← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومضى طارق بمحاذاة الجهة الشمالية لوادي نهر الابرة، فهاجم منطقة الباسك، ثم افتتح أماية Amaya، واسترقة Astorga، وليون Leon (٦٨) . أما موسى فسار ببقية الجيش إلى الجنوب من وادي الابرة، ففتح لك Lugo، وباشر بإرسال حملات صغيرة لافتتاح المناطق المجاورة حتى صخرة بلاي Pena de Pelayo على المحيط الأطلسي (٦٩). وفي أثناء هذه الفتوحات، كان كل من موسى وطارق يقومان بوضع حاميات إسلامية في المناطق المحررة، وقد ورد ذكر إحدى هذه الحاميات في حولية مسيحية، حيث تشير إلى أن منوسة، Munnuz، أحد أصدقاء طارق، كان قد عُهد إليه بقيادة حامية مدينة خيخون Gijon التي تقع على ساحل المحيط الأطلسي (٧٠). ويحتمل أن تكون فتوحات موسى قد غطت مناطق أخرى في شمال غرب شبه الجزيرة، ولكن لا توجد لدينا أدلة مدونة على ذلك. وعلى أية حال، فلقد حرر كل من موسى وطارق معظم جليقية والاشتوريش، وتعقبا الفلول الأخيرة لجيش القوط الغربيين، واضطروها للفرار حتى جبال كانتبريا. ومن ثم اعتقد القائدان أنهما قد أنهيا المقاومة القوطية، ولا حاجة لهما بتتبع الأعداد الضئيلة الباقية من المنهزمين. د - فتوحات عبد العزيز بن موسى: رافق موسى بن نصير، كما أسلفنا، العديد من أبنائه، ومن أشهرهم عبد العزيز، وعبد الأعلى، ومروان. ولقد لعب هؤلاء، وبشكل خاص، عبد العزيز، دوراً هاماً في فتح شبه الجزيرة. وعلى العموم فهناك نقص في المعلومات، وأحياناً تناقض في الروايات التي تتعلق بذكر تواريخ وأماكن حملات عبد العزيز بن موسى. لقد أرسل موسى ابنيه عبد العزيز وعبد الأعلى إلى جنوب وجنوب شرق إسبانيا، وذلك لاستكمال فتح هذه الجهات التي لم يمر بها طارق بن زياد. وكان هذا على الأغلب بعد سقوط أشبيلية، عندما اتجه موسى إلى الغرب. فاستطاع عبد الأعلى، وربما كان ذلك بمساعدة عبد العزيز أيضاً، أن يفتتح كلاً من مالقة Malaga، والبيرة Elvira (٧١) . ثم توجه عبد العزيز بعد ذلك إلى شرق شبه الجزيرة، حيث تركزت المقاومة القوطية في هذه المنطقة

стр. 37

في كورة تدمير، التي أسماها المسلمون بهذا الاسم نسبة إلى أميرها الدوق تُدْمير Theodemir. والتقى عبد العزيز بحاكم هذه المقاطعة قرب أوريولة Orihuela. وكان هذا الأخير رجلاً حازماً وذا خبرة عظيمة في تقدير الأمور، فقاوم لفترة قصيرة هجوم عبد العزيز، لكنه توصل أخيراً إلى عقد معاهدة صلح معه في رجب عام ٩٤ هـ/ نيسان ٧١٣ م (٧٢). وبموجب هذه المعاهدة التي ذكر تفاصيلها المؤرخون العرب، حصل تدمير على شروط مناسبة جداً للصلح، فقد اعترف به العرب حاكماً على سبع مدن تقع ضمن منطقته، كما احتفظ بإدارته الداخلية لهذه المدن، شريطة أن يدفع جزية سنوية تقدر بدينار ذهبي واحد، مع كميات معلومة من القمح، والشعير، والخل، والعسل، والزيت، لكل فردٍ حرٍ مع أفراد رعيته، أما العبيد، فتؤخذ عنهم نصف هذه الكمية. وقد وافق تدمير أيضاً على ألاّ يقوم أحد من رعيته بتجاهل هذه المعاهدة أو الإخلال بشروطها، وألاّ يأووا للمسلمين آبقاً، ولا عدواً، ولا يكتموا عنهم خبراً يتعلق بأعدائهم. وبالمقابل فإنهم لن يقتلوا، ولن يُسبوا، أو يُجرّدوا من ممتلكاتهم، أو يُفرّق بينهم وبين أولادهم ونسائهم، وسوف يُسمح لهم بممارسة شعائر دينهم، ولن تُحرق كنائسهم (٧٣). وتعدُ هذه المعاهدة من المعاهدات الفريدة في تاريخ الفتوحات العربية الإسلامية لأنها وصلتنا كاملة، وهي تشير بصراحة إلى مدى التسامح الذي تميز به العرب إزاء الشعوب المحررة، واحترام حقها في الإدارة، وفي العيش بحرية ضمن المجتمع الإسلامي الذي أعقب الفتح. وبعد إقرار الأمور في جنوب شرق شبه الجزيرة، عاد عبد العزيز، إما حسب رغبته، أو لأن والده استدعاه بسبب تمرد مدينة أشبيلية. ولقد أيدت هذا التمرد عناصر قوطية جاءت من مدينتي نبلة وباجة، فهاجموا الحامية العربية الإسلامية في المدينة، وقتلوا ثمانين رجلاً، وفر الباقون إلى معسكر موسى الذي كان محاصراً لمدينة ماردة. وبعد استسلام هذه المدينة، قاد عبد العزيز حملة إلى أشبيلية، وتمكن من إعادة فتحها بسهولة (٧٤). ثم سار بعد ذلك إلى نبلة وباجة لتقوية حاميتيهما. وقد عاد عبد العزيز إلى أشبيلية، ومن ثم إلى ماردة، حيث تولى القيادة العامة لكل المناطق المحررة في هذه

стр. 38

المنطقة. ويرى سافيدرا، ويؤيده في ذلك أحد المستشرقين البرتغاليين، أن عبد العزيز ابتدأ من هنا حملته لفتح وسط البرتغال، في الوقت الذي كان فيه موسى وطارق يقومان بفتوحاتهما في الشمال، ففتح عدة مدن، وعقد معاهدات صلح مع يابرة Evora، ولشبونة Lisbon وقلمرية Coimbra، وشنترين Santarem (٧٥) . وصلت إلى دمشق أنباء فتوحات موسى بن نصير وعزمه على التوغل بعمق في شبه الجزيرة الآيبيرية، فلم يوافق الخليفة الوليد الأول على هذا المشروع، وخشي على أرواح المسلمين من العواقب التي يصعب التكهن بها نتيجة لتوغل موسى البعيد في أرض الأعداء. فأرسل لاستدعاء كل من موسى وطارق من دمشق، وقد تلكأ موسى بن نصير في تنفيذ الأمر، وذلك لاستكمال فتح المناطق الشمالية الغربية من البلاد. ولكن الخليفة أرسل رسولاً ثانياً يأمره بالتوقف والعودة حالاً إلى العاصمة. وتنفيذاً لهذا الأمر، عاد موسى وطارق، أما غالبية جنودهما ففضلوا البقاء في المدن والأرياف المفتوحة، حيث استقروا وأقاموا منازلهم (٧٦). وقبل رجوعه، عين موسى ابنه عبد العزيز والياً على الأندلس، وترك معه بعض القادة العرب من أمثال حبيب بن أبي عبيدة الفهري، وزياد ابن النابغة التميمي، وغيرهما مع رجال عشائرهم، ليدافعوا عن البلد ويحموه. وقد اختار موسى، أشبيلية عاصمة للبلاد، وذلك بسبب قربها من البحر، ومضيق جبل طارق، كما جعلها أيضاً قاعدة بحرية للدولة العربية الإسلامية في الأندلس (٧٧). غادر موسى في ذي الحجة سنة ٩٥هـ/ أيلول ٧١٤ م، ومعه الشيء الكثير من الغنائم والأسرى والهدايا الثمينة. وتروي المصادر أنه حينما اقترب من فلسطين طلب منه الأمير سليمان بن عبد الملك أن يتريث قليلاً لحين وفاة الخليفة الوليد الذي كان مريضاً جداً، وذلك من أجل أن تؤول إلى سليمان الغنائم وشرف الفتح، ولكن موسى لم يقبل هذا، وواصل سيره إلى دمشق فبلغها والخليفة يحتضر (٧٨). وعندما تولى سليمان بعد أخيه

стр. 39

حقد على موسى لهذا السبب، فاضطهده، واتهمه باختلاس الأموال، وصادر أمواله، وفرض عليه غرامة مالية كبيرة (٧٩). ومع هذا، فلا يمكن للمرء أن يصدق أن سبب غضب سليمان على موسى، كان له علاقة بهذه المسألة الشخصية، فهو يعود بالدرجة الأولى إلى سياسة موسى بن نصير أثناء فتح الأندلس، وتباطئه في إطاعة أوامر الخلافة. ويدل على هذا الأمر أن الخليفة الوليد نفسه لم يقابله مقابلة حسنة للسبب ذاته (٨٠). وعلى أية حال، فإن علاقة سليمان تحسنت مع موسى إلى درجة كبيرة فيما بعد، حتى أنهما ذهبا سوية لأداء فريضة الحج. وقد توفي موسى في الحجاز عام ٩٧هـ أو ٩٨هـ/ ٧١٥ م أو ٧١٦ م (٨١). ولا تتوفر لدينا معلومات عن طارق بن زياد بعد وصوله إلى دمشق باستثناء أن الخليفة سليمان أراد أن يعينه والياً على الأندلس، لكنه عدل عن هذه الفكرة، متأثراً بنصيحة مغيث الرومي الذي أثار مخاوف الخليفة من نفوذ طارق واحتمال استقلاله بالأندلس (٨٢). وهكذا غلف الصمت والغموض نهاية طارق الذي يعد، هو وقائده، موسى بن نصير مِن أعظم مَن أنجبتهما الأمة العربية الإسلامية من الفاتحين الذين ضربوا المثل في الشجاعة والحنكة السياسية والعسكرية. ولقد كان فتحهما وتحريرهما للأندلس بحق من معجزات قوة العرب والمسلمين الموحدة، والتي أنجزت في نحو أربع سنوات ما تعجز عنه الأمم في عشرات من السنين.

стр. 40

الفَصْلُ الثَّالِث النشاط الحربي للعرب في شمال إسبانيا والتوغل في فرنسا أ - فتوحات العرب في شمال إسبانيا وموقفهم من الإمارات الاسبانية الناشئة: لم يتمكن طارق وموسى من استكمال فتح المناطق الشمالية الغربية من شبه الجزيرة الآيبيرية، وذلك بسبب استدعائهما من قبل الخليفة الأموي إلى دمشق. ولم تتح الفرصة لعبد العزيز بن موسى في أثناء ولايته القصيرة أن يكمل مهمة والده في افتتاح المناطق الباقية. ومع هذا، فإن المؤرخين العرب يذكرون بأنه قد افتتح في ولايته مدناً كثيرة (١)، لكنهم لم يحددوا هذه المدن مما يشير إلى أن جهده في الفتوح لم يكن كبيراً. وقد حاول خليفته، أيوب بن حبيب اللخمي، أن يثبِّت السلطة العربية ويطهر المنطقة الشمالية من مقاومة القوط. ويدل على ذلك عنايته بهذه المنطقة وقيامه بإنشاء بلدة أطلق عليها اسم قلعة أيوب Calatayud، تقع إلى الشمال الشرقي من طليطلة (٢). وعلى الرغم من هذا، فقد ظلت المناطق الشمالية الغربية العقبة الأساسية في سبيل استكمال فتح شبه الجزيرة بكاملها. وتعد هذه الأجزاء من المناطق الوعرة جداً لأنها تضم هضاب اشتوريش Asturias القاحلة. وقد اعتقد الفاتحون أنها ليست ذات أهمية بالنسبة إليهم فاغفلوها. وكان هذا خطأ كبيراً وقعوا فيه، لأن هذا الركن الشمالي الغربي، الذي يسمى جليقية، أصبح موطناً للشراذم المنهزمة من جيش القوط الغربيين. وقد تزعم هؤلاء، كما تذكر المصادر العربية، زعيم يدعى بلاي، اعتصم بهم في صخرة بلاي. وقد اطمأن بهم المقام في هذا المكان لبعده عن العرب الذين عجزوا عن الوصول إليه بسبب مناعة

стр. 41

هذه الصخرة التي هي أعلى قمم جبال كنتبرية. وهكذا أصبح بلاي يشكل تهديداً خطيراً للمسلمين في الأندلس، وكان من الضروري أن تتخذ إزاءه إجراءات قوية (٣). وقد أدرك أهل الأندلس هذا الخطر في عهد الوالي عُنبسة بن سُحيم الكلبي (١٠٣ - ١٠٧ هـ/ ٧٢١ - ٧٢٦ م)، الذى أرسل حملة إلى هذه المنطقة للقضاء على المقاومة فيها. ولكن بلاي انسحب إلى المواقع الحصينة من الصخرة، وتحصن في مغارة كوفادونجا Govadonga، وتمكن من إحراز النصر على هذه الحملة وقتل الكثير من أفرادها (٤). وفي عهد عقبة بن الحجاج السلولي (١١٦ - ١٢٣ هـ/٧٣٤ - ٧٤١ م)، الذي كان والياً حازماً وجه اهتمامه نحو الفتوح عبر جبال ألبرت والقضاء على المقاومة الاسبانية التي تركزت في جليقية، خرجت حملة إلى منطقة الشمال الغربي، وهاجمت منطقة جليقية. وقد استطاع عقبة أن يفتتح كل قرية من قراها، لكنه لم يستطع السيطرة على الصخرة التي امتنع فيها بلاي مع الناجين من أنصاره. وكان عدد هؤلاء نحو ثلاثمئة رجل. وقد حاصر المسلمون هؤلاء حتى هلك الكثير منهم من الجوع، وظل على قيد الحياة نحو ثلاثين رجلاً وعشر نساء. ويقال إن هؤلاء الأفراد اقتاتوا فقط على العسل الذي كانوا يستخرجونه من بعض المناحل المتوفرة في شقوق الصخرة. وبعد أن أعيا المسلمين أمرهم، وصعوبة الوصول إليهم، تركوهم "وقالوا: ثلاثون علجاً ما عسى أن يكون أمرهم واحتقروهم ثم بلغ أمرهم إلى أمر عظيم" (٥). والثابت على أي حال، كما يرى الدكتور حسين مؤنس (٦)، أن العرب والمسلمين لم يتركوا هؤلاء، لأنهم هُزموا من قبل بلاي، أو لأنهم احتقروهم لقلة عددهم، بل لأن الفاتحين انصرفوا في أول أمرهم في الأندلس إلى المنازعات التافهة فأضعفوا أنفسهم، وأعطوا لهؤلاء الرجال فرصة قيمة ليثبتوا مقاومتهم، ويتحولوا من مجموعة صغيرة مُطارَدَة إلى دولة مستقرة. وقد أدى انصراف العرب عن القضاء على هذه الدولة، إلى وضع جديد في شبه الجزيرة الآيبيرية، ملخصه وجود قوتين في البلاد، الأولى هي الدولة العربية الإسلامية، والثانية، هي القوى الاسبانية. واستمر الصراع بين الطرفين إلى أن انتهى في الأخير لصالح القوى الاسبانية، وخروج العرب من الأندلس بعد مضي نحو ثمانية قرون من دخولهم إليها.

стр. 42

لم تقتصر حركة المقاومة الاسبانية للفتح العربي الإسلامي على منطقة الصخرة في الأشتوريش، بل كانت هناك بؤر أخرى للمقاومة تركزت في جبال ألبرت، وامتدت على طول الساحل إلى الغرب في جبال كنتبرية. وقد تمركزت أول هذه التجمعات في الطرف الشرقي من هذه الجبال، تحت زعامة بطْرُة Pedro الذي أنشأ إمارة سميت بإمارة كنتبرية. وكان هذا التجمع قليل الأهمية في أول الأمر، ولكن أصبح له شأن كبير، خاصة بعد زواج ألفونسو الأول، ابن بطرة، من ابنة بلاي. وقد كانت هذه الإمارة، ومنطقة جبال ألبرت، وبلاد الباسك أو البشكنس، هدفاً للقوات الإسلامية المتجهة إلى جنوب فرنسا. فعندما سار عبد الرحمن الغافقي إلى فرنسا، اتخذ مدينة بنبلونة قاعدة له، فاستعرض فيها جنده وحثهم على الجهاد. وكذلك فقد هاجم كل من عبد الملك بن قطن في ولايته الأولى ١١٤ - ١١٦هـ/ ٧٣٢ - ٧٣٤ م، وعقبة بن الحجاج السلولي بلاد البشكنس ودخلا العاصمة بنبلونة (٧). وتدل هذه الحملات المبكرة على بلاد البشكنس إلى ازدياد خطرهم، خاصة بعد اندحار المسلمين في معركة بلاط الشهداء سنة ١١٤هـ/ ٧٣٢ م. وقد اشتدت مقاومة البشكنس في عهد آخر ولاة الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري. وربما كان للنجاح الذي أحرزتهُ جماعة بلاي في جليقية أثر على ذلك (٨). ويذكر مؤلف كتاب أخبار مجموعة، أن أهالي بنبلونة نقضوا عهدهم مع المسلمين بنقض أهل جليقية (٩). ولهذا فقد أرسل إليهم يوسف الفهري حملة خرجت من مدينة سرقسطة. ولكن أبناء الباسك الجبليون استطاعوا التغلب على هذه الحملة التي كانت قليلة العدد (١٠). وهكذا ازدادت قوة المقاومة في هذه المنطقة في أواخر عصر الولاة، واستمرت خلال عصر الإمارة. ب - توغل العرب ونشاطهم فى جنوب فرنسا: تفصل جبال ألبرت أو البرتات، وهي التي تعرف خطأ باسم البرانس، إسبانيا عن جنوب فرنسا. وكانت هذه المنطقة الجنوبية من فرنسا تسمى بغالة Gaul. وهي تتألف من عدة ولايات، كولاية سبتمانية، وتعني المقاطعة ذات المدن السبع، منها أرْبُونة

стр. 43

Narbonne وهي عاصمة هذه الولاية، وقرقشونة Carcassonne وتقع دوقية أكيتانية إلى الشمال الغربي من ولاية سبتمانية، وعاصمتها برديل أو بوردو Bordeaux الواقعة على مصب نهر الجارون. ومن مقاطعات غالة الأخرى، إقليم بروفانس، الذي يقع إلى الشمال الشرقي من ولاية سبتمانية، وعاصمته مدينة أبنيون Avignon الواقعة على وادي رودنة أو الرون. وإلى الغرب من هذا النهر، يقع إقليم برغندية، وعاصمته مدينة لودون أو ليون Lyon. وكانت المنطقة الواقعة إلى الشمال من نهر اللوار خاضعة للدولة الميروفنجية (١١). وتشير بعض الروايات العربية إلى أن موسى بن نصير وطارق بن زياد كانا أول من عبرا جبال ألبرت، ففتحا أراضي ومدناً في جنوب فرنسا، ومنها أربونة وأبنيون، وليون، حتى انتهيا إلى وادي رُودنة (١٢). وكما أسلفنا، فإن ما تذهب إليه هذه الروايات بعيد الاحتمال، ولا يتوفر لدينا ما يؤيد وصول هذين القائدين إلى هذه المناطق، لا سيما ونحن نعلم أن موسى اضطر إلى عدم استكمال فتوحه في شبه الجزيرة الآيبيرية ذاتها بسبب استدعاء الخليفة له. وهناك رواية مسيحية أخرى تشير إلى أن الحر بن عبد الرحمن الثقفي، الوالي الذي أعقب أيوب بن حبيب اللخمي، قد توغل عبر جبال ألبرت وافتتح أربونة عاصمة غالة (١٣). ويذكر المؤرخ الاسباني رامون عبد ال R. Abdal إن الحر قد فتح قطلونية Catalonia وبرشلونة في الشمال الشرقي من إسبانيا ووصل إلى جبال ألبرت (١٤). ولكن لا توجد أية إشارات في بقية المصادر المسيحية، أو في المصادر العربية القديمة تؤيد هذه الفتوحات، ولهذا فمن الصعب التعويل على ما جاء في هذه الروايات. الفتوح في عهد السمح بن مالك الخولاني: تتفق معظم المصادر على أن نشاط حركة الفتوح عبر جبال ألبرت ابتدأ في عهد السمح بن مالك الخولاني (١٠٠ - ١٠٢ هـ/ ٧١٩ - ٧٢١ م) الذي عينه الخليفة عمر بن عبد

стр. 44

العزيز ليكون والياً للأندلس بدلاً من الحر بن عبد الرحمن الثقفي، لنزاهته وشدة إيمانه. وما أن استقر السمح في الولاية وقضى على بعض الاضطرابات الداخلية، وأصلح الأمور الإدارية، وقام ببعض الاصلاحات العمرانية (١٥)، حتى بادر بالنهوض إلى الفتح والجهاد في جنوب فرنسا، وذلك من أجل توحيد طاقات العرب والمسلمين في الأندلس مرة أخرى وتوجيهها نحو الأعداء في بلاد الفرنجة. شرع السمح بسلسلة من الحملات والفتوح في غالة، فسار بجيش كبير عبر منطقة سرقسطة، واجتاز جبال ألبرت إلى أن أصبح أمام أربونة عاصمة ولاية سبتمانية، فحاصرها وافتتحها عنوة. ثم حصّن أسوارها ووضع فيها وفي المدن المجاورة لها الحاميات. ثم توغل من هذه المدينة إلى داخل غالة حتى وصل إلى طولوشة Toulouse. وفي محاولة لافتتاح هذه المدينة بالقوة، أحاطها المسلمون بالخنادق والمنجنيقات وسائر أدوات الحصار، حتى أوشك أهلها على التسليم. وعندما سمع الدوق أودو Eudo، دوق أكيتانية، بهذا سار مسرعاً نحو المدينة، واشتبك مع الجيش العربي الإسلامي في معركة حامية بالقرب من مدينة طولوشة، أسفرت عن هزيمة السمح واستشهاده مع الكثير من رجاله (يوم عرفة سنة ١٠٢هـ/١٥ حزيران ٧٢١ م). وقد استطاع مساعده، القائد عبد الرحمن الغافقي، أن يقود فلول الباقين من الجيش الإسلامي ويرجع بهم إلى أربونة، ومن ثم إلى الأندلس (١٦). وعلى أثر هذه الهزيمة تشجع أهالي المنطقة لخلع طاعة العرب، لكن هؤلاء كانوا لا يزالون متمكنين من أربونة، وقد جاءتهم نجدات من الأندلس، فثبتوا في المناطق التي تم فتحها على يد السمح بن مالك (١٧). وظلت أربونة قاعدة للفتوح والجهاد في جنوب فرنسا، ولعل قربها من البحر وسهولة تلقي المسلمين الإمدادات عن طريق الأساطيل بدلاً من عبور جبال ألبرت، هو الذي

стр. 45

أدى إلى تمسك المسلمين بهذه المدينة. يضاف إلى ذلك، أن مناخ أربونة يشبه مناخ المدن العربية، أي أنها لطيفة الشتاء، حارة القيظ لولا نسمات البحر المجاور. وتكثر فيها حاصلات المناطق الحارة مثل الكروم والتين والزيتون والصبير (١٨). ونتيجة لهذا، فقد عُدت أربونة أقصى ثغور الأندلس، تتجمع فيها النجدات والحملات المتجهة إلى فرنسا، بعد أن تمر بالقاعدة الجنوبية الأخرى، وهي برشلونة في الشمال الشرقي من شبه الجزيرة الآيبرية (١٩). الفتوح فى عهد عنبسة بن سحيم الكلبي: أقام الجنود الراجعون من الحملة على جنوبي فرنسا عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي والياً على الأندلس، وكانت هذه ولايته الأولى التي لم تستمر سوى فترة قصيرة جداً (من ذي الحجة ١٠٢ - صفر ١٠٣ هـ/ حزيران ٧٢١ - آب ٧٢١ م)، وذلك لأن عامل افريقية استبدله بوال آخر هو عنبسة بن سُحَيم الكلبي الذي وصل الأندلس في صفر ١٠٣ هـ/ آب ٧٢١ م (٢٠). وكانت الأندلس تعاني من الاضطراب بسبب الهزيمة التي أصابت المسلمين في جنوب فرنسا، وبسبب النزاع المستمر بين القبائل العربية. لذلك فقد قضى عنبسة فترة السنوات الأولى من ولايته في تنظيم وتهدئة البلاد. ويضاف إلى ذلك، أنه وجه جهوده للقضاء على التمرد في جليقية، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً. وكان عنبسة ذا حماس للفتوح، وللسير في الطريق التي سلكها السمح من قبله. وكان يرمي إلى الحفاظ على منطقة غالة القوطية، وحماية خطوط مواصلات العرب مع أربونة. ولهذا، فلم تكد الأمور تستقر له، حتى سار بجيش عظيم نحو بلاد غالة، أو جنوب فرنسا، وحاول تدعيم خط الدفاع أمام أربونة. فحاصر مدينة قرقشونة، وافتتحها بعد فترة وجيزة، وذلك بعد أن نزل المدافعون عن البلد على شروطه. فعقد معهم معاهدة صلح وافقوا بموجبها على منح نصف المدينة وما حولها للمسلمين، وأن يدفعوا الجزية، ويطلقوا سراح جميع الأسرى المسلمين الموجودين في المدينة، وأن يلتزموا بروح هذه المعاهدة، وذلك بمقاتلة أعداء المسلمين ومحالفة أصدقائهم (٢١). واستولى عنبسة بعد هذا على جميع غالة

стр. 46

القوطية، ووصل إلى نيمس Nimes، وأخذ رهائن من أهلها وأرسلهم إلى برشلونة، القاعدة الإسلامية في شمال شرق الأندلس. ومن هذا المكان سار المسلمون حتى أدركوا نهر رودنة، وصعدوا مع النهر إلى نهر الساؤون، ومن ثم توغلوا في إقليم برغندية وفتحوا مدينة أوتون Autun في ٢٢ آب ٧٢٥ م/ ربيع الثاني ١٠٧ هـ (٢٢). ويذكر بعض المؤرخين أن حملة عنبسة استمرت في سيرها حتى وصلت إلى مدينة أوزة Uzes، وفيفيه Viviers وفالانس Valence وليون، وماسون Macon، وشالون Chalon. ومن هناك تفرعت إلى فرعين، سار الأول نحو ديجون Dijon وبيز Beze ولانجر Langres، واتجه الثاني إلى أوتون مرة أخرى، ولم يقف تيار هذه الحملة إلا قرب بلدة سانس Sens، على بعد ثلاثين كيلومتراً إلى الجنوب من باريس، وذلك بسبب تصدي أسقف سانس للمسلمين ووقفه لتقدمهم (٢٣). وقد عاد عنبسة ومن معه من الجند، وذلك بعد أن وصلته أنباء بحدوث بعض القلاقل في البلاد. ولكنه لم يتمكن من الوصول إلى الأندلس، فقد هاجمته في طريق العودة جموع كبيرة من الفرنج، فاستشهد نتيجة للمعركة التي حدثت بين الطرفين في شعبان ١٠٧ هـ/ كانون الأول ٧٢٥ م. فقام القائد عذرة بن عبد الله الفهري -وتسميه المصادر المسيحية Hodera أو Hodeyra (٢٤) - بقيادة الجيش والعودة به إلى قواعده. وهو الذي خلف عنبسة على ولاية الأندلس. ويبدو أن حملة عنبسة لم تكن ترمي إلى الفتح المنظم الثابت، والدليل على هذا أنه لم يضع الحاميات في بعض المدن التي افتتحها، ولم يعمل على استقرار المسلمين في هذه المدن. وهذا يشير إلى أن حملته لم تكن سوى حملة سريعة بعيدة المدى، قصد منها الاستطلاع والتعرف إلى البلاد تمهيداً لفتوحات لاحقة. "ولو استقر عنبسة في ليون مثلاً"، كما يقول أحد المؤرخين المحدثين، "أو في أحد مراكز غالة الوسطى لكان في إمكاننا أن نقرر أنه فتح جنوبي غالة ووسطها، أما وقد عاد أدراجه بعد أن سار نحو

стр. 47

ألف ميل شمالي قرطبة فلا نستطيع القول إلا أن حملته الرائعة تلك لم تكن أكثر من غارة سريعة طويلة أتت بمغانم وفيرة ... ومهما يكن الأمر فإن عنبسة بن سحيم الكلبي ينفرد بين الفاتحين المسلمين بهذا الفخر، فخر الوصول برايات الإسلام إلى قلب أوروبا الغربية، ولم يدرك هذا الشأو بعد ذلك فاتح مسلم آخر" (٢٥). ونلاحظ على حملة عنبسة أيضاً أنها بعد أن فتحت قرقشونة لم تستمر بالاتجاه إلى طولوشة في مقاطعة أكيتانية، بل عدلت عن ذلك إلى إقليم بروفانس وبرغندية. ويرجع السبب في ذلك كما يرى بعض الكتّاب المحدثين إلى قيام علاقات صداقة بين المسلمين وبين الدوق أودو، دوق اكيتانية، الذي كان في ذلك الوقت يخشى بأس الدولة الميروفنجية، وحاجب ملكها شارل مارتل، صاحب الأمر في هذه الدولة آنذاك. وكان هذا الأخير يَنْفُس على الدوق أودو مكانته ويتمنى إزالته عن ولاية أكيتانية. وتربط المصادر اللاتينية صداقة الدوق أودو بحاكم شرطانية، منوسة البربري، فتذهب إلى أن الدوق أودو صاهر منوسة وزوَّجه من إحدى بناته لكي يأمنه على بلاده (٢٦). ولهذا فعند قدوم المسلمين بقيادة عنبسة لم يسر لحربهم كما فعل أيام السمح بن مالك، ولم يحاول أن يهاجمهم من الخلف بعد أن تركوا بلاده، بل سهل لهم السير في مقاطعة برغندية، فساروا حتى قاربوا نهر السين. ولهذا فقد انصرف العرب عن بلاده، لأنه كان حليفهم (٢٧). ومن الجدير بالذكر أن هناك من الكتاب الآخرين من ينفي وقوع مثل هذه الصلات بين العرب والمسلمين وبين الدوق أودو، وينفون أيضاً تعاون منوسة مع هذا الدوق، وعدائه لبعض الولاة من أمثال عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي. بل إنهم ينكرون أصلاً وجود شخص باسم منوسة، معتمدين في ذلك على أن هذا الاسم ليس لشخص، إنما قد يكون تحريفاً لاسم مكان (٢٨). ولا تخفى، بطبيعة الحال، الدوافع النبيلة التي تحمل هؤلاء الباحثين على هذا الرأي، وهي محاولة التصدي لبعض المؤرخين المسيحيين المتعصبين والمستشرقين الذين استغلوا هذه القصة أكثر مما يجب للنيل من المسلمين وتشويه فتوحاتهم في جنوب فرنسا. ومع هذا يبدو من الصعب إنكار وجود شخصية منوسة، الذي ورد اسمه ودوره صراحة في حولية سنة ٧٥٤ اللاتينية أو ما

стр. 48

تسمى بحولية أزيدور الباجي، المعاصرة لتلك الحقبة، والتي تتميز بعدم تحيز مؤلفها وموضوعيته في سرد الأحداث. لا تذكر المصادر العربية أية أعمال حربية أو فتوح لعذرة بن عبد الله الفهري. وهذا أمر طبيعي لأن مدة ولاية عذرة كانت قصيرة جداً (شعبان ١٠٧ - شوال ١٠٧ هـ/ كانون الثاني ٧٢٦ - آذار ٧٢٦ م). أما المصادر المسيحية فتنسب إليه القيام بأعمال حربية خطيرة، فتذكر أن النجدات جاءت من الأندلس إلى عذرة بعد توليه القيادة، فاستعرت الحرب من جديد، وأخذ المسلمون يوجهون حملاتهم نحو كل صوب. واتسمت هذه الحملات، على حد زعم رينو Reinaud، بالدمار والتخريب والعيث في المناطق التي توجهت إليها (٢٩). وهذه الروايات ملأى بالمبالغات عما تسميه مساوئ العرب والمسلمين ومظالمهم التي أنزلوها بهذه النواحي. فليس من المعقول أن المسلمين لم يفعلوا في جنوب فرنسا غير التخريب وحرق الأديرة والكنائس، بينما الثابت عنهم أنهم لم يفعلوا هذه الأمور قبل ذلك في أثناء تحريرهم للعراق وبلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا وإسبانيا، وكل هذه الأماكن كانت غاصة بالأديرة والكنائس. فما الذي حصل حتى غيّر المسلمين وقلب حالهم ومعاملتهم للشعوب المفتوحة في جنوب فرنسا؟ الواقع لم يحصل شيء، ولم يتغير المسلمون، ولكن حقد المؤرخين المسيحيين المتعصبين هو الذي صوّر لهم نسبة كل حرق وتخريب حصل في المنطقة إلى المسلمين، علماً أن العصر كله كان عصر فوضى واضطراب وحروب بين النصارى أنفسهم في هذه الجهات من غالة على وجه الخصوص. " وإذا نحن قارنّا المسلمين "، على حد تعبير أحد الكتّاب العرب المنصفين، " بالشعوب التي كانت تسود غالة في ذلك الحين، من فرنجة وقوط غربيين وقوط شرقيين وبرغنديين ومن إليهم، لتبينا أن المسلمين كانوا أعظمهم حضارة وأبعدهم عن النهب والتخريب. ومهما بحثنا في حوليات ذلك العصر فلن نجد بين من ظهروا على مسرح الحوادث في غالة خلال النصف الأول من القرن الثامن الميلادي رجالاً نستطيع أن نقارنهم بالسمح بن مالك أو عنبسة بن سحيم أو عبد الرحمن الغافقي " (٣٠). وعلى أية حال، فلا يمكن أن تكون الحملات والنشاط الحربي للمسلمين في هذه الحقبة إلا سلسلة من الجهود التي قام بها المستقرون منهم في منطقة سبتمانية من أجل تثبيت أقدامهم في هذه الجهات. أما الجهاد والفتح الحقيقي فلم يبدأ إلا بتولي عبد

стр. 49

الرحمن بن عبد الله الغافقي الأندلس سنة ١١٢هـ/ ٧٣٠ م، وهي ولايته الثانية. وكان قد تولى الأندلس، بعد عزل عذرة بن عبد الله الفهري عدة ولاة لم يقم أحدهم بعبور جبال ألبرت لاستئناف الفتح، وهم يحيى بن سلمة الكلبي وحذيفة بن الأحوص الأشجعي، وعثمان بن أبي نسعة الخثعمي، والهيثم بن عبيدة الكناني، ومحمد بن عبد الله الأشجعي، ولم تتجاوز مدة حكم كل من هؤلاء، باستثناء يحيى بن سلمة الذي حكم أكثر من سنتين، عدة شهور (٣١). الفتوح في عهد عبد الرحمن الغافقي: كان عبد الرحمن الغافقي من العرب البلديين، أي الذين دخلوا الأندلس مع حملتي طارق وموسى واستقروا فيها. وهو من القادة الأكفاء الذين ساهموا في حملات الفتح في جنوب فرنسا، وقاد المسلمين بسلام إلى الأندلس بعد استشهاد السمح بن مالك في معركة طولوشة. ويبدو من إجماع عرب الأندلس على تقديره أنه كان نزيهاً مؤمناً سليم الإيمان، حريصاً على تطبيق الشريعة فيما يخص توزيع الغنائم على الجنود (٣٢). وكان عبد الرحمن يعد من التابعين، ومن رواة الحديث النبوي الشريف، فقد ورد في ترجمته أنه روى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب (٣٣)، ولهذا كان محل احترام صلحاء المسلمين، فضلاً عن جنده، لعدالته في تقسيم الغنائم، وعدم رغبته في حطام الدنيا. ومما يؤسف له أننا لا نجد معلومات مفصّلة عن عبد الرحمن وعهده في المصادر العربية، وكل ما هناك أخبار مقتضبة عن حملته على جنوب فرنسا، ولعل السبب في ذلك يعود إلى الهزيمة التي حلت بالمسلمين في معركة بلاط الشهداء، فاكتفت المصادر العربية بالإشارات الموجزة العابرة إلى هذا القائد والمعركة الأليمة التي خسرها المسلمون. ومن جهة أخرى تسهب المصادر المسيحية في الحديث عنه، وعن الحملة التي قادها إلى فرنسا، كما تشير أيضاً إلى توتر العلاقات بين عبد الرحمن الغافقي، والقائد البربري المسلم، منوسة، الذي كان يحكم في منطقة شرطانية في الشمال. فقد أعلن هذا الأخير التمرد على السلطة، بعد ازدياد التوتر بين العرب والبربر في كل من

стр. 50

شمال أفريقيا والأندلس. وتزعم المصادر اللاتينية، أن منوسة عقد الصلح مع الفرنجة، ووثق علاقته معهم، دون استشارة الوالي في قرطبة. ولهذا فبعد سماع الغافقي بالموقف المعادي لمنوسة، وبالعلاقات القائمة بينه وبين الدوق أودو، دوق أكيتانية، أرسل حملة عسكرية نجحت في القضاء على التمرد، وقتلت منوسة (٣٤). وبعد أن نظم عبد الرحمن الغافقي البلاد، وقضى على الاضطرابات الداخلية، تهيأ لمجابهة تحدي الفرنجة وتهديدهم للحكم العربي الإسلامي في غالة القوطية. ويبدو أن عبد الرحمن الغافقي كان يختلف عمن سلفه من الولاة، فهو من طراز الفاتحين الذين يرسمون خطة الفتح الثابت المستقر. فمن جملة الأسباب التي دعته إلى استئناف الحملات على فرنسا، هو العمل على تأسيس وتثبيت موطئ قدم للمسلمين عبر جبال ألبرت، وتقوية قاعدة أربونة الإسلامية. ومن المحتمل أنه كان ينوي إسكان بعض البربر في منطقة الشمال الغربي من إسبانيا في المناطق المفتوحة في جنوب فرنسا. ويدل على هذا ما جاء في إحدى الحوليات المسيحية من أن المسلمين الذين عبروا إلى فرنسا كانوا بأعداد كبيرة، وقد اصطحبوا نساءهم وأطفالهم وممتلكاتهم المنقولة، مما يدل على أنهم كانوا ذاهبين للاستقرار هناك (٣٥). اتخذ عبد الرحمن من مدينة بنبلونة قاعدة لتجميع الجند المتوجهين للجهاد معه إلى جنوب فرنسا. ثم عبر جبال ألبرت من ممرات رونشفالة Roncesvalles، أي أنه لم يسلك الطريق المحاذي للبحر الذي يؤدي إلى سبتمانية، بل سلك طريقاً في وسط الجبال يفضي مباشرة إلى قلب دوقية أكيتانية. ولكنه قبل أن يهاجم هذه الدوقية توجه مع فرقة من جنده نحو وادي رودنة لإعادة فتح مدينة آرل Arles التي شقت عصا الطاعة، وتوقفت عن دفع الجزية، فاسترجعها بعد معركة عنيفة (٣٦). ويظن بعض المؤرخين الافرنج أن حملة الغافقي على مدينة آرل لم تكن سوى خدعة قصد بها صرف نظر الفرنجة عن وجهة الحملة الحقيقية، وهي دوقية أكيتانية في الجهة الشمالية (٣٧). فلما سقطت هذه المدينة توجهت جيوش عبد الرحمن مباشرة نحو بوردو عاصمة دوقية

стр. 51

أكيتانية، التي قاومت مقاومة واهية، فحاول المسلمون فتحها عنوة. وقد حاول الدوق أودو عبثاً أن يمنع تقدم عبد الرحمن وتوغله في أراضيه، فاشتبك معه في معركة حاسمة بالقرب من التقاء نهري الدوردوني Dordongne والجارون Garonne، مما أدى إلى انهزامه هزيمة قاصمة، انسحب على أثرها نحو الشمال. فدخل المسلمون عاصمته، وغنموا فيها غنائم هائلة، وعاقبوا كل من قاومهم من أهلها (٣٨). ثم تقدموا نحو اللوار يفتتحون كل ما وقع تحت أيديهم من المناطق التي تؤدي إلى مدينة تور Tours. وعندما أدرك الدوق أودو استحالة صد الجيوش الإسلامية الفاتحة، اضطر إلى الاستنجاد بشارل مارتل حاجب ملك الدولة الميروفنجية، وطلب مصالحته لصد المسلمين، خاصة وأن هدف هؤلاء التالي كان الوصول إلى أراضي دولة الفرنجة ذاتها. وقد أدرك شارل مارتل الخطر، فاستجاب إلى التماس أودو، وشرع في جمع الجند والفرسان من كل صوب، وبعث يستقدم الرجال من حدود الرين، فجاءه هؤلاء وكانوا من المحاربين الشماليين الأشداء الذين لا يقلون عن العرب والبربر شجاعة وقوة وصبراً في الحروب. وبهذا اجتمع للفرنج جيش قوي قادر على الثبات أمام الجيوش العربية الإسلامية (٣٩). كان المسلمون يتهيأون للاستيلاء على مدينة تور عندما سمعوا بوصول شارل مارتل وجنده. وقد التقى الجيشان في رمضان ١١٤هـ/ تشرين الأول ٧٣٢ م، وجرت بينهما مناوشات عديدة لمدة سبعة أيام. ثم تحول القتال إلى صدام مروع، رجحت كفة المسلمين في بدايته، لكنهم عجزوا عن اختراق صفوف الفرنجة وحلفائهم من الألمان والسكسون والسويف. يضاف إلى ذلك، أن الفرنجة هاجموا مؤخرة الجيش الإسلامي، مما أدى إلى الاخلال بنظام الجيش. وعندما حاول عبد الرحمن التدخل بشجاعة فائقة لإعادة النظام إلى صفوف جيشه، أصابه سهم من جهة العدو، فخر شهيداً في المعركة. وقد زاد هذا من إرباك المسلمين، لكنهم استمروا في القتال، وخلصوا مخيمهم في مؤخرة الجيش من أيدي الأعداء، إلى أن أقبل الليل فحجز بين الفريقين. ثم تشاور كبار قادة المسلمين وتوصلوا إلى قرار بالإنسحاب من موقع المعركة. فانتهزوا فرصة الظلام، وتسللوا نحو الجنوب، تاركين خيامهم وغنائمهم التي لم يتمكنوا من حملها معهم.

стр. 52

وتوجهوا نحو قاعدة المسلمين في سبتمانية وهي أربونة (٤٠). وعندما لاحظ الفرنجة في صباح اليوم التالي خلو معسكر المسلمين، ظنوا أن في الأمر مكيدة، وتريثوا في دخوله. وبعد أن تبين لهم رحيل المسلمين لم يلاحقوهم إما خوفاً من أن يكون انسحابهم شركاً، أو لاعتقاد شارل مارتل أنه قد أمن بعد هذه الموقعة على مملكته وأصبح لا يخشى عليها من عودة المسلمين. فرجع إلى الشمال مفتخراً بما أحرزه من نصر باهر (٤١). وهناك خلاف في المكان الذي حدثت فيه هذه الموقعة الفاصلة، فبالإضافة إلى ما ذكرنا آنفاً من أنها وقعت بالقرب من مدينة تور، فهناك من يرى أنها جرت في ضواحي مدينة بواتييه Poitiers (٤٢) . ويحتمل أن المعركة وقعت، كما يرى أحد المستشرقين الفرنسيين، بالقرب من طريق روماني يربط بين شاتلرو، Chatellerault وبواتييه، على بعد نحو عشرين كيلومتراً من المدينة الأخيرة، ربما بالقرب من مكان يدعى في الوقت الحاضر موسيه لاباتاي Moussais la Bataille (٤٣) . ويذكر المؤرخون العرب أن المعركة حدثت بالقرب من مكان يدعى بلاط الشهداء، مما يفهم منه أن مكان الموقعة كان إلى جوار قصر أو حصن كبير، ربما كانت له علاقة كبيرة بحوادث المعركة (٤٤). قبل الانتهاء من الحديث عن هذه الموقعة لا بد من الإشارة إلى العوامل التي أدت إلى خسارة المسلمين وتحليل هذه العوامل بشكل علمي دقيق. فلا يخفى أن الجيش العربي الإسلامي توغل مسافات شاسعة في أرض الأعداء، وبعد بذلك عن قلب الدولة الإسلامية. ولم يكن بمقدور الجيش أن يحصل على إمدادات من مركز الخلافة، أو حتى من قرطبة مركز ولاية الأندلس، لبعد المسافة، ولتفرق عرب الأندلس في نواحيها المختلفة نتيجة لاستقرارهم هناك. أما القواعد التي أقامها المسلمون خلف جبال ألبرت، كأربونة مثلاً، فلم تكن في وضع يسمح لها بإرسال الامدادات لحاجتها إليها في الدفاع

стр. 53

عن نفسها. ويقابل هذا العامل من الناحية الثانية، تكتل الإمارات في غالة، واستماتتها في الدفاع والوقوف أمام المسلمين. هذا فضلاً عن معرفة الافرنج للمواقع وطبيعتها ودروبها، وتعودهم على القتال في جوها المطير الشاتي وأرضها الموحلة، وتلالها الوعرة. يضاف إلى ذلك، أنه كان من السهل عليهم الحصول على الامدادات من كل نوع، وهذه أمور أساسية حُرم منها جيش عبد الرحمن الغافقي بعد توغله العميق في فرنسا (٤٥). أما ما يقال عن الخلاف بين صفوف الجيش، والنزاع بين عناصره المؤلفة من العرب والبربر، فلا يتوفر لدينا ما يشير إليه من قريب أو بعيد، اللهم إلا في الروايات المسيحية التي تبني حول قصة منوسة كثيراً من الأحداث الملفوفة بالأساطير. ولكن المتمعن في تكوين عناصر الجيش الذي قاده عبد الرحمن الغافقي، يلاحظ أنه كان يتألف من أغلبية من البربر الذين كانوا مستقرين في منطقتي الأشتوريش وجبال ألبرت. وبالإمكان التوصل إلى هذا الاستنتاج من حقيقة اتخاذ الغافقي لمدينة بنبلونة مركزاً لتجميع جنده. وكان هناك أيضاً الكثير من العرب في هذا الجيش، لا سيما القبائل اليمنية في منطقة سرقسطة والثغر الأعلى. ولكن البربر شكلوا الأغلبية، وكانوا، كما أسلفنا، برفقة أسرهم. وقد أرهق هذا الموقف الجيش، وقلل من قابليته على المناورة. ولم يكن باستطاعة الغافقي، الذي كان على علم بهذا الموقف، أن يقوم بعمل أي شيء بسبب رغبة رجاله الشديدة لحماية أسرهم. وهذه الحقيقة بالذات كانت هي السبب في ضعف موقف المسلمين، وليس تلهفهم على الغنائم، كما تحاول أن تصور ذلك بعض الروايات المسيحية (٤٦). وقد أدرك الفرنجة نقطة الضعف هذه في جيش المسلمين. ولهذا ففي أثناء الموقعة الفاصلة، هاجمت كتيبة من جيش الفرنجة -ربما كانت بقيادة دوق أكيتانية- مؤخرة مخيم المسلمين الذي كان يضم نساءهم وأطفالهم (٤٧). وما إن سمع المسلمون بهذا، حتى ترك الكثير منهم مواقعه، وذهب ليدافع عن أهله وأولاده. وكان هذا بداية لاختلال النظام في صفوفهم، وعاملاً رئيساً لهزيمتهم في المعركة (٤٨).

стр. 54

حركة الفتوح بعد معركة بلاط الشهداء: تعد موقعة بلاط الشهداء من المواقع الحاسمة في التاريخ، لأنها وضعت حداً للفتوح الإسلامية خلف جبال ألبرت. ويعلق المؤرخون الأوروبيون أهمية كبيرة عليها، فيقولون: لو أن العرب انتصروا في هذه المعركة لأصاب أوروبا مثلما أصاب إسبانيا، ولكان القرآن يدرس في جامعات باريس وكمبردج وأوكسفورد. وهناك من لا يعلق أهمية على هذه الموقعة، ويرى أن الامتداد الطبيعي للفتح العربي في إسبانيا هو جبال ألبرت. أما ما قاموا به من عمليات عسكرية وراء هذه الجبال، فلم يكن سوى توغل بدافع الحماس الديني والجهاد في سبيل نشر مبادئ الإسلام، دون أن يعملوا حساباً للتقهقر أو الانسحاب (٤٩). وعلى أية حال فإن حركة الفتوح الإسلامية لم تتوقف بعد موقعة بلاط الشهداء. فقد قام الوالي الذي عُيّن بعد استشهاد عبد الرحمن الغافقي، وهو عبد الملك بن قطن الفهري (رمضان ١١٤ - شوال ١١٦هـ/ تشرين الأول ٧٣٢ - تشرين الثاني ٧٣٤ م) في ولايته الأولى، بالتوجه إلى شمال إسبانيا. وهناك قضى على تمرد سكان ولايات كل من قطالونية Catalonia، وأراغون Aragon، ونافار Navarre، والباسك، الذين استغلوا فرصة اندحار المسلمين في جنوب فرنسا، فتمردوا على حكومة قرطبة (٥٠). ثم توجه مباشرة، كما تذكر بعض الروايات المسيحية، عبر جبال ألبرت إلى لانجدوك Languedoc في فرنسا، حيث قام بتحصين المدن التي كانت بأيدي المسلمين (٥١). ولكن نشاط حركة الفتوح في جنوب فرنسا ازداد بشكل ملحوظ في ولاية عقبة بن الحجاج السلولي (شوال ١١٦ - صفر ١٢٣ هـ/ تشرين الثاني ٧٣٤ - كانون الثاني ٧٤١ م) الذي أعقب عبد الملك بن قطن في ولاية الأندلس. وتتفق كل من المصادر العربية

стр. 55

والمسيحية على أن عقبة كان من أحد كبار القادة المسلمين الذين قادوا الحملات في شمال إسبانيا وجنوب فرنسا. ففي إسبانيا، كما أسلفنا، أخضع معظم المناطق القلقة في الشمال والشمال الغربي، مثل بنبلونة وجليقية والأشتوريش، حيث هاجم بلاي وأتباعه. ثم استأنف الفتوح الإسلامية فيما وراء جبال ألبرت. ونتيجة لنشاط عقبة أصبحت أربونة من أهم القواعد الإسلامية في جنوب فرنسا. وفي ولايته قام العرب المستقرين في لانجدوك بتحصين كل المواقع، التي كانت تدعى الرُبط، جمع رباط، حتى ضفاف نهر الرون Rhone (٥٢) . ومع هذا، فإن زمام المبادرة في هذا المجال لم يكن لعقبة، بل لعامله على أربونة، يوسف بن عبد الرحمن الفهري، الذي سيصبح فيما بعد الوالي الأخير للأندلس. فقد تحالف مع بعض الحكام والأمراء في سبتمانية، وبروفانس. وقد فضل هؤلاء الذين كانوا يخشون كلاّ من شارل مارتل، ودوق أكيتانية، مساعدة المسلمين للسيطرة على ولاياتهم ووضعها تحت الحماية الإسلامية. وكان من ضمن هؤلاء الزعماء، الدوق ماورنت Mauronte، الذي امتدت سلطته على جميع بروفانس، وكان يلقب بدوق مرسيلية Duke of Marseilles (٥٣) . لقد كان عقبة بن الحجاج متحمساً للأخذ بثأر هزيمة المسلمين في بلاط الشهداء، وتثبيت أقدام الدولة العربية وراء جبال البرتات. من أجل نشر الإسلام، وإغناء بيت المال. وتشير المصادر العربية إلى رغبة عقبة الشديدة في هداية سكان المناطق المفتوحة إلى اعتناق الإسلام، فتروي هذه المصادر، أنه كان من عادته التي لا يتخلى عنها حينما يأسر أسيراً أن يعرض عليه الإسلام. وبهذه الطريقة أسلم على يديه خلق كبير من المسيحيين (٥٤). ابتدأ عقبة نشاطه في الفتوح بأن اتخذ مدينة سرقسطة في الشمال الشرقي، قاعدة عسكرية له، حيث نظم قواته هناك (٥٥). ويحتمل أنه بدأ من هذا المكان بمساعدة عامله على أربونة وإمداده بالجنود. وفي سنة ١١٧هـ/ ٧٣٥ م عبر الأخير نهر الرون، ودخل المناطق التابعة لمدينة آرل، ثم توغل بعد ذلك في قلب ولاية بروفانس، وافتتح مدينة

стр. 56

فرتا Fertta التي تدعى الآن سان ريمي St. Remi. ومن ثم ذهب إلى أفنيون، وافتتحها على الرغم من المقاومة المستميتة التي أبدتها حامية المدينة. وهكذا وقع القسم الأكبر من بروفانس تحت ظل الحكم العربي الإسلامي الذي استمر نحو أربع سنوات (٥٦). وفي هذه الفترة، قامت جيوش الأندلس، ربما بقيادة عقبة نفسه، بمهاجمة العديد من الأماكن الأخرى، مثل دوفينية Dauphine، وسان بول تروا St. Paul Trois Chateaux، ودونزير Donzere. ثم هاجموا ولايات شارل مارتل، وهكذا أدركوا ثأر المسلمين في معركة بلاط الشهداء. وأعادت هذه الجيوش أيضاً فتح مدينة ليون، ودخلت برغندي، وتمكنت من التوغل والوصول إلى جبال دوفينية وبيدمونت Piedmont في إيطاليا (٥٧). ولكن شارل مارتل، الذي ذعر نتيجة لهذه الانتصارات، بادر بالعمل فوراً على مقاومة المسلمين. وتمكن بمساعدة أخيه شلدبراند Childebrand من أن يعيد احتلال الكثير من الأماكن الحصينة مثل أفنيون، ثم تقدم بعد ذلك إلى أربونة التي انقطعت عنها الاتصالات بالأندلس بسبب المقاومة المسيحية في جبال ألبرت. وقد أرسل عقبة، الذي عاد إلى قرطبة، حملة لنجدة أربونة، كانت، كما تذكر الحوليات اللاتينية، بقيادة رجل يدعى عمر. ولم تنجح هذه الحملة التي جاءت إلى أربونة عن طريق البحر في إنقاذ المدينة لأن شارل مارتل تمكن من دحرها بعد فترة وجيزة من نزولها على الشاطئ إلى الجنوب من أربونة (٥٨) على الرغم من ذلك لم يتمكن شارل مارتل من احتلال أربونة التي ظلت قاعدة إسلامية في جنوب فرنسا إلى عهد عبد الرحمن الأول مؤسس الإمارة الأموية.

стр. 57

الفَصْلُ الرَّابِع استقرار العرب واستيطانهم في إسبانيا لقد سارت عملية استقرار العرب في إسبانيا جنباً إلى جنب مع الفتح العربي الإسلامي، حيث كان كل من طارق بن زياد وموسى بن نصير يتركان حاميات عربية وبربرية في المناطق المفتوحة شكلت نواة للمستقرين المسلمين في إسبانيا. وعندما عاد الفاتحان إلى المشرق، ظل جنودهما في المناطق المحررة، كل حسب رغبته. وكان هؤلاء يتألفون بالدرجة الأولى من العشائر العربية والبربرية التي رافقت طارق وموسى. وقد أطلقوا على أنفسهم اسم البلديين، لأنهم عدوا أنفسهم المالكين الحقيقيين للبلاد، فهم أهل البلد وفاتحوها. وهناك مجموعة أخرى من العرب دخلت الأندلس بعد فترة وجيزة من الفتح، تتألف من العشائر الشامية التي عبرت من شمال أفريقيا على أثر تمرد البربر في المغرب. وقد سمي هؤلاء بالشاميين، أو بطالعة بلج بن بشر القشيري، الذي كان يتزعمهم في عبورهم إلى الأندلس. وإذا ما استثنينا المستقرين الأوائل أو البلديين، والقادمين من الشاميين، فإن عدد العرب الذين دخلوا الأندلس بعد الفتح كان قليلاً. ويتكون هؤلاء من بعض الأفراد الذين عبروا بصورة منفردة، ومن الحرس الذين رافقوا الوالي الحر بن عبد الرحمن الثقفي، وكان عددهم نحو أربعمئة رجل. وكذلك عبر بعض الرجال برفقة ولاة آخرين، مثل السمح بن مالك الخولاني، وأبو الخطار الكلبي. البلديون: وهؤلاء، كما أسلفنا، هم الفاتحون الذين تغلبوا على دولة القوط الغربيين، واستقروا مباشرة في الأراضي المفتوحة، وبشكل خاص، على امتداد الطريق التي سلكها

стр. 58

كل من طارق بن زياد وموسى بن نصير أثناء فتوحاتهما لشبه الجزيرة الآيبيرية (١). ولم يستقر هؤلاء البلديون تبعاً لترتيبات وضعها موسى بن نصير، بل جاء استقرارهم تبعاً للصدفة، وفي المناطق التي مرت بها الحملات العربية الإسلامية. وفي الحقيقة تختلف الروايات في الإجراءات التي اتخذها موسى بن نصير لتقسيم الأراضي المفتوحة في الأندلس، فمنها ما يؤيد أنه قسم البلاد بعد اكتمال الفتح، فاحتفظ بحصة الخلافة من الأراضي، وهي الخمس، ووزع الباقي بين جنوده. ويقال أيضاً إنه خصص العديد من السبي ليزرعوا أراضي الخمس ويبقوا فيها. وكان على هؤلاء أن يدفعوا ثلث محصولهم للمسلمين، وأصبحوا يُسمون بالأخماس، وكذلك عُرف أبناؤهم ببني الأخماس. أما بالنسبة للمسيحيين الذين اعتصموا في المعاقل المنيعة، والمناطق الجبلية، فقد أقرهم موسى على ممتلكاتهم، وديانتهم، شريطة أن يدفعوا الجزية للمسلمين. وسميت الأراضي التي ظلت بحوزة هؤلاء باسم أرض الشمل أو أرض الصلح (٢). وهناك روايات أخرى لا تشير إلى تقسيم موسى لكل أراضي البلاد، بل إنه لم يتمكن إلا من إنجاز تقسيم أجزاء محدودة من الأندلس بسبب عودته السريعة إلى المشرق (٣). ويمكن أن نعتمد على هذه الروايات ونأخذ بها، لأنها تتفق مع الوقت القصير الذي صرفه موسى في الأندلس. ولقد رأينا فعلاً أن موسى عقد معاهدة مع أهالي ماردة خوَّلته حق الاستيلاء على ممتلكات الذين قتلوا، والهاربين إلى جليقية. ومن الواضح أن قسماً من جيش موسى استقر في هذه الأراضي المهجورة. ومن المحتمل جداً، أن بقية أتباع موسى فعلوا الشيء نفسه واستقروا في العديد من الأماكن الأخرى، سواء تم عقد معاهدات مع أهلها أم لم يتم ذلك، وبشكل خاص، في جنوب إسبانيا، ووادي نهر الوادي الكبير، ووادي نهر آنة، وبعض الأماكن الأخرى في المناطق الشمالية التي تم فتحها عنوة. أما في شرق إسبانيا، فقد عقد عبد العزيز بن موسى معاهدة الصلح مع حاكم المنطقة القوطي تدمير، فانتظم بموجبها استقرار العرب وعلاقاتهم مع السكان النصارى في المنطقة. وقد استسلمت مناطق أخرى إلى المسلمين بموجب معاهدات صلح، مثل مدينة وشقة Huesca (٤) . ووافق أهالي البلاد في هذه المناطق على دفع الجزية، وتسليم قسمٍ من أراضيهم للمسلمين ليستقروا فيها (٥).

стр. 59

وهكذا استقر البلديون في الأندلس، ووافقت الخلافة الأموية على هذا الاستقرار، بل إن الخليفة الوليد بن عبد الملك، منح، من خمس الخلافة، إقطاعات أخرى لأولئك الذين لم يكونوا راضين عما أصابهم من أراضٍ في الأندلس. وعندما أصبح عمر بن عبد العزيز خليفة في دمشق (٩٩ - ١٠١هـ/٧١٧ - ٧١٩ م) اهتم كثيراً بشؤون المسلمين في الأندلس. ولقد حاول في أول الأمر -تبعاً للسياسة التي سار عليها في المشرق- أن يأمر بالانسحاب الكامل من البلاد. ولما أدرك صعوبة تحقيق مثل هذا الأمر، وجه جل اهتمامه إلى الاعتناء بشؤونها الداخلية. فعين من قبله مباشرة والياً جديداً، وأوصاه أن ينهي المهمة التي ابتدأها موسى بن نصير، وهي تقسيم الأرض، من أجل أن يُحدّد خمس الخلافة. وعندما وصل الوالي الجديد، السمح بن مالك الخولاني، إلى الأندلس مع بعض أتباعه، رفض البلديون أن يسمحوا لأي من هؤلاء القادمين الجدد أن يشاركوهم في أراضيهم. وتوجه وفد منهم إلى دمشق يشكون إلى الخليفة، ويهددون بإخلاء الأندلس، لو حاول أتباع السمح بن مالك الاستقرار في أراضيهم. ولقد حل الخليفة هذه المشكلة، بأن منح أتباع السمح أراضٍ من حصة الخلافة. وأصبح هذا الإجراء، هو الطريقة المثلى لإسكان الجماعات الصغيرة من العرب التي تدخل إلى الأندلس فيما بعد (٦). استمر السمح بن مالك في إنجاز مهمة تقسيم الأرض، فابتدأ بقرطبة ونواحيها محدداً أحد القصور التي تقع جنوبي المدينة ليكون جزءاً من خمس الخلافة. ولكن روايات أخرى تذكر أن قرطبة كانت قد قسمت في عهد موسى بن نصير، وأن هذه المنطقة التي تقع جنوبيها بالذات، اعتبرت، إضافة إلى مناطق أخرى، ضمن حصة الخلافة (٧). وبناء على أوامر من الخليفة عمر بن عبد العزيز، حول السمح بن مالك المنطقة الواقعة جنوب قرطبة إلى مقبرة عامة للمسلمين (٨). وتذكر المصادر أن السمح أرسل رجالاً ليقوموا بمهمة تقسيم الأراضي في مناطق متعددة أخرى، ولكن لا تتوفر معلومات إضافية عن طبيعة هذه المهام أو نتائجها، ويذكر ابن القوطية، أن الخليفة عمر، أرسل إلى جانب السمح بن مالك رجلاً آخر يدعى جابر، ليتولى مسؤولية تقسيم

стр. 60

الأرض (٩). وهذا إجراء محتمل جداً، وتوجد عليه أدلة وسوابق في أماكن أخرى من الدولة العربية. ففي العراق على سبيل المثال، عين الخليفة سليمان بن عبد الملك، صالح بن عبد الرحمن، ليمثله ويتولى مسؤولية الخراج والضرائب، من أجل إحكام السيطرة على الشؤون المالية للولاية وحفظها لصالح الخلافة (١٠). وعلى أية حال، فقد توقفت عملية تقسيم الأرض في الأندلس، نظراً لوفاة الخليفة عمر بن عبد العزيز (١٠١ هـ/٧١٩ م) وكذلك وفاة عامله السمح بن مالك الذي استشهد في معركة قرب مدينة طولوشة عام ١٠٢ هـ/٧٢٠ م، كما أسلفنا في الفصل الثالث. وظلت وضعية الأرض، وسيادة البلديين دون تغير حتى وصول الشاميين، وولاية أبي الخطار الكلبي، حين تطلبت الظروف إيجاد أراضٍ جديدة لاستقرار القادمين الجدد من القبائل الشامية. لقد كان البلديون يتألفون بشكل عام من رجال العشائر العربية الذين ينتمون إلى مختلف القبائل اليمنية، ومع ذلك، فقد كانت قلة منهم تنتمي إلى عشائر أخرى من مضر وربيعة. وفيما يأتي محاولة للتعرف على نماذج من هؤلاء البلديين ومناطق سكناهم واستقرارهم في الأندلس. يُعد الأنصار أو المدنيون من أشهر العشائر التي رافقت حملة موسى بن نصير، وقد توزعوا بعد الفتح في مختلف أماكن شبه الجزيرة الآيبيرية، ولكن مناطق استقرارهم الرئيسة، أو منازلهم، كما كانت تسمى، كانت تقع في منطقة سرقسطة (١١). وكان من هؤلاء أسر معروفة من الأوس والخزرج، من أشهرهم أحفاد سعد بن عبادة، أحد أصحاب الرسول ﷺ . وقد استقر هؤلاء بالقرب من سرقسطة، وفي مناطق أخرى من الأندلس، مثل شذونة، وقرطبة (١٢). كما سكن جماعة منهم في شرق الأندلس، في منطقة شارقة Jerica ( في محافظة قسطليون الحالية)، وكان لهم قلعة تسمى بقلعة الأشراف (١٣). ويرجع حكام غرناطة، آخر الممالك الإسلامية في الأندلس، في أصلهم

стр. 61

إلى شجرة نسب الأسرة التي تنتمي إلى قيس بن سعد بن عبادة، وقد سكن هؤلاء بالأصل في منطقة أرجونة في محافظة جيان الحالية (١٤). واستقر مدنيون آخرون من الأوس والخزرج في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة، من هؤلاء بنو خبيب، وبنو قطين الذين استقروا في قرية قرب قبرة Cabra، التي تبعد نحو سبعين كيلومتراً جنوب غربي قرطبة (١٥). ومن الأماكن الأخرى التي اختارها الأنصار للسكن، قلعة رباح Castillo de Calatrava la Vieja، ووادي الحجارة Guadalajara وشلب Silves جنوبي البرتغال الحالية (١٦). وقد تركز الأزد في منطقة تدمير في محافظة مرسية Murcia الحالية. وكان أحد زعمائهم الكبار، يعيش بن عبد الله الأزدي، أحد القادة المرافقين لعبد العزيز بن موسى، والذي شهد على معاهدة الصلح التي عقدت بين المسلمين وتدمير Theodemir (١٧) . وسكن بنو دوس، وهم فرع في الأزد، في تدمير أيضاً، وكان من أشهرهم قوم يعرفون ببني هارون (١٨). واستقر أزديون آخرون في مناطق أخرى مثل بني وهيب في لورة Illora ثم اشبيلية، وبني المهلب بن أبي صفرة في شون Jun قرب غرناطة، وفي منطقة أخرى قرب جيان (١٩). أما رجال القبائل من غافق، فقد استقروا على طول الطريق التي سلكتها حملة موسى بن نصير، مثل الجزيرة الخضراء، وشذونة في الجنوب، وسرقسطة في الشمال الشرقي (٢٠). ولكن تجمعات سكناهم الرئيسة كانت في مناطق اشبيلية، وقرطبة وإلى حد ما في طليطلة والبيرة. وكان إقليم الشرف Aljarafe، الذي يقع إلى الغرب من اشبيلية، موطناً للعديد من الغافقيين. ومن هؤلاء عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي والي الأندلس

стр. 62

الذي استشهد في معركة بلاط الشهداء، وقد استمر أعقابه في العيش غربي اشبيلية على ضفة نهر الوادي الكبير (٢١). وهناك منطقة أخرى لاستقرار عشيرة غافق تقع إلى الشمال من قرطبة (٢٢). وإلى الشمال الغربي من هذا المكان كان يقع حصن يدعى بحصن غافق مما يشير إلى استقرار عدد كبير من هذه العشيرة، وقد برز من هؤلاء قاضيان مشهوران في عهد الإمارة، وهما سعيد بن سليمان الغافقي، وسليمان بن أسود الغافقي (٢٣). ومن المناطق الأخرى لاستقرار هذه العشيرة، قرية الغافقيين قرب طليطلة (٢٤)، وقرية الملاّحة La Mala جنوبي غرناطة التي كانت تشتهر بكونها منجماً للملح (٢٥). ومن القبائل اليمنية الأخرى التي رافقت حملة موسى بن نصير لخم وجذام. وينتمي إلى القبيلة الأولى التي استقرت في مناطق مختلفة، مثل شرق الأندلس واشبيلية، أيوب بن حبيب اللخمي، ابن أخت موسى بن نصير، الذي أصبح والياً على الأندلس بعد مقتل عبد العزيز بن موسى. وقد استقر في اشبيلية، ولكن بعض أحفاده انتقلوا إلى كورة رية (محافظة مالقة الحالية) (٢٦). ويبدو أن قادة عديدين من هذه العشيرة كانوا بمعية موسى بن نصير أثناء مجيئه إلى الأندلس، منهم بشر بن قيس اللخمي الذي وقع على معاهدة الصلح مع تدمير (٢٧)، وعبد الرحمن بن كثير اللخمي، الذي اختاره أهل الأندلس لتولي النظر في الأحكام بعد وفاة الوالي ثوابة بن سلامة الجذامي (٢٨)، وعبد الرحمن بن علقمة اللخمي الذي أصبح حاكماً على أربونة في أثناء ولاية عبد الملك بن قطن الفهري، ولعب دوراً مهماً في الصراع مع بلج بن بشر القشيري (٢٩). أما عشيرة جذام، فقد استقرت في تدمير، وقلعة رباح (٣٠)، والثغر الأعلى. وقد

стр. 63

استقر بنو هود، الذين حكموا سرقسطة في عصر ملوك الطوائف، في المنطقة الأخرى وهم ينتمون إلى هود الجذامي، الذي هو الداخل الأول من هذه العشيرة إلى الأندلس، وسكنت جماعات أخرى من بني هود في كورة البيرة في إقليم غني سمي باسمهم إقليم بني هود (٣١). أما عشيرة معافر، فتعد من أولى العشائر العربية التي استقرت في الأندلس. وقد جاءت هذه العشيرة مع حملة طارق بن زياد، وكانت بقيادة عبد الملك بن أبي عامر المعافري، الذي لعب دوراً بارزاً في افتتاح الجزيرة الخضراء وحصن قرطاجنة. وقد استقر هو وأتباعه في الجزيرة الخضراء، وبعد ذلك انتشر أعقابه في البلاد، ومنهم الوزير المشهور والحاجب ابن أبي عامر المنصور (٣٢). وينتمي إلى عشيرة معافر أسر عريقة أخرى في الأندلس، مثل بنو جحاف في بلنسية، وبنو منخل في جيان (٣٣)، وبنو شراحيل في قرطبة (٣٤). وكانت إحدى القرى التي تقع إلى الجنوب من إشبيلية تعد من أهم أماكن استقرار هذه العشيرة، وقد سميت باسمها "قرية كنتش معافر" (٣٥). ويبدو أن هؤلاء جاؤوا بعد الفتح، وأُقطعوا أراضي من خمس الخلافة. ويدل على ذلك أن كلمة "كنتش" ما هي إلا تحريف للكلمة اللاتينية Quintus (Quinto بالاسبانية) التي تستعمل للدلالة على الخمس من ممتلكات أو مزارع الفرد (٣٦). وقد ضمت حملة موسى بن نصير مجموعة من رجال القبائل الذين ينتمون إلى عشيرة تجيب، وكانوا بقيادة قادة من أمثال سليمان بن قيس التجيبي الذي شهد على معاهدة الصلح مع تدمير (٣٧). وقد سكن عدد كبير من هذه العشيرة في منطقة الثغر

стр. 64

الأعلى في الشمال الشرقي، الذي أصبح الموطن الرئيس لتجيب في الأندلس، لا سيما سرقسطة، ودروقة، وقلعة أيوب (٣٨). وقد برز من هؤلاء عميرة بن المهاجر وأخيه عبد الله بن المهاجر، وأصبح الأول حاكماً على مدينة برشلونة لمدة سنتين في أثناء الفترة المبكرة التي أعقبت الفتح (٣٩). واستطاع بنو صمادح، الذين ينتمون إلى الأسرة نفسها، السيطرة على مدينة وشقة وما حولها (٤٠). كما عاش بنو سلمة التجيبيون في هذه المدينة أيضاً (٤١). وهناك عشائر يمنية أخرى استقرت في الأندلس، مثل خولان، الذين استقروا في كورة الجزيرة الخضراء حيث كان لهم قلعة تسمى بقلعة خولان خثعم (٤٢)، حيث كانت شذونة موطناً رئيساً لاستقرارهم (٤٣). أما بجيلة، فقد كان موطنها بالقرب من مدينة أربونة (٤٤). وقد عاش عدد كبير من المراديين في قرطبة ومناطقها، حيث كان لهم غربي المدينة حصن يعرف باسمهم (٤٥). وسكن الجد الأعلى لبني مزين، الذين ينتمون إلى عشيرة أود في أكشونبة Faro Ocsonaba جنوبي البرتغال الحالية، وقد استمرت هذه الأسرة بالعيش في هذه المنطقة واستطاعت أن تنفرد بحكمها في عصر الطوائف، حيث اتخذت من مدينتي باجة وشلب قاعدة لها (٤٦). واستقرت منذ زمن الفتح أعداد كبيرة من عشيرة يحصب في القلعة الملكية التي أصحبت تعرف باسم قلعة يحصب (في محافظة جيان الحالية) (٤٧). وتعد عشيرة بليّ من العشائر القضاعية التي استقرت في الأندلس ضمن جماعة البلديين. وكان من زعماء هذه العشيرة زياد بن عذرة البلوي الذي شارك في عملية

стр. 65

اغتيال عبد العزيز بن موسى (٤٨). وقد استقرت هذه العشيرة إلى الشمال الغربي من قرطبة في مكان سُمي بلّي على اسمهم يقع في فحص البلوط، الذي كان يشتهر بموارده الغنية؛ لا سيما البلوط والزئبق (٤٩). واستقرت عشيرة خشين القضاعية في أماكن مختلفة لا سيما في الجنوب، حيث كان لهم مكان يسمى بجزء خشين (٥٠). أما عشيرة عذرة، فكان موطنها الرئيس في ولاية Dalias في محافظة المرية الحالية (٥١)، وفي الثغر الأعلى، لا سيما في سرقسطة (٥٢). وكان لهذه العشيرة مناطق وقرى بالقرب من المرية من أهمها جزء زغيبة بن قطبة وياسين بن يحيى العذريين (٥٣)، وقرية عذرة (٥٤). وإلى هذه العشيرة ينتمي الجغرافي العربي المعروف، أحمد بن أنس العذري، صاحب كتاب ترصيع الأخبار وتنويع الآثار. أما البلديون من مضر فكانوا ينتمون إلى عشائر مختلفة، مثل هذيل الذين استقروا في أوريولة Orihuela في محافظة مرسية الحالية (٥٥)، وفي سرقسطة ومناطق أخرى من الشمال الشرقي (٥٦). وكذلك تميم، الذين استقروا في اشبيلية وفي منطقة قرب طلبيرة إلى الغرب من طليطلة، تسمى زبارقة، نسبة إلى الزبرقان بن بدر، إحدى شخصيات تميم المشهورة (٥٧). وكان بعض زعماء قريش من أهم المضريين الذين رافقوا حملة موسى بن نصير، وتولوا فيها مناصب قيادية مهمة. وينتمي هؤلاء إلى فهر، وزهرة، وعبد الدار، وعدي ابن كعب، وسهم، وغيرها من أمهات العشائر القرشية. ولقد أنجبت فهر اثنين من أشهر ولاة الأندلس، وهما عبد الملك بن قطن الفهري، ويوسف بن عبد الرحمن الفهري، وقد استقر الثاني في البيرة، ثم انتقل إلى قرطبة حينما أصبح والياً للبلاد (٥٨). وبرز من

стр. 66

ذرية الأول أسر كبيرة في الأندلس، أشهرها بيت الجد الأعيان في اشبيلية ونبلة (٥٩). أما بنو زهرة، فقد دخل منهم عبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، الذي كان على قيادة ميسرة جيش موسى بن نصير في أثناء فتح الأندلس، وهو أول من استقر في مدينة باجة في جنوب البرتغال، وسكنت ذريته في هذه المدينة، وفي بطليوس، واشبيلية (٦٠). كما استقرت جماعات أخرى من زهرة أيضاً في سرقسطة في الشمال الشرقي (٦١). ودخل الأندلس من بني عبد الدار، رجل شهير يدعى عامر بن عمرو بن وهب العبدري، الذي اتخذ مسكنه غربي قرطبة، قرب إحدى بواباتها التي سميت باسمه، باب عامر. وقد عاش أحفاده في منطقة سرقسطة فى قرية يقال لها قربلان (٦٢). وتشير بعض المصادر إلى استقرار بعض الأفراد من عشيرة عدي بن كعب، الذين ينتمون إلى ذرية الخليفة عمر بن الخطاب ﵁. وكان موطن هؤلاء الأول، هو طليطلة (٦٣). ومن البلديين أيضاً عشائر متفرقة من قيس، أشهرها فهم، التي كان لها موطن بالقرب من طليطلة يدعى (الفهميون) (٦٤). وكذلك سُليّم، الذين استقروا في بلفيق في محافظة المرية (٦٥). وبعض من أفراد عبس وذبيان، حيث سكن قسم من العبسيين في أبذة Ubeda في محافظة جيان الحالية (٦٦). أما البلديون من قبائل ربيعة، فقد كانوا قلة، ومن أشهرهم جماعة سعدون الربعي، الذي رافق حملة عبد العزيز بن موسى إلى تدمير، وشهد على وثيقة الصلح مع قائدها القوطي، وربما سكن هو وعشيرته في هذه المنطقة (٦٧).

стр. 67

الشاميون: وهؤلاء بالأصل من القبائل العربية التي كانت ساكنة في بلاد الشام، أرسلها الخليفة الأموي، هشام بن عبد الملك، إلى شمال أفريقيا للقضاء على تمرد البربر هناك. وكان هؤلاء الشاميون بقيادة كلثوم بن عياض القشيري، ويبلغ عددهم نحو ثلاثين ألف رجل. وقد استطاع البربر أن يهزموهم، ويقتلوا قائدهم كلثوم مع العديد من القواد الآخرين في معركة بقدورة بالقرب من نهر سبو (١٢٤ هـ/٧٤١ م). أما الناجون من الشاميين، فقد توجهوا بقيادة بلج بن بشر، ابن أخي كلثوم، إلى جهة المغرب، حيث دخلوا مدينة سبتة وتحصنوا فيها. وقد حاصرهم البربر لمدة بضعة أشهر، وخربوا المناطق المحيطة بالمدينة، وأقفروا ما حولها مسيرة يومين، حتى كاد بلج وأتباعه الذين كانوا يبلغون نحو عشرة آلاف رجل، أن يهلكوا من قلة موارد العيش. وأصبحت حالتهم في سبتة تعيسة للغاية، فاضطروا إلى أكل دوابهم، وأضحوا على شفا الموت جوعاً (٦٨). وكانت الأندلس في تلك الأثناء يحكمها الوالي عبد الملك بن قطن الفهري. وقد التمس بلج بن بشر عدة مرات من عبد الملك بن قطن، أن يسمح له ولرجاله بالعبور إلى الأندلس، ولكن الأخير امتنع عن السماح للقادمين الجدد بالدخول، ورفض طلب بلج، وكان عبد الملك بن قطن وكبار رجال البلديين، يخشون من دخول الشاميين واحتمال قيام بلج بن بشر بإبعاد عبد الملك عن ولاية الأندلس، التي كانوا يعدونها، كما أسلفنا، بلدهم الخاص بهم، ولا يسمحون باستقرار عشرة آلاف رجل آخر في أراضيهم التي افتتحوها بأنفسهم. وهكذا رفض عبد الملك بن قطن كل التماسات أهل الشام، كما منع إرسال أية تموينات إليهم، وعاقب بقسوة أولئك الذين تجرأوا على شحن الأطعمة للشاميين (٦٩). لكن تطور الأحداث في الأندلس ذاتها، اضطر عبد الملك بن قطن إلى تغيير رأيه. فقد أثرت أحداث شمال أفريقيا على الأندلس، وقام البربر بالتمرد على العرب في هذه الولاية أيضاً. وعندما فشلت قوات عبد الملك الخاصة بالقضاء على هذا التمرد، أيقن أنه لا خيار له من أجل التغلب على البربر، إلا بالسماح بدخول الشاميين إلى الأندلس. فعقد معهم اتفاقاً، كان على الشاميين بموجبه أن يسلموا إليه عشرة

стр. 68

رهائن من كل جند لضمان مغادرتهم الأندلس خلال سنة واحدة، بعد أن يكونوا قد هزموا البربر. وبالمقابل فقد تعهد عبد الملك بنقلهم أثناء عودتهم إلى شمال أفريقيا في مجموعة واحدة، دون أن يفصلهم، أو يعرضهم لخطر البربر في شمال أفريقيا. فعبر بلج ورجاله، واستطاعوا أن ينتصروا بسرعة على البربر في الأندلس، ثم رفضوا أن يغادروا البلاد. ومن هنا فقد قام صراع مرير بين المستقرين الأوائل، أو البلديين، وبين الشاميين، استمر حتى وصول والٍ جديد للأندلس، هو أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي، سنة ١٢٥ هـ/٧٤٢ م. لقد كان على علي بن أبي الخطار أن يعمل على إيجاد جو مناسب لاستقرار الشاميين في البلاد، ولم تكن هذه المهمة سهلة، لأن قرطبة كانت قد ازدحمت كثيراً، والبلديون يطالبون بانسحاب الشاميين وإخراجهم من البلاد، ولحل هذه المشكلة قرر أبو الخطار أن يمنح الشاميين إقطاعات من الأرض، في مناطق لم يستقر فيها البلديون بعد، تقع في كور معينة من الأندلس، وبهذا يتمكن الشاميون من الاستقرار تحت إمرة زعمائهم، وأن يكونوا جاهزين للجهاد والخدمة في الجيش العربي وقت الحاجة (٧٠). وقد جرى توزيع الشاميين واستقرارهم في الأندلس على غرار تجمعاتهم السابقة في بلاد الشام، أي نظام الجند. وقد تحرى أبو الخطار أن يكون استقرار كل مجموعة في مكان يحمل بعض التشابه للجند الأصلي الذي كانت تنتمي إليه في بلاد الشام. ومن هنا، فقد استقر جند دمشق في البيرة، وجند حمص في اشبيلية ونبلة، وجند قنسرين في جيان، ووزع جند فلسطين بين شذونة والجزيرة الخضراء، وجند الأردن في رية (محافظة مالقة الحالية)، أما جند مصر، فقد قسم إلى قسمين، وزع الأول على أكشونبة Ocsonaba (Faro) ، وباجة في جنوب البرتغال الحالية، والثاني في تدمير (محافظة مرسية الحالية) (٧١). أما أولئك الشاميون الذين سكنوا في مناطق مختلفة مع البلديين، قبل ترتيبات الاستقرار التي وضعها أبو الخطار، فقد بقوا في أماكنهم الأولى، ولهذا سموا بالشاذة، لأنهم شذوا في أماكن استقرارهم عن بقية إخوانهم الشاميين (٧٢). وباستثناء كورة تدمير، لا تتوفر لدينا معلومات تشير إلى أن أياً من أماكن الاستقرار

стр. 69

هذه قد تم الاستيلاء عليها نتيجة معاهدات صلح عقدت بين العرب وأهل البلاد. ولكن يبدو من الواضح في زمن الوالي أبي الخطار، أن السكان المحليين كانوا يمتلكون معظم هذه المناطق. وكان البلديون، بطبيعة الحال، قد افتتحوا بعض هذه المناطق عنوة، ولكن من المحتمل جداً أن السكان المحليين استمروا في الاحتفاظ ببقية هذه الأراضي. ويعود هذا إلى قلة عدد المسلمين الفاتحين الأوائل، وإلى حصانة مواقع بعض هذه الأماكن. ولكن وصول الشاميين غير ميزان القوى في البلاد لصالح المسلمين، ومن هنا فلم تكن هناك مشكلة أمام أبي الخطار لإنهاء اتفاقية عبد العزيز - تدمير في منطقة مرسية، ولتوزيع أجزاء من الأراضي التي كانت ما تزال بيد السكان المحليين على الجنود الشاميين في الكور المذكورة أعلاه، والتي أصبحت منذ ذلك الوقت تسمى بالكور المجندة. وكانت تنظيمات أبي الخطار تنص أن يكون للشاميين ثلثا الأراضي والمزارع التي يستقرون فيها، ويبقى الثلث الآخر للسكان المحليين الذين استمروا في الزراعة والعمل على ازدهار قراهم وأراضيهم (٧٣). لم يكن الشاميون مطالبين بالقيام بأية التزامات أخرى ما عدا الخدمة في الجيش، والاستعداد للجهاد عند الحاجة. وكانوا معفين من أداء العشور على الأراضي التي يقيمون عليها، بينما كان يتوجب على البلديين، وبقية المسلمين الآخرين دفع هذه الضريبة. وفي العهود اللاحقة، أثناء فترة الإمارة وعصر الخلافة، حصل الشاميون على امتيازات أخرى على حساب البلديين، الذين ابتدأوا يفقدون بالتدريج سيادتهم الأولى منذ دخول الشاميين إلى الأندلس (٧٤). وكان هؤلاء الشاميون يتألفون من ثمانية آلاف عربي، ونحو ألفين من الموالي. وينتمي العرب إلى مختلف عشائر اليمن وقيس ومضر وربيعة. أما الموالي فكانوا ينتمون إما إلى أصول بيزنطية، أو بربرية وشمال افريقية. وقد أصبح هؤلاء الموالي الذين دخلوا مع الشاميين يُسمّون بالموالي الشاميين، بينما أطلق على الآخرين الذين دخلوا مع البلديين اسم الموالي البلديين. وبما أن الكثير من موالي المجموعة الأولى كانوا على اتصال وثيق بالأسرة الأموية الحاكمة، فقد عرفوا أيضاً باسم موالي بني أمية (٧٥). وقد تركز استقرار هؤلاء الموالي في كورتي البيرة وجيان، ومما يدل

стр. 70

على كثرة عددهم في كورة البيرة، إطلاق اسمهم على أحد وديانها الذي كان يعرف باسم وادي بني أمية (٧٦). أما بالنسبة إلى العشائر العربية الشامية، فقد استقر العديد منها في كورة البيرة، وبشكل خاص القيسيين. ومن هؤلاء، عشائر محارب، وهوازن، وغطفان، وكعب بن عامر، وقشير، ونمير، ومرّة، وفزارة، وسليم (٧٧). كما استقر أيضاً في منطقة البيرة بعض الأفراد الذين ينتمون إلى قبائل مضرية وربيعيّة، ولكن عددهم لم يكن كثيراً. أما أهم القبائل اليمنية التي استقرت في البيرة وما يجاورها، فهي قبيلة همدان، التي كان بحوزتها إقليم كامل سمي بإقليم همدان، الذي يقع بالقرب من غرناطة (٧٨). وقد استقرت بعض الجماعات التي تنتمي إلى غسان أيضاً في منطقة البيرة، حيث كانت لهم قرية تدعى بقرية غسان (٧٩). كما استقر قسم من هؤلاء أيضاً في منطقة أخرى تدعى بوادي آش (٨٠). لقد كانت القبائل اليمنية تشكل أغلبية جند حمص وفلسطين والأردن، ومن هنا فقد كان تركزها كبيراً في كل من إشبيلية، ونبلة، وشذونة، ورية (٨١). وتعد عشيرة لخم من أشهر العشائر اليمنية التي استقرت في كل من إشبيلية وشذونة والجزيرة الخضراء (٨٢). وإلى هذه العشيرة ينتمي آل عباد الذين سيطروا على إشبيلية في عصر دول الطوائف (٨٣). وبرزت من هذه العشيرة أيضاً أسر كبيرة لعبت دوراً مهماً في تاريخ منطقة إشبيلية وقرمونة، مثل بنو حجاج، وبنو مسلمة (٨٤). وكانت كلب العشيرة القضاعية الرئيسة في جند حمص، واستقر أفرادها في إشبيلية

стр. 71

ونبلة ومورور، وبالقرب من المدور، حيث كان لهم منطقة تدعى بوادي الكلبيين (٨٥). أما عشائر حضرموت، فكانت تتركز في منطقة الشرف، غربي إشبيلية (٨٦). كما استقر قسم منهم أيضاً في منطقة قرمونة التي تبعد نحو ثلاثين كيلومتراً إلى الشرق من إشبيلية. ويعد خالد بن عثمان بن هانئ، الذي يدعى أيضاً باسم خلدون، من كبار شخصيات حضرموت في قرمونة، وإليه ينتسب المؤرخ العربي المشهور ابن خلدون (٨٧). ومن العشائر اليمنية الأخرى الشهيرة في منطقة إشبيلية، عشيرة يحصب التي كان يتزعمها أبو الصباح يحيى بن يحيى اليحصبي. وكان هذا يعد أيضاً شيخاً لكل العشائر اليمنية في غرب الأندلس، وقد اتخذ مسكنه في قرية تسمى مورة، وتقع في منطقة الشرف (٨٨). وكانت كلاب من أشهر العشائر القيسية التي استقرت في كورة جيان. ومن قادتها البارزين، الصميل بن حاتم الكلابي، الذي لعب دوراً مهماً في الأحداث في أثناء عصر الولاة (٨٩). أما عشيرة عقيل، فقد استقرت أيضاً في هذه الكورة، وكانت بقيادة الحصين ابن الدجن العقيلي، الذي كان في الوقت نفسه زعيماً لكل العشائر التي تنتمي إلى كعب ابن عامر في جند قنسرين في جيان (٩٠). ومن العشائر المضرية التي استقرت في جيان، عشيرة أسد بن خزيمة، التي سكن بعض أفرادها في مكان يدعى وادي عبد الله في كورة جيان (٩١). وكذلك عشيرة كنانة، التي عاشت في مكان سمي أيضاً (كنانة) نسبة إلى اسم العشيرة (٩٢). وتعد يعمر العشيرة الرئيسة التي تعود في أصلها إلى ربيعة في كورة جيان، وقد استقر أفرادها في منطقة أبدة إلى الشمال الشرقي من جيان (٩٣). أما العشائر اليمنية، فكانت قليلة في كورة جيان، ومن أشهرها شعبان، وأصبح وطيء (٩٤).

стр. 72

ومن جهة أخرى كانت هذه العشائر اليمنية تكثر في جند فلسطين، حيث استقر العديد من أفرادها، لا سيما عشائر لخم وجذام، في منطقة شذونة والجزيرة الخضراء (٩٥). ومن مشاهير جذام على سبيل المثال، ثوابة بن سلامة الجذامي، الذي أصبح أحد ولاة الأندلس (٩٦). وتشكل القبائل اليمنية أيضاً غالبية جند الأردن الذين استقروا في رية (أي محافظة المرية الحالية). ومن هؤلاء أيضاً مجموعات من لخم، وجذام، وعاملة، ومذحج، ورعين (٩٧). وبرز من عاملة، ثعلبة بن سلامة العاملي، الذي تولى قيادة الشاميين، وولاية الأندلس بعد وفاة بلج بن بشر القشيري سنة ١٢٤ هـ/ ٧٤١ م (٩٨). وكان معظم جند باجة يتألف من القبائل العربية التي كانت تسكن في مصر، ورافقت الشاميين إلى شمال أفريقيا، ومن ثم إلى الأندلس. وتعد عشيرتا يحصب ومعافر من أهم عشائر هذا الجند (٩٩). ومن رجال يحصب البارزين، العلاء بن مغيث اليحصبي، الذي سيكون له شأن كبير في عهد عبد الرحمن الداخل (١٠٠). وبرز من معافر أيضاً عميد أسرتهم عمرو بن شراحيل المعافري، الذي استقر في باجة، ثم انتقل إلى قرطبة، بعد أن عينه عبد الرحمن الداخل قاضياً على هذه المدينة (١٠١). أما المجموعة الأخرى من جند مصر، فقد استقرت في تدمير، أي في محافظة مرسية الحالية، وإن أشهر عشائر هذا الجند غسان، ومنهم بنو الشيخ الذين استقروا في الشن Elche وما حولها (١٠٢). وكذلك بنو خطاب التدمريون الذين ينتمون إلى الأزد. وكان جدهم الأعلى عبد الجبار بن خطاب بن نذير قد سكن أولاً في قرطبة، قرب بوابة عُرفت باسمه، باب عبد الجبار، ولكنه انتقل إثر تنظيمات أبي الخطار إلى تدمير في

стр. 73

الجنوب الشرقي من إسبانيا، حيث تزوج هناك من ابنة الحاكم القوطي الشهير تدمير. وعاش أتباع عبد الجبار وأعقابه في تدمير والمناطق المجاورة لها (١٠٣). البربر: لقد كان استقرار البربر الذين دخلوا الأندلس مع طارق بن زياد مماثلاً لاستقرار البلديين، أي أنهم سكنوا على امتداد الطريق التي سارت عليها حملات الفتح، وقد حاول بعض المستشرقين، وعلى رأسهم رينهارت دوزي R. Dozy، اتهام العرب بأنهم لم يكونوا عادلين في قسمتهم للأرض، فأعطوا البربر المناطق الجبلية القاحلة، وخصوا أنفسهم بالسهول الخصبة (١٠٤). ولا يمكن العثور في المصادر على ما يؤيد هذا الاتهام الذي لا أساس له من الصحة. فقد كان البربر هم الأغلبية الساحقة في جيش طارق بن زياد، وكذلك كانوا بأعداد لا بأس بها في جيش موسى بن نصير، فضلاً عن أن الكثير منهم عبروا إلى الأندلس بعد سماعهم بنبأ انتصار المسلمين على القوط. وهكذا فقد فاق البربر العرب بأعدادهم، ومن غير المحتمل أن يكون للعرب تأثير كبير على استقرار البربر في الأندلس. والواقع فإن استقرار العرب والبربر في الأماكن التي نزلوا فيها لأول مرة، كان يخضع لعامل الصدفة لا غير، إذ لم تكن لديهم فكرة واضحة في البداية عمّا ستكون عليه هذه الأماكن، وإن كان البربر أكثر اطلاعاً ومعرفة بالمنطقة بحكم معيشتهم في الشمال الأفريقي المجاور. ولهذا فقد كانوا في موقف أفضل لاختيار أحسن المناطق للاستقرار فيها. ويمكن تفسير وربط اختيارهم للمناطق الجبلية في الأندلس بالحقيقة التي توضح بأن عدداً كبيراً منهم عاشوا بالأصل في مناطق جبلية في شمال أفريقيا، ولهذا فليس من الغريب أن نجدهم يستقرون في الأماكن التي تشابه مناطق استقرارهم الأصلية (١٠٥). وينتمي البربر الذين دخلوا الأندلس إلى العديد من قبائل البتر والبرانس في شمال

стр. 74

أفريقيا، ولكن غالبيتهم كانت من قبيلة مصمودة وفروعها. أما الآخرون، فينتمون إلى القبائل الأخرى، مثل هوارة، ونفزة، وزناتة، ومكناسة، ومطغرة. وقد استقر هؤلاء بصورة عامة في مختلف أنحاء شبه الجزيرة الآيبيرية. ففي الجنوب عاشت أعداد كبيرة منهم في الجزيرة الخضراء، وشذونه وإشبيلية، وقرطبة، ورندة، وجيان والبيرة. وكان لهم في الجزيرة الخضراء على سبيل المثال إقليم كامل يسمى بإقليم البربر (١٠٦). وكان للبربر من قبيلة مغيلة أيضاً إقليم آخر سمي باسمهم في كورة شذونة (١٠٧). أما هوارة، فقد استقر جماعة منها بالقرب من جيان وكان لهم حصن يدعى بحصن الهواريين (١٠٨). واتخذت قبيلة لماية البترية موطنها في رية في إقليم سمي بإقليم لماية (١٠٩). وسكنت مجموعات كبيرة من مصمودة ونفزة في المنطقة الجبلية المحيطة بمدينة رندة. والتي كانت تعرف باسم تاكرونا (١١٠). وكانت أهم مراكز استقرار البربر في الوسط والغرب، تتركز في طليطلة، والمناطق المحيطة بها (١١١). وكذلك في جبال المعدن Sierra de Almaden التي تقع إلى الجنوب من وادي آنة. وكانت هذه الجبال تدعى بجبال البرانس لأن غالبية سكانها من البربر البرانس (١١٢). وفي المنطقة الغربية، التي كانت تعرف أيضاً بأرض الجوف سكن عدد كبير من البربر، وكان تركزهم فيها عالياً، حتى قيل بأن " أرض الجوف بلاد البربر " (١١٣). وكانت كل من ماردة ومادلين Medellin من أكثر المناطق ازدحاماً بالسكان من البربر (١١٤). وقد استقر بنو دانس بن عوسجة من مصمودة في الأقسام الجنوبية من البرتغال في قصر أبي دانس، وكان هؤلاء يتاجرون بالملح المتوفر في منطقتهم (١١٥). وقد استقر العديد من البربر في الأقسام الشرقية من الأندلس، لا سيما في منطقتي

стр. 75

بلنسية وتدمير (مرسية) (١١٦). وينتمي هؤلاء إلى قبائل من البتر والبرانس. وكان لبربر مصمودة الذين ينتمون إلى البرانس منطقة خاصة بهم بالقرب من بلنسية تدعى بجزء مصمودة (١١٧). وقد أقام بعض البربر الذين ينتمون إلى صنهاجة في منطقة مرسية في مكان أطلق عليه اسم (الصنهاجيون) (١١٨). وكان أحد أقاليم بلنسية يسمى بإقليم زناتة نسبة إلى هذه القبيلة البترية (١١٩). وما يزال العديد من المواقع الأخرى في الأجزاء الشرقية من الأندلس يسمى نسبة إلى قبيلة زناتة، ولا سيما في محافظتي بلنسية، وقسطليون (١٢٠). وتعد منطقة الشمال الشرقي إحدى أوسع أماكن الاستقرار للبربر في شبه الجزيرة الآيبيرية. وكانت المراكز المأهولة تتمثل بالمناطق التي تشمل وادي الحجارة، ومدينة سالم، وقلعة أيوب، وشنتبرية، ووبذة. حيث سكن في هذه المناطق قبائل تنتمي إلى مغيلة، ومصمودة (١٢١). وسكنت جماعات من هوارة في منطقة شنتبرية بقيادة السمح بن ورد - حيقن الهواري، وهو الجد الأعلى لبني ذي النون الذين حكموا طليطلة في عصر الطوائف (١٢٢). وكان بنو رزين أيضاً ينتمون إلى قبيلة هوارة، وقد استقروا في المنطقة السهلة في محافظة تيروال الحالية، وحكموا المنطقة أيضاً في عصر الطوائف، وكانت عاصمتهم تدعى باسمهم بنو رزين Albarracin، وتقع إلى الغرب من مدينة تيروال الحالية (١٢٣). واستقرت قبائل أخرى عديدة في الشمال الشرقي، نذكر منها على سبيل المثال، مكناسة، حيث كانت منطقة تسمى باسمهم مكناسة على ضفاف نهر الأبرو (١٢٤).
следующие страницы →