← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 29719

المدخل لدراسة القرآن الكريم

محمد أبو شهبة

Полный текст (477 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يؤت فيها بالألف بعد الواو، على أن مجيئها بغير ألف هو الأصل فلا يسأل عنه. وكذلك زيادة الألف في قوله تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [النور: ٨] أي: يدفع للإشارة إلى قوة واستمرار درء الحد عنها ما دامت شهدت هذه الشهادات الخمس. وكذلك زيدت الألف بعد الهمزة في قوله تعالى: إني أريد أن تبوءا بإثمي وإثمك [المائدة: ٢٩]. وقوله: لتنوأ بالعصبة أولى القوة [القصص: ٧٦] للإشارة في الأولى إلى أنه يبوء بإثمين بسبب فعل واحد؛ وفي الثانية إلى كثرة مفاتيح قارون كثرة بها ثقلت وأثقلتهم، فكأنها ثقلان فجاء الرسم موحيا بهذا المعنى. وأما حذف الألف من سعوا في قوله تعالى: والّذين سعو فى آياتنا معجزين [سبأ: ٥]، فللإشارة إلى أنه سعى بالباطل، لا يصح أن يكون له ثبات في الوجود، وأنهم لن يحصلوا منه على طائل. ومثل ذلك وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ١١٦] وقوله: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [الفرقان: ٤] وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) [يوسف: ١٦] وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف: ١٨] فهو لبيان أن مجيئهم ليس على وجه صحيح، ويغلب عليه التصنع، والزور، والتمويه: فمن هنا جاء رسم الكلمات على غير المعهود المعروف. وكذلك حذف الألف من قوله: وعتو عتوّا كبيرا للإشارة إلى أنه باطل ولا أثر له يذكر في الوجود. وقالوا: حذفت الألف من معظم الألفاظ الأعجمية في الأصل كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق وهارون ونحوها لكثرة الاستعمال، فقد رسمت في المصاحف بدون ألف، وإنما لم تحذف من داود؛ لأنه حذفت منه الواو، فلم يجحفوا بحذف ألف أخرى. وأما زيادة الياء في قوله تعالى: وإيتائ ذى القربى [النحل: ٩٠]

стр. 352

فللإشارة إلى أن الإيتاء ينبغي أن يكون ممدودا موصولا غير منقطع، فيكون فيه تطابق بين اللفظ والمعنى، وفي قوله تعالى: ولقد جاءك من نبإى المرسلين [الأنعام: ٣٤] للإشارة إلى كثرة ما جاء في القرآن من أخبار الأنبياء، وتحملهم الأذى البالغ، والصبر الصابر، حتى جاء نصر الله. وفي قوله: ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النّهار لعلّك ترضى [طه: ١٣٠] للإشارة إلى أنه ينبغي أن يشغل معظم ساعات الليل بالقيام والتسبيح، فجاءت هيئة رسم اللفظ موحية بهذا المعنى، وفي قوله: أو من وراءي حجاب [الشورى: ٥١]. للإشارة إلى كلام من وراء وراء فهو وراء فسيح ممدود لا حد له. وهكذا لا يعدم المتأمل في رسم القرآن، بعقل فسيح وقلب مستنير، من أن يجد في الرسم من أسرار القرآن الشيء الكثير، فلله در القرآن ما أعظم بركاته، وما أكثر أسراره معنى ولفظا ورسما. (٥) إفادة بعض المعاني المختلفة بطريقة لا خفاء فيها؛ وذلك نحو قطع كلمة (أم) في قوله تعالى: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ووصلها في قوله تعالى: أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فقطع الأولى في الكتابة للدلالة على أنها (أم) المنقطعة بمعنى بل، ووصل أم الثانية للدلالة على أنها ليست المنقطعة، وإنما هي المتصلة. (٦) احتمال الرسم للقراءات المتواترة والصحيحة، وذلك مثل قوله تعالى: وتمّت كلمت ربّك صدقا وعدلا الآية فقد قرئت بالإفراد والجمع، يعني تمت كلمت ربك أو كلمات ربك. [مذهب الامام الباقلانى وابن خلدون فى ان الرسم اجتهادى] الرأي الثاني إن رسم المصحف اصطلاحي لا توقيفي، وممن ذهب إلى هذا ابن خلدون في مقدمته (١) والقاضي أبو بكر الباقلاني في «الانتصار» حيث قالا:

стр. 353

إن رسم المصحف كان باصطلاح من الصحابة، لأنهم كانوا حديثي عهد بالكتابة وإليك ما قاله القاضي أبو بكر: وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه؛ إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف. وليس في نصوص الكتاب، ولا مفهومه، أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص، وحد محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية؛ بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجها معينا، ولا نهى أحدا عن كتابته؛ ولذلك اختلفت خطوط المصاحف. فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص؛ لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألف، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك. وإذا كانت خطوط المصاحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة وأن الناس قد أجازوا ذلك وأجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر، علم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص، كما أخذ عليهم في القراءة والأذان، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري

стр. 354

مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكل رسم دال على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به، على أي صورة كانت. وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنى له ذلك وقد نوقش هذا المذهب بما يأتي: ١ - بالأدلة التي ساقها جمهور العلماء لتأييد القول بالتوقيف وقد مرت بك عن كثب. ٢ - ما ادعاه من أنه ليس في نصوص السنة الخ مردود بما روي من قوله ﷺ لمعاوية: «ألق الدواة، وحرف القلم» الحديث وبما ذكرناه من أن النبي ﷺ أقر الكاتبين على ما كتبوا والتقرير أحد أنواع السنة. ٣ - ما ذكره من قوله: ولذلك اختلفت خطوط المصاحف ... إلخ، غير مسلم لقيام الإجماع على الرسم العثماني، وعد وجود المخالف وتتابع الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم على ما جاء في هذه المصاحف عن غير نكير له. ٤ - أما ما ذكره ابن خلدون من أن العرب كانوا مغرقين في البداوة. فنقول: إنهم بعد الإسلام قد خطوا في الحضارة العلمية والكتابية خطوات ملموسة، وذلك لما بينا من أن الإسلام دين العلم والمعرفة، وأنه دعا إلى إزالة الأمية من أول يوم، وأما متابعة من جاء بعد الصحابة لهم في رسم المصحف، تبركا بهم، فلم يكن التبرك هو المعول عليه في هذا العصر، وإنما كان ديدنهم ما وافق الحق والصواب قبلوه، وما خالف الحق والصواب نبذوه، وأما أن الصحابة لم يكونوا على درجة من إتقان الخط فمردود؛ لأن النبي ﷺ اختار كتاب القرآن من الحذاق بالكتابة، ومنهم من كان يعرفها في الجاهلية، ثم جاء الإسلام، فزاده حذقا ومعرفة بها، وقد مرت مثل مما التزموه في الكتابة يدل دلالة أكيدة على أن هذا أمر كان مقصودا لهم، وأنهم كانوا على درجة من الحذق بالهجاء والكتابة.

стр. 355

رأي صاحب الذهب الإبريز: ولعل مما يستحسن ذكره في هذا المقام لنفاسته وكفايته في الرد على القائلين بالاجتهاد ما ذكره العلامة ابن المبارك، نقلا عن شيخه العارف بالله الشيخ عبد العزيز الدباغ، إذ يقول في كتابه «الذهب الإبريز» ما نصه: رسم القرآن سر من أسرار الله المشاهدة، وكمال الرفعة، قال ابن المبارك فقلت له: هل رسم الواو في سأوريكم، وأولئك، وأولاء، وأولات، وكالياء في نحو (هديهم)، (ملإيه) و (ملإيهم)، و (بأييكم) هذا كله صادر عن النبي ﷺ أو من الصحابة فقال: هو صادر من النبي ﷺ وهو الذي أمر الكتاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة. فما نقصوا ولا زادوا على ما سمعوه من النبي ﷺ . فقلت له: إن جماعة من العلماء ترخصوا في أمر الرسم، وقالوا: إنما هو اصطلاح من الصحابة مشوا فيه على ما كانت قريش تكتب عليه في الجاهلية، وإنما صدر ذلك من الصحابة؛ لأن قريشا تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، وأهل الحيرة ينطقون بالواو في الربا فكتبوا على وفق منطقهم، ينطقون فيه بالألف وكتابتهم له بالواو على منطق غيرهم، وتقليد لهم حتى قال القاضي أبو بكر الباقلاني: كل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه؛ فإنه ليس في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع ما يدل على ذلك. فقال: ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها؛ لأسرار لا تهتدي إليها العقول وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز. وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في (مائة) دون (فئة) وإلى سر زيادة الباء في (بأييد) و (بأييكم) أم كيف تتوصل إلى زيادة الألف في (سعوا) بالحج ونقصانها في (سعو) بسبإ وإلى

стр. 356

سر زيادتها في (عتوا) حيث كان، ونقصانها من (عتو) في الفرقان، وإلى سر زيادتها في (آمنوا) وإسقاطها من باءو وفاءو بالبقرة وجاءو في سورتي يوسف والنمل، وتبوءو في سورة الحشر، وإلى سر زيادتها في أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي ونقصانها من أن يعفوا عنهم في النساء؛ أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض، كحذف الألف من (قرءنا) بيوسف والزخرف وإثباتها في سائر المواضع؛ وإثبات الألف بعد واو (سماوات) في فصلت وحذفها من غيرها؛ وإثبات الألف في الميعاد مطلقا وحذفها من الموضع الذي في الأنفال؛ وإثبات الألف في (سراجا) حيثما وقع وحذفه من موضع الفرقان؛ وكيف نتوصل إلى فتح بعض التاءات وربطها في بعض فكل ذلك لأسرار إلهية، وأغراض نبوية، وإنما خفيت عن الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني، فهي بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة التي في أوائل السور، فإن لها أسرارا عظيمة، ومعاني كثيرة، وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها، ولا يدركون شيئا من المعاني التي أشير إليها، فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا حرفا. وأما قول من قال: إن الصحابة اصطلحوا على أمر الرسم المذكور فلا يخفى ما في كلامه من البطلان؛ لأن القرآن كتب في زمان النبي ﷺ ، وبين يديه، وحينئذ فلا يخلوا ما اصطلح عليه الصحابة، إما أن يكون هو عين الهيئة أو غيرها، فإن كان عينها بطل الاصطلاح؛ لأن سبقية النبي ﷺ تنافي في ذلك وتوجب الاتباع، وإن كان غير ذلك فكيف يكون النبي ﷺ كتب على هيئة كهيئة الرسم القياسي مثلا، والصحابة خالفوا وكتبوا على هيئة أخرى فلا يصح ذلك لوجهين: أحدهما: نسبة الصحابة إلى المخالفة، وذلك محال. ثانيهما: أن سائر الأمة من الصحابة وغيرهم أجمعوا على أنه لا يجوز زيادة حرف في القرآن ولا نقصان حرف منه، وما بين الدفتين كلام الله ؛ فإذا كان النبي ﷺ أثبت ألف الرحمن والعالمين مثلا، ولم يزد الألف في مِائَةَ ولا في ولا أوضعوا ولا الياء بأييد ونحو ذلك،

стр. 357

والصحابة عاكسوه في ذلك وخالفوه لزم أنهم- وحاشاهم من ذلك- تصرفوا في القرآن بالزيادة والنقصان، ووقعوا فيما أجمعوا هم وغيرهم على ما لا يحل لأحد فعله، ولزم تطرق الشك إلى جميع ما بين الدفتين، لأنا مهما جوزنا أن تكون فيه حروف ناقصة، أو زائدة، على ما في علم النبي ﷺ ، وعلى ما عنده، وأنها ليست بوحي، ولا من عند الله، ولا نعلمها بعينها، شككنا في الجميع، ولئن جوزنا للصحابي أن يزيد في كتابته حرفا ليس بوحي لزمنا أن نجوز لصحابي آخر نقصان حرف من الوحي إذ لا فرق بينهما، وحينئذ تنحل عروة الإسلام بالكلية، ثم قال ابن المبارك بعد كلام: فقلت له: فإن كان الرسم توقيفيا بوحي إلى النبي ﷺ وأنه كألفاظ القرآن، فلم لم ينقل تواترا حتى ترتفع عنه الريبة، وتطمئن به القلوب كألفاظ القرآن فإنه ما من حرف إلا وقد نقل متواترا لم يقع فيه اختلاف ولا اضطراب، وأما الرسم فإنه إنما نقل بالآحاد كما يعلم من الكتب الموضوعة فيه، وما نقل بالآحاد وقع الاضطراب بين النقلة في كثير منه، قلت: وكيف تضيع الأمة شيئا من الوحي فقال: ما ضيعت الأمة شيئا من الوحي والقرآن بحمد الله محفوظ ألفاظا ورسما؛ فأهل العرفان والشهود والعيان حفظوا ألفاظه ورسمه، ولم يضيعوا منها شعرة واحدة، وأدركوا ذلك بالشهود والعيان الذي هو فوق التواتر، وغيرهم حفظوا ألفاظه الواصلة إليهم بالتواتر، واختلافهم في بعض الحروف في الرسم لا يقدح ولا يصير الأمة مضيعة له كما لا يضر جهل العامة بالقرآن وعدم حفظهم لألفاظه. الرأي الثالث وهو أنه يجوز كتابة المصحف الآن لعامة الناس على الاصطلاحات المعروفة الشائعة، ليكون أبعد عن اللبس والخلط في القرآن، ولكن يجب في الوقت ذاته المحافظة على الرسم العثماني كأثر من الآثار الإسلامية النفيسة الموروثة عن السلف الصالح، فلا يهمل مراعاة للجاهلين بل يجب أن يبقى في أيدي العلماء العارفين الذين لا تخلو منهم الأرض، وإلى هذا الرأي ذهب الإمام ابن عبد السلام، وتابعه صاحب البرهان.

стр. 358

قال صاحب التبيان: وأما كتابته- أي المصحف- على ما أحدث الناس من الهجاء، فقد جرى عليها أهل المشرق بناء على كونها أبعد من اللبس، وتحاماها أهل المغرب بناء على قول الإمام مالك- وقد سئل: هل يكتب المصحف على ما أحدث الناس من الهجاء فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى قال في البرهان: قلت: وهذا كان في الصدر الأول والعلم حي غض، وأما الآن فقد يخشى الالتباس ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على المرسوم الأول باصطلاح الأئمة لئلا يوقع في تغيير من الجهال، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه لئلا يؤدي إلى درس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة (١). وهذا الرأي وسط بين المذهبين السالفين، ويقوم على رعاية الاحتياط للقرآن وتنزيه ساحته عن التغيير والتبديل بالإبقاء على الرسم العثماني الذي هو الأصل، وعلى رعاية التسهيل والتخفيف على العامة والناشئة، بكتابته على حسب ما يتيسر لهم ويتسهل عليهم، ولعله الأولى بالقبول. (رأي جديد جدير بالبحث والنظر) ومع أني مقتنع بالتزام التوقيف في المصاحف العثمانية، وأنه لا بد من الإبقاء عليه عند كتابة المصاحف وطبعها؛ ولكني أضع بين يدي القارئ هذا التساؤل: أألخير في الإبقاء على هذا الرسم في المصاحف، والأجزاء، والكتب المؤلفة لطلبة المدارس؛ والمعاهد، والجامعات غير الدينية وفي الصحف، والمجلات ونحوها، على ما في ذلك من التعسير على القراء، ولا سيما هؤلاء الطلاب، وعدم التيسير عليهم في قراءة القرآن! أم الخير في التزام الرسم العثماني، في المصاحف الكاملة، التي كتب فيها القرآن جميعه، والتي هي الحجة والمرجع عند الاختلاف والاحتكام،

стр. 359

وكتابة القرآن فيما عدا هذه المصاحف من الكتب العلمية والأجزاء القرآنية، والمجلات، والصحف ونحوها على الرسم المعروف الآن وقبل الآن، والذي يتلقاه الطلاب والتلاميذ في مدارسهم ومعاهدهم! الذي يترجح عندي وأرى فيه الخير والمصلحة هو الثاني، وبذلك يتيسر على قارئ القرآن الذي لم يتلق القراءة عن شيخ ومعلم، قراءته وحفظه، ونكون قد جذبنا طلاب المدارس إلى القرآن، الذي هو مصدر الإيمان، والهدى والحق والخير، وفي الوقت نفسه حافظنا على الرسم العثماني في ملايين المصاحف المبثوثة في العالمين الإسلامي والعربي. ويمكن زيادة في التحوط عند كتابة القرآن في كتب العلم والدين والأجزاء، والمجلات ونحوها، أن ننبه في الهامش على الكلمات التي كتبت على حسب القواعد الإملائية، وأنها كتبت في المصاحف على رسم كذا، حتى يكون التلاميذ والطلاب على بينة من الأمر، ولا يقعوا في بلبلة وشكوك، وبذلك نكون جمعنا بين الحسنيين وحققنا المصلحتين. وهذا الرأي أشد توثيقا للمصاحف العثمانية، وأرعى لحاجات المسلمين، ومصلحتهم، وأخص من رأي الإمام العز بن عبد السلام؛ لأنه أجاز ذلك في المصاحف وغيرها، وأما أنا فقصرت جواز ذلك على غير المصاحف، واحتفظت للمصاحف بقدسيتها، وجلالها، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. (الشبه التي أثيرت حول كتابة القرآن ورسمه) من دأب القسس (١) والمبشرين والمستشرقين أن يتلمسوا المطاعن في القرآن الكريم، وكتابته، ورسمه المجمع عليه في المصاحف العثمانية، وقد مر بك ما أوردوه على جمع القرآن من شبه وترهات، وكذلك صنعوا

стр. 360

حول كتابة القرآن ورسمه، وكل ما استندوا إليه يرجع إما إلى روايات باطلة نسبت إلى السلف الصالح كذبا وزورا، وقد تنبه العلماء إليها من قديم الزمان، وإما إلى اعتراضات (١) أوردها المؤلفون في تفسير القرآن وعلومه وأجابوا عنها بما يقنع ويشفي، فجاء هؤلاء القسس الذين تستروا تحت اسم «المستشرقين» فاطلعوا على هذه الروايات والاعتراضات فطاروا بها فرحا، وهولوا ما شاء لهم هواهم أن يهولوا، وظنوا أنهم وصلوا إلى ما يريدون من تشكيك المسلمين في أقدس مقدساتهم وهو القرآن الكريم. وقد قيض الله لهذه الشبه من علماء المسلمين من زيفها وبين بطلانها، وسترى بعد إيرادنا هذه الشبه والرد عليها أنها سراب لا حقيقة له، وأنهم طعنوا في غير مطعن، وطاروا في غير مطار. الشبهة الأولى: قالوا: روي عن عثمان- ﵁ أنه حين عرض عليه المصحف قال: أحسنتم وأجملتم إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها. وروي عن عكرمة أنه قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها، أو قال ستعربها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف. قالوا: فكيف تكون المصاحف العثمانية مع هذا موضع إجماع من الصحابة وثقة من المسلمين بل كيف يكون رسم المصحف توقيفيا، وهذا هو عثمان يقول إن فيه لحنا. والجواب: ١ - إن هاتين الروايتين ضعيفتا الإسناد، وإن فيهما اضطرابا وانقطاعا يذهب بالثقة بهما، كما قال الإمام السخاوي في الرواية الثانية، ونقله الإمام الآلوسي في تفسيره (٢)، وعكرمة لم يسمع من عثمان أصلا وقد روي

стр. 361

الأثر الثاني عن يحيى بن يعمر عن عثمان وهو أيضا لم يسمع من عثمان، وقد رد الرواية الأولى جماعة من العلماء كالإمام أبي بكر الباقلاني والحافظ أبي عمرو الداني وأبي القاسم الشاطبي والجعبري، وغيرهم، وغير خفي على المتأمل ما في الروايتين من اضطراب وتناقض، فإن قوله: أحسنتم وأجملتم مدح وثناء وقوله: إن فيه لحنا يشعر بالتقصير والتفريط، فكيف يصح في العقول أن يمدحهم على التقصير والتفريط! وأيضا فالغرض من كتابة المصاحف في عهد عثمان ﵁ على حرف قريش أن تكون مرجعا عاما يرجع إليه المسلمون عند الاختلاف في حروف القرآن وقراءاته، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكل تصحيحها إليهم، إن هذا إن صح فسيصل بنا إلى الدور المحال؛ إذ تكون صحة قراءتهم متوقفة على القراءة وفق المصاحف التي كتبها لهم عثمان، وصحة المصاحف وسلامتها من اللحن متوقفة على صحة قراءتهم، وهذا ما ننزه عنه أي عاقل فضلا عن عثمان ﵁. ٢ - إن هذين الأثرين يخالفان ما كان عليه عثمان ﵁ من حفظه القرآن، وملازمة قراءته، ومدارسته، حتى صار في ذلك ممن يؤخذ عنهم القرآن، وقد حرص غاية الحرص على إحاطة كتابة المصاحف بسياج قوي من المحافظة على القرآن أن يتطرق إليه لحن أو تحريف أو تبديل وجعل من نفسه حارسا أمينا على كتّاب المصاحف في عهده، والمرجع عند أي اختلاف في كيفية الرسم فقد قال للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش، وقد اختلفوا في التَّابُوتُ أيكتبونه بالتاء أم بالهاء ورفعوا الأمر إليه، فأمرهم أن يكتبوه بالتاء، فإذا كان هذا شأنه وشأنهم في حرف لا يتغير به المعنى، ولا يعتبر تحريفا ولا تبديلا لاستناده إلى الحروف التي نزل بها القرآن فكيف يعقل منه أن يرى في المصاحف لحنا ثم يقرهم عليه وإليك رواية أخرى تدل على مبلغ عنايته بالقرآن عند الكتابة. أخرج أبو عبيد، عن عبد الرحمن بن هانئ مولى عثمان قال: كنت عند

стр. 362

عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها «لم يتسن» وفيها «لا تبديل للخلق» وفيها «فأمهل الكافرين» فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين وكتب لِخَلْقِ اللَّهِ ومحا «فأمهل» وكتب فَمَهِّلِ وكتب لَمْ يَتَسَنَّهْ فألحق فيها الهاء، فهل يصح في العقول ممن هذا شأنه أن يرى لحنا في المصاحف ثم يقرهم عليه، ويدعه للعرب تصلحه ومن أحق بإصلاح اللحن والخطأ منه، وهو من هو في حفظ القرآن والحفاظ عليه. ولو جوزنا فرضا أن عثمان تساهل في إصلاح هذا أفيدعه جمهور المسلمين من المهاجرين والأنصار دون أن يصححوه وهم الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يقرون على الباطل، ولو صحت هذه المقالة عن عثمان لأنكروا عليه غاية الإنكار، ولو أنكروا لاستفاض ونقل إلينا وأنى هو ولقد كانوا يعترضون عليه وعلى غيره فيما دون هذا، فما بالك بأمر يتعلق بالقرآن الكريم الحق أن هذا لا يصدقه إلا من ألغى عقله. ٣ - على فرض صحة هذين الأثرين فيمكن أن نؤولهما بما يتفق هو والصحيح المعروف عن عثمان في جمع القرآن، ونسخ المصاحف، وذلك بأن يحمل لفظ لحنا على معنى اللغة، ويكون المعنى أن في رسم القرآن وكتابته في المصاحف وجها في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعا الآن، ولكنها لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعا بالمرانة، وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه. الشبهة الثانية: قالوا: إن سعيد بن جبير كان يقرأ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ (١) [النساء: ١٦٢] ويقول هو من لحن الكتاب.

стр. 363

والجواب: إن هذه الرواية إن صحت فابن جبير لم يرد باللحن الخطأ وإنما أراد اللغة، وهو أحد معاني اللحن كما في القاموس، وغيره من كتب اللغة ولو كان يريد باللحن الخطأ لما قرأ به، وكيف يقرأ بحرف يرى أنه خطأ وقد قرئت هذه الكلمة بقراءتين سبعيتين؛ قرأ الجمهور بالنصب وقرأ غير الجمهور بالرفع والمقيمون الصلاة أما الرفع فظاهر، إذ هو معطوف على ما قبله، وأما النصب فوجهه النصب على المدح لبيان فضل الصلاة ومنزلتها من شرائع الدين، ولهذا الأسلوب شواهد كثيرة في لغة العرب، وقد عقد له سيبويه في الكتاب بابا فقال: «هذا باب ما ينتصب على التعظيم» ومما أنشده: لا يبعدون قومي الذين هم ... سم العفاة وآفة الجزر النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر وإليك ما قاله إمام من أئمة العربية، قال الزمخشري في تفسيره ج ١ ص ٣٩٧ عند تفسير هذه الآية: ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب (١) ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتتان وغبي (٢) عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من يلحق بهم. الشبهة الثالثة: قالوا: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها إن الكتاب أخطأ، إنما هو «تستأذنوا» فهذا يدل على أن القرآن دخله بعض التحريف والتبديل بسبب الكتابة.

стр. 364

والجواب: ١ - أن هذا القول غير صحيح في نسبته إلى ابن عباس وهو مدسوس عليه، دسه الملاحدة والزنادقة، قال أبو حيان ما نصه: إن من روى عن ابن عباس أنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين، وابن عباس بريء من ذلك القول. وقال الزمخشري في تفسيره: «وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما هو حتى تستأذنوا فأخطأ الكاتب، ولا يعول على هذه الرواية. وقال القرطبي في تفسيره (١) بعد ذكر هذا عن ابن عباس أو سعيد ابن جبير وهذا غير صحيح عن ابن عباس وغيره، فإن مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وصح الإجماع فيها من لدن مدة عثمان فهي التي لا يجوز خلافها، وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح عن ابن عباس: وقد قال : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢). وقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)، وقد روى هذا الخبر عن ابن عباس ابن جرير، ولا يخلو إسناده من مدلس أو مضعف (٢)، ورواه الحاكم وصححه، وتصحيح الحاكم غير معتبر عند أئمة الحديث، وقد تعقبه الإمام الذهبي في نحو مائة حديث موضوع ذكرها في كتابه المستدرك فضلا عن الضعيف والواهي. ٢ - يؤيد رد هذه الرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ورد عنه تفسير تَسْتَأْنِسُوا بقوله: وتستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها، فثبوت هذا التفسير عنه يرد ما ألصق به، وقد روى هذا التفسير عنه ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن جرير وابن مردويه (٣) ولعل الراوي عن ابن عباس وهم حيث فهم من تفسير الاستئناس بالاستئذان أنه الصواب،

стр. 365

فروى الخبر على ما ظن وهو واهم. ويردها أيضا إجماع القراء السبعة على لفظ (تستأنسوا) ومن المستبعد جدّا أن يقرأ ابن عباس بقراءة يكون الإجماع على خلافها، ولا سيما وهو ممن أخذ القراءة عن زيد بن ثابت وهو عمدة الذين جمعوا القرآن في المصاحف بأمر عثمان ﵁، وما نقل عن ابن عباس وأبي أنهما كانا يقرءان (تستأذنوا) فمحمول على أنها قراءة تفسير وتوضيح، وأيضا فالقراءة المتواترة الثابتة تَسْتَأْنِسُوا متمكنة في باب الإعجاز من القراءة المزعومة (تستأذنوا). فالاستئذان ينصرف إلى الاستئذان بالقول، وأما الاستئناس فيشمل القول وغيره من الأفعال التي تؤذن بالقدوم كالتسبيح والتحميد والتنحنح وما شابه ذلك، هذا إلى ما تشير إليه القراءة المتواترة من أن يكون الاستئذان يقصد به الأنس وإزالة الوحشة، وعدم إيلام المستأذن عليه، ولا هكذا لفظ (تستأذنوا) فقد يكون الاستئذان مصحوبا بالخشونة، أو الإيحاش أو الإيلام، إلى غير ذلك من الأسرار والمعاني النبيلة التي تظهر لمن يمعن النظر في القرآن. ٣ - إن صحت الرواية فيمكن أن تحمل على الخطأ في الاختيار من الكاتب ويكون ذلك على حسب ظن ابن عباس لا بحسب الواقع ونفس الأمر، قال ابن أشتة في كتاب (المصاحف): مراد ابن عباس الخطأ في الاختيار وترك ما هو أولى القراءتين بحسب ظنه. وتكون قراءة ابن عباس مما ترك بسبب جمع الناس على حرف واحد، وهو حرف قريش، فإنهم التزموا جمع ما ثبت بالتواتر دون ما روي آحادا وما ثبت نسخه. ٤ - إن هذه الرواية على فرض صحتها رواية آحادية، والآحادي لا يعارض القطعي الثابت بالتواتر، ولا يثبت بها قرآن، ولا سيما وقد خالفت رسم المصحف، فما بالك وهي ضعيفة ومعارضة بروايات أخرى عن ابن عباس كما بينا!

стр. 366

الشبهة الرابعة: قالوا: روي عن ابن عباس أنه قرأ: «أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا» فقيل له: إنها في المصحف أفلم يايئس الّذين آمنوا الآية (١) فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، وهذا القول يقلل الثقة بكتابة القرآن ورسمه ويعود على القرآن ورسمه بالتحريف. والجواب: ١ - أن هذا القول لم يصح عن ابن عباس، وأنه مختلق عليه قال الإمام الجليل أبو حيان في تفسيره: بل هو قول ملحد زنديق. وقال الآلوسي في تفسيره بعد نقل كلام أبي حيان: وعليه فرواية ذلك- كما في الدر المنثور- عن ابن عباس ﵄ غير صحيحة، وقال الزمخشري في تفسيره ج ١ ص ٦٥٥ بعد حكاية هذا الزعم: وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتا بين دفتي الإمام (٢) وكان متقلبا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله، المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصا عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء، هذه والله فرية ما فيها مرية. ٢ - مما يرد هذه الرواية أن القراءة الصحيحة المتواترة صحت عن ابن عباس فلو كان ما نسب إليه صحيحا لما قرأ بها، قال أبو بكر الأنباري (٣): روى عكرمة عن ابن أبي نجيح أنه قرأ «أفلم يتبين الذين آمنوا» وبها احتج

стр. 367

من زعم أنه الصواب في التلاوة، وهو باطل عن ابن عباس؛ لأن مجاهدا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو، وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأيضا لقد أخذ ابن عباس القرآن عن زيد بن ثابت فيمن أخذ عنهم، وزيد كان كاتب الوحي، وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر، وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن في عهد عثمان، فغير معقول أن يقرأ ابن عباس على خلاف قراءة زيد بن ثابت وما كتبه في المصاحف العثمانية. وفي مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس أنه سأله عن قوله تعالى: أفلم يايئس الّذين آمنوا فقال ابن عباس: أفلم يعلم بلغة بني ملك، قال- أي نافع- وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت مالك بن عوف يقول: لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا (١) فلو كانت ثابتة- كما افترى عليه- لما فسرها؛ ولبين للسائل أنها خطأ، ولما استشهد لها بكلام العرب. ٣ - على فرض صحة هذه الرواية فهي آحادية فلا تعارض القطعي الثابت بالتواتر، ولا يثبت بها القرآن ولا سيما وهي مخالفة لرسم المصحف. الشبهة الخامسة: قالوا: روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ إنما هي «ووصى ربك» التزقت الواو بالصاد، وقد ورد هذا الأثر بروايات مختلفة، وفي بعضها: «ولو كان قضاء من الرب لم يستطع أحد رد قضاء الرب، ولكنها وصية أوصى بها العباد». قالوا: وهذا يدل على وقوع تحريف في القرآن. والجواب على ذلك ، نقول: ١ - إن هذه الروايات ضعيفة، ومدسوسة على ابن عباس ونقلها من نقلها

стр. 368

بدون تثبت وتحر قال ابن الأنباري: إن هذه الروايات ضعيفة، والضعف لا يحتج ولا يؤخذ به في دون هذا فما بالك في شيء يتعلق بالقرآن الكريم. ٢ - إن ابن عباس ﵄ قد استفاض عنه أنه قرأ وَقَضى وذلك دليل على أن ما نسب إليه غير صحيح، قال الإمام أبو حيان في البحر المحيط: والمتواتر هو وَقَضى وهو المستفيض عن ابن عباس والحسن وقتادة بمعنى أمر، وقال ابن مسعود وأصحابه: بمعنى وصى، وأما ما روي عن ابن مسعود من أنه كان في مصحفه ووصى وأنه كان يقرأ به فمحمول على التفسير، ولم يكن مصحفه مصحف قرآن فحسب، وإنما مزجه بالتفسير والتأويل لبعض آياته، وذكر بعض الأدعية والمأثورات. ٣ - ما استندوا إليه من أن اللفظ القرآني لو كان وَقَضى لما أشرك أحد غير لازم لمن تدبر وتأمل؛ لأن هذا الاعتراض إنما يتجه لو حملنا القضاء على التقدير الأزلي، فأما لو أريد به معناه اللغوي الذي هو البت والقطع فلا يتجه ولا يرد، ولذلك فسر الجمهور قضى بأمر، وهذا التفسير نفسه ثابت عن ابن عباس كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس أنه قال: أمر، وهذا يرد به ما نسب زورا إلى ابن عباس. ٤ - إن هذه الروايات معارضة للمتواتر القطعي، وكل ما عارض القطعي فهو ساقط عن الاعتبار. الشبهة السادسة: قالوا: إن ابن عباس كان يقرأ: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا لّلمتّقين (٤٨) [الأنبياء: ٤٨] بدون الواو قبل ضِياءً ويقول: خذوا هذه الواو واجعلوها في الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ وروي عنه أنه قال: انزعوا هذه الواو واجعلوها في الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ونجيب على هذه الشبهة بما يأتي. ١ - إن ما روي عن ابن عباس ضعيف فلا يؤخذ به، ثم هو مخالف

стр. 369

للقطعي الثابت بالتواتر، فهو مردود لا محالة. ٢ - إن ذكر الواو في الآية هو الذي تقضي به البلاغة الفائقة، لا حذفها، سواء أفسر الفرقان بالتوراة أم فسر بالنصر، وقد روي هذا الثاني عن ابن عباس وغيره، ويشهد له قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فالمراد به يوم بدر؛ وبيان ذلك أما على الأول فيكون المراد بالفرقان والضياء والذكر التوراة، وهي فرقان؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل، وضياء لأنها تنير الطريق للسالكين، وهي ذكر لما فيها من التذكير والمواعظ، ومثل هذا الأسلوب يجوز أن يأتي بدون الواو على أنه حال، ويجوز أن يأتي بالواو وكلّ بليغ، ولكن الإتيان بها أبلغ تنزيلا لتغاير الصفة- والحال صفة في المعنى- منزلة تغاير الذوات، ولذلك سر بلاغي؛ وهو الإشارة إلى بلوغها درجة عالية في كونها ضياء، حتى أضحت كأنها جنسا مستقلا برأسه عن سابقه، وهذا السر لا يتم على حذف الواو، ومثل هذا من كلام العرب: إلى المسلك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم وأما على الثاني وهو تفسير الفرقان بالنصر فتكون الواو لازمة البتة لتغاير المعطوف والمعطوف عليه، ويكون المراد بالضياء التوراة أو الشريعة. الشبهة السابعة: قالوا: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ [النور: ٣٥] أنه قال: هي خطأ من الكاتب، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، إنما هي «مثل نور المؤمن كمشكاة». [والجواب] وللجواب على ذلك نقول: ١ - إن هذه الرواية معارضة للقطعي الثابت بالتواتر، فهي مردودة وباطلة ولا يثبت بها قرآن قط. ٢ - إن هذه الرواية ضعيفة، وأغلب الظن أنها مختلقة عليه، وليس أدل على هذا من أنه قرأ بهذه القراءة المتواترة المعروفة، ولم ينقل عنه أنه قرأ

стр. 370

«مثل نور المؤمن»، وأن المأثور عنه في تفسيرها لا يتفق هو وما نقل عنه؛ فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال: مثل نوره: مثل هداه في قلب المؤمن. وهذا التفسير لا يتأتى إلا إذا عاد الضمير في نُورِهِ على لفظ الجلالة، وهو أرجح الروايتين عنه في مرجع الضمير، ولو سلمنا ما رواه الحاكم عنه من أن مرجع الضمير هو المؤمن فلا يلزم منه رد القراءة المتواترة؛ بل هو تفسير لمرجع الضمير فيها، وأيّا كان المروي عنه فلا يشهد لهذا الدس والاختلاق ويضعف هذه الرواية التي رواها الحاكم عنه أن رجوع الضمير إلى مذكور في الكلام إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه، أو كان ولكن دلالته عليه خفية خلاف الظاهر جدّا، ولا سيما إذا فات المقصود من الكلام على ذلك (١) وإنما تتم الروعة في التمثيل في الآية لو رجع الضمير إلى المذكور، وهو لفظ الجلالة، على أن يكون المراد بالنور الحق الذي قامت عليه السموات والأرض، وصلح به أمر الناس، أو الهدى الذي غرسه الله في قلب المؤمن، وأما على الوجه الآخر ففيه تفكيك للقرآن وتفويت لروعة التمثيل. ولو أن هذا الدس نقل عن أبي بن كعب لكان الأمر أهون إذ هو الذي نقل عنه أنه قرأ «مثل نور المؤمن» وفي رواية «مثل نور المؤمنين» وفي رواية «مثل نور من آمن» (٢) وهي قراءات شاذة لا يعتد بها ولا يقرأ بها لمخالفتها لرسم المصحف، وعدم تواترها، ولكن شاء الله أن تتم الحبكة في نسج هذه الرواية المكذوبة على ابن عباس، وهكذا الباطل يكون في طيه ما يلقي أضواء على بطلانه.

стр. 371

الشبهة الثامنة: قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: لا تقولوا: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا [البقرة: ١٣٧] فإن الله تعالى ليس له مثل، ولكن قولوا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ وأنه كان يقرأ «فإن آمنوا بما آمنتم به» قالوا: فهذا ينفي القراءة المشهورة التي كتب بها المصحف، ويدل على أن المصحف قد حصل فيه تغيير. والجواب: ١ - هذه الرواية آحادية مخالفة للقطعي الثابت بالتواتر؛ والذي أجمع عليه المسلمون من لدن الصحابة إلى وقتنا هذا، ومخالف القطعي مردود، ثم هي لا يثبت بها قرآن قط. ٢ - على فرض ثبوت هذه الرواية، فتحمل على التفسير، وبيان المعنى للقراءة المتواترة، قال ابن عطية الإمام المفسر: هذا من ابن عباس على جهة التفسير، أي: هكذا فليتأول. ٣ - إن القراءة المتواترة التي عليها عامة القراء لها وجوه صحيحة ومحامل تحمل عليها، فمنها: أ- إن مَثَلُ زائدة للتأكيد، والمعنى فإن آمنوا بما آمنتم به، وذلك كما قيل في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. ب- إن معنى آمنوا صدقوا والباء زائدة للتوكيد كما زيدت في قوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ والمعنى: فإن صدقوا تصديقا مثل تصديقكم فقد اهتدوا، وزيادة بعض الحروف والكلمات للتوكيد مستفيض في لغة العرب. الشبهة التاسعة: قالوا: روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ سئلت عن قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: ٦٣]، وعن قوله تعالى: إِنَ

стр. 372

الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى الآية [المائدة: ٦٩]، وعن قوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [النساء: ١٦٢]؛ فقالت: يا ابن أختي هذا خطأ من الكاتب. والجواب: ١ - إن هذه الرواية غير صحيحة عن عائشة، وعلى فرض صحتها فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن وهي معارضة للقطعي الثابت بالتواتر فهي باطلة ومردودة ولا التفات إلى تصحيح من صحح هذه الرواية وأمثالها فإن من قواعد المحدثين أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي؛ كأن يكون مناقضا لنص القرآن، أو السنة، أو الإجماع القطعي، أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل؛ أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور، وهذه الروايات مخالفة للمتواتر القطعي الذي تلقته الأمة بالقبول فهي باطلة لا محالة. ٢ - وأما آية إِنْ هذانِ لَساحِرانِ فالذي نص عليه أئمة الرسم والقراءة أن هذن لم تكتب في المصحف العثماني بالألف ولا بالياء، وذلك ليحتمل وجوه القراءات المتواترة كلها، وهذا من أسرار الرسم العثماني، فنسبة الخطأ إلى الكاتب غير معقول، وإنما المعقول أن تخطئ السيدة عائشة ﵂ من يقرأ إِنْ بتشديد النون، وهذان بالألف، وأما من يقرأ بتشديد النون في إِنْ والياء في هذين أو بتخفيف النون في إِنْ والألف في هذانِ فلا وجه في تخطئته، وهذا مما يلقي ضوءا على اختلاف هذه الروايات على عائشة وغيرها، وأنها من وضع الملاحدة، كي يشككوا المسلمين في كتابهم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد قرئ هذا الجزء من الآية القرآنية بقراءات سبعة متواترة، وهاك بيانها: أ- قرأ أبو عمرو: إنّ هذين لسحران بتشديد النون في إِنْ والياء في هذين وهذه القراءة الثابتة قد سلمت من مخالفة المصحف، وجارية

стр. 373

في الإعراب على المهيع المعروف الظاهر، فلا إشكال فيها أصلا. ب- وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه إِنْ هذانِ بتخفيف النون في إِنْ والألف في هذانِ غير أن ابن كثير يشدد نون هذانِ وهذه القراءة أيضا سلمت من مخالفة الرسم العثماني، ومن مخالفة العربية وتخرّج على أن إِنْ هي المخففة، وهي مهملة وهذانِ مبتدأ ولَساحِرانِ خبره، واللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر خبرها وقيل إن إِنْ نافية، واللام بمعنى إلا، والتقدير ما هذان إلا ساحران، ويشهد له قراءة أبي إن ذان إلا ساحران وهي قراءة تفسير وتوضيح. ج- وقرأ الباقون إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بتشديد نون إن وبالألف في هذان، وهي موافقة للرسم، ولكنها مشكلة في الإعراب، وهذه القراءة هي التي زعم الزاعمون أنها خطأ ونسبوا ذلك زورا إلى السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذه القراءة لها وجوه صحيحة في العربية، وقد أفاض في بيانها العلماء، وأحسن هذه الوجوه وأجودها (١) أنها جارية على لغة بعض العرب في إلزام المثنى الألف في جميع حالته، وهي لغة لكنانة، ولبني الحارث بن كعب، والخثعم، وزبيد، ومراد وغيرهم، ولذلك شواهد كثيرة من مثل قول الشاعر العربي: واها لسلمى ثم واها واها ... يا ليت عيناها لنا وفاها وموضع الخلخال من رجلاها ... بثمن نرضي به أباها إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها وقد اعتبر العلامة ابن هشام النحوي هذه القراءة أقيس إذ الأصل في

стр. 374

المبني أن لا تختلف صيغته، مع أن فيها مناسبة لألف لَساحِرانِ. ٣ - وأما عن آية وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فلا يصح ذلك عنها، قال الإمام أبو حيان في البحر المحيط ما نصه: وذكر عن عائشة ﵂، وعن أبان بن عثمان أن كتبها بالياء من خطأ الكاتب، ولا يصح ذلك عنها، لأنهما عربيان فصيحان، وقطع النعوت أشهر في لسان العرب، وهو باب واسع ذكر عليه شواهد سيبويه وغيره، وعلى القطع خرج سيبويه ذلك، ولعلك على ذكر مما ذكرته آنفا عن الزمخشري في كشافه، في الرد على من طعن في هذه القراءة المتواترة. ٤ - وأما قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) فله وجوه ومحامل صحيحة في العربية. وأحسن هذه الوجوه أن يكون وَالصَّابِئُونَ مقدم من تأخير، وخبر إن قوله مَنْ آمَنَ إلى إلخ، ويكون خبر وَالصَّابِئُونَ محذوف لدلالة خبر إن عليه، والتقدير: والصابئون والنصارى كذلك، ولعل السر في التقديم، وذكرهم بين طوائف أهل الأديان الدلالة على أن الصابئين مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها تقبل توبتهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح، فغيرهم من أهل الأديان أحرى وأولى ومثل هذا الاستعمال العربي قول الشاعر: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني- وقيار بها (١) - لغريب أو يكون قوله: وَالصَّابِئُونَ وما عطف عليه استئناف آخر، والخبر من آمن إلخ، وقد أغنى هذا الخبر عن خبر إن، ومثل هذا الاستعمال قول الشاعر العربي: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف فقد حذف الخبر من الأول لدلالة الثاني عليه، أي نحن بما عندنا راضون.

стр. 375

الشبهة العاشرة: قالوا: كيف اعتمدتم المصحف وفيه من الخطأ الظاهر واللحن والاختلاط ما لا يكاد يخفى على من له علم بالعربية ومثلوا لذلك بما يأتي: أ- قوله تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة: ١٧٧] والظاهر «والصابرون». ب- قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنبياء: ٣]، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ [المائدة: ٧١] والظاهر أن يقول: (وأسرّ) (عمي) (صمّ). ج- قوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون: ١٠] وكان الظاهر أن يقول «وأكون». والجواب: أن هذه مزاعم باطلة منشؤها الجهل بلغات العرب ومذاهبهم في الخطاب، وأساليبهم في البيان، وقد شاء الله سبحانه- وله الحكمة البالغة- أن يجيء القرآن الكريم- عدا اللغة القرشية السائدة فيه- مشتملا على بعض لغات العرب واستعمالاتهم سواء في ذلك الفصيح والأفصح ولذلك سر؛ ذلك أن القرآن هو كتاب العربية الأكبر، وجامعة العرب الكبرى، ومرجعهم الأوثق في معرفة أساليب العرب في البيان، ومذاهبهم في التعبير، فكان الأليق والأوفق أن يأتي مشتملا على المقبول السهل منها غير المستهجن والمستثقل، ليجد العرب فيه ما يرضي أذواقهم وملكاتهم، وإليك بيان وجه الحق فيما ذكر. أ- أما قوله: وَالصَّابِرِينَ فهو منصوب على المدح يعني وأمدح الصابرين، وإنما غاير في الأسلوب، ولم يأت على نسق ما سبقه، تبيانا لفضيلة الصبر، وبيان منزلته من البر، فكأن الله سبحانه يبين لنا أنه وإن جاء في الذكر آخرا فهو بمكان من الفضيلة والمثوبة الحسنة. وقد قدمت عن أئمة اللغة والنحو ما للعرب من التفنن في النصب على الاختصاص، وغير

стр. 376

خفي ما لتغير الأسلوب، والتفنن في الخطاب من أثر جليل من الناحية النفسية، لأنه يجذب الانتباه، ويوقظ الشعور، ويحمل العقول على التساؤل والبحث، فتتمكن المعاني في النفس فضل تمكن؛ فلله در التنزيل، فكم له من أسرار ولطائف. ب- وأما قوله وَأَسَرُّوا ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا فهو وارد على بعض لغات العرب، وهي لغة: أكلوني البراغيث، ولها شواهد كثيرة في العربية، وهذه اللغة تخرج على أن اللواحق بالأفعال ليست ضمائر وإنما هي علامات على التثنية أو الجمع، وما بعدها هو الفاعل، أو أن تكون اللواحق هي الفاعل والظواهر بعدها بدل منها، أو فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور، والتقدير في الآية مثلا: وأسروا النجوى أسرها الذين ظلموا. ج- وأما قوله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ففيها قراءتان سبعيتان: الأولى: وأكون بالنصب، وبها قرأ أبو عمرو، ووجهها ظاهر، الثانية: وَأَكُنْ بالجزم، وتخرج على أنها عطف على المعنى، فإن الكلام في معنى الشرط، فكأنه سبحانه قال: «إن أخرتني إلى أجل قريب أصدق وأكن» وهذا النوع يسميه النحويون العطف على التوهم، وهو باب معروف في العربية. الشبهة الحادية عشرة: ما رواه الإمام أحمد بسنده، عن إسماعيل المكي قال: حدثنا أبو خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة ﵂ فقالت: مرحبا بأبي عاصم ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا فقال: أخشى أن أملك فقالت: ما كنت لتفعل، قال: جئت لأسألك عن آية من كتاب الله كيف كان رسول الله ﷺ يقرأها؛ قالت: أية آية قال: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا أو «الذين يأتون ما أتوا» فقالت: أيتهما أحب إليك فقلت: والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلى من الدنيا جميعا، أو الدنيا وما فيها. قالت وما هي فقلت «الذين يأتون ما أتوا» فقالت: أشهد أن رسول الله

стр. 377

صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرأها وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف، فهي توهم أن القراءة الأخرى غير ثابتة، وأن الرسم ليس بمجمع عليه. والجواب: ١ - أن هذه الرواية في سندها إسماعيل المكي وهو ضعيف (١) فلا تعارض القطعي الثابت بالتواتر، ولا يثبت بها قرآن، حتى ولو كانت صحيحة. ٢ - هذه الرواية على فرض صحتها لا تفيد إنكار القراءة الثابتة التي أجمع عليها السبعة، وهي: يُؤْتُونَ ما آتَوْا (٢) وقولها: إن رسول الله كان يقرأ بها وكذلك أنزلت، لا ينافي أن تكون القراءة المتواترة منزلة، وقرأ بها النبي ولا سيما وهي المتواترة التي أجمع عليها القراء السبعة، وأما القراءة الأخرى التي وافقت السيدة عائشة السائل على استحسانها فهي غير متواترة ولا يثبت بها قرآن، وقد ذكرت في بعض كتب الحديث؛ ولكن لم يروها القراء من طرقهم (٣) ولعلها مما نسخ من القراءات في عهد النبي ﷺ ، أو مما ترك عند جمع القرآن لعدم ثبوتها وتواترها، وأما قولها: إن الهجاء حرف فالمراد بالحرف اللغة أي: القراءة الثابتة لغة، ووجه من وجوه الأداء للقرآن، ولا يصح أن تريد من الحرف الخطأ والتحريف إذ اللغة لا تشهد له. الشبهة الثانية عشرة: قالوا: روي عن خارجة بن زيد أنه قال: قالوا لزيد: يا أبا سعيد أوهمت إنما هي: ثمانية أزواج من الضأن اثنين اثنين، ومن المعز اثنين اثنين، ومن الإبل اثنين اثنين، ومن البقر اثنين اثنين، فقال: لا، إن الله تعالى يقول: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) فهما زوجان كل واحد

стр. 378

منهما زوج، الذكر زوج، والأنثى زوج. قالوا: فهذه تدل على تصرف النساخ في المصحف، واختيارهم ما شاءوا في كتابة القرآن. والجواب: إن هذه الرواية- على تسليم صحتها- لا تدل على ما زعموا وإنما هي بيان وتوجيه لما كتبه وقرأه، وثبت عنده سماعا من النبي ﷺ لا تصرفا من تلقاء نفسه، وقد فهم المستشكل أن الزوج لا يطلق إلا على الاثنين المتزاوجين فبين له سيدنا زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن الزوج كما يطلق على الاثنين المتزاوجين يطلق على كل واحد منهما أنه زوج، واستدل له بالقرآن الكريم الذي هو الحجة البالغة، وقد اقتنع السائل وسكت، والصحابة الذين كتبوا القرآن، والذين حملوه، وبلغوه لمن بعدهم كانوا الغاية في الضبط، والتثبت والأمانة الفائقة، وفي الذروة منهم زيد بن ثابت، الذي كان كاتب الوحي بين يدي الرسول ﷺ ، والذي حمل العبء الأكبر في جمع القرآن في عهد الصديق، وعهد عثمان رضي الله تعالى عنهما. «رد عام»: وهنا رد عام، يرد به على كل ما سبق من شبه، وهو أن العمدة في القرآن وحفظه هو التلقي، والسماع من النبي ﷺ ، أو ممن سمع منه أو سمع ممن سمع منه، وهكذا حتى وصل إلينا القرآن غضا كما أنزل ولم يكن يؤخذ القرآن من الصحف، أو المصاحف المكتوبة وإنما كان القصد من المكتوب معاضدة المحفوظ، والرجوع إليه عند الاختلاف في القراءة، أو الرسم، وأن الذين عزيت إليهم هذه الروايات، ولا سيما ابن عباس وتلامذته، قد قرءوا بالقراءات الثابتة المتواترة على خلاف ما نقل عنهم من الطعن فيها مما يدل على بطلان هذه الطعون.

стр. 379

وبعده: فلعلك رأيت معي أن هذه الشبه وأمثالها أوهى من بيت العنكبوت فلا تلق إليها بالا، ولعلك ازددت يقينا بأن القرآن كما هو في المصاحف اليوم، هو هو ما أنزل على نبينا محمد، وأن كل ما يخالف هذا المتواتر القطعي فهو مردود باطل، وأن القرآن لا يثبت برواية آحادية، ولو بلغت أعلى درجات الصحة، فكن على ذكر من كل ذاك، ثبتنا الله وإياك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. (شكل القرآن) الشكل: هو ما يدل على عوارض الحرف؛ من حركة وسكون، سواء أكان ذلك في أول الكلمة أو وسطها أو آخرها، قال في القاموس مادة شكل: والكتاب أعجمه كأشكله؛ كأنه أزال عنه الإشكال أي: وشكل الكتاب ولا شك أن ما يميز الحرف من جهة كونه متحركا أو ساكنا يزيل إبهامه، وإشكاله، فبين المعنى اللغوي والاصطلاحي مناسبة ظاهرة. وقد اتفق المؤرخون على أن العرب في عهدهم الأول لم يكونوا يعرفون الشكل بمعناه الاصطلاحي بل كانوا ينطقون بالألفاظ مضبوطة مشكولة بحسب سليقتهم وفطرتهم العربية من غير لحن، ولا غلط، لما كان متأصلا في نفوسهم من الفصاحة والبلاغة، واستقامة ألسنتهم على النطق بالألفاظ المؤلفة على حسب الوضع الصحيح من غير حاجة إلى معرفة القواعد، ولذا لما كتبت المصاحف في العهد الأول جردت من الشكل والنقط، اعتمادا على هذه السليقة، وعلى أن المعول عليه في القرآن هو التلقي والرواية، فلم يكن بهم حاجة إلى الشكل، فلما اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب بالعجم فسدت الفطرة العربية، ودخل اللحن في الكلام، وحدثت حوادث نبهت المسلمين إلى القيام بحفظ القرآن الذي هو أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم من أن يتطرق إليه اللحن والخطأ، وكان قد ظهر في المسلمين من عرف أصول النحو وقواعده، وبرع في حفظ القرآن وقراءاته، أمثال أبي الأسود الدؤلي، ويحيى بن يعمر العدواني قاضي

стр. 380

خراسان، ونصر بن عاصم الليثي، وقد حدث أن سمع أبو الأسود الدؤلي قارئا يقرأ: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بجر رسوله فأفزعه ذلك وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، وذهب إلى زياد والي البصرة، وقال له: قد أجبتك إلى ما سألت، وكان زياد قد سأله أن يضع للناس علامات تدل على الحركات والسكنات فجعل للفتحة نقطة فوق الحرف، وللكسرة نقطة أسفله، وللضمة نقطة بين الحرف، وللتنوين نقطتين، وسار الناس على هذا النهج مدة، ثم بدءوا يزيدون ويبتكرون فجعلوا علامة للحرف المشدد كالقوس ولألف الوصل جرة فوقها أو تحتها أو وسطها على حسب ما قبلها من فتحة، أو كسرة، أو ضمة حتى كان عبد الملك بن مروان، واضطروا إلى وضع النقط الذي هو الإعجام للباء والتاء والثاء إلخ، فالتبس النقط بالشكل، فجعلوا لكل منهما مدادا مخالفا للون الآخر، ثم وضعوا للشكل علامات أخرى وهي العلامات المعروفة اليوم؛ للفتحة والكسرة والضمة والشدة ونحوها، فجعلوا الفتحة ألفا أفقية من فوق الحرف والكسرة ألفا من تحت الحرف والضمة على هيئة رأس الواو والتنوين جعلوه حركة أخرى من جنس ما قبله: ضمة أو فتحة أو كسرة. وبذلك صار القرآن مشكولا. إعجام القرآن الإعجام هو ما يدل على ذوات الحروف، وتمييز الحروف المتماثلة في الرسم بعضها عن بعض، قال في القاموس وشرحه تاج العروس مادة عجم: وأعجم فلان الكلام أي: ذهب به إلى العجمة- بالضم- وكل من لم يفصح بشيء فقد أعجمه، وأعجم الكتاب خلاف أعربه- كما في الصحاح- أي: نقطه، وفي النهاية أزال عجمته كعجمه عجما وعجمه تعجيما ... وقال ابن جني: أعجمت الكتاب أزلت استعجامه، قال ابن سيده: وهو عندي على السلب ... وقالوا عجمت الكتاب فجاءت فعلت للسلب أيضا، كما جاء أفعلت وله نظائره وقد تقدم في مادة شكل أن الشكل هو: الإعجام فكل منهما يرادف الآخر لغة، غير أن الاصطلاح فرق بينهما

стр. 381

كما علمت فخص الشكل بالحركات، والإعجام بالنقط. ولم تكن المصاحف منقوطة في مبدأ الأمر؛ لأن الاعتماد لم يكن على القراءة من المصحف، بل كان على التلقي والسماع، ولتبقى صورة الكلمة الواحدة في الخط صالحة لكل ما صح وثبت من وجوه القراءات، ولما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء أخرجه أبو عبيد وغيره. [اول من نقط المصاحف] وقد اختلف المؤرخون في النقط: فمنهم من يرى أن الإعجام كان معروفا قبل الإسلام لتمييز الحروف المتشابهة، غير أنه ترك عند كتابة المصاحف لما ذكرنا، ومنهم من يرى أن الإعجام لم يعرف إلا من طريق أبي الأسود الدؤلي، ثم اشتهر ووضع في القرآن في عهد عبد الملك بن مروان والظاهر الأول، لأنه يبعد جدّا أن لا يكون للحروف علامات تميز المتشابهات بعضها عن بعض. ومهما يكن من شيء فقد اشتدت الحاجة إليه حينما اتسعت رقعة الإسلام، واختلط العرب بالعجم، وبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف، حتى ليشق على الكثير منهم أن يميزوا بين حروف القرآن وقراءاته في مثل قوله تعالى: ننشرها ونُنْشِزُها وقوله: فَتَبَيَّنُوا فتثبتوا فاهتم عبد الملك بن مروان بذلك وأمر الحجاج أن يعنى بهذا الأمر الجليل، فاختار الحجاج له رجلين من خيرة المسلمين نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني، تلميذي أبي الأسود الدؤلي، وكانا من الورع والصلاح؛ وبلوغ الغاية في العربية، والقراءات بمكان، فوضعا النقط من واحدة إلى ثلاث للحروف المتشابهة، وكان في هذا توفيق عظيم للأمة إلى هذا العمل الذي يتوقف عليه حفظ القرآن الكريم. وقيل أن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي وأن ابن سيرين كان له مصحف نقطه له يحيى بن يعمر، ويمكن التوفيق بين هذا وما تقدم بأن أبا الأسود أول من نقط المصحف بصفة شخصية، وتبعه في ذلك ابن سيرين، وأما عبد الملك فأول من أمر بنقط المصحف بصفة عامة رسمية شاعت

стр. 382

وذاعت بين الناس قاطبة. ما استحدث في كتابة المصاحف: وأما ما استحدث في كتابة المصاحف من التحزيب والتجزئة والتخميس والتعشير (١) وكتابة فواتح السور وخواتمها، ونحو ذلك فكل ذلك مما زيد لغرض التيسير على القارئ، ولكن ليس له من الأهمية ما للشكل والنقط قال قتادة: بدءوا فنقطوا ثم خمسوا وعشروا، وقال غيره: أول ما أحدثوا النقط عند آخر الآي ثم الفواتح والخواتم. وقد جزأ العلماء القرآن تجزئات شتى: منها التجزئة إلى ثلاثين جزءا وأطلقوا على كل واحد منها اسم الجزء بحيث لا يخطر بالبال عند الإطلاق غيره، فإذا قال قائل: قرأت جزءا من القرآن تبادر للذهن أنه قرأ جزءا من الأجزاء الثلاثين، ثم جزؤا كل واحد من هذه الأجزاء الثلاثين إلى جزءين، وقد أطلقوا على كل واحد منها اسم الحزب؛ فصارت الأحزاب ستين حزبا، فمثلا من أول الفاتحة إلى قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ جزء: ومن سَيَقُولُ السُّفَهاءُ إلى تِلْكَ الرُّسُلُ جزء وهكذا، ومن أول الفاتحة إلى قوله وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ حزب، ومن أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ إلى وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ حزب، وهكذا وجعلوا الجزء ثمانية أرباع، والحزب أربعة أرباع؛ وقد جرت عادة كثير من نساخ المصاحف أن يذكروا اسم الأجزاء والأحزاب والأرباع في حاشية المصحف غير أنهم يكتبون ذلك بخط مخالف لخطه ومداد مخالف لمداده تحوطا من أن يظن أنه من القرآن. حكم نقط المصحف وشكله وما شابه ذلك: كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله ونحوهما مبالغة منهم في المحافظة على القرآن من التزيد، وكتابته في

стр. 383

المصاحف على هيئة ما كتب بين يدي النبي ﷺ . أخرج أبو عبيد، عن النخعي أنه كره نقط المصاحف وأخرج ابن أبي داود عنه أنه كان يكره العواشر، والفواتح، وتصغير المصحف وأن يكتب فيه سورة كذا وكذا، ولما أتي بمصحف مكتوب فيه سورة كذا، كذا آية قال: امح هذه فإن ابن مسعود كان يكرهه، وعن الإمام مالك أنه كره العشور التي تكون في المصحف بالحمرة وغيرها، وعنه أنه قال: لا بأس بالنقط في المصاحف التي يتعلم فيها الغلمان، أما الأمهات فلا. ولكن الحال قد تغيرت عما كان في العهد الأول: فاضطر المسلمون إلى نقطه وشكله للمحافظة على القرآن من اللحن والتغيير والتصحيف، وللتيسير على الحفاظ والقارئين، وبعد أن كانوا يكرهون ذلك صار واجبا أو مستحبا، لما هو مقرر في علم الأصول من أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، قال الإمام النووي في التبيان ما نصه: قال العلماء: ويستحب نقط المصحف وشكله، فإنه صيانة من اللحن فيه وتصحيفه، وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فإنما كرها ذلك في ذلك الزمان خوفا من التغيير فيه، وقد أمن ذلك اليوم، فلا منع، ولا يمنع من ذلك لكونه محدثا، فإنه من المحدثات الحسنة فلا يمنع منه كنظائره، مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات، وغير ذلك والله أعلم والخطب في هذا ونحوه مثل التنبيه على الوقوف والسكتات سهل ما دام الغرض هو التيسير والتسهيل على القارئ، وما دام الأمر بعيدا عن اللبس والتزيد والاختلاق وما دام الأمن متوفرا. احترام المصحف: لا يكاد التاريخ الصادق يعرف كتابا أحيط بهالة من التقديس والتكريم مثل ما عرف ذلك للقرآن الكريم، ولا عجب فقد وصفه الحق جل وعلا بأنه كتاب مكنون، وحكم بأنه لا يمسه إلا المطهرون، وأقسم على ذلك حيث يقول: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ

стр. 384

(٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) [الواقعة: ٧٥ - ٨٠] ولقد نهى الرسول ﷺ عن السفر به إلى أرض العدو، إذا خيف وقوع المصحف في أيديهم، كما روي في الصحيحين، وقد أفتى العلماء بكفر من مزقه أو أهانه أو رمى به في قاذورة، وبحرمة من باعه لكافر، ولو ذميّا، وأوجبوا الطهارة لمسه وحمله، بل قالوا لكل ما يتصل به من خريطة (١) وغلاف، وصندوق على الصحيح، واستحبوا تحسين كتابته وإيضاحها، وتحقيق حروفها، وتعظيمها، وعدم تصغيرها، كما استحبوا تعظيمه والقيام له، قال الإمام النووي: ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم به عليه؛ لأن القيام يستحب للعلماء والأخيار فالمصحف أولى. ويجب على من عنده مصاحف أو أوراق منها غير صالحة للقراءة أن يصونها عن مواطئ الأقدام وعن عبث الصبيان، وعليه أن يحرقها أو يدفنها في الأرض بعيدا عن مواطئ الأقدام والقاذورات، رزقنا الله سبحانه التأدب معه ومع كتابه. ...

стр. 385

المبحث العاشر ثبوت النص القرآني بالتواتر المفيد للقطع واليقين لم يعرف التاريخ في عمره الطويل كتابا أحيط بسياجات من العناية والرعاية مثل ما عرف ذلك للقرآن الكريم، ولا كتابا ثبت في جملته وتفصيله بالتواتر المفيد للقطع واليقين مثل ما عرف ذلك للقرآن الكريم، ولا كتابا أوجب الله حفظه على الأمة كلها غير القرآن الكريم، ولا كتابا سلم من التحريف والتبديل غير القرآن الكريم. وقد احتاط النبي صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة رضوان الله عليهم لهذا الكتاب غاية الاحتياط، فلم يكتفوا بحفظه في الصدور، وعلى صفحات القلوب، وإنما جمعوا إلى الحفظ الكتابة في الرقاع، والعسب، والأكتاف، واللخاف ونحوها، ثم في الصحف ثم في المصاحف كما بينت ذلك فيما سبق من الفصول، وبذلك اجتمع للقرآن الوجودان: الوجود في الأذهان والصدور، والوجود في الكتابة والصدور. ولم يكن المعول عليه في حفظ القرآن وتلقيه الأخذ من الرقاع، والصحف، والمصاحف، وإنما كان المعول عليه الأول التلقي الشفاهي، والأخذ بالسماع، فالنبي ﷺ أخذ عن أمين الوحي جبريل ﵇، وعن النبي أخذ الكثير من الصحابة النجباء، العدول، الضابطين الأمناء، وعن الصحابة أخذ الألوف من التابعين الفضلاء، وهكذا نقله العدد الكثير، عن العدد الكثير، حتى وصل إلينا كما أنزله الله من غير زيادة، ولا نقصان، ولا تغيير، ولا تحريف مصداقا لقول الحق ﵎: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وقد كان من أسباب توثيق النص القرآني، حفظ النبي ﷺ للقرآن، وحفظ الصحابة له. حفظ النبي للقرآن: قلنا فيما سبق أن أول آيات نزلت على النبي ﷺ هي صدر سورة اقرأ إلى

стр. 386

قوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥). ثم فتر الوحي مدة كي يشتاق إليه النبي ﷺ ، وبعد فترة الوحي نزل القرآن، وتتابع، وكان أول آيات نزلن بعد هذه الفترة صدر سورة المدثر إلى قوله تعالى: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) [المدثر ٥]. ثم حمى الوحي وتتابع حتى نزول القرآن كله قبل وفاة النبي ﷺ بواحد وعشرين يوما، وقيل: بأحد عشر يوما، وقيل: بتسع ليال، وكان آخر ما نزل على الصحيح هو قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١]. حرص النبي على القرآن: وكان النبي ﷺ شديد العناية بحفظ القرآن، وحريصا على تلقفه من جبريل ﵇ حتى بلغ من شدة عنايته به، وحرصه عليه أنه كان يحرك به لسانه أكثر من المعتاد عند قراءته، ويعالجه أشد المعالجة حتى كان يجد من ذلك شدة، يقصد بذلك استعجال حفظه خشية أن تفلت منه كلمة، أو يعزب عنه حرف حتى طمأنه ربه، ووعده أن يحفظه له في صدره، وأن يقرئه لفظه، وأن يفهمه معناه فأنزل عز شأنه قوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) [القيامة: ١٦ - ١٩] أي: جمعه لك في صدرك، وإقراءه لك بوساطة أمين الوحي جبريل، فإذا قرأه جبريل فأنصت، حتى إذا فرغ، فاقرأ عليه ما سمعت منه. ثم إنا سنتكفل لك أيضا ببيان تفسيره، وتوضيح ما أجمل منه، وإزالة إشكال ما عسى أن يستشكل منه، وهو ضمان من الله- بأنه لن يخشى النسيان، أو أن تتفلت منه كلمة أو حرف، وقد ورد تفسير هذه الآيات عن ابن عباس (١) ﵄.

стр. 387

معارضة جبريل النبي بالقرآن: وكان من الدواعي القوية لحفظ النبي ﷺ القرآن وتثبيته في قلبه الشريف معارضة جبريل ﵇ النبي ﷺ بالقرآن في رمضان من كل عام؛ روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (١) فكان جبريل ﵇ يقرأ والنبي يسمع حينا، والنبي ﷺ يقرأ وجبريل يسمع، حتى كان العام الذي توفي فيه الرسول ﷺ فعارضه جبريل بالقرآن مرتين، وقد شهد العرضة الأخيرة أحد مشاهير كتاب الوحي لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وهو زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه. روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي، وكانت مشيتها (٢) مشى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «مرحبا بابنتي» ثم أجلسها عن يمنيه، أو (٣) عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكين! ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قال: فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، حتى قبض النبي ﷺ ، فسألتها، فقالت: أسر إليّ: أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه (٤) إلا حضور أجلي، وإنك أول أهل بيت لحاقا بي فبكيت، فقال: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين»، فضحكت (٥).

стр. 388

وكان القرآن شغل النبي الشاغل في صلاته، وتهجده، وفي سره وعلانيته، وفي حضره، وسفره، وفي وحدته، وبين صحابته، وفي عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، ولا يغيب عن قلبه، ولا يألوا جهدا في تعهده وتكراره والائتمار بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، والاعتبار بمواعظه، وقصصه، والتأثر بأمثاله، وحكمه، والتأدب بآدابه، وأخلاقه وتبليغه إلى الناس كافة. كما كان أعلم الناس بأسباب نزوله، ومواقع تنزلاته، ومدلول خطاباته وأحكامه وآدابه، وحدوده، ومعالمه، وظاهره، وباطنه، فمن ثم كان أشد الناس حفظا له، وإجادة لقراءته، ومعرفة لحروفه، وقراءاته، وكان المرجع الأول للمسلمين في حفظ القرآن، وفهمه، والوقوف على معانيه، وأسراره ومراميه والتثبت من نصوصه، وحروفه وقراءاته. الحفظ عن ظهر قلب خصيصة للقرآن: ومن خصائص هذا الكتاب السماوي الكريم أن الله كلف الأمة الإسلامية بحفظه كله بحيث يحفظه عدد كثير يثبت بهم التواتر المفيد للقطع واليقين على هذا الوضع، وبهذا الترتيب الذي وجد، ويوجد في المصاحف العثمانية من لدن الصحابة إلى اليوم، فإن لم يحفظه عدد يثبت بهم التواتر أثمت الأمة كلها. بخلاف التوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم، وموسى، وغيرها مما أنزله الله ﵎، فلم تكلف أممها بحفظها عن ظهر قلب، بل ترك ذلك لاختيار من يريد، فمن شاء حفظ، ومن شاء اعتمد في القراءة على المكتوب، وهذا الأخير هو الأعم الأغلب من شأن بني إسرائيل وغيرهم، ولم تتوفر الدواعي لحفظ هذه الكتب والصحف كما توفرت للقرآن الكريم. فمن ثم لم يكن لها من ثبوت النص القطعي الموثوق به مثل ما للقرآن العظيم، ومن هنا سهل التحريف، والتبديل في التوراة والإنجيل من

стр. 389

الأحبار والرهبان والقسس، وبعضها كالصحف ضاع بمرور الزمن، ولم يبق له وجود. الحكمة في تكليف الأمة بحفظ القرآن: والسر في أن الله كلف الأمة المحمدية بحفظ القرآن العظيم، ولم يكلف الأمم السابقة بحفظ كتبها، وصحفها- أن هذه الكتب لم تكن معجزة بألفاظها ولم يشأ الله ذلك لحكمة يعلمها، بخلاف القرآن الكريم، فقد شاء الله سبحانه- وله الحكمة البالغة- أن يكون معجزا بلفظه فضلا عن معانيه، فكان من الضروري المحافظة على النص بالطريق المفيدة للقطع واليقين، وليس ذلك إلا بأن يحفظه العدد الكثير في كل جيل وعصر، الذين لا يجوز عليهم الكذب، ولا الغلط، ولا السهو، وهو ما يعرف في علم الرواية بالتواتر وقد وفر الله له من الدواعي إلى حفظه ما لم يتوفر لغيره من الكتب السماوية، بله (١) الأرضية وأيضا من الحكم أن القرآن هو الأصل الأصيل للدين العام الخالد الباقي ما بقي إنسان على وجه هذه الأرض، وهو الإسلام، فكان لا بد من المحافظة على كتابه، ليخلد خلود هذا الدين الذي يعتبر القرآن أصلا له. بخلاف التوراة والإنجيل، فقد كانتا كتبا لدينين يمثلان طورين خاصين محدودين بحدود الزمان والمكان، من الأطوار التي مرت بها الأديان السماوية حتى وصلت إلى الاكتمال، في دين الإسلام قال ﷺ : «وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» رواه البخاري ومسلم. الأدلة على وجوب حفظ القرآن على الأمة: ١ - ما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن النبي ﷺ قال: «إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، قلت: أي: ربي إذن يثلغوا رأسي، حتى يدعوه خبزة» (٢) فقال: «إني مبتليك، ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء،

стр. 390

تقرؤه نائما (١)، ويقظان، فابعث جندا أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق ينفق عليك» فقد أخبر أن القرآن لا يكتفى في ثبوته وحفظه بصحيفة أو لوح يغسل بالماء، وإنما محله القلوب، والصدور، وذلك بالحفظ عن ظهر قلب، فإذا انضم إلى الحفظ في الصدور، الكتابة في الصحف فقد ازداد التوثق، والاطمئنان، وقوله: «لا يغسله الماء» صيغة نفي ولكن النفي قد يأتي للنهي والنهي عن غسله بالماء يستلزم عادة الأمر بحفظه فهو مثل قوله لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) وقوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ. ٢ - ما ورد في وصف الأمة الإسلامية أناجيلهم في صدورهم، أي: كتابهم المقدس المعول عليه في بقائه وسلامته من التحريف والتبديل، الحفظ في الصدور بخلاف أهل الكتاب، فإنهم لا يحفظون كتابهم إلا من الصحف، ولا يقرءونه كله إلا نظرا، لا عن ظهر قلب، كما هو الشأن في جمهرة المسلمين، وذكر هذا الوصف في معرض المفاضلة بينهم وبين غيرهم يدل على أن هذا أمر مختص بهم. ٣ - ما رواه البخاري في صحيحه في قصة الرجل الذي أراد أن يتزوج المرأة التي عرضت نفسها على النبي ﷺ ، ولم يكن له بها حاجة، ولم يكن يملك شيئا ليكون مهرا لها، فقال له النبي ﷺ ،: «فما معك من القرآن»، قال: سورة كذا وكذا، قال: «أتقرؤهن عن ظهر قلب»، قال: نعم، قال: «فاذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن» (٢) وهذا الحديث وإن لم يدل على الوجوب ولكنه يدل على أن الحفظ عن ظهر قلب أمر مرغوب فيه، ومستحب، وفضيلة من الفضائل التي يختص بها المسلمون. حفظ الصحابة للقرآن الكريم: وكان النبي ﷺ إذا نزلت عليه الآية، أو الآيتان، أو الخمس أو
следующие страницы →