فلم يقربها حتى أخبرت عائشة ". قال فأنزل الله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).
قال ابن كثير تعليقاً على هذا الحديث وتعزيزاً له: " وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج ".
وقد نقله الحافظ ابن حجر -في الفتح- عن الضياء المقدسي من المختارة وأيده بما أخرجه الطبراني -في عشرة النساء- وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال: " دخل رسول الله ﷺ بمارية بيت حفصة فجاءت فوجدتها معه فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك " - قال ابن حجر: " فذكر نحوه " أي نحو حديث عمر المتقدم.
ثم قال الحافظ ابن حجر في ترجيحه بين الأقوال التي قيلت فيما حرمه النبي ﷺ على نفسه: " والراجح ﷺ من الأقوال كلها قصة مارية لاختصاص عائشة وحفصة بها بخلاف العسل فإنه اجتمع فيه جماعة منهن ".
стр. 282
واختيارات الضياء المقدسي -التي نقل عنها كل من الحافظين ابن كثير وابن حجر حديث عمر السابق- يقول عنها الإمام ابن تيمية: " إن أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك ".
* * *
(ما حرمه النبي ﷺ على نفسه)
ثم ذكر ابن كثير حديث الطبراني - عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) قال: " حرّم رسول الله ﷺ سريته ".
وظاهر الآية الكريمة يعزز هذا القول لأن " ما " في قوله تعالى: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) وتعليل التحريم بقوله عز شأنه (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) يدل على أن المحرم شيء من جنس ما يُبتغَى به مرضاة الزوجات ويتوصل به إلى قلوبهن في الاستمتاع، وعدم تحريمه بالامتناع عنه يثير في أنفسهن الغيرة، وإن كان المحرم ليس بداخل في الزوجات بوصف الزوجية لكنه مشارك لهن في وجود الاستمتاع به لتحققه فيه كتحققه فيهن، وذلك يناسبه أن يكون المحرم المتنع عنه سريته مارية أم ولده إبراهيم ﵇ التي أحل الله له ﷺ الاستمتاع بها، وكانت تثير في أنفس الزوجات الطاهرات الغيرة منها، وتحريمه إياها على نفسه وامتناعه عنها أشد مرضاة لهن وأدعى لسرورهن.
ويؤيد هذا أن في لفظ " لك " من قوله تعالى: (مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) من معنى الخصوصية ما يدل على أن المحرم من تعلقت به هذه الخصوصية
стр. 283
- وهي سريته ﷺ إذ لا خصوصية في غيرها من العسل ونحوه.
وهذا التعزيز مال إليه جمهور المفسرين الذين قالوا: إن الذي حرمه النبي ﷺ على نفسه هو مارية القبطية أم ولده إبراهيم.
قد ذكر هذا ابن الجوزي في تفسيره -زاد المسير- وأسنده إلى بعض أئمة السلف والأكثرين من المفسرين فقال: " وإلى هذا المعنى - أي تحريم مارية على نفسه ﷺ ذهب سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومسروق ومقاتل والأكثرون ".
وممن مال إلى هذا القول -أيضاً- ابن العربي في تفسيره لآيات الأحكام حين قال: " وأما ما روي أنه حرم مارية فهو. . أقرب إلى المعنى ".
ولعل ابن العريى يقصد بالأقربية إلى المعنى أن هذا التحريم قد علل في الآية الكريمة بابتغاء مرضاة الزوجات، وهذا ما صرح به الجصاص في أحكام القرآن بقوله ". . . الأظهر أنه حرم مارية، وأن الآية فيها نزلت لأنه قال (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) وليس في ترك شرب العسل رضا أزواجه، وفي ترك قرب مارية رضاهن ".
وإلى هذا الترجيح مال جمال الدين القاسمي في تفسيره -محاسن التأويل- حيث قال: " والذي يظهر لي هو ترجيح روايات تحريم الجارية في سبب نزولها وذلك لوجوه:
стр. 284
منها: أن مثله يبتغى به مرضاة الضرات (١) ويهتم به لهن.
ومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه. . . ".
وذهب جمهور المحدثين إلى أن المحرم الممتتع عنه هو العسل وحجتهم في ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
والروايات عندهما متفقة على أن ما حرمه النبي ﷺ على نفسه ومنع نفسه منه ﷺ هو العسل، ومختلفة في التي شرب عندها العسل من زوجاته.
وأكثرها أن التي شرب عندها العسل هي زينب بنت جحش، ويليها أن التي شرب عندها هي حفصة.
وهناك روايات صحيحة الإسناد -كما يقول السيوطي في الدر- لكنها لم ترد في الصحيحين تذكر أن التي شرب عندها العسل هي سودة بنت زمعة ﵂.
стр. 285
وعزا الحافظ ابن حجر -في الفتح- مثل هذا القول إلى الطبراني وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس وقال: " ورواته موثقون ".
ودعواه بأن أبا عامر -أحد رواة هذا الحديث عند الطبراني وابن مردويه- " وهْمٌ فِي قولة سودة " دعوى لم يقم عليها دليلاً، سوى أنها نحو رواية البخاري التي تذكر أنه شرب العسل عند حفصة.
ولا معنى لتوهيمه الراوي بعد توثيقه إياه، مع أن الروايات مختلفة في التي شرب رسول الله ﷺ عندها العسل.
وفي رواية أسندها الحافظ ابن حجر -في الفتح- إلى السدي في تفسيره ونقلها عن الطبري تقول إن التي شرب عندها العسل هي أم سلمة ﵂ وقال: إنها مرجوحة ومرسلة.
وأسند السيوطي -في الدر- مثلها إلى ابن سعد فِي الطبقات عن عبد الله بن رافع.
فهذا الاختلاف في التي شرب النبي ﷺ عندها العسل من زوجاته -وهو موجود في الصحيحين في روايات أغلبها متوالية- يدل على الاضطراب مما حمل بعض حذاق العلماء على الترجيح بين هذه الروايات،
стр. 286
فذهب القاضي عياض والنسائي والأصيلي -فيما نقله عنهم النووي في شرح مسلم- إلى ترجيح رواية أن التي شرب النبي ﷺ عندها العسل زينب. وقالوا: إنها أصح. ولم يكلموا في صحة غيرها، والأصحية لا تنافي الصحة، وحينئذ يبقى الحديث على الاحتمال فلا يصلح به القطع في الاستدلال.
ورجح الحافظ ابن حجر ما رجحه هؤلاء الأئمة بأن عائشة وحفصة كانتا متظاهرتين على النبي ﷺ على ما جاء عن عمر ﵁ فيما أخرجه البخاري في التفسير وفي الطلاق وسبق أن حمل القصة على التعدد جمعاً بين الروايات وبذلك يبقى الاحتمال قائماً إذ لم يمكنه رفع الاحتمال عن الحديث.
وهذا مما يؤيد ترجيح ما ذهبنا إليه من أن الذي حرمه النبي ﷺ على نفسه هو سريته مارية أم ولده إبراهيم ﵇، ويرشح ذلك تعليل التحريم المنكر عليه بقوله (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ).
ووجه الترشيح بهذا أن النبي ﷺ في رفعة مقامه وجلال مكانته -نبياً ورسولاً- قدوة لأمته في جميع ما يقع منه قولاً أو فعلاً أو تقريراً ما لم يدل دليل على اختصاصه به ﷺ ، لأنهم مأمورون بمتابعته، وأن متابعته قد جعلها الله تعالى دليلاً على حبه سبحانه في قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ
стр. 287
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) وفي قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) إذ لو لم يحذر ﷺ من التحريم على نفسه مما أحله الله له لكان قد أتانا به.
والمتابعة -في القدوة- قائمة دائمة خالدة مع دوام الرسالة وخلود شرائعها وأحكامها، فلا ينبغي لمن رفع الله شأنه فوق جميع خلقه، وجعله القدوة الحسنة لأمته أن يمنع نفسه مما أحله الله له تطلباً وابتغاء لمرضاة أزواجه، لأن ذلك مما يشق على أمته في مستقبل حياتها.
وختمت هذه الآية الكريمة -موضع البحث- بقوله تعالى: (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تلطفاً به ﷺ ، وإشعاراً له بعلو مقامه، وأنه لا ينبغي له وقد حباه الله تعالى بفضله، ورفعه مكاناً علياً على سائر خلقه أن يكون في مستوى دون مستوى مقامه الرفيع في ترضية أزواجه.
والغفران والرحمة من باب التبشير له ﷺ بكمال الطهر والنقاء على حد قوله تعالى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)، لم يقع منه ﷺ ذنب يقتضي الغفران وإنما الذي وقع منه ﷺ تنازل منه عن بعض فضله، ورفعة شأنه ترضية لزوجاته وإحساناً لهن ورحمة بهن.
* * *
(موئل العتاب من هذه الآية)
وبناء على ما تقدم وعلى ترجيح أن الذي حرمه النبي ﷺ على نفسه هو سريته مارية القبطة أم ولده إبراهيم يكون العتاب على ما كان منه ﷺ من تقديمه رضا أزواجه على ما يختص براحته النفسية ومتعته الجسدية
стр. 288
وسروره القلبي بمنعه نفسه مما أحله الله له لابتغاء مرضاة أزواجه. فالقيد " تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ " هو محط العتاب في الحقيقة، فكأنه قيل له: يا أيها النبي لم تمنع نفسك وتحرمها مما أحل الله لك من متعة وراحة وسرور تَبْتَغِي بذلك مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ؟.
وليس مجرد منعه ﷺ نفسه من المتعة بالمباح محلاً للعتاب لأنه ﷺ كثيراً ما منع نفسه من بعض المباحات -التي ينعم بها الناس ولا سيما في مجال المتعة الجسدية- زهداً في الدنيا وبعداً عنها، ولم يحظر عليه ذلك، ولم يعاتبه الله تعالى على شيء من ذلك كله.
وفي ذلك تلميح إلى ما فِي طبائع النساء من قلة رضاهُنّ بما يمنحن من الفضل والعطاء والإحسان.
وفيه -أيضاً- تلميح إلى أن النبي ﷺ في مكانته العليا وفضله العظيم أنه ما كان ينبغي له ﷺ أن يتنزل -تفضلاً منه وإحساناً إليهن- بمقامه العظيم عند ترضية أزواجه بتحريم ما أحل الله له، ومنعه نفسه الطاهرة من المتعة والسرور لمجرد إرضائهن.
وإن رضاءهن -ولا سيما فيما يختص بأسرار الزوجية ومتعتها- عزيز المنال أن رضين مرة فقد يغضبن مرات.
ومن هنا كان في ذلك درس بالغ لتربية أزواجه الطاهرات على سنن الزوجية، وكان في ذلك -أيضاً- درس للنبي ﷺ في معاملة أزواجه ومعاشرتهن معاشرة تبقى معها القدوة للنساء المؤمنات.
стр. 289
أما قوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فإن حملناه على ما جاء في الروايات من أن النبي ﷺ حلف لحفصة ألا يصيب مارية فيكون معنى الآية: قد شرع الله لكم الكفارة لتتحللوا من أيمانكم في قوله تعالى -من سورة المائدة- (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)).
وإن حملناه على غير هذه الروايات فيكون من باب المجاز بجعل عزيمة النبي ﷺ المصممة على عدم إصابة سريته في قوة الحلف على ذلك.
ولا شك أن الوجه الأول أظهر لموافقته لظاهر الآية الكريمة.
وأما قوله (وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فهو بيان لإحاطة علم الله تعالى بما كان وما يكون، وأن ذاك جار على مقتضى الحكمة الإلهية التي تضع الأمور في مواضعها.
ثم قال تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ
стр. 290
قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)) فهذا من الامتنان على النبي ﷺ ، وتذكيره بنعم الله تعالى عليه لأن قوله (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ) معمول لفعل محذوف تقديره واذكر إذ أسر النبي.
وإبراز النبي ﷺ بالاسم الظاهر بوصف النبوة، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وإذا أسررت إلى بعض أزواجك حديثاً، من باب الحفاوة بالنبي ﷺ وإظهاره في هذا المقام بأشرف أوصافه وهو النبوة مما يتضمن تعريضاً بمن أفشت سره ﷺ منهن.
وفي قوله (إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ) بصورة الإبهام تلطف بهن بعدم الكشف عن شخصيتهن.
وتنكير " حديثاً " للدلالة على عظمة هذا الحديث وأنه من الأسرار التي ما كان ينبغى أن تفشى، وتذاع ولو لأصدق الصديقات.
وهذا الحديث الذي أسره النبي ﷺ إلى بعض أزواجه هو تحريمه مارية ومنعه نفسه ﷺ من التمتع بها إرضاء للتي غضبت وتألمت مما نالها من جراء تمتع النبي ﷺ بسريته في بيتها.
ْويحتمل أن يكون الحديث الذي أسره النبي ﷺ إلى بعض أزواجه -عند من يقول بغير ما رجحنا- هو منعه نفسه ﷺ من شرب العسل كما ورد في بعض الروايات.
ْويحتمل أن يكون إخبار النبي ﷺ حفصة أن أباها عمر بن الخطاب ﵁ سيلي أمر أمته ﷺ بعد أبي بكر ﵁.
стр. 291
وتحتمل الآية العموم الشامل لتحريم السرية والإنباء بالخلافة أو لتحريم العسل والإنباء بالخلافة.
ولما أفشت من أسر إليها هذا الحديث إلى صديقتها وكان النبي ﷺ قد أخذ عليها أن تكتمه ولا تخبر به أحداً عرفه الله تعالى إفشاءها سره وأظهره عليه، فذهب عن الحديث وصف سريته وعرف النبي ﷺ بعضه وأعرض عن بعض.
والذي عرف به هو تحريم سريته ﷺ أو شربه العسل، والذي أعرض عنه هو الإنباء بالخلافة لما يترتب على إذاعته والتحدث فيه من أضرار وفتنة قد تؤثر على أنفس بعض المؤمنين الذين قد يكونون يتطلعون -في صمت- إلى منصب الخلافة بعد رسول الله ﷺ .
فلما نبأ النبي ﷺ صاحبة إذاعة السر وإفشائه بما أفشته من سره دهشت وقالت: " من أنبأك هذا؟ " ولعلها ظنت أن صاحبتها هي التي أخبرته فقالت له: " من أنبأك هذا؟ " فقال لها -كما حكى الله تعالى ذلك- " نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ".
ثم توجه الخطاب في قوله تعالى (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) -من باب الحفاوة بالنبي ﷺ ، والتأديب لمن أفشت سره بهذا الأسلوب المشعر بالزجر والتهديد- إلى اللتين تظاهرتا عليه ﷺ بالإذاية والغيرة وإفشاء سره بأنهما إن يتوبا إلى الله تعالى مما أزعجا به النبي ﷺ فإن التوبة حق واجب عليكما لأن قلوبكما قد مالت عن الحق كما تدل عليه قراءة ابن مسعود ﵁ " زاغت قلوبكما ".
стр. 292
وعلى هذا فإن قوله (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ليس جواب الشرط وإنما هو دليله وتعليله.
والمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله، وترجعا عن مغاضبة رسول الله ﷺ ، وإيذائه بالتظاهر عليه وإفشاء سره فالتوبة حق واجب عليكما، لأن قلوبكما قد زاغت ومالت عن الحق في مغاضبة رسول الله ﷺ وإيذائه.
ويمكن أن تحمل الآية على فهم آخر يأتي من حمل قوله تعالى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) على معنى أنها مالت " إلى الحق وهو ما وجب من مجانبة ما يسخط رسوله ﷺ وندمت على ما كان منها من مغاضبة النبي ﷺ وإيذاه.
والمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله وترجعا عن مغاضبة النبي ﷺ وتندما على ما كان منكما، فقد مالت قلوبكما إلى الحق ومصالحة النبي ﷺ ومراضاته، وأن ما كان منكما من مغاضبة وإيذاء لم يكن صادراً عن قلوبكما وإنما هو فورة غضب ونار غيرة.
ويؤيد هذا قوله (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) أي استمررتما على المغاضبة والإيذاء وتعاونتما عليها فإن الله تعالى ناصر رسوله بقوته القاهرة وخواص ملائكته وعامتهم وصالح المؤمنين، وهذا كالمقابل لقوله (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا).
стр. 293
ثم تلطف الله تعالى بنبيه ﷺ إظهاراً لحفاوته به وإعلاء لمقامه بما زاد في تأديب الزوجات الطاهرات متمشياً مع أسلوب الزجر والتهديد فقال (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) أي جامعات للكمال في إسعاده ﷺ حساً ومعنى فلا يعصين له أمراً، ولا يخالفن له نهياً، يعملن على إسعاده وإدخال السرور عليه بما يفرغ قلبه عن حمل أثقال الزوجية إلى القيام بواجبه الأعظم وهو تبليغ رسالته وتعليم أمته وإعطاؤها الأسوة الحسنة به لتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس.
* * *
(قصة نزول عبس وتولى)
ومن آيات هذا البحث من النوع الثالث من أنواع العتاب صدر سورة عبس وهو قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)).
وقد بدأت هذه الآيات بالإخبار عن حال رسول الله ﷺ إذ جاءه الأعمى -وهو ابن أم مكتوم وأشهر الأقوال في اسمه أنه عبد الله القرشي العامري وهو من سابقي المهاجرين- يطلب الهداية والعلم منه ﷺ ،
стр. 294
وهو ينادي -كما في موطأ الإمام مالك ﵀ " يا محمد استدنني " وفي رواية الترمذي " يا رسول الله أرشدني " وفي بعض الروايات " يا رسول الله علمني مما علمك الله ".
وكان رسول الله ﷺ مشغولاً يتحدث في شأن رسالته والدعوة إلى الله تعالى مع صناديد قريش وأعيانها الذين ذكر المفسرون منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف أو أخاه أبي بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب.
وكان ابن أم مكتوم ينادي رسول الله ﷺ بصوت جهير ويشبه أن يكون أنه لم يعرف اشتغال رسول الله ﷺ مع القوم بدعوتهم إلى الله تعالى.
وقد اتفق جمهور المفسرين على أن فاعل " عبس وتولى " هو رسول الله ﷺ ، وأجمعوا على أن هذه الآيات الكريمة نزلت في ابن أم مكتوم.
وأنه لم يصرح بذكر الفاعل للفعلين الماضيين -عبس وتولى- تلطفاً برسول الله ﷺ عن المفاجأة بمواجهته بهذا الخطاب المشعر بالشدة.
стр. 295
وإبراز ابن أم مكتوم بوصفه المشتق من العمى دون اسمه بيان لعذره فيما واجه به الرسول ﷺ من تكرير القول عليه، وسبب في أحقية التلطف به والعطف عليه فهو مما له مدخل في العتاب.
ثم قال تعالى مخاطباً رسوله ﷺ (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) في هذه الآية تذكير له ﷺ بأن ما وقع منه ﷺ من التقطيب والإعراض -بسبب قطع الأعمى لحديثه المستمر مع من يدعوه إلى الله تعالى- ليس من سجيته الكريمة ﷺ ، ولا مما يصلح أن يكون منه ﷺ لما ينبغي أن يقابل به الأعمى طالب الهداية من التلطف والرأفة والرحمة به وبكل من جاء يطلب هداية الله تعالى ويسمع آياته، ويتعلم منه ﷺ مما علمه الله تعالى، ولا سيما إذا كان في حال ابن أم مكتوم في عذره بالعمى الذي حجب عنه من كان يتحدث مع رسول الله ﷺ ، ولعله لم يسمع الحديث لأن المتعارف في أحاديث هؤلاء الكبراء أن تكون أقرب إلى الهمس منها إلى الجهارة.
وإبراز تزكية الأعمى ابن أم مكتوم - في أسلوب الترجي فيه إشعار بأنه لم يكن إذ ذاك مسلماً، ولا سيما إذا انضم إلى هذا ما ورد في موطأ الإمام مالك - رحمه الله تعالى - من قوله لرسول الله ﷺ " يا محمد استدنني ".
وقد ذهب السهيلي -في الروض الأنف- إلى ترجيح عدم إيمانه حين جاء إلى رسول الله ﷺ وعنده القوم فقال: ". . مع أنه -أي الأعمى- لم يكن آمن بعد، ألا تراه يقول (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) الآية، ولو كان قد صح إيمانه وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله ﷺ . . وكذلك لم يكن ليخبر عنه ويسميه بالاسم المشتق من العمى دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، ولو كان دخل في الإيمان من قبل -والله أعلم- وإنما دخل فيه
стр. 296
بعد نزول الآية، ويدل على ذلك قوله ﵁: " استدنني يا محمد " ولم يقل استدنني يا رسول الله، مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء في لعله يزكي عائدة على الأعمى لا على الكافر، لأنه لم يتقدم له ذكر بعد، (ولعل) تعطى الترجي والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجي والانتظار للتزكي والله أعلم ".
أما قوله تعالى (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فهو معطوف على قوله " يزكى " الواقع خبراً لحرف الرجاء " لعل " فهو من مدخول الرجاء معه على معنى: أن قوله " لعله يزكى " يدل على أنه يراد منه التطهر بالإيمان وهذا قول ابن زيد حيث فسر " يزكى " بـ " يسلم " -كما نقله الطبري عنه- الذي يدل على أنه- حسب تفسيره- لم يكن قد أسلم بعد.
ولعل هذا القول هو مستقى كلام السهيلي في اختياره عدم إيمانه حين مجيئه.
وقوله " أَوْ يَذَّكَّرُ " أي بعد إيمانه يتذكر ما علم عن دلائل الإيمان وبراهينه ما عسى أن يكون قد غاب عنه أو نسيه.
أما قوله تعالى (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)) فهذا من قبيل البدء في المقابل بعد الانتهاء من طرف الحديث الأول.
стр. 297
ويراد بالمستغني إما شخص، أو أشخاص على حسب ما جاء في روايات أسباب النزول، ففى بعضها أنه الوليد بن المغيرة، وفي بعضها أنه أمية بن خلف، وفي بعضها أنه عظيم من عظماء المشركين ولم يسمه، وفي بعضها ناس من وجهاء المشركين منهم أبو جهل وعتبة.
والتعبير بقوله " استغنى " فيه دلالة على الجحود استكباراً وعناداً وتعالياً بما في الأيدي من نشب الدنيا.
ثم قال تعالى (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أي أن هذا المستكبر المستغي المعاند الذي عرف الحق فلم يقبل عليه ولم يقبله، وقد عرفت ذلك من سابق حاله معك فأنت تتصدى له وتتعرض لدعوته، وتحرص على إسلامه وهو- في مقابل إعراضه واستغنائه- أحق بالإعراض والتولي ممن جاءك يسعى لطلب الهداية والإيمان.
ثم قال تعالى في حق هذا المستغني عن الإيمان والهداية مع الإقرار بحقيتهما: (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) بياناً لرسول الله ﷺ أن التزكي والتطهر بقبول الإيمان والهداية لا يتوقف على الأشخاص ومكانتهم في هذه الحياة الدنيا من الثراء والتفاخر بكثرة الأولاد والأموال والإعتزاز بالقبلية وكثرة الاتباع والأعوان.
ثم قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى) أي لطلب الإيمان والهداية أو لطلب الإزدياد في العلم بما أنزل الله من أحكام الشريعة، (وَهُوَ يَخْشَى) أي يخاف من الله تعالى، ومن عذابه (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أي بالحديث مع المستغني المستكبر المعاند حرصاً على دخوله الإسلام طمعاً في أن يسلم
стр. 298
بإسلامه اتباعه، مع أن الإقبال على الذي جاء يسعى وهو يخشى أحق وأولى لمجيئه راغباً، ولا سيما أن الله تعالى ذكره بوصف جعله عذراً له في مناداته لرسول الله ﷺ ، وطلبه الهداية وفي أحقيته بالترفق به والإحسان إليه بحسن الاستقبال.
هذا هو رأي جمهور المفسرين من السلف والخلف في فهم هذه الآيات الكريمة.
وقد حكى الحافظ ابن حجر -في الفتح- عن الداودي شارح البخاري أن فاعل (عبس) " هو الكافر " الذي كان يحدث رسول الله ﷺ .
ولم يرتض الحافظ هذا القول فوصفه بالغرابة لعدم اختلاف السلف -كما قال- في أن فاعل عبس هو النبي ﷺ ".
وقد نقل القاضي عياض هذا القول -في الشفاء- عن أبي تمام.
وقد رده شارحا الشفاء الشهاب الخفاجي وعلى القاري في شرحيهما فقال الشهاب -في رده-: " وهو قول -أي القول بأن فاعل عبس هو الكافر- في غاية الضعف بعيد عن السياق، والذي عليه المفسرون أنه النبي ﷺ .
стр. 299
وقال علي القاري في رده هذا القول: " وهذا التأويل مخالف لظاهر التنزيل بل كاد في مقام النزاع أن يكون مخالفاً للإجماع ".
وظاهر الآيات يرد قول الداودي، لأن سياقها ظاهره الإخبار عن حال رسول الله ﷺ ، وهو يحدّث بعض عظماء المشركين حين جاءه الأعمى يطلب الهداية والتعليم، ويؤيد هذا أن ضمير الخطاب في قوله تعالى (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) متعين لأن يكون لرسول الله ﷺ .
وليس أبو تمام الشاعر ممن يعرف بين علماء التفسير أو الحديث بشيء وإنما هو رجل شاعر حكيم في شعره، ولا ندري من أين استقى هذا الرأي، ولا يدخل في دائرة العقول أن يكون الداودي شارح صحيح البخاري قد أخذ هذا القول عنه ".
стр. 300
ثم بيّن الله تعالى أن الهداية والإيمان ليست مرتبطة بالأشخاص وحالاتهم من فقر وضر أو ثراء ومكانة في الحياة الدنيا فقال تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)). وإنما هي تذكرة ينتفع بها من في قلوبهم استعداد لقبول الهداية، ولو كانوا من أهل الفقر والضر.
وهذا درس تربوي وتوجيه إلهي ختم الله تعالى به الآيات ليبين لرسوله ﷺ أنه في رسالته الخاتمة للرسالات الإلهية لا ينبغي له أن يلتفت إلى الأشخاص، ومكانتهم في الحياة الدنيا وتكثير عدد المسلمين بكثرتهم، لأنه في هدايته قدوة عامة خالدة يتأسى بها كل من تشرف بإتباعها.
ْولا شك أن أهل الفقر والضر في الناس أكثر عدداً من أهل الثراء والمعافاة.
وأهل الضر والفقر هم أحوج إلى المواساة والترفق بهم لإدخالهم فِي حظيرة الإيمان ليكون الإيمان عدتهم على تحمل شدائد الحياة والصبر على نوائبها لما في الإيمان من رضى بالله تعالى وقضائه والتسليم بشرائعه وأحكامه.
стр. 301
وفي هذه الآية ما يشعر بأن اجتهاد رسول الله ﷺ في حديثه مع الكافر ليستميله إلى الإيمان رجاء أن يؤمن بإيمانه عدد ممن يتبعه كان غير متمش مع طبيعة الهداية الإلهية- التي عليه ﷺ أن يعرضها على الناس دون أن يبخع نفسه حرصاً على إيمانهم- فجاءت الآية الكريمة تصحح هذا الاجتهاد، وتبين الطريق للدعاة إلى الله تعالى الذين يرثون دعوة رسول الله ﷺ وتبليغ رسالته ونهجه ﷺ في إيصالها إلى جميع الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
* * *
стр. 302
الخاتمة
نحمد الله تعالى على فضله أن وفقنا لإتمام ما أردنا إظهاره فيما عرضنا من الآيات التي نصبت هذه الرسالة لدراستها، وتوجيه الأنظار إلى وجه الهدى فيها حفظاً لإيمان المؤمنين، وإنارة لسبيل الحق أمام المنصفين.
وبعد. . .
فقد ظهر لنا من دراستنا -في الباب الأول- لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن جمهور العلماء على القول بعصمة الأنبياء قبل النبوة، وبعدها من الكفر إجماعاً، وأنَّهم كذلك معصومون مأمونون فيما يبلغونه عن الله تعالى.
وأنهم معصومون من جميع كبائر الذنوب بعد النبوة إجماعاً، وما يخل بالمروءة من صغائرها ترجيحاً.
ثم عرضنا -في الباب الثاني- لبحث الاجتهاد، وبينا الأدلة الدالة على الإذن لرسول الله ﷺ في الاجتهاد فيما لم ينزل عليه به وحي. وذكرنا من الحوادث التطبيقية ما يؤكد هذه النصوص.
وبينا -في الباب الثالث- معنى العتاب، واستطردنا منه إلى بيان معنى الذنب، ووجه إسناده في بعض الآيات إلى ضمير خطاب رسول الله ﷺ ، ثم قسمنا العتاب -بحسب ما ظهر لنا من فهم الآيات- إلى ثلاثة أنواع هي: عتاب التوجيه، وعتاب التنبيه، وعتاب التحذير.
وذكرنا ما في كل من الآيات الكريمة، وبينا وجه دخول كل آية منها في نوعها.
стр. 303
وقد وجدنا أن العتاب فيما قيل إنه عوتب عليه رسول الله ﷺ ، إنما كان على ما حكم فيه رسول الله ﷺ بالاجتهاد والاجتهاد محتمل الخطأ.
فما جاء من العتاب إنما هو من قبيل تصحيح الخطأ في الاجتهاد فوجهه الله تعالى إلى الأخذ بالأصوب فعاد الحكم بذلك إلى الوحي.
كما ظهر لنا من البحث أن بعضاً من الآيات التي قيل إن فيها عتاباً لرسول الله ﷺ تحتمل العتاب وغيره كما قد أوضحنا ذلك في مكانه من دراستنا للآيات الكريمة.
ومما يشرح الصدر، ويبهج النفس أن المتتبع لآيات عتابه ﷺ ، يرى بوضوح وجلاء أن كل موضع من ذلك يعقب بنوع من الترفق برسول الله ﷺ في الخطاب طمأنة لقلبه الطاهر، تنادي بأن ما صدر منه من خطأ في الاجتهاد ووجه إلى الأخذ بالأصوب منه فيما يستقبل من حوادث، لم يؤثر على شيء مما ناله من شرف القرب والرضا عليه من الله تعالى، مما يمكن أن يقال فيه: إنه مسح بيد الرحمة على القلب الطاهر الرحيم الذي جعله الله هدى للعالمين.
وتظهر فائدة هذا البحث في بيان المراد من الخطاب بهذه الآيات لرسول الله ﷺ ، وجلاء معناها في سياقها ردًا لبعض الشبه التي يتعلق بها أعداء الإسلام ومقلدوهم من المسلمين.
كما تظهر فائدته -أيضاً- في تثبيت إيمان المؤمنين بمعرفتهم الصحيحة لمعاني هذه الآيات، وإظهار مكانة النبي ﷺ وحفاوة الله تعالى به في تربيته ومخاطباته فيما يعلمه الله إياه ليكون قدوة لأمته.
стр. 304
وأما فائدة هذا البحث الاجتماعية، فتظهر في توطيد إيمان المؤمنين وتقوية محبتهم لرسول الله ﷺ ، ومعرفتهم بمكانته العليا، وتفتح باباً للدراسة في مثل هذه الموضوعات ليزداد يقين الموقنين وتزول شبه الملحدين والمشككين في هذا الدين القيم.
وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هداه إلى يوم الدين.
وكان الفراغ من كتابة هذه الرسالة المباركة وتأليفها مساء يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر جمادى الثاني من سنة ألف وثلاثمائة وسبع وتسعين من هجرة سيدنا محمد بن عبد الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وذلك بمكة المكرمة، واسأله تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وجميع المسلمين، والحمد لله ربِّ العالمين.
* * *