ـ[آيات عتاب المصطفى ﷺ في ضوء العصمة والاجتهاد]ـ
تأليف: د. عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي
الناشر: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز - مكة المكرمة حرسها الله تعالى
الطبعة: الثالثة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م
عدد الأجزاء: ١
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مقابل]
стр. 2
خطبة الكتاب
الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده، ورسوله محمد ﷺ ، تبصرة وذكرى لأولي الألباب، وهدى به الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه إلى سواء الصراط، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة يوم لا ينفع مال، ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أرسله الله رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً، وهادياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، أدبه ربه فأحسن تأديبه، وكمله بأفضل الصفات، والخلق العظيم، وشرفه ﷺ بإنزال أفضل الكتب عليه، وعلّمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيماً.
* * * * *
стр. 3
خطر المناهج الأجنبية على المسلمين
المقدمة
وبعد. . فمن المؤسف حقاً أن المسلمين -اليوم- يقلدن غيرهم من أعداء الإسلام والمسلمين في مناهج التعليم وسبله ويأخذون عنهم أساليبهم التربوية والفكرية مأسورين بوطأة التقدم المادي الذي حققه أولئك الأعداء الذي يعلمون به ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة -غافلون- غافلين عما يدسه أولئك الأعداء الألداء في مناهجهم المصدرة إلى المسلمين من سموم ينفثونها في قلوب وعقول الذين يأخذون عنهم - ممن يكونوا في درع من الإيمان، أو يتقبلون مناهجهم مغترين بمعسول القول وبهرج الكلام، الذي يكسون به طرائقهم التعليمية الدينية والتاريخية والنفسية والاجتماعية، باسم المنهجية والموضوعية، والبحث العلمي مما هو في الواقع هدم للحقائق العلمية في أكثره، وإبطال للموازين الدينية العادلة وتشكيك للمسلمين في دينهم، وإخراجهم منه، أو صرفهم عنه.
وبهذا التقليد يتأثر شباب الإسلام، فتسري إلى نفوسهم بعض الشبه التي لا تمكنهم دراستهم الإسلامية من دفعها، وإبطالها، ومن ثَمَّ ترسخ تلك الشبه في نفوسهم فيخشى عليهم منها في عقائدهم وسلوكهم ويخشى منها على من تنتقل إليه من عامة المسلمين.
* * *
من مفتريات أعداء الله ورسوله
ومن هذه الشبه شبه يقيمونها على ما يتعلق بالقرآن الكريم، ومنها شبه يثيرونها حول الرسول ﷺ لخطابه ﵊ ببعض الآيات القرآنية الكريمة التي جاءت لتعليمه، وتوجيهه، وتربيته، أو جاءت لإبطال عادة جاهلية بشرع حُكمٍ لها، وأجراه الله على يديه الشريفة ليكون ذلك أوقع في نفوس المؤمنين وأثبت لقلوبهم في اجتثاث العادة الجاهلية من أفئدتهم بوصفه ﷺ قدوة الأمة الإسلامية في جميع أحوالها وأمورها الدينية
стр. 4
والدنيوية كإبطال الله تعالى عادة التبني الجاهلية بتزويجه ﷺ زينب بنت جحش التي كانت زوجة لمولاه زيد بن حارثة ﵁، الذي كان قد تبناه قبل إكرام الله له بالنبوة.
وقد بنى أولئك الأعداء الحاقدون على هذه الشبه التي افتروها وغيرها طعونهم الظالمة وباطلهم المظلم، واستعانوا على غوايتهم وإغوائهم بما يوجد في بعض كتب التفسير من إسرائيليات، وقصم وروايات باطلة سنداً ومعنى، أو بنوها على فهوم لبعض من علماء المسلمين لم توافق الصواب لبعض مما خوطب به رسول الله ﷺ من آيات كريمة بنوا عليها ترهاتهم، وأكاذيبهم، وعززوا بها تشكيكهم في قلوب الذين يقعون تحت تأثيرهم، وجعلوها متكأ لما يزعمونه من طعون ظالمة على النبي ﷺ وعلى بعض من إخوانه الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ممن وردت آيات كريمة في خطابهم تشير إلى لون من التربية الإلهية لأولئك المصطفين الأخيار -مع ما هم عليه من كمال في الخلق وإخلاص في العمل- لرفعة شأنهم وعظيم منزلتهم عند الله تعالى لكونهم قدوة البشر فيما يراد لهم من أمور يحسنون السمت فيها لنيل عظيم الدرجات عند الله تعالى.
* * *
انسياق وغفلة
وسار في هذا الطريق قوم من المسلمين اعتماداً على تلك الروايات الباطلة التي يتوسع فيها رواتها بذكر قصص لا تصح أسانيدها، ولا تقبل متونها لما فيها من مساس بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما فيها من سوء أدب في التعبير ناشئ عن تهاون وغفلة، أو عن قصور في التفكير، وعدم تنبه لما تحمله تلك الروايات من إساءات إلى مقام أولئك الأنبياء الأطهار عليهم الصلاة والسلام.
стр. 5
أسباب كتابة هذا البحث
وقد أفزعى تهاون هؤلاء، وتقحم وتجرؤ أولئك على القول في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما ذكروا في تلك الروايات الباطلة، واعتبارهم ما جاء فيها من سيئ القول أمراً مقبولاً عندهم فحزمت أمري ونهضت للرد عليها وخصصت هذه الرسالة بالرد على ما قيل في آيات عتاب المصطفى ﷺ وأخذت أجيل النظر والفكر قارئاً وباحثاً فيما كتب عنه ﷺ من كتابات ودراسات وبحوث تفرق العد علّني أجد من تناول ما قيل في هذه الآيات الكريمة بالبحث والتحقيق مستضيئاً بما فيها من نور الحق لرد ما نسج حولها من روايات وقصص باطلة فلم أر بحثاً مستوعباً لمسائل لهذا الموضوع لأحد من العلماء المتقدمين، أو المتأخرين في رسالة، أو كتاب مخصرص به، وإنما الذي ذكره العلماء - رحمهم الله تعالى - مسائل حول بعض هذه الآيات الكريمة والرد على ما قيل فيها من سقيم القول، هذه الردود منثورة في ثنايا الحديث عن سيدنا رسول الله ﷺ فيما كتبوا عن حياته المباركة الشريفة ﷺ وأشهر من كتب في هذا القاضي عياض في الشفاء، والقسطلاني في المواهب.
* * *
منهجية البحث والتناول
وقد تناولت هذه الآيات الكريمة بالبحث والتحقيق، لبيان المراد بها -في سياقاتها من السور التي هي فيها- خطاباً لسيدنا رسول الله ﷺ ، رفعاً لما تجده الكثرة الغالبة من الناس من توقف في فهمها، ودفعاً لكيد
стр. 6
وحقد أعداء الله تعالى وأعداء رسوله ﷺ ، من المستشرقين والمنصرين -المبشرين بزعمهم- الذين يقلدهم كثير من المسلمين اليوم، ويعجبون بكتاباتهم دون وعي لما تحمله من سموم.
وأرجو أن أكون قد وفقني الله تعالى لما قصدته من وضع الأمور في هذه الآيات الكريمة موضعها على ميزان الحق حباً في الله تعالى وفي رسوله ﷺ ، وحباً للحق، وتثبيتاً للمؤمنين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وقد سميت رسالتي هذه [أحادياث عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة والاجتهاد].
وإنما سميتها كذا لقيام العصمة في حق النبي ﷺ وثبوت الإذن له بالاجتهاد، فيما لم ينزل عليه فيه وحي من الله تعالى، وهما يرفعان الحرج عن رسول الله ﷺ فكيف جاء العتاب، وهو ﷺ معصوم مأذون له في الاجتهاد؟
هذا ما ستوضحه أبواب هذه الرسالة، وبحوثها إن شاء الله تعالى.
وهي تتكون من خطبة، ومقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
أما الخطة ففيها الثناء على الله بما ألهمني مما هو أهله من الحمد والثناء، والصلاة على النبي ﵌.
وأما المقدمة فقد ذكرت فيها سبب اختياري لهذا الموضوع كما ذكرت آنفاً.
وأما الباب الأول ففي عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويشمل:
стр. 7
١ - تعريف العصمة لغةً واصطلاحاً.
٢ - مواقع العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: -
(أ) عصمتهم في فترة ما قبل النبوة.
(ب) عصمتهم بعد النبوة:
١ - عصمتهم من الكفر.
٢ - عصمتهم في التبليغ.
(ج) تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر.
(د) عصمتهم عليهم الصلاة والسلام من صغائر الذنوب وكبائرها في هذه الفترة.
وأما الباب الثاني ففيه بحث الاجتهاد ويشمل:
١ - شريف الاجتهاد لغة واصطلاحاً.
٢ - عرض آراء العلماء في: هل كان للرسول ﷺ حق الاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي أو ليس له ذلك؟ وترجيح ما يؤيده الدليل، وتعضده الوقائع.
أما الباب الثالث ففيه:
١ - بيان معنى العتاب وحقيقته.
٢ - بيان معنى الذنب، وتحليل الآيات القرآنية الكريمة التي ورد فيها ذكر الذنب مضافاً إلى ضمير خطاب رسول الله ﷺ في سياقها توصلاً لمعرفة المراد به فيها.
٣ - بيان معنى التوبة واختلافها باختلاف التائبين.
стр. 8
٤ - ويشمل بيان معنى العتاب بيان أنواعه في الآيات التي وقع فيها البحث، وهو -فيما تبين لنا من البحث- يتنوع إلى ثلاثة أنواع: -
النوع الأول: وسميناه عتاب التوجيه وهو ينقسم إلى فرعين:
الفرع الأول: عتاب الدفع وتقوية العزيمة للنهوض بأعباء الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة.
الفرع الثاني: عتاب الإقصار.
النوع الثالث: وسميناه عتاب التنبيه.
النوع الألث: وسميناه عتاب التحذير.
ثم أجرينا البحث في الآيات التي قيل إن فيها عتاباً لسيدنا رسول الله ﷺ على أساس هذا التنويع فكان في النوع الأول بفرعيه: خمس آيات.
وفي النوع الثاني: من آيات في خمسة مواضع.
وفي النوع الثالث: عشرون آية في ثمانية مواضع.
وأما الخاتمة: فهى إجمال موجز لموضوع هذه الرسالة وبيان لفائدة هذا البحث.
عويد بن عياد بن عابد المطرفي
مكة المكرمة
ص - ب ٨٥١٥
стр. 9
الباب الأول
عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
١ - تعريف العصمة لغة وشرعاً.
٢ - مواقع العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
(أ) عصمتهم في فترة ما قبل النبوة.
(ب) عصمتهم بعد النبوة: -
١ - عصمتهم من الكفر
٢ - عصمتهم في التبليغ
(ج) تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر.
(د) عصمتهم عليهم الصلاة والسلام من صغائر الذنوب وكبائرها في هذه الفترة
стр. 10
العصمة في اللغة
يحسن بنا قبل الخوض في معنى العصمة في اصطلاح أهل الاختصاص من العلماء أن نحدد معناها في اللغة، إذ الاصطلاح مرتبط بالوضع اللغوي وناشى منه.
وهأنذا أعرض تعريفات أئمة اللغة ليتضح الغرض ويستبين الأمر.
١ - قال الخليل بن أحمد -فِي كتاب العين-: "العصمة أن يعصمك الله من الشر، أي: يدفع عنك، واعتصمت بالله أي: امتنعت به من الشر واستعصمت أي: أبيت".
٢ - وقال ابن السكيت: " عصمه يعصمه عصماً وعصمةً إذا منعه، وقد عصمه الطعام أي: منعه من الجوع ".
٣ - وقال ابن الأنباري في شرحه لقول زهير بن أبي سلمى:
стр. 11
لحي حلال يعصم الناس أمرهم
إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
قال: ". . . ومعنى يعصم: يمنع، كما قال الله : (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي: لا مانع ".
وقال في شرحه لقول عمرو بن كلثوم:
بأنا العاصمون بكل كحل ... وأنا البازلون لمجتدينا
" العاصمون: المانعون، يقال: عصم الله فلاناً أي: منعه من التعرض لما لا يحل له، وقال جل ذكره: (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) فمعناه: لا مانع.
стр. 12
قال الشاعر:
وقلت عليكم مالكاً إن مالكاً ... سيعصمكم إن كان في الناس عاصم
معناه: سيمنعكم.
٤ - قال الأزهري -في تهذيب اللغة-: " العصمة في كلام العرب: المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، واعتصم فلان بالله إذا امتنع به، واستعصم إذا امتنع وتأبَّى. قال الله تعالى حكاية عن امرأة العزيز في أمر يوسف ﵇ حين راودته عن نفسه: (فَاسْتَعْصَمَ) أي: تأبَّى عليها، ولم يجبها إلى طلبها ".
إن تفسير الأزهري (استعصم) بـ (تأبى) يشعر بمقاومة النفس ومنعها مما هي متمكنة منه إذ التأبِّي هو أشد الامتناع.
стр. 13
ثم قال الأزهري: " قال الزجاج فِي قوله تعالى (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) أي: يمنعني من الماء، قال: " والحذاق من النحويين اتفقوا
على أن قوله (لا عاصم) بمعنى: لا مانع.
٥ - قال ابن فارس - في معجم مقاييس اللغة -: " عصم: العين والصاد والميم أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمة والمعنى في ذلك كله معنى واحد، ومن ذلك العصمة: أن يعصم الله تعالى عبده من سوء يقع فيه. واعتصم العبد بالله تعالى إذا امتنع واستعصم: التجأ، تقول العرب: اعصمت فلاناً: أي هيأت له شيئاً يعتصم بما نالته يده أي يلتجئ ويتمسك به.
قال النابغة:
يظل من خوفه الملاح معتصماً ... بالخيزرانة من خوف ومن رعد
قال ابن السكيت -في تعليقه على هذا البيت في ديوان النابغة-: " قال
-
стр. 14
الأصمعي: معنى معتصماً: مستمسكاً.
٦ - وقال الجوهري -في الصحاح-: " العصمة: المنع. يقال: عصمه الطعام: أي منعه من الجوع. والعصمة: الحفظ يقال: عصمته فانعصم. واعتصمت بالله: أي امتنعت بلطفه من المعصية.
٧ - وقال ابن منظور -في لسان العرب- " العصمة في كلام العرب: المنع ".
وقال: " عصمه يعصمه عصماً: منعه ووقاه. وفي التنزيل (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ). . واعتصم فلان بالله إذا امتنع به، والعصمة: الحفظ، يقال: عصمته فانعصم. ثم قال: " والعصمة: المنعة، والعاصم: المانع الحامي، والاعتصام: الامتساك بالشيء افتعال منه. ومنه شعر أبي طالب ثمال اليتامى عصمة للأرامل أي يمنعهم من الضياع والحاجة. وفي
стр. 15
الحديث: "فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم".
وذكر الزبيدي (٣١) هذا المعنى في تاج العروس، وقد سبقهما إلى هذا ابن الأثير في النهاية.
ومن النظر في هذه الأقوال التي سقناها يظهر أن معنى العصمة في
اللغة -أعني الاستعمال في الوضع عند خُلَّص العرب- يدور على معنى المنع والامتناع.
* * *
حاصل ما تدل عليه أقوال أهل اللغة
ويدل على ذلك صراحة كلام ابن فارس الذي سبق أن عرضناه في أن حروف (عصم) وهي العين والصاد والميم أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمة، وما نص عليه الأزهري في التهذيب وابن منظور في اللسان من أن المنع أصل معنى العصمة في كلام العرب.
стр. 16
وعلى هذا المعنى دار كلام حذاق المفسرين، والأثريين.
قال الإمام الطبري - رحمه الله تعالى - في تفسيره لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) قال: " وأصل العصم: المنع، فكل مانع شيئاً فهو عاصمه والممتنع معتصم به "، ومنه قول الفرزدق:
أنا ابن العاصمين بني تميم ... إذا ما أعظم الحدثان نابا
وقال في تفسيره لقول الله تعالى (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ):
" أي يمنعك من أن ينالوك بسوء، وأصله من عصام القربة وهو ما توكأ به من سير وخيط، ومنه قول الشاعر:
وقلت عليكم مالكا إن مالكا ... سيعصمكم إن كان في الناس عاصم
أي يمنعكم ".
стр. 17
وقال تفسيراً قوله تعالى: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ): " يقول سأصير إلى جبل أتحصن به من الماء
فيمنعني منه أن يغرقني. ويعني بقوله (يَعْصِمُنِي) يمنعني مثل عصام القربة الذي يشد به رأسها فيمنع الماء أن يسيل منها ".
وفي قول الله تعالى: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) قال: " من ذا الذي يمنعكم من الله إن هو أراد بكم سوءاً في أنفسكم.
وفسر (العاصم) بالمانع في قوله تعالى: (مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ) وقوله تعالى (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) وقوله تعالى (مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ).
فكلام هذا الإمام - رحمه الله تعالى - يدل على أن مادة (عصم) في القرآن الكريم حيثما وردت بشتى تصريفاتها تدور على المنع والامتناع وهو أصلها في الوضع اللغوي.
стр. 18
وما قيل في بعض المعاجم -ضمن المعاني اللغوية- من تفسير العصمة بالحفظ والوقاية ليس معنى لغوياً أصيلاً لها، بل سرى إليها لشدة المقاربة والتلازم بين معنى الحفظ والوقاية ومعنى المنع والامتناع وكأنهما متلازمان.
وهذا ما يعتذر به عمن ذكر الحفظ على أنه معنى لغوي للعصمة.
* * *
стр. 19
العصمة في الاصطلاح
ْأما العصمة في الاصطلاح، فقد ذكر العلماء فيها كلاما كثيراً يشعر بعضه بتعريفها، ويشعر بعضه بثمرتها ومواطنها، بيد أن المتقدمين منهم لم يتعرضوا لتعريفها تعريفاً اصطلاحياً ولكنهم ذكروا كلاماً في ثبوتها، وثمرتها ومواطنها، حيث كانوا يعنون بثمرات المسائل، ولا يعولون على التفاصيل التي لا تفيد إلا ذوي العمق من أهل الاختصاص، وإن كان البعض من متأخري المتقدمين يعرفون الشيء بتقسيمه، أو بطريق السبر والاستقراء.
* * *
نشأة التعريف الاصطلاحي
وبعد أن كان التلاقي بين الفكر الإسلامي، والفكر غير الإسلامي وظهور علماء الكلام من المسلمين، عرفوا العصمة تعريفاً اصطلاحياً -وشاركوا من قبلهم في ذكر ثمرتها ومواطنها- في عبارات تختلف فِي الأداء، إلا أنهم متفقون جميعاً في قصد الوصول إلى تحديد معناها، ومحاولة الوقوف على المراد منها.
ونبدأ بأقوال من عرفها تعريفاً اصطلاحياً، وسنحاول أن نجمع بين المتوافقات سلباً وإيجاباً حتى يتم تصورها، والحكم عليها تحقيقاً للقول المشهور بين العلماء: " الحكم على الشيء فرع تصوره ".
стр. 20
تعريف الراغب ودلالته
١ - وأول من وقفت على تعريف اصطلاحى له -بعد البحث والتقصي على قدر عطاء المصادر المتيسرة لنا- الراغب الأصفهاني حيث قال في مفرداته: " عصمة الله تعالى الأنبياء حفظه إياهم أولاً بما خصهم به من صفاء الجواهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية ثم بالنصرة، وتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق ".
وتعريف الراغب هذا صريح في أن العصمة أمر وجودي حيث فسرها بحفظ الله إياهم، وذكر لهذا الحفظ أسباباً، وجعل لكل سبب منها مكانة في حياة الأنبياء منذ ولادتهم إلى بعثهم إلى وفاتهم وهذه الأسباب هي:
(أ) ما خصهم الله به من صفاء الجواهر. وهذا يقتضي أن الحفظ المتسبب من صفاء الجواهر قد خصهم الله به منذ كانوا وهو يشعر بأن العصمة بهذا المعنى ثابتة لهم قبل النبوة.
(ب) أما السبب الثاني لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -في تعريف الراغب-: فهو ما أولاهم الله من الفضائل الجسمية والنفسية، وهذا يعني أنهم في اكتمال الخلقة البشرية جسماً وصفاء روح ونضج عقل على خلاف سائر الأجسام البشرية والنفوس الإنسانية.
стр. 21
وهذا السبب لا يكون إلا بعد السبب الأول المختص بصفاء منشأ خلقتهم الطاهر. وهو مشعر بما أشعر به السبب الأول في أن العصمة -بما أولاهم من الفضائل الخلقية والخُلقية- ثابتة لهم قبل النبوة.
(ج) والسبب الثالث: نصرهم وتثبيت أقدامهم وهذا إنما يكون بعد أن يبعثوا، ويكلفوا بما يوحى إليهم. وهو ظاهر في استمرار حفظ الله لهم أن ينالهم أعداؤهم بضرر يحول بينهم وبين أداء مقصد بعثتهم.
(د) السبب الرابع: إنزال السكينة عليهم، وحفظ قلوبهم وتوفيقهم وهو مرتبط بالسبب الثالث ونتيجة له، لأن الله تعالى إذا نصرهم على أعدائهم وثبت أقدامهم في المضي بتحقيق ما كلفوه من الوحي يستلزم اطمئنانهم وسكون نفوسهم وحفظ قلوبهم أن ينالها ما يتنافى مع ما كلفوه من تبليغ رسالات الله إلى من أرسلوا إليهم، وهذا إنما يكون بتوفيق الله ولطفه.
* * *
تعريف الحافظ ابن حجر
وقد أخذ الحافظ ابن حجز تعريف الراغب بشيء من التصرف فقال في الفتح: " وعصمة الله الأنبياء -على نبينا وعليهم الصلاة والسلام- حفظهم من النقائص، وتخصيصهم بالكمالات النفسية والنصرة والثبات في الأمور وإنزال السكينة عليهم ".
стр. 22
فقوله " وتخصيصهم بالكمالات النفسية. . . الخ " هو في المعنى عين قول الراغب " بما خصهم به من صفاء الجواهر. . . الخ " والفرق بين القولين أن صياغة الراغب جعلت التخصيص بالأمور المذكورة أسباباً للحفظ الذي جعله تعريفاً للعصمة.
وصياغة الحافظ ابن حجر جعلت التخصيص بالأمور المذكورة تفصيلاً وبياناً للحفظ عن النقائص، وأن صياغة الراغب تقتضي ثبوت العصمة بمعنى الحفظ -للأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل البعثة- وأما صياغة الحافظ ابن حجر فلا تقتضي ذلك.
وهذا مبني على الخلاف القائم بين العلماء - رحمهم الله تعالى - هل العصمة ثابتة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل البعثة وبعدها؟ أو هي ثابتة لهم بعد البعثة فقط؟.
وهذا خلاف سنأتي على تفصيله عند الكلام على مواطن العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إن شاء الله.
* * *
تعريف السعد
٢ - وعرف السعد العصمة -في شرح العقائد- فقال: " وحقيقة العصمة ألا يخلق الله تعالى في العبد الذنب مع بقاء قدرته واختياره " وعرفها في المقاصد -كما ذكر السيلكوتي في
стр. 23
حاشيته على حاشية الخيالي على العقائد- بأنها " ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها ".
وليس بين التعريفين خلاف، إذ تعريفه في العقائد تعريف للعصمة بثمرتها ومآلها وغايتها، وتعريفه إياها في المقاصد بيان لحقيقة العصمة بخواصها كما قال السيلكوتي.
* * *
اتفاق التعريفين في المآل والثمرة
غير أن تعريف المقاصد ظاهر في أن العصمة أمر وجودي وتعريف العقائد ظاهر في أنَّهَا أمر عدمي، لكنه ليس عدماً مطلقاً وهو الذي يقابل الوجود المطلق فيتنافى معه، وإنما هو من قبيل العدم المقيد بقيد وجودي -وهو بقاء القدرة والاختيار- فلا ينافي الأمر الوجودي، ومن هنا لا تنافي بين التعريفين.
ثم استطرد السعد -في شرح العقائد- فقال: " وهذا معنى قولهم هى لطف من الله يحمله على فعل الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقاً للابتلاء ".
واللطف أمر وجودي، إذ هو مفسر بالتوفيق فلا يسلب اختيار العبد ولا يقيد قدرته، ومن ثم نقل السعد قول أبي منصور ﵀ أن " العصمة لا تزيل المحنة ".
стр. 24
وهذا يؤكد أن السعد يرى أن العصمة أمر وجودي سواء فسرت بملكة اجتناب المعاصي مع القدرة والاختيار أم فسرت بأنها عدم خلق الذنب في العبد المفسر باللطف.
وقد وافق السعد الإيجي في أن العصمة " ألا يخلق الله فيهم ذنباً " غير أن السعد زاد قيد بقاء القدرة على فعل الذنب والاختيار.
* * *
تعريف ابن الهمام
٣ - وعرف الكمال ابن الهمام العصمة -في المسايرة- بأنَّهَا " تخصيص القدرة بالطاعة، فلا يخلق له قدرة على المعصية "
وذكر هذا المعنى في التحرير ملخصاً فقال: " وهى (أي العصمة) عدم القدرة على المعصية "
стр. 25
ومال إلى هذا ابن النجار -من الحنابلة- فقال: " هي (أي العصمة) سلب القدرة على المعصية "، وأضاف ابن الهمام إلى تعريفه في التحرير تعريفاً آخر فقال: " أو هي خلق مانع غير ملجئ " وهذا التعريف الأخير لا ينافي التعريف الأول، لأنهما في نتيجتهما يستويان في عدم القدرة على المعصية.
* * *
تعريف الحكماء
٤ - وعرف الحكماء العصمة بأنَّهَا " ملكة تمنع عن الفجور، وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي ".
ويظهر من تعريفهم هذا للعصمة أنَّهم يعتبرونها أمراً يرجع إلى قوى النفس المفكرة بدليل قولهم " وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي. . . الخ " فليست العصمة عندهم أمراً إلهياً وإنما هي أثر من آثار قوى النفس الإنسانية، أما المتكلمون فيرونها أمراً إلهياً كما يظهر من تعريفاتهم إياها.
* * *
جمع اللقاني معاني التعريفات
٥ - وقد جمع عبد السلام اللقاني معاني التعريفات المتقدمة
стр. 26
للعصمة وحقائقها في تعريف جامع مفيد في شرحه على جوهرة التوحيد فقال: " هي (أي العصمة) اتصافهم بحفظ الله سبحانه ظواهرهم وبواطنهم -ولو في حال الصغر- من التلبس بمنهي عنه ولو نهي كراهة ".
وأورد الشيخ حسن الشمطي -شَيخ الحنابلة في عصره- تعريف اللقاني في مختصره للوامع الأنوار، وحذف منه قيد: " ولو في حال الصغر "
ويظهر من حذفه لهذا القيد أنه نظر إلى أن الصغر ليس محلاً للمؤاخذة، ثم فسر التعريف بقوله: " أي كونهم لا يتصور أن يكونوا إلا كذلك "
وجاء الدردير فصاغ تعريف اللقاني ومن سبقه للعصمة في عبارة أوضح فقال: " هي حفظ الله تعالى بواطنهم وظواهرهم من التلبس بمنهي عنه ولو في كراهة ولو في حال الطفولية ".
стр. 27
ما تنتهي إليه تعريفات العلماء للعصمة اصطلاحاً
ويظهر من التعريفات التي أوردناها، والمذاهب، والآراء التي عرضناها في تعريف العصمة اصطلاحاً أن لهذه التعريفات وإن اختلفت مناحيها في التعبير وتنوعت جوانب تناولها لمعنى عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنها جميعها تنتهى إلى تنزيه الله تعالى لهم، وحفظه إياهم من مواقعة الذنوب والمخالفات بعد البعثة باتفاق المحققين المحقين، وقبل البعثة على التحقيق واليقين عندنا.
* * *
стр. 28
مواقع العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
بعد أن عرضنا معنى العصمة لغة، واصطلاحاً، وبان لنا المراد بها، فالبحث يدعونا إلى تحديد زمنها، وبيان مواقعها من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وحيث إن لعمر كل نبي أو رسول إلى الخلق فترتين، فترة تسبق الإصطفاء، وأخرى تبدأ بالوحي إليه، وتنتهي بلحاقه بربه فقد بحث العلماء - رحمهم الله تعالى - عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فِي هاتين الفترتين، واختلفت وجهات نظرهم هل هي ثابتة لهم قبل البعثة وبعدها؟ أو هي ثابتة لهم بعد البعثة ليس إلا؟.
* * *
(١) عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قبل البعثة
وقد تناول بحث العلماء عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في هذه الفترة من ناحية الاعتقاد وغيره.
أما الاعتقاد فقد أجمعت الأمة على عصمتهم من وقوع الكفر منهم قبل البعثة، وحكى هذا الإجماع صاحب المواقف وقال شارحه: " ولا خلاف لأحد منهم في ذلك "، وقال الكمال ابن الهمام -في المسايرة نقلاً عن القاضي الباقلاني-: " إنهم معصومون من وقوع الكفر، لأن الذي
стр. 29
صح عند أهل الأخبار والتواريخ أنه لم يبعث من أشرك بالله طرفة عين وإنما بعث من كان تفياً نقياً زكياً أميناً مشهور النسب حسن التربية ".
وقال القاضي عياض -في الشفاء-: " ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحداً نبئ واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك ".
وقال القرطبي عند تفسيره لقول الله تعالى (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) وحكاية تبري إبراهيم ﵊ مما كان يشرك به قومه بقوله: (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) قال: " غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء ".
وقال الآلوسي -في تفسيره لهذه الآية أيضاً-: " وزعم أنه ﷺ قال ما قال إذ لم يكن عارفاً بربه سبحانه -والجهل حال الطفولية قبل قيام الحجة، لا يضر ولا يعد ذلك كفراً- مما لا يلتفت إليه أصلاً " فقد قال
стр. 30
المحققون المحقون: إنه لا يجوز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء.
وعبارة الآلوسي -وإن كان الشطر الأخير منها هو عبارة القرطبي إلا أنه رد بها زعماً باطلاً- ذكر فيها أن هذا هو قول المحققين المحقين مما يدل على أن القائل بهذا القول كثير من حذاق العلماء ومحققيهم وهو ما يطمئن إليه القلب وتستريح إليه النفس.
أما غير الاعتقاد -وهو يشمل القول والعمل- فجمهور أهل السنة على جواز وقوع الصغائر والكبائر منهم قبل البعثة إذ لا دليل من العقل أو السمع على امتناعها منهم.
ومنع جمهور المعتزلة صدور الكبائر وصغائر الخسة منهم قبل البعثة لأنها تؤدي إلى النفرة عنهم وعدم الانقياد لهم، قال القاضي عبد الجبار: ". . . وقوع ذلك منهم ينفر عن القبول، وتنزيههم عنه يقتضي سكون النفس إليهم، وأن يقوّي الدواعي في القبول منهم ".
.
стр. 31
اعتراض وجوابه
واعترض على هذا فقيل: " ومن أين تأتي النفرة من إقدامهم على الكبائر، وصغائر الخسة قبل البعثة؟ ".
وأجاب عبد الجبار على هذا بأن" العلم بأن مثل ذلك ينفر مما لا يكتسب بالأدلة العقلية. . وإنما يرجع في ذلك إلى العادات والمتعالم من أحوال الناس في العادة الجارية أن ذلك ينفرهم، كما ينفرهم الإقدام على الأمور المستخفة، ومنكر هذا كالذي يقول: بأنه لا فعل في العالم ينفر، وهذا واضح الفساد ".
وذهب قوم منهم القاضي عياض، وابن حزم، والقسطلاني في المواهب، والزرقاني في شرحها إلى أن الأنبياء معصومون قبل النبوة من الصغائر والكبائر، قال ابن حزم -في الفصل-: " فبيقين ندري أن الله تعالى عصمهم قبل النبوة من كل ما يؤذون به بعد النبوة. . . ".
* * *
الاستدلال رواية على عصمة الأنبياء قبل النبوة
واستدل على هذا بحديث قال: إنه صحيح ورواه بسنده عن الحسن ابن محمد بن علي بن أبي طالب أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 32
" ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا مرتين من الدهر كلتاهما يعصمني الله منها، قلت لفتى معي من قريش بأعلى مكة في أغنام لها ترعى: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان قال: نعم. فلما خرجت فجئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف وزميراً فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانه لرجل من قريش، فلهوت بذلك الغناء، وبذلك الصوت حتى غلبتى عيني فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال لي: ما فعلت؟ فأخبرته. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك. ففعل فخرجت فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال لي: ما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئاً. فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته ".
وعقب ابن حزم عليه بقوله: " فصح أنه ﷺ لم يعص بكبيرة ولا بصغيرة لا قبل النبوة ولا بعدها، ولا هم بمعصية صغرت أو كبرت لا قبل النبوة ولا بعدها. . . ".
وهذا الحديث رواه ابن حزم بسنده هو إلى الحسن بن محمد بن علي ابن أبي طالب، ونسب السماع فيه إليه من رسول الله ﷺ كما هو ظاهر من سياقه حسبما هو موجود فِي النسخ المطبوعة من كتاب الفصل التي بين أيدينا اليوم. والحسن هذا هو ابن محمد المعروف بابن الحنفية، ومحمد هذا
стр. 33
لم يدرك رسول الله ﷺ ، إذ كانت ولادته في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فلا يكون له، ولا لابنه الحسن هذا سماع من رسول الله ﷺ .
* * *
الانتصار لصحة هذا الحديث
وهذا الحديث مروي عنه عن أبيه محمد بن علي بن أبي طالب عن جده علي بن أبي طالب مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ " كما رواه أبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في الدلائل أيضاً، وابن سيد الناس في عيون الأثر، والماوردي في أعلام النبوة، والحاكم في المستدرك وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص ورمز له بحرف (م)، وأخرجه البزار عنه أيضاً مرفوعاً بلفظ " وما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك ثم ما هممت بعدها بشيء حتى أكرمني الله برسالته ".
стр. 34
وقد صحح علي القاري هذا الحديث في شرح الشفاء، كما صححه الشهاب الخفاجى في نسيم الرياض، وقال السيوطي في الخصائص الكبرى: أخرجه ابن راهويه في مسنده وابن إسحاق والبزار والبيهقي وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به. . ." فذكر الحديث ثم قال: " قال ابن حجر: إسناده حسن ورجاله ثقات ".
ونقله ابن كثير في البداية والنهاية عن البيهقي وعقب عليه بقوله: " وهذا حديث غريب جداً وقد يكون عن علي نفسه ويكون قوله في آخره " حتى أكرمني الله بنبوته مقحماً " والله أعلم ".
* * *
وجوه صحة هذا الحديث
مما سلف يظهر ما يلي:
١ - أن هذا الحديث مروي عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ ، فهو متصل الإسناد مرفوع إليه ﷺ ولعله قد سقط من ابن حزم، أو من الناسخ بعده قوله (عن أبيه عن جده) وإلا لما حكم عليه بالصحة في كتابه.
٢ - أن هذا الحديث صحيح لما قاله الحاكم، ولموافقة الذهبي له على ذلك
стр. 35
ولتصحيح القاري والشهاب لرواية البزار لهذا الحديث.
٣ - أن كلاً ممن ذكرنا من الأئمة الحفاظ أورد هذا الحديث مستدلاً به على عصمة الله تعالى لنبيه ﷺ قبل النبوة وحفظه إياه من جميع أعمال الجاهلية.
وأما قول الحافظ ابن كثير الذي سبق إيراده عنه في هذا الحديث فمردود من وجهين:
الوجه الأول: أن وصف الحديث بالغرابة ليس معناه رده في جميع الأحوال إذ من الغريب ما هو في الصحيح، ومتفق عليه كما هو معروف لأهل هذا الشأن.
وهذا الحديث الذي نحن بسبيل الكلام عليه حديث صحيح كما سبق أن بينا، فلا يسوؤه الوصف بالغرابة ما دام رجاله ثقات، ومتنه صحيحاً مقبولاً.
стр. 36
الوجه الثاني: أن قوله (وقد يكون عن عليٍّ نفسه) حكم بالحدس لا يقوم على دليل، فلا تقوم به حجة، إذ أن رد الأحاديت -وبخاصة الصحيحة منها- لا يكون بفرض الاحتمالات، واتباع الرأي، بل لا بد أن يبني على دليل قائم، وقاعدة مسلمة.
ثم إن كلمات الحديث ولفظه وعبارته تدل على أنه من كلام رسول الله ﷺ ، إذ أن الجملة التي استنكرها ابن كثير - رحمه الله تعالى - ورأى أنها مقحمة، مروية عند جميع الذين رووا الحديث -وهو واحد منهم- مضافة إلى رسول الله ﷺ ، قولاً منه مؤكداً بالقسم عليه منه ﷺ ، بعدم الهم بشيء من أفعال الجاهلية، وقد أضاف رسول الله ﷺ إكرام الله له بالنبوة، في روايات وبالرسالة كما في رواية البزار إلى ضمير المتكلم في قوله ﷺ " حتى أكرمني الله برسالته " وما كان لعلي ﵁ أن يضيف إلى رسول الله ﷺ ما لم يقله، لو لم يكن ينقل اللفظ النبوي الشريف، ويؤده كما سمعه من رسول الله ﷺ .
وقد صرح الراوي في رواية الحاكم وأبي نعيم وابن سيد الناس عند ذكره هذه العبارة بقوله: قال رسول الله ﷺ : " فوالله ما هممت بعدها أبداً. . . الخ " وتصريح الراوي وإعادته لجملة (قال رسول الله ﷺ يدفع أيضاً ما قاله ابن كثير، ويؤكد أنَّهَا من قول رسول الله ﷺ وليست إقحاماً، ولا هي تحدثاً من علي ﵁ كما دخل على ابن كثير
стр. 37
رحمه الله تعالى.
أما القاضي عياض -وهو ممن يقول بعصمتهم قبل النبوة وبعدها من الصغائر والكبائر- فنقل الأبي عنه -في إكمال إكمال المُعْلِم- قوله: " وفي حشو قلبه ﷺ حكمة وإيماناً في الصغر دليل على ما يقوله المحققون من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الصغر.
وقال القسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها: " أنه ﷺ معصوم من الذنوب بعد النبوة وقبلها، كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها على الأصح في ظاهره وباطنه، سره وجهره، جده ومزحه، رضاه وغضبه "
ويفهم من صريح قولهم أن القول بعصمتهم من الكبائر والصغائر قبل البعثة هو مذهب المحققين من العلماء.
والحديث السابق برواياته، يشهد لقول القاضي عياض رحمه الله تعالى أن القول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الصغائر والكبائر قبل النبوة هو مذهب المحققين.
стр. 38
عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بعد البعثة
قدمنا حكاية الإجماع على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكفر قبل البعثة، وهو -بلا شك- منسحب على عصمتهم منه بعدها.
فيبقى الكلام في عصمتهم بعد البعثة عن سائر الذنوب كبائرها وصغائرها.
ومن هذا ما يتعلق بإبلاغ الشرع، وتقريره، وبيان الأحكام عن الله تعالى.
* * *
عصمة الأنبياء من الكذب
وقد حكى صاحب المواقف وشارحه الإجماع من " أهل الملل والشرائع كلها على وجوب عصمتهم عن تعمد الكذب فيما دل المعجز القاطع على صدقهم فيه ".
واستدلوا لذلك بأنه لو جاز عليهم التقول والافتراء في ذلك عقلاً لأدى إلى إبطال المعجزة القاطعة بصدقهم، وإبطال المعجزة محال فالكذب في ذلك محال أيضاً.
وقال المازري -في المعلم-: " الأنبياء ﵈ معصومون من الكذب فيما طريقه التبليغ عن الله تعالى لدلالة المعجزة على صدقهم فيه ".
стр. 39
وأجاز أبو بكر الباقلاني دخول السهو عليهم في ذلك، مصيراً منه إلى أن " ذهول النفس وطريان النسيان "، وبوادر اللسان لا يدخل تحت الصدق الذي هو مدلول المعجزة؛ لأن صدق المعجزة إنما يدل على ما قصدوه في التبليغ.
والقاضي أبو بكر، وإن كان يرى أن المعجزة لا تدل " دلالة التزامية عقلية " على منع دخول النسيان عليهم في التبليغ فإنه يرى أنهم معصومون عن ذلك بورود الشرع، وإجماع الأمة على عصمتهم في ذلك.
стр. 40
منع السهو والنسيان على الأنبياء في التبليغ
ومنع أبو إسحاق الإسفرائيني -وكثير من الأئمة الأعلام- ومنهم الفخر الرازي دخول ذلك عليهم، ورأوا أن المعجزة كما تدل على صدقهم فيما يعمدون تبليغه، تدل على أنَّهم لا يسهون، ولا ينسون في ذلك إذ " لو جاز الخُلْف في ذلك لكان نقضاً لدلالة المعجزة، وهو ممتنع و " لم يبق الاعتماد على شيء من الشرائع " و" لما تميز لنا الغلط، والسهو من غيره ولاختلط الحق بالباطل ".
وقال صاحب المعتمد في أصول الفقه: " لا يجوز عليهم الكذب فيما يؤدونه، لا الكتمان، ولا السهو في حال الأداء لأن تلك الحال حال تلقي الفروض، فوقوع السهو فيها يغري باعتقاد كون العبادة لا على ما أوردوها ".
وقال أبو الحسين الخياط: ". . . النبي ﷺ إذا قصد إلى الأداء عن الله والإخبار عنه بما أمره بأدائه إلى خلقه وبإخبارهم إياه، فليس يجوز