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [سورة الرعد: ٤٠]. وكان كلما آذاه قومه ونالوا منه، وسفهوا عليه، نزلت الآيات داعية له إلى التحمل والصبر والثبات عليه، وأن العاقبة للصابرين، كما قال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف: ٣٥]، وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) [سورة النحل: ١٢٧]، وقال: وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) [سورة هود: ١١٥]. وتارة تنزل الآيات قاصّة على النبي أخبار «الأنبياء» مع أممهم وما لاقوه منهم من عنت ومشقة، وكيف كان تحملهم من أقوامهم وما آل إليه أمرهم من الفوز والنصر على الأعداء والمكذبين وذلك مثل قصص «نوح» و «إبراهيم» و «ولوط» و «هود» و «صالح» و «موسى» وما لاقاه من بني

стр. 71

إسرائيل. وقد ذكر الله هذا في قوله: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [سورة هود: ١٢٠]. وحينا آخر- تنزل الآيات بوعيد المكذبين للأنبياء والمناهضين لدعوتهم كما قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) [سورة الأعراف: ٩٧ - ٩٨]. وقال فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) [سورة فصلت: ١٣]، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) [سورة الأنفال: ٣٨]. وآونة .. كانت تنزل الآيات بالحجج والبراهين مبطلة لعقائدهم الزائفة، ورادة عليهم ما يتمسكون به من شبه واهية؛ كالآيات الواردة في إثبات الله وصفاته وتوحيده، واستحقاقه للعبادة، وإثبات البعث والحشر، وأحوال اليوم الآخر، وإثبات رسالة الرسل وحاجة البشر إليهم. وكان من ثمرة هذا التثبيت: أن أبدى النبي غاية الثبات والشجاعة، والوثوق بالله تعالى في أحرج المواقف وأشدها هولا؛ ألا ترى إلى قوله للصديق في الغار: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وإلى ثباته يوم «أحد» و «حنين» يدعو إلى الله وقد فرّ عنه الكثيرون فما زاده إلا إيمانا وثباتا! ٢ - تيسير حفظه وفهمه على النبي ﷺ فقد كان حريصا على ذلك غاية الحرص، ولقد بلغ من حرصه أنه كان لا ينتظر حتى يفرغ «جبريل» من قراءته، بل كان يتعجل القراءة، فأنزل الله عليه: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [سورة طه: ١١٤]، وقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) [سورة القيامة: ١٦ - ١٩] فضمن الله لنبيه الحفظ والفهم. وطبعيّ أن نزول القرآن مفرقا أدعى إلى سهولة حفظه وفهمه، وأيسر وأوفق بالفطرة البشرية.

стр. 72

وهذا المعنى الذي أراده الحق سبحانه- فيما أراده من حكم لنزول القرآن منجما ومفرقا قطعا قطعا- هو غاية ما وصل إليه أهل التربية في حفظ النصوص الطويلة، وتسهيل فهمها. وهذا المعنى التربوي ما كان يجول بخاطر بشر في هذا العصر، وفي هذه البيئة البدوية، مما يدل على أن منزّل القرآن على هذه الطريقة البديعة هو الله .. العالم بالطبائع البشرية، والنفوس وأسرارها. الحكمة الثانية: التدرج في تربية الأمة دينيّا وخلقيّا واجتماعيّا، وعقيدة وعلما وعملا، وهذه الحكمة هي التي أشار إليها الحق- ﵎ بقوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [سورة الإسراء: ١٠٦]، ويندرج تحت هذه الحكمة ما يأتي: التدرج في انتزاع العقائد الفاسدة، والعادات الضارة والمنكرات الماحقة، فقد بعث النبي ﷺ إلى قوم يعبدون الأصنام، ويشركون بالله غيره، ويسفكون الدماء، ويشربون الخمر، ويزنون، ويغتصبون الأموال، ويئدون البنات خشية العار، ويقتلون الأولاد خشية الفقر، ويظلمون النساء، ويتزوجون نساء الآباء، ويجمعون بين الأختين، كما كانوا يتظالمون، ويقع بينهم الحروب لأوهى الأسباب كناقة رعت من حمى، أو سبق فرس، أو نحو ذلك. وكانت الحروب تدوم بينهم عشرات الأعوام حتى تأكل الأخضر واليابس، وكان التكافل والتعاون بينهم يكاد يكون معدوما فلا تراحم بين الأغنياء والفقراء، ولا بين السادة والعبيد ولا بين الأقوياء والضعفاء. ومعلوم: أن النفس يشق عليها ترك ما تعودته مرة واحدة «وشديد عادة منتزعة» والإقلاع عما اعتقدته بمجرد النهي عنه؛ لأن للعقائد- حتى ولو كانت باطلة- وللعادات- ولو كانت مستهجنة- سلطانا على النفوس، والناس أسراء ما ألفوا، ونشئوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة،

стр. 73

وطالبهم بالتخلي عمّا هم منغمسون في حمأته من كفر وجهل ومنكرات مرة واحدة لما استجاب إليه أحد، ولما وفّق الرسول في أداء مهمته، ولعاد ذلك بالنقض على الشريعة الجديدة. لذلك اقتضت حكمة الله سبحانه- ولله الحكمة البالغة- أن يتدرج معهم في انتزاع هذه العقائد والمنكرات، فينهاهم عن عبادة غير الله، فإذا ما أقلعوا عنه، أخذ في النهي عن منكر غيره .. وهكذا. وكذلك كان القرآن يتدرج معهم في انتزاع المنكر الواحد، كما حدث في تحريم الخمر، فقد نزل فيها أول ما نزل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: ٢١٩] فشربها قوم، وتركها آخرون، ثم إن بعض المسلمين صنع طعاما، ودعا أصحابه؛ فأكلوا وشربوا ثم قام أحدهم ليصلي بهم، فقرأ «قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون» فأنزل الله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣] فكانوا يتركونها عند الصلوات، وفي الأوقات القريبة منها؛ حتى لا يقعوا في مثل هذا الخلط. وبذلك صار من السهل تحريمها تحريما باتّا قاطعا؛ فقد صنع بعض المسلمين طعاما، فأكلوا وشربوا حتى لعبت الخمر برءوسهم فتقاولوا الأشعار فتشاجروا حتى شج أحدهم رأس الآخر، فقال الفاروق «عمر»: «اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا» فحرّمها الله تحريما باتّا بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [سورة المائدة: ٩٠ - ٩١] فقال «عمر»: انتهينا (١) فمن ثم .. اقتضت الحكمة نزول القرآن مفرقا. ٢ - التدرج في تثبيت العقائد الصحيحة، والأحكام التعبدية والعملية والآداب والأخلاق الفاضلة، فأمرهم أولا: بالإيمان بالله وصفاته، وعبادته

стр. 74

وحده، حتى إذا ما آمنوا بالله دعاهم إلى الإيمان باليوم الآخر، ثم بالإيمان بالرسل، والملائكة، حتى إذا ما اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبّه، سهل عليهم بعد ذلك تقبل الأوامر والتشريعات التفصيلية، والأحكام العملية والفضائل والآداب العالية، فأمروا بالصلاة والصدق والعفاف، ثم أمروا بالزكاة، ثم بالصوم ثم بالحج، وبيّنت لهم أحكام النكاح والطلاق والرجعة والمعاملات، من بيع وشراء، وتجارة وزراعة، ودين ورهن .. إلى غير ذلك من المعاملات الصحيحة منها وغير الصحيحة. ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكي على إثبات العقائد والفضائل التي لا تختلف باختلاف الشرائع. بخلاف القسم المدني، فكان مدار التشريعات فيه على الأحكام العملية والتشريعات التفصيلية التي تتعلق بصيانة الدماء، والأعراض، والأموال، وصيانة العقول، والمحافظة على الأنساب سواء منها ما يتعلق بالمجتمع الصغير وهي الأسرة، أو ما يتعلق بالمجتمع الكبير وهي الأمة، وذلك كأحكام النكاح والطلاق والرجعة والعدة، والحضانة والنفقة، وكالحدود، والعقود، والمعاهدات والسياسات ونحوها. وتفصيل ما أجمل قبل ذلك من الآداب والفضائل. وقد أشارت السيدة العاقلة العالمة، التي تربت في منزل الوحي «عائشة» ﵂ إلى هذه الحكمة، فقالت- كما ورد في صحيح البخاري-: «إنما نزل من القرآن أول ما نزل منه «سورة» (١) من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا» (٢). ولا شك أن من طبيعة التدرج نزول آيات القرآن، وسوره بعضها في أثر

стр. 75

بعض، وقد دل القرآن بهذه السياسة الرشيدة في إصلاح الشعوب وتهذيبها على أنه معجز، وأنه من عند الله؛ فما كان لبشر- مهما كان ذكيّا- أن يتوصل إلى هذه الطرق الحكيمة في ذلك الوقت الذي بعث فيه النبي ﷺ ، وإنما ذلك من صنع الحكيم العليم الخبير. ٣ - تيسير حفظه وفهمه على الأمة، فقد أوجب الله على المسلمين حفظ ألفاظه، كما أوجب عليهم فهم معانيه، قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [سورة ص: ٢٩]، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [سورة محمد: ٢٤]. وقد ابتلي المسلمون في مكة بالمشركين، كما ابتلوا في المدينة باليهود والمنافقين هذا إلى اشتغالهم بأمور معايشهم، وبإقامة الدين، ونشر الإسلام، والدفاع عن دعوته، فلو نزل القرآن مرة واحدة لما أمكنهم حفظه ولا فهمه مع وجود هذه الملابسات والظروف المحيطة بهم. لذلك اقتضت حكمته أن ينزل القرآن مفرقا، حتى إذا ما نزلت قطعة منه أمكنهم أن يحفظوها ويجيدوا فهمها. ٤ - تثبيت قلوب المؤمنين، وتعويدهم على الصبر والتحمل بذكر قصص الأنبياء والسابقين الفينة بعد الفينة، وتذكيرهم بأن النصر مع الثبات والصبر، وأن العاقبة للمتقين، والخذلان والخسران للكافرين، اقرأ- إن شئت- قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) [سورة البقرة: ٢١٤]، فقد ذكر «عطاء» أن المسلمين لما هاجروا إلى المدينة، وتركوا الأهل والوطن والمال، وآثروا رضاء الله ورسوله، وتعرضوا لألوان من الإيذاء والجهد والفقر والمرض، ومعاداة اليهود والمنافقين لهم، شق ذلك على نفوسهم، فأنزل الله هذه الآية. وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) [سورة آل عمران: ١٤٢]، وقال تعالى: الم (١) أَحَسِبَ
следующие страницы →