← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 29719

المدخل لدراسة القرآن الكريم

محمد أبو شهبة

Полный текст (477 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إسرائيل. وقد ذكر الله هذا في قوله: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [سورة هود: ١٢٠]. وحينا آخر- تنزل الآيات بوعيد المكذبين للأنبياء والمناهضين لدعوتهم كما قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) [سورة الأعراف: ٩٧ - ٩٨]. وقال فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) [سورة فصلت: ١٣]، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) [سورة الأنفال: ٣٨]. وآونة .. كانت تنزل الآيات بالحجج والبراهين مبطلة لعقائدهم الزائفة، ورادة عليهم ما يتمسكون به من شبه واهية؛ كالآيات الواردة في إثبات الله وصفاته وتوحيده، واستحقاقه للعبادة، وإثبات البعث والحشر، وأحوال اليوم الآخر، وإثبات رسالة الرسل وحاجة البشر إليهم. وكان من ثمرة هذا التثبيت: أن أبدى النبي غاية الثبات والشجاعة، والوثوق بالله تعالى في أحرج المواقف وأشدها هولا؛ ألا ترى إلى قوله للصديق في الغار: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وإلى ثباته يوم «أحد» و «حنين» يدعو إلى الله وقد فرّ عنه الكثيرون فما زاده إلا إيمانا وثباتا! ٢ - تيسير حفظه وفهمه على النبي ﷺ فقد كان حريصا على ذلك غاية الحرص، ولقد بلغ من حرصه أنه كان لا ينتظر حتى يفرغ «جبريل» من قراءته، بل كان يتعجل القراءة، فأنزل الله عليه: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [سورة طه: ١١٤]، وقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) [سورة القيامة: ١٦ - ١٩] فضمن الله لنبيه الحفظ والفهم. وطبعيّ أن نزول القرآن مفرقا أدعى إلى سهولة حفظه وفهمه، وأيسر وأوفق بالفطرة البشرية.

стр. 72

وهذا المعنى الذي أراده الحق سبحانه- فيما أراده من حكم لنزول القرآن منجما ومفرقا قطعا قطعا- هو غاية ما وصل إليه أهل التربية في حفظ النصوص الطويلة، وتسهيل فهمها. وهذا المعنى التربوي ما كان يجول بخاطر بشر في هذا العصر، وفي هذه البيئة البدوية، مما يدل على أن منزّل القرآن على هذه الطريقة البديعة هو الله .. العالم بالطبائع البشرية، والنفوس وأسرارها. الحكمة الثانية: التدرج في تربية الأمة دينيّا وخلقيّا واجتماعيّا، وعقيدة وعلما وعملا، وهذه الحكمة هي التي أشار إليها الحق- ﵎ بقوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [سورة الإسراء: ١٠٦]، ويندرج تحت هذه الحكمة ما يأتي: التدرج في انتزاع العقائد الفاسدة، والعادات الضارة والمنكرات الماحقة، فقد بعث النبي ﷺ إلى قوم يعبدون الأصنام، ويشركون بالله غيره، ويسفكون الدماء، ويشربون الخمر، ويزنون، ويغتصبون الأموال، ويئدون البنات خشية العار، ويقتلون الأولاد خشية الفقر، ويظلمون النساء، ويتزوجون نساء الآباء، ويجمعون بين الأختين، كما كانوا يتظالمون، ويقع بينهم الحروب لأوهى الأسباب كناقة رعت من حمى، أو سبق فرس، أو نحو ذلك. وكانت الحروب تدوم بينهم عشرات الأعوام حتى تأكل الأخضر واليابس، وكان التكافل والتعاون بينهم يكاد يكون معدوما فلا تراحم بين الأغنياء والفقراء، ولا بين السادة والعبيد ولا بين الأقوياء والضعفاء. ومعلوم: أن النفس يشق عليها ترك ما تعودته مرة واحدة «وشديد عادة منتزعة» والإقلاع عما اعتقدته بمجرد النهي عنه؛ لأن للعقائد- حتى ولو كانت باطلة- وللعادات- ولو كانت مستهجنة- سلطانا على النفوس، والناس أسراء ما ألفوا، ونشئوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة،

стр. 73

وطالبهم بالتخلي عمّا هم منغمسون في حمأته من كفر وجهل ومنكرات مرة واحدة لما استجاب إليه أحد، ولما وفّق الرسول في أداء مهمته، ولعاد ذلك بالنقض على الشريعة الجديدة. لذلك اقتضت حكمة الله سبحانه- ولله الحكمة البالغة- أن يتدرج معهم في انتزاع هذه العقائد والمنكرات، فينهاهم عن عبادة غير الله، فإذا ما أقلعوا عنه، أخذ في النهي عن منكر غيره .. وهكذا. وكذلك كان القرآن يتدرج معهم في انتزاع المنكر الواحد، كما حدث في تحريم الخمر، فقد نزل فيها أول ما نزل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: ٢١٩] فشربها قوم، وتركها آخرون، ثم إن بعض المسلمين صنع طعاما، ودعا أصحابه؛ فأكلوا وشربوا ثم قام أحدهم ليصلي بهم، فقرأ «قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون» فأنزل الله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣] فكانوا يتركونها عند الصلوات، وفي الأوقات القريبة منها؛ حتى لا يقعوا في مثل هذا الخلط. وبذلك صار من السهل تحريمها تحريما باتّا قاطعا؛ فقد صنع بعض المسلمين طعاما، فأكلوا وشربوا حتى لعبت الخمر برءوسهم فتقاولوا الأشعار فتشاجروا حتى شج أحدهم رأس الآخر، فقال الفاروق «عمر»: «اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا» فحرّمها الله تحريما باتّا بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [سورة المائدة: ٩٠ - ٩١] فقال «عمر»: انتهينا (١) فمن ثم .. اقتضت الحكمة نزول القرآن مفرقا. ٢ - التدرج في تثبيت العقائد الصحيحة، والأحكام التعبدية والعملية والآداب والأخلاق الفاضلة، فأمرهم أولا: بالإيمان بالله وصفاته، وعبادته

стр. 74

وحده، حتى إذا ما آمنوا بالله دعاهم إلى الإيمان باليوم الآخر، ثم بالإيمان بالرسل، والملائكة، حتى إذا ما اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبّه، سهل عليهم بعد ذلك تقبل الأوامر والتشريعات التفصيلية، والأحكام العملية والفضائل والآداب العالية، فأمروا بالصلاة والصدق والعفاف، ثم أمروا بالزكاة، ثم بالصوم ثم بالحج، وبيّنت لهم أحكام النكاح والطلاق والرجعة والمعاملات، من بيع وشراء، وتجارة وزراعة، ودين ورهن .. إلى غير ذلك من المعاملات الصحيحة منها وغير الصحيحة. ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكي على إثبات العقائد والفضائل التي لا تختلف باختلاف الشرائع. بخلاف القسم المدني، فكان مدار التشريعات فيه على الأحكام العملية والتشريعات التفصيلية التي تتعلق بصيانة الدماء، والأعراض، والأموال، وصيانة العقول، والمحافظة على الأنساب سواء منها ما يتعلق بالمجتمع الصغير وهي الأسرة، أو ما يتعلق بالمجتمع الكبير وهي الأمة، وذلك كأحكام النكاح والطلاق والرجعة والعدة، والحضانة والنفقة، وكالحدود، والعقود، والمعاهدات والسياسات ونحوها. وتفصيل ما أجمل قبل ذلك من الآداب والفضائل. وقد أشارت السيدة العاقلة العالمة، التي تربت في منزل الوحي «عائشة» ﵂ إلى هذه الحكمة، فقالت- كما ورد في صحيح البخاري-: «إنما نزل من القرآن أول ما نزل منه «سورة» (١) من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا» (٢). ولا شك أن من طبيعة التدرج نزول آيات القرآن، وسوره بعضها في أثر

стр. 75

بعض، وقد دل القرآن بهذه السياسة الرشيدة في إصلاح الشعوب وتهذيبها على أنه معجز، وأنه من عند الله؛ فما كان لبشر- مهما كان ذكيّا- أن يتوصل إلى هذه الطرق الحكيمة في ذلك الوقت الذي بعث فيه النبي ﷺ ، وإنما ذلك من صنع الحكيم العليم الخبير. ٣ - تيسير حفظه وفهمه على الأمة، فقد أوجب الله على المسلمين حفظ ألفاظه، كما أوجب عليهم فهم معانيه، قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [سورة ص: ٢٩]، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [سورة محمد: ٢٤]. وقد ابتلي المسلمون في مكة بالمشركين، كما ابتلوا في المدينة باليهود والمنافقين هذا إلى اشتغالهم بأمور معايشهم، وبإقامة الدين، ونشر الإسلام، والدفاع عن دعوته، فلو نزل القرآن مرة واحدة لما أمكنهم حفظه ولا فهمه مع وجود هذه الملابسات والظروف المحيطة بهم. لذلك اقتضت حكمته أن ينزل القرآن مفرقا، حتى إذا ما نزلت قطعة منه أمكنهم أن يحفظوها ويجيدوا فهمها. ٤ - تثبيت قلوب المؤمنين، وتعويدهم على الصبر والتحمل بذكر قصص الأنبياء والسابقين الفينة بعد الفينة، وتذكيرهم بأن النصر مع الثبات والصبر، وأن العاقبة للمتقين، والخذلان والخسران للكافرين، اقرأ- إن شئت- قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) [سورة البقرة: ٢١٤]، فقد ذكر «عطاء» أن المسلمين لما هاجروا إلى المدينة، وتركوا الأهل والوطن والمال، وآثروا رضاء الله ورسوله، وتعرضوا لألوان من الإيذاء والجهد والفقر والمرض، ومعاداة اليهود والمنافقين لهم، شق ذلك على نفوسهم، فأنزل الله هذه الآية. وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) [سورة آل عمران: ١٤٢]، وقال تعالى: الم (١) أَحَسِبَ

стр. 76

النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) [سورة العنكبوت: ١ - ٣]. بل اقرأ هذا الوعد الذي يستحث الهمم، ويقوي العزائم إلى الجهاد والكفاح حتى تقوم لهم دولة ويكون لهم سلطان: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [سورة النور: ٥٥]. وطبعي: أن دواعي هذا التذكير والإرشاد والتوجيه لم تكن في وقت واحد، بل كانت في أزمنة متعددة متفاوتة، فاقتضى ذلك نزول القرآن مفرّقا على حسب ذلك. الحكمة الثالثة: مجاراة الحوادث والنوازل والأحوال والملابسات في تفرقها وتجددها، وهذه الحكمة هي التي أشارت إليها الآية الكريمة في قوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [سورة الفرقان: ٣٣]. ويندرج تحت هذه الحكمة ما يأتي: ١ - بيان حكم الله- في الأقضية والوقائع التي تحدث بين المسلمين، فقد اقتضت رحمة الله بعباده أنه كلما وقعت لم يكن حكمها معروفا عند المسلمين أن تنزل الآية أو الآيات عقبها، مبينة حكم الله فيها، ومثال ذلك حادثة الإفك، فقد نزلت فيها آيات من فوق سبع سماوات، ببراءة السيدة الحصان الرزان (١) «عائشة» ﵂ وإدانة الذين رموها بدون شهود وبينة، وبيان حكم الله فيهم، وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ إلى قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) [سورة النور: ١١ - ٢٠].

стр. 77

ومثل حادثة «خولة بنت ثعلبة» التي ظاهر منها زوجها «أوس بن الصامت» أي قال لها: «أنت عليّ كظهر أمي»، فجاءت تشتكي إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وتقول: «إن أوسا أخذني وأنا شابة مرغوب فيّ حتى كبرت سني ونثرت (١) له بطني ظاهر مني وإن لي أولادا إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا» فقال رسول الله: «ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أؤمر في شأنك بشيء». فجعلت تجادل رسول الله وتحاوره، رغبة منها أن يجد لها مخرجا في عشرة زوجها، فأنزل الله- سبحانه- أول سورة «المجادلة» ببيان حكم الظهار في الإسلام: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) إلى قوله تعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة المجادلة: ١ - ٤]، وغير ذينك كثير. وطبعيّ .. أن الحوادث لم تكن تقع في وقت واحد، فنزل القرآن في هذه الحوادث مفرقا لذلك. ٢ - إجابات السائلين على أسئلتهم التي كانوا يوجهونها إلى النبي ﷺ سواء أكانت هذه الأسئلة لغرض التثبت والتأكد من رسالته، أم كانت للاسترشاد والمعرفة. ومن النوع الأول: قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) [الإسراء: ٨٥] وقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ... (٨٣) [الكهف: ٨٣ وما بعدها]. ومن الثاني قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [سورة البقرة: ١٨٩] وقوله: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) [سورة البقرة: ٢١٥]، وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ

стр. 78

فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [سورة البقرة: ٢١٩]، وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [سورة الأعراف: ١٨٧]. وطبعي .. أن هذه الأسئلة لم تكن في وقت واحد، بل كانت تحدث متفرقة فكان نزول القرآن مفرقا لذلك. ٣ - تنبيه المسلمين من وقت لآخر إلى أخطائهم وأغلاطهم، وتحذيرهم من معاودتها والوقوع فيها؛ وذلك مثل ما حدث في «أحد» فقد خالف الرماة نصيحة رسول الله، متأولين، فكانت النتيجة: أن أتي المسلمون من جهتهم وأن شاعت الهزيمة بينهم، وشج وجه النبي، وكسرت رباعيته، واستشهد منهم عدد كثير، فأنزل الله في ذلك آيات عدة، مسجلة الأغلاط، ومحذرة لهم من المخالفة، والفرار عند اللقاء .. اقرأ- إن شئت- قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ (١٥٢) الآيات [سورة آل عمران: ١٥٢ وما بعدها]. ومثل ما حدث في «حنين»، فقد اغتر المسلمون بكثرتهم، حتى قال قائل في هذا اليوم: «لن نهزم من قلة». ولم يعتمدوا على الله حق الاعتماد في طلب النصر، فكانوا أن منوا بالهزيمة أولا، ولولا تدارك الله تعالى لهم برحمته، وثبات النبي ﷺ وحوله فئة قليلة من أبطال أصحابه، وإنزال الملائكة مثبتة لقلوبهم ومقوية لروحهم لكانت الهزيمة ساحقة ماحقة اقرأ معي قول الله سبحانه: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) [سورة التوبة: ٢٥ - ٢٧]. وقد كانت «حنين» درسا تعلم منه المسلمون: أن النصر ليس بالعدد والعدّة فحسب، وإنما هو من عند الله، وأن الاغترار ليس من خلق

стр. 79

المسلم، وأن الأسباب العادية لا ينبغي أن تشغل المسلم عن اللجوء إلى الله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [سورة آل عمران: ١٢٦]. ومثل ما حدث من «حاطب بن أبي بلتعة» قبيل الفتح فقد كان رسول الله حريصا على أن تتم غزوة الفتح في سرية تامة ولكن حاطبا كان له أهل في مكة وكانوا ضعفاء فأحب أن تكون لهم يد على قريش كي يكرموا أهله فأرسل إلى قريش رسالة في السر بخبر الغزوة ولكن الوحي نزل مخبرا لرسول الله، فأرسل من أحضر الرسالة، وقد حاول بعض الصحابة قتله، زاعما أنه بعمله صار منافقا ولكن الرسول ﷺ لما استمع إلى وجهة نظره وعلم صدقه عفا عنه، فأنزل الله في ذلك آيات وهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ... (١) الآيات [سورة الممتحنة: الآية الأولى وما بعدها]. ومعلوم أن هذه الأغلاط لم تقع في وقت واحد: فكان نزول القرآن مفرقا لذلك. ٤ - تحذير المسلمين من المنافقين، والكشف عن خبيئة نفوسهم فقد كانوا بحكم تظاهرهم بالإسلام، يختلطون بالمسلمين، ويطلعون على أسرارهم وأحوالهم فينقلونها إلى الأعداء، أو يرجفون بها في المدينة، فكان ضرر هؤلاء المخالطين المداجين على المسلمين أشد من ضرر الأعداء المكاشفين، فلا عجب أن كشف الله أستارهم، وشنع عليهم أشد التشنيع في كثير من الآيات، فقد كان لهم بالمرصاد، فكلما بيتوا أمرا أطلع الله عليه رسوله والمؤمنين، أو كادوا مكيدة ردها الله في نحورهم، أو أخفوا قولا أظهره الله. وطبعي أن هذه الأمور المبيّتة، والمكايد المدبرة، والأقوال السيئة التي كانت تصدر عنهم لم تكن في وقت واحد، بل كانت في أزمنة متفرقة، فمن ثمّ جاء القرآن مفرقا.

стр. 80

وإن شئت أمثلة لما كان يفعله المنافقون ويقولونه، وإظهار الله لحالهم، فاقرأ معي- قول الله- سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة البقرة: ٨ - ٢٠]، وقوله: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى الآيتين [النساء: ١٤٢ - ١٤٣]. وقد أنزل الله في شأنهم سورة بتمامها، وهي سورة «المنافقون» كما ذكر الكثير من أحوالهم في سورة «التوبة». وما زال الله- سبحانه- يقول في هذه السورة، ومنهم ... ومنهم ... حتى فضحهم أشد فضيحة، وجعلهم مثلا لسوء الطباع، والأخلاق والنذالة، والدّسّ، والوقيعة- في الأولين والآخرين. الحكمة الرابعة: بيان إعجاز القرآن الكريم على أبلغ وجه وآكده؛ لأن القرآن لو نزل جملة واحدة؛ لقالوا: شيء جاءنا مرة واحدة فلا نستطيع أن نعارضه، ولو أنه جاءنا قطعا قطعا لعارضناه فأراد ربك أن يقطع عليهم دابر المعذرة والتعلل؛ فأنزله مفرقا. وكأن الله- سبحانه- يقول لهم- بعد نزول كل قطعة منه-: إن كنتم ترتابون في أن هذا المنزل على هذا الوضع من عند الله؛ فأتوا أنتم بقطعة مشابهة له. وقد ذكرنا سابقا: أن الله تحدى الناس كافة بالقرآن على مراتب متعددة؛ كي تقوم عليهم الحجة تلو الحجة، ولو أن القرآن نزل جملة واحدة لما أمكن تكرر التحدي المرة بعد المرة وثبوت عجزهم المرة تلو المرة. وهكذا يتبين لنا: أن القرآن بنزوله منجما قد أعطاهم بعد كل نجم فرصة يعارضون فيها؛ فإذا ما عجزوا كان ذلك أدل على الإعجاز، وأقطع للمعذرة.

стр. 81

وأيضا فالقرآن على نزوله مفرقا، وتباعد ما بين أزمان النزول يكوّن سلسلة ذهبية مترابطة الحلقات متآخية الفقرات، منسجمة الشكل؛ لا تنبو كلمة عن كلمة، ولا تنفر آية من آية، بل كله في غاية الفصاحة والبلاغة والإحكام، ولا يسمو بأسلوبه في بعض الآيات وينزل في البعض الآخر، ولا تنبل الغاية والمقصد في بعض الآيات، وتسف في البعض الآخر مما يدل أعظم الدلالة على أنه ليس من عند بشر. ولو أنك نظرت في مؤلفات أديب من الأدباء، مهما بلغ، فإنك- لا شك- واجد تفاوتا بيّنا بين ما ألفه في أول حياته، وما ألفه في آخر حياته سواء أكان في لفظه ومعانيه، أم في أغراضه ومراميه، أم في أسلوبه وتفكيره. وإذا كان القرآن لم يأت على غرار ما يصنع البشر، فقد تعين أن يكون من عند الله خالق القوى والقدر. هذا .. وليست هذه نهاية الحكم، فهناك لمن أحكم النظر، وأجال البصر حكم وحكم. تتمّة: الذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها، أن القرآن كان ينزل به جبريل على النبي ﷺ بحسب الحاجة: خمس آيات، وعشر آيات، وأكثر أو أقل. وقد صح نزول العشر الآيات في قصة «الإفك» جملة، وصح نزول عشر آيات من أول سورة «المؤمنون» جملة، وصح نزول: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وحدها، في قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... [سورة النساء: ٩٥] الآية، وكذلك قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [سورة التوبة: ٢٨] نزل بعد أن نزل أول الآية، كما حرره الإمام «السيوطي» في «أسباب النزول» وقد ورد في بعض الآثار نزول بعض السور

стр. 82

جملة واحدة كسورة «الإخلاص» و «الكوثر» و «المرسلات». ولا يخالف ما ذكرنا ما رواه البيهقي في «الشّعب» بسنده عن عمر قال: «تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات؛ فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي ﷺ خمسا .. خمسا» وما أخرجه ابن عساكر من طريق أبي نضرة قال: كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشيّ» ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات، خمس آيات، فإن المراد- إن صح- إلقاؤه إلى النبي ﷺ هذا القدر حتى يحفظه، ثم يلقي إليه الباقي، لا إنزاله بهذا القدر خاصة. ويشهد لهذا التفسير ما أخرجه البيهقي عن أبي العالية قال: «تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات؛ فإن النبي ﷺ كان يأخذ من جبريل خمسا خمسا»، ويصح أن يراد به أن ذلك هو الغالب الكثير فلا ينافي حصول الوحي بأكثر أو بأقل. وما كان لنا- وقد تكلمنا عن إنزال القرآن- أن نغفل الكلام عن «الوحي» إذ الإنزال متوقف على معرفة معنى «الوحي» وكيفيته، وإمكانه ووقوعه، وهو ما سنتكلم عنه الآن. ١١ - الوحي [لغة واستعمالاته] ما هو الوحي .. للوحي معنى في اللغة، ومعنى في الاصطلاح، أما في اللغة .. فإليك ما قاله العلماء في هذا: قال في «الأساس»: «أوحى إليه وأومى إليه بمعنى، ووحيت إليه وأوحيت إذا كلمته بما تخفيه عن غيره، وأوحى الله إلى أنبيائه وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [سورة النحل: ٦٨]. وفي القاموس المحيط: «الوحي: الإشارة والكتابة والمكتوب والرسالة، والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته لغيرك». وقال الراغب: «أصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة

стр. 83

قيل: أمر وحى، يعني: سريع، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة، وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا- ﵇: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) [سورة مريم: ١١]، أي: أشار إليهم ولم يتكلم. ومنه: الإلهام الغريزي، كالوحي إلى النحل، قال تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [سورة النحل: ٦٨]، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة، الطاهر الروح، كالوحي إلى «أم موسى»، ومنه ضده (١)، وهو وسوسة الشيطان، قال تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (١٢١) [سورة الأنعام: ١٢١]، وقال: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: ١١٢]. فالخلاصة في معنى الوحي اللغوي: أنه الإعلام الخفي السريع، وهو أعم من أن يكون بإشارة أو كتابة أو رسالة، أو إلهام غريزي، أو غير غريزي، وهو بهذا المعنى لا يختص بالأنبياء، ولا بكونه من عند الله سبحانه. وأما في الشرع: فيطلق ويراد به المعنى المصدري، ويطلق ويراد به المعنى الحاصل بالمصدر، ويطلق ويراد به: الموحى به. ويعرف من الجهة الأولى: بأنه: «إعلام الله أنبياءه بما يريد أن يبلغه إليهم من شرع أو كتاب بواسطة أو غير واسطة» فهو أخص من المعنى اللغوي لخصوص مصدره ومورده؛ فقد خص المصدر بالله سبحانه، وخصّ المورد بالأنبياء. ويعرف من الجهة الثانية: بأنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من عند الله، سواء أكان الوحي بواسطة أم بغير واسطة. ويعرف من الجهة الثالثة: بأنه ما أنزله الله على أنبيائه، وعرّفهم به من أنباء

стр. 84

الغيب والشرائع والحكم، ومنهم من أعطاه كتابا، ومنهم من لم يعطه. أقسام الوحي الشرعي وكيفياته: ينقسم الوحي باعتبار معناه المصدري إلى ما يأتي: ١ - تكليم الله نبيه بما يريد من وراء حجاب ، إما في اليقظة: وذلك مثل ما حدث لموسى- ﵇ قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ومثل ما حدث لنبينا «محمد» - صلوات الله وسلامه عليه- ليلة الإسراء والمعراج. والسلف والمحققون من العلماء على أن موسى- ﵇ وغيره من الأنبياء كنبينا محمد- ﵊ قد سمع كلام الله حقيقة لا مجازا، والواجب علينا أن نؤمن بما ورد من صفة الكلام في القرآن والسنة الصحيحة من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل. وأما ما زعمه المعتزلة وموافقوهم، من أن معنى كونه متكلما: أنه خالق للكلام كما خلق الكلام في الشجرة لموسى- ﵇ فزعم باطل لمخالفته للقواعد اللغوية والشرعية، وأقوى دليل في الرد عليهم قول الله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً، فقد أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكّد بذكر المصدر انتفى احتماله للمجاز. وكذلك ما زعمه الأشاعرة من التفرقة بين الكلام النفسي، والكلام اللفظي المسموع، وأن الأول قديم دون الثاني، فزعم باطل أيضا، ترده النصوص المتكاثرة من القرآن الكريم القطعي المتواتر، والسنة الصحيحة المتكاثرة وأظهر دليل في الرد عليهم قول الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦]. والإجماع على أن المراد بكلام الله في الآية هو القرآن الكريم، والآية غير محتملة للتأويل قطعا. وإما في المنام: كما في حديث «معاذ» مرفوعا: «أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى .. » الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي

стр. 85

في سننه وقال: حسن صحيح. ٢ - الإلهام أو القذف في القلب : بأن يلقي الله أو الملك الموكل بالوحي في قلب نبيه ما يريد مع تيقنه أن ما ألقي إليه من قبل الله تعالى، وذلك مثل ما ورد في حديث: «إن روح القدس نفث في روعي (١): لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» رواه الحاكم وصححه عن ابن مسعود. ٣ - الرؤيا في المنام : ورؤيا الأنبياء وحي؛ وذلك مثل: رؤية إبراهيم الخليل- ﵊ أن يذبح ابنه، ورؤية نبينا محمد- صلوات الله وسلامه عليه- في منامه أنهم سيدخلون البلد الحرام وقد كان، وفي الحديث الصحيح، الذي رواه «البخاري»: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح .. ». ٤ - تعليم الله أنبياءه بوساطة ملك ، والمختص بذلك من ملائكة الله هو أمين الوحي «جبريل» ﵇ وهذا القسم يعرف ب «الوحي الجلي». وقد بين الله- سبحانه- هذه الأقسام بقوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) [سورة الشورى: ٥١] إذ المراد بالوحي في الآية: الإلهام أو المنام، لمقابلته للقسمين الآخرين: التكليم من وراء حجاب أو بواسطة رسول، والوحي الذي بوساطة جبريل .. له حالات ثلاث: أ- أن يأتي جبريل في صورته التي خلقه الله عليها، وهذه الحالة نادرة، وقليلة، وقد ورد عن السيدة «عائشة»: أن النبي لم ير «جبريل» على هذه الحالة إلّا مرتين: مرة في الأرض، وهو نازل من غار «حراء» ومرة أخرى في السماء، عند «سدرة المنتهى» ليلة المعراج، رواه أحمد. ب- أن يأتي جبريل في صورة رجل كدحية الكلبي، أو أعرابي مثلا،

стр. 86

ويراه الحاضرون ويسمعون قوله، ولا يعرفون هويته، ولكن النبي يعلم علم اليقين: أنه جبريل، وذلك كما في حديث جبريل الطويل في الصحيحين (١) وحديث أم سلمة، ورؤيتها رجلا على صورة دحية الكلبيّ، فظنته هو، حتى بيّن النبي لها أنه جبريل. ج- أن يأتي على صورته الملكية، وفي هذه الحالة لا يرى، ولكن يصحب مجيئه صوت كصلصلة الجرس، أو دوي كدوي النحل، وقد دلّ على هاتين الحالتين حديث سؤال «الحارث بن هشام» النبي ﷺ : عن كيفية مجيء الوحي إليه وهو في صحيح البخاري كما تقدم. والوحي بجميع أنواعه يصحبه علم يقيني ضروري من الموحى إليه بأن ما ألقي إليه حق من عند الله ليس من خطرات النفس ولا نزعات الشيطان، وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية، كالجوع والعطش والحب والبغض. إمكان الوحي ووقوعه: مبنى الوحي ومداره على أمرين: ١ - وجود «موح» وهو «الله» أو الملك الذي يبلّغ الوحي وينقله من الله إلى الرسل، والملك: جسم نوراني لا يرى، ولكنه قادر على التشكل بالأشكال المختلفة. ٢ - وجود نفس بشرية صافية صالحة لتلقي الوحي من الله أو الملك. أما الأول: فالله- سبحانه- قد قام على وجوده وكماله الدليل العقلي وتواترت عليه الأدلة الآفاقية، والأنفسية، والتنزيلية. وأما الملائكة، فقد أخبر بهم الأنبياء وجاءت بوجودهم الشرائع والكتب السماوية، وقد استفاض القرآن والسنة بالإخبار عنهم بما لا يدع مجالا

стр. 87

للشك في وجودهم، والفلاسفة، والعلماء قديما وحديثا- إلا الشرذمة المادية- يقرون: بوجود عالم غير محسوس، وراء هذا العالم المحسوس، وأن الإنسان ليس هو هذا الجسم المحسوس فحسب، وإنما هو جسم وروح. أما الثاني: وهو استعداد النبي للتلقي عن الله أو الملك، فلا بعد فيه، إذ الأنبياء لهم من سمو فطرتهم، وصفاء أرواحهم، وإعداء الله- سبحانه- لهم إعدادا خاصّا: جسمانيّا وروحيّا ما يؤهلهم لتلقي الوحي من الله، أو الملائكة، والفهم منهم، والتجاوب معهم، وليس لنا في هذا الأمر أن نقيس الغائب على الشاهد، أو عالم الروح على عالم المادة. وإذا ثبت هذان الأمران، فقد ثبت- لا محالة- إمكان الوحي، وأنه لا استحالة فيه. «العلم يؤيد معنى الوحي وإمكانه»: وإذا ثبت وجود عالم الروح، لم يبق مجال إذا لإنكار وجود الملائكة وقد استفاضت الأخبار بوجودهم، عن الأنبياء والشرائع السماوية. وقد تمخض العصر الحديث عن علم يسمى «علم التنويم الصناعي» أو «التنويم المغناطيسي» وقد أثبت هذا العلم وجود قوة خفية وراء هذا الهيكل الإنساني، وهي الروح، وبهذه القوة الخفية، أو الروح يتسلط المنوّم- بكسر الواو- على المنوّم- بفتح الواو- ويلقي الأول إلى الثاني ما يشاء، ويستجيب الثاني إلى ما يريد الأول، وقد أجريت في هذا تجارب عدة حتى أصبح أمرا مسلما به، وهذا يقرب معنى الوحي إلى حد كبير وقد أصبح هذا شجى في حلوق المادّيين، ولم يجدوا لدفعه سبيلا. ثم إن بعض المخترعات الحديثة كاللاسلكي، والمذياع، والتلفزيون ونحوها قد أمكن للإنسان بوساطتها أن يبلغ كلامه إلى من هو أبعد منه بآلاف الأميال، فإذا توصل الإنسان على عجزه- إلى هذه المخترعات، أفنستبعد على خالق القوى والقدر، العليم الخبير- أن يبلغ رسله ما يريد

стр. 88

بوساطة، أو بغير وساطة وأن يهيئ للموحى إليهم من الوسائل ما يجعلهم مستعدين لتلقي الوحي. الدليل على وقوع الوحي: وإذا ثبت أن الوحي ممكن وقد أخبر بوقوعه الصادق المصدوق ﷺ فقد ثبت أنه واقع وثابت لا محالة. أما الأخبار بوقوعه فكثيرة في القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، فمن ذلك قوله : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [سورة النجم: ١ - ٤] وقوله سبحانه: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ... [سورة الشورى: ٥٢ - ٥٣] وقوله: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) [سورة النساء: ١٦٣]، وقوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) [سورة الجن: ١] إلى غير ذلك من الآيات. ومن السنة قوله ﷺ «ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان ما أوتيته وحيا أوحاه الله، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» رواه الشيخان، وحديث عائشة- ﵂ في الصحيحين: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم .. » وحديث الحارث بن هشام: «سألت رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي قال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصّد عرقا» رواه البخاري، إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة التي تدل بطريق التواتر المعنوي على ثبوت الوحي ووجوده.

стр. 89

وأما صدق الرسول فقد قامت عليه الدلائل المتكاثرة، والمعجزات المتواترة، المعنوية والحسية الدالة على صدق دعوته القائمة مقام قول الله- سبحانه-: صدق عبدي فيما يبلّغ عنّي. وقد أورد الملحدون وأعداء الأديان على الوحي شبها، وإليك هذه الشبه وردها. ***

стр. 90

١٢ - الشبه التي أوردت على الوحي المحمدي لقد حاول الماديون الذين لا يؤمنون بوجود قوى روحية غيبية وراء المادة، ومن على شاكلتهم ممن يحملون الحقد والضغن للإسلام ونبيه ﷺ حاول هؤلاء أن يشكّكوا في الوحي المحمدي فنفوا أن يكون وحيا من خارج نفس النبي وقالوا: إنه وحي من داخل نفسه فليس هناك ملك تلقى عن الله ثم ألقى ما جاء به على النبي ﷺ ولا غير ذلك من أنواع الوحي وإليك هذه الشبهة والرد عليها. شبهة الوحي النفسي قالوا: نحن لا نشك في صدق محمد في خبره عما رأى وسمع، وإنما نقول: إن منبع ذلك من نفسه، وليس فيه شيء جاء من عالم الغيب الذي يقال: إنه وراء عالم المادة والطبيعة الذي يعرفه جميع الناس، فإن هذا الغيب شيء لم يثبت عندنا وجوده، كما أنه لم يثبت عندنا ما ينفيه ويلحقه بالمحال، ونحن نفسر الظواهر غير المعتادة بما عرفنا، وثبت عندنا، دون ما لم يثبت، فهذا الموحى الذي أخبر به محمد إنما هو إلهام كان يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج؛ ذلك أن منازع نفسه العالية، وسريرته الطاهرة، وقوة إيمانه بالله وبوجوب عبادته وترك ما سواها من عبادة وثنية، وتقاليد وراثية رديئة- يكون لها في جملتها من التأثير ما يتجلى في ذهنه، ويحدث في عقله الباطن الرؤى، والأحوال الروحية، فيتصور ما يعتقد وجوده إرشادا إلهيّا نازلا عليه من السماء بدون وساطة، أو يتمثل له رجل يلقنه ذلك، يعتقد أنه من عالم الغيب وقد يسمعه يقول ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند الأنبياء، فكل ما يخبر به النبي من كلام ألقي في روعه، أو عن ملك ألقاه على سمعه فهو خبر صادق عنده، ولكن تفسيره عندنا ما ذكرنا من أن ما تخيله إنما هو نابع من نفسه ومن عقله الباطن.

стр. 91

وضربوا مثلا للوحي النفسي قصة «جان دارك» الفتاة الفرنسية التي اعتقدت أنها مرسلة من عند الله لإنقاذ وطنها، ودفع العدو عنه، وادعت أنها تسمع صوت الوحي، فأخلصت في دعوتها وتوصلت بصدق إرادتها إلى رئاسة جيش صغير تغلبت به على العدو، ثم ماتت غبّ انتصارها لما خذلها قومها، ووقعت في يد عدوها فألقوها في النار حية، وقد ذهبت تاركة وراءها اسما يذكر في التاريخ، وقد حظيت بتعظيم قومها، وإجلالهم لها، حتى قررت الكنيسة الكاثوليكية قداستها فيما بعد موتها بزمن (١). ومما يؤسف أن هذا التصوير الذي يصورون به ظاهرة الوحي قد سرت شبهته إلى كثير من المسلمين المرتابين، الذين يقلدون هؤلاء الماديين في نظرياتهم المادية أو يقتنعون بها، وأغلب هؤلاء من المتعلمين الذين تلقوا العلم في الغرب، وليس عندهم من الثقافة الإسلامية العميقة ما يعصمهم من الانسياق وراء هؤلاء. [المقدمات الست التى اسندوا اليها] ولأجل أن يؤيدوا فكرة الوحي النفسي ذكروا مقدمات تخيلوها أو تصيدوها زاعمين أنها أساس هذه التشريعات والعلوم التي امتلأ بها عقل النبي الباطن ثم فاضت بها نفسه فقالوا: أ- إن محمدا كان يصحب عمه أبا طالب في كثير من رحلاته التجارية وأنه استفاد من هذه الرحلات بما كان يسمعه من الأعراب الذين كانوا يسكنون الديار التي يمر عليها كديار ثمود، ومدين وغيرهما، وما كان يسمعه من أحبار اليهود ورهبان النصارى وذلك مثل بحيرى الراهب الذي لقيه في مدينة «بصرى» بالشام، وقالوا: إنه كان نسطوريّا من أتباع «آريوس» في التوحيد، وينكر ألوهية المسيح، وعقيدة التثليث، وإن محمدا لا بدّ أن يكون علم منه عقيدته بل غالى بعضهم فزعم أنه كان معلما للنبي ومصاحبا له بعد رسالته. ٢ - إن ورقة بن نوفل كان من متنصّرة العرب العالمين بالنصرانية وكان

стр. 92

يعرف العبرانية، وله علم بالكتب السابقة، وكان قريبا لخديجة- ﵂ وهو الذي ذهبت إليه خديجة ومعها النبي لما أخبرها بخبر الوحي وغرضهم بهذا إثبات أن النبي أخذ عنه بعض علم أهل الكتاب. ٣ - ما كان من انتشار اليهودية والنصرانية في بلاد العرب قبل الإسلام ومن تنصر بعض فصحاء العرب وشعرائهم كقس بن ساعدة الإيادي وأميّة بن أبي الصّلت، وإشادة هؤلاء بما كانوا يسمعونه من علماء أهل الكتاب عن قرب ظهور النبي الذي بشّر به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء وغرضهم بهذا أن النبي استفاد من هؤلاء، واستغل البشارة لنفسه. ٤ - زعموا أنه كان بمكة أناس من اليهود والنصارى وأنهم كانوا عبيدا أو خدما، وكانوا يسكنون أطرافها. وكان هؤلاء يتحدثون بالكثير من القصص الذي جاءت به كتبهم فسمع منهم النبي ما سمع واستفاد منهم الكثير مما ذكره من قصص الأولين. ٥ - ذكروا ما كان من رحلتي قريش: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، واجتماعهم بالأحبار والرهبان في كلّ منهما كلما مروا بدير أو صومعة، وكان هؤلاء يتحدثون بقرب ظهور نبي من العرب، فتعلقت نفسه بما سمع، وظهر ذلك على لسانه بدعوى النبوة. ٦ - قالوا: إن محمدا توصل إلى ما توصل إليه من عقائد بالخلوة في غار حراء، والانقطاع إلى عبادة الله وحده، والتفكر في خلق السموات والأرض من نجوم وكواكب وسهول ونجود وبحار ذات أمواج، وليل ونهار، وكان لهذا التعبد والتفكر أثرهما في صقل نفس محمد، وامتلاء قلبه بوحدانية الله ونظامه البديع في الكون، وما زال يفكر ويتأمل وينفعل بما يرى ويسمع، ويتقلب بين الآلام والآمال، حتى أيقن أنه هو النبي المنتظر الذي سيبعثه الله لهداية البشر، فتجلى له هذا الاعتقاد في الرؤيا المنامية، ثم قوي حتى صار يتمثل له الملك ويلقنه الوحي في اليقظة. وأما المعلومات التي جاء بها في هذا الوحي فهي مستمدة من تلك

стр. 93

الينابيع التي ذكرناها سابقا، وما هداه إليه عقله وتفكره في التمييز يبن ما صح منها وما لا يصح، ثم تجلى له أنها نازلة من السماء، وأنها خطاب الخالق جلّ وعلا؛ بوساطة الناموس الأكبر، ملك الوحي جبريل- ﵇ الذي كان ينزل على سلفه من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- إلى غير ذلك من الأباطيل والتّرهات التي أرادوا بها تقريب فكرة «الوحي النفسي» وأن كل ما جاء به النبي ﷺ من عقيدة، وتشريع وآداب، فهي من ذات نفسه وعقله الباطن لا من شيء خارج عن نفسه، وهو الوحي عن الله جل وعلا. تفنيد شبهة الوحي النفسي والآن وبعد أن بسطت فكرة الماديين والملحدين في الوحي المحمدي وذكرت خلاصة المقدمات التي تذرعوا بها للوصول إلى ما يريدون سأكرّ عليها بالرد العلمي الذي يدعمه العقل السليم، والنقل الصحيح، والتاريخ الصادق، وإذا أبطلنا المقدمات، فقد بطل ما رتبوه عليها قطعا، وهي النتيجة التي ركبوا كل صعب وذلول في سبيلها. وبعد إبطال المقدمات سأعرض بالرد على المثال الذي ذكروه وهو قصة «جان دارك» فأقول وبالله التوفيق والسداد. [ابطال هذه المقدمات] (الرد على المقدمة الأولى) إن المعروف الثابت الذي رواه كتاب السيرة أن النبي ﷺ لم يصحب عمه أبا طالب في التجارة إلا مرة، وهو ابن تسع سنين وقيل ابن اثنتي عشرة سنة وأن الراهب «بحيرى» لما رآه تظلله سحابة من الشمس، ورأى فيه بعض أمارات النبوة ذكر لعمه أنه سيكون له شأن، وحذره أن تناله اليهود بشرّ، ولم تذكر الروايات أن النبي ﷺ سمع في صغره من بحيرى شيئا، أو تعلم منه شيئا من معارف أهل الكتاب، ولما صار رجلا وتاجر للسيدة خديجة في مالها ذهب إلى بلاد الشام ولم يعرف أنه جاوز مدينة (بصرى) ولا أنه اشتغل في هذه الأسفار بغير التجارة، ولا أنه اتصل بأحبار اليهود،

стр. 94

ورهبان النصارى، ولو أنه حدث ما زعموا لنقله إلينا الرواة المسلمون الذين لم يدعوا صغيرة ولا كبيرة مما يتعلق بالسيرة المحمدية إلا ذكروها. وأما ما زعموه من أن محمدا مر على ديار مدين وتحدث مع أهلها فغير صحيح؛ وأين مدين من طريق تجارتهم إلى الشام وليس من المعقول من مثل النبي، وهو من هو في رجاحة العقل، وقوة الفطنة أن يعتمد في أخبارهم، وأخبار ثمود وغيرهم من الأمم السابقة، على أعراب لا علم عندهم ولا تحقيق، ولم يعرف عن القوافل التجارية أنها كانت تضيع وقتها في البحث عن الأحبار والرهبان، وما كان للنبي وقد ذهب مع قافلة أن يشتزّ عنها ثم يذهب باحثا عن علماء أهل الكتاب، ولو أنه فعل لما تمكن من تصريف تجارته، مع أنه المنقول أنه كان تاجرا أمينا ناجحا، وأنه كان يربح ربحا وافرا، وهذا لن يتأتى في العادة لمن شغل بغير تجارته، ثم لو سلمنا جدلا أنه سمع من أخبار أهل الكتاب، فهل هذه النتف المبعثرة المشوّشة تكوّن هذا القصص الوافي الدقيق على المنهج الذي جاء به القرآن! (الرد على المقدمة الثانية) وهي ما زعموه من أن ورقة كان من متنصّرة العرب، وأنه كان قريب خديجة، وأن النبي أخذ منه بعض معارف أهل الكتاب، فقد خلطوا فيه الحق والباطل. والذي ثبت في الصحيحين: أن ورقة كان من العرب الذين تنصروا في الجاهلية، وكان يعرف العربية والعبرانية، وكان له علم بالكتب السابقة، وأن السيدة خديجة لما أخبرها النبي ما رأى، وما سمع بغار حراء، وجاءها فزعا خائفا أخذته إلى ابن عمها ورقة، فأخبره النبي بما رأى، فقال له ورقة: هذا هو الناموس (١) الذي كان ينزل على موسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك، فقال له النبي: «أو مخرجيّ هم» قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني

стр. 95

يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي (١). ولم تذكر الروايات أن النبي كانت له صلة به قبل هذا، بل السيدة خديجة هي التي عرّفته به، ولا أنه أخذ عنه شيئا من معارف أهل الكتاب، ولم يعرف عن ورقة أنه كان من دعاة النصرانية المبشرين بها، ثم إنه لم يلبث أن توفي، وهذا هو الصحيح المعتمد. وما روي من بقاء ورقة حتى شهد الدعوة المحمدية، والصراع بين المسلمين والمشركين، فغير صحيح، وهي رواية شاذة؛ فهل يعقل أن تكون هذه المقابلة الخاطفة ينبوعا لما جاء به الوحي المحمدي! (الرد على المقدمة الثالثة) وأمّا ما زعموه من انتشار اليهودية والنصرانية في بلاد العرب، ومن تنصّر بعض فصحاء العرب، وشعرائهم، كقس بن ساعدة، وأمية بن أبي الصّلت، ودعوتهم إلى التوحيد، وإشادتهم بقرب ظهور النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل، وتأثر النبي بهم في دعوى النبوة فغير صحيح. فاليهودية والنصرانية لم تكن منتشرة في بلاد الحجاز، وهي التي بعث منها النبي ﷺ ولم يكن بمكة يهود ولا نصارى، وإنما كان اليهود بجوار المدينة المنورة، ومع هذا فلم يكن لهم أثر يذكر في جيرانهم- الأوس والخزرج- بالمدينة، ولم يتهود من العرب إلا القلة، والذين تنصروا من العرب أقل من القليل، وكانت معارفهم كمعارف أهل الكتاب بالمدينة وغيرها من أطراف الجزيرة العربية، كنجران وبلاد الشام- مشوشة ملفقة محرّفة، مما لا يعقل معه أن تكون مصدرا لما جاء به سيدنا محمد من أخبار وقصص تتسم بالصدق والحق، وعدم التناقض والاضطراب. وأما قسّ بن ساعدة فقد مات قبل البعثة، ولم يعرف أنه تنصر، وإنما كان من الحنيفيين الذين دعوا إلى التوحيد بفطرتهم، أو تأثروا بما بقي من شريعة الخليل إبراهيم- ﵇ وما روي من أن النبي ﷺ رآه قبل

стр. 96

البعثة بزمن طويل يخطب الناس في سوق عكاظ على جمل أورق! وأن النبي سرّ بكلامه، قد ضعفه المحدّثون، بل طعن فيها الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بالوضع والاختلاق، ولو سلمنا بصحة لقاء النبي له قبل البعثة، فإن ما أثر عن قسّ من كلمات لا تصلح أن تكون ملهمة للنبي بهذه الرسالة التامّة الوافية. وأما أمية بن أبي الصّلت، فقد كان شاعر ثقيف، وكان من الحنيفيين الذين يدعون إلى التوحيد، وكان علم أنه سيبعث نبي آخر الزمان من بلاد العرب، فترهب وتعبد، ولبس المسوح (١) طمعا في أن ينال النبوة، وقد عاش حتى أدرك النبوة، ولكن استبد به الحقد والغضب أن لم تصادفه النبوة فلم يسلم، ولما سمع النبي ﷺ شيئا من شعره قال: «وكاد أن يسلم» وقال: «آمن شعره وكفر قلبه». ولم يثبت قط أنه لقي النبي قبل البعثة ولا بعدها، وإن كان عاش إلى سنة تسع من الهجرة فكيف يعقل أن يكون النبي في نشأته قد أخذ عنه وتأثر بأفكاره (الرد على المقدمة الرابعة) وهي زعمهم أنه كان بمكة أناس من اليهود والنصارى، وكانوا عبيدا وخدما، ويسكنون خارج مكة، وأن النبي اتصل بهم وسمع منهم، فهي أوغل في الكذب من سابقتها، وأبعد من نجوم السماء، ولم يكن بمكة يهود ولا نصارى حتى يتعلم منهم النبي .. ولو وقع ما زعموه لاتخذه أعداؤه من المشركين حجة يحتجون بها عليه، وأن ما يدّعيه من الوحي إنما تعلمه من هؤلاء، فإنهم كانوا يوردون في معرض الحجاج والخصام ما هو أضعف وأوهن من هذه الشبهة، فقد كان بمكة قين- حدّاد- رومي يصنع السيوف وغيرها فكان النبي ﷺ يقف عنده أحيانا يشاهد صنعته، فطعنوا في النبي بأنه يتعلم منه، فرد الله عليهم قوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ

стр. 97

بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) [النحل: ١٠٣]. لقد كان ذكر القصص بمكة من أقوى البراهين على صدق النبي، لأن البيئة المكية لم تكن بيئة علم ومعرفة، ولم يكن فيها يهود ولا نصارى بشهادة الواقع التاريخي الصادق، ولو تأخر ذكر القصص إلى ما بعد الهجرة لربما قالوا إنه تعلمه من أهل الكتاب بالمدينة، وإذا ثبت أن النبي كان أمّيّا، وانتفى أخذه عن أهل الكتاب، فقد تعين أن يكون من عند الله سبحانه وصدق الله حيث يقول: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) [العنكبوت: ٤٨]. وكثيرا ما نبّه الله عز شأنه إلى ما في القصص من دلائل على صدق النبي في دعوته بعد ذكر شيء منها؛ قال سبحانه بعد ذكر قصة موسى في مدين من سورة القصص: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) [القصص ٤٤ - ٤٥]، وقال بعد قصة نوح من سورة هود: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) [هود: ٤٩]، وقال في آخر سورة يوسف: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) [يوسف: ١١١]. وتأمل في قوله سبحانه: وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فإنها ترد على هذا الافتراء المكشوف. (رد المقدمة الخامسة) وهي استفادة العرب من رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن والشام، بالتقائهم بأهل الكتاب والسماع منهم، وبالتالي استفادة النبي من ذلك فيظهر تهافتها مما قدمناه في رد المقدمات السابقة، وأزيد فأقول، إن هاتين الرحلتين لم يكن لهما أثر يذكر في عقيدة القرشيين؛ لأن مقصدهم

стр. 98

كان التجارة لا تلقي العلوم والمعارف من أهل الكتاب، وعلى كثرة تكرار الرحلتين لم نجد أحدا من أهل مكة صار يهوديّا أو نصرانيّا، ومن تنصر في غير مكة إنما هم قلة لا تكاد تذكر، فكيف يتأثر النبي بقوم في شيء هم أجهل الناس به (رد المقدمة السادسة) وأما ما زعموه من أن خلوة النبي وتعبده في حراء وتأمله في الكون علويّه وسفليه، وأنه بتعبده وتفكره خيل إليه أنه النبي المنتظر، وأنه قد تمكن منه هذا التخيل حتى تراءى له أنه يوحى إليه، وأن الملك يلقنه- فدعاوى باطلة، ومقدمة لا تؤدي إلى ما يريدون من نتيجة، والنبي ﷺ وهو يتعبد ما كان يدور بخلده أنه نبي هذه الأمة المبعوث في آخر الزمان، وليس أدل على هذا من قول الحق ﵎: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [سورة القصص: ٨٦]. فهي صريحة في أن النبي ما كان يؤمّل ذلك، ولكن ألقى الله إليه بالكتاب رحمة من الله به، وبالناس كلهم، لا كسب له فيه بعلم، ولا عمل ولا رجاء ولا أمل، والنبوة ليست بالتمني ولا بالرياضات الروحية، ولو كانت تنال بذلك لنالها أمية بن أبي الصلت، وأمثاله ممن ترهبوا وتنسكوا، وجاهدوا في سبيل الوصول إليها، وأيضا فغاية التعبد والتفكر في الكون أن يصلا بصاحبه إلى الإيمان بوجود إله خالق مدبر قيوم عالم قادر أما أنهما يؤديان إلى كل هذه العقائد والتشريعات المتنوعة، والآداب والتوجيهات التي لم تكن تخطر على بال إنسان، فهذا أمر غير معهود في سنة الكون ومجرى العادة. وبعد هذا المطاف تبين لك أيها القارئ الحصيف أن المقدمات التي أرادوا أن يرتبوا عليها فكرة الوحي النفسي مقدمات فاسدة غير مسلمة ودعاوى باطلة، لا حقائق تاريخية ثابتة، وإذا بطلت المقدمات، بطل لزوم النتيجة لها ببداهة العقل، وما مثلهم إلا كمثل من أراد أن يبني بيتا من خيوط العنكبوت: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [سورة العنكبوت: ٤١].

стр. 99

(رد عام لفكرة الوحي النفسي) إن فكرة الوحي النفسي كما صوروه مبنية على وجود معلومات وأفكار مدخرة في العقل الباطن وأنها تظهر في صورة رؤى ثم تقوى فيخيل لصاحبها أنها حقائق خارجية، فهل كان الدين الذي جاء به خاتم الأنبياء بعقائده وتشريعاته في العبادات والمعاملات، والحدود والجنائيات، والاقتصاد والسياسة، والأخلاق والآداب، وأحوال السلم والحرب مركوزا ومدخرا في نفس النبي ﷺ هذا ما تنكره العقول بداهة؛ لأن ما جاء به النبي في العقائد يعتبر مناقضا لكل ما كان سائدا في العالم حينئذ من عقائد كالوثنية، والمجوسية، والتأليه، والتثليث والصلب، وإنكار البعث واليوم الآخر، وكذلك جاء النبي بتشريعات ما عرفت في الشرائع السابقة سماوية وغير سماوية، واشتمل القرآن على أسرار في الكون، والآفاق والأنفس ما كانت تخطر على بال بشر قط، ولم يظهر تأويلها إلا بعد تقدم المعارف في العصر الأخير، فكيف تكون هذه الأسرار من داخل نفس النبي ﷺ وهي لم تخطر له على بال. وأيضا فإن الوحي بعد نزول صدر سورة «اقرأ» على النبي وهو يتعبد بغار حراء قد انقطع مدة من الزمان، لم ينزل فيها قرآن، فكيف سكت النبي طوال هذه المدة، وهو صاحب العقل الباطن المملوء بالمعارف، والوجدان الملتهب، والنفس المتوثبة للإصلاح أخبرونا يا أصحاب العقول. ثم إن العقل الباطن على ما يقول علماء النفس، إنما يفيض بما فيه في غفلة من العقل الظاهر، ولذلك لا يظهر ما فيه إلا عن طريق الرؤى والأحلام، الأمراض، كالحمى مثلا، وفي الظروف غير العادية، والقرآن الكريم نزل على النبي ﷺ وهو في اليقظة، وفي اكتمال من عقله وبدنه، ولم ينزل منه شيء في الرؤى والأحلام، وهكذا نرى أن ما استندوا

стр. 100

إليه من فكرة العقل الباطن لا تساعدهم بل ترد عليهم. وبعد: فلعلك أيقنت أن ما ذهبوا إليه من فكرة الوحي النفسي إنما قصدوا بها إبطال الوحي المحمدي، ولكن يأبى الله والراسخون في العلم ذلك، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) [سورة التوبة: ٣٢]. ١٣ - قصة جان دارك إن تمثيلهم الوحي المحمدي بما زعمته جان دارك الفرنسية من أنها مرسلة من عند الله لإنقاذ وطنها، وأنها سمعت صوت الوحي يأمرها بذلك تجن على الرسالة المحمدية، والوحي المحمدي، وأين الحصا من نجوم السماء، بل أين السراب من زلال الماء إن (جاك دارك) لم تدّع النبوة، ولو أنها ادعتها لما صدّقت؛ لأن دعوى النبوة لا تثبت إلا بدليل، وهي المعجزة، وأين ما ظهر على يدها من معجزات وإنما هي فتاة قوية القلب، مرهفة الحس، أهاج وجدانها، وحركه ما كانت تتصف به من شعور ديني كريم، وما كان يعانيه قومها من ذل وعبودية، لقد تلاقى شعورها الديني، وشعورها السياسي، فاستنهضت قومها للجهاد، وقادتهم إلى التخلص من الاستعباد، وقد صادفت دعوتها هوى في نفوس قومها، فأجابوها وخرجوا معها، وكان لهم النصر على العدو، وكونها استغلت مزاعمها في إثارة النفوس وإلهاب الحماس لا يقتضي أنها صادقة فيما زعمت، وما أسهل تهييج حماس أهل فرنسا بمثل هذه المؤثرات، وبما هو أضعف منها، فإن نابليون الأول كان يسوقهم إلى الموت مختارين بكلمة شعرية يقولها ككلمته عند الأهرام، فهي لم تزد عن كونها امرأة شجاعة متدينة، امتلأ قلبها بحب بلادها، ورغبتها في تخليصها من عدوها فقادت جيشا قوامه عشرة آلاف جندي وضابط، وانتصروا على الإنجليز. وإليك ما ذكره البستاني عنها في (دائرة معارفه) قال: «كانت متعودة

стр. 101

الشغل خارج البيت كرعي المواشي، وركوب الخيل إلى العين ومنها إلى البيت، وكان الناس في جوار (دومري) - يعني بلدها- متمسكين بالخرافات، ويميلون إلى حزب (أوليان) في الانقسامات التي مزقت مملكة فرنسا، وكانت (جان) تشترك في الهياج السياسي والحماس الديني، وكانت كثيرة التخيل والورع، تحب أن تتأمل في قصص العذراء، وعلى الأكثر في نبوءة كانت شائعة في ذلك الوقت، وهي أن إحدى العذارى ستخلص فرنسا من أعدائها، ولما كان عمرها ثلاث عشرة سنة كانت تعتقد بالظهورات الفائقة الطبيعية، وتتكلم عن أصوات كانت تسمعها، ورؤى كان تراها، ثم بعد ذلك ببضع سنين خيل لها أنها قد دعيت لتخلص بلادها، وتتوج ملكها، ثم أدفع (البرغنيور) تعديا على القرية التي ولدت فيها، فقوى ذلك اعتقادها بصحة ما خيّل لها» (١). وكان انتصارها سنة (١٤٢٩ م) ثم ذكر أنها بعد ذلك زالت أخيلتها الحماسية، ولذلك هوجمت في السنة التالية (١٤٣٠ م) فانكسرت وجرحت وأسرت. وهكذا يتبين لنا مما ذكره أن دعوتها شبيهة بدعوات من زعم أنه المهدي المنتظر، ودعوة الباب الإيراني، وكذا البهاء والقادياني، وأمثالهم ممن زعموا أنهم يوحى إليهم، ووجدوا من يغتر بدعواتهم، فأين هذه النوبة العصبية القصيرة الأجل المعروفة السبب، والتي لا دعوة فيها إلى دين وعلم ولا إصلاح اجتماعي أو أخلاقي، والتي لم تلبث أن أفل نجمها، وغربت شمسها، أين هذه الدعوة من دعوة الأنبياء ولا سيما سيدنا محمد ﷺ هذه الدعوة التي قامت في بيئة هي أبعد ما تكون عن العلم والمعرفة وأقوى ما تكون عنادا وصلابة وعنجهية، والتي تعرضت لتكالب جيوش الشر والغدر، والحقد والعصبية من العرب والرومان والفرس، فإذا بها تصرعهم جميعا، وتهزمهم في عقر دارهم، وتتمخض عن ميلاد أمة هي خير أمة أخرجت

стр. 102

للناس عقيدة وشريعة، وعلما وعملا، وأخلاقا وفضائل، وعدلا ورحمة، وسياسة وقيادة، أما جان دارك، فلم تصنع بدعوتها أمة، ولم تقم بها حضارة. بل أين حال هذه الفتاة التي كانت كبارقة أو مضت ثم اختفت، وشمعة أضاءت ثم لم تلبث أن خفتت، وثورة قدر سرعان ما زالت من حال شمس النبوة المحمدية التي أشرقت فأضاءت الأرجاء، وسطعت فبددت الظلمات، ظلمات الشرك والجهل والفقر والخرافات، ولا يزال نورها- ولن يزال- متألق السناء، إلا ما أبعد الفرق بين الحالين، وفرق ما بينهما كفرق ما بين الأرض والسماء. شبهة أخرى على الوحي المحمدي لقد أسفّ بعض المستشرقين والمبشرين فزعموا أن الحالة التي كانت تعتري النبي ﷺ عند تلقي الوحي من جبريل، وهو على حالته الملكية، وهي الحالة التي كان النبي يغيب فيها عن الناس وعما حوله، ويسمع له غطيط كغطيط (١) النائم، ويتصبب عرقه، ويثقل جسمه، هي حالة صرع تتمخض عما يخبر به أنه وحي. وإليك رد هذه الفرية لترى أنهم طعنوا في غير مطعن، وطاروا في غير مطار. ١ - إن النبي ﷺ بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء كان أصح الناس بدنا وأقواهم جسما، وأوصافه التي تناقلها الرواة الثقات تدل على البطولة الجسمانية، وقد بلغ من قوته أنه صارع ركانة بن عبد يزيد فصرعه، وكان ركانة هذا مصارعا ماهرا، ما قدر أحد أن يأتي بجانبه إلى الأرض، ولما عرض عليه النبي الدعوة قال: صارعني فإن أنت غلبتني آمنت أنك رسول الله، فصارعه الرسول فغلبه، فقيل إنه أسلم عقب ذلك (٢) والمصاب

стр. 103

بالصرع لا يكون على هذه القوة، وقد شهد للنبي رجل غريب عن الإسلام ولكنه منصف قال الكاتب الأجنبي (بودلي) في كتابه (الرسول حياة محمد) مفنّدا هذا الزعم: (لا يصاب بالصرع من كان في مثل الصحة التي كان يتمتع بها محمد ﷺ حتى قبل وفاته بأسبوع واحد، وإن كان ممن تنتابه حالات الصرع كان يعتبر مجنونا، ولو كان هناك من يوصف بالعقل ورجاحته، فهو محمد). ٢ - إن مريض الصرع يصاب بآلام حادة في كافة أعضاء جسمه يحس بها إذا ما انتهت نوبة الصرع، ويظل حزينا كاسف البال بسببها، وكثيرا ما يحاول مرضى الصرع الانتحار من قسوة ما يعانون من آلام في النوبات فلو كان ما يعتري النبي ﷺ عند الوحي صرعا لأسف لذلك وحزن لوقوعه ولسعد بانقطاع هذه الحالة عنه، ولكن الأمر كان على خلاف ذلك. لقد فتر الوحي عن الرسول مدة فحزن لذلك حزنا شديدا، وكان يذهب إلى غار حراء وقمم الجبال عسى أن يعثر على الملك الذي جاءه بحراء وبقي محزون النفس من هذه الحالة حتى سري عنه ربه بوصل ما انفصم من الوحي. ٣ - إن الوحي لم يكن يأتي النبي ﷺ على هذه الحال التي قالوا عنها إنها صرع إلا أحيانا وأحيانا كان يأتيه وهو في حالته الطبيعية فلا غيبوبة ولا قلق ولا غطيط، وذلك حينما كان يأتيه جبريل في صورة رجل، وكان الجالسون لا يعرفون أنه جبريل، ولكن النبي كان يعلم ذلك حق العلم وذلك كما حدث في الحديث الطويل الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما والذي يعتبر سجلا جامعا لأصول الإيمان والإسلام والإحسان. ويدل على حالتي الوحي هاتين الحديث الذي رواه البخاري عن السيدة عائشة- ﵂: أن الحارث بن هشام- ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي قال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت منه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»، قالت

стр. 104

عائشة- ﵂ ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا (١). ٤ - إن الثابت علميّا أن المصروع حالة الصرع يتعطل تفكيره وإدراكه تعطلا تامّا، فلا يدري المريض في نوبته شيئا عما يدور حوله، ولا ما يجيش في نفسه كما أنه يغيب عن صوابه، وتعتريه تشنجات تتوقف فيها حركة الشعور ويصبح المريض بلا إحساس. ولكن الرسول ﷺ كان بعد الوحي يتلو على الناس آيات بينات، وتشريعات محكمات، وعظات بليغات، وأخلاقا عظيمة، وكلاما بلغ الغاية في الفصاحة والبلاغة تحدى به الناس قاطبة- عربهم وعجمهم- أن يأتوا بأقصر سورة منه فما استطاعوا فهل يعقل من المصروع أن يأتي بشيء من هذا اللهم إن هذا أمر لا يجوز إلا في عقول المجانين إن كانت لهم عقول. ٥ - لما تقدمت وسائل الطب، واستخدمت الأجهزة والكهرباء في التشخيص والعلاج، إذا الطب يضيف دليلا لا ينقض، ويقيم حجة لا تحتاج إلى مناقشة على كذب فرية الصرع، ويؤكد أن ما كان يعتري رسول الله ﷺ إنما هو وحي من الله ، ولا يمكن أن يكون شيئا آخر. لقد ثبت أن نوبات الصرع ناتجة عن تغيرات فسيولوجية عضوية في المخ والدليل على ذلك أنه أمكن تسجيل تغيرات كهربائية في المخ في أثناء النوبات الصرعية مهما كان مظهرها الخارجي، وعلى أية صورة كانت هذه النوبات ومهما ضعفت حدة هذه النوبات ولقد أثبت الطب الحديث أخيرا بعد الاستعانة بالأجهزة، والرسم الكهربائي أن هناك مظاهر عديدة، ومختلفة للنوبات الصرعية، وذلك تبعا لمراكز المخ التي تبدأ فيها التغيرات الكهربائية، وطريقة وسرعة انتشارها، وأهم أنواع الصرع ما يسمى

стр. 105

بالنوبات الصرعية النفسية، وهو ما يشبه أن يكون النوع الذي افتراه الخصوم على الرسول بأنه مصاب به، وفي هذه الحالة تمر بذهن المريض ذكريات أو أحلام مرئية أو سمعية أو الاثنان معا وتسمى «بالهلاوس» وقد أثبت الطب أيضا أن الذكريات التي تمر بالمريض لا بد أن يكون قد عاش فيها المريض نفسه حتما؛ إذ أن النوبة الصرعية ما هي إلا تنبيه لصورة أو صوت مر بالإنسان ثم احتفظ به في ثنايا المخ، وقد أمكن طبيّا إجراء عملية التنبيه هذه بوساطة تيار كهربائي صناعي سلّط على جزء خاص في المخ فشعر المريض بنفس «الهلاوس» التي تنتابه في أثناء نوبة الصرع، وكلما تكررت نوبة الصرع تكررت نفس الذكريات أو «الهلاوس» فهذا مريض يسمع أغنية، أو قطعة من شعر، أو حديثا من أيّ نوع كان في نوبة صرعه، ويتكرر سماعه لها في كل نوبة، ولا بد أن يكون ما سمعه في النوبة قد سمعه يوما في طفولته، أو شبابه، أو قبل مرضه، وكذلك إذا كانت النوبة تثير منظرا لا بد أن يكون قد مر عليه. وبتطبيق ما قرره الطب الحديث في حقائق الصرع على ما كان يعتري النبي ﷺ نجده يردد آيات لا يمكن إطلاقا أن يكون قد سمعها من قبل في حياته، فهي آيات واردة على لسان الحق قبل أن يعمر البشر الأرض مثل قوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) [سورة البقرة: ٣٤ - ٢٥]. وآيات أخرى فيها قول الله يوم القيامة مثل: حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) [النمل: ٨٤] وقوله سبحانه: قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) [المائدة: ١١٩]. وكذلك الآيات التي تحكي عصور ما قبل الإسلام، والمقاولات والمحاورات التي جرت بين أقوام عاشوا قبل الرسول بآلاف السنين وذلك مثل قوله : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ

стр. 106

يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) [آل عمران: ٣٧] وقوله سبحانه: قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) [المائدة: ٢٤ - ٢٥] إلى غير ذلك من الآيات التي تحكي قصص الأولين، أو تصف أحوال القيامة واليوم الآخر، ولما كانت هذه الأحاديث والأحوال لم تمر بالرسول قطعا فهي لم تختزن بالتالي في المخ لتثيرها نوبات صرعية فيتذكرها، وبذلك يقرر الطب الحديث في أحدث اكتشافاته بالنسبة للصرع أن الرسول ﷺ لا يمكن أن يكون هناك أدنى شبهة في إصابته بالصرع إطلاقا، وأن ما كان يعتريه إنما هي حالة نفسية وجسدية لتلقي وحي الله ، هذا الوحي الذي أخبره الله فيه عما مضى، وعما يستقبل (١). ٦ - ثم ما رأي هؤلاء الطاعنين وفيهم من ينتمي إلى بعض الأديان في أنهم لا ينالون من نبينا محمد ﷺ وحده، وإنما ينالون من جميع أنبياء الله ورسله الذين كانت لهم كتب أو صحف أوحي بها من عند الله سبحانه فهل تطيب نفوس المقرين بالأديان منهم أن يخربوا بيوتهم قبل أن يخربوا بيوت غيرهم وما رأيهم فيما جاء في كتب العهد القديم والجديد من إيحاءات ونبوءات وهل يقولون في وحي نبي الله موسى وعيسى- ﵉ ما يقولون في وحي نبينا محمد رسول الله ﷺ اللهم إن هذا الطعن لا يفوه به إلا أحد رجلين: إما رجل مخرّف، وإما رجل مخرّب مدمر يريد هدم الأديان. إن الرسول ﷺ ليس ببدع من الرسل في باب الوحي، وإنه أوحي إليه كما أوحي إليهم وصدق الحق ﵎ حيث يقول: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ

стр. 107

وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) [النساء: ١٦٣ - ١٦٤]. وقال: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) [الشورى: ٥١ - ٥٣]. ***

стр. 108

المبحث الثالث: أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه [فوائد هذا المبحث] هذا المبحث .. المدار فيه على النقل عن الصحابة والتابعين، ولا مجال للعقل فيه إلا بالترجيح بين الأدلة، أو الجمع بين ما ظاهره التعارض منها، ويترتب على العلم بأول ما نزل، وآخر ما نزل فوائد منها: ١ - معرفة الناسخ والمنسوخ: فيما إذا وردت آيتان أو أكثر في موضوع واحد، وحكم إحداهما يغاير الأخرى تغايرا لا يمكن معه الجمع، فنعرف أن المتأخر منها ناسخ للمتقدم. ٢ - معرفة تاريخ التشريع الإسلامي: وذلك مثل ما إذا عرفنا أن الآيات التي نزلت في فرضية الصلاة بمكة، قبل الهجرة، وأن الآيات التي نزلت في فرض الزكاة (١) والصوم كانت في السنة الثانية بعد الهجرة .. وأن الآيات التي نزلت في فرض الحج كانت في السنة السادسة، على ما هو الراجح، أمكننا أن نرتبها ترتيبا تشريعيّا، فنقول: إن أول ما فرض الصلاة، ثم الصوم ثم الزكاة، ثم الحج. ومثل ما إذا عرفنا: أن آية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ... [سورة الحج: ٢٨] نزلت بالمدينة في السنة الثانية، علمنا: أن تشريع الجهاد كان بالمدينة، بالسنة الثانية وهكذا بقية التشريعات. ٣ - معرفة التدرج في التشريع، فتوصل إلى حكمة الله- سبحانه- العالية في أخذ الشعوب بهذه السياسة الحكيمة في الإسلام، وذلك مثل ما

стр. 109

إذا عرفنا ترتيب الآيات التي نزلت في شأن تحريم الخمر، وقد ذكرنا ذلك آنفا، ومثل ما إذا عرفنا أن الآيات الداعية إلى أصول العقائد نزلت أولا، وأن الآيات التي نزلت في التشريعات التفصيلية، والأحكام العملية نزلت بعدها، أدركنا أسرار الله في التربية والتشريع، فما لم تعرف الأصول، وتطمئن إليها القلوب، لا يسهل الأخذ بالفروع. الأولية والآخرية إما مطلقة وإما مقيدة: ثم إن أولية النزول وآخريته تارة تكون على الإطلاق أي بالنسبة للقرآن كله، وتارة تكون مقيدة؛ إما بالنسبة لموضوع معين، وذلك مثل أول ما نزل في الجهاد، وآخر ما نزل فيه، وإما بالنسبة لمكان خاص مثل أول ما نزل بمكة، وآخر ما نزل بها، وأول ما نزل بالمدينة وآخر ما نزل بها، وإما بالنسبة لسورة ما؛ مثل أول ما نزل من سورة كذا وآخر ما نزل منها. أما الأولية والآخرية المطلقتان، فسأتناولهما بالتفصيل، وأما المقيدتان فسأكتفي بضرب بعض الأمثلة؛ لأن استيعابها يحتاج إلى مؤلف خاص. ولنبدأ بأول ما نزل وآخر ما نزل على الإطلاق. ٢ - أول ما نزل من القرآن اختلف العلماء في هذا على أقوال أربعة: القول الأول: إن أول ما نزل هو قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق ١ - ٥]، ويدل لذلك ما يأتي: أ- روى البخاري ومسلم- واللفظ للبخاري- بسندهما عن عائشة أم المؤمنين- ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو

стр. 110

التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع (١) إلى أهله، ويتزود لذلك (٢)، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني (٣) حتى بلغ مني الجهد (٤) ثم أرسلني»، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق: ١ - ٥] فرجع بها إلى خديجة يرتجف فؤاده، فقال: «زملوني» (٥)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة- وأخبرها الخبر- «لقد خشيت على نفسي» (٦)، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (٧)، وتكسب المعدوم وتقري الضيف ... » الحديث (٨) وقد سقت الحديث بطوله، وشرحته في كتابي «السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة» وعائشة، وإن لم تعاين القصة وتشاهدها، إلا أنه يحتمل أن تكون سمعتها من النبي بعد، أو حدثها بها صحابي سمعها من النبي، وأيّا كان الأمر فهو حديث متصل مرفوع، ولذلك أجمعوا على أن مراسيل الصحابة حجة. ب- وروى الحاكم في «مستدركه» والبيهقي في «دلائل النبوة» وصححاه عن عائشة أنها قالت: أول سورة نزلت من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ومرادها
следующие страницы →