النصرة، قيل معناه: تصير الأمور إليه بلا منازع فيبطل كل ملك سوى ملكه، وقيل: له عاقبة الأمور فيجزيهم، (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ): رسلهم فأنت لست بأوحدي في التكذيب فلا تغتم، (وَكُذِّبَ مُوسى): مع ظهور معجزاته كذبه القبط لا قومه بنو إسرائيل، (فَأَمْلَيْتُ): أمهلت، (لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ): إنكاري عليهم بتبديل منحتهم محنة وعمارتهم خرابًا، (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) أي: أهلكنا كثيرًا من القرى بإهلاك أهلها كأين منصوب بشريطة التفسير أو مرفوع، وأهلكناها خبره، والجملة بدل من فكيف كان نكير ولذلك جاء بالفاء، (وَهِيَ ظَالِمَةٌ): أهلها جملة حالية، (فَهِيَ خَاوِيَةٌ): ساقطة، (عَلَى عُرُوشِهَا) على سقوفها أي: خرت سقوفها ثم سقطت حيطانها فوق السقوف، أو خالية مع سلامة عروشها، والجملة عطف على أهلكناها، (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) أي: وكم من بئر عامرة متروكة الاستقاء منها أهلكنا مُلَّاكَها، (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ): رفيع أو مجصَّص محكم أهلكنا أهلها وأخليناه عن ساكنيه، (أَفَلَمْ يَسيرُوا في الْأَرْضِ)، حثٌّ على السفر والتفكر في نقم ما حل بالأمم الماضية المكذبه، (قَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا): ما يجب أن يعقل كالإيمان بالرسل، (أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا): ما يجب أن يسمع كالتذكير، (فَإِنَّهَا) ضمير القصة، (لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ) أي: ليس الخلل بمشاعرهم، (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) أي: إنما العمى بقلوبهم أو لا يعتد بعمى الأبصار، فكأنه ليس بعمى، ولكن العمى عمى القلوب، وذكر الصدور للتأكيد، ونفي التجوز كأنه قال: ما نفيت العمى عن البصر وأثبت للقلب سهوًا، وفلتةً، بل تعمدت به إياه بعينه تعمدًا، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ): سخريةً
стр. 1262
وتكذيبًا لك، (وَلَن يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ): ينجزُه ولو بعد حين كما نجوا يوم بدر، (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) أي: مقدار ألف سنة عند عباده كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حلمه، لأنه قادر لا يفوته شيء بالتأخير أو كيف يستعجلون بالعذاب، وإن يومًا من أيام الآخرة التي هي أيام عذابهم كألف سنة من أيام الدنيا، أو إن يومًا من الأيام الستة التي خلق الله الخلق فيها كألف سنة فالمدد الطوال عندكم قصار عنده، أو كيف يستعجلون، وإن يومًا من العذاب بشدته كأنه سنة! (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا): أمهلتهم كما أمهلتكم وإعرابه مثل ما مر، (وَهِيَ ظَالِمَةٌ): مثلكم. (ثُمَّ أَخَذْتُهَا): بالعذاب، (وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ): فأجازيهم.
* * *
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)
* * *
стр. 1263
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ): ليس إليَّ من حسابكم شيء، أمركم إلى الله إن شاء عجل العذاب، وإن شاء أخر وإن شاء تاب عليكم وإن شاء أضل، (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ): عما فرط عنهم، (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): هو الجنة، (وَالَّذِينَ سَعَوْا): بالرد والإبطال، (فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ): مسابقين بزعمهم ظانين أنَّهم يسبقوننا فلا نقدر عليهم، أو سابقين لمن يسعى في تحقيق آياتنا وإثباتها، (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِك مِن رسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) الرسول من يأتيه الملك بالوحي والنبي يطلق أيضًا على من يأتيه بإلهام أو منام قيل هو من له شريعة مجددة، والنبي أعم أو هو من أنزل عليه كتابًا والنبُّى أعم، (إِلَّا إِذَا تَمَنَّى): أحب شيئًا واشتهاه من غير أمر الله، أو معنى (تَمَنَّى)
قرأ وتلا، (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ): وجد إليه سبيلاً أو ألقي في قراءته فأدخل
стр. 1264
في مقروئه ما ليس منه قد ذكر أكثر المفسرين -بل كلهم- قصة الغرانيق بروايات كلها مرسلة أو منقطعة إلا رواية واحدة عن ابن عباس فإنها متصلة، وقد أنكر كثير
стр. 1265
صفحة فارغة
стр. 1266
من العلماء هذه الحكاية وبالغوا في الإنكار وطعنوا في الرواة، وقال بعض: إنها من وضع الزنادقة وهي أنه ﵇ تمني أن يأتيه من ربه ما يقرب بينه وبين قومه رجاء أن يسلموا، فكان يومًا في محضر قريش إذ أنزل عليه سورة " والنجم " فأخذ يقرأها، فلما بلغ ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان في قراءته فسبق لسانه: سهوًا أو تكلم الشيطان فحسب أن القارئ رسول الله أو نام نومة فجرى على لسانه تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما وصل قراءته إلى السجدة سجد فسجد من في النادي من المسلم والمشرك، وفرح المشركون فأتاه جبريل وقال: ماذا صنعت؟! لقد تلوت ما لم آتك به عن الله فحزن حزنًا وخاف خوفًا فعزاه الله بتلك الآية يعني: ما أنت بأوحدي بهذا، بل مكنا الشيطان ليلقي في أمانيهم كما ألقى في أمانيك ابتلاء منا ليزيد المنافقون شكًّا وظلمة، والمؤمنون يقينًا ونورًا (١)، (فَيَنسَخُ اللهُ): يزيل ويبطل، (مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ): يثبتها بحيث لا تشتبه بكلام غيره، (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ): فيما يفعل، (لِيَجْعَلَ)، أي: مكنا الشيطان منه ليجعل، (مَا يُلْقِي الشيْطَانُ فِتْنَةً): ضلالة، (لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): شك ونفاق، (وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ): المشركين فإنهم لما سمعوا نسخ قول الشيطان ازدادوا غيظًا وظنوا أنه ندم مما ألقى من عند نفسه، (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ): المنافقين والمشركين، (لَفِي
стр. 1267
شِقَاقٍ): خلاف وعناد، (بَعِيدٍ): عن الحق شديد (وَلِيَعْلَمَ)، عطف على ليجعل) (الذِينَ أُوتُوا العلمَ): القرآن وهم المسلمون، (أنَّه): ما أوحينا إليك، (الحَقُّ): الصدق، (مِن ربكَ) حال أو خبر بعد خبر، (فَيؤْمِنوا بِهِ): بالقرآن أو بالله، فإن العقلاء لما رأوا أنه أعرض عما تكلم به، ولم يعبأ ببيان خطأه ولم يبال بمزيد عداوتهم مع كثرة حرصه بألفتهم، علموا أن الشيطان دخل في أمنيته فنسخه الله، وعصم نبيه، فزادوا يقينهم وثبتوا دينهم، (فَتُخْبِتَ): تخشع، (لَه): لله، (قُلُوبُهُمْ): واطمأن، (وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاط مسْتَقِيمٍ): في الدارين، (وَلاَ يَزَالُ الذِينَ كَفَرُوا فِي مِريةٍ): شك، (مِّنه). من القرآن، أو مما ألقى الشيطان قائلين: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنه، (حَتَّى تَأْتِيَهُم السَّاعَةُ): القيامة أو الموت، (بَغتةً): فجأة، (أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ): كيوم بدر فإنه يوم لا خير للكفار فيه كما يقال: ريح عقيم، أو المراد يوم القيامة، فإنه يوم لا ليل له فكأنه قال: تأتيهم الساعة أو يأتيهم عذابها فوضع الظاهر موضع المضمر للتهويل، (الملْكُ يَوْمَئِذٍ لله): لا منازع له بوجه، (يَحْكمُ بَيْنَهمْ): بين المؤمنين والكافرين، (فَالَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ): الفاء في خبر الثاني دون الأول تنبيه على أن عقابهم مسبب من أعمالهم بخلاف إثابة المسلمين فإنها فضل.
* * *
(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ
стр. 1268
إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)
* * *
(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ): تركوا الأوطان في طريق طاعته ورضاه، (ثُمَّ قُتِلُوا): فيها، (أَوْ مَاتُوا): حتف أنفهم، (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا) هم أحياء عند ربّهم يرزقون، (وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خيْرُ الرازقِينَ): فإنه يرزق من يشاء بغير حساب، (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ): لما فيه ما تشتهي أنفسهم، (وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ): بأحوال الفريقين، (حَلِيمٌ): لا يعاجل بالعقوبة، (ذلِكَ): الأمر ذلك، (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) ولم يزد على مثله سمي ابتداء الإضرار عقابًا للازدواج فإن العقاب جزاء من عَقِبِ فِعْلٍ، (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ): بعقوبة أخرى، (لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ)، فإنه مظلوم، (إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ): للمنتصر، (غَفُورٌ): إن زاد في الجزاء، نزلت في رهط من المسلمين لقوا جمعًا من المشركين في شهر محرم فناشدهم
стр. 1269
المسلمون أن لا يقاتلوا فأبوا فقاتلوا وبغوا فنصر الله المسلمين، (ذلِكَ): النصر، (بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)، بسبب قدرته على تغليب الأمور بعضها على بعض يداول بين المتعاندين كما يزيد في أحد الملوين ما ينقص من الآخر، (وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ): فيجازيهم بما يسمع ويبصر، (ذَلِكَ): القدرة التامة والعلم الكامل، (بأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ): الثابتة إلاهيته، (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) وَكل ما يدعون إلهًا دونه باطل الألوهية فلا إله سواه، (وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ): لا شيء أعلى منه وأكبر شأنًا فلا محالة يكون قديرًا عليمًا، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً): برفع تصبح لأنه بعد استفهام بمعنى الخبر أي: قد رأيت فلا يكون له جواب والعدول إلى المضارع للدلالة على بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان، (إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ): واصل علمه أو لطفه إلى كل جليل ودقيق، (خَبِيرٌ): بالتدابير، (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ). في ذاته، (الْحَمِيدُ): المستوجب للحمد.
* * *
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)
مَنْسَكًا) أي: لكل أمة نبي جعلنا شريعة، (هُمْ نَاسِكُوهُ): عاملوه، (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ): سائر أرباب الملل، (فِي الْأَمْرِ): في أمر الدين أو المراد نهيه ﵇ عن منازعتهم، أي: لا تلتفت إلى منازعتهم ولا تمكنهم من المنازعة، أو معناه: لكل قوم جعلنا وقدرنا طريقة هم فاعلوها ألبتَّة بحكم القدر فلا تتأثر منازعتهم فيك ولا يصرفنك عما أنت عليه من الحق نحو " ولكل وجهة هو موليها " [البقرة: ١٤٨]، قيل: نزلت فيمن جادل وقال: ما لكم تأكلون ما تقتلونه ولا تأكلون ما قتله الله؟! (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ): إلى عبادته، (إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ): طريق موصل إلى المقصود، (وَإِن جَادلوكَ): مراء وعنادًا، (فَقُلِ الله أَعْلَمُ بمَا تَعْمَلون): هو أعلم بما تفيضون فيه، وكفي به شهيدًا بيني وبينكم، (اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) هذا خطاب من الله لرسوله وللمجادلين، أو من تتمة ما يؤمر بأن يقول لهم أي قل: الله يفصل بينكم أيها الكافرون والمؤمنون فتعرفون حينئذ الحق من الباطل نحو: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) إلى قوله (اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [الشورى: ١٥]، (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ) ما في السماء والأرض، (فِي كِتَاب) هو اللوح المحفوظ، (إِن ذَلِكَ): إثباته في كتاب وحفظه، (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ): فلا يهمنك جدالهم لأنا قدرناه وهو بمرأى منا، (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ): ما لا برهان سماوي ولا دليل عقلي في عبادته، بل اختلقوه وائتفكوه وتلقوا عن ضُلَّال أسلافهم، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ): ليس
стр. 1272
لهم ناصر ينصرهم من نكال الله لأنهم وضعوا عبادة جماد موضع عبادة الله، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ): على أمتك، أو على المشركين، (آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ): ظاهرات الدلالة على العقائد الحقة، (تَعْرِفُ فِي وَجُوهِ الَّذِينَ كفَرُوا الُمنكَرَ): الإنكار، أو العبوس والكراهة، (يَكَادُونَ يَسْطُونَ): يبطشون، (بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ): بطشكم وقهركم عليهم، أو من القرآن الذي تكرهونه، (النَّارُ) كأنه قيل: ما هو؟ قال: النار أي: هو النار، (وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) استئناف، أو النار مبتدأ وهذه الجملة خبره (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ): النار.
* * *
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
стр. 1273
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)
* * *
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ) بين قصة مستغربة كالمثل السائر، (فاسْتَمِعُوا لَهُ): للمثل، (إِن الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُون اللهِ): تدعونهم أي: الأصنام، (لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا): لن يقدورا على خلقه مع صغرة، (وَلَوِ اجْتَمَعُوا): الأصنام، (لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذبابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ)، أي: بل هم أعجز من أن يخلقوا، فإنهم لا يقدرون على استنقاذ ما اختطف هذا المخلوق الضعيف عنهم، (ضَعُفَ الطَّالِبُ): الصنم أو الذباب أو العابد، (وَالْمَطْلُوبُ): الذباب أو الصنم أو المعبود ووجه الإطلاق الطالب والمطلوب على كل ظاهر، (مَا قَدَرُوا اللهَ): ما عظموه وما عرفوه، (حَقَّ قَدْرِه): حق عظمته ومعرفته، حيثُ أشركوا به شيئًا لا يقاوم أضعف مخلوقاته، (إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ): قادر على كل شيء، (عَزِيزٌ): لا يغلبه غالب، (اللهُ يَصْطَفِي): يختار، (مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ): يبلغون
стр. 1274
رسالاته إلى عباده لما قرر الوحدانية شرع يثبت أن في الملك والبشر رسلاً، لا الملَك بنات الله، ولا البشر غير مستحقين للرسالة، (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصيِرٌ): مدرك للجزئيات، (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ): عالم بواقع الأشياء ومترقبها، (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)، لأنه خالقها ومالكها فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ولا يُسئل عما يفعل، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) أي: صلوا، (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ): أنواع العبادات، (وَافْعَلُوا الخَيْرَ): ما هو أصلح كصلة الأرحام ومكارم الأخلاق، (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: افعلوا كل ذلك راجين الفلاح من فضل الله لا متكلين على الأعمال واثقين عليها، (وَجَاهِدُوا في اللهِ): في سبيله، (حَقَّ جِهَادِه): أقيموا بمواجبه وشرائطه على وجه التمام بقدر الوسع، وإضافة الجهاد إلى الله للملابسة، (هُوَ اجْتَبَاكُمْ): اختاركم يا أمة محمد لنصرة دينه، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج): ما كلفكم ما لا تطيقون فلا عذر لكم في تركه وقد ورد " بعثت بالحنيفية السمحة "، (مِّلةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ)، أي: أعني بالدين ملة إبراهيم نحو: الحمد لله الحمد، أو مصدر لفعل دل عليه مضمون ما قبله بحذف مضاف، أي: وسع دينكم توسعة ملته وهو أبو نبينا ونبينا كالأب لأمته أو لأن أكثر العرب من ذريته فهو من باب التغليب، (هُوَ): أي: الله، (سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ) أي: بهذا الاسم الأكرم، (مِن قَبْلُ): في سائر الكتب، (وَفِي هَذَا):
стр. 1275
القرآن، وفي الشواذ الله بدل هو، وفي النسائي: " من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم، قال رجل: يا رسول الله: وإن صام وصلى؟ قال: نعم وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله "، وقيل الضمير لإبراهيم فإنه دعى بقوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) [البقرة: ١٢٨]، وفي هذا معناه وفي القرآن بيان تسميتة إياكم بهذا الاسم حيث حكى فيه مقالته، أو لما كان تسميتهم في القرآن بسبب تسميته من قبل كأنها منه، وفيه بعد (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ): يوم القيامة بأنه بلغكم رسالته ولعصمته تقبل شهادته لنفسه قيل: يشهد عليكم بطاعة من أطاع وعصيان من عصى، (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ): بأن الرسل بلغتهم، (فَأَقِيمُوا الصلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ): أي: إذا خصكم بتلك الكرامات فتقربوا إليه بأنواع الطاعات، (وَاعْتَصِمُوا): وثقوا، (بِاللهِ) لا إلى سواه، (هُوَ مَوْلاكمْ فَنِعْمَ المَوْلَى) هو، (وَنِعْمَ النَّصِيرُ) هو فإنه لا مولى ولا نصير على الحقيقة سواه.
* * *
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
* * *
(قَدْ أَفْلَحَ الُمؤْمِنُونَ)، ظفروا بالمراد وفازوا بأمانيهم، (الَّذِينَ هُمْ في صَلاِتهِمْ خَاشِعُونَ)، خائفون من الله ساكنون، وعلامته ألا يلتفت يمينًا وشمالاً ولا يرفع البصر عن موضع السجود، (وَالذِينَ هُمْ عَنِ اللغوِ): عن الشرك، أو عن كل ما لا يعنيهم من قولٍ وفعل، (مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فاعِلُونَ) أي: زكاة الأموال، فإن قيل السورة مكية، والزكاة قد فرضت بالمدينة قلت: قال بعض المحققين فرضت بالمدينة نصابها وقدرها، وأما أصلها فقد كان واجبًا بمكة، أو المراد زكاة النفس وتطهيرها من الرذائل، والزكاة اسم مشترك بين المعنى والعين فإن
стр. 1278
أريد الثاني فهو على حذف مضاف، أي: لأداء الزكاة فاعلون، (وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهم حَافِظُونَ) أي: حافظون لفروجهم من أن يقعن على أحد، (إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) أو حافظون بمعنى لا يبذلون، (أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهُمْ): أجراهن مجرى غير العقلاء، (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) الضمير لمن دل عليه الاستثناء، أي: غير الحافظين من أن يقعن على الأزواج والسراري، (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ): المستثنى، (فأوْلَئِكَ هُمُ العادُونَ): الكاملون في العدوان، (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، إذا اؤتمنوا لم يخونوا وإذا عاهدوا أوفوا، (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ): يواظبون لا يتركونها بوجه وذكر المضارعة لما في الصلاة من التجدد الدائمي، (أوْلَئِكَ): الجامعون لتلك الصفات، (هُمُ الوَارِثُون): هم أحقاء بأن يسموا ورَّاثًا دون غيرهم، (الذِينَ يَرِثُونَ الفِردَوْسَ): لما أنَّهم من أعمالهم نالوا الفردوس كأنهم ورثوها منها أو يرثون من الكفار منازلهم في الجنة، وقد ورد " ما منكم إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإن مات ودخل النار
стр. 1279
ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله: (أولئك هم الوارثون)، أو مبالغة في استحقاقهم، (همْ فِيهَا خَالِدونَ): الفردوس أعلى الجنة، ولهذا أنث ضميره، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) أي: جنسه، (مِنْ سُلَالَةٍ)، سمي المني سلالة، لأنه خلاصة سُلَّت من الظهر، (مِنْ طِينٍ) أي: من آدم فمن في الموضعين ابتدائية، (ثمَّ جَعَلْنَاه): السلالة، وتذكير الضمير باعتبار الماء والإنسان، (نُطْفَةً) بأن خلقنا منها أو معناه خلقنا آدم من خلاصة من طين، ثم جعلنا نسله من نطفة فمن طين على هذا للبيان، أو صفة لسلالة أو متعلق بها، لأنه بمعنى مسلولة، وضمير جعلناه للإنسان بحذف مضاف، (فِي قَرَارٍ): مستقر، (مكِين): حصين يعني الرحم، (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً): قطعة لحم، (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا): بأن صلَّبناها، (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ): مباينًا للخلق الأول مباينة بعيدة فإنه كان جمادًا فصار حيوانًا سميعًا بصيرًا وثم هنا، وفي
стр. 1280
الأولين لكثرة تفاوت الخلقين، (فَتَبَارَكَ اللهُ): تعالى شأنه، (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ): خلقًا وحذف المميز لدلالة الخالقين عليه، والخالقين هنا بمعنى المقدرين، (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ): صائرون إلى الموت ألبتَّة، (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): للجزاء، (تُبْعَثُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ): سماوات سماها طرائق، لأن كل شيء فوقه مثله فهو طريقة، وقيل: لأنها طرق الملائكة، (وَمَا كنَّا عَنِ الخَلْقِ غافِلينَ): بل نعلم جميع المخلوقات جلها ودقها فتدبر أمرها أو المراد من الخلق السماوات فإنه حفظها من الخلل والسقوط، وقيل: المراد منه الإنسان، أي ما غفلنا عنهم فإنا خلقنا السماوات لمنافعهم، (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ)، من جانبه أو من نفسه، (مَاءً بِقَدَر): بمقدار معين أو بمقدار ما يكفيهم، (فأَسْكَنَّاهُ) أي: فجعلنا الماء ثابتًا، (فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) أي: نحن قادرون على وجه من وجوه الذهاب إما التصعيد أو التنشيف أو الإفساد أو غيرها، (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ)، بالماء، (جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا): في الجنات، (فَوَاكِهُ
стр. 1281
كَثِيرَةٌ): تتفكهون بها، (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) أي: من زرع الجنات وثمارها تأكلون، أو منها تحصلون معايشكم كما تقول: أنا آكل من حرفتي، (وَشَجَرَةً)، عطف على جنات، (تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)، الطور: الجبل وهو مضاف إلى البقعة أو المركب اسم لجبل موسى، والزيتون فيه أكثر وأحسن، وقيل: أول ما نبت نبت فيه، (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)، أي: متلبسًا به مستصحبًا له أو الباء للتعدية، ومن قرأ تنبت من باب الإفعال فهو بمعنى نبت أو تقديره تنبت زيتونها متلبسًا بالدهن، (وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ)، معطوف على الدهن، والصبغ الإدام الذي يغمس فيه الخبز أي: تنبت بشيء جامع بين كونه دهنًا وكونه إدامًا، وعن بعض الدهن: الزيت والإدام نفس الزيتون، (وَإِن لَكُمْ في الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً): تعتبرون بها، (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا): من الألبان أو من العلف فإن اللبن منه يحصل، (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ): من ظهورها وأصوافها، (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا): على الأنعام فإن منها ما يحمل عليه، (وَعَلَى الفُلْكَِ تُحْمَلُون): في البر والبحر.
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا
يموت، (قَالَ) نوح بعد اليأس من إيمانهم: (رَبِّ انصُرْنِي): عليهم، (بِمَا كَذبُون): بسبب تكذيبهم أو بدله، (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَع الفُلْكَ بِأَعينِنَا): متلبسًا بحظنا وكلاءتنا، (وَوَحْيِنَا): بأن نعلمك كيف تصنع، (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا): بعذابهم أو بالركوب، (وَفَارَ التَّنُّورُ): نبع الماء فيه، والتنور تنور الخبز، وقيل كان تنور آدم، وعن بعض التنور أعلى موضع في الأرض، وقيل هو مثل يضرب في شدة الأمر نحو حمي الوطيس، (فَاسْلُكْ فِيهَا): أدخل في الفلك، (مِن كُلٍّ): من كل نوع، (زَوْجينِ اثْنَيْنِ): ذكرًا وأنثى واثنين تأكيد، ومن قرأ بالإضافة فمعناه: احمل اثنين من كل زوجين أي: من كل صنف ذكر وصنف أنثى، (وَأَهْلَكَ): أهل بيتك، أو من آمن معك عطف على زوجين، أو اثنين، (إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنْهمْ): بهلاكه يريد ابنه وزوجته، (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا): بدعاء إنجائهم، (إِنَّهُم مغرَقُونَ): لكثرة ظلمهم محكوم عليهم بالإغراق، (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ): علوت واستقررت، (أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لله الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَقُل رَبِّ أَنزِلْنِي): منها أو فيها، (مُنْزَلًا مُبَارَكًا): يبارك له فيه ويعطه الزيادة في خير الدارين ومن قرأ مُنزلاً بضم الميم وفتح الزاي فالمعنى: إنزالاً أو موضع إنزال،
стр. 1284
(وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ إِن فِي ذَلِكَ): فيما فعل بنوح وقومه، (لَآيَاتٍ): يستدل بها، (وَإِنْ) أي: إنه، (كُنَّا لَمُبْتَلِينَ): مختبرين قوم نوح بالبلاء، أو عبادنا لننظر من يعتبر، أو مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم، وقد مر في سورة هود تمام القصة، (ثُمَّ أَنْشَأْنَا): أحدثنا، (مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)، هم عاد وثمود، (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ)، هو هود أو صالح جعل القرن موضع الإرسال ليعلم أنه أوحى إليه وهو فيهم، وما جاء إليهم من مكان آخر، (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ)، أن مفسرة لأن في أرسلنا معنى القول، (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ): عذابه.
* * *
(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)
أَطَعتم بَشَرًا مثلَكُمْ): في ترك دينكم، (إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ): إذًا واقع في جزاء الشرط جواب لما قال الملأ من قومهم، (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا): بلا لحم وعصب، (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ): من الأجداث ثنى أنَّكُمْ للتوكيد لما طال الفصل بينه وبين خبره بالظرف، (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ): البعد البعد، (لِمَا تُوعَدُون): نزل منزلة المصدر فهو مبتدأ وخبر أو بمعنى بعد، وفاعله ضمير مصدر مخرجون أو ضمير البعد، أي: بعد البعد ووقع ثم قيل: لماذا؟ فقيل: لما توعدون، (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) أي: لا حياة إلا هذه الحياة ووضع هي موضع الحياة لدلالة الخبر عليها حذرًا عن التكرير، (نَمُوتُ وَنَحْيَا): يموت بعض ويولد بعض، (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ): بعد الموت، (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا): فيما يعدنا من البعث، (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ): بمصدقين، (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي): عليهم، (بِمَا كَذبُون): بسبب تكذيبهم إياي، (قَالَ) الله: (عَمَّا قَلِيلٍ): عن زمان قليل، وما صلة لتوكيد القلة، (لَّيصْبِحُنَّ): ليصيرن، (نَادِمِينَ): على التكذيب حين عاينوا العذاب، (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ): صيحة العذاب، أو صاح جبريل عليهم فدمرهم، (بِالْحَقِّ): بالعدل؛ لأنَّهُم مستحقون، (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) أي: كالغثاء وهو ما يحمله السيل من الأوراق والعيدان البالية المسودة، (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) من المصادر التي تجب حذف فعلها، أي: بعدوا وهلكوا، واللام لبيان من دعي عليه كهيت لك، (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا
стр. 1287
آخَرِينَ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ) من للاستغراق، (أَجَلَهَا): الوقت الذي حد لهلاكها، (وَمَا يَسْتَأخِرُونَ): ما يؤخرونه، (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا): متواترين واحدًا بعد واحد، والألف للتأنيث، فإن الرسل جماعة، والتاء بدل من الواو فإبها من الوتر كتيقور من الوقار، ومن قرأ بالتنوين فمصدر وقع حالاً بمعنى المواترة، (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) أي: جمهورهم وأكثرهم، (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا): في الإهلاك، (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ)، جمع أحدوثة التي هي مثل الأضحوكة والأعجوبة، وهي ما يتحدث به تلهيًا وتعجبًا، (فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لا يُؤْمِنُون ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا): الدالة على صدقهما، (وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ): حجة واضحة ملزمة للخصم، (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَاسْتَكْبَرُوا): عن المتابعة، (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ): متكبرين، (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)، البشر يكون واحدًا أو جمعًا، ومثل وغير يوصف بهما المفرد وغيره، (وَقَوْمُهُمَا): بنو إسرائيل، (لَنَا عَابِدُونَ): خادمون كالعبيد، (فَكَذبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الُمهْلَكِينَ): بالغرق، (وَلَقَدْ آتيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ): التوراة، (لَعَلَّهُمْ): بني إسرائيل، (يَهْتَدُونَ) وإنزال التوراة بعد إهلاك القبط، (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً): دالة
стр. 1288
على كمال قدرتنا، (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ): مكان مرتفع من الأرض، (ذاتِ قَرَارٍ): مستقر من الأرض منبسطة، (وَمَعِينٍ): الماء الجاري هي بيت المقدس وهى أقرب أرض من السماء أو دمشق أو الرملة أو فلسطين أو مصر.
* * *
(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ
стр. 1289
جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)
* * *
(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ): الحلالات، (وَاعْمَلُوا صَالِحًا) الصلاح: الاستقامة على ما يوجبه الشرع، والمقصود من الخطاب رسول الله ﷺ وإعلامه بأن كل رسول في زمانه وصى به ونودي لذلك فهو أمر من لدنه قديم لا يجوز التجاوز عنه بوجه، (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) فأجازيكم به، (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ): ملتكم، (أُمَّةً وَاحِدَةً): ملة واحدة هي الدعوة إلى عبادة الله وحده، نصب على الحال، (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، أي: خافوني، لأن ملتكم واحدة، وأنا ربكم فقوله: " وإن هذه أمتكم " علة لقوله: " فاتقون "، أو تقديره:
стр. 1290
واعلموا أن هذه أمتكم إلخ .. ، (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ): أمر دينهم وتقطع بمعنى قطع، أو نصب أمرهم بنزع الخافض بالتمييز لأنه معرفة، (بَيْنَهُمْ زُبُرًا): قطعًا حال قيل: ثاني مفعولي تقطع فإنه متضمن معنى جعل أي: جعلوا أمر دينهم قطعًا أديانًا مختلفة، (كُل حِزْب): من المتحزبين، (بِمَا لَدَيْهِمْ): من أمر دينهم، (فرِحُونَ): يحسبون أنهم على شيء، (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ): جهالتهم التي غمروا فيها، الغمرة الماء لذي يغمر القامة، شبه جهالتهم لأنَّهُم مغمورون فيها، (حَتَّى حِينٍ): حين الهلاك، (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ): نعطيهم، (مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ)، بيان لما، (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: نسارع به لهم فيما فيه خيرهم فضمير اسم مقدر، (بَل لَا يَشْعُرُونَ): كالبهائم لا شعور ولا فطنة فإنه لو كان لهم فطنة لتأملوا فيعلموا أن المال والبنين استدراج لا معالجة خير ومسارعة لطف، (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) أي: حذرون عن معاصيه من أجل خشية ربّهم يعني: خشيتهم علة لاجتناب المعصية، أو معناه حذرون من خوف عذابه، (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ): الكونية والشرعية، (يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالذِينَ يُؤتُونَ): يعطون، (مَا آتَوْا): ما أعطوه من
стр. 1291
الصدقات، (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ): خائفة من عدم القبول، (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ): مرجعهم إلى الله أو قلوبهم وجلة من أن مرجعهم إليه، وهو يعلم ما لا يعلمون، (أوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ) أي: أولئك يسارعون في نيل خيرات الدارين بمزاولة الأعمال الصالحة فيعطيهم خير الدنيا والآخرة، قيل: معناه أولئك يبادرون الطاعات، ويرغبون فيها أشد رغبة، (وَهُمْ لَهَا)، أي: إلى الخيرات (سَابِقُونَ)، أو لأجلها [فاعلون] السبق، (وَلاَ نكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا): قدر طاقتها لا يريد الله بكم العسر، (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ): اللوح المحفوظ أو صحيفة الأعمال، (يَنطِقُ بِالْحَقِّ): بالصدق وليس فيه إلا ما فعلوا، (وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون): بنقص ثواب وعقاب على ما لم يفعلوا، (بَلْ قُلُوبُهُمْ): قلوب الكفرة، (فِي غَمْرَةٍ): غفلة، (مِّنْ هَذَا): الكتاب الذي هو عندنا، أو من هذا الذي عليه المؤمنون، أو من القرآن، (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ): خبيثة، (مِنْ دُونِ ذَلِكَ): الذي وصفنا في شأنهم، أو متجاوز لما وصف به المؤمنون، (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ حَتَّى إِذا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم): متنعميهم، (بِالْعَذَابِ): القحط الحادث فيهم حتى أكلوا الجياف، والقتل يوم بدر، (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ): فاجئوا الصراخ بالتضرع هو جواب الشرط، (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ) أي: يقال لهم ذلك، (إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ): لأنكم لا تمنعون منا فلا ينفعكم الجؤار، (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي): القرآن،
стр. 1292
تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ): تعرضون عنها، والنكوص الرجوع قهقرى، (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ): بالبيت والحرم تفتخرون بأنكم ولاته، والقائمون به وشهرتهم بأن تعظمهم بهذا البيت أغنت عن سبق ذكره، أو معناه مكذبين بالآيات استكبارًا ففيه تضمين معنى التكذيب، وتذكير الضمير باعتبار أنها قرآن، (سَامِرًا) السامر الجماعة الذين يتحدثون ليلاً، نصب على الحال قيل: به متعلق به، أي: تستمرون القرآن فإنهم يجتمعون الليالي حول البيت يطعنون في القرآن، (تَهْجُرُونَ) من الهجر بمعنى: الهذيان أي: تهذون، أو من الهجرة أي: تعرضون عنه، (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)، أي: القرآن، ليعلموا حقيته، (أَمْ
стр. 1293
جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ): من الرسول والكتاب، يعني إرسال هذا الرسول إليهم ليس ببدع، فإنه مثل ما أرسلنا إلى آبائهم الأقدمين، وأم منقطعة، أي: بل جاءهم ما لم يأت آباءهم فلذلك أنكروا، (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ): بالحسب والنسب والصدق والأمانة، (فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ): والمجنون لا يصلح للنبوة، (بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ): من عند الله لا بالمهمل من الجنون، (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، فعدم الاتباع لأنه لا يوافق مشتهاهم، قيد الحكم بالأكثر لأن فيهم من لم يؤمن لتوبيخ قومه أو لقلة فطنته وعدم تدبره، (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ) أي: الله أو القرآن، (أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ): فإن أهواءهم أن تكون له شريك وولد، منهم من يريد عظمة نفسه وحقارة غيره، ومنهم من يريد عكسه فيمضي إلى نساء العالم، فإنه يلزم النقيضين وهو محال، (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ): بكتاب هو وعظهم، أو هو صيتهم وشرفهم، (فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ): على التبليِغ، (خَرْجًا): أجرًا أو جعلاً، (فَخَرَاجُ رَبِّكَ): عطاؤه وأجره، (خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أم هذه قسيم أم يقولون به جنة فهذا إلزام لهم به للسبب، والتقسيم في أنه كإبراهيم وغيره رسول معروف الحال عندكم تام العقل ليس له طمع في خسائس أموالكم، فما هو إلا أنه يريد هدايتكم، (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوَهُمْ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيمٍ) أي: الإسلام، (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ): ً الذي تدعوهم إليه، (لَنَاكبُونَ): عادلون، (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ): من القحط والشدائد، (لَلَجُّوا): أثبتوا، (فِي طُغْيَانِهِمْ): إفراطهم في المعاصي، (يَعْمَهُونَ): متحيرين، (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ): بالمصائب والشدائد من الموت ونقص الثمار
стр. 1294
والأموال، (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ): ما انتقلوا من كون إلى كون واستمروا على ما هم عليه، (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي: وليس من عادتهم أن يتضرعوا وهم كذلك، (حَتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ): هو عذب الآخرة، (إِذا هُمْ فيهِ مُبْلِسُون)، آيسون من كل خير واعلم أن كثيرًا من المفسرين فسروا العذاب بيوم بدر، والعذاب الشديد بالجزع، ونقلوا أن أبا سفيان قال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، وأنت تزعم أنك رحمة للعالمين، فادع الله أن يكشف عنا القحط فدعا، وكشف فنزلت الآية، وليت شعري كيف يصح هذا واتفقوا على أن السورة كلها مكية من غير استثناء فأين القتال حينئذ وقضية [بدر] والله أعلم.
* * *
البعث، (بَلْ قَالُوا): أهل مكة، (مِثْلَ مَا قَالَ الأَولونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) استفهام الثاني تأكيد للأول واستبعاد بعد استبعاد، (لَقَدْ وَعِدْنَا نَحْنُ وَآباؤُنَا هَذَا) أي: البعث، (مِن قَبْلُ): بلسان من يدعي أنه رسولهم، (إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَولِينَ): أكاذيبهم التي كتبوها، (قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ): من أهل العلم، (سَيَقُولُونَ لله) فإنهم معترفون بأنه خالق الكل، (قُلْ): بعد ما قالوه، (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ): فتعلموا أن فاطر الأرض ومن فيها قادر على الإعادة حقيق على أنْ لا يشرك به شيء، (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لله قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ):
стр. 1297
عقابه فتنتهوا عن نسبة العجز إليه وتسويته بجماد، (قُلْ مَن بِيَدِه مَلَكُوتُ): ملك وخزائن، (كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ): يغيث من يشاء ويحفظ، (وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ): لا يغيث أحد منه أحدًا، (إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ): ذلك (سيَقولُونَ لله قُلْ فَأَّنَّى تُسْحَرُونَ): تخدعون فتصرفون عن الرشد مع تظاهر الأدلة، (بَلْ أَتَيْناهُم بِالْحَقِّ)، من بيان التوحيد والبعت، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذبُون): حيث أنكروا ذلك، (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: لو كان معه آلهة لتفرد كل إله بمخلوقاته متميزًا ملكه عن ملك الباقين ولغلب بعضهم بعضًا كالعادة بين الملوك فلم يكن بيده ملكوت كل شيء واللازم باطل، (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ): من الولد والشريك، (عَالِمِ الغَيْبِ)، بالرفع خبر محذوف وبالجر صفة، (وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) من له علم كل شيء لا يحتاج إلى شريك مع أنهم معترفون بأنه المتفرد بإحاطة العلم.
* * *
(قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
(قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي: إن كان لابد من أن تريني ما تعدهم من العذاب فلا تجعلني معهم ولا فيهم ومن دعائه ﵇ " وإذا أردت بقوم فتنه فتوفني إليك غير مفتون " وما والنون للتأكيد، وتكرار رب حث على فضل تضرع وتواضع وإظهار عبودية وافتقار وعجز، (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ): من العذاب، (لَقَادِرُونَ): لَكِنَّا لحلمنا وحكمتنا لا نستعجل في عذابهم، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) أي: ادفع من أذاك وطعنهم في الله بالشرك بالخصلة التي هي أحسن الخصال الحلم والصفح والإلزام بطريق بيان الدليل نحو: (وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل: ١٢٥] قيل: هي منسوخة بآية السيف، (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ): فَكِلْ إلينا أمرهم، (وَقُل ربِّ أَعُوذُ بِكَ
стр. 1300
مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ): وساوسهم ونزغاتهم، (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ): فيحوموا حولي، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) متعلق بـ " يصفون " وما بينهما اعتراض لا يزالون على سوء الذكر حتى الآية، (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)، خاطب الله بلفظ الجمع أو الملائكة، وقيل: لتكرير الفعل أي: ارجعني ارجعني، (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) أي: ردوني إلى الدنيا لعلي أعمل صالحًا في الإيمان الذي تركته، أو في المال أو في الدنيا، (كَلَّا)، ردع عن طلب الرجعة واستبعاد، (إِنَّهَا) أي: رب ارجعون الخ، (كَلِمَةٌ): طائفة من الكلام المنتظم بعضها ببعض، (هُوَ قَائِلُهَا) لا محالة عند استيلاء الحسرة والاضطرار، وعن بعض المفسرين أنها كلمة إلخ علة لردعهم، أي: سؤاله الرجوع للعمل الصالح مجرد عدة وقول لا وفاء ولا حقيقة تحتها نحو (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الأنعام: ٢٨]، (وَمِنْ وَرَائِهِمْ): أمامهم، (بَرْزَخٌ) حاجز بينهم وبين الدنيا، (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) هو إقناط كلي للعلم بأن لا رجعة إلى الدنيا يوم البعث فلا رجعة أصلاً، (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ): النفخة الأخيرة، (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ): لا تنفع الأنساب، (يَوْمَئِذٍ) ويفرح المؤمن أن قد وجب له حق على والده وولده فيأخذ منهما، (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) لا يسأل حميم ولا قريب حميمه وقريبه وهذا في أول