← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 29719

المدخل لدراسة القرآن الكريم

محمد أبو شهبة

Полный текст (477 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

القرآن- كما أنزل الأول، فالأول قال: لو اجتمعت الإنس، والجن، على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا، وصدق عكرمة فإن ترتيبه على حسب النزول غير مستطاع لأحد من البشر؛ لأن الله لم يرد أن يكون تأليف كتابه المعجز على حسب النزول، وإنما اقتضت حكمته أن يكون على حسب المناسبات البلاغية، وأسرار الإعجاز. السور وترتيبها [معنى السورة فى اللغة واصطلاحا] السورة في اصطلاح العلماء طائفة من آيات القرآن جمعت وضم بعضها إلى بعض حتى بلغت في الطول والمقدار الذي أراده الله لها، وكل سور القرآن بدئت بالبسملة إلا براءة (١). وقد اختلف في أصل مأخذها فقيل هي مأخوذة من سور المدينة، لإحاطتها بآياتها إحاطة السور بالبنيان، وقيل: لأنها ضمت آياتها بعضها إلى بعض كما أن السور توضع لبناته بعضها فوق بعض حتى يصل إلى الارتفاع الذي يراد، وقيل: مأخوذة من السورة، وهي الرتبة والمنزلة، قال النابغة الذبياني: ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب وسور القرآن مراتب ومنازل يترقى فيها القارئ من منزلة إلى أخرى. وقيل مأخوذة من السؤر، وهو ما بقي من الشراب في الإناء، كأنها قطعة من القرآن وبقية منه وهي على هذا مهموزة وحذفت همزتها تخفيفا. معرفة السور توقيفي: ومعرفة سورة القرآن كلها توقيفي كمعرفة آياته، وسور القرآن تختلف طولا وقصرا، فأطول سورة هي البقرة، وأقصر سورة هي الكوثر.

стр. 317

وكان من علامة ابتداء السورة نزول بسم الله الرحمن الرحيم أول ما ينزل شيء منها، يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ لا يعلم ختم السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم وفي رواية: فإذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم علم أن السورة قد انقضت يعني هي دلالة على انقضاء ما قبلها، وعلى ابتداء سورة بعدها (فتح الباري ج ٩ ص ٤٢٠). هل يقال سورة كذا والصحيح جواز أن يقال سورة البقرة: وآل عمران والنساء، والأعراف، وهكذا بدون كراهة، ولا يشترط أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة، وهكذا سائر السور، وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وأما ما رواه الطبراني والبيهقي عن أنس مرفوعا: «لا تقولوا: سورة البقرة ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله» فإسناده ضعيف، بل قال ابن الجوزي: إنه موضوع، وقال البيهقي: إنما يعرف موقوفا عن ابن عمر، ثم أخرجه عنه بسند صحيح، وعلى هذا فيكون رأيا له واجتهادا منه. الحكمة في تسوير القرآن: ولتسوير القرآن سورا فوائد منها: ١ - حسن الترتيب والتنويع والتبويب فالجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا، ونوعا واحدا، ولا يزال المؤلفون من قديم الزمان إلى يومنا هذا يجعلون كتبهم أبوابا وفصولا، حتى أضحى حسن الترتيب والتبويب من أعظم المشوقات إلى قراءة الكتاب، بل أصبح تبويب الكتب وتنسيقها فنا مستقلا برأسه. ٢ - تسهيل الحفظ وبعث الهمة والنشاط، ألا ترى أن القارئ إذا أكمل سورة ثم أخذ في حفظ غيرها كان ذلك أنشط له، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثل ذلك المسافر إذا قطع مرحلة ثم شرع

стр. 318

في غيرها ازداد قوة ونشاطا، ولا يزال يتجدد نشاطه، كلما بلغ مرحلة حتى يصل إلى غايته. ٣ - أن الحافظ إذا حفظ سورة وحذقها اعتقد أنه أخذ من كتاب الله حظا ونصيبا، فيعظم عنده ما حفظه، ويعظم هو في نفوس الناس، يشير إلى هذا المعنى حديث أنس: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في أعيننا أي: عظم. ٤ - أن في التسوير والتفصيل تلاحق الأشكال، والنظائر، وملاءمة بعضها لبعض، ولذلك نجد أغلب سور القرآن يدور الحديث فيها حول موضوع بارز، ولها نمط خاص تستقل به، فسورة يوسف تتحدث عن قصته وسورة إبراهيم تتحدث عنه، وسورة النساء تتحدث عن ما لهن، وما عليهن وسورة آل عمران تتحدث عن قصصهم، وهكذا. وما ذكره الزمخشري في تفسيره من أن الله أنزل التوراة والإنجيل والزبور وما أوحاه إلى أنبيائه مسورة هو الصحيح، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وذكروا أن في الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال (١). والحكمة في كون سوره طوالا وقصارا: ١ - التنبيه على أن الطول ليس شرطا للإعجاز فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات، وهي معجزة إعجاز سورة البقرة، وفي هذا إثبات إعجاز القرآن، على أبلغ وجه.

стр. 319

٢ - التدرج في تعليم القرآن من السور القصار إلى ما فوقها، وفي ذلك تيسير من الله على عباده لحفظ كتابه إلى غير ذلك من الحكم. عدد السور: وسور القرآن- في المصاحف العثمانية- مائة وأربع عشرة سورة بإجماع من يعتد به، ونقل عن مجاهد أنه مائة وثلاث عشرة سورة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة، والأول هو الذي عليه المعول، وعدم ذكر البسملة في أول براءة، لا يمنع أن تكون سورة مستقلة، وقد بينت السر في عدم بدئها بالبسملة آنفا. وأما عدد السور في مصحف ابن مسعود فهي مائة واثنتا عشرة سورة لأنه كما قيل لم يكن يكتب المعوذتين في مصحفه. وأما في مصحف أبيّ فمائة وست عشرة، لأنه كتب في آخره دعاء القنوت وجعله في صورة سورتين سماهما سورتي «الخلع والحفد» وقال بعضهم: مائة وخمس عشرة سورة بجعل سورة «الفيل» وسورة «لإيلاف قريش» سورة واحدة. والمعول عليه هو ما في المصاحف العثمانية التي أجمع عليها الصحابة، ولا نلتفت إلى غيرها. أسامي السور وقد يكون للسورة اسم واحد وهو كثير مثل النساء، والأعراف، والأنعام، ومريم، وطه، والشورى، والمدثر، وقد يكون لها أكثر من اسم، فمن ذلك الفاتحة، تسمى فاتحة الكتاب، وأم الكتاب، وأم القرآن والسبع المثاني، والشافية، والكافية، والأساس، وقد أنهى الإمام السيوطي (١) أسماءها إلى خمس وعشرين وبراءة تسمى أيضا التوبة، والفاضحة، والبحوث (٢) بفتح الباء، والمنقرة وقد أنهاها السيوطي إلى عشرة أسماء. والإسراء وتسمى أيضا سبحان، وسورة بني إسرائيل،

стр. 320

وسورة محمد ﷺ وتسمى أيضا القتال وسورة سأل وتسمى أيضا المعارج وسورة عمّ وتسمى أيضا النبأ، والتساؤل، والمعصرات، وسورة أرأيت وتسمى أيضا الدين، والماعون، وسورة الإخلاص وتسمى أيضا الأساس، وسورتا الفلق والناس وتسميان أيضا المعوذتين بكسر الواو المشددة، وقد استوعب السيوطي السور ذات الأسماء المتعددة في الإتقان (١). وكما سميت السورة الواحدة بعدة أسماء سميت سور عدة باسم واحد، وذلك كالسور المسماة بالم، وحم، والر؛ وذلك على القول بأن فواتح السور أسماء لها، وتكون هذه الأسماء من قبيل المشترك اللفظي والتمييز بين السور بقرينة ضميمة إليها، فيقال: الم البقرة الم آل عمران ويقال: حم غافر وحم فصلت وهكذا. التسمية توقيفية أم اجتهادية قيل: إنها توقيفية، وعليه فنقف عند حد الوارد منها، وقيل: إنها اجتهادية وعلى هذا فلا يعدم الناظر أن يستنتج للسورة الواحدة أسماء أخرى غير الواردة، والظاهر الأول، قال السيوطي: وقد ثبت جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار، ولولا خشية الإطالة لبينت ذلك، وعلى هذا يكون التوقيف أعم من أن يكون عن النبي ﷺ ، أو عن الصحابة الذين شهدوا الوحي والتنزيل. وللزركشي في هذا المقام كلام حسن قال في البرهان: ينبغي البحث عن تعداد الأسامي، هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات فإن كان الثاني فلم يعدم الفطن أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسماء لها، وهو بعيد، قال: وينبغي النظر في اختصاص كل سورة بما سميت به، ولا شك أن العرب تراعي في كثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء من خلق أو صفة تخصه، أو تكون معه أحكم،

стр. 321

أو أكثر، أو أسبق لإدراك الرائي للمسمى. ويسمون الجملة من الكلام والقصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها. وعلى ذلك جرت أسماء سور القرآن، كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم، لقرينة قصة البقرة المذكورة فيها، وعجيب الحكمة فيها. وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردد فيها شيء كثير من أحكام النساء. وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها. وإن كان ورد لفظ الأنعام في غيرها إلا أن التفصيل الوارد في قوله تعالى: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً إلى قوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ الآية، لم يرد في غيرها، كما ورد ذكر النساء في سور إلا أن ما تكرر وبسط من أحكامهن لم يرد في غير سورة النساء. وكذا سورة المائدة لم يرد ذكر المائدة في غيرها فسميت بما يخصها. قال: فإن قيل قد ورد في سورة هود ذكر نوح. وصالح. وإبراهيم ولوط وشعيب، وموسى فلم خصت باسم هود وحده مع أن قصة نوح فيها أوعب وأطول (١) قيل: تكررت هذه القصص في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء بأوعب مما وردت في غيرها. ولم يتكرر في واحدة من هذه السور الثلاث اسم هود كتكرره في سورته، فإنه تكرر فيها في أربعة مواضع والتكرار من أقوى الأسباب التي ذكرنا. قال: فإن قيل فقد تكرر اسم نوح فيها في ستة مواضع قيل. لما أفردت لذكر نوح، وقصته مع قومه سورة برأسها. فلم يقع فيها غير ذلك كانت أولى بأن تسمى باسمه من سورة تضمنت قصته وقصة غيره. قال السيوطي تعقيبا وبحثا ولك أن تسأل فتقول: قد سميت سور جرت فيها قصص أنبياء بأسمائهم كسورة نوح، وسورة هود وسورة إبراهيم وسورة يونس وسورة آل عمران، وسورة طس سليمان (٢) وسورة يوسف. وسورة

стр. 322

محمد ﷺ ، وسورة مريم، وسورة لقمان، وسورة المؤمن، وقصة أقوام كذلك كسورة بني إسرائيل وسورة أصحاب الكهف وسورة الحجر، وسورة سبأ، وسورة الملائكة، وسورة الجن، وسورة المنافقين، وسورة المطففين، ومع هذا كله لم يفرد لموسى سورة تسمى به مع كثرة ذكره في القرآن حتى قال بعضهم: كاد القرآن أن يكون كله لموسى وكان أولى سورة أن تسمى به سورة طه أو سورة القصص أو الأعراف؛ لبسط قصته في الثلاثة ما لم يبسط في غيرها (١): وكذلك قصة آدم ذكرت في عدة سورة ولم تسم به سورة، كأنه اكتفاء بسورة الإنسان، وكذلك قصة الذبيح من بدائع القصص ولم تسم به سورة الصافات، وقصة داود ذكرت في سورة ص ولم تسم به فانظر في حكمة ذلك، على أني رأيت في جمال القراء للسخاوي أن سورة طه تسمى سورة الكليم وسماها الهذلي في كامله سورة موسى وأن سورة ص تسمى سورة داود ورأيت في كلام الجعبري أن سورة الصافات تسمى سورة الذبيح، وذلك يحتاج إلى مستند من الأثر. وهذا الفصل الذي ذكره الزركشي من النفاسة بمكان، وما عقب به الإمام السيوطي يحتاج إلى بحث ونظر في حكمة ذلك. والذي يظهر لي- والله أعلم- أن قصة موسى تكررت في هذه السور أكثر من غيرها وهي متقاربة في الكم كما بينت بالهامش، فلم تكن إحدى السورتين الأخريين أولى من الأخرى، بقيت السور طه وهي وإن كانت أطول إلا أنها لم تعرض لنشأة موسى الأولى، كما عرضت سورة القصص، فلم تكن أولى منها من هذه الحيثية، ولو صح وثبت ما ذكره السخاوي لكان لتسمية طه بسورة الكليم وجه وجيه، ولكن لا مستند له من الأثر كما قال السيوطي.

стр. 323

تقسيم السور باعتبار الطول والقصر قد قسم العلماء السور إلى أربعة أقسام: ١ - الطوال: وهي سبع: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام والأعراف، والسابعة قيل: الأنفال وبراءة لعدم الفصل بينهما بالبسملة، وقيل يونس. ٢ - المئون: ما ولي الطوال وهي ما تزيد آياتها عن مائة أو تقاربها. ٣ - المثاني: ما ولي المئين؛ وهي السور التي آياتها تقارب مائة، وسميت مثاني لأنها تثنى أكثر مما يثنى الطوال والمئون. ٤ - المفصل: ما ولي المثاني من قصار السور سمي بذلك لكثرة الفواصل التي بين السور بالبسملة، وقيل لقلة المنسوخ فيه، وقد اختلف في أوله على أقوال، فقيل: أوله (ق)، وقيل الحجرات، وهو الذي صححه النووي، وللمفصل طوال وأوساط وقصار، فالطوال من الحجرات إلى سورة البروج والأوساط من سورة الطارق إلى سورة لم يكن والقصار من سورة الزلزلة إلى آخر القرآن. تقسيم السورة من حيث عدد الآيات اتفاقا واختلافا تنقسم سور القرآن من هذه الحيثية إلى ثلاثة أقسام: ١ - قسم لم يختلف فيه، لا في إجمال ولا تفصيل. ٢ - قسم اختلف فيه، تفصيلا لا إجمالا. ٣ - قسم اختلف فيه، إجمالا وتفصيلا. فالأول: أربعون سورة: يوسف، الحجر، النحل، الفرقان، الأحزاب، الفتح، الحجرات، ق، الذاريات، القمر، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، التحريم، ن، الإنسان، المرسلات، التكوير، الانفطار، التطفيف، البروج، سبح، الغاشية، البلد، الليل، والضحى، ألم نشرح، التين، العاديات، ألهاكم، الهمزة، الفيل، الكوثر، الكافرون، النصر، تبت، الفلق.

стр. 324

والثاني أربع سور: ١ - القصص ثمان وثمانون، عد أهل الكوفة طسم (١) آية والباقون بدلها وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص: ٢٢]. ٢ - والعنكبوت تسع وتسعون، عد أهل الكوفة الم والبصرة بدلها فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ والشام وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ [العنكبوت: ٢٨، ٦٥]. ٣ - والجن ثمان وعشرون عد المكي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ والباقون بدلها وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. ٤ - والعصر ثلاث: عد المدني الأخير وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ دون وَالْعَصْرِ وعكس الباقون فعدوا وَالْعَصْرِ وجعلوا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ... إلى آخر السورة آية، وأما الأولون فقد جعلوها آيتين. والقسم الثالث سبعون سورة، وهي ما عدا ما سبق من السورة منها البقرة وهي مائتان وخمس وثمانون في عدد المكي والمدني والشامي، وست وثمانون في عدد الكوفي، وسبع وثمانون في عدد البصري، وقد اختلفوا في أحد عشر موضعا منها الم (١) عده الكوفي، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ عده الشامي إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ عده غير الشامي أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ عده البصري ... الخ. ومن أراد استيعابا في هذا فليرجع إلى كتاب التبيان (١) فقد فصل ما أجمله السيوطي في الإتقان. ترتيب سور القرآن اختلف في ترتيب السور على أقوال ثلاثة: الأول: ما ذهب إليه جماعة من العلماء، وهو أن ترتيب السور بتوقيف من النبي ﷺ ، فلم توضع سورة في موضعها من المصحف إلا بناء على

стр. 325

أمر النبي ﷺ ، وتعليمه، أو برمزه وإشارته، على حسب ما فهموه من تلاوته ﷺ ، وممن ذهب إلى هذا أبو جعفر بن النحاس والكرماني (١)، وابن الحصار وأبو بكر الأنباري، قال أبو بكر الأنباري، أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرقه في بضع وعشرين سنة فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابا لمستخبر، ويوقف جبريل النبي ﷺ على موضع الآية والسورة، فاتساق السورة كاتساق الآيات والحروف، كله عن النبي ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن. وقال الكرماني في البرهان: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين، وكان آخر الآيات نزولا وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا، والدين (٢). وقال الطيبي: أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا على حسب المصالح، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ. وأخرج ابن أشتة في كتاب المصاحف عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل، لم قدمت سورة البقرة وآل عمران، وقد نزلت قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما أنزلتا بالمدينة فقال: «قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مما ينتهي إليه، ولا يسأل عنه». استدل هؤلاء: ١ - بأن الصحابة أجمعوا على ترتيب المصحف الذي كتب في عهد عثمان ولم يخالف في ذلك أحد، حتى من كان عنده مصاحف مكتوبة على

стр. 326

ترتيب آخر، فلو لم يكن الأمر توقيفيا لحصل من أصحاب المصاحف الأخرى المخالفة في الترتيب والتمسك بترتيب مصاحفهم، لكن عدولهم عنها وعن ترتيبها بل وإحراقها دليل على أن الأمر ليس للرأي فيه مجال، ولا يشترط أن يكون التوقيف بنص صريح، بل قد يكفي فيه الفعل أو الرمز والإشارة. ٢ - بالآثار الواردة التي تدل على التوقيف منها؛ ما أخرجه أحمد وأبو داود عن حذيفة الثقفي قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف ... الحديث، وفيه فقال لنا رسول الله ﷺ : «طرأ عليّ حزبي فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه»، فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ : كيف تحزبون القرآن قالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور، وحزب المفصل من ق (١) حتى نختم، فهذا يدل على أن ترتيب سور المفصل على ما هو في المصحف الآن كان على عهد النبي ﷺ . ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأن غاية ما يدل عليه هو ترتيب المفصل أما ما عداه فلا؛ لأنه عرض للتحزيب لا للترتيب. ٣ - مما يدل على التوقيف كون الحواميم رتبت ولاء أي متتابعة، ولم ترتب المسبحات ولاء؛ بل فصل بين سورها بالمجادلة والممتحنة والمنافقون، كما فصل بين طسم الشعراء، وطسم القصص بطس النمل، مع أنها أقصر منها، فلو كان الترتيب اجتهاديا لما حصل الفرق بين المتماثلات من السور في الفواتح مع التناسب في الطول والقصر (٢). الرأي الثاني: أن الترتيب كان باجتهاد من الصحابة رضوان الله عليهم ونسب هذا القول السيوطي إلى الجمهور وممن قال بهذا الإمام مالك وأبو بكر الطيب في أرجح قوليه، واستدل القائلون بهذا باختلاف ترتيب مصاحف الصحابة قبل الجمع في عهد عثمان ﵁، فلو كان

стр. 327

الترتيب توقيفيا لما اختلفت مصاحفهم في ترتيب السور؛ لكنها اختلفت؛ فمنهم من رتب على النزول كمصحف عليّ ﵁، كان أوله اقرأ، ثم المدثر، ثم ن، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، ثم سبح وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني. وأما مصحف ابن مسعود فكان مبدوءا بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأعراف، ثم الأنعام، ثم المائدة، ثم يونس ... ، إلخ. ومصحف أبي كان مبدوءا بالحمد، ثم بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، ثم الأعراف، ثم المائدة .. إلخ، وأجيب عن هذا بأن الاختلاف لا يصلح أن يكون دليلا على أنه ليس توقيفيا؛ وذلك لأن مصاحفهم لم تكن مصاحف عامة، بل كانت مصاحف خاصة جمعت إلى القرآن بعض مسائل العلم والتأويل، وبعض المأثورات، فهي إلى كتب العلم والتأويل أقرب منها إلى المصاحف المجردة، لذلك لم يعتمد عليها عند جمع المصاحف في عهد عثمان، في زيادة أو نقص، وكذلك لم يعول عليها في الترتيب، أو يقال: إن اختلافهم كان قبل العلم بالتوقيف، فلما علموا تركوا ترتيب مصاحفهم واتبعوا ترتيب المصاحف العثمانية. محاولة التوفيق بين الرأيين: وقد حاول الزركشي في البرهان أن يجعل الخلاف بين الفريقين لفظيّا؛ لأن القائل بالثاني- الاجتهاد- يقول إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته؛ ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي ﷺ ، مع قوله إن ترتيب السور باجتهاد فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي بحيث بقي لهم فيه مجال للنظر، وقد عقب عليه أبو جعفر بن الزبير فقال: الآثار تشهد بأكثر ما نص عليه ابن عطية، ويبقى منها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف كقوله: «اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران» رواه مسلم، وكحديث سعيد بن خالد قال: «قرأ رسول الله ﷺ بالسبع الطوال في ركعة» رواه ابن أبي شيبة في مصنفه وفيه أنه ﵊ كان يجمع المفصل في ركعة.

стр. 328

الرأي الثالث: أن الكثير من السور علم ترتيبها بالتوقيف والبعض كان ترتيبها باجتهاد من الصحابة، وإلى هذا ذهب بعض فطاحل العلماء كالقاضي أبي محمد بن عطية حيث قال: ظاهر الآثار أن السبع الطوال والحواميم والمفصل كان مرتبا في زمن النبي ﷺ ، وكان في السور ما لم يرتب فهذا هو الذي رتب وقت الكتب (١). وقال البيهقي في المدخل: «كان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب، إلا الأنفال وبراءة» فقد حصر البعض الذي هو باجتهاد في هاتين السورتين فقط، وقال الحافظ ابن حجر: ترتيب بعض السور على بعضها أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيا وقد اختار السيوطي ما ذهب إليه البيهقي حيث قال: والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال، ولا ينبغي أن يستدل بقراءته ﷺ سورا ولاء على ترتيبها كذلك، وحينئذ فلا يرد حديث قراءته النساء قبل آل عمران: لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز. ويشهد لما ذكره البيهقي ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموهما في السبع الطوال فقال عثمان رضي الله تعالى عنه كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من يكتب فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا»، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من أواخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ، ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتها في السبع الطوال. وأجيب عن هذا

стр. 329

الدليل: ١ - بأن هذا الحديث غير صحيح (١) لأن الترمذي الذي هو أحد من خرجه قال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد القاضي عن ابن عباس ويزيد هذا مجهول الحال فلا يصح الاعتماد على حديثه، الذي انفرد به في ترتيب سور القرآن. ٢ - على تسليم صحته فيجوز أن يكون عثمان حين إخباره لابن عباس لم يكن عنده شيء مسموع بشأن الترتيب بين السورتين، فلا ينافي أنه علم بعد ذلك. وسواء أكان الترتيب توقيفيا أم اجتهاديا فإنه ينبغي احترامه والأخذ به في كتابة المصاحف؛ لأنه عن إجماع الصحابة؛ ولأن مخالفته تجر إلى الفتنة ودرء الفتنة. وسد ذرائع الفساد واجب. وأما ترتيب السور في التلاوة فليس بواجب، إنما هو مندوب قال الإمام النووي في التبيان: قال العلماء الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف فيقرأ الفاتحة، ثم البقرة، ثم آل عمران، ثم ما بعدها على الترتيب سواء أقرأ في الصلاة، أم في غيرها، ثم قال: قال بعض أصحابنا ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها، ودليل ذلك أن ترتيب المصحف إنما جعل لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليه، إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة يقرأ في الأولى الم السجدة وفي الثانية هَلْ أَتى، ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلي الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ سورة قبلها جاز فقد جاءت بذلك آثار كثيرة، وقد قرأ عمر بن الخطاب ﵁ في الركعة الأولى من الصبح بالكهف، وفي الثانية بيوسف. وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف، روي عن الحسن أنه كان يكره أن يقرأ

стр. 330

القرآن إلا على تأليفه في المصحف، قال: وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعا مؤكدا لأنه يذهب ببعض الإعجاز، ويزيل حكمة ترتيب الآي، وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قيل له: إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال: ذلك منكوس القلب، وأما تعليم الصبيان القرآن من آخر المصحف إلى أوله فحسن، وليس هذا من هذا الباب، فإن ذلك قراءة منفصلة في أيام متعددة على ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم. ***

стр. 331

المبحث التاسع كتابة القرآن ورسمه الكتابة عند العرب : يحسن بنا قبل البحث في كتابة القرآن ورسمه أن نبين كيف كان حال الكتابة في مكة والمدينة قبل البعثة المحمدية، فنقول: يكاد يجمع المؤرخون على أن الخط دخل إلى مكة بوساطة حرب ابن أمية بن عبد شمس، وإن كانوا اختلفوا في المصدر الذي تعلم منه حرب بن أمية الكتابة، ففي رواية ابن الكلبي أن حربا تعلمها من بشر بن عبد الملك، أخي أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، ذلك أن حربا تعرف به في أسفاره إلى العراق، فتعلم منه الكتابة ثم قدم معه بشر إلى مكة وتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان، وبذلك تيسر لجماعة من قريش أن يتعلموا الكتابة والقراءة، وقد أخذ أهل العراق الكتابة عن أهل الأنبار، وأهل الأنبار تعلموا الخط من جماعة من عرب طيّء أخذوا الكتابة عن كاتب الوحي لسيدنا هود ﵇. وفي رواية أبي عمرو الداني عن زياد بن أنعم عن ابن عباس أن حربا تعلم الخط من عبد الله بن جدعان، وعبد الله تعلم من أهل الأنبار، وأهل الأنبار تعلموا من طارئ طرأ عليهم من اليمن، وهذا الطارئ تعلم من الخلجان بن موهم وكان كاتب الوحي لهود نبي الله عن الله ، وبذلك وجد من يكتب بمكة قبل البعثة. وأما الخط في المدينة المنورة فقد ذكر أصحاب السير أن النبي ﷺ دخلها وكان فيها يهودي يعلم الصبيان القراءة والكتابة، وكان فيها بضعة عشر رجلا يعرفون الكتابة منهم زيد بن ثابت، الذي تعلم كتابة اليهود بعد الهجرة بأمر النبي ﷺ ، والمنذر بن عمرو، وأبي بن وهب، وعمرو ابن سعيد وغيرهم. ومن ثم نرى أن الكتابة وجدت في العرب قبل الإسلام، وكان الذين يحذقونها قليلين جدّا أما الغالبية العظمى فكانت أمية لا تقرأ ولا تكتب،

стр. 332

ولهذا سميت الأمة العربية بالأمة الأمية. وقد كان وجود الكتابة في العرب قبيل الإسلام، إرهاصا (١) لبعثة خاتم الرسل: سيدنا محمد ﷺ ، ليجتمع للقرآن الكتابة في الصحف والتقييد في السطور إلى الحفظ في الصدور، وبذلك يتهيأ للقرآن من دواعي الحفظ ما لم يتهيأ لغيره ويتحقق وعد الحق جل وعلا إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وأيضا بعد صلح الحديبية، فقد كانت الكتابة من أسباب تبليغ الرسالة المحمدية إلى الملوك والأمراء فقد كاتبهم النبي ﷺ داعيا إلى عبادة الله وحده، والانضواء تحت لواء الإسلام، ونبذ الشرك وعبادة الأوثان، وبذلك تعدت الرسالة حدود الجزيرة العربية، إلى العالم المعروف آنئذ، وقد عثر على كتاب من هذه الكتب وهو كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس عظيم القبط، وهو أثر من الآثار النبوية القيمة (٢). الإسلام والكتابة: ولما جاء الإسلام رفع من شأن الكتابة وتعلمها، وشأن العلم والمعرفة وليس أدل على ذلك من أول سورة نزلت منه، أشادت بالقلم وأنه أداة العلم والمعرفة الكسبيين، وهي قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) فقوله عَلَّمَ بِالْقَلَمِ إشارة إلى العلم الكسبي، وقوله عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) إشارة إلى العلم الوهبي. وهذا هو الله يقسم بالقلم فيقول: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) وفي القسم به من ذي الجلال إشادة به، وتنبيه الناس إلى ما فيه من الفوائد والمزايا. وفي الحديث الصحيح المروي عن النبي ﷺ قال: «أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة» رواه أحمد

стр. 333

والترمذي وصححه. وإن دينا يشيد بالقلم هذه الإشادة لهو دين العلم والمدنية الصحيحة. وهذا هو النبي صلوات الله وسلامه عليه تواتيه أول فرصة لنشر القراءة والكتابة فينتهزها، كي يتعلمها أكبر عدد من أبناء المسلمين وصبيانهم؛ فقد روى الرواة الأثبات أن المسلمين أسروا في غزوة بدر الكبرى سبعين رجلا من المشركين فقبل النبي ممن عنده مال الفداء، وكان ذلك أربعة آلاف درهم من الموسرين، أما من كان يحسن القراءة والكتابة فقد جعل فداءه أن يعلم عشرة من غلمان المدينة القراءة والكتابة (١) وقد فعل النبي هذا في وقت كان المسلمون أحوج إلى درهم ليزيلوا به خصاصتهم ويتقووا به على أعدائهم، ولكن ذا المواهب أدرك أن تعليم الأمة الكتابة خير من المال وأنها من عوامل تقدم الأمة ورقيها وبهذه السياسة الحكيمة كان النبي ﷺ أول من وضع لبنة في إزالة الأمية من الأمم والشعوب: وأن الإسلام سبق إلى محاربة الأمية والجهل من قرابة أربعة عشر قرنا، على حين كان غيرهم ممن بيدهم مقاليد الأمور يحرصون على أن تبقى شعوبهم منغمسة في حمأة الجهل والخرافات، ولقد كان لهذه السياسة الرشيدة أثرها فقد انتشرت الكتابة بين المسلمين وانتشر العلم والمعرفة وصارت تنتشر في كل قطر فتحه المسلمون، ولا يخالف هذا ما روي من قوله ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» إذ هو إخبار عما كانت عليه غالبية الأمة، ثم صار العلم والثقافة الأصيلة من أخص خصائص الأمة الإسلامية. كتابة القرآن الكريم لقد كتب القرآن جميعه بين يدي النبي ﷺ ، غير أنه كان مفرقا في العسب، واللخاف، والأكتاف، والرقاع، ونحوها، وكان النبي ﷺ إذا نزل عليه شيء من القرآن دعا بعض كتاب الوحي، فيأمره بكتابة ما نزل، ويرشده إلى موضعه من سورته، والكيفية التي تكتب عليها الكتابة، ولم يجاور الرسول الرفيق الأعلى إلا والقرآن كله مكتوب مسطور.

стр. 334

ثم كتب في عهد الصديق ﵁ في صحف مجموعة، وكانت كتابته من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ ، ثم كتب في عهد عثمان ﵁ في المصاحف على ما هو عليه، وكانت كتابته من عين ما كتب في عهد الصديق رضي الله تعالى عنه؛ إلا أنه اقتصر في رسمه على ما يوافق حرف قريش، وقد بينا آنفا في مبحث جمع القرآن الأطوار التي مرت بها كتابة القرآن وتدوينه، ولعلك على ذكر منها. كتّاب الوحي لقد كان لكتابة القرآن بين يدي النبي كتاب من الصحابة معروفون بالدين الكامل والأمانة الفائقة والعقل الراجح، والتثبت البالغ، كما كانوا معروفين بالحذق في الهجاء والكتابة، وقد اشتهر منهم بكتابته (١) أبو بكر، (٢) وعمر، (٣) وعثمان، (٤) وعلي، (٥) وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أول من كتب له بمكة، (٦) والزبير بن العوام، (٧) ومعاوية، (٨)، وخالد، (٩) وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، (١٠) وأبي بن كعب، وهو أول من كتب له بالمدينة، (١١) وزيد بن ثابت، وهو أكثرهم كتابة بالمدينة، (١٢)، وشرحبيل بن حسنة، (١٣) وعبد الله ابن رواحة (١٤) وعمرو بن العاص، (١٥) وخالد بن الوليد، (١٦) والأرقم ابن أبي الأرقم المخزومي، (١٧) وثابت بن قيس، (١٨) وعبد الله بن الأرقم الزهري، (١٩) وحنظلة بن الربيع الأسدي، (٢٠) ومعيقيب بن أبي فاطمة في آخرين (١)، وقد كان هؤلاء يكتبون ما يمليه عليهم الرسول، ويرشدهم إلى كتابته من غير أن يزيدوا فيه حرفا، أو ينقصوا منه حرفا، فقد روى أحمد، وأصحاب السنن الثلاثة، وصححه ابن حبان والحاكم حديث عبد الله بن عباس عن عثمان قال: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من

стр. 335

يكتب عنده فيقول: «ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا» ويدل على كتابة القرآن في عهد النبي ﷺ عدا هذا أدلة كثيرة منها: ١ - ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه». ٢ - ما روي في صحيح البخاري من قول الصديق أبي بكر لزيد بن ثابت: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ . ٣ - ما رواه الترمذي أنه لما نزل قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية قال عبد الله بن أم مكتوم وعبد الله بن جحش (١) يا رسول الله إنا أعميان، فهل لنا رخصة؛ فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ قال رسول الله ﷺ : «ائتوني بالكتف والدواة وأمر زيدا أن يكتبها فكتبها»، فقال زيد: فكأني أنظر إلى موضعها عند صدع في الكتف. ...

стр. 336

رسم المصحف ما هو رسم المصحف رسم المصحف يراد به الوضع الذي ارتضاه عثمان ﵁، ومن كان معه من الصحابة في كتابة كلمات القرآن ورسم حروفه في المصاحف التي وجه بها إلى الآفاق، والمصحف الإمام الذي احتفظ به لنفسه، وقد كان علما مستقلا وعني بالتأليف فيه علماء من المتقدمين والمتأخرين، منهم الشيخ الإمام أبو عمرو الداني في كتابه «المقنع»، ومنهم الشيخ العلامة أبو عباس المراكشي (١) فقد ألف في توجيه ما خالف قواعد الخط منه كتابا سماه: «عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل» بين فيه أن هذه الأحرف إنما اختلف حالها في الخط بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها، وأن فيها فوائد بلاغية، ولغوية ونحوية ومنهم العلامة الشيخ محمد بن أحمد الشهير بالمتولي، إذ نظم في ذلك أرجوزة، ثم جاء المرحوم العلامة الشيخ محمد على خلف الحسيني، شيخ المقارئ المصرية، فشرح تلك المنظومة، وذيل الشرح له بكتاب له سماه «مرشد الحيران إلى معرفة ما يجب اتباعه في رسم القرآن» وألف فيه أيضا أستاذنا الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي كتيبا صغير سماه «إيقاظ الأعلام إلى اتباع رسم المصحف الإمام». قواعد رسم المصحف: الأصل في المكتوب أن يكون موافقا للمنطوق، من غير زيادة ولا نقص، ولا تغيير ولا تبديل، مع مراعاة الابتداء به والوقف عليه، والفصل والوصل، وقد مهد له العلماء أصولا وقواعد، وقد خالفها في بعض الحروف خط المصحف الإمام ولذلك قيل: خطان لا يقاس عليهما؛ خط المصحف، وخط العروض، أما الأول فلأن المعوّل عليه فيه المأثور المنقول، لا الملفوظ المنطوق، وأما الثاني فلأن المعول عليه في وزن

стр. 337

المنطوق الملفوظ. وينحصر أمر الرسم في ستة قواعد (١) الحذف (٢) الزيادة (٣) الهمز (٤) البدل (٥) الوصل والفصل (٦) ما فيه قراءتان متواترتان وكتب على إحداهما. ولنذكر لذلك أمثلة بقدر الإيضاح من غير استقراء وحصر لجميع ما ورد. ١ - الحذف : وذلك مثل حذف الألف من ياء النداء في يا أَيُّهَا النَّاسُ ومن هاء التنبيه مثل: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ومن (نا) إذا وليها ضمير نحو فَأَنْجَيْناكُمْ وآتَيْناهُ ومن كل جمع تصحيح لمذكر أو مؤنث مثل: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ الْمُؤْمِناتِ ووَ الْمُسْلِماتِ وَالْقانِتاتِ إلى آخره، ومن كل جمع على وزن مفاعل وشبهه نحو مَساجِدَ والنَّصارى إلا ما استثني. وتحذف الياء من كل منقوص منون رفعا وجرا مثل غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ومثل وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ والمضاف إلي الياء إذا نودي: مثل يا عِبادِ فَاتَّقُونِ إلا قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا في الزمر يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا في العنكبوت ومن مثل وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُونِ فَارْهَبُونِ فَأَرْسِلُونِ فَاعْبُدُونِ إلا في يس. وَاخْشَوْنِ إلا في البقرة وكِيدُونِ إلا فَكِيدُونِي جَمِيعاً. وتحذف الواو إذا وقعت مع واو أخرى، نحو لا يستون فأوا إلى الكهف وكذلك حذفت من هذه الأفعال الأربعة ويدع الإنسان بالشّرّ دعائه بالخير بالإسراء وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ في الشورى يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ في القمر سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ في اقرأ وسيأتي توجيه ذلك. ٢ - الزيادة : وذلك مثل زيادة الألف بعد آخر اسم مجموع أو ما في حكمه مثل مُلاقُوا رَبِّهِمْ بَنُوا إِسْرائِيلَ أُولُوا الْأَلْبابِ وفي مِائَةَ ومِائَتَيْنِ والظُّنُونَا والرَّسُولَا والسَّبِيلَا لَأَذْبَحَنَّهُ في النمل ووَ لَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ في التوبة وفي نحو يَتَفَيَّؤُا أَتَوَكَّؤُا تَفْتَؤُا ولا تَظْمَؤُا وبين الجيم والياء في وجاى في الزمر والفجر فقد كتبت في المصحف هكذا وجاى في السورتين. وتزاد الياء في نحو نبإى المرسلين وملإيهم وملإيه ومن

стр. 338

آناء الليل وإيتائ ذى القربى في النحل بأيّيكم المفتون والسّماء بنيناها بأييد. وتزاد الواو في نحو أُولُوا أُولئِكَ أُولاءِ أُولاتُ سأوريكم وقد علل ذلك الكرماني فقال في كتاب العجائب: كانت صورة الفتحة في الخطوط قبل الخط العربي ألفا وصورة الضمة واوا وصورة الكسرة ياء فكتبت لأاوضعوا ونحوه بالألف مكان الفتحة وإيتائ ذى القربى بالياء مكان الكسرة وأُولئِكَ ونحوه بالواو مكان الضمة لقرب عهدهم بالخط الأول. وقال الزمخشري في تفسيره: فإن قلت كيف خط في المصحف لأاوضعوا بزيادة ألف قلت: كانت الفتحة تكتب ألفا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الإلف- بكسر الهمزة وسكون اللام- أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفا، وفتحتها ألف أخرى ونحوه أو لأاذبحنه (١). وهذا يشعر أنه يرى ما يراه الكرماني، وأنهما يريان أن خط المصحف بالاجتهاد. أقول: ولو كان الأمر كما يقولان فلم طبق ذلك في هذه الآيات، وفي القرآن ألوف الفتحات، والكسرات، والضمات ٣ - قاعدة الهمز : أما الهمزة الساكنة فالأصل فيها أن تكتب بحرف حركة ما قبلها أولا، أو وسطا، أو آخرا نحو ائْذَنْ لِي اؤْتُمِنَ الْبَأْساءِ اقْرَأْ جِئْناكَ وَهَيِّئْ إلا ما استثني مثل فَادَّارَأْتُمْ وَرِءْياً فحذف الحرف فيهما، وكتبت الهمزة مفردة. أما الهمزة المتحركة فإن كانت في أول الكلمة أو اتصل بها حرف زائد كتبت بالألف مطلقا أي سواء كان فتحا. أو ضما، أو كسرا نحو أَيُّوبَ إِذا أُولُوا سَأَصْرِفُ فَبِأَيِّ إلا في مواضع مثل قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ في فصلت أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ في النمل أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا أإن لنا

стр. 339

في الشعراء فكتبت فيها بالياء وقل أؤنبّئكم وهؤُلاءِ فكتبت بالواو. وإن كانت الهمزة وسطا فإنها تكتب بحرف من جنس حركتها نحو سَأَلَ سُئِلَ نَقْرَؤُهُ إلا ما استثني. وإن كانت طرفا تكتب بحرف حركة ما قبلها مثل سَبَإٍ شاطِئِ وَلُؤْلُؤاً وقد وردت في مواضع من القرآن مخالفة لهذا الأصل مثل تَفْتَؤُا يَتَفَيَّؤُا أَتَوَكَّؤُا لا تَظْمَؤُا ما يَعْبَؤُا وَيَدْرَؤُا يُنَشَّؤُا فإنها رسمت في المصحف بالواو، وزيدت بعدها ألف، فإن سكن ما قبل الهمزة حذف الحرف مثل مِلْءُ الْأَرْضِ دِفْءٌ شَيْءٍ الْخَبْءَ. (٤) قاعدة البدل: كتبت في الرسم الألف واوا للتفخيم، أو التهويل، والتفظيع في مثل الصَّلاةَ الزَّكاةَ الْحَياةِ الرِّبَوا غير مضافات كَمِشْكاةٍ وَمَناةَ إلا قوله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال: ٣٥] وقوله تعالى: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام: ١٦٢] وقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: ٢٩] وقوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الروم: ٣٩] فقد كتبت بالألف (١). وكتبت ياء كل ألف منقلبة عنها نحو كَمِشْكاةٍ في اسم أو فعل اتصل به ضمير، أم لا، بقي ساكنا، أم لا، ومنه إِلَّا يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ

стр. 340

إلا ما استثنى مثل تَتْرا كِلْتَا هَدانِي وَمَنْ عَصانِي وتكتب ألفا نون التوكيد الخفيفة ونون إِذا، ويكتب بالنون نحو وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ وكتبت هاء التأنيث على خلاف الأصل تاء في مواضع من القرآن، وذلك مثل رَحْمَتَ في البقرة وآل عمران وغيرهما ونعمت في البقرة وآل عمران والمائدة وغيرها وسُنَّتُ في الأنفال وفاطر وامْرَأَتُ مع زوجها ولَعْنَتَ في قوله تعالى: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ في آل عمران وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ في النور وو معصيت في لَقَدْ سَمِعَ وشجرت في إنّ شجرت الزّقّوم (٤٣) طعام الأثيم (٤٤) وقُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ وبَقِيَّتُ في قوله تعالى: بَقِيَّتُ اللَّهِ وجنت في قوله: وجنات نعيم إلى غير ذلك إلى غير ذلك. (٥) قاعدة الفصل والوصل: وردت بعض الألفاظ في رسم المصحف تارة موصولة، وتارة مفصولة وورد بعضها في الرسم على حالة واحدة وذلك مثل وصل إِلَّا بفتح الهمزة وتشديد اللام وفصلها في عشرة مواضع منها أَنْ لا يَقُولُوا في الأعراف أَنْ لا تَعْبُدُوا في هود ويس وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ في الدخان ووصل مما، إلا فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ في النساء والروم مِنْ ما رَزَقْناكُمْ في المنافقين، ووصل مِمَّنْ مطلقا ووصل عَمَّا إلا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ، ووصل عمن إلا قوله وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ في النور وعَنْ مَنْ تَوَلَّى في النجم، ووصل كلما، إلا كلّ ما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها ومِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ووصل أَمِنَ إلا أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا في النساء أَمْ مَنْ أَسَّسَ في التوبة أَمْ مَنْ خَلَقْنا في الصافات أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً، وأَمَّا بكسر الهمزة والتشديد إلا وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ في الرعد. وأنما بفتح الهمزة مطلقا، إلى غير ذلك مما جاء في الرسم تارة موصولا وتارة مفصولا مثل إِنَّما وفَإِنْ لَمْ بالفتح والكسر وأَنْ لَنْ وأَيْنَ ما كى لا وفِي ما. ٦ - ما فيه قراءتان وكتب على إحداهما ومرادنا غير القراءات الشاذة ومن

стр. 341

ذلك ملك يوم الدّين (٤) ويخدعون ووَعَدَنا تُفادُوهُمْ تُظْهِرُونَ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ فرهن عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ أو لمستم النّساء وحرم على قرية سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى إلى غير ذلك، فقد كتبت كلها في المصاحف العثمانية بلا ألف، وقد قرئت بالألف وبحذفها ومثل غيبت الجب في [يوسف: ١٥] ثمرت من أكمامها في فصلت وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ فقد كتبت كلها بالتاء المفتوحة وبلا ألف وقد قرئت بالجمع والإفراد. ومثل فكهون فقد كتبت بلا ألف وقرئت بالألف وبعدمها ومثل الصِّراطَ كيف وقع وبَصْطَةً في [الأعراف: ٦٩] والْمُصَيْطِرُونَ وبِمُصَيْطِرٍ فقد كتبت بالصاد لا غير، وقد قرئت بالصاد والسين (١). وأما القراءات المختلفة المتواترة بزيادة لا يحتملها الرسم نحو وأوصى وَوَصَّى في البقرة تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ ومِنْ تَحْتِهَا في التوبة وما عملت أيديهم وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ في يس، وقوله سَيَقُولُونَ لِلَّهِ وفَسَيَقُولُونَ اللَّهُ في [المؤمنون: ٨٦ - ٨٩] (٢). فقد كانت تكتب في بعض المصاحف دون بعض كما أسلفنا. وبحسبنا

стр. 342

ما ذكرنا في التمثيل لهذه القواعد. ومن أرد استيفاء فليرجع إلى الإتقان (١) أو كتب القراءات. رسم المصحف توقيفي أم اصطلاحي ذهب جمهور العلماء إلى أن رسم المصحف العثماني توقيفي لا تجوز مخالفته واستدلوا بما يأتي: ١ - أن القرآن الكريم كتب كله بين يدي رسول الله ﷺ ، وكان يملي على كتاب الوحي، ويرشدهم في كتابته بوحي من جبريل ﵇ فقد ورد أن رسول الله ﷺ قال لمعاوية: «ألق (٢) الدواة وحرف القلم وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم وحسن الله، ومد الرحمن وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك». هذا إلى إقراره ﷺ الكتاب على جميع ما كتبوه، وتقريره ﷺ أحد وجوه السنن المعروفة. ٢ - إطباق القراء على إثبات الياء في وَاخْشَوْنِي في [البقرة: ١٥٠] وحذفها في الموضعين في المائدة (٣) وغير ذلك مما خولف بين نظائر مختلفة بالحذف والإثبات والزيادة والنقصان كما ذكرنا آنفا، فلو كان الرسم بالاجتهاد لما خولف فيه بين هذه النظائر والمتشابهات. ولعل قائلا يقول: لعل هذا من تعدد كتاب الوحي، فإنهم لم يكونوا سواء في الحذق بالهجاء فمن ثم نشأ هذا الاختلاف. والجواب: لو كان الأمر على ما يزعم هذا القائل لناقش بعضهم بعضا في هذا. ولا سيما والأمر يتعلق بالأصل الأول للإسلام. وتوفر الدواعي لحرية الرأي في هذا العصر، ولكن لم ينقل إلينا أنهم تناقشوا في هذا، أو

стр. 343

عاب بعضهم بعضا كتابته على هذا الاحتمال يبعد غاية البعد في مثل قوله تعالى: فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) [الحاقة: ١٩، ٢٠] فقد كتبت كتبيه بغير ألف، وكتبت حِسابِيَهْ بألف والكلمتان سواء. ٣ - لما جاور الرسول الرفيق الأعلى، وجمع القرآن في الصحف والمصاحف أجمع الصحابة على رسمه ولا سيما الخلفاء الراشدون ولم يخالف في ذلك أحد وإجماعهم حجة، وقد حث الرسول على الاقتداء بالخليفتين من بعده فقال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة، وفي حديث العرباض بن سارية: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقد أقر هذا الرسم الخلفاء الراشدون، ومن ورائهم الصحابة فكان لزاما على الأمة الإسلامية من بعدهم أن يقتدوا بهم، ويتمسكوا برسم المصحف، ولا يحيدوا عنه، وقد قال ابن مسعود ﵁: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم. فمن ثم ذهب جمهور الأئمة إلى التزام هذا الرسم. أقوال الأئمة في التزام الرسم العثماني: قال أشهب: سئل مالك: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى. رواه الداني في المقنع، قال: ولا مخالف له من علماء الأمة، وقال في موضع آخر. سئل مالك عن الحروف في القرآن من الواو والألف أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك قال: لا، قال أبو عمرو: يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ، نحو أُولُوا وأُولاتُ. وقال الإمام أحمد: يحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو

стр. 344

ألف أو نحو ذلك. وفي حواشي المنهج في فقه الشافعية- كلمة «الربوا» - تكتب بالواو والألف كما جاء في الرسم العثماني، ولا تكتب في القرآن بالياء أو الألف، لأن رسمه سنة متبعة. وفي كتاب المحيط البرهاني في فقه الحنفية ما نصه: إنه ينبغي ألا يكتب المصحف بغير الرسم العثماني. وقال البيهقي في شعب الإيمان: من كتب مصحفا ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه، ولا يغير مما كتبوه شيئا فإنهم كانوا أكثر علما، وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم، إلى غير ذلك من أقوال الأئمة في التزام الرسم العثماني. ويسلمنا هذا الرأي إلى معرفة هل تعلم النبي ﷺ القراءة والكتابة بعد أن لم يكن يعلمها أو أنه استمر على أميته وإليك بيان وجه الحق في هذا. هل صار النبي قارئا كاتبا: اتفق العلماء قاطبة على أن النبي ﷺ حين بعث إلى الناس قاطبة، لم يكن قارئا ولا كاتبا، وذلك كي تقوم عليهم الحجة، وتنتفي الشبهة في ثبوت معجزته الكبرى: وهو القرآن؛ إذ لو كان قارئا كاتبا لراجت شبهتهم وقوي ارتيابهم في أن ما جاء به نتيجة قراءة واطلاع، ونظر في الكتب السابقة، وقد أشار إلى هذا الحق ﵎ فقال: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت: ٤٨، ٤٩]. أما بعد أن قامت حجته، وعلت كلمته وعجزت العرب عن أن يأتوا بأقصر سورة منه، ولم يعد للريب والظنون موضع فقد كان محل بحث ونظر فمن العلماء من قال: إنه تعلم القراءة والكتابة، ومنهم من منع وقال: إنه استمر على أميته. وقد بسط القول في هذا الإمام الآلوسي: فقد قال عقب تفسيره للآية السابقة ما نصه: واختلف في أنه ﷺ هل كان بعد النبوة يقرأ ويكتب أم لا فقيل إنه عليه

стр. 345

الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة واختاره البغوي في التهذيب، وقال: إنه الأصح، وادعى بعضهم أنه ﷺ صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب (١) تعرف الكتابة حينئذ وروى ابن أبي شيبة وغيره «ما مات صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ» ونقل هذا للشعبي فصدقه وقال: سمعت أقواما يقولونه وليس في الآية ما ينافيه (٢) وروى ابن ماجة عن أنس قال: قال ﷺ «رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر» ثم قال: ويشهد للكتابة أحاديث في صحيح البخاري وغيره كما ورد في صلح الحديبية: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله» الحديث (٣) وممن ذهب إلى ذلك أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي (٤)، وأبو الفتح النيسابوري (٥) وأبو الوليد الباجي من المغاربة (٦) وحكاه عن السمناني (٧)

стр. 346

وصنف فيه كتابا وسبقه إليه ابن منية، ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر، ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب إلى علماء الأطراف، فأجابوا بما يوافقه، ومعرفة الكتابة بعد أميته ﷺ لا ينافي المعجزة، بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم، وقد رد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب» وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله: «كتب» فمعناه أمر بالكتابة كما يقال كتب السلطان بكذا لفلان، وتقديم قوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِ على قوله سبحانه وَلا تَخُطُّهُ كالصريح في أنه ﵊ لم يكتب مطلقا، وكون القيد المتوسط راجعا لما بعده غير مطرد، وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده، فقال: يفهم من ذلك أنه ﵊ قادرا على التلاوة والخط بعد إنزال الكتاب ولولا هذا الاعتبار لكان الكلام خلوا عن الفائدة: وأنت تعلم أنه لو سلم ما ذكره من الرجوع لا يتم أمر الإفادة، إلا إذا قيل بحجية المفهوم، والظان ممن لا يقول بحجيته، ثم قال الآلوسي في تفنيد هذه الردود ما نصه: ولا يخفى أن قوله ﵊ «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» ليس نصا في استمرار نفي الكتابة عنه ﵊، ولعل ذلك باعتبار أنه بعث ﵊ وهو وأكثر من بعث إليهم، وهو بين ظهرانيهم من العرب أميون، لا يكتبون ولا يحسبون، فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد، وأما ما ذكر من تأويل «كتب» بأمر بالكتابة فخلاف الظاهر، وفي شرح صحيح مسلم للنووي عليه الرحمة نقلا عن القاضي عياض. أن قوله في الرواية التي ذكرناها «ولا يحسن يكتب فكتب» كالنص في أنه ﷺ كتب بنفسه فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه، ثم قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة، وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا فالله تعالى أعلم (١) والذي يترجح عندي أنه ﷺ تعلم الكتابة بعد أن لم يكن يعلمها وكفى في هذا دليلا حديث البخاري، ومستبعد جدّا

стр. 347

من مثل رسول الله- في ذكائه وفطنته ولقانته- أن لا يتعلم الكتابة بعد طول إملاء القرآن على الكاتبين ورؤيته لهم وهم يكتبون، على أنه من الممكن جدّا أن يكون الله علم نبيه القراءة والكتابة كما علمه غيرها- مما لم يكن يعلم بطريق وهبي من غير ضرورة إلى تعلم أو كسب، وأيّا كان الأمر فلا تنافي بين كونه ﷺ بعث وهو أميّ، وكون رسم القرآن توقيفيا: لأنه إن كان تعلم الكتابة فالأمر ظاهر وإن لم يكن تعلمها فيكون تلقينه وإرشاده الكاتبين إلى طريقة كتابته بتلقين من جبريل ووحي منه. فوائد الرسم العثماني لاتباع رسم المصحف العثماني فوائد منها: ١ - اتصال السند بالقرآن الكريم : فلا يجوز لأحد أن يقرأه أو يقرئه غيره إلا بروايته بسند متصل؛ فمن علم القواعد العربية، ولكن لا يأخذ القرآن عن غيره لا يعرف قراءته على وجهها الصحيح، فإن بعض ألفاظه كتبت على غير النطق بها كما أسلفنا، فإن فواتح بعض سوره كتبت برسم الحروف لا بهيئات النطق بها، وإلا فقل لي- بربك- كيف يتوصل القارئ إلى قراءة كهيعص وحم (١) عسق (٢) وطسم والمص (١) وغيرها فالذي يعلم العربية والهجاء ولكنه لا يتلقى عن غيره كيفية القراءة والأداء، قد يقرؤها على غير وجهها الصحيح؛ إذ النطق بها صحيحة يتوقف على التلقي والسماع من قراء القرآن وحفاظه المشتغلون به، واتصال السند من خصائص القرآن الكريم بالنسبة لغيره من الكتب السماوية، وبه ظل محفوظا كما وعد الله بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وليس من شك في أن الرسم المخصوص له أعظم الأثر في اتصال السند؛ إذ لو كانت جميع ألفاظه مكتوبة طبق النطق بها لتجرأ الكثيرون على قراءته

стр. 348

بغير رواية عن غيره، وحينئذ يفوتهم معرفة ما فيه من طرق الأداء من مد وتخفيف وإمالة وإظهار وإدغام وإخفاء إلى غير ذلك من طرق الأداء. ٢ - الدلالة على أصل الحركة ككتابة الكسرة ياء والضمة واوا نحو وإيتائي ذي القربى وسأوريكم أو الدلالة على أصل الحرف ككتابة الصلاة والزكاة والحياة والربا بالواو بدل الألف. ٣ - الدلالة على بعض اللغات الفصيحة ككتابة هاء التأنيث تاء في لغة طيّء، ومثل حذف آخر المضارع على المعتل لغير جازم مثل يَوْمَ يَأْتِ في لغة هذيل. ٤ - الدلالة على معنى خفي دقيق ، كزيادة الياء في قوله والسّماء بنيناها بأييد بياءين؛ وذلك للإيماء إلى قدرة الخالق جل وعلا- التي بنى بها السماء، وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى (١)، وكزيادة الألف في وجاى بالنّبيّين [الزمر: ٦٩] وجاى يومئذ بجهنّم [الفجر: ٢٣] للتهويل والتفخيم والوعيد والتهديد. ومن هذا القبيل كتابة هذه الأفعال بغير واو وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ [الإسراء: ١١] وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [الشورى: ٢٤] يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر: ٦] سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ٦] فإنها كتبت في المصاحف العثمانية بغير واو، ولذلك سر دقيق لمن أمعن النظر؛ فالسر في حذفها- كما قال المراكشي-: التنبيه على سرعة وقوع الفعل، وسهولته على الفاعل، وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود، أما الحذف في الأولى فللإشارة إلى أن الإنسان يسارع إلى الدعاء بالشر، كما يسارع إلى الخير بل إثبات الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير، ولا سيما عند الغضب، وأما السر في حذفها في الثانية فللإشارة إلى سرعة ذهاب الباطل واضمحلاله، وأما السر في حذفها في الثالثة، فللإشارة إلى سرعة الدعاء

стр. 349

وسرعة إجابة الداعين، وأما السر في حذفها في الرابعة، فللإشارة إلى سرعة الفعل، وإجابة الزبانية (١). أقول: وفيه- أيضا- تطابق بين المتجاورين في اللفظ؛ إذ قبلها فَلْيَدْعُ نادِيَهُ وإشارة إلى أن إجابة الزبانية أسرع من إجابة أهل ناديه. وعلل الشيخ العلامة المراكشي لزيادة الواو في قوله تعالى: سأوريكم دار الفاسقين [الأعراف: ١٤٥]، وقوله: سأوريكم آيتى للدلالة على ظهور معنى الكلمة في الوجود، في أعظم رتبة للعيان، قال: ويدل على ذلك أن الآيتين جاءتا للتهديد والوعيد، أقول: فيكون فيه تطابق بين اللفظ والمعنى. أقول: وعلى هذا اللون من الاجتهاد في التعليل للرسم يمكن أن نقول (٢) في زيادة الألف في قوله تعالى: ولأاوضعوا خللكم [براءة: ٤٧] السر فيه الإيماء إلى أن هؤلاء المعتذرين المتخلفين من المنافقين لو خرجوا معكم لأكثروا من الإيضاع في الفتنة، والإفساد- والإيضاع هو الإسراع- ولجاوزوا الحد في هذا، فتوافق الرسم والمعنى. وفي زيادة الياء في قوله تعالى: بأيّيكم المفتون [القلم: ٦] أي: المجنون، الإشارة إلى أن جنون المشركين بلغ الغاية، وتجاوز الحد وأنهم المجانين لا أنت لأن مثلك يا محمد في رجاحة عقلك وعظم أخلاقك وسمو فضائلك لا يصح أن يرمى بالجنون، فمن رماك به فقد رجع على نفسه بالجنون، وبذلك يتوافق الرسم، والمعنى، والكلام في ظاهره ترديد بين أمرين، وهو في الحقيقة يراد به ما ذكرت، وهو لون من ألوان الحجاج في القرآن، يدل على غاية النصفة مع الخصوم، ومثله قوله سبحانه: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ مع اليقين أن النبي وأتباعه على

стр. 350

الهدى، وهم الذين في ضلال بيّن ظاهر. وأن نقول في زيادة الألف آخرا في قوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: ٨٥]. الدلالة على كثرة ذلك. وأن سيدنا يعقوب ما كان ينفك عن ذكر يوسف ﵇. وفي قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) [النحل: ٤٨] الدلالة على كثرة تفيء الظلال وعمومها لكل ذي جرم. وقوله تعالى: وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) [طه: ١١٩] الدلالة على دوام عدم الظمأ، واستمرار الري لمن كان في الجنة. وقوله تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ [الفرقان: ٧٧] أي: عبادتكم. أو تضرعكم بالدعاء المبالغة في عدم اعتناء الله بمن لا يعبده، ولا يتضرع إليه. وكذلك زيادة الألف في لفظ الرِّبَوا ليتوافق الرسم والمعنى، فالربا زيادة بلا مقابل، وهذه الألف زيادة بلا مقابل في التلفظ. وكذلك نقول في زيادة الألف بعد الفعل المضارع المعل الآخر في قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) [الشورى: ٣٠] فيها الإشارة إلى كثرة عفو الله، واستمراره، وإلا فلو أخذنا الله بمعاصينا وآثامنا لما ترك على ظهر الأرض من دابة. فإن قيل: إن بعد هذه الآية بآيات قوله تعالى: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) قلت: أما على قراءة ويعف عطفا على المجزوم قبله (١) فحذف الواو ظاهر؛ وأما على قراءة ويعفو بالرفع على الاستئناف بغير ألف؛ فذلك لأنه لما كانت حالة الإهلاك بسبب تسليط الأعاصير على السفن قليلة كان ما يترتب على ذلك من العفو ليس كثيرا أيضا، فلذلك لم

стр. 351

يؤت فيها بالألف بعد الواو، على أن مجيئها بغير ألف هو الأصل فلا يسأل عنه. وكذلك زيادة الألف في قوله تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [النور: ٨] أي: يدفع للإشارة إلى قوة واستمرار درء الحد عنها ما دامت شهدت هذه الشهادات الخمس. وكذلك زيدت الألف بعد الهمزة في قوله تعالى: إني أريد أن تبوءا بإثمي وإثمك [المائدة: ٢٩]. وقوله: لتنوأ بالعصبة أولى القوة [القصص: ٧٦] للإشارة في الأولى إلى أنه يبوء بإثمين بسبب فعل واحد؛ وفي الثانية إلى كثرة مفاتيح قارون كثرة بها ثقلت وأثقلتهم، فكأنها ثقلان فجاء الرسم موحيا بهذا المعنى. وأما حذف الألف من سعوا في قوله تعالى: والّذين سعو فى آياتنا معجزين [سبأ: ٥]، فللإشارة إلى أنه سعى بالباطل، لا يصح أن يكون له ثبات في الوجود، وأنهم لن يحصلوا منه على طائل. ومثل ذلك وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ١١٦] وقوله: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [الفرقان: ٤] وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) [يوسف: ١٦] وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف: ١٨] فهو لبيان أن مجيئهم ليس على وجه صحيح، ويغلب عليه التصنع، والزور، والتمويه: فمن هنا جاء رسم الكلمات على غير المعهود المعروف. وكذلك حذف الألف من قوله: وعتو عتوّا كبيرا للإشارة إلى أنه باطل ولا أثر له يذكر في الوجود. وقالوا: حذفت الألف من معظم الألفاظ الأعجمية في الأصل كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق وهارون ونحوها لكثرة الاستعمال، فقد رسمت في المصاحف بدون ألف، وإنما لم تحذف من داود؛ لأنه حذفت منه الواو، فلم يجحفوا بحذف ألف أخرى. وأما زيادة الياء في قوله تعالى: وإيتائ ذى القربى [النحل: ٩٠]

стр. 352

فللإشارة إلى أن الإيتاء ينبغي أن يكون ممدودا موصولا غير منقطع، فيكون فيه تطابق بين اللفظ والمعنى، وفي قوله تعالى: ولقد جاءك من نبإى المرسلين [الأنعام: ٣٤] للإشارة إلى كثرة ما جاء في القرآن من أخبار الأنبياء، وتحملهم الأذى البالغ، والصبر الصابر، حتى جاء نصر الله. وفي قوله: ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النّهار لعلّك ترضى [طه: ١٣٠] للإشارة إلى أنه ينبغي أن يشغل معظم ساعات الليل بالقيام والتسبيح، فجاءت هيئة رسم اللفظ موحية بهذا المعنى، وفي قوله: أو من وراءي حجاب [الشورى: ٥١]. للإشارة إلى كلام من وراء وراء فهو وراء فسيح ممدود لا حد له. وهكذا لا يعدم المتأمل في رسم القرآن، بعقل فسيح وقلب مستنير، من أن يجد في الرسم من أسرار القرآن الشيء الكثير، فلله در القرآن ما أعظم بركاته، وما أكثر أسراره معنى ولفظا ورسما. (٥) إفادة بعض المعاني المختلفة بطريقة لا خفاء فيها؛ وذلك نحو قطع كلمة (أم) في قوله تعالى: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ووصلها في قوله تعالى: أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فقطع الأولى في الكتابة للدلالة على أنها (أم) المنقطعة بمعنى بل، ووصل أم الثانية للدلالة على أنها ليست المنقطعة، وإنما هي المتصلة. (٦) احتمال الرسم للقراءات المتواترة والصحيحة، وذلك مثل قوله تعالى: وتمّت كلمت ربّك صدقا وعدلا الآية فقد قرئت بالإفراد والجمع، يعني تمت كلمت ربك أو كلمات ربك. [مذهب الامام الباقلانى وابن خلدون فى ان الرسم اجتهادى] الرأي الثاني إن رسم المصحف اصطلاحي لا توقيفي، وممن ذهب إلى هذا ابن خلدون في مقدمته (١) والقاضي أبو بكر الباقلاني في «الانتصار» حيث قالا:

стр. 353

إن رسم المصحف كان باصطلاح من الصحابة، لأنهم كانوا حديثي عهد بالكتابة وإليك ما قاله القاضي أبو بكر: وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه؛ إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف. وليس في نصوص الكتاب، ولا مفهومه، أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص، وحد محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية؛ بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجها معينا، ولا نهى أحدا عن كتابته؛ ولذلك اختلفت خطوط المصاحف. فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص؛ لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألف، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك. وإذا كانت خطوط المصاحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة وأن الناس قد أجازوا ذلك وأجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر، علم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص، كما أخذ عليهم في القراءة والأذان، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري

стр. 354

مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكل رسم دال على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به، على أي صورة كانت. وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنى له ذلك وقد نوقش هذا المذهب بما يأتي: ١ - بالأدلة التي ساقها جمهور العلماء لتأييد القول بالتوقيف وقد مرت بك عن كثب. ٢ - ما ادعاه من أنه ليس في نصوص السنة الخ مردود بما روي من قوله ﷺ لمعاوية: «ألق الدواة، وحرف القلم» الحديث وبما ذكرناه من أن النبي ﷺ أقر الكاتبين على ما كتبوا والتقرير أحد أنواع السنة. ٣ - ما ذكره من قوله: ولذلك اختلفت خطوط المصاحف ... إلخ، غير مسلم لقيام الإجماع على الرسم العثماني، وعد وجود المخالف وتتابع الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم على ما جاء في هذه المصاحف عن غير نكير له. ٤ - أما ما ذكره ابن خلدون من أن العرب كانوا مغرقين في البداوة. فنقول: إنهم بعد الإسلام قد خطوا في الحضارة العلمية والكتابية خطوات ملموسة، وذلك لما بينا من أن الإسلام دين العلم والمعرفة، وأنه دعا إلى إزالة الأمية من أول يوم، وأما متابعة من جاء بعد الصحابة لهم في رسم المصحف، تبركا بهم، فلم يكن التبرك هو المعول عليه في هذا العصر، وإنما كان ديدنهم ما وافق الحق والصواب قبلوه، وما خالف الحق والصواب نبذوه، وأما أن الصحابة لم يكونوا على درجة من إتقان الخط فمردود؛ لأن النبي ﷺ اختار كتاب القرآن من الحذاق بالكتابة، ومنهم من كان يعرفها في الجاهلية، ثم جاء الإسلام، فزاده حذقا ومعرفة بها، وقد مرت مثل مما التزموه في الكتابة يدل دلالة أكيدة على أن هذا أمر كان مقصودا لهم، وأنهم كانوا على درجة من الحذق بالهجاء والكتابة.

стр. 355

رأي صاحب الذهب الإبريز: ولعل مما يستحسن ذكره في هذا المقام لنفاسته وكفايته في الرد على القائلين بالاجتهاد ما ذكره العلامة ابن المبارك، نقلا عن شيخه العارف بالله الشيخ عبد العزيز الدباغ، إذ يقول في كتابه «الذهب الإبريز» ما نصه: رسم القرآن سر من أسرار الله المشاهدة، وكمال الرفعة، قال ابن المبارك فقلت له: هل رسم الواو في سأوريكم، وأولئك، وأولاء، وأولات، وكالياء في نحو (هديهم)، (ملإيه) و (ملإيهم)، و (بأييكم) هذا كله صادر عن النبي ﷺ أو من الصحابة فقال: هو صادر من النبي ﷺ وهو الذي أمر الكتاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة. فما نقصوا ولا زادوا على ما سمعوه من النبي ﷺ . فقلت له: إن جماعة من العلماء ترخصوا في أمر الرسم، وقالوا: إنما هو اصطلاح من الصحابة مشوا فيه على ما كانت قريش تكتب عليه في الجاهلية، وإنما صدر ذلك من الصحابة؛ لأن قريشا تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، وأهل الحيرة ينطقون بالواو في الربا فكتبوا على وفق منطقهم، ينطقون فيه بالألف وكتابتهم له بالواو على منطق غيرهم، وتقليد لهم حتى قال القاضي أبو بكر الباقلاني: كل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه؛ فإنه ليس في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع ما يدل على ذلك. فقال: ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها؛ لأسرار لا تهتدي إليها العقول وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز. وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في (مائة) دون (فئة) وإلى سر زيادة الباء في (بأييد) و (بأييكم) أم كيف تتوصل إلى زيادة الألف في (سعوا) بالحج ونقصانها في (سعو) بسبإ وإلى
следующие страницы →