Полный текст (304 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الوجه الثاني: أن قوله (وقد يكون عن عليٍّ نفسه) حكم بالحدس لا يقوم على دليل، فلا تقوم به حجة، إذ أن رد الأحاديت -وبخاصة الصحيحة منها- لا يكون بفرض الاحتمالات، واتباع الرأي، بل لا بد أن يبني على دليل قائم، وقاعدة مسلمة.
ثم إن كلمات الحديث ولفظه وعبارته تدل على أنه من كلام رسول الله ﷺ ، إذ أن الجملة التي استنكرها ابن كثير - رحمه الله تعالى - ورأى أنها مقحمة، مروية عند جميع الذين رووا الحديث -وهو واحد منهم- مضافة إلى رسول الله ﷺ ، قولاً منه مؤكداً بالقسم عليه منه ﷺ ، بعدم الهم بشيء من أفعال الجاهلية، وقد أضاف رسول الله ﷺ إكرام الله له بالنبوة، في روايات وبالرسالة كما في رواية البزار إلى ضمير المتكلم في قوله ﷺ " حتى أكرمني الله برسالته " وما كان لعلي ﵁ أن يضيف إلى رسول الله ﷺ ما لم يقله، لو لم يكن ينقل اللفظ النبوي الشريف، ويؤده كما سمعه من رسول الله ﷺ .
وقد صرح الراوي في رواية الحاكم وأبي نعيم وابن سيد الناس عند ذكره هذه العبارة بقوله: قال رسول الله ﷺ : " فوالله ما هممت بعدها أبداً. . . الخ " وتصريح الراوي وإعادته لجملة (قال رسول الله ﷺ يدفع أيضاً ما قاله ابن كثير، ويؤكد أنَّهَا من قول رسول الله ﷺ وليست إقحاماً، ولا هي تحدثاً من علي ﵁ كما دخل على ابن كثير
стр. 37
رحمه الله تعالى.
أما القاضي عياض -وهو ممن يقول بعصمتهم قبل النبوة وبعدها من الصغائر والكبائر- فنقل الأبي عنه -في إكمال إكمال المُعْلِم- قوله: " وفي حشو قلبه ﷺ حكمة وإيماناً في الصغر دليل على ما يقوله المحققون من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الصغر.
وقال القسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها: " أنه ﷺ معصوم من الذنوب بعد النبوة وقبلها، كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها على الأصح في ظاهره وباطنه، سره وجهره، جده ومزحه، رضاه وغضبه "
ويفهم من صريح قولهم أن القول بعصمتهم من الكبائر والصغائر قبل البعثة هو مذهب المحققين من العلماء.
والحديث السابق برواياته، يشهد لقول القاضي عياض رحمه الله تعالى أن القول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الصغائر والكبائر قبل النبوة هو مذهب المحققين.
стр. 38
عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بعد البعثة
قدمنا حكاية الإجماع على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكفر قبل البعثة، وهو -بلا شك- منسحب على عصمتهم منه بعدها.
فيبقى الكلام في عصمتهم بعد البعثة عن سائر الذنوب كبائرها وصغائرها.
ومن هذا ما يتعلق بإبلاغ الشرع، وتقريره، وبيان الأحكام عن الله تعالى.
* * *
عصمة الأنبياء من الكذب
وقد حكى صاحب المواقف وشارحه الإجماع من " أهل الملل والشرائع كلها على وجوب عصمتهم عن تعمد الكذب فيما دل المعجز القاطع على صدقهم فيه ".
واستدلوا لذلك بأنه لو جاز عليهم التقول والافتراء في ذلك عقلاً لأدى إلى إبطال المعجزة القاطعة بصدقهم، وإبطال المعجزة محال فالكذب في ذلك محال أيضاً.
وقال المازري -في المعلم-: " الأنبياء ﵈ معصومون من الكذب فيما طريقه التبليغ عن الله تعالى لدلالة المعجزة على صدقهم فيه ".
стр. 39
وأجاز أبو بكر الباقلاني دخول السهو عليهم في ذلك، مصيراً منه إلى أن " ذهول النفس وطريان النسيان "، وبوادر اللسان لا يدخل تحت الصدق الذي هو مدلول المعجزة؛ لأن صدق المعجزة إنما يدل على ما قصدوه في التبليغ.
والقاضي أبو بكر، وإن كان يرى أن المعجزة لا تدل " دلالة التزامية عقلية " على منع دخول النسيان عليهم في التبليغ فإنه يرى أنهم معصومون عن ذلك بورود الشرع، وإجماع الأمة على عصمتهم في ذلك.
стр. 40
منع السهو والنسيان على الأنبياء في التبليغ
ومنع أبو إسحاق الإسفرائيني -وكثير من الأئمة الأعلام- ومنهم الفخر الرازي دخول ذلك عليهم، ورأوا أن المعجزة كما تدل على صدقهم فيما يعمدون تبليغه، تدل على أنَّهم لا يسهون، ولا ينسون في ذلك إذ " لو جاز الخُلْف في ذلك لكان نقضاً لدلالة المعجزة، وهو ممتنع و " لم يبق الاعتماد على شيء من الشرائع " و" لما تميز لنا الغلط، والسهو من غيره ولاختلط الحق بالباطل ".
وقال صاحب المعتمد في أصول الفقه: " لا يجوز عليهم الكذب فيما يؤدونه، لا الكتمان، ولا السهو في حال الأداء لأن تلك الحال حال تلقي الفروض، فوقوع السهو فيها يغري باعتقاد كون العبادة لا على ما أوردوها ".
وقال أبو الحسين الخياط: ". . . النبي ﷺ إذا قصد إلى الأداء عن الله والإخبار عنه بما أمره بأدائه إلى خلقه وبإخبارهم إياه، فليس يجوز
стр. 41
عليه الغلط، والخطأ في ذلك، لأن الله قد أوجب على الخلق طاعته فيما يأمرهم به، وتصديقه فيما أخبرهم به عن ربهم، فلم يكن جل ثناؤه ليأمرهم بتصديق من يجوز عليه خطأ، ولا بطاعة من لا يؤمن منه الغلط ".
وقال القاضي عياض: ". . لا خلاف أنهم معصومون من كتمان الرسالة والتقصير في التبليغ، لأن ذلك يقتضي العصمة منه المعجزة، مع الإجماع على ذلك من الكافة ".
ونقل ابن عطية -في تفسيره- إجماع الأمة على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في معنى التبليغ.
* * *
انتصار ابن تيمية للقول بعصمة الأنبياء في التبليغ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب النبوات -: " وما أنبأ به النبي عن الله لا يكون يطابق كذباً، لا خطأ ولا عمداً، فلا بد أن يكون صادقاً فيما يخبر به عن الله يطابق خبره مخبره لا تكون فيه مخالفة لا عمداً ولا خطأ. وهذا معنى قول من قال: " هم معصومون فيما يبلغونه
стр. 42
عن الله " ثم قال: ". . فهو (أي النبي ﷺ المؤيد المعصوم بما يحفظه الله من الإنس والجن حتى يبلغ رسالات ربه كما أمر فلا يكون فيها كذب ولا كتمان ".
* * *
إجماع العلماء على القول بوجوب عصمة الأنبياء في التبليغ
وحاصل القول أن الجميع متفقون مطبقون على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من السهو والنسيان في التبليغ عن الله تعالى، وإنما حصل الاختلاف في مقتضى دلالة المعجزة، أهي دالة على صدقهم في جميع ما يبلغون عن الله تعالى -كما هو رأي الجمهور- أم فيما يقصدون تبليغه، ويعمدونه على قول أبي بكر الباقلاني ومن وافقه؟.
стр. 43
تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر
تردد ذكر الكبائر والصغائر فيما سبق من بحثنا هذا، وإتماماً لما قدمنا نرى البحث يدعونا -قبل الكلام على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب صغائرها وكبائرها- إلى توضيح المراد من الكبائر والصغائر.
* * *
مسالك التكليف
أقام الله تعالى تكليف العباد على الأمر والنهي، فأمرهم بطاعته ونهاهم عن مخالفة أمره، فطاعتهم إياه لازمة لهم بأمره إياهم بالطاعة ونهيهم عن المعصية. فدواعي الإلزام بالطاعة لله تعالى تقتضي أن يكون العبد بين الرجاء لثواب الله تعالى، والخوف من عقابه.
وشدة عقابه تجعل الإقدام على المعصية أمراً مستفظعاً عند ذوي النُّهى.
ومن ثم اختلف العلماء في تقسيم الذنوب والمخالفات إلى صغائر وكبائر.
* * *
وجه القول بأن جميع الذنوب كبائر
فذهب بعض العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا صغيرة في الذنوب، فكل الذنوب عند هؤلاء كبائر، ولكن كبيرة دون كبيرة لتفاوت المخالفات في ذاتها، وفي آثارها فيقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنى وكلها كبائر ".
стр. 44
فهولاء نظروا في المعاصي بالنسبة للمعصيِّ بها وهو الله تعالى، ولذلك قال إمام الحرمين: " المرضي عندنا أن كل ذنب كبيرة إذ لا تراعى أقدار الذنوب حتى تضاف إلي المعصيِّ بها، فرب شيء يعد صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو صور في حق ملك لكان كبيرة يضرب بها الرقاب ".
وكلام إمام الحرمين هذا يشعر بأن من الذنوب كبائر ومنها صغائر ولكنه لا يسمي الصغائر باسمها إجلالاً لحق المعصي بها.
ونسب القاضي عياض -في الشفاء والنووي في شرح مسلم والحافظ ابن حجر في الفتح- القول بهذا إلى طائفة من العلماء.
والقول بأن جميع الذنوب كبائر موافق لظاهر ما رواه الطبري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة "، ورواه عنه أيضاً من طريق آخر بلفظ " كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة ".
وقد توقف القرطبي في التسليم بصحة ذلك عن ابن عباس فقال: " ما أظنه يصح عن ابن عباس أن كل ما نهى الله عنه كبيرة، لأنه مخالف
стр. 45
لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) وقوله (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فجعل في المنهيات صغائر وكبائر وفرق بينهما في الحكم إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطاً باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن ".
قال الحافظ ابن حجر: " ويؤيده (أي ما ذهب إليه القرطبي) ما ورد عن ابن عباس في تفسير اللمم، وهو ما أخرجه البخاري عنه أنه قال: " ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه ".
* * *
جمع الحافظ ابن حجر بين قولي ابن عباس في الكبائر
وقد رد الحافظ ابن حجر على القرطبي توقفه في نسبة الرواية لابن عباس بهذا القول فقال: ". . ولكن النقل المذكور عنه أخرجه إسماعيل القاضي، والطبري بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عباس، فالأولى أن يكون المراد بقوله (نهى الله عنه) محمولاً على نهيٍ خاص وهو الذي قرن به وعيد كما قيد في الرواية الأخرى عن ابن عباس فيحمل
стр. 46
مطلقه على مقيده جمعاً بين كلاميه ".
وكذا التخريج -من الحافظ ابن حجر- يكون الحبر ابن عباس ﵄ قائلاً بأن الذنوب تننوع إلى صغائر وكبائر، ولكنها تتفاوت فيما بينها ذاتاً وأثراً.
أما الرواية المقيدة التي حمل عليها الحافظ هذه الرواية المطلقة توحيداً لكلام ابن عباس ﵄ فهو ما رواه الطبري عنه بسنده إليه أنه قال: " الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب ".
* * *
الاستدلال بالقرآن والسنة على تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر
وهذا هو الذي يتمشى مع مقتضى ظاهر الآيات القرآنية، وما ورد في السنة المطهرة الصحيحة، فالآيات القرآنية الكريمة صريحة في انقسام الذنوب إلى صغائر، وكبائر، ومن أصرح الآيات في ذلك ما يلي:
١ - قول الله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١).
يدل بمقتضى المقابلة أن من الذنوب صغائر وكبائر، وأن اجتناب الكبائر مكفر للصغائر التي سميت في الآية سيئات، ولا شك في أن تسميتها بذلك يعطيها وصف الذنب وحقيقته، فتكفر السيئات المشروط باجتناب كبائر ما نُهُو عنه يقتضي أنها ليست من الكبائر، وقد سماها الله تعالى سيئات، فهي ذنوب وليست بكبائر قطعاً.
стр. 47
وقد ورد هذا التفسير عن النبي ﷺ فيما رواه السيوطي إذ يقول:
" أخرج النسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن النبي ﷺ جلس على المنبر ثم قال: " والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يوم القيامة حتى أنها لتصطفق، ثم تلا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١).
فهذا تفسير منه ﷺ للآية الكريمة وتبيين للمراد منها من أن من الذنوب صغائر يكفرها الله تعالى باجتناب الكبائر وليس بعد تفسير رسول الله ﷺ تفسير، ولا بعد قوله قول لقائل.
٢ - قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)).
ذكرها الله تعالى في سياق مدح المؤمنين المتصفين باجتناب كبائر الإثم والفواحش، وهي تدل بمفهومها على أن هناك صغائر لا تمنع المدح، كما تدل هذه الآية -أيضاً على أن من الذنوب فواحش- هي أكبر من الكبائر بدليل عطف الفواحش على كبائر الإثم، وهو دليل قاطع على تفاوت الكبائر فيما بينها.
стр. 48
٣ - قول الله تعالى (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) وهو يدل بذكر الأمور الثلاثة (الكفر والفسوق والعصيان) على أن الذنوب تتنوع إلى كفر وهو أعظمها وأغلظها، وإلى فسوق وهو أقل من الكفر، فيكون المراد به كبائر الذنوب، مع وجود أصل الإيمان.
والعصيان ويراد به مطلق المعصية بعد الفسوق وليس ذلك إلا صغائر الذنوب.
فالآية الكريمة بمنطوتها صريحة في تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر مع الإشارة إلى تفاوت الكبائر فيما بينها.
ويؤكد هذا قول النبي ﷺ : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر -ثلاثاً-؟ قالوا:
بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله " فعد الإشراك بالله أكبر الكبائر، ثم ذكر بعده من الكبائر أشياء أخرى تدخل في الفسوق وهي " عقوق الوالدين وقول الزور ".
٤ - قول الله تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) يدل بمقتضى بيان قوله (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) في الآية قبلها على أن المحسنين بأعمالهم من المكلفين هم (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) فاستثناء اللمم من كبائر الإثم والفواحش
стр. 49
يدل بمقتضى قاعدة الاستثناء -وهي أنه يخرج من سابقه ما لولاه لدخل فيه- على أن اللمم ليس من كبائر الإثم والفواحش، فهو من الصغائر، وقد جاء تفسيره بذلك عن ابن عباس فيما رواه البخاري وقد أوردناه فيما سبق.
وقد نبه الله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) على أن إخراج اللمم واستثناءه " " من حكم المؤاخذة ليس لخلوه من الذنب فِي نفسه بل لسعة المغفرة الربانية " وفي عطف الفواحش هنا على كبائر الإثم ما في نظيره في آية الشورى.
* * *
الأدلة من السنة على تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر
وقد فرقت السنة النبوية المطهرة الصحيحة بين الصغائر والكبائر بطريقين:
١ - أن بعض الأحاديث ذكر فيها عدد من الذنوب سماها النبي ﷺ كبائر جواباً عن سؤال سائل، أو تعليماً منه ﷺ لأصحابه الكرام من غير أن يسأله عنها أحد.
فمن الأول ما رواه البخاري ومسلم -واللفظ للبخاري- عن أنس ابن مالك ﵁ قال: " سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: " الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس وشهادة الزور ".
стр. 50
ومن الثاني ما أورده السيوطي -في الدر- حيث قال: " وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الكبائر سبع أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة ".
واختلاف العدد في الروايات من قبيل أن العدد لا مفهوم له، أو أنه من باب تجدد العلم للنبي ﷺ ، أو أنه من باب مناسبة حال السائل.
٢ - ما جاء عن رسول الله ﷺ من أن بعض أعمال البر والصلاة تكفر الذنوب ما اجتنبت الكبائر فمن ذلك ما رواه مسلم والترمذي وابن ماجه -واللفظ لمسلم- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " وأخرج مسلم أن عثمان
стр. 51
ابن عفان ﵁ دعا بطهور فقال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من أمرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله ".
ولا شك أن هذا في الصغائر، وغير حقوق العباد.
* * *
الأدلة من أقوال الصحابة والتابعبن على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر
وفي الآثار عن الصحابة ﵁ ما يؤيد التفرقة بين الذنوب فجعل منها صغائر وكبائر، فعن أنس ﵁ قال: " لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، فما لنا ولها، يقول الله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا). وذكره ابن كثير -في تفسيره- مرفوعاً عند البزار.
وعنه قال: " ما لكم والكبائر وقد وعدتم المغفرة فيما دون الكبائر "
وقد عددت بعض الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم الكبائر، فعن علي ﵁ قال: " الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر،
стр. 52
وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة ":
وقد روي مرفرعاً في عدد مما ذكره.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: " الكبائر الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله، والأمن من مكر الله ".
والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين كثيرة تفوق الحصر، وما أوردناه أمثلة لبعض ما ورد عنهم في ذلك فلا يمكن العدول عن هذه النصوص الصريحة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأقوال السلف في التفرقة بين الذنوب يجعل بعضها صغائر، وبعضها كبائر وتأويلها بالتعسف إلى ما يفيد أنه لا صغيرة من الذنوب إذ الأخذ بصريح الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة وآثار جمهور الصحابة والتابعين الدالة على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر خير من تأويلها بما ينبو عنه ظاهرها وأسلم من ثنيها عن دلالتها.
قال النووي: " وذهب الجماهير من السلف، والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة
стр. 53
واستعمال سلف الأمة وخلفها ".
ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قوله:. " انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء ".
وقال الغزالي: " إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه وقد عرفتا من مدارك الشرع ".
* * *
خطر القول بأن جميع الذنوب كبائر
ومهما بلغ المرء منا من التقى والذل لله تعالى والخشوع له والانقطاع لعبادته تعالى، فلن يستطع التنزه من لمم الذنوب، وهناتها فلو أجزنا القول بأن جميع معاصي الله تعالى كبائر لحكمنا على جميع المؤمنين باقتراف الكبائر، واستباحة حمى الله تعالى، وانتهاك محارمه فضلاً عن تركنا صريح النصوص سيراً مع تأويلات لا يعضدها دليل.
стр. 54
عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب صغائرها وكبائرها
بعد أن حققنا القول في وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في التبليغ وتنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر، وبَانَ لنا أن جميع أهل الشرائع والملل مجمعون على وجوب عصمتهم فيما يبلغونه عن الله تعالى من الأحكام والشرائع، ننتقل إلى الكلام في سائر الذنوب والمعاصي، وهل هي جائزة عليهم - عليهم الصلاة والسلام -؟.
وهنا نجد العلماء قد قسموا الذنوب -ما خلا الكفر، وقد سبق التدليل على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبل البعثة وبعدها بإجماع الأمة كافة- إلى صغائر وكبائر.
أما الكبائر فقال القاضي عياض: " أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش، والكبائر الموبقات ". وقد صرح بهذا الإجماع المازري - فيما نقله عنه النووي - في قوله: " فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع " وابن عطية -في تفسيره- حيث قال: " وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء. . من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة "
стр. 55
ونقله عنه أبو حيان في البحر.
وممن صرح بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب إمام الحرمين في الإرشاد حيث قال: " وتجب عصمتهم عن المعاصي والذنوب المؤذنة بالسقوط، وقلة الديانة إجماعاً ".
وقول إمام الحرمين هذا وإن ظهر أنه أعم من الدعوى فهو منتج لها لأن العام يدل على الخاص وغيره، وقد صرح إمام الحرمين عقب سوقه هذا الكلام بقوله " أما الذنوب الصغائر. . الخ " مما يشعر بأنه أراد بكلامه هنا عصمتهم من الكبائر وصغائر الخسة، وسنعرض لنصه عن الذنوب الصغائر في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد اختلفوا في مستند هذا الإجماع، فالجمهور على أن مستنده نفس الإجماع،: ذهب القاضي الباقلاني إلى أن مستند عصمتهم من الكبائر السمع مضافاً إلى الإجماع نفسه " قبل ظهور المخالفين في ذلك ".
стр. 56
ويرى أبو إسحاق الإسفرائيني أن مستنده العقل مضافاً إلى الإجماع قال القاضي عياض: " وهو قول الكافة ".
وفي عموم الكافة دخل المعتزلة القائلون بهذا الإجماع، وأن مستنده العقل، قال القاضي عبد الجبار: " يبين ذلك أنَّهم لو بعثوا للمنع من الكبائر، والمعاصي بالمنع والردع، والتخويف، فلا يجوز أن يكونوا مقدمين على مثل ذلك لأن المتعالم أن المقدم على الشيء لا يقبل منه منع الغير منه ".
ظهر لنا مما سبق أن الإجماع منعقد على القول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كبائر الذنوب، ونأتي الآن إلى الكلام عن عصمتهم من صغائرها.
وقد قسم العلماء صغائر الذنوب إلى صغائر خسة، وصغائر غير خسة. فصغائر الخسة هى التي ينسلك بها فاعلها مع الأراذل والسفلة لإشعارها بدناءة الهمة، ووضاعة النفس، ومن أمثلتهم لها سرقة شيء تافه أو تطفيف القليل.
стр. 57
وقد نقل الشوكاني -في إرشاد الفحول- عن الأصوليين أنهم " حكوا الإجماع على عصمتهم بعد النبوة مما يزري بمناصبهم كرذائل الأخلاق والدناءات، وسائر ما ينفر عنهم، وهي التي يقال لها صغائر الخسة كسرقة لقمة أو التطفيف بحبة ".
ونقل ابن عطية -في تفسيره- إجماع العلماء على عصمة الأنبياء " من الصغائر التي هي رذائل "، ومنع المتكلمون صدورها من الأنبياء مطلقاً ولو سهواً.
ونقل القاضي عياض عن بعض الأئمة قوله " أن الأنبياء معصومون عن الصغائر المؤدية إلى إزالة الحشمة، والمسقطة للمروءة، والموجبة الإزراء والخساسة " قال: " فهذا مما يعصم عنه الأنبياء إجماعاً، لأن مثل هذا يحط منصب المتسم به ويزري بصاحبه، وينفر القلوب عنه، والأنبياء منزهون عن ذلك ".
أما صغائر غير الخسة، فقالوا إنها التي لا تشعر بنقص، ولا تلحق بفاعلها معرة.
стр. 58
ومما لا ريب فيه أن كل ذنب مهما صغر لا بد من إشعاره بنقص، ويلحق صاحبه المعرة عند أهل التقوى لوجوب التوبة منه، وهي ندم يشعر بالنقص والمعرة فلا يصح القول بنسبة الصغائر إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقد ذكر القاضي عياض أن العلماء إزاء تجويز هذا النوع من الصغائر على الأنبياء ثلاث فئات:
الفئة الأول أجازت صدور هذه الصغائر عن الأنبياء ووقوعها منهم، وقد نسب هذا المذهب إلى جماعة من السلف وغيرهم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين " وذكر منهم أبا جعفر الطبري.
ونسب ابن حزم هذا القول -في الفصل- إلى ابن فورك، ونسبه السعد -في شرح المقاصد- لإمام الحرمين من الأشعرية، وأبي هاشم من المعتزلة.
وذكر الشوكاني أن العلماء اختلفوا في تجويز الصغائر غير الخسية على الأنبياء، وإذا جاز وقوعها عليهم، فهل وقعت منهم أو لا؟.
стр. 59
فذكر أن إمام الحرمين، والكياالهراسى، وابن الحاجب نقلوا القول بالجواز العقلي عن الأكثرية، وأن إمام الحرمين، وابن القشيري نقلا القول بعدم الوقوع عن الأكثرين كذلك.
وقال إمام الحرمين: " وأما الذنوب الصغائر فلا تنفيها العقول ولم يقم عندي دليل قاطع على نفيها، ولا على إثباتها، إذ القواطع نصوص أو إجماع، ولا إجماع، إذ العلماء مختلفون في تجويز الصغائر على الأنبياء، والنصوص التي تثبت أصولها قطعاً، ولا يقبل فحواها التأويل غير موجودة والأغلب على الظن عندنا جوازها ".
وقد تمسك القائلون بوقوع الصغائر منهم بظواهر من القرآن الكريم وبعض الأحاديث الصحاح التي ذكر فيها ما يشعر بوقوع الخطيئة من بعض الأنبياء كحديث الشفاعة الذي جاء فيه أن كل نبي " يذكر خطيئته التي أصاب " وبورود طلب الاستغفار منهم وطلبهم التوبة عليهم.
ولا نطيل بذكر ما استدلوا به لئلا يَندَّ بنا البحث عما رسم من أجله وقد وفت مطولات كتب الكلام، والعقائد هذا الموضوع حقه من بسط
стр. 60
القول فيه.
أما الفئة الثانية فتقول بالجواز العقلي، لأن العقل لا يحيل صدور الصغائر غير الخسية عنهم، ولكنهم توقفوا عن القول بالوقوع، فلم يثبتوه، ولم ينفوه لتعارض الأدلة عندهم وعدم وجود قاطع في النصوص بالإثبات أو النفي.
* * *
وجوه الاستدلال على عصمة الأنبياء من الصغائر والكبائر
أما الفئة الثالثة فتقول بعصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر.
ومن هؤلاء الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - كما صرح به في الفقه الأكبر إذ قال: " الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن الصغائر والكبائر " وأقر ذلك شارحه على القاري.
وأسند الشوكاني -في إرشاد الفحول- هذا القول إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني نقلا عن ابن حزم في الملل والنحل.
وبالرجوع إلى الموضع الذي تكلم فيه ابن حزم على عصمة الأنبياء في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل لم نجد ذكراً لأبي إسحاق
стр. 61
الإسفرائيني فلعله ذكره في موضع آخر استطراداً.
ويصحح إسناد هذا القول إلى أبي إسحاق نقل تاج الدين السبكى في جمع الجوامع هذا المذهب عنه.
وأسند عبد القاهر البغدادي هذا المذهب إلى أهل السنة في كتابه الفرق بين الفرق.
وفى قال بهذا القول أيضاً ابن حزم، وحكاه عن سائر الفرق الإسلامية، وعن ابن مجاهد شيخ الباقلاني، وابن فورك وقال: " وهذا الذي ندين الله تعالى به ".
واستدل على عصمتهم من " جميع المعاصي صغيرها وكبيرها سرها وجهرها " بقوله ﷺ : " ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين ".
стр. 62
ووجه استدلاله به " أن الإشارة بالعين أخف ما يكون من الذنوب ومن خلاف الباطن للظاهر " ومع ذلك لم يقدم عليها النبي ﷺ ، بل أنكر على من قال له: " ألا أومأت لنا بعينك " بقوله: " إنه لا ينبغى لنبي أن تكون له خائنة الأعين ".
وممن صرح بالأخذ بهذا المذهب تاج الدين السبكي في جمع الجوامع حيث قال: " الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب -ولو صغيرة سهواً- وفافاً للأستاذ، والشهرستاني، وعياض، والشيخ الإمام ".
وأسند السفاريني -أحد أئمة الحنابلة- هذا المذهب إلى الحافظ العراقي إذ نقل قوله " النبي ﷺ معصوم من تعمد الذنوب بعد النبوة بالإجماع. . . . وإنما اختلفوا في جواز الصغيرة سهواً فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني والقاضي عياض، واختاره تقي الدين السبكي
стр. 63
وهو الذي ندين الله تعالى به.
قال الشوكاني: " واختاره ابن برهان، وحكاه النووي في زوائد الروضة عن المحققين، قال القاضي حسين: وهو الصحيح من مذهب أصحابنا يعني الشافعية ".
وقال الفخر الرازي: " والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة ألبتة لا الكبيرة، ولا الصغيرة "، وساق في تفسيره الكبير أدلة عقلية ونقلية على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب نذكر منها ما يلي:
١ - أنه لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء. . . في غاية الجلال والشرف وكل من كان كذلك، كان صدور الذنب عنه أفحش، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) والمحصن يرجم، وغيره يحد، وحد العبد نصف حد الحر، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة فذلك بالإجماع.
стр. 64
٢ - أن محمداً ﷺ لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى: (فَاتبِعُوني) فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال.
" وإذا ثبت ذلك في حق محمد ﷺ ، ثبت في سائر الأنبياء، ضرورة أنه لا قائل بالفرق ".
وهؤلاء العلماء الأجلاء: -رحمهم الله تعالى- يحملون ما تفيده ظواهر النصوص من الكتاب والسنة من وقوع بعض الصغائر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -مما تمسك به القائلون بجواز الصغائر على الأنبياء- إما على صدوره منهم بتأويل قائم على الاجتهاد، فلا يكون ذنباً أو أنه من قبيل خلاف الأولى.
والقائلون بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصغائر كعصمتهم من الكبائر أعيان وكثيرون، ولا يتسع المجال لذكرهم وإيراد أقوالهم، وإنما رمنا ذكر أقوال طائفة منهم إشارة إلى القائلين بذلك.
وقد أورد القاضي عياض أدلة على القول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصغائر نسوق أهمها وأقواها:
قال: " واستدل بعض الإئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى (وجوب) امتثال أفعالهم واتباع آثارهم، وسيرهم مطلقاً، وجمهور
стр. 65
الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة. . فقد علم من دين الصحابة -قطعاً- الاقتداء بأفعال النبي ﷺ ، كيف توجهت، وفي كل فن كالاقتداء بأقواله، فقد نبذوا خواتيمهم حين نبذ خاتمه وخلعوا نعالهم حين خلع. . واحتج في واحد في غير شىء مما بابه العبادة، أو العادة بقوله: رأيت رسول الله ﷺ يفعله، والآثار في هذا أعظم من أن نحيط بها، لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها، ولو جوزوا عليه المخالفة في شيء منها لما اتسق هذا، ولنقل عنهم، وظهر بحثهم عن ذلك ".
لا جرم أن الصغائر -غير الخسية تختلف في أعيانها، وأشخاصها، وتتفاوت مراتبها بحسب ما يستتبعها من ملامة ونقص، فليس النقص الذي يلحق بالقُبلة -مثلاً- كالنقص الذي يلحق بالنظرة -وحاشا الأنبياء من ذلك كله- ولا واحدة منهما كخطرة تمر بالقلب، لا يصدقها القول أو الفعل، بل تجفل النفس عنها قبل أن تظلها، وينفر القلب منها قبل أن تنزل بساحته فيبقى القلب الشريف الطاهر بعيداً عنها منزهاً منها، طاهراً نقياً لم تنزل به دغادغ اللمم ولا رفت عليه هبات الهنات.
* * *
توافر وسائل الرواية على عصمة النبي ﷺ من جميع الذنوب
وحيث لم يعلم عنه ﷺ الإلمام بصغيرة ولا الدنو من شيء منها، مع أن سبل النقل عنه ﷺ أحصت كل حركة من حركاته، وكل قول من أقواله،
стр. 66
فما ترك الصحابة ﵃ فعلاً من أفعاله ﷺ ولا قولاً من أقواله دق أو جل إلا
نقلوه إلينا عنه، حتى إنهم وصفوا يقظته ونومه، كما وصفوا حديثه وصمته، وقيامه وجلوسه، وسيره وركوبه وترجله، وجميع شمائله إلى غير ذلك مما هو مدون في كتب الحديث والشمائل والمغازي والسير لأنهم كانوا يرون ذلك تبليغاً عنه، وقد أمرهم ﷺ بالتبليغ عنه بقوله ﷺ " ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه "، وبقوله ﷺ لعبد الله ابن عمرو: " اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ".
فلر رأى الصحابة ﵃ أو سمعوا منه شيئاً مما أجازه عليه بعض أهل العلم ﵊ من قربه الصغائر، وحاشاه من ذلك - لما فاتهم نقل ذلك عنه ضمن ما نقلوا من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.
ولكنهم ﵃ لم ينقلوا عنه شيئاً من ذلك -فيما علمنا- ولو رأوا منه شيئاً من ذلك أو علموه عنه لنقلوه إلينا، وعلم عنهم لتوافر دواعي النقل عليه.
стр. 67
فالقول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، سرها وجهرها، عمدها وسهوها، هو ما ندين الله تعالى به، ونرجو مثوبته من الله .
وما ثبت في حق نبينا محمد ﷺ من العصمة عن صغائر الذنوب عمداً وسهواً يثبت لغيره من الأنبياء والمرسلين إذ لا قائل بالفرق.
* * *
стр. 68
الباب الثاني
الاجتهاد
١ - تعريفه لغة واصطلاحاً.
٢ - اجتهاد النبي ﷺ . وعرض أقوال العلماء في هل كان للرسول ﷺ وهو الذي يتلقى الوحي من الله تعالى - حق الأجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي أو ليس له ذلك؟.
стр. 69
تعريف الاجتهاد لغة
أصل مادة (جهد) ترجع إلى المشقة، قال الأزهري في تهذيب اللغة: " الجهد: بلوغك غاية الأمر الذي لا تألو عن الجهد فيه تقول: جهدت جهدي، واجتهدت رأي ونفسي حتى بلغت مجهودي ".
وعلى ذلك يكون معنى الاجتهاد لغة هو " بذل الوسع في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد -أي- الطاقة. ومنه حديث معاذ ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: " كيف تقضي؟ " فقال: اقضي بما في كتاب الله، قال: " فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: " فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ ؟ " قال: اجتهد رأيي - وفي رواية أبي داود " اجتهد رأيي ولا آلو " - قال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ ".
стр. 70
تعريف الاجتهاد اصطلاحاً
أما الاجتهاد في الاصطلاح فقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف الاجتهاد اصطلاحاً اختلافاً يرجع إلى معنى واحد، هو ما قاله ابن الحاجب في مختصره، وقاربه الكمال بن الهمام في التحرير.
ونص عبارة ابن الحاجب التي نرى أنَّهَا أدت حق التعريف باعتباره تعريفاً جامعاً مانعاً هو قوله: " الاجتهاد: بذل الفقيه الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي ".
وبهذا تظهر نسبة التعريف الاصطلاحى للتعريف اللغوي والعلاقة بينهما من جهة عموم التعريف اللغوي، وخصوص التعريف الاصطلاحي فى جهة العموم الجامعة بينهما هي استفراغ الوسع في تحصيل شىء.
وإذا نظرنا في المعنى الاصطلاحي رأيناه ينصب على اجتهادات فقهاء الأمة بجميع مداركها من النظر في النصوص كتاباً وسنة، وفي القياس
стр. 71
والإجماع وغيرهما من مدارك الاجتهاد.
فهل هذا المعنى ينطق على اجتهادات الرسول ﷺ ؟
والجواب عن هذا السؤال يتطلب الرجوع إلى النظر في الحوادث والوقائع التي ثبت فيها اجتهاد للنبي ﷺ .
وهذه الوقائع مرجعها إلى بذل الجهد الخاص منه ﷺ فيما تقتضيه المصلحة في دائرة النصوص العامة.
* * *
الفرق بين اجتهاد النبي ﷺ واجتهاد علماء أمته
والفرق بين اجتهاد النبي ﷺ ، واجتهاد علماء أمته أن اجتهاد علماء الأمة يعتمد على:
١ - النظر في النصوص من جهة الخصوص والعموم، والإطلاق والتقييد، والإبهام والتفسير، والإجمال والتفصيل، والناسخ والمنسوخ، والظاهر وغير الظاهر، والحقيقة والمجاز. . . الخ.
٢ - وجود أصل منصوص عليه، فيه علة جامعة غير معارضة، وهذه العلة موجودة في محل غير منصوص عليه، فيحمل غير المنصوص عليه، على المنصوص عليه في حكمه الشرعي بهذه العلة الجامعة، وهو المعروف عندهم بالقياس.
أما الإجماع -وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي في أمر من الأمور- فهو أصل لإدراك الأحكام في اجتهادات علماء الأمة يعتمد على دليل قد يظهر، وقد يخفى.
أما اجتهاد الرسول ﷺ فلا يحتاج إلى النظر في النصوص من الجهات التي احتاج إليها علماء أمته، لأن النصوص جميعها بينة له ﷺ من جميع هذه
стр. 72
الجهات وغيرها.
وأما ما يظهر -في بعض اجتهاداته- ﷺ أنه من قبيل القياس فالحمل فيه لتقريب فهم الحادثة المسئول عنها أو المخبر بها ولفتح باب الاجتهاد لعلماء أمته ﷺ المؤهلين له، لا لاستنباط الحكم بالنظر في النصوص.
* * *
стр. 73
اجتهاد النبي ﷺ -
اختار الله سيدنا محمداً ﷺ رسولاً إلى خلقه ختم به الرسالات الإلهية، وكلفه تبليغ شرعه إلى عباده، وعهد إليه بتبيين ما نزل إلى الناس من ربهم فهو ﷺ المبلغ عن الله تعالى وإليه -في حياته المباركة- يتوجه المسلمون طالبين معرفة حكم ما ينوبهم من أمر سواء كان أمراً يتعلق بالعبادات وكيفياتها، أم كان مما يعرض لهم في حياتهم اليومية من مسالك ينظمون بها مصالحهم، وتعاملهم، فيما بينهم وبين غيرهم، أم فيما يحتكمون إليه ﷺ فيما قد ينشأ بين بعضهم من منازعات، فهو ﷺ المرجع لهم في الأمر كله بعد الله تعالى، وعنه تؤخذ جميع الأحكام والشرائع، إذ هو وحده مصدر العلم بأحكام الله تعالى ومقاصد الشريعة ومصالح العباد.
وكانت الوقائع والحوادث بين الناس تتوالى، وكانت الأحكام تنزل على حسب الحاجة، والمصالح والحكمة الإلهية، فهل كانت الأحكام التي تنزل على رسول الله ﷺ بطريق الوحي رداً علي سؤال سئله رسول الله ﷺ أو تأسيساً لحكم من أحكام الشريعة سادة للحاجة الوقتية التي يتطلبها جو الوقائع؟ أو كان الرسول ﷺ يرى أن يجيب سائلاً عن سؤاله أو يخير بحكم اجتهاداً منه ﷺ ؟
من هنا يبرز سؤال هو: هل كان يجوز للرسول ﷺ وهو الذي يتلقى الوحي من الله تعالى - أن يجتهد فيما لم ينزل عليه به وحي أو ليس له ذلك؟.
اختلف العلماء في جواب هذا السؤال اختلافاً منتشراً. .
стр. 74
فقالت طائفة: لا يجوز للرسول ﷺ أن يحكم بالاجتهاد أي أن الله تعالى لم يأذن لرسوله ﷺ في الاجتهاد في بيان أحكام الحوادث التي ينزل عليه فيها وحي ولا تعبده الله به.
وهذا القول منسوب إلى بعض الشافعية، وإلى بعض الحنابلة ومنهم أبو حفص العكبري، وإلى الأشاعرة، وأكثر المعتزلة.
وفي نسبة القول بمنع اجتهاد الرسول ﷺ مطلقاً إلى عموم الأشاعرة نظر، وذلك أنا نجد في كتب الأصوليين، والمتكلمين منهم ما هو صريح في إثبات القول بجواز الاجتهاد للرسول ﷺ والدليل على ذلك ما جاء في منهاج البيضاوي وشروحه، وما جاء في جمع الجوامع لابن السبكي وشروحه وحواشيه، وما جاء في كشف الأسرار والتحرير وشرحه، والمسامرة بشرح المسايرة، وشرح العقائد للسعد وغيرها من كتب الأشاعرة الأصولية والعقيدية.
стр. 75
وهؤلاء كلهم أشاعرة، وقد أثبتوا جواز الاجتهاد لرسول الله ﷺ ووقوعه منه ودللوا على ذلك في كتبهم، فالظاهر أن نسبة المنع للأشاعرة محمولة على بعضهم.
كما أن في نسبة القول بمنع الرسول ﷺ من الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع إلى أبي حفص العكبري نوعاً من التجوز إذ أنه قد اختار هو وشيخه ابن بطة -فيما نقله عنهما ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة- أنه " كان يجوز لنبينا صلوات الله وسلامه عليه الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع ".
قال في المسودة -لآل تيمية-: " قال شيخنا: قال ابن بطة: فيما كتب به إلى ابن شاقلا في جوابات مسائل، وقال: والدليل على أن سنته وأوامره ﷺ قد كان فيها بغير وحي وأنها كانت بآرائه واختياره أنه عوتب على بعضها ولو أٌُمِر بها لما عوتب عليها، فمن ذلك: حكمه فِي أسارى بدر وأخذه الفدية، وإذنه في غزوة تبوك للمتخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له، ومنه قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) فلو كان وحياً لم يشاورهم فيه ".
следующие страницы →