[تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس]
المؤلف: د خليل إبراهيم السامرائي - د عبد الواحد ذنون طه - د ناطق صالح مصلوب
الناشر: دار الكتاب الجديد المتحدة - بيروت، لبنان
الطبعة: الأولى، ٢٠٠٠ م
عدد الأجزاء: ١
أعده للشاملة/ مهاجي جمال
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَة
تعد مادة التاريخ الأندلسي من المواد المهمة في مناهج أقسام التاريخ، لما لها من علاقة وثيقة بتراث العرب وحضارتهم في الأندلس، حيث وصلوا إلى قمة تفوقهم العسكري والسياسي والحضاري. ولهدا فقد كان من الضروري أن يتوفر بين أيدي طلبتنا الأعزاء هذا الكتاب المنهجي. الذي يمثل الحد الأدنى لما يجب أن يطلعوا عليه لدراسة هذا التاريخ المجيد.
يتألف الكتاب من خمسة أبواب، تنقسم إلى فصول عديدة. وقد قام المؤلفون بتأليف حصصهم من هذا الكتاب على النحو الآتي:
كتب الدكتور عبد الواحد ذنون طه الباب الأول، الذي يتضمن فتح العرب لإسبانيا واستقرارهم فيها، ويتألف من أربعة فصول. كما كتب أيضاً الباب الثاني وهو عن عهد الإمارة في الأندلس، ويشمل ثلاثة فصول.
وقام الدكتور ناطق صالح مطلوب بكتابة الباب الثالث، وهو عن عهد الخلافة في الأندلس، ويتألف من أربعة فصول. وكتب أيضاً الفصلين الأول والثاني من الباب الرابع عن سقوط الخلافة في الأندلس وعصر الدويلات وملوك الطوائف.
وكتب الدكتور خليل إبراهيم صالح السامرائي، الفصل الثالث والرابع والخامس من الباب الرابع. وهذه الفصول تتحدث عن المرابطين والموحدين في الأندلس، ومملكة غرناطة، والمسلمين بعد سقوط غرناطة. كما كتب أيضاً الباب الخامس، وهو عن ْحضارة العرب في الأندلس، ويتألف من ثلاثة فصول.
نرجو أن نكون قد وفقنا في عملنا هذا والله من وراء القصد.
المؤلفون.
стр. 3
البَابُ الأَوَّل
فتح العرب لإسبانيا واستقرارهم فيها
الفصل الأول: مقدمة فى الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إسبانيا قبيل الفتح العربي.
الفصل الثاني: فتح العرب، دوافعه وممهداته.
الفصل الثالث: النشاط الحربي للعرب فى شمال إسبانيا والتوغل في فرنسا.
الفصل الرابع: استقرار العرب واستيطانهم.
الدكتور
عبد الواحد ذنون طه
стр. 4
الفَصْلُ الأَوَّل
مقدمة في الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إسبانيا قبيل الفتح العربي
عرف شبه الجزيرة الايبيربة، أي إسبانيا والبرتغال، في الأزمان القديمة بـ (ايبارية)، وعندما جاء الرومان أطلقوا عليه اسم ( Hispania) ، ومن هنا جاء اللفظ العربي (اشبانية) أو (اصبانية) (١). وقد تحول هذا اللفظ في لغة القرون الوسطى الرومانسية إلى ( Espana) (٢) . أما مصطلح (الأندلس)، الذي يشمل المناطق التي حكمها العرب والمسلمون من شبه الجزيرة، فقد اشتقه الجغرافيون والمؤرخون العرب من الكلمات الآتية: الأندليش أو الأندلش أو الأندلس، وهي الأسماء التي سُمي بها الوندال، الذين سيطروا على أجزاء من شبه الجزيرة الآيبيرية، في الفترة من ٤٠٨ - ٤٢٩ م (٣).
إن إسبانيا بلاد جبلية تضم ودياناً وأحواضاً نهرية عظيمة، من أمثال، نهر الأبرو Ebro، ونهر المنهو Minho، نهر دويرة Douro، ونهر تاجة Tajo، ووادي آنة Guadiana، والوادي الكبير Guadalquivir. وتحتل الميزيتا ( Meseta) ، التي تعني بالاسبانية النجد أو السهل المرتفع الواسع، معظم شبه الجزيرة الآيبيرية، ولكن تجمعات السكان الكبيرة، كانت دائماً مركزة قرب الشواطئ ووديان الأنهار الكبيرة. وكانت المدن الداخلية الرئيسة في العهد الروماني، سرقسطة Zaragoza، وطليطلة Toledo، وماردة Merida، وأشبيلية Sevilla، وقرطبة Cordoba، حصونا على الأنهار، وقد استمرت
стр. 5
هذه المدن في أهميتها في العهد القوطي، والعهود العربية الإسلامية اللاحقة.
اشتهرت إسبانيا منذ القدم بثروتها المعدنية، وإنتاجها الزراعي، وتجارتها المزدهرة.
ولقد كانت هذه العوامل من الدوافع المغرية التي أدت إلى حدوث سلسلة من الهجرات والغزوات الأجنبية للبلاد. ويشكل الآيبيريون Iberians، الذين جاؤوا من افريقية، أساس جنس البحر المتوسط من السكان. ولقد عبر الكلت Celts، والأقوام الهندو - أوروبية Indo-European، جبال ألبرت Pyrenees، واستوطنوا في الأجزاء الشمالية والغربية من شبه الجزيرة. كما أسس الفينيقيون مستعمرات على السواحل الشرقية والجنوبية. وأخيراً وبعد صراع طويل من أجل السيادة والتفوق سيطر الرومان على إسبانيا، ولكنهم سرعان ما جوبهوا من قبل السكان المحليين، ولم يستطع الرومان إخضاع كل القبائل في شبه الجزيرة إلا في عهد الإمبراطور أوغسطس Augustus (٢٧ ق. م - ١٤ م) (٤). وقد أشار سترابو Strabo، المؤرخ اليوناني في القرن الأول قبل الميلاد، إلى بعض القبائل التي استوطنت شبه الجزيرة، من مثال الغاليسيين، والكانبتريانيين، والباسك، واللشدانيين، وغيرهم، ومع هذا، ففي بداية التاريخ الميلادي المسيحي، اصطبغ الكثير من هؤلاء السكان بالصبغة الرومانية (٥).
وبرغم سيادة الرومان على إسبانيا لفترة طويلة، فإن الظواهر الحقيقية لانحطاط سلطتهم فيها بدت بوضوح منذ بداية القرن الخامس الميلادي، وذلك عندما ابتدأت القبائل الجرمانية البربرية بالاستيطان في شبه الجزيرة. ويصف سانت ازيدور الأشبيلي Saint Isidore of Seville، المتوفى عام ٦٣٦ م، استيطان الوندال Vandals، والآلان Alani، والسويفي Suevi، في إسبانيا عام ٤٠٨ م على أنه احتلال مدمر، أدى إلى نشر الخراب في كل أنحاء البلاد (٦).
ونتيجة للحروب الكثيرة التي قامت بين هذه القبائل الجرمانية وبين القوط الغربيين، الذين كانوا يسكنون في تلك الفترة في غالة Gaul جنوب فرنسا، تحطمت قوة الآلان،
стр. 6
والوندال الذين اضطروا إلى العبور إلى شمال افريقية في عام ٤٢٩ م (٧). ثم تمكن القوط أخيراً من السيطرة على إسبانيا والتغلب على مملكة السويفي التي كانت ما تزال موجودة في الشمال الغربي من البلاد، وذلك في عهد الملك ليوفيخلد Leovigild (٥٦٨ - ٥٨٦ م) (٨).
مملكة القوط الغربيين فى إسبانيا:
كانت مملكة القوط الغربيين هي الأخيرة في سلسلة ممالك البرابرة التي خلفت الإمبراطورية الرومانية، وذلك بعد أن انتهت هذه الأخيرة ككيان سياسي، واختفت من مسرح التاريخ. ولقد تمت عملية استيطان القوط الغربيين في إسبانيا في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس للميلاد. وكانوا يمثلون أقلية صغيرة فقط ضمن السكان الأصليين. ولا تتوفر معلومات إحصائية عنهم في هذا العصر، ومع هذا، فقد قدّر أحد المؤرخين المحدثين، أن نحواً من مئتي ألف إلى أربعمئة ألف من القوط استوطنوا بين كل ستة إلى تسعة ملايين من السكان الاسبان - الرومان Hispano-Romans (٩) . ولقد استوطن القوط في مناطق الأرياف والمدن على حد سواء. ولكن حتى في المدن، كان السكان الاسبان - الرومان يتغلبون عليهم بنسبة ثلاثة إلى واحد، ومما لا شك فيه، أن الفرق في النسبة كان أكبر في مناطق الأرياف (١٠).
نظام الحكم القوطي:
كان نظام الحكم القوطي ملكياً قائماً على مبدأ الانتخاب، حيث ينتخب الملك من قبل النبلاء ورجال الدين. وقد حاول العديد من الملوك أن يقيموا نظاماً ملكياً ثابتاً يعتمد على نظام الوراثة، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل. وكان يفترض بالملك أن يكون من أصل قوطي نبيل ويتمتع بأخلاق حسنة، ويختار من بين النبلاء، ولكن العادة جرت أن يتولى العرش أقوى هؤلاء بحد السيف. وكان الملك هو الرئيس الأعلى للجيش،
стр. 7
ويتمتع بحق تعيين وعزل الأساقفة عن مناصبهم الدينية، ويحكم مستبداً، يتصرف في أمور البلاد كما يشاء. وكان للملك مجلس من النبلاء لمساعدته في الحكم، لكن الملوك استبدوا بالأمور ولم يعد لهذا المجلس من أثر في السلطة، فكان الملوك يصدرون القوانين وينفذونها ويقضون في الأمور كما يريدون (١١).
وكانت مجالس كنيسة طليطلة هي القوة الكبرى في الحياة السياسية والدينية في العهد القوطي. وهذه المجالس كانت بمثابة جمعيات وطنية لمملكة القوط الغربيين تجتمع بين الحين والحين للنظر في مسائل الدولة الكبرى. وكان أصل مجلس طليطلة دينياً يتألف من كبار رجال الدين الكاثوليك ويعقد للنظر في أمور كنيستهم ورعاياها.
ولكن بعد اعتناق القوط للكاثوليكية، أصبح هذا المجلس رسمياً يعقد بأمر من الملك، ويحضره كبار رجال الدولة، ثم تحول مع الزمن إلى مجلس سياسي وديني في آن واحد يصدر القوانين والأحكام في مختلف القضايا، ثم اتسع سلطانه، وأصبح محكمة عليا، وانضم مجلس النبلاء إلى هذا المجلس الديني، فأصبح مجلساً أعلى للدولة (١٢). ومن الناحية النظرية كانت مجالس طليطلة قيداً على سلطة الملك، أما من الناحية العملية فقد كانت سنداً مهماً لسلطته وبخاصة بعد تحول القوط إلى الكاثوليكية عام ٥٨٧ م، حيث أصبحت الكنيسة في إسبانيا على علاقة وثيقة بالبلاط. وفي القرن السابع الميلادي، لم يكن بإمكان أي مجلس أن ينعقد إلا إذا أمر الملك بذلك. وكان الأساقفة عادة يناقشون ويقرون القرارات التي تتضمنها المسودة التي يقدمها الملك، ولم يهملوا في أية قضية تعليماته، ولم ينتقدوه بصورة مباشرة، بل كانوا ينفذون كل مطاليبه (١٣).
الأحوال الاجتماعية في عهد القوط:
وفيما يخص التنظيم الاجتماعي، فقد حافظ القوط على نفس التركيب الذي وجدوه قائماً في إسبانيا أيام الرومان. وهكذا استمرت مساوئ العهد الروماني بالبقاء، وتركزت الثروة والممتلكات بيد مجموعة قليلة من الناس، وكان هناك عدم مساواة كبيرة في البنية الطبقية. فالمجتمع القوطي كان يتألف من ثلاث طبقات؛ وهم طبقة كبار ملاك
стр. 8
الأراضي والنبلاء وكبار رجال الدين، والطبقة العامة، وطبقة العبيد (١٤). وكان أبناء الطبقة العامة يتألفون من الأحرار البسطاء الذين ينتمون إلى أصول قوطية ورومانية، عاشوا في المناطق الحضرية وفي الأرياف. ومن هؤلاء أيضاً، العمال في المدن والذين كانوا ينتظمون ضمن أصناف ونقابات، ولا يحق لهم التحول عنها أو الانتقال إلى مدينة أخرى، ومن يهرب منهم كان يُجبر على العودة إلى مدينته الأصلية. وكانوا محرومين من الانتظام في سلك رجال الدين، أو أن يصبحوا موظفين قضائيين (١٥). وبالنسبة إلى سكان الأرياف، فقد اضطر العديد منهم، نظراً لظروفهم الاقتصادية الصعبة، إلى تسليم أراضيهم إلى كبار النبلاء، ورضوا بالعمل والبقاء فيها كمستأجرين لقاء تمتعهم بحماية النبلاء. ولقد أصبح هؤلاء بالتدريج مشدودين بالأرض، وارتبطت علاقاتهم بأصحاب الأملاك مدى الحياة، حتى أنهم تحولوا أخيراً إلى ما يشبه الأقنان. وكان من جملة الالتزامات المفروضة عليهم أن يدفعوا عشر محاصيلهم إيجاراً، إضافة إلى تأدية بعض الخدمات الشخصية الأخرى للنبيل، وضريبة الرؤوس، أو الجزية Capitatio (١٦) .
وتأتي طبقة العبيد في الدرجة الدنيا من السلم الاجتماعي، ويكوّن هؤلاء الجماهير الغفيرة، ضحايا كل أنواع القهر والاضطهاد، وكانوا مملوكين لكبار النبلاء ورجال الدين، ويستخدمون للأغراض الزراعية والأعمال المنزلية على حد سواء. ويبدو من مراجعة القوانين والتشريعات القوطية أن الظروف المعاشية للعبيد المهرة الذين كانوا يعملون في المدن، كانت أفضل من نظرائهم العمال الزراعيين. وكانت الكنيسة الاسبانية تمتلك أيضاً عدداً كبيراً من العبيد، ولكن يتضح من تشريعات مجالس الكنيسة أن هؤلاء العبيد عاشوا في ظروف سيئة للغاية. ولهذا فليس من الغريب أن حاول العديد منهم الهرب والتخلص من عبوديتهم. ويضاف إلى ذلك أن القوط، خاصة في أواخر عهدهم، ابتدأوا بتجنيد العبيد بالإكراه واستخدامهم في الجيش، مما أدى إلى تذمر هؤلاء وازدياد محاولاتهم في الهروب والنجاة. وقد اعترف الملك أخيكا Egica (٦٨٧ - ٧٠٢ م) في بداية القرن الثامن الميلادي، بأن العبيد الآبقين يختبئون في كل مكان من
стр. 9
البلاد، حيث لا تخلو منهم أية مدينة أو قرية أو حصن أو دار ريفية أو خان. وقد شرع قانوناً وضع بموجبه عقوبات صارمة على كل من يفشل في مطاردة العبيد الهاربين، وإلقاء القبض عليهم (١٧).
أما الطبقة العليا، أي طبقة النبلاء فكانت تتألف من أغنياء القوط الغربيين، وبقايا طبقة النبلاء الرومان. ويتميز أفراد هذه الطبقة عن الأحرار الاعتياديين بأصلهم النبيل، وامتلاكهم للمزارع والضيع الكبيرة التي تزرع من قبل المستأجرين، وبخدمتهم في المناصب العليا في القصر وفي الإدارة (١٨). وكانت البلاد حتى منتصف القرن السابع الميلادي تحكم وتدار بواسطة إدارة مشتركة من الطبقة النبيلة القوطية والرومانية. ومن المظاهر المهمة لهذا النظام، أن الطبقة النبيلة القوطية كانت مسؤولة عن السكان القوط، والطبقة النبيلة الرومانية تمارس سلطاتها على السكان الرومان، بينما كان الملك القوطي وموظفوه الكبار يقررون السياسة العامة للجميع. وكان مُلاك الأراضي الرومان والقوط، وكما هو الحال بالنسبة إلى الملك وكبار موظفيه أيضاً، يشرفون على مزارعهم بواسطة الوكلاء ومديري المال في مقاطعاتهم (١٩). وبصورة عامة فإن أفراد هذه الطبقة النبيلة كانوا أغنياء جداً، بنوا ثروتهم على حساب الطبقات الفقيرة المعدمة الأخرى، وقد أفلح بعضهم في الاحتفاظ بثروته حتى بعد الفتح العربي الإسلامي (٢٠).
كانت المسيحية هي ديانة الغالبية العظمى من السكان. وكان الاسبان - الرومان يدينون بالمذهب الكاثوليكي، بينما كان القوط الغربيون قد اعتنقوا المذهب الآريوسي، الذي يقول بطبيعة المسيح البشرية، منذ سنة ٣٧٧ م (٢١). وقد عمل القوط الغربيون، منذ أيامهم الأولى في إسبانيا حتى تحولهم إلى الكاثوليكية في عهد ريكاريد Reccared (٥٨٦ - ٦٠١ م)، على الفصل الكامل بين السكان القوط والاسبان الرومان، فكان أبناء كل طائفة يقيمون شعائرهم بحرية تامة بمساعدة رجال الدين التابعين لملتهم، وفي كنائسهم الخاصة (٢٢). وقد تبين للملك ريكاريد أنه لا صلاح لدولة القوط في إسبانيا ما لم تتخلّ
стр. 10
عن الآرية وتعتنق مذهب الغالبية من سكان البلاد. وهكذا فقد أعلن في مجمع طليطلة الديني سنة ٥٨٧ م تخليه عن الآرية واعتناقه، هو وأهل بيته، للمذهب الكاثوليكي، وتبعه في هذا الأمراء وكبار رجال المملكة (٢٣). وهكذا توحدت الكنيسة الاسبانية تحت ظل الملكية القوطية. وأعقب هذا التحول إلى الكاثوليكية اتخاذ اللغة اللاتينية لغة رسمية في البلاد، وتوثقت العلاقة بالبابوية مما شجع البابوات على بسط نفوذهم الديني والسياسي على إسبانيا. وأصبحت طليطلة أسقفية يقيم فيها أسقف كبير يمثل البابا. وقد أيد السكان الاسبان الرومان هذا الإجراء، ولم تتخل إسبانيا عن الكاثوليكية بعد هذا التاريخ. وكانت هذه الخطوة عاملاً فعالاً لامتزاج الشعبين القوطي والآيبيري الروماني، ولكن هذا الامتزاج لم يتم بشكل كامل بسبب حرص القوط على اعتبار أنفسهم الشعب الحاكم المتميز، مما كان له أثر بعيد على مصير دولة القوط في إسبانيا (٢٤).
وبالإضافة إلى المسيحيين كان ما يزال هناك عدد لا بأس به من السكان الوثنيين في شبه الجزيرة. وتشير التشريعات المتتالية الصادرة عن مجالس الكنيسة وملوك القوط إلى مدى الانتشار الواسع للوثنية، والكهانة، والعرافة، والسحر في البلاد (٢٥). وكانت هذه الممارسات قد ترسخت في معظم أرجاء إسبانيا تقريباً، وانتعشت إلى الحد الذي دفع مجلس طليطلة الثالث (٥٨٩ م) أن يقرر بأنه يتوجب على كل أسقف بالتعاون مع القاضي المحلي أن يحقق في انتشار الوثنية في منطقته، ويعمل على مكافحتها (٢٦). وكان الباسك Basques أو البشكنس، حسبما تسميهم المصادر العربية، من جملة الجماعات الوثنية التي تعيش في منطقة الشمال الشرقي المتاخمة لجبال ألبرت. وقد فشل الأساقفة والملوك القوط في زعزعتهم عن الوثنية أو إخضاعهم طيلة العهد القوطي. ولا يعرف لحد الآن الأصل الحقيقي لهؤلاء الباسك، ولكنهم ربما كانوا من بقايا القبائل التي سكنت منطقة جبال ألبرت في عصور ما قبل التاريخ (٢٧). ولقد كان هؤلاء السكان الجبليون متمرسين على القتال والتمرد على ملوك القوط المختلفين، وظلوا مصدراً للقلاقل والاضطرابات طيلة العهد القوطي والعهود العربية الإسلامية اللاحقة. بل إن
стр. 11
انتفاضاتهم ومطالبتهم المستمرة من أجل الاستقلال أو على الأقل الحكم الذاتي، ما تزال تعكر صفو الحكومات الاسبانية المختلفة حتى الوقت الحاضر.
لقد شكل اليهود عنصراً مهماً آخر من عناصر السكان في مملكة القوط الغربيين.
ويعود تاريخ استيطانهم في شبه الجزيرة إلى زمن بعيد جداً (٢٨). وكانوا ينتشرون في مناطق عديدة من البلاد، لكنهم تركزوا بالدرجة الأولى في المراكز الحضرية المتقدمة، مثل العاصمة طليطلة، وفي مناطق الجنوب، وعلى طول ساحل البحر المتوسط في شرق إسبانيا. وتختلف حالة اليهود الاقتصادية، وطرائقهم في الحياة في إسبانيا اختلافاً كبيراً. فمنهم من كان يعمل بالتجارة داخل البلاد وخارجها، بينما كان الآخرون فقراء لا يمتلكون أية ممتلكات (٢٩). ويشير بعض المؤرخين إلى أن ملكية الأرض كانت الأساس الذي تقوم عليه معيشة بعض اليهود في إسبانيا، فكان هؤلاء يعيشون في قرى ويزرعون أراضيهم بأيديهم، بينما تولى آخرون الإشراف على المزارع التي يمتلكها المسيحيون.
ولكن يبدو من التشريعات الكثيرة التي تخص اليهود في إسبانيا، أن فعالياتهم التجارية، كانت مهمة بقدر أهمية نشاطهم الزراعي.
لم يكن وضع اليهود في ظل القوط الغربيين حسناً، فقد ضُيّق عليهم وعوملوا معاملة غير جيدة من قبل ملوك القوط المختلفين. ويعد الملك سسبت Sisebut (٦١٢ - ٦٢١ م) بنظر العديد من المؤرخين، الملك القوطي الأول الذي ابتدأ بوضع القيود على اليهود (٣٠). ولكن هذا الأمر يرجع في الحقيقة إلى عهود تسبق الحقبة التي حكم فيها هذا الملك. فهناك تشريعات معادية لليهود منذ عهد الملك ألاريك الثاني Alaric II (٤٨٤ - ٥٠٧ م)، (٣١). وكذلك نصت قرارات مجلس طليطلة الثالث (٥٨٧ م) على إكراه اليهود على اعتناق المسيحية، وحرّمت على أي يهودي أن يشتري عبداً مسيحياً (٣٢).
ولقد ظل هذا التشريع سارياً، وأعيد تطبيقه من قبل ملوك القوط المتعاقبين، كما أُيِّد وعُزِّز من قبل مجلس الكنيسة إلى نهاية العهد القوطي.
стр. 12
وجُرد اليهود من قبل الملك سسبت من العبيد والمستأجرين، ولهذا أصبح من الصعب عليهم أن يزرعوا أراضيهم، أو أن يمتلكوا المزارع الكبيرة. وفي عهد الملك ايروج Erwig (٦٨٠ - ٦٨٧ م) أبعد اليهود عن كل وظائف الدولة، وعن تولي المزارع الكبيرة. وحُرّم عليهم وعلى عبيدهم أن يعملوا في حقولهم أيام الآحاد والعطل الدينية المسيحيّة (٣٣). ولكن ذروة التضييق على النشاط الاقتصادي لليهود وصلت غايتها في عهد الملك أخيكا Egica (٦٨٧ - ٧٠٢ م)، فقد كانت تشريعاته تهدف إلى شل القدرة الاقتصادية لليهود، والحد من قابليتهم في الحصول على المعيشة. لذلك فقد أجبروا على أن يبيعوا إلى خزينة الدولة، وبسعر محدد، عبيدهم، وأية ممتلكات سبق وأن اشتروها من المسيحيين. يضاف إلى ذلك، أنهم منعوا من مزاولة التجارة على مختلف أشكالها، أو أن يتاجروا فيما وراء البحار (٣٤).
ولا تتوافر لدينا معلومات عن الدوافع الحقيقية المختفية وراء هذا التضييق، أو لماذا مُنع اليهود من ممارسة أي نوع من أنواع التجارة. ولكن من المحتمل جداً أنه كان بسبب اختلاف عقيدتهم وتعاطيهم الربا، أو بسبب تعاليهم على أبناء الديانات الأخرى، وانغلاقهم على أنفسهم، واستغلالهم لغيرهم من الناحية الاقتصادية. وربما كان لتآمرهم السياسي أيضاً أثر كبير على تشريع بعض القوانين المعادية لهم. وقد استطاع اليهود التخلص من هذه القوانين بسبب دفعهم للرشوة إلى النبلاء ورجال الدين (٣٥). لكنهم مع هذا تأثروا إلى حد كبير، مما دفع العديد منهم إلى الالتجاء إلى شمال أفريقيا، وغالة في جنوب فرنسا، كما قام بعضهم بالاشتراك في بعض الحركات المناوئة للسلطة (٣٦). وقد تعرض اليهود في عهد الملك أخيكا إلى الاتهام بالتآمر مع يهود من خارج البلاد للعمل ضد المسيحيين في إسبانيا (٣٧). وقد يكون هذا الاتهام صحيحاً، ولكن لا تتوافر أدلة عليه سوى خطبة الملك أخيكا التي ألقاها أمام مجلس طليطلة السابع عشر (٩ تشرين الثاني سنة ٦٩٤ م) عندما أشار إلى هذه "المؤامرة" لأول مرة. ويرى بعض المؤرخين المحدثين، أن هذا الاتهام ما هو إلا محض خيال أو اختراع من قبل الملك حتى يبرر
стр. 13
إجراءاته ضد اليهود (٣٨). ولكن هناك من يعتقد بصحة هذه الحادثة، ويعدها حقيقة تاريخية، بل اعتقد بعضهم أن اليهود المقصودين بالتآمر من خارج البلاد هم من شمال أفريقيا. ومن البربر بالذات (٣٩). كما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك -ربما بسبب تعاون اليهود فيما بعد مع المسلمين زمن الفتح- فذكروا بأن اليهود كانوا يتآمرون من أجل تسليم إسبانيا إلى العرب (٤٠). وبطبيعة الحال، لا يمكن تصديق مثل هذا الافتراض، لأن العرب في ذلك الوقت كانوا بعيدين عن إسبانيا، وكانت فتوحاتهم مركزة في المناطق المجاورة للقيروان.
إن عدم التكافل الاجتماعي الذي كان يسود في دولة القوط الغربيين، والتضييق الذي لحق باليهود، والظروف التعيسة التي كان يعيش في ظلها العبيد والعديد من أفراد الطبقة العامة، أدت إلى تفكك المجتمع وانهياره. يضاف إلى ذلك أن حالة العصيان والمؤامرات المستمرة التي كان يقوم بها النبلاء من أجل الوصول إلى العرش، أو الانسلاخ عن المملكة والحصول على الاستقلال، أنهكت البلاد، وأوصلتها إلى حالة يرثى لها من التردي والضعف. ولقد حدث قبل الفتح العربي الإسلامي لإسبانيا بسنة واحدة تقريباً، أقوى وأقسى تنافس على السلطة في البلاد، مما زاد في حالة الضعف والتفكك، وسهل أمر القضاء على دولة القوط الغربيين.
عصر الملك غيطشة وتفرق كلمة القوط:
ابتدأت الأزمة منذ أيام الملك غيطشة Witiza (٧٠٢ - ٧١٠ م)، الذي حاول أن يصلح الأمور ويخفف من التأثير السيء الذي تركه أبوه أخيكا، فمال إلى إنصاف الناس من استبداد نبلاء القوط، وأحب في آخر أيامه أن يرفع القيود عن اليهود، فكرهه النبلاء ورجال الدين، الذين أبعدهم عن نفسه، وحرمهم من بعض امتيازاتهم، وفرق شملهم. فأخذ النبلاء يثورون عليه في نواحي البلاد المختلفة، وتآمر عليه أهله، واستطاعت زوجته أن ترغمه على تعيين ابنه الصبي وقله (أخيلا Achila) حاكماً على طركونة
стр. 14
وسبتمانيا. وكان هذا التعيين حافزاً للنبلاء وكبار القوط إلى مضاعفة العمل للقضاء على غيطشة ودولته. وفي هذه الأثناء توفي غيطشة في حدود سنة ٧١٠ م، والبلد منشق على نفسه مفرق بين رجال الدين وكبار النبلاء الطامعين. وكان أفراد البيت المالك أنفسهم من أكثر الناس انقساماً. فقد ترك غيطشة أرملة، وثلاثة بنين، هم أخيلا، وألمند، وأرطباس، وأخين كان أحدهما أسقفاً لأشبيلية يدعى أبة Oppa، والآخر وصياً على أخيلا الذي كان مرشحاً لوراثة العرش بعد أبيه. ولكن كبار القوط لم يرغبوا في الخضوع لصبي مثلا أخيلا، هذا بالإضافة إلى عدائهم لأبيه، وتخوفهم من استبداد الوصي بالحكم (٤١). فامتنعوا عن طاعة أخيلا، واستقل بعضهم في الأطراف والنواحي، وسادت حالة الفوضى والارتباك في البلاد، استطاع على أثرها كبار القوط وأعيانهم في طليطلة أن يوحدوا جهودهم ضد أخيلا وعمه الوصي عليه، وأن يعهدوا بالعرش إلى أحدهم ويدعى رودريكو أو لذريق Roderic (٤٢) .
وما يزال أصل لذريق مختلفاً فيه، فتذكر إحدى المصادر اللاتينية على أنه كان سليل بيت أحد ملوك القوط السابقين (٤٣). بينما يذكر المؤرخون العرب أنه كانا رجلاً شجاعاً، ولكنه لا ينتمي إلى بيت الملوك، وأنه كان قائداً وفارساً (٤٤). ونظراً للظروف التي تولى فيها هذا الملك، فقد كان في حاجة ماسة إلى الأموال. فابتدأ حكمه بأن حاول الاستيلاء على خزائن أسلافه الملوك من كنيستي سان بيدرو San Pedro وسان بابلو San Pablo في طليطلة (٤٥).
لم تكن مشكلة لذريق الوحيدة هي الحاجة إلى المال، بل كان عليه أيضاً أن يجابه
стр. 15
انتشار الفوضى والانقسام والفساد في المملكة. وكانت الثورات، وحركات التمرد ما تزال تعكر صفو البلاد، وبشكل خاص في منطقة الباسك، وكان العبيد يهربون في كل مناطق البلاد. ويدل هذا على ضعف القوط المتأصل، وإلى الحد الذي وصل إليه تدهور قوتهم، لأن الغالبية العظمى من الجيش القوطي في أواخر القرن السابع الميلادي كانت تتألف من العبيد المجندين. ولهذا فليس من الصعب على المرء أن يتخيل مصير هذا الملك ومملكة القوط الغربيين عامة، عندما كان عليهم أن يجابهوا حماسة العرب والمسلمين المتدفقة، وكلمتهم الموحدة في سبيل نشر مبادئ الحق والعدل وتحرير الشعوب من الظلم والفساد.
стр. 16
الفَصْلُ الثَّانِي
فتح العرب لإسبانيا
أ - دوافع الفتح وممهداته:
لا يمكن الحديث عن فتح العرب لإسبانيا بمعزل عن بقية حروب التحرير التي خاضها العرب المسلمون في سبيل إعلاء كلمة الله، ونقل رسالة السماء إلى الشعوب المضطهدة التي كانت ترزح تحت نير القوى الأجنبية كالفرس والبيزنطيين. فلقد كان للعرب الذين وحّدهم الإسلام غاية نبيلة في الفتوح تمثلت أولاً في تحرير إخوانهم العرب أينما وجدوا، وثانياً: في تحرير الشعوب الأخرى من الجهل والوثنية والتسلط الأجنبي، ثم في نشر قيم ومثل الحضارة الإنسانية التي أنارت الدرب لهذه الشعوب، وساعدت على امتزاج الثقافات، والتجارب والخبرات، خدمة للبشرية جمعاء. ولقد نجح العرب في شمال أفريقيا -كما نجحوا في غيرها من الأماكن- في كسب سكان البلاد الأصليين، أي البربر، إلى جانبهم، ولو أن ذلك تأخر لفترة من الزمن بسبب تواجد القوى الأجنبية المتمثلة بالبيزنطيين الذين كانت تربطهم علاقات مع بعض البربر الموالين لهم والذين قاوموا الفتح العربي إلى حين. ولكن عندما أدرك البربر جوهر الرسالة السامية التي يحملها العرب، وأنهم لم يأتوا من أجل مغنم أو كسب مادي، تعاونوا معهم وامتزجوا بهم، ووحد الإسلام بين الاثنين، فأصبحوا قوة كبيرة في المنطقة. واعتمد العرب اعتماداً كبيراً على البربر، لا سيما في عهد الوالي موسى بن نصير، حيث عهد إلى زعماء من البربر بقيادة الجيوش الإسلامية التي استمرت تؤدي رسالتها في استكمال تحرير شمال أفريقيا. وبفضل هذا التعاون الفعال استطاع العرب أن يحققوا فتح إسبانيا.
في بداية العقد الأخير من القرن الأول الهجري (في حدود سنة ٩٠هـ/ ٧٠٨ م) عهد القائد العربي موسى بن نصير إلى طارق بن زياد بتولي قيادة البربر المسلمين الذين انتظموا في صفوف الجند العربي في منطقة المغرب الأقصى، فاتخذ مدينة طنجة مقراً له. ولقد كان حماس هؤلاء البربر إلى الجهاد ونشر مبادئ الإسلام التي جاء بها العرب كبيراً. ونظراً لطبيعة المنطقة الجغرافية، فلم يكن أمام طارق وجنده سوى التوجه بأنظارهم إلى شبه
стр. 17
الجزيرة الآيبيرية، ولا سيما أن مناطق الجنوب كانت صحراوية لا تشجع على التجارة إليها أو التوغل فيها. يضاف إلى ذلك، أن البربر كانوا على اتصال دائم مع السواحل الاسبانية لقربها، وكانوا أيضاً على علم تام ومعرفة أكيدة بمدى خصب شبه الجزيرة وغناها، وعن خطورة مشاكلها الاجتماعية والسياسية، التي ذكرناها آنفاً، وضعف دولة القوط الغربيين بصورة عامة. ولقد شجعت هذه العوامل العرب والمسلمين على التفكير بفتح إسبانيا، وضمها إلى حظيرة المناطق التي تم تحريرها في المشرق العربي وشمال أفريقيا. أما ما يذكره بعض المستشرقين المغرضين، وما يروجه بعض الكتاب من التلميح إلى أن الدوافع المادية، والغنائم، وحب التوسع هي التي دفعت بالعرب إلى الفتوحات، فأمر لا يؤيده الواقع (١). فلم يكن هدف العرب الكسب المادي، بل كانت لهم غاية نبيلة أهم من ذلك بكثير، وأبعد تأثيراً، ألا وهي نقل مبادئ وقيم السماء السمحة إلى البلاد المفتوحة، والجهاد في سبيل الله من أجل تحريرها. أما الغنائم والمكاسب، فهي تحصيل حاصل، ونتيجة طبيعية من نتائج الحروب التي كانت وما تزال تقوم بين الأمم، فالغالب لا بد أن يستولي على مخلفات المغلوب، ولو أن موقف العرب من هذا أفضل بكثير من مواقف غيرهم من الشعوب، نتيجة لنظرتهم الإنسانية السامية.
لقد تطرقت المصادر التاريخية العربية إلى الأسباب التي أدت إلى الفتح العربي الإسلامي لشبه الجزيرة الآيبيرية، ولكنهم يرجحون السبب الرئيس إلى وازع الانتقام الشخصي، ويسوقون على ذلك قصة أسطورية ملخصها أن الكونت يوليان، أو جوليان Julian حاكم مدينة سبتة قد شجع العرب على الفتح انتقاماً لنفسه من لذريق ملك إسبانيا الذي اعتدى على شرف ابنته. وتروي القصة أنه كانت لجوليان ابنة جميلة، أرسلها جرياً على عادة الأشراف في ذلك الوقت إلى بلاط طليطلة لتتعلم وتتثقف مع بنات الملك.
وقد رآها لذريق وسحر بجمالها، ثم حاول أن ينال منها، ولكنها قاومته ورفضت، فلجأ إلى القوة واعتدى على شرفها برغم إرادتها. وعندما كتبت إلى أبيها بالحادث أسرع بالسفر إلى طليطلة وعاد بابنته إلى سبتة، وهو يضمر الشر والانتقام. وقد دفعه حقده هذا إلى التوجه إلى موسى بن نصير وحثه على فتح إسبانيا (٢). وتذكر روايات أخرى أنه سار
стр. 18
إلى طارق بن زياد، حاكم مدينة طنجة، وأعلمه برغبته في الانتقام واستعداده لمساعدة العرب في حرب القوط الغربيين (٣).
ولا نجد هذه القصة في المصادر الاسبانية المعاصرة للأحداث، ولكن بمرور الزمن انتقلت هذه القصة إلى القصص الاسباني والأغاني الشعبية الاسبانية التي تعرف باسم Romancero. ثم اختلطت هذه الروايات بالتاريخ الاسباني كما لو أنها كانت حقيقة واقعة (٤). ويختلف المؤرخون المحدثون في هذه القصة، فمنهم من يرى أنها صحيحة، ومنهم من يرى أنها من اختراع القصاص (٥). وعلى أية حال، فنحن لا نستطيع الاعتماد عليها كثيراً في تعليل تعاون جوليان مع العرب، نظراً للظروف السياسية التي كانت تحيط بسبتة والتي دفعته أخيراً إلى الوقوف مع العرب في عملية الفتح.
وفي الحقيقة تتضارب الآراء بشأن شخصية جوليان حاكم سبتة فهناك من يرى أنه قوطي الأصل، وهناك من يرى أنه بيزنطي، أو بربري من قبيلة غمارة، ولكن معظم الروايات تتفق على أنه كان يحكم سبتة وما يجاورها في الوقت الذي وصل فيه العرب إلى الطرف الغربي الأقصى من شمال أفريقيا. ومن المرجح أنه كان الحاكم البيزنطي لإقليم موريطانيا الطنجية Mauretania Tingitania الذي كان تابعاً للإمبراطورية البيزنطية، ولكنه بعد تقدم العرب في شمال أفريقيا انقطعت به الأسباب عن بيزنطة، فأصبح مستقلاً في هذه الناحية، واضطر للاتصال بالقوط في عهد الملك غيطشة، وقام بين الاثنين تعاون قوامه إرسال المؤن والامدادات من إسبانيا إلى جوليان. ويبدو أن موت غيطشة واستيلاء لذريق على العرش قد وضع حداً لهذه العلاقات الطيبة لا سيما أن جوليان كان من أصدقاء غيطشة. ولهذا فلم يكن أمام جوليان إلا الرضوخ للعرب والتعاون معهم، لا سيما أنه رأى أن الأمور تسير لصالح العرب والمستقبل يبشر بتفوقهم على القوى الأخرى في المنطقة. وقد أخفق موسى بن نصير في أن يسيطر على سبتة
стр. 19
بالقوة بسبب حصانة أسوارها، ومقاومة جنود جوليان، فتم عقد الصلح بين الطرفين. وبموجب هذا الصلح ظل جوليان حاكماً على سبتة مقابل اعترافه بالسيادة العربية، ورجع موسى إلى القيروان (٦).
وتذكر الحوليات اللاتينية رواية أخرى مفادها أن أولاد غيطشة هم الذين اتصلوا بالعرب ودعوهم إلى فتح إسبانيا ومساعدتهم في إعادة ملكهم المفقود، وأن الفتح العربي، ونجاحه كان نتيجة لهذا الاتصال (٧). وتشير بعض المصادر العربية أيضاً إلى مباحثات جرت في طنجة قبيل الفتح بين طارق بن زياد وأحد أولاد غيطشة (٨). بينما يقول آخرون أن هذه المباحثات حدثت قبيل بدء المعركة الفاصلة بين طارق بن زياد وجيش القوط بوقت قصير. وذلك عندما أصبح طارق فعلاً في إسبانيا؛ فعرض أبناء غيطشة، أن يتخلوا عن لذريق، ويؤيدوا طارقاً بجنودهم شريطة أن يضمن لهم كل ممتلكات والدهم، والتي تبلغ ثلاثة آلاف ضيعة، وهي التي سميت فيما بعد بصفايا الملك (٩)، وذلك بعد أن يخضع إسبانيا جميعها. ولا تعرض المصادر العربية الأخرى لذكر أية مباحثات بين طارق بن زياد وأولاد غيطشة، بل كل ما في الأمر أن هؤلاء الأولاد وبعض نبلاء القوط قرّروا التخلي عن لذريق في ساحة المعركة لأنهم اعتقدوا خطأ بأن العرب لا ينوون الاستقرار في البلاد، بل أنهم جاؤوا فقط من أجل الغنائم، وأنهم سيعودون بعد اندحار لذريق، ويرجع العرش إلى أسرة غيطشة (١٠). وبطبيعة الحال، فإن رأي هؤلاء المؤرخين أقرب إلى الصواب، وينسجم مع طبيعة الأحداث، فضلاً عن أنه يعارض فكرة نجاح الفتح بمساعدة قوى من داخل إسبانيا، الأمر الذي يروجه أعداء العرب للتقليل من شأنهم وقوتهم، فيبالغون في دور أسرة غيطشة في
стр. 20
مساعدة العرب، وكذلك في دور اليهود، كما سنرى فيما بعد (١١).
وإذا ما سلمنا بأن دور أسرة غيطشة وأنصارها قد اقتصر على الوقوف إلى جانب العرب بعد عبورهم فعلاً إلى إسبانيا، فإن دور الكونت جوليان يبقى أمراً لا يمكن إنكاره بسبب إجماع الروايات، على وجوده وموقفه من الفتح. ولكن ما هي مصلحة جوليان من فتح العرب لإسبانيا، لا سيما أننا استبعدنا دافع الانتقام الشخصي المتمثل برواية ابنته في بلاط طليطلة؛ لقد سبقت الاشارة إلى العلاقات الطيبة بين جوليان والملك غيطشة، وإلى المساعدات التي كان يتلقاها الأول من إسبانيا. ولكن بوفاة غيطشة ومجيء لذريق، توقفت هذه المساعدات نتيجة لانشغال الأخير بمشاكله الداخلية العصيبة. وقد استاء جوليان من هذا الموقف، وشعر بأهمية التعاون مع العرب وبشكل خاص في العبور إلى إسبانيا، لأنه أدرك قوة العرب ومستقبل سيادتهم على المنطقة، هذا بالإضافة إلى أنه كان من أصدقاء الملك غيطشة، وبالتالي فهو لم يرضَ عن استيلاء لذريق على عرش إسبانيا بدلاً من ورثة غيطشة. ولهذا فقد بدأ اتصاله بطارق بن زياد لأنه كان قريباً منه في طنجة، أو ربما يكون طارق نفسه هو الذي اتصل به واطلع على رأيه في مسألة العبور إلى إسبانيا، لا سيما أننا نعلم أن دوافع العرب والمسلمين، والتي ذكرناها في أول الفصل، كانت قوية للفتح والتحرير، فلم يكونوا بحاجة لمن يحثهم على هذا الواجب المقدس، بل هم الذين اتخذوا بادرة الفتح بقيادة قائدهم الشجاع طارق بن زياد.
وتذكر بعض المصادر أن موسى بن نصير هو الذي اتخذ قرار الفتح، وهم يشيرون أيضاً إلى مراسلات تمت بهذا الشأن مع الخليفة في دمشق (١٢). ولكن بُعد المسافات بين طنجة والقيروان ودمشق تدعو المرء إلى التحفظ في قبول هذه الرواية، وبخاصة أن العديد من المؤرخين الآخرين يشيرون صراحة إلى أن عبور طارق إلى إسبانيا كان دون معرفة موسى بن نصير (١٣). وبطبيعة الحال، فإن هذه المسألة ليست جوهرية، لأن هدف
стр. 21
كل من القائدين كان حتماً خدمة المبادئ الإنسانية التي حملها العرب، وتوصيلها إلى شعوب الأرض الأخرى، وبالتالي، فإن النتيجة واحدة، وهي فتح هذا الجزء من العالم وتحريره وليس أدل على هذا من مسارعة موسى بن نصير، حين سماعه بأنباء الفتح، إلى نجدة قائده طارق، والعمل على استكمال الفتح الذي تم أخيراً بالتعاون الفعال والمثمر بين القائدين.
ب - خطة الفتح وحوادثه في زمن طارق بن زياد:
لم يكن فتح العرب لإسبانيا مغامرة حربية ارتجالية بل كان فتحاً منظماً مدروساً حسب خطة ذكية وضعها القائد طارق بن زياد. فعلى الرغم من معرفته بالوضع المتردي الذي كانت عليه إسبانيا، لم يغامر بأرواح جنوده دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة والقيام بغارة استكشافية على جنوب إسبانيا لجس النبض ومعرفة مدى مقاومة الأعداء في الجانب الآخر. وقد عهد بقيادة هذه الحملة الاستطلاعية إلى قائد يدعى أبو زرعة طريف ابن مالك المعافري، الذي عبر إلى الأندلس في رمضان سنة ٩١هـ/ آب - أيلول ٧١٠ م (١٤). وكانت قوة طريف الاستطلاعية تتألف من أربعمئة راجل ومئة فارس، أبحر هؤلاء على متن أربعة مراكب هيئت من قبل الكونت جوليان، ونزلت على جزيرة تسمى بالوماس ( Las Palomas) والتي تقع على الشاطئ الاسباني في موضع أصبح يعرف حتى اليوم باسم طريف ( Tarifa) . ولقد تكللت جهود طريف بنجاح باهر، في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة الآيبيرية، وقام بعدة حملات موفقة في المنطقة دون أن يلاقي أية مقاومة، وأصاب كميات وافرة من الغنائم والأسلاب، ثم رجع إلى الشمال الأفريقي (١٥).
стр. 22
حملة طارق بن زياد:
إن النتائج المرضية التي حققتها مهمة طريف شجعت طارقاً على المضي في خطته بالفتح، فقرر أن يقود بنفسه الحملة المقبلة التي كانت تتألف من اثني عشر ألف رجل من مقاتلي العرب والبربر المسلمين. وكانت نسبة البربر المشاركين في هذه الحملة عالية نظراً لاعتناقهم الإسلام وانتظامهم في الجيش (١٦). وكان معظم المقاتلين من العرب قد رجعوا إلى القيروان مع موسى بن نصير ولم يبقَ مع طارق بن زياد إلا عدد قليل من العرب من أجل أن يعلموا البربر مبادئ وتعاليم الإسلام (١٧). ويُعد عبد الملك بن عامر المعافري، الجد الأعلى للمنصور بن أبي عامر، من أشهر الرجال العرب المساهمين في هذه الحملة (١٨). ويذكر بعض المؤرخين أن جيش طارق كان يتألف أول الأمر من سبعة آلاف رجل، ثم لحقهم خمسة آلاف آخرون أرسلهم موسى بن نصير (١٩)، ولكن الأرجح أن الاثني عشر ألف جندي، المذكورين أولاً، هم الذين كانوا بإمرة طارق وبهم جميعاً عبر إلى الأندلس (٢٠).
وتشير الظروف التي رافقت عبور طارق بن زياد ونزوله على الشاطئ الاسباني إلى أنه كان لا بد قد أبحر من سبتة. ويمكن أن نعتمد على هذه الحقيقة، لأن المصادر تذكر باستمرار أن جيش طارق تم نقله إلى إسبانيا على متن مراكب تجارية قدّمها جوليان حاكم سبتة (٢١). وبطبيعة الحال فقد كان طارق يمتلك سفنه الخاصة به في طنجة، هذا بالإضافة إلى السفن العربية الأخرى التي كانت تنتجها دار صناعة السفن في تونس (٢٢).
ولكن يبدو أنه أراد أن يحيط عملية نزوله بالسرية التامة، وذلك باستعمال مراكب
стр. 23
تجارية، والاقلاع من ميناء آخر، أي من سبتة. ويصف المؤرخ التونسي عبد الملك بن الكردبوس عمليات نزول جيش طارق إلى الأندلس، فيذكر أن الأخير كان يرغب في إيجاد مكان ملائم للنزول على الشاطئ الاسباني (ربما منطقة الجزيرة الخضراء التي تقابل سبتة). ولكن طارقاً تخلى عن النزول في هذا المكان عندما وجد جماعة من القوط حاولت منع نزوله، فأبحر منه ليلاً إلى مكان وعر من الشاطئ. وقد استخدم المجاذيف وبراذع الخيول التي ألقيت على الصخور لتسهيل عملية النزول، وبهذا ضمن سلامة جنوده (٢٣). وقد نُفذت هذه العملية في الليل، وربما استغرقت أكثر من ليلة واحدة بسبب قلة المراكب، التي كانت مستمرة بنقل الرجال بين الشاطئين، إلى أن هبط كل أفراد الحملة على الأراضي الاسبانية بسلام.
ويجدر قبل استكمال عرض أحداث الفتح في عهد طارق أن نشير إلى القصة الشائعة التي تقول بأن طارقاً قد أحرق سفنه بعد نزوله إلى الشاطئ ليقطع على جنوده خط الرجعة وليحفزهم على الاستبسال في القتال، ثم خطبته المشهورة التي يبتدؤها بالقول: " أيها الناس أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر ... " (٢٤). ولقد شك العديد من الكتّاب المحدثين في نسبة هذين العملين إلى طارق، لأن معظم المصادر العربية التي تحدثنا عن فتح الأندلس، لا سيما القديمة منها، لا تذكر شيئاً عن حرق السفن والخطبة. يضاف إلى ذلك، فإن أسلوب الخطبة وفصاحتها لا يشجعان على نسبتها إلى طارق، الذي تشير معظم الروايات إلى أنه كان من البربر. أما أسطورة حرق السفن فلم تدوّن إلا في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر للميلاد، أي بعد فتح الأندلس بأكثر من ثلاثة قرون، ولهذا فهي أيضاً عرضة لكثير من الريب (٢٥).
نزلت حملة طارق على صخرة تسمى جبل كالبي ( Mons Calpe) ، التي اتخذت
стр. 24
اسم طارق منذ ذلك اليوم، فأصبحت تسمى بجبل طارق (٢٦). وهناك خلاف بشأن الموعد الصحيح للحملة، فيذكر بعض المؤرخين السنة التي حدث فيها الفتح فقط، أي سنة ٩٢ هـ (تبدأ في تشرين الأول ٧١٠ م)، ويثبت آخرون اليوم والشهر الذي حدث فيه العبور، ومع هذا فإن الأغلبية تعتقد بأن نزول طارق على الشاطئ الاسباني حدث في رجب ٩٢هـ/ نيسان ٧١١ م (٢٧). وهذا وقت مناسب جداً لا سيما أنه يقع في موسم الربيع الذي يتميز باعتدال الجو. ولقد أقام طارق عدة أيام في الجبل الذي اتخذه قاعدة لعملياته العسكرية، التي ابتدأت بفتح الجزيرة الخضراء والمناطق المجاورة من أجل السيطرة على المضيق وحماية خطوطه الخلفية وتأمين اتصالاته بشمال أفريقيا. وفي الوقت نفسه أرسلت كتيبة قوية من الجند بقيادة القائد عبد الملك بن عامر المعافري لفتح حصن قرطاجنة، الذي يقع شمال غرب جبل طارق، ويدعى الآن باسم Torre de Cartagena (٢٨) . وبعد سقوط هذا الحصن، وقعت كل المناطق المحيطة بمضيق جبل طارق بيد المسلمين. وتولى عبد الملك المعافري مسؤولية حماية الجزيرة الخضراء، يساعده في ذلك جوليان، وبهذا أصبحت مؤخرة جيش طارق آمنة، وسهلت خطوط اتصاله بالشمال الأفريقي.
معركة كورة شذونة:
مضى على طارق نحو شهرين ونصف قبل أن تقع المعركة الفاصلة بينه وبين لذريق في كورة شذونة. وتذكر الروايات أنه هوجم في هذه الأثناء من قبل قائد قوطي يسمى تُدْمير Theodemir الذي لم يستطيع إعاقة تقدم جيش طارق، فأرسل إلى لذريق بطلب المساعدة الفورية (٢٩). واعتماداً على روايات أخرى، فإن لذريق كان قد أرسل قوات عديدة لإيقاف الجيش العربي الإسلامي، كانت إحداها بقيادة ابن أخ له يدعى بنج Banj
стр. 25
(بالاسبانية Sancho أو Bancho) ، ولكنه قتل مع رجاله (٣٠). ولا يتوفر لدينا دليل يمكننا من أن نقطع برأي جازم في صحة أحداث هاتين الروايتين، ولكن يبدو أنه من غير المحتمل أن يقوم لذريق بإرسال قوات من مكان بعيد في الشمال الشرقي من شبه الجزيرة، حيث كان مشغولاً بالقضاء على اضطرابات خطيرة في مقاطعة الباسك. وعلى أية حال، فما أن سمع لذريق بنزول طارق حتى رجع نحو الجنوب، وقام بالاستعدادات اللازمة لمواجهة جيش الدولة العربية، ومنها أنه توصل إلى مصالحة أسرة غيطشة وأنصارها للوقوف صفاً واحداً أمام المسلمين. وتبالغ الروايات العربية في تقدير جيوش الأعداء، فتذكر بأن عدد جيش لذريق كان يتراوح بين أربعين إلى مئة ألف رجل (٣١).
وبطبيعة الحال، فإن الأوضاع السيئة التي كانت تعيشها إسبانيا في ذلك الوقت، تجعلنا لا نميل إلى تصديق الروايات التي تبالغ كثيراً في عدد الجيش القوطي، ومع هذا، فمن المؤكد أنه كان يفوق جيش طارق بكثير.
وتقابل الجيشان في كورة شذونة جنوب غرب إسبانيا، ولكن موقع المعركة الدقيق غير معروف تماماً. وهناك العديد من الدراسات الحديثة بشأن المكان الذي وقعت فيه المعركة الفاصلة بين لذريق وطارق، ومصير لذريق في هذه المعركة. وعلى سبيل المثال، فإن المستشرق الاسباني سافيدرا، يرى حدوث معركتين: الأولى: وقعت قرب مدينة شذونة، بين جبل رتين ( Retin) وبحيرة لاخاندا ( la Janda) ، والثانية: عندما هرب لذريق نحو الشمال وحارب جيش الدولة العربية بالقرب من مدينة سلمنقة Salamanca، حيث قتل ودفن في منطقة مجاورة (٣٢). ويعارض ليفي بروفنسال وغيره من المستشرقين هذه الفكرة، ويتفقون مع المؤرخين العرب على حدوث معركة واحدة فقط بين القوط والمسلمين، وقعت بالقرب من ضفاف نهر وادي بكة أو لكة Guadalete، في كورة شذونة، وأن لذريق هزم وقتل، أو فقد قرب هذا النهر (٣٣).
стр. 26
خريطة: حملات الفتح العربي للأندلس.
стр. 27
ويذكر بعض المؤرخين العرب أن لذريق هرب من ساحة القتال، وأنه قتل أو غرق في مكان يدعى وادي الطين، ولكنهم لم يحددوا موقع هذا المكان (٣٤). ويعتمد الدكتور حسين مؤنس على التشابه الموجود بين اسم وادي الطين، واسم Guadalentin الذي هو أحد فروع نهر شقورة Seguar في محافظة مرسية في شرق إسبانيا، فيقترح بأن وادي الطين ما هو إلا نهر Guadalentin، ولهذا فهو يرى بأن المسلمين لاحقوا لذريق إلى هذا المكان (٣٥)، وهذا احتمال بعيد يصعب تصديقه، لا سيما إذا ما لاحظنا بعد المسافة بين شذونة في الجنوب الغربي من إسبانيا، ومحافظة مرسية في الجنوب الشرقي.
إن موقع المعركة الدقيق ليس له أية أهمية جوهرية بالرغم من كثرة البحوث والمقالات التي كتبت فيه. ومع هذا فعلى الباحث أن يعترف أنه بالرغم من أن المعركة استمرت ثمانية أيام فقط (٢٨ رمضان - ٥ شوال ٩٢هـ/ ١٩ - ٢٦ تموز ٧١١ م)، فإن معركة واسعة النطاق كهذه، سميت بعدة أسماء مختلفة مثل معركة البحيرة، وادي بكة؛ وادي لكة، وادي البرباط، شريش، السواني، والسواقي، لا يمكن أن نحدد لها، كما يرى الدكتور أحمد مختار العبادي (٣٦)، مكاناً واحداً مثل جنوب مدينة شذونة أو شماليها، ولهذا فمن المحتمل جداً أنها حدثت كلياً أو جزئياً في كل هذه المناطق المذكورة التي تقع في كورة شذونة، فهي معركة هذه الكورة بأسرها (٣٧).
استئناف حملة طارق إلى الشمال
انهزم القوط الغربيون في هذه المعركة وتفرق جمعهم، وتكبدوا خسائر فادحة، ولكن مصير لذريق، كما أسلفنا، لم يكن معروفاً. أما المسلمون، فقد استشهد منهم ثلاثة آلاف رجل (٣٨). ولقد كان هدف طارق المباشر أن يلاحق فلول المنهزمين وينهي مقاومتهم قبل أن يستأنف سيره نحو الشمال. وهذا يشير إلى أنه كان على علم تام
стр. 28
بطبيعة الموقف في إسبانيا في ذلك الوقت، وأنه أدرك بأن فتح وتحرير إسبانيا بصورة كاملة لا يمكن أن يتم دون القضاء على قوة القوط. وقد افتتح طارق مدينة شذونة بعد انتصاره على لذريق، ولم يُضيّع وقتاً فأكمل سيره إلى مدينة استجة Ecija، التي تجمع فيها فلول القوط في محاولة لمنع المسلمين من دخولها. وفي طريقه إلى هذه المدينة افتتح طارق مورور، وتدعى الآن Moron de la Frontera، في منطقة أشبيلية. وبعد ذلك عسكر قرب استجة وضرب عليها الحصار. وبعد معركة حامية حقق المسلمون نصراً آخر، بالرغم من مقتل وجرح العديد من رجالهم (٣٩). أما فلول جيش القوط فقد هربت إلى مدن أخرى، وازدادت خشية القوط الغربيين جداً عندما تبين لهم عزم طارق على البقاء في إسبانيا، فهجروا مناطق السهول من البلاد، والتجأوا إلى الجبال وبقية المدن الحصينة الأخرى (٤٠).
ولمنع القوط من أية محاولة لتوحيد صفوفهم قرر طارق أن يزحف إلى طليطلة عاصمة القوط الغربيين. وتذكر المصادر أن جوليان نصح طارقاً بتفريق جيشه وإرسال عدة حملات إلى مناطق أخرى من إسبانيا، فأرسل حملات إلى مالقة، والبيرة، ومرسية وقرطبة (٤١). ولكن من غير المعقول أن يقوم طارق بتقسيم قواته القليلة العدد، في الوقت الذي كان ينوي فيه أن يتوغل بعمق في أراضٍ معادية. ويمكن قبول الرواية التي تشير إلى الحملة المرسلة إلى قرطبة، بسبب وجود الاشارات الكثيرة إلى قائد الحملة، مغيث الرومي، وإلى أحداث الحملة نفسها، ومع هذا، فهناك روايات أخرى تنسب قيادة حملة قرطبة إلى طارق بن زياد نفسه (٤٢).
فتح قرطبة:
عهد طارق إلى مغيث الرومي بقيادة الحملة المتوجهة إلى قرطبة. فسار مصحوباً بسبعمئة فارس من استجة بينما زحف طارق ببقية رجاله إلى طليطلة. وعندما وصل مغيث إلى ضواحي قرطبة، عسكر في منطقة تسمى شقندة Seconda، قرب ضفاف نهر
стр. 29
الوادي الكبير. وقد وجد بأن حاكم المدينة القوطي ما يزال هناك ترافقه حامية مؤلفة من أربعمائة إلى خمسمئة ؤجل، أما بقية السكان فقد غادروا إلى طليطلة. ولكن مغيثاً أفلح في اقتحام المدينة بسبب وجود ثغرة في أسوارها، فانسحب حاكمها مع حاميته، وتحصنوا في كنيسة تقع خارج الأسوار تدعى شنت أجلح San Acisclo، حيث ضُرب عليهم الحصار هناك لمدة ثلاثة أشهر. وعندما أيقن هؤلاء بعدم قدرتهم على الاستمرار في المقاومة، حاول حاكمهم الهروب إلى طليطلة، لكنه وقع في أسر مغيث، وأبيدت الحامية بأجمعها. ثم وضع مغيث ترتيبات الدفاع عن المدينة وإدارتها، وتذكر المصادر أنه جمع كل يهود المدينة، وعهد إليهم بالاشتراك مع المسلمين بمهمة الدفاع عنها (٤٣).
وتشير مصادرنا العربية إلى التعاون بين اليهود والعرب أثناء فتح الأندلس، وأنهم، أي العرب، كرروا ما فعلوه في قرطبة مع بقية المدن الاسبانية الأخرى، فحين يتم فتح أية مدينة، كانوا يعمدون إلى ضم سكانها اليهود إلى جملة المدافعين عنها (٤٤). بطبيعة الحال فإن التضييق الشديد الذي لاقاه اليهود على يد ملوك القوط الغربيين، جعلهم يميلون إلى العرب والمسلمين، الذين وثقوا بهم، وعاملوهم معاملة طيبة جداً، وخلصوهم من العذاب الذي كانوا فيه. إن موقف العرب النبيل، والتسامح الذي مارسوه مع اليهود في إسبانيا، بل في معظم المناطق التي شملتها الدولة العربية الإسلامية في العصور الوسطى، قوبل مع الأسف بنكران وجحود من قبل الصهيونية العالمية التي شردت أبناء العرب واغتصبت أرضهم في فلسطين.
ومع هذا فعلى المرء أن يتوقع بأن قصة التعاون الذي ساهم به اليهود في الفتح قد بولغ فيها كثيراً، لا سيما من قبل بعض المؤرخين الاسبان (٤٥). والغرض من هذا واضح، وهو محاولة التلميح إلى أن العرب لم يتمكنوا من فتح إسبانيا لولا مساعدة اليهود. والتآمر معهم على دولة القوط. وهذا بطبيعة الحال غير صحيح كما أسلفنا في
стр. 30
الفصل الأول، لأن اليهود ساعدوا العرب بعد دخولهم الفعلي إلى إسبانيا، ولم يكن هناك اتفاق سابق أو مؤامرة مدبرة لتسليم إسبانيا إلى العرب.
فتح طليطلة وما يجاورها:
سار طارق من استجة في طريقه إلى طليطلة عبر الطريق الروماني القديم الذي يمر بمدينة جيان Jaen، والذي يدعى هانيبال Anibal. فعبر نهر الوادي الكبير عند مَنْجيبار Mengibar، وتقدم إلى الشمال (٤٦). وعندما وصل إلى طليطلة، وجدها خالية إلا من بعض اليهود، ووجد حاكمها قد انسحب إلى مدينة أخرى خلف الجبال. وقد سار طارق لملاحقة الهاربين، مخلفاً وراءه بعض الجنود الذين تولوا مسؤولية الدفاع عن المدينة. واتخذ طريق وادي الحجارة Guadalajara، فوصل إلى مدينة تسمى مدينة المائدة (٤٧)، ويحتمل أنها قلعة هنارس Alcala de Hanares التي تقع شمال شرقي مدريد الحالية (٤٨). أما اسم المائدة فهو مشتق من "مائدة" ثمينة صنعت من الذهب والفضة ومن معادن نفيسة أخرى، عثر عليها طارق بن زياد، وهي، كما يُروى، تعود إلى سليمان بن داود ﵉ (٤٩). وقصة المائدة كما يبدو ما هي إلا محض أسطورة وإن ما عثر عليه طارق لا يعدو أن يكون مذبحاً لكنيسة طليطلة حُمل إلى هذا المكان من قبل الهاربين والقساوسة (٥٠). وعلى أية حال، فبعد فتح قلعة هنارس ووادي الحجارة، غنم طارق هذه "المائدة" مع الكثير من التحف الثمينة الأخرى. ولم يستمر في التقدم إلى أبعد من هذا المكان، بل عاد إلى طليطلة في سنة ٩٣ هـ (المبتدئة بتشرين الأول ٧١١ م)، وقضى فصل الشتاء هناك (٥١). ومع هذا فهناك روايات أخرى تشير إلى أنه استمر في فتوحه، فوصل إلى جليقية Galicia، واسترقة Astorga، وما يجاورها من مناطق (٥٢)، الأمر الذي يصعب تصديقه، بسبب اطلالة الشتاء وصعوبة تضاريس المنطقة.
стр. 31
ج - حملة موسى بن نصير:
لقد كان رد الفعل لنجاح حملة طارق عظيماً في شمال أفريقيا، فبعد سماعهم بالنصر الذي أحرزه طارق على لذريق في موقعة كورة شذونة، اتجه البربر إلى إسبانيا من كل صوب، وعبروا المضيق بكل ما وقعت عليه أيديهم من قوارب ومراكب. وبعد وصولهم مباشرة، بدأوا بالاستقرار في المناطق السهلة من البلاد، لا سيما تلك التي هجرها السكان المحليون الذين هربوا إلى القلاع والحصون المنيعة (٥٣). وعندما وصلت هذه الأنباء، وأحداث النجاح الباهر الذي حققه طارق في إسبانيا، إلى اسماع موسى بن نصير في القيروان، قرر أن يزحف بجيش عربي كبير إلى شبه الجزيرة ليتم عمل طارق وينهي المقاومة القوطية المتبقية. وتشير إحدى الروايات إلى أن طارقاً أسرع بعد انتصاره على قوات القوط الغربيين بإشعار موسى بن نصير بالنصر الذي أحرزه، وسأله القدوم للنجدة بإمدادات جديدة (٥٤). أما الروايات التي تصور عبور موسى على أنه نوع من الحسد لطارق خشية أن يحصل وحده على شرف الفتح وغنائمه، فلا نصيب لها من الصحة، لأن طارقاً كان أحد قادة موسى وما يفتتحه فهو باسم أميره ولمصلحة الدولة العربية الإسلامية التي ينتمي إليها الاثنان. يضاف إلى ذلك أن موسى بن نصير، كان أعظم من أن يحسد أحد رجاله، وهو القائد العظيم الذي حرر الشمال الأفريقي بأسره، وجاهد في سبيل نشر مبادئ الحق والعدل التي حملها العرب إلى الأمم المختلفة. إن حملة موسى بن نصير لا يمكن أن تفسر إلا على ضوء المصلحة العامة التي اقتضت تثبيت الفتح وتعزيزه، ونجدة الجنود المسلمين الذين اتخذوا زمام المبادرة بالعبور إلى إسبانيا في الحملة الأولى. ولما كان موسى بعيداً في القيروان، فإن تصوره عن ظروف عبور طارق ووضعه في الأندلس لم يكن واضحاً تماماً، ولهذا، فقد كتب إليه يلومه على مبادرته بالهجوم دون تلقيه الأوامر منه، وأرسل إليه تعليمات بعدم التحرك من مواقعه التي هو فيها حتى يلحق به (٥٥). ولكن طارقاً لم يستطع تنفيذ هذا الأمر بسبب
стр. 32
المقاومة القوطية، والجيوب التي كان لا بد من القضاء عليها بسرعة، لا سيما في طليطلة وما يجاورها.
وصل موسى بن نصير إلى الأندلس في رمضان سنة ٩٣ هـ/ حزيران - تموز ٧١٢ م. وكان يرافقه جيش عربي يقدر عدده بنحو ثمانية عشر ألف رجل. وكان معظم هؤلاء من القبائل اليمنية، وبقية العشائر العربية الأخرى التي كانت موجودة فعلاً في شمال أفريقيا، وبشكل خاص في القيروان. وضمت الحملة أيضاً أعداداً كبيرة من رجال قريش البارزين، الذين كانوا في مناصب القيادة، إضافة إلى الإداريين، ورجال الدين، وبقية القادة المحنكين من أمثال محمد بن أوس الأنصاري، وحبيب بن أبي عبدة الفهري، وعياش بن أخيل، وعبد الجبار بن أبي سلمة الزهري، والعديد من أبناء موسى نفسه، باستثناء عبد الله، الذي تخلف في القيروان ليتولى مسؤولية ولاية شمال أفريقيا (٥٦).
لقد قسم موسى جيشه إلى وحدات عديدة تبلغ أكثر من عشرين وحدة، كل وحدة تحت راية. وكانت اثنتان من هذه الرايات تحت قيادة موسى المباشرة، بينما تولى ابنه عبد العزيز قيادة راية ثالثة. أما بقية الرايات، فكانت بقيادة قواده من قريش ومختلف العشائر العربية الأخرى. وقد عسكرت الحملة بالقرب من الجزيرة الخضراء لعدة أيام من أجل الراحة والاستعدادات العسكرية. وعندما قرر موسى السير، استشار قواده بشأن الطريق التي يجب سلوكها. وقد اتفق الجميع أن يبدأوا بمنطقة أشبيلية، وبقية الأجزاء الغربية الأخرى، التي لم يفتتحها بعد طارق بن زياد. وقبل أن يغادر موسى الجزيرة الخضراء، أمر بإرساء الحجر الأساس لبناء مسجد هناك تخليداً لذكرى حملته هذه، سمي بمسجد الرايات (٥٧).
خط سير حملة موسى:
لقد كان لأدلاء جوليان وأعوانه دوراً كبيراً في تعريف موسى بن نصير بالطريق الجديدة والمدن غير المفتوحة، وهكذا فقد سارت الحملة بالقرب من شذونة، ثم زحفت شمالاً إلى قرمونة Carmona. ونظراً لقوة هذه المدينة وحصانتها، كان على موسى أن يستعمل الحيلة في فتحها، فأرسل إليها بعض أتباع جوليان الذين أظهروا لأهل
стр. 33
خَارطة الأندلس.
стр. 34
المدينة على أنهم أصدقاء جاؤوا فراراً من العرب، فسمح لهم القوط بدخول المدينة.
ولكن ما إن حل الليل، حتى فتح هؤلاء الأبواب للعرب، فهجموا على الحراس، وفتحوا المدينة. وبعد ذلك تقدم موسى إلى قلعة رعواق Alcala de Guadaira، ففتحها (٥٨)، ثم سار إلى أشبيلية التي قاومت هجوم الجيش العربي الإسلامي لعدة شهور، ولكنها أخيراً فتحت عنوة، وفرت حاميتها إلى باجة Beja. وترك موسى قوة من جنده للدفاع عن المدينة، ثم سار إلى ماردة. وتذكر بعض الروايات الأخرى، أن موسى لم يذهب مباشرة إلى ماردة، بل لاحق فلول المنهزمين غرباً إلى لبلة Niebla، واكشونبة Ocsconoba، وباجة في جنوب البرتغال (٥٩).
وبعد أن تم فتح هذه المدن، سار موسى باتجاه ماردة Merida، وضرب عليها الحصار، ولكن جنود القوط قاوموا الهجوم العربي الإسلامي، مما أدى إلى سقوط بعض الشهداء في صفوف جيش موسى. وأخيراً وبعد مقاومة دامت عدة أشهر استسلمت المدينة في شوال ٩٤ هـ/ تموز ٧١٣ م. وقد رافق هذا الاستسلام عقد معاهدة بين الطرفين، تعهد العرب بموجبها بعدم التعرض بالأذى للسكان المحليين الذين يبقون في المدينة أو يغادرونها إلى أي مكان آخر (٦٠)، كما ضمنت لهم حرياتهم وكنائسهم وأداءهم لطقوسهم الدينية، كما هو معروف عن التسامح العربي مع الشعوب التي يحررونها. ومن جهة أخرى ضمنت هذه المعاهدة للمسلمين ممتلكات الذين قتلوا في الحرب. والهاربين من القوط إلى منطقة جليقية في الشمال الغربي من البلاد.
توجه موسى بعد شهر من فتح ماردة إلى طليطلة. وعندما سمع طارق بقدومه خرج هو وقواده للترحيب به. ولقال أن اللقاء بين الاثنين تم في مكان يدعى المعرض Almaraz، بين نهري تاجة والتيتار Tietar، قرب طلبيرة Talavera غربي طليطلة (٦١).
وقد عاتب موسى قائده على مباشرته الفتح دون استشارة رئيسه الأعلى، وعلى عدم
стр. 35
تنفيذه أوامره بالتوقف لحين وصوله إليه، ولكن طارقاً، كما يبدو، استطاع أن يبرر ما قام به، وأن يقنع موسى بوجهة نظره في الفتح، وسرعة القضاء على بقايا القوط من أجل توفير المناخ الملائم للعرب والمسلمين للاستقرار في المناطق المفتوحة. ويدل على هذا، التفاهم المتبادل، والتعاون المشترك الذي ساد بين القائدين خلال فتوحاتهما المشتركة المقبلة (٦٢).
فتوحات موسى وطارق المشتركة في الشمال:
مضى القائدان إلى طليطلة، وربما تم من هناك إرسال وفد إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، كانت مهمته نقل أخبار الفتح إلى دمشق (٦٣). وفي بداية ربيع عام ٧١٤ م/٩٤ هـ، تحركت القوات المشتركة لموسى وطارق نحو الشمال الشرقي، ففتحا سرقسطة وما يجاورها، واستمرا في التقدم، فوقع العديد من المدن الاسبانية الأخرى بأيديهما مثل، طركونة Tarragona، وبرشلونة Barcelona، ولاردة Lerida، ووشقة Huesca (٦٤) . وذكر بعض المؤرخين، ومنهم ابن حيان، أن موسى عبر جبال ألبرت Pyrenees، وتوغل في داخل فرنسا حتى بلغ نهر الرون Rhone (٦٥) . ويقول آخرون إنه أراد أن يكمل زحفه عبر أوروبا حتى يصل إلى القسطنطينية عن طريق الغرب (٦٦)، ويصعب تصديق مثل هذه الروايات التي تفتقر إلى الأدلة التاريخية، وبخاصة أنها لم يرد لها ذكر في الحوليات المسيحية المعاصرة للأحداث.
بعد فتح سرقسطة والجزء الأكبر من منطقة الشمال الشرقي لشبه الجزيرة الآيبيرية، قرر موسى أن يفتتح مناطق قشتالة القديمة Castilla la Vieja، فقسم جيشه إلى قسمين: أسندت قيادة الأول إلى طارق بن زياد، أما الثاني، فظل تحت إمرة موسى نفسه (٦٧).
стр. 36
ومضى طارق بمحاذاة الجهة الشمالية لوادي نهر الابرة، فهاجم منطقة الباسك، ثم افتتح أماية Amaya، واسترقة Astorga، وليون Leon (٦٨) . أما موسى فسار ببقية الجيش إلى الجنوب من وادي الابرة، ففتح لك Lugo، وباشر بإرسال حملات صغيرة لافتتاح المناطق المجاورة حتى صخرة بلاي Pena de Pelayo على المحيط الأطلسي (٦٩). وفي أثناء هذه الفتوحات، كان كل من موسى وطارق يقومان بوضع حاميات إسلامية في المناطق المحررة، وقد ورد ذكر إحدى هذه الحاميات في حولية مسيحية، حيث تشير إلى أن منوسة، Munnuz، أحد أصدقاء طارق، كان قد عُهد إليه بقيادة حامية مدينة خيخون Gijon التي تقع على ساحل المحيط الأطلسي (٧٠). ويحتمل أن تكون فتوحات موسى قد غطت مناطق أخرى في شمال غرب شبه الجزيرة، ولكن لا توجد لدينا أدلة مدونة على ذلك. وعلى أية حال، فلقد حرر كل من موسى وطارق معظم جليقية والاشتوريش، وتعقبا الفلول الأخيرة لجيش القوط الغربيين، واضطروها للفرار حتى جبال كانتبريا. ومن ثم اعتقد القائدان أنهما قد أنهيا المقاومة القوطية، ولا حاجة لهما بتتبع الأعداد الضئيلة الباقية من المنهزمين.
د - فتوحات عبد العزيز بن موسى:
رافق موسى بن نصير، كما أسلفنا، العديد من أبنائه، ومن أشهرهم عبد العزيز، وعبد الأعلى، ومروان. ولقد لعب هؤلاء، وبشكل خاص، عبد العزيز، دوراً هاماً في فتح شبه الجزيرة. وعلى العموم فهناك نقص في المعلومات، وأحياناً تناقض في الروايات التي تتعلق بذكر تواريخ وأماكن حملات عبد العزيز بن موسى. لقد أرسل موسى ابنيه عبد العزيز وعبد الأعلى إلى جنوب وجنوب شرق إسبانيا، وذلك لاستكمال فتح هذه الجهات التي لم يمر بها طارق بن زياد. وكان هذا على الأغلب بعد سقوط أشبيلية، عندما اتجه موسى إلى الغرب. فاستطاع عبد الأعلى، وربما كان ذلك بمساعدة عبد العزيز أيضاً، أن يفتتح كلاً من مالقة Malaga، والبيرة Elvira (٧١) . ثم توجه عبد العزيز بعد ذلك إلى شرق شبه الجزيرة، حيث تركزت المقاومة القوطية في هذه المنطقة
стр. 37
في كورة تدمير، التي أسماها المسلمون بهذا الاسم نسبة إلى أميرها الدوق تُدْمير Theodemir. والتقى عبد العزيز بحاكم هذه المقاطعة قرب أوريولة Orihuela. وكان هذا الأخير رجلاً حازماً وذا خبرة عظيمة في تقدير الأمور، فقاوم لفترة قصيرة هجوم عبد العزيز، لكنه توصل أخيراً إلى عقد معاهدة صلح معه في رجب عام ٩٤ هـ/ نيسان ٧١٣ م (٧٢). وبموجب هذه المعاهدة التي ذكر تفاصيلها المؤرخون العرب، حصل تدمير على شروط مناسبة جداً للصلح، فقد اعترف به العرب حاكماً على سبع مدن تقع ضمن منطقته، كما احتفظ بإدارته الداخلية لهذه المدن، شريطة أن يدفع جزية سنوية تقدر بدينار ذهبي واحد، مع كميات معلومة من القمح، والشعير، والخل، والعسل، والزيت، لكل فردٍ حرٍ مع أفراد رعيته، أما العبيد، فتؤخذ عنهم نصف هذه الكمية. وقد وافق تدمير أيضاً على ألاّ يقوم أحد من رعيته بتجاهل هذه المعاهدة أو الإخلال بشروطها، وألاّ يأووا للمسلمين آبقاً، ولا عدواً، ولا يكتموا عنهم خبراً يتعلق بأعدائهم. وبالمقابل فإنهم لن يقتلوا، ولن يُسبوا، أو يُجرّدوا من ممتلكاتهم، أو يُفرّق بينهم وبين أولادهم ونسائهم، وسوف يُسمح لهم بممارسة شعائر دينهم، ولن تُحرق كنائسهم (٧٣). وتعدُ هذه المعاهدة من المعاهدات الفريدة في تاريخ الفتوحات العربية الإسلامية لأنها وصلتنا كاملة، وهي تشير بصراحة إلى مدى التسامح الذي تميز به العرب إزاء الشعوب المحررة، واحترام حقها في الإدارة، وفي العيش بحرية ضمن المجتمع الإسلامي الذي أعقب الفتح.
وبعد إقرار الأمور في جنوب شرق شبه الجزيرة، عاد عبد العزيز، إما حسب رغبته، أو لأن والده استدعاه بسبب تمرد مدينة أشبيلية. ولقد أيدت هذا التمرد عناصر قوطية جاءت من مدينتي نبلة وباجة، فهاجموا الحامية العربية الإسلامية في المدينة، وقتلوا ثمانين رجلاً، وفر الباقون إلى معسكر موسى الذي كان محاصراً لمدينة ماردة.
وبعد استسلام هذه المدينة، قاد عبد العزيز حملة إلى أشبيلية، وتمكن من إعادة فتحها بسهولة (٧٤). ثم سار بعد ذلك إلى نبلة وباجة لتقوية حاميتيهما. وقد عاد عبد العزيز إلى أشبيلية، ومن ثم إلى ماردة، حيث تولى القيادة العامة لكل المناطق المحررة في هذه
стр. 38
المنطقة. ويرى سافيدرا، ويؤيده في ذلك أحد المستشرقين البرتغاليين، أن عبد العزيز ابتدأ من هنا حملته لفتح وسط البرتغال، في الوقت الذي كان فيه موسى وطارق يقومان بفتوحاتهما في الشمال، ففتح عدة مدن، وعقد معاهدات صلح مع يابرة Evora، ولشبونة Lisbon وقلمرية Coimbra، وشنترين Santarem (٧٥) .
وصلت إلى دمشق أنباء فتوحات موسى بن نصير وعزمه على التوغل بعمق في شبه الجزيرة الآيبيرية، فلم يوافق الخليفة الوليد الأول على هذا المشروع، وخشي على أرواح المسلمين من العواقب التي يصعب التكهن بها نتيجة لتوغل موسى البعيد في أرض الأعداء. فأرسل لاستدعاء كل من موسى وطارق من دمشق، وقد تلكأ موسى بن نصير في تنفيذ الأمر، وذلك لاستكمال فتح المناطق الشمالية الغربية من البلاد. ولكن الخليفة أرسل رسولاً ثانياً يأمره بالتوقف والعودة حالاً إلى العاصمة. وتنفيذاً لهذا الأمر، عاد موسى وطارق، أما غالبية جنودهما ففضلوا البقاء في المدن والأرياف المفتوحة، حيث استقروا وأقاموا منازلهم (٧٦). وقبل رجوعه، عين موسى ابنه عبد العزيز والياً على الأندلس، وترك معه بعض القادة العرب من أمثال حبيب بن أبي عبيدة الفهري، وزياد ابن النابغة التميمي، وغيرهما مع رجال عشائرهم، ليدافعوا عن البلد ويحموه. وقد اختار موسى، أشبيلية عاصمة للبلاد، وذلك بسبب قربها من البحر، ومضيق جبل طارق، كما جعلها أيضاً قاعدة بحرية للدولة العربية الإسلامية في الأندلس (٧٧).
غادر موسى في ذي الحجة سنة ٩٥هـ/ أيلول ٧١٤ م، ومعه الشيء الكثير من الغنائم والأسرى والهدايا الثمينة. وتروي المصادر أنه حينما اقترب من فلسطين طلب منه الأمير سليمان بن عبد الملك أن يتريث قليلاً لحين وفاة الخليفة الوليد الذي كان مريضاً جداً، وذلك من أجل أن تؤول إلى سليمان الغنائم وشرف الفتح، ولكن موسى لم يقبل هذا، وواصل سيره إلى دمشق فبلغها والخليفة يحتضر (٧٨). وعندما تولى سليمان بعد أخيه
стр. 39
حقد على موسى لهذا السبب، فاضطهده، واتهمه باختلاس الأموال، وصادر أمواله، وفرض عليه غرامة مالية كبيرة (٧٩). ومع هذا، فلا يمكن للمرء أن يصدق أن سبب غضب سليمان على موسى، كان له علاقة بهذه المسألة الشخصية، فهو يعود بالدرجة الأولى إلى سياسة موسى بن نصير أثناء فتح الأندلس، وتباطئه في إطاعة أوامر الخلافة.
ويدل على هذا الأمر أن الخليفة الوليد نفسه لم يقابله مقابلة حسنة للسبب ذاته (٨٠).
وعلى أية حال، فإن علاقة سليمان تحسنت مع موسى إلى درجة كبيرة فيما بعد، حتى أنهما ذهبا سوية لأداء فريضة الحج. وقد توفي موسى في الحجاز عام ٩٧هـ أو ٩٨هـ/ ٧١٥ م أو ٧١٦ م (٨١). ولا تتوفر لدينا معلومات عن طارق بن زياد بعد وصوله إلى دمشق باستثناء أن الخليفة سليمان أراد أن يعينه والياً على الأندلس، لكنه عدل عن هذه الفكرة، متأثراً بنصيحة مغيث الرومي الذي أثار مخاوف الخليفة من نفوذ طارق واحتمال استقلاله بالأندلس (٨٢). وهكذا غلف الصمت والغموض نهاية طارق الذي يعد، هو وقائده، موسى بن نصير مِن أعظم مَن أنجبتهما الأمة العربية الإسلامية من الفاتحين الذين ضربوا المثل في الشجاعة والحنكة السياسية والعسكرية. ولقد كان فتحهما وتحريرهما للأندلس بحق من معجزات قوة العرب والمسلمين الموحدة، والتي أنجزت في نحو أربع سنوات ما تعجز عنه الأمم في عشرات من السنين.
стр. 40
الفَصْلُ الثَّالِث
النشاط الحربي للعرب في شمال إسبانيا والتوغل في فرنسا
أ - فتوحات العرب في شمال إسبانيا وموقفهم من الإمارات الاسبانية الناشئة:
لم يتمكن طارق وموسى من استكمال فتح المناطق الشمالية الغربية من شبه الجزيرة الآيبيرية، وذلك بسبب استدعائهما من قبل الخليفة الأموي إلى دمشق. ولم تتح الفرصة لعبد العزيز بن موسى في أثناء ولايته القصيرة أن يكمل مهمة والده في افتتاح المناطق الباقية. ومع هذا، فإن المؤرخين العرب يذكرون بأنه قد افتتح في ولايته مدناً كثيرة (١)، لكنهم لم يحددوا هذه المدن مما يشير إلى أن جهده في الفتوح لم يكن كبيراً.
وقد حاول خليفته، أيوب بن حبيب اللخمي، أن يثبِّت السلطة العربية ويطهر المنطقة الشمالية من مقاومة القوط. ويدل على ذلك عنايته بهذه المنطقة وقيامه بإنشاء بلدة أطلق عليها اسم قلعة أيوب Calatayud، تقع إلى الشمال الشرقي من طليطلة (٢). وعلى الرغم من هذا، فقد ظلت المناطق الشمالية الغربية العقبة الأساسية في سبيل استكمال فتح شبه الجزيرة بكاملها. وتعد هذه الأجزاء من المناطق الوعرة جداً لأنها تضم هضاب اشتوريش Asturias القاحلة. وقد اعتقد الفاتحون أنها ليست ذات أهمية بالنسبة إليهم فاغفلوها. وكان هذا خطأ كبيراً وقعوا فيه، لأن هذا الركن الشمالي الغربي، الذي يسمى جليقية، أصبح موطناً للشراذم المنهزمة من جيش القوط الغربيين. وقد تزعم هؤلاء، كما تذكر المصادر العربية، زعيم يدعى بلاي، اعتصم بهم في صخرة بلاي. وقد اطمأن بهم المقام في هذا المكان لبعده عن العرب الذين عجزوا عن الوصول إليه بسبب مناعة