(توجيه العتاب إلى من تعجلوا أخذ الغنيمة ولم يثخنوا في العدو)
وما في هذه الآيات -موضع البحث- من عتاب موجه لمن تعجلوا أخذ الغنيمة واشتغلوا بجمعها وليس على مجرد أخذها، وإنما لكون الاشتغال بجمعها كان سبباً في ترك الإثخان في العدو الذي قد يعطيه اشتغال المجاهدين من المسلمين بجمع عرض الدنيا فرصة التجمع ولم الشمل واستعادة الهجوم على المسلمين مرة ثانية فيضيع النصر من أيديهم ويبغتوا بما لم يحسبوا له حساباً.
والذي دعانا لضم هذه الآية إلى آيات العتاب مع أنه لا عتاب فيها لسيدنا رسول الله ﷺ كما أوضحناه فيما سبق ما درج عليه المفسرون وغيرهم من ذكرها مثالاً للعتاب لرسول الله ﷺ وما ورد من روايات وأسباب للنزول يؤيدون بها ما يقولون وقد بينا -فيما سبق- وجهة نظرنا في أقوى وأصح ما استدلوا به.
* * *
(وجه القول بأن في الآية عتاباً)
على أن بعض الأئمة -من الذين يرون أن في الآية عتاباً أخذا بظاهر رواية مسلم- رجحوا مسلك النبي ﷺ ، واستدلوا له بأدلة قوية، ومن هؤلاء العلامة ابن قيم الجوزية -في كتابه زاد المعاد- إذ يقول: " وقد تكلم الناس في أي الرأيين أصوب، فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث، ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه، وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب ولتشبيه النبي ﷺ له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أؤلئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ولموافقة رسول الله ﷺ لأبي بكر أولاً لموافقة الله له
стр. 247
آخراً حيث استقر الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخراً وغلبة جانب الرحمة على جانب العقوبة قالوا: وأما بكاء النبي ﷺ فإنما كان رحمة لنزول العذاب بمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ".
وقال الحافظ ابن حجر -في الفتح-: " وقد اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر، ولما استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم في الإسلام إما بنفسه، وإما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب كما ثبت ذلك عن الله في حق من كتب له الرحمة ".
وهؤلاء المختلفون إنما نظروا لحديث مسلم ولم ينظروا لحديث تخيير جبريل وهو ليس دون حديث مسلم في الصحة كما سبق أن ذكرنا حكم الحافظ ابن حجر عليه بالصحة عند الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وحديث تخيير جبريل ينفى نفياً قاطعاً ما جاء في حديث مسلم من البدء بمشاورة الصحابة قبل إخبارهم بالتخيير، وأن النبي ﷺ هوى ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر.
وهذا إنما يعني ميل النبي ﷺ إلى رأي أبي بكر لغلبة الرحمة عليه ﷺ ويمنع قتل الأسرى لو أراده الصحابة، بل في بعض الروايات ما يدل على أكثر من ذلك في حق ما كان يسمع به النبي ﷺ في الأسارى من المن عليهم
стр. 248
وعدم قتل أحد منهم كما في حديث البخاري الذي قدمناه في قصة المطعم ابن عدي الذي يدل على أن النبي ﷺ ما كان في نفسه عزيمة أخذ الفداء.
* * *
(إبطال عادة التبني على يدي رسول الله ﷺ -)
ومن آيات هذا النوع من العتاب أيضاً قوله تعالى من سورة الأحزاب (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧)).
وهذه الآية في قصتها من أظهر آيات العتاب وأشدها وروداً فيما يتعلق بشخص سيدنا رسول الله ﷺ .
وقد وردت هذه الآية الكريمة بعد أن ذكر الله تعالى -في قوله عز شأنه- (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)) أنه ليس لأحد من المؤمنين والمؤمنات خيرة وراء خيرة الله ورسوله ﷺ له، وما على المؤمن والمؤمنة إلا الرضا والتسليم لحكم الله تعالى فيه وحكم رسوله ﷺ ، وهذا كما قال تعالى في سورة النساء (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
стр. 249
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)).
وقوله تعالى في سورة النور (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) لأن (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) إذ أنه بعث هادياً وأسوة لهم ومن كان أحق بأنفسهم منهم فله -بلا شك- كامل التصرف والحكم فيهم بما قضى الله تعالى، وما عليهم إلا الانقياد له والامتثال لأمره لما فيه من ضمان السعادة لهم لأن أمره من أمر الله تعالى، وقضاءه من قضائه، ولذلك جعل قضاء الله ورسوله -في هذه الآية الكريمة- أمراً واحداً فمن لم يرض بذلك فقد عصى الله ورسوله وخرج عن سبيل الهدى والرشاد.
فكان قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .) الآية توطئة وتمهيد لما ستقرره الآيات التالية لها من حكم شرعي يجب على المؤمنين الانصياع له وامتثاله والعمل به وتقبله بنفس راضية وقلب مطمئن وتسليم كامل.
روى الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵄ قال: " خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسباً، وكانت امرأة فيها حدة فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .) الآية كلها
стр. 250
وروى نحوه عن مجاهد ونحوه عن قتادة.
وقال السيوطي في لباب النقول: " أخرج الطبراني -بسند صحيح- عن قتادة قال: خطب النبي ﷺ زينب -وهو يريدها لزيد- فظنت أنه يريدها لنفسه فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ. . .) الآية فرضيت وسلمت ".
ومن ثم زوّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش الأسدية القرشية -بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب- هاشمية الرحم قرشية العصبية بزيد ابن حارثة مولاه، وهي في شرفها النسبي لم تر في هذا الزواج كفاءة نسبية ولكنها سلمت ورضيت بزيد بعلاً خضوعاً لأمر رسول الله من اتباعاً لقوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . . .) الآية، ولم يكن هذا الخضوع بمزيل من نفسها تعاليها بنسبها على زيد بن حارثة، وذلك التعالي بالحسب كان أكبر سبب في جعل حياة البيت بين الزوجين -زيد وزينب- حياة منغصة فقد فيها الود والسكون والتراحم وهي من الحكمة الكبرى في الزواج. فصبر زيد ﵁ قدر ما واتته الطبيعة البشرية، لكن ذلك استمر ولم تنفع فيه وداعة زيد ومسالمته وتلطفه بزوجه فرأى أن لا سبيل إلي الاستمرار في هذه الحياة الزوجية القلقة المنغصة التي تتعالى فيها الزوجة عليه بحسبها ونسبها فتثير بينه وبينها نار المساءة والتنافر والعداء.
стр. 251
فشكا زيد إلى رسول الله ﷺ ما يلقى من زوجته وما يسود حياتهما من تباعد وتنافر فلقى رسول الله ﷺ شكوى زيد بما جبل عليه ﷺ من الرحمة وأدب المعاشرة " واختباراً لما عند زيد مما لم يعلمه الله به من رغبته فيها أو رغبته عنها " فقال له: " امسك عليك زوجك واتق الله ".
ورجع زيد إلى بيته ووجد من زوجته أشد مما كان يجد، ففي خبر طويل ذكره البيهقي في سننه في قصة زواجها بزيد بن حارثة وفراقه إياها قالت زينب رضى الله عنها: ". . فأخذته بلساني فشكاني إلى النبي ﷺ فقال له النبي من: " أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ " ثم أخذته بلساني فشكاني إلى النبي ﷺ .
فلما أن ضاق زيد ذرعاً بحياته معها لتعاليها عليه وتناولها إياه بلسانها ولم يمكنه رأب الصدع بينهما صمم على طلاقها وذهب إلى رسول الله ﷺ يشكوها وهو عازم على طلاقها وكأنما أحسَّ زيد في هذه المرة حياء من النبي ﷺ منعه من الإجابة على شكواه منها فقال زيد -فيما ترويه زينب ﵂ كما في سنن البيهقي-: " أنا أطلقها، قالت فطلقني، فبتَّ طلاقي ".
* * *
(تزويج الله زينب بنت جحش رسول الله ﷺ -)
فلما انقضت عدتها نزل قول الله تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧)). فقام رسول الله ﷺ ودخل عليها وهي
стр. 252
مكشوفة الشعر فقالت: " هذا أمر من السماء. . يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة؟ قال: " الله المزوّج وجبريل الشاهد " كما في رواية البيهقي عن مذكور مولى زينب أم المؤمنين ﵂.
وفي صحيح مسلم -في قصة زواج النبي ﷺ أنه حين نزل القرآن بتزويجه إياها " جاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن ".
وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧)).
وقد افتتحت الآية بتذكر النبي ﷺ بإنعام الله تعالى على مولاه زيد بن حارثة بنعمة الإسلام وإنعامه ﷺ عليه بنعمة الحرية والتربية والمحبة التي خصه بها دون سائر أقربائه وأصحابه زيادة من الله تعالى في الإنعام عليه وتفضيلاً له حيث لم يذكره باسمه، وإنما ذكره بوصف الإنعام عليه من الله تعالى ومن رسول الله ﷺ .
ويحتمل أنه ذكر بوصف الإنعام عليه ولم يذكر باسمه -في مفتتح الآية تمهيداً لبيان إنعام الله بالإيمان وإنعام رسول الله ﷺ عليه بالحرية والتربية اللذين كان لهما أثر عند عرض زيد طلاق زينب التي ضاق ذرعاً بالعيش معها لشدة لسانها عليه- " لرفع استحياء النبي ﷺ منه في موافقته على طلاقها ".
стр. 253
وتذكير الله تعالى رسوله. ﷺ بقوله لهذا المنعم عليه (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ) لبيان إعظام حياء رسول الله ﷺ حتى أنه استحيا ممن لا يستحيا من مثله في علاقته به ومكانته منه.
وفي قوله (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ) احتمالان:
الأول: أن رسول الله ﷺ قال ذلك وقد " أعلمه الله أنَّهَا ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها " بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه.
فلما عرض عليه زيد طلاقها -وعنده العلم بأنَّهَا ستكون زوجة له- أراد ﷺ أن يتعرف ما عند زيد من بقاء رغبة فيها وميل إليها، وأن ما وقع إنما هو ثورة غضب قد تذهب فيما بعد، أو أن إرادة طلاقها كانت عزيمة صارمة تشعر بعدم بقاء أي رغبة فيها وميل إليها.
الثاني: إنما قال رسول الله ﷺ ذلك - وزيد يعرض عليه طلاق زوجه زينب لتعاليها عليه بنسبها وحسبها وشدة لسانها - من باب الرأفة والرحمة اللتين جُبل عليهما رسول الله ﷺ والنصح لهما وتقديم الأمر بالمعروف إذ لم يحدد الله تعالى له وقت طلاق زيد لها وزواجه بها فما تزال الفرصة قائمة في اجتهاده ﷺ .
فكان هذا القول (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) من قبيل الاجتهاد في عدم التوقيت.
стр. 254
والاحتمال الأول أرجح -عندنا- لأن تعرف ما في نفس زيد يكشف عن حقيقة ما في عزيمته، فإن كان له فيها بقية رغبة وميل إليها وأن الذي حدث فورة غضب قد تذهب بالتراضى وإحسان العشرة فعندئذ يكون -لو وافقه النبي ﷺ على طلاقها- كالمكره على طلاقها، ومن ثم كان هذا التعرف ضرورياً ليكون زيداً مختاراً في الطلاق راغباً فيه فلا تتبعها نفسه بعد ذلك، وقد يؤكد هذا إبراز زينب في هذه الجملة (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) بعنوان الزوجية المقتضي للمودة والرحمة والسكون والرغبة.
أما قوله " واتق الله " فإنما جاء لأمر زيد بعدم التجاوز في تناولها عند رسول الله ﷺ بنحو قوله فيها " إن زينب اشتد عليَّ لسانها: أنا أريد أن أطلقها " فيما رواه قتادة.
ثم قال تعالى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) وهي جملة حالية من فاعل " تقول " في (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ. . .).
والذي أبداه الله تعالى إنما هو زواجه بها بعد انقضاء عدتها من زيد، وهذا لا يكون موضع عتاب إلا إذا كان قد سبقه إعلام به حتى يصلح التقييد به وقت قوله لزيد " أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ " فالذي أخفاه رسول الله ﷺ في الحقيقة هو إعلامه أنها ستكون زوجة له بدليل إظهار هذه الزوجية عملاً واقعاً بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه.
وهذا القدر -أي إخفاء الإعلام بتزويجها منه ﷺ وهي ما زالت تحت زيد- كافٍ في توجيه العتاب لرسول الله ﷺ ، لكن رسول الله ﷺ لم يخف
стр. 255
هذا الإعلام المتعلق بكونها زوجة له مخالفة لأمر من الله تعالى وإلا لكان ذنباً تجب منه التوبة وليس في الآية الكريمة ما يشعر بشيء من ذلك.
* * *
(ما أخفاه النبي ﷺ في نفسه)
وإنما الذي تعطيه التلاوة الكريمة أن النبي ﷺ أخفى إعلام الله له بتزويجها منه بعد طلاق زيد لها اجتهاداً منه ﷺ في توقيت الإعلام إذ لم نر أحداً من المفسرين والمحدثين قال بتقييد هذا الإعلام بوقت معين، فاجتهد النبي ﷺ في تأجيله وتلبثه به متأنياً انتظاراً لإنجاز الله له الوعد بتزويجه إياها، وحتى يعلم حقيقة ما عند زيد بالنسبة لها من ميل إليها ورغبة فيها أو عزيمة باتة في إرادة طلاقها.
وعلى هذا القدر في الخطأ في الاجتهاد عاتب الله تعالى رسوله ﷺ عتاباً تحذيرياً.
وبهذا القول -الذي تعطيه التلاوة من أن الذي أخفاه النبي ﷺ هو إعلام الله له أنَّهَا ستكون زوجة له بعد طلاقها منْ زيد- قال جمهور السلف ومنهم علي بن الحسين -زين العابدين- والزهري والسدي والمحققون من أهل التفسير والعلماء الراسخون والقاضي بكر بن العلاء وابن العربي والقرطبي والقاضي عياض في الشفاء والقسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها وغيرهم ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية وفقهها وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع.
стр. 256
(احتمالات ما يدل عليه الخطاب بهذه الآية الكريمة)
ثم قال تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) وهي جملة حالية جاءت لتؤكد ما تضمنته جملة الحال الأولى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) لأن الإخفاء المعاتب عليه كأنه خشية من الناس لا تصلح أن تكون من رسول الله ﷺ في مقامه العظيم، فجاءت الجملة الثانية (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) لتؤكد هذا المعنى، وتبعث رسول الله ﷺ على المسارعة إلى الأخذ بما كان قد أعلم به أولاً حين أنجز له بقوله (زَوَّجْنَاكَهَا).
وفيها احتمال ثان وهو أن يكون عطف جملة (وَتَخْشَى النَّاسَ) على جملة (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) من باب عطف السبب على المسبب، فإن إخفاء الإعلام بتزويجها له، وعدم الإسراع إلى إعلان ما أعلمه الله به وقوله لمولاه زيد " أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ " إنما كان سببه خشية قالة الناس من المنافقين ومرضى القلوب وأعداء الإسلام من اليهود والمشركين، لما في توهم من التشهر به من صد للناس الراغبين فِي دخول الإسلام وزعزعة لقلوب حدثاء الإيمان من أهل الإسلام.
وفيها احتمال ثالث يجعلها مستقلة بمعناها، والعطف فيها من عطف جملة على جملة كل منهما تفيد معنى مستقلاً وهو حمل معنى لفظ الناس في قوله تعالى (وَتَخْشَى النَّاسَ) -كما قال بعض المفسرين- على المؤمنين خشية أن يفتتنوا بما يقع من زواج رسول الله ﷺ بمطلقة دعيه لأن عدم زواج مطلقة الدعي كان عادة متأصلة في النفوس عميقة الجذور، وكان في المؤمنين حدثاء الإسلام من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم فكانت خشية رسول الله ﷺ -
стр. 257
على المؤمنين رحمة بهم أن يلقي الشيطان في أنفسهم شيئاً يأثمون به ويهلكون.
وإنما أوثر تعدية فعل الخشية إلى مفعوله بنفسه على هذا الوجه -دون تعديته بلفظ على المناسب للظاهر من الكلام- تضميناً للفظ الخشية معنى الحذر بمعنى تحذر فتنة الناس -أي المؤمنين- فترحمهم أن يقعوا في الفتنة.
ونظير هذا -في الخشية على المؤمنين أن يفتنوا- ما ورد في الحديث الصحيح مما رواه البخاري من أن صفية بنت حيي أم المؤمنين زوج النبي ﷺ أتت تزور رسول الله ﷺ في معتكفه فتحدثت إليه ساعة ثم أرادت الإنصراف فقام معها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة " مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله ﷺ فقال لهما النبي ﷺ : " على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي " فقالا: سبحان الله يا رسول الله.
وكبر عليهما، فقال النبي ﷺ : " إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً ".
قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: - " إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئاً يهلكان به ".
فهذه الخشية كانت من قبيل الرحمة والإحسان إلى المؤمنين ليحفظ ﷺ عليهم إيمانهم كما تضمنه كلام الإمام الشافعى.
стр. 258
ولعل هذا الوجه من أحسن ما تنزل عليه الآية الكريمة لأنه اللائق بما جُبل عليه رسول الله ﷺ من الرأفة والرحمة، وبما كان في المسلمين من حدثاء الإسلام الذين لم تتعمق جذور الإيمان في قلوبهم بعد، فخشي رسول الله ﷺ عليهم ذلك.
* * *
(ما كان يخشاه من الناس)
وحمل خشيته ﷺ من الناس على الخوف من كلام المشركين والمنافقين
واليهود، وما يرمونه به ﷺ من أقوال سيئة تسيء إليه ﷺ برده ما تعالم
وعرف في تاريخ تبليغه الرسالة على مدى مدة الإقامة في مكة -وكان ثلاثة عشر عاماً- وما مضى من مدة قدومه ﷺ المدينة إلى حين وقوع قصة زيد وزينب -وهي قد وقعت في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة- من مناهضة الكفر والشرك والوثنية وطغيان ملأ قريش وعتوهم وفجور سفهائهم من مواقف حفظها تاريخ السيرة النبوية المطهرة من صبر على البلاء ومجابهة للأعداء في أحداث ووقائع كثيرة تدل -قطعاً- على أن النبي ﷺ ما كان في حياته المباركة يخشى أحداً غير الله تعالى، ولا يقيم وزناً لأقوال الناس فيه وأفعالهم معه حتى رفع لواء العقيدة خفاقاً في آفاق الأدلة والبراهين التي جعلت من العقيدة التوحيدية بنياناً راسخاً وطيد الدعائم لا يستطع -والحمد لله- أحد من الناس أن يخدشه بسوء.
ولم يهاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة حتى كان بنيان العقيدة التوحيدية شامخاً يراه كل من ينظر إليه من قريب أو بعيد.
وفي مهاجره ﷺ لقي من أعداء الإسلام اليهود والمنافقين وبقايا المشركين ما لا يقل فى عنفوانه وعتوه عن فجور مشركي مكة فلم يحفل به ولا خشي أحداً من الناس بل نصب لأعدائه الحرب حتى قضى عليهم
стр. 259
جميعاً، وانفرد الإسلام عزيزاً منصوراً يمشي في تبليغ رسالته إلى أطراف الجزيرة العربية وإلى خارجها.
ولو لم يكن من صور صبره ﷺ على سفاهة السفهاء وقالة السوء من أعدى أعداء الإسلام المنافقين واليهود إلا صبره في قصة الإفك، ومقابلة ذلك بأرسخ اليقين، والثقة في الله تعالى، وعدم المبالاة بتقول المتقولين وافتراء المفترين لكفاه ﷺ ذلك في مواقف مفاخره بالاعتصام بالله وإفراده وحده بالخشية منه دون خشية أحد من خلقه.
ثم قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) وهذا تفريع على جملتي الحال السابقتين في قوله (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) وقوله (وَتَخْشَى النَّاسَ) على ما ذكرنا من الوجوه في معنييهما والمراد منهما. وهما في ارتباطهما كأنهما جملة واحدة تضمنتا أن النبي ﷺ أخفى في نفسه إعلام الله له أن زينب بنت جحش ستكون زوجاً له بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه.
ومعنى قضاء الوطر منها: هو عدم الرغبة فيها وعدم الميل إليها وبذلك حلت لك فزوجناكها.
والوطر في الآية الكريمة ما يكون بين الزوجين وهو متضمن معه انتهاء الحب والمودة والرحمة والسكون والميل إليها وتعلق نفسه بشيء منها.
وحيث انتهى ذلك كله لم يبق إلا تنفيذ ما أعلمناك به من زواجك بها.
стр. 260
وهنا أبرز زيد ﵁ باسمه ولم يبرز بوصف الإنعام عليه من الله تعالى ورسوله ﷺ كما جاء في صدر الآية -لأنه حينئذ- أي بعد انقضاء الوطر منها - لم يبق للوصف ما يدعو إلى وجوده لما في التزوج بها من تأكيد رفع وإبطال البنوة المدعاة.
* * *
(التشريع المقصود بهذه الآية الكريمة)
ثم قال تعالى (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) وهذا الباب القصة وقلبها، وتشريعها المقصود الأهم منها، وكل الذي سبق كان تمهيداً لها فكأنما قيل: زواج زيد بزينب وقضاء وطره منها، ووقوع النفرة بينهما وذهاب الرغبة منها والميل إليها من قلبه وتزويج الرسول ﷺ بها إنما كان تمهيداً لهذا التشريع الذي يمتد مع الأمة في خلودها والرسالة في عمومها وتفنى الأشخاص ويبقى هذا التشريع قائماً ينادي على عظمة الإسلام في مساواته بين الناس أجمعين، وقطع جذور أباطيل الجاهلية فيما ابتدعوه من عادات وقبائح سيئة لا تعبر عن حقيقة واقعة أبطها الله تعالى في صدر هذه السورة بقوله تعالى (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ).
وألزم الله رسول ﷺ في هذه الآية الكريمة - بقوله (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا. . . . .) - بالتزوج من زينب بنت جحشن مطلقة دعيه ليكون ﷺ حامل راية تقل إبطال هذه العادة الجاهلية لأن ذلك من أمور التشريع
стр. 261
والتبليغ عن الله تعالى إبقاء على التأسي به ﷺ لأمته إلى يوم القيامة.
وقد ختمت هذه الآية الكريمة بقوله تعالى (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) بياناً لأن ما يريده الله تعالى ويقضي به لابد أن يقع وتشهده الحياة في أحداثها ووقائعها تطبيقاً لما شرعه الله تعالى لعباده المؤمنين.
* * *
(التنويه بزيد بن حارثة ووجه ذلك)
ويلاحظ أن زيداً ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاث مرات:
الأولى: بالوصف الخاص به الذي لا يكون لغيره وهو تزاوج الإنعام عليه من الله تعالى ومن رسوله ﷺ حتى كأنهما شيء واحد.
وقد كان الإنعام عليه من الله تعالى بالهداية للإيمان والإنعام عليه من رسول الله ﷺ بالعتق والحرية والمحبة وحسن التربية.
الثانية: ذكر باسمه العلم (زيد) العين له.
الثالثة: في ضمن العموم المدلول عليه بقوله تعالى (فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) إذ كان دعياً لرسول الله ﷺ قبل ذلك.
وفي هذا من اللطائف -فوق العناية بزيد والخفاوة به- أن ذكره بوصف الإنعام عليه يحمل في طياته الإشارة إلى ما في القصة من نوع إنعام الله عليه بتزويجه من زينب بنت جحش في مكانها من قريش وتعززها بنسبها وحسبها وقربها من رسول الله ﷺ لكونها بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب.
وإن ذكره باسمه يحمل في طياته اختصاصاً له بهذا المقام لا يمكن أن يشركه فيه غيره، لأن أدنى مراتب العلمية منع المشاركة في حقيقة ما تدل عليه.
стр. 262
وإن ذكره في ضمن العموم المعلل بنفي الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم يحمل في طياته أن زيداً ﵁ كان سبباً في هذا التشريع العام الذي رفع عن الأمة الحرج والضيق فيما كانت الأمة تكرهه وتضيق به ذرعاً.
ولما قضى الله تعالى في غيبه زواج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش بعد قضاء زيد منها وطراً أعلمه الله تعالى بذلك كما هو صريح في الآية (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) فأسرع رسول الله ﷺ إلى تنفيذ أمر ربه معلناً له غير مبال بتقول المتقولين وأباطيل الكاذبين فدخل عليها زوجاً بتزويج الله له إياها.
* * *
(رد الله تعالى عن رسوله ﷺ -)
وعندئذ اشرأب النفاق والخبث اليهودي والضغن الوثني فقالوا عن رسول الله ﷺ من قالة السوء ما أوحت به إليهم شياطينهم من كونه ﷺ تزوج زوجة ابنه وكان يحرمها، فضاق بذلك النبي ﷺ -ذرعاً وحزن لإشاعة هذه الأباطيل، فتولى الله تعالى الرد على أعدائه أكاذيبهم ومزاعمهم الباطلة فقال تعالى (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا (٣٩)).
وهذا كالبيان لقوله تعالى -في أول السورة- (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) لأن قوله تعالي (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) صريح في نفي الحرج عن النبي ﷺ في إتيانه ما شرع الله له وأجازه له من تزويجه بزوجة دعيه الذي ليس له من صلة البنوة
стр. 263
الصلبية أي شىء من قريب أو بعيد.
* * *
(وجه تقديم نفي الحرج عن المؤمنين على نفيه عن النبي ﷺ
ونفى الله الحرج عن النبي ﷺ بقوله تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) وإن كان متأخراً في ترتيب التلاوة عن رفع الحرج عن المؤمنين بقوله تعالى: (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) إلا أنه -أي رفع الحرج عن النبي ﷺ -كالمتقدم في الواقع على نفي الحرج عن المؤمنين لأن زواج النبي ﷺ بمطلقة دعيه كان السابق على كل زواج بمطلقة دعي فكان التطبيق العملي لرفع الحرج عن المؤمنين في التزوج بزوجات الأدعياء.
ونفى الحرج عن النبي ﷺ نفي للحرج عن أمته ما لم يدل دليل على الاختصاص، ولا دليل هنا على ذلك.
وإنما سبق نفي الحرج عن المؤمنين -في ترتيب التلاوة- نفي الحرج عن النبي ﷺ لما في نفى الحرج عن المؤمنين من الإشعار بعموم الحكم الشامل لأفراد الأمة في جميع أزمانها وأجيالها.
* * *
(رفع الحرج عن المجتمع المؤمن بإبطال عادة التبني)
وفي التعبير بالحرج في قوله (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) دليل على أن المجتمع المؤمن قد ضاق ذرعاً بهذه العادة الجاهلية وحرج من بقائها تُلْقى عليه جرانها وما يستتبعها من دخول الدعي على زوجة متبنيه وعلى بناته من كشف الحرمات بدخوله عليهن واختلاطه من اختلاط الابن والأخ فيرى منهن ما لا يراه غيره من العورات والمفاتن والمحاسن مما قد يكون سبباً لأفدح الأضرار وإذهاب الغيرة وفتح باب الفساد والإفساد في المجتمع.
стр. 264
ومما يؤيد ضيق المجتمع من ذلك أن أبا حذيفة ﵁ كان قد تبنى سالماً ولكنه ضاق نفساً من دخوله على أهله لما كبر سالم وبلغ مبلغ الرجال فلما أحست زوجته سهلة بنت سهيل رضى الله عنها منه ذلك جاءت إلى رسول الله ﷺ فيما يرويه الإمام مسلم عن عائشة ﵂ فقالت: " يا رسول الله والله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم " قالت عائشة: فقال رسول الله ﷺ : " أرضعيه " فقالت: " إنه ذو لحية ". فقال: " أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة " فقالت: " والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة " وإرضاع الكبير كان خاصاً لسالم وليس لأحد من بعده ".
وقوله تعالى: (فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) معناه: فيما شرع الله له و " أحله له " كما قال قتادة في رواية الطبري عنه.
وهذا الحل يشير إلى أنه كان قبله حظر ومنع. والحظر الذي كان هنا لم يكن حظراً شرعياً بل هو ما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم لزوجة الدعي بزعمه ابناً عندهم.
فالله تعالى قال لنبيه ﷺ هذا الحظر من الأباطيل التي لم تشرع في دينك ورسالتك والله تعالى شرع لك فيها ما أحله لك ولأمتك من التزوج بزوجة الدعي بعد فراقه إياها وانتهاء عدتها منه.
стр. 265
وهذا على خلاف قوله " فرض عليك " فإنه مشعر بالإلزام والإيجاب.
ثم قال تعالى: (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) ويعني بسنة الله: طرائقه في شرائعه لأنبيائه ورسله السابقين من كل ما أحله لهم ولأممهم عموماً، ويدخل فيه ما حظرته أباطيل الجاهلية وهو حلال في شرائع الله تعالى.
ثم بيّن تعالى أن تشريع الله وأوامره ونواهيه القضائية في قدره حق واقع لا يتخلف فقال (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا).
ثم بيّن تعالى أن (الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) -أي الرسل الذين سبقوا الرسول محمداً ﷺ برسالاتهم وأنه شرع لهم في شرائعهم ما أحله الله لهم ولأممهم فكانوا يبلغونه إلى أممهم، لأنه من رسالات الله التي أوجب الله عليهم تبليغها لهم- لم يخافوا أحداً غير الله في تبليغ ما أنزل إليهم مهما كان فيه من حرج جاهلي وشدة في التبليغ وإبطال لعادات ألفها الجاهليون وقاموا عليها حياتهم. فقال تعالى في وصفهم (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ).
وهذا معناه: أنهم القدوة في سنن الله وشرائعه وتبليغها إلى أممهم دون خوف أو خشية من أحد كما قال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).
стр. 266
فهو من قبيل الإرشاد والتربية لرسول الله ﷺ في أن يكون في تبليغ أوامر الله تعالى وشريعته إلى أمته على سنن إخوانه الأنبياء والمرسلين لا يخشى في التبليغ أحداً إلا الله.
وليس في هذا إشارة من قريب أو بعيد تفيد أن النبي ﷺ خشي - في تبليغه رسالات الله أحداً غير الله.
ثم قال الله لرسوله ﷺ إن الله تعالى هو المختص بمحاسبة الضمائر والقلوب على ما تضمر وتُكِن، والجوارح على ما تعمل فقال (وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا) ومعناه: أن الخوف والرجاء لا يكونان إلا من الله ولله تعالى وليس لأحد من الخلق دخل في رجاء أو خوف، لأنَّهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً.
فالذي قاله المنافقون وخبثاء اليهود، ونفايات الناس أهل الوثنية - من قالة السوء، وإشاعة الأباطيل عن رسول الله ﷺ في زواجه بزينب التي كانت زوجاً لزيد بن حارثة: قد تزوج زوجة ابنه وكان يحرمها - باطل.
وقد رد الله عليهم قالتهم وأكاذيبهم وجهالتهم وقولهم على الله غير الحق بقوله (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) بياناً لأن التحريم الذي كان ينادي به رسول الله ﷺ وما زال، وأنزله الله عليه في شريعته إنما هو في زوجة الابن الصلبي النسبي الذي جاء في قوله تعالى: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) وليس الدعي ابناً صلبياً نسبياً، وإنما كان ابناً ادعائياً، فالنبي ﷺ لم يكن أباً
стр. 267
لأحد من رجالهم أبوة صلبية نسبية حتى يحتج بها في تحريم زوجة الابن الدعي.
وفي أسلوب الآية ما يشعر بالعموم الشمولي الذي ينفي كل أبوة صلبية للنبي ﷺ عن أي فرد من أفرادهم، وذلك بدلالة التنكير في قوله (أبا) و (أحد) والإضافة في قوله (من رجالكم).
ثم أثبت للنبي ﷺ ما يثبت له أبوة التقديس والاحترام والتوقير -كإثبات الأمومة لأمهات المؤمنين في قوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) - فقال تعالى مستدركاً على العموم السابق: " وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ " فكل رسول أب لأمته في الاحترام والتقديس والتوقير، وإلى هذا يشير قوله تعالى (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وقد قيل في بعض التفاسير وكتب الحديث إنه قرئ " وهو أبٌ لهم " وهذا محمول على أنه تفسير الأولوية في قوله (أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ).
والرسالة إذ يلزمها ذلك فهي عامة الترابط لكل مؤمن برسول الله ﷺ ، فالاستدراك جيء به لإثبات هذه الرابطة العامة بكل مؤمن وهى في حقيقتها أعظم وأجل من رابطة الأبوة لأن الله تعالى قال في حق رسول الله ﷺ بالنسبة للمؤمنين (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) فخصه ﷺ بذلك، بعد وصفه بالرسالة في هذه الآية نفسها بقوله (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)
стр. 268
ليحقق هذا الترابط الشامل للأمة في حاضرها، ومستقبلها إلى يوم القيامة، لأن النبي ﷺ أسوة دائمة لأمته، وقدوة لها في جميع ما تأتي به من خير أو تذر من شر، وهذا إنما كان مستمداً من رسالته وشريعته في عمومها وخلودها.
ثم قال تعالى: (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) ليبين أن هذه الرابطة بينه ﷺ وبين جميع المؤمنين لا تقتضي وراثة في النبوة ليقطع جذور إدعاء أحد من أمته النبوة من بعده اعتماداً على رابطة الأبوة بالرسالة وبياناً لأنه ﷺ لا نبي بعده يستدرك عليه وعلى شريعته شيئاً من الأحكام والتشريع، لأن ختم النبوة يستلزم حتماً ختم التشريع.
وهذا يقتضي باعتبار عموم رسالته وخلودها أن تكون كاملة في أصولها وجميع ما يتفرع عن تلك الأصول لتؤدي إلى الأمة المسلمة وإلى الحياة عامة ما تتطلبه احتياجاتها في سائر الأزمنة والأمكنة والأجيال فتشمل الحاضر والمستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثم ختم الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) بياناً لعموم إحاطة علمه تعالى بأحوال عباده، وما يشرعه لهم من شرائع الخير والهدى وجعل رسول الله ﷺ هو النبراس الذي يضيء لأمته طريق السير في هدايتها.
بعد هذا العرض للقصة كما تفيدها الآيات الكريمة وسياقاتها نرى أن نعرض في إجمال وإيجاز -ما قيل فيها من اختلاف أقوال العلماء- فأقول:
стр. 269
(تنزه كثير من أهل العلم عن أقوال القصاص)
ذهب فريق إلى أقوال تنزه بعض المفسرين والمحدثين عن حكايتها لما فيها من عبارات لا يحوطها أدب التعبير مع رسول الله ﷺ ، وفيها فتح باب لأعداء الإسلام ونبي الإسلام لينفذوا منها - كما هى طرائقهم أن يتصيدوا من ساقط الروايات ومكذوبها ما يطعنون به على الإسلام ونبي الإسلام - إلى قالة السوء والطعن في رسالته ﷺ وسمو مقامه، ولولا أن الذين تعرضوا لهذا الاتجاه -وفي مقدمتهم الإمام الطبري في تفسيره والزمخشري ومن تابعه- لهم شهرة بين الأمة ومؤلفاتهم في التفسير وغيره مقروءة، ولها اعتبارها لما أشرنا لشيء من هذا الاتجاه في فهم القصة وآياتها.
* * *
(مذهب السلف إثبات ما أثبته القرآن الكريم)
وذهب فريق من السلف - منهم علي بن الحسين " زين العابدين " والزهري والسدي وغيرهم، وتبعهم على ذلك فريق من العلماء منهم القاضي بكر بن العلاء والقاضي عياض وابن فورك
стр. 270
وجمع من المحدثين منهم الحافظ ابن حجر والقسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها والحذاق من المفسرين منهم ابن العربي والقرطبي وغيرهم ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية في سياقها وطلب الهداية منها وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع - إلى القول بأن ما أخفاه رسول الله ﷺ في نفسه وأبداه الله تعالى إنما هو إعلام الله له أنَّهَا ستكون من أزواجه بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه كما ذكرناه سابقاً.
وإنما كان العتاب على إخفاء الإعلام بزواجها منه وتلبثه ﷺ بعد أن عرض عليه زيد طلاقها - اجتهاداً منه ﷺ استجابة لطبيعته ﷺ ، المجبولة على الرأفة والرحمة وأخذاً بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة والإرشاد إذ لم يعين الله له وقت تزويجه منها، وليتعرف ﷺ ما عند زيد بالنسبة إليها من رغبة فيها وميل إليها.
ويحتمل في فهم القصة وآياتها أن رسول الله ﷺ استشعر منذ نزلت عليه آية إبطال التبني في قوله تعالى (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)
стр. 271
الذي يترتب على إبطاله إبطال ما ينتج عنه من أمور وآثار جاهلية.
* * *
(العمل على إبطال التعاظم بالأنساب والأحساب)
وقد نشأ بإبطال التبني أن نزل الأدعياء إلى درجة الموالي وهي أقل في نظر المجتمع مما كانوا عليه حيث أصبحوا أدنى منزلة اجتماعية ممن كانوا في مستواه، فرأى النبي ﷺ أنه أول من يطلب منه العمل على إبطال ومحو الفوارق الاجتماعية القائمة على غير ما أنزله الله ومن أهمها وأشدها أثراً على المجتمع عادة التعالي والتعاظم بالأحساب والأنساب، التي يراها الجاهليون شرعة مرعية في أنكحتهم والظهور في أنديتهم - وعلم رسول الله ﷺ أن بقاء هذه العادة الجاهلية مدمر للمجتمع المسلم بما تنشره في النفوس من الأحقاد والضغائن وتقسيمه إلى طبقات يحتقر بعضها بعضاً ويتميز بعضها على بعض غيظاً فلما أن أرسلت زينب بنت جحش الأسدية أختها حمنة إلى النبي ﷺ تخبره أن كثيراً من أصحابه خطبها وهى تشاوره وتستأذنه أن يختار لها ممن خطها من يراه أصلح لها رأى ﷺ أن تزويجها بزيد بن حارثة مولاه يحقق أمرين عظيمين صالحين:
أولهما: أن زيد خير ممن خطبها علماً بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ فتزويجها إياه يحقق لها عصمة زوجية ونفعاً دينياً ولذلك قال لأختها: " فأين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها؟ ". قالت حمنة: من؟.
قال: " زيد بن حارثة " فغضبت وقالت: تزوج ابنة عمتك مولاك؟ وعادت إلى زينب، فأخبرتها، فاشتد غضبها وقولها بأكثر مما قالت أختها فأنزل الله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)). قالت
стр. 272
زينب: فأرسلت إليه: زوجني من شئت فزوجني منه "
وثانيهما: أن تزويج زيد بها - وهي في شرفها ونسبها من قومها في قريش، وقرابتها من رسول الله ﷺ عمل عظيم يسديه رسول الله ﷺ لأمته يهدم به عادة جاهلية، ويغرس به قاعدة العدالة، والمساواة بين أفراد المجتمع المسلم، حتى لا يتفاضل بالأحساب والأنساب، وليرجع إلى ما أمر الله به من التفاضل بالتقوى والعمل الصالح تحقيقاً لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) وقوله ﷺ : " ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عريى، ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى ".
فزوّجها رسول الله ﷺ زيداً وأمهرها عنه ما ذكرته الروايات، وبهذا وضعت قاعدة المساواة في النكاح بين جميع المسلمين والمسلمات تحقيقاً لقوله ﷺ : " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض " الذي جعل قاعدة المساواة في الدين والخلق، ولا دخل في ذلك للأنساب والأحساب مما كان يبني عليه الجاهليون اعتباراتهم.
стр. 273
وكان رضاؤها بهذا الزواج لا يعبر عن رغبة قلبية وميل نفسي منها فاشتد لسانها على زيد وتعاظمت وافتخرت عليه بنسبها وحسبها مما جعل الحياة بينهما حياة لا استقرار فيها ولا سكون ولا مودة.
* * *
(بدء التنافر بين قلبي زينب وزيد بن حارثة)
قالت زينب رضى الله عنها وهي تقص خبرها مع زيد: " فأخذته بلساني فشكاني إلى النبي ﷺ ققال له النبي ﷺ : " أمسك عليك زوجك واتق الله. . ".
وكان النبي ﷺ منذ بدأ في نفسه الاستشعار بإبطال ما يترتب على إبطال بنوة الدعي -وأدى هذا الاستشعار إلى إبطال عادة التعالي والمفاخرة بالأنساب والأحساب ورد المؤمنين إلى التفاضل بالدين والتقوى- لا يزال يدور في نفسه ويقوى معه استشعاره بإبطال ما هو أقوى في جذوره الجاهلية من عادة التفاخر بالأنساب والأحساب وهو إبطال عدم صحة زواج المتبنِّي بزوجة دعيه بعد فراقه إياها.
فلما جاءه زيد يشكو إليه زوجه زينب واشتداد لسانها عليه وعدم طاقته الصبر على ما يلقى منها وعرض على النبي ﷺ أن يطلقها فقال له النبي ﷺ : " أمسك عليك زوجك واتق الله " - أخذاً بما جُبل عليه ﷺ من الرحمة والرأفة وتلبثاً لمعرفة ما عند زيد نحوها، وهل شكايته منها فورة غضبية لعلها تزول، أو تسكن وتهدأ بإحسان العشرة منها، أو أنها عزيمة لا تردد فيها ولا محيد عنها، وأن ثورة المصاعب في هذا الزواج وتصاعد النزاع بين زيد وزينب واشتعال نار الخلاف بينهما لن تهدأ - عرف ﵊ أن عشرتهما لن يكتب لها الدوام ما احتفت بهذه المصاعب لعدم توافقهما في الحياة الزوجية لنفور زينب من زوجها زيد وكرهها
стр. 274
للعيش معه وعدم استطاعة زيد على الصبر عليها لتناولها إياه بلسانها، فرأى ﷺ أنه إن طلقها زيد فسيتزوجها ﵊ ليهدم بزواجه منها -بوصفها مطلقة دعيه زيد- عادة الجاهلية التي تمنع تزوج المتبنِّي بمطلقة الدعي ويتحمل ﷺ ثقل إزالة هذه العادة رفعاً للحرج عن المؤمنين في التزوج بمطلقات الأدعياء حيث قد يسر الله تعالى بقضائه وقدره سبيل هدمها على يديه بتطليق زيد دعيه لزوجه زينب، لأن إبطال عادة التبني -قبل تزوج زيد بزينب- يستلزم إبطال جميع ما ينتج عنها من آثار وفي مقدمتها إبطال منع التزوج بمطلقة الدعي.
ولما ضاق زيد ذرعاً بالعيش مع زينب ﵄ ولم يبق له وطر فيها عاد إلى النبي ﷺ يشكوها إليه وققال: " أنا أطلقها " فطلقها وبتَّ طلاقها.
ولما انقضت عدتها أرسل رسول الله ﷺ زيداً إليها يخطبها عليه فنزل القرآن بتزويجه ﷺ بها قبل أن يعود زيد من خطبتها فقام رسول الله ﷺ ودخل عليها زوجاً لها تنفيذاً لأمر الله تعالى فِي قوله تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧)).
* * *
(الله المزوِّج وجبريل الشاهد)
قالت زينب -كما في سنن البيهقي- حين دخل عليها رسول الله ﷺ زوجاً لها: " هذا أمر من السماء " وقالت: " يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة؟ " فقال: " الله المزوج وجبريل الشاهد ".
стр. 275
ويدل لصحة هذا ما رواه البخاري عن أنس ﵁ قال: " كانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: " زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات " وما رواه مسلم من أن رسول الله ﷺ " دخل عليها بغير إذن " حين نزل القرآن بتزويجه إياها.
* * *
(الخير العام في كل من زواج زييد بن حارثة بزينب بنت جحش وطلاقه لها)
وهكذا كان زواج زيد بزينب خيراً في أوله حين قضى ومحا الفوارق القائمة على التعالي بالأحساب والأنساب " وذلك أن الموالي تزوجت في قريش، وتزوج زيد بزينب، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وزوّج أبو حذيفة سالماً من هند بنت عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار ".
وكان طلاق زيد لزينب خيراً كبيراً أيضاً حيث كان سبباً لإبطال عادة الجاهلية التي تمنع تزوج المتبني بمطلقة دعيه، أو أرملته.
وحينئذ يكون ما أخفاه رسول الله ﷺ في نفسه وعوتب عليه هو استشعاره ﷺ من تمكنه من إبطال عادة عدم صحة تزوج المتبني بمطلقة دعيه بمجيء زيد شاكياً زوجه زينب ويعرض طلاقها دون أن يكون له ﷺ دخل قلبي سوى إرادة تحقيق ما أراده الله تعالى من زواجه بزوجة دعيه -التي قضى وطره منها- لرفع الحرج عن المؤمنين في التزوج بمطلقات الأدعياء.
стр. 276
فإن قيل: إذا كان رسول الله ﷺ قد أراد تحقيق ما أراده الله تعالى بإبطال عادة جاهلية ففيم يكون العتاب؟.
فالجواب أن العتاب كان على التأخير بقوله لزيد أمسك عليك زوجك.
* * *
(آية آخرى في عتاب التحذير)
ومن الآيات التي هي من هذا النوع من العتاب أول آية من سورة التحريم وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)).
والبحث في هذه الآية الكريمة يقع في موضعين منها:
الموضع الأول: في بيان المراد بهذا التحريم الذي وجه الإنكار إليه.
الموضع الثاني: فيما حرمه النبي ﷺ على نفسه فخاطبه الله تعالى بهذا الخطاب لذلك التحريم الذي صدر منه ﷺ .
أما الموضع الأول -وهو ما المراد بالتحريم في هذه الآية؟ - فإنا نقول: أن المعنى الأصلي لمادة (حرم) في اللغة " هو المنع والتشديد " كما قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة.
وقد ورد التحريم بهذا المعنى في القرآن الكريم في آيات منها قوله تعالى (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: " منعنا موسى المراضع أن
стр. 277
يرتضع منهن من قبل أمه "، وقوله تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ). أي " منعه من دخولها ".
* * *
(المنع المحرم وغير المحرم)
وعلى ذلك فمن منع نفسه من شيء كان له التمتع به فعلاً كان أو قولاً أو غير ذلك فقد حرم نفسه من ذلك الشيء أي منعها منه، ما لم يؤد هذا المنع إلى ضرر شرعى يلحق بالشخص المحرم على نفسه أو بغيره ممن له علاقة به فحينئذ يصير المنع والتحريم بذلك منعاً وتحريماً شرعياً، وهذا كالذي رواه البخاري عن أنس ﵁ أن رهطاً من أصحاب رسول الله ﷺ منعوا أنفسهم وحرموها من التمتع بأمور كان لهم حق التمتع بها، لكن هذا المنع أدى إلى ضرر بالنفس وبالغير فإن منه المنع من إتيان النساء وهذا يضر بالزوجة بل يضر بالزوج نفسه، وهكذا في كل ما ذكر مما منعوا أنفسهم منه، ولهذا أباه رسول الله ﷺ وقال لهم: " أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
وهذا دليل على أن المنع والتحريم أصبح منعاً وتحريماً شرعياً ليس لأحد من الخلق أن يقدم عليه إلا بتشريع من الله تعالى، بل قوله ﷺ " إني لم أومر بالرهبانية " وقوله " إن الرهبانية لم تكتب علينا " يدل على أن
стр. 278
هذا تحريم شرعى إذ منع النفس من هذه الأشياء منع لها مما كان مباحاً شرعاً.
ويرشح هذا ما ورد في بعض الروايات أنَّهم أرادوا بهذا المنع التشبه بالقسيسين والرهبان كما جاء ذلك عن ابن عباس ﵄ وعن السدي فيما أخرجه الطبري عنهما في تفسيره. ويؤيده هذا ما رواه البخاري عن أبي جحيفة عن أبيه قال: " آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال، كُلْ، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حى تأكل، قال:. فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا. فأعطِ لكل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له فقال النبي ﷺ : " صدق سلمان ".
أما الحرام في الشرع فإنه ما طلب الشارع من المكلف الكف عنه على وجه الحتم والإلزام كما عرفه الأصوليون بذلك.
стр. 279
(التحليل والتحريم خاص بالله)
فإذا ما حرم الله تعالى شيئاً فليس لأحد من كان أن يحله، لأن التحريم حكم الله تعالى وشرعه لعباده، وهو العليم بخفايا الأشياء والأفعال ومضارها، فيحرم منها ما يشاء، ويحل منها ما يشاء، فإذا أحل الله شيئاً فلا محرم له من بعده وإذا حرم شيئاً فلا محل له من بعده.
ومن ذلك يعلم أن النبي ﷺ لم يحرم على نفسه شيئاً تحريماً شرعياً مما كان الله تعالى قد أحله له، لأنه ﷺ لا يملك ذلك ولا يخالف لله تعالى أمراً ولا نهياً لعصمة الله تعالى له من ذاك كله.
فلم يبق إلا أن يتوجه التحريم المخاطب به النبي ﷺ في هذه الآية إلى المعنى اللغوي -وهو الامتناع كما قال به حذاق المفسرين- إذ هو الأصل أولاً، ولامتناع صدور المعنى الشرعي منه ﷺ في المراد بالتحريم في هذه الآية ثانياً.
* * *
(ما يدل عليه تصدير الآية بندائه بوصف النبوة)
فيكون معنى الآية على هذا -وقد صدرت بندائه ﷺ ، بوصف النبوة تشريفاً لمكانه وتعظيماً لمقامه- يا أيها النبي لم تمنع نفسك وتحرمها من الاستمتاع بما أحله الله لك مما لك فيه رغبة ومتعة ونفع بما يشق عليك من حرمان نفسك حقها مما أحللناه لك من متعة الحياة وزهرتها.
أما ما حرمه النبي ﷺ على نفسه فمنعها منه فجمهور المفسرين على أنه سريته مارية القبطية أم ولده إبراهيم ﵇.
стр. 280
وهو ما صدر به ابن كثير تفسيره لهذه الآية الكريمة، واستدل بما رواه النسائي عن أنس ﵁: " أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)).
وقد أورده الحافظ ابن حجر -في الفتح- فقال: " وقد أخرج النسائي بسند صحيح - فذكره ثم قال: وهذا أصح طرق هذا السبب وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال: أصاب رسول الله ﷺ أم إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه فقالت: يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي، فجعلها عليه حراماً. فقالت: يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها فنزلت (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ).
ثم ساق ابن كثير تعزيزاً لهذا الرأي قول زيد بن أسلم نقلاً عن الطبري -كما نقله عنه الحافظ ابن حجر حسبما ذكرناه آنفاً- وعزز بما أخرجه الهيثم بن كليب في مسنده بسنده إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال النبي ﷺ لحفصة: " لا تخبري أحداً وإن أُم إبراهيم عليَّ حرام " فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: " فوالله لا أقربها " قال:
стр. 281
فلم يقربها حتى أخبرت عائشة ". قال فأنزل الله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).
قال ابن كثير تعليقاً على هذا الحديث وتعزيزاً له: " وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج ".
وقد نقله الحافظ ابن حجر -في الفتح- عن الضياء المقدسي من المختارة وأيده بما أخرجه الطبراني -في عشرة النساء- وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال: " دخل رسول الله ﷺ بمارية بيت حفصة فجاءت فوجدتها معه فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك " - قال ابن حجر: " فذكر نحوه " أي نحو حديث عمر المتقدم.
ثم قال الحافظ ابن حجر في ترجيحه بين الأقوال التي قيلت فيما حرمه النبي ﷺ على نفسه: " والراجح ﷺ من الأقوال كلها قصة مارية لاختصاص عائشة وحفصة بها بخلاف العسل فإنه اجتمع فيه جماعة منهن ".
стр. 282
واختيارات الضياء المقدسي -التي نقل عنها كل من الحافظين ابن كثير وابن حجر حديث عمر السابق- يقول عنها الإمام ابن تيمية: " إن أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك ".
* * *
(ما حرمه النبي ﷺ على نفسه)
ثم ذكر ابن كثير حديث الطبراني - عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) قال: " حرّم رسول الله ﷺ سريته ".
وظاهر الآية الكريمة يعزز هذا القول لأن " ما " في قوله تعالى: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) وتعليل التحريم بقوله عز شأنه (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) يدل على أن المحرم شيء من جنس ما يُبتغَى به مرضاة الزوجات ويتوصل به إلى قلوبهن في الاستمتاع، وعدم تحريمه بالامتناع عنه يثير في أنفسهن الغيرة، وإن كان المحرم ليس بداخل في الزوجات بوصف الزوجية لكنه مشارك لهن في وجود الاستمتاع به لتحققه فيه كتحققه فيهن، وذلك يناسبه أن يكون المحرم المتنع عنه سريته مارية أم ولده إبراهيم ﵇ التي أحل الله له ﷺ الاستمتاع بها، وكانت تثير في أنفس الزوجات الطاهرات الغيرة منها، وتحريمه إياها على نفسه وامتناعه عنها أشد مرضاة لهن وأدعى لسرورهن.
ويؤيد هذا أن في لفظ " لك " من قوله تعالى: (مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) من معنى الخصوصية ما يدل على أن المحرم من تعلقت به هذه الخصوصية
стр. 283
- وهي سريته ﷺ إذ لا خصوصية في غيرها من العسل ونحوه.
وهذا التعزيز مال إليه جمهور المفسرين الذين قالوا: إن الذي حرمه النبي ﷺ على نفسه هو مارية القبطية أم ولده إبراهيم.
قد ذكر هذا ابن الجوزي في تفسيره -زاد المسير- وأسنده إلى بعض أئمة السلف والأكثرين من المفسرين فقال: " وإلى هذا المعنى - أي تحريم مارية على نفسه ﷺ ذهب سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومسروق ومقاتل والأكثرون ".
وممن مال إلى هذا القول -أيضاً- ابن العربي في تفسيره لآيات الأحكام حين قال: " وأما ما روي أنه حرم مارية فهو. . أقرب إلى المعنى ".
ولعل ابن العريى يقصد بالأقربية إلى المعنى أن هذا التحريم قد علل في الآية الكريمة بابتغاء مرضاة الزوجات، وهذا ما صرح به الجصاص في أحكام القرآن بقوله ". . . الأظهر أنه حرم مارية، وأن الآية فيها نزلت لأنه قال (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) وليس في ترك شرب العسل رضا أزواجه، وفي ترك قرب مارية رضاهن ".
وإلى هذا الترجيح مال جمال الدين القاسمي في تفسيره -محاسن التأويل- حيث قال: " والذي يظهر لي هو ترجيح روايات تحريم الجارية في سبب نزولها وذلك لوجوه:
стр. 284
منها: أن مثله يبتغى به مرضاة الضرات (١) ويهتم به لهن.
ومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه. . . ".
وذهب جمهور المحدثين إلى أن المحرم الممتتع عنه هو العسل وحجتهم في ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
والروايات عندهما متفقة على أن ما حرمه النبي ﷺ على نفسه ومنع نفسه منه ﷺ هو العسل، ومختلفة في التي شرب عندها العسل من زوجاته.
وأكثرها أن التي شرب عندها العسل هي زينب بنت جحش، ويليها أن التي شرب عندها هي حفصة.
وهناك روايات صحيحة الإسناد -كما يقول السيوطي في الدر- لكنها لم ترد في الصحيحين تذكر أن التي شرب عندها العسل هي سودة بنت زمعة ﵂.
стр. 285
وعزا الحافظ ابن حجر -في الفتح- مثل هذا القول إلى الطبراني وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس وقال: " ورواته موثقون ".
ودعواه بأن أبا عامر -أحد رواة هذا الحديث عند الطبراني وابن مردويه- " وهْمٌ فِي قولة سودة " دعوى لم يقم عليها دليلاً، سوى أنها نحو رواية البخاري التي تذكر أنه شرب العسل عند حفصة.
ولا معنى لتوهيمه الراوي بعد توثيقه إياه، مع أن الروايات مختلفة في التي شرب رسول الله ﷺ عندها العسل.
وفي رواية أسندها الحافظ ابن حجر -في الفتح- إلى السدي في تفسيره ونقلها عن الطبري تقول إن التي شرب عندها العسل هي أم سلمة ﵂ وقال: إنها مرجوحة ومرسلة.
وأسند السيوطي -في الدر- مثلها إلى ابن سعد فِي الطبقات عن عبد الله بن رافع.
فهذا الاختلاف في التي شرب النبي ﷺ عندها العسل من زوجاته -وهو موجود في الصحيحين في روايات أغلبها متوالية- يدل على الاضطراب مما حمل بعض حذاق العلماء على الترجيح بين هذه الروايات،