← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

لا يصدر عن صنم جماد، فتقوم الحجة عليهم، وفي الصحيحين: " إن إبراهيم لم يكذب غير ثلاث "، قيل: أسند إلى الكبير لأن غاية تعظيمهم إياه لسبب لمباشرة إبراهيم، فأسند إلى السبب، (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ): بالملامة، أو راجعوا عقولهم وتفكروا، (فقَالُوا): قال بعضهم لبعض (إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالِمُون): بهذا السؤال، أو لما أنكم تركتم الأصنام بلا حافظ، أو بعبادتكم من لا يتكلم، (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ): أطرقوا رءوسهم من الحيرة والخجل، أو انقلبوا إلى المجادلة بعد ما أقروا على أنفسهم بالظلم، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليًا على أعلاه، (لَقَدْ عَلِمتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ) أي: قالوا لقد علمت إلخ فكيف نسألهم، (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ): إن عبدتموه، أو تركتموه، (أُفٍّ لَكُمْ) هو صوت المتضجر، أي: قبحًا ونتنًا لكم، واللام لبيان المتأفف به، (وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قَالُوا): أنتم مجانين لا تفهمون قبح مثل هذا الصنع، قالوا حين عجزوا عن الجواب (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا

стр. 1227

آلِهَتَكُمْ): بإهلاك عدوهم، (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ): ناصرين لآلهتكم، أو إن كنتم فاعلين شيئًا، (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا) أي: باردًا فيه ما لا يخفى من المبالغة، (وَسَلامًا): يسلم من حَرَّك، (عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، جمعوا له حطبًا وأوقدوا نارًا وقد ذكر أنَّهم جمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا حتى إن كانت امرأة تمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطبًا لإبراهيم، ثم أوقدوا نارًا كادت الطير في الجو تحرق ورموه بالمنجنيق فيها، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، فاستقبله جبريل قائلاً: ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا، فقال: سل ربك، فقال: " حسبي من سؤالي علمه بحالى "، فما أحرقت منه سوى وثاقيه وكان في النار سبعة أيام وقيل خمسين، وقيل أربعين وهو ابن ست عشر، وكان يقول: ما أنعم أيامي في النار، وقيل: لم يبق نار في الأرض إلا طفئت، وما من دابة إلا تطفئ النار سوى الوزغ ولهذا عد من الفواسق، (وَأَرَادُوا به كَيْدًا) مكرًا في إهلاكه، (فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرينَ): أخسر كل خاسر، (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا): ابن أخيه من أرض العراق، (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) أي: الشام، فإن أكثر الأنبياء بعثوا فيه، فانتشرت في العالم بركتهم قيل: كل ماء

стр. 1228

ينبع في العالم فأصله من الشام، أو المراد مكة، (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) أي: عطية حال منهما، أو النافلة ولد الولد، أو هو طلب ولدًا فأعطي إسحاق وزاده يعقوب نافلة، فيكون حالاً من يعقوب للقرينة، (وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهمْ أَئِمَّة): يقتدى بهم، (يَهْدُونَ): الناس بالحق، (بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ) لأن يحثوا عليه، (وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ) من عطف الخاص على العام للتفضيل، (وَكَانُوا لنا عَابِدِينَ): موحدين مخلصين. (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا) الفصل بالحق بين الخصوم، (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) وهي قرية سدوم، كان عمل أهلها اللواط، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا): في أهل رحمتنا أو في جنتنا، (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ). * * * (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا

стр. 1229

فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) * * * (وَنُوحًا إِذْ نَادَى) أي: اذكر نوحًا إذ دعا على قومه بالهلاك وإذ نادى بدل من نوحًا، (مِن قَبْلُ): من قبل المذكورين، (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ): دعاءه، (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ): الذين آمنوا به، (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ): تكذيبهم وأذاهم، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يؤذونه ويوصون بمخالفته قرنًا بعد قرن، (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): جعلناه منتصرًا منهم، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ)، فاسقين، (فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ): فلم يبق على وجه الأرض منهم أحد، (وَدَاوُودَ

стр. 1230

وَسُلَيْمَانَ) أي: اذكرهما، (إِذْ يَحْكُمَانِ) بدل منهما، (فِي الْحَرْثِ) كان ذلك كرمًا انثنت عناقيده، وقيل زرعًا، (إِذ نفَشَتْ): رعت ليلاً، (فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ): فأفسدته، (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ):) عالمين، وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو لأن الاثنين جمع، (فَفَهَّمْنَاهَا) أي: الحكومة، أو الفتوي، (سُلَيْمَانَ) دون داود، فإنه حكم بأن الغنم لصاحب الكرم بدل إفساده وحكم سليمان بدفع الكرم لصاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان ويدفع الغنم إلى صاحب الكرم فينتفع بَدَّرها ونسلها وصوفها فإذا صار الحرث كما كان يأخذ كل منهما ماله، (وَكُلًّا): من داود وسليمان، (آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) قال بعض

стр. 1231

السلف: لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا، ولكن الله تعالى حمد هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده، (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) يقدسن لله معه، ويجاوبنه قيل يصلين معه إذا صلى وقيل: إذا فتر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط، ويشتاق ويسبحن حال أو استئناف، وأخر الطير، لما أن تسبيح الجبال لأنها جماد أعجب، (وَكُنَّا فَاعِلِينَ): لأمثاله ليس ببدع منا، (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ): عمل الدرع، (لِتُحْصِنَكم) الضمير لداود في قراءة الياء، ولـ لبوس الذي هو الدرع في قراءة التاء، وهو بدل اشتمال من لكم بإعادة الجار، (مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ) أي: فاشكروا لي وكانت قريش أهل حرب وقتال، (وَلِسُلَيْمَانَ) عطف على مع داود، إن كان متعلقًا بسخرنا، وإن تعلق بيسبحن فتقديره وسخرنا لسليمان، (الرِّيحَ عَاصِفَةً): شديدة الهبوب، (تَجْرِي بِأَمْرِهِ) حال ثانية، (إِلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكنا فِيهَا) الشام فإنه وطنه، كان له بسط من خشب يوضع عليه ما أراد من الجند، وغيره فتحملها الريح، وتظله الطير من الحر إلى حيث يشاء، والريح في قبضته إن أراد عاصفة فعاصفة، وإن أراد رخوة فرخوة، وعلى الوجهين لينة لا تشوشهم ولا تزلزلهم، (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) فتجري الأشياء

стр. 1232

على ما يقتضيه علمنا، (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ): فيخرجون من البحر الجواهر واللآلئ، والجملة مبتدأ أو خبر أو من يغوصون عطف على الريح، (وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ): سوى الغوص، (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ): من الزيغ والفساد، (وَأَيُّوبَ) أي: واذكره، (إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي) أي: بأني، (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) كان نبيًّا صاحب حرث وأنعام وأولاد فابتلاه الله بإهلاك كلها ثم ابتلاه بجسده فلم يبق منه سليم سوى لسانه وقلبه يذكر بهما ربه حتى تنافر عنه كل أنيس، وتحاشى عنه كل جليس، فلا يتردد عليه سوى زوجته، ويقال: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله فدعا الله لكشف كربه بعد مدد من الأيام المتطاولة بهذا الأسلوب البليغ، (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ): بالشفاء، (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ): بإحياء من مات من أولاده، وإعطائه مثلهم من الأولاد، أو أعطيناه أولاده الذين ماتوا في الجنة، ومثلهم معهم في الدنيا فقد نقل أنه قيل له: إن أهلك في الجنة إن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك

стр. 1233

فيها وعوضناك مثلهم في الدنيا فاختار الثاني، (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا) على أيوب مفعول له، (وَذِكْرَى): تذكرة، (لِلْعَابِدِينَ): ليصبروا كما صبروا لئلا ييأسوا في البلاء، (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ) كثير من السلف على أنه صالح من بني إسرائيل تكفل لنبي أن يكفيه أمر قومه، ويقضي بينه وبينهم بالعدل وفعل فسمي ذا الكفل لكن الظاهر أنه نبي قرنه في سلكهم، (كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ): على مشاق التكاليف، (وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا): النبوة والجنة، (إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ): الكاملين في الصلاح، (وَذَا النُّونِ): يونس، (إِذْ ذَهَبَ): من بين قومه، (مُغَاضِبًا) لهم من غير إذن ربه حين أصروا على الكفر، والمفاعلة للمبالغة، أو هو أغضبهم أيضًا بالمهاجرة عنهم خوف العذاب، (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ): لن نضيق عليه، أو لن نقضي عليه بالعقوبة (١) ولن نعمل فيه قدرتنا، ويؤيده قراءة نقدِّر بالتشديد قيل: هذا من باب التمثيل، أي: حاله ممثلة بحال من ظن عدم قدرتنا عليه في مراغمة

стр. 1234

قومه من غير انتظار لأمرنا، وقيل: خطرة شيطانية سماها للمبالغة ظنًّا، (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ): ظلمة بطن الحوت والبحر والليل، (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أي: بأنه، أو أن مفسرة، (سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) لمبادرتي إلى الهجرة قبل الإذن، (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ): لأن قذفه الحوت بالساحل سالمًا بعد ما مكث في بطنه أربعين يومًا، (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) إذا دعونا في الشدائد منيبين إلينا، سيما إذا دعوا بهذا الدعاء، ففي الحديث " ما من مكروب يدعوا بهذا الدعاء إلا استجيب له "، (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا): بلا ولد، (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) ثناء منه على الله بأنه خير من يبقى بعد ما سأل ولدًا يبقى بعده، (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ): صيرناها ولودًا بعد ما كانت عاقرًا أو حسنة الخلق بعد ما كانت سيئة الخلق (١)، (إِنَّهُمْ): المذكورين من الأنبياء،

стр. 1235

أو زكريا وأهل بيته، (كَانُوا يُسَارِعُونَ): يبادرون، (فِي الْخَيْرَاتِ): في عمل القربات، (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا): راغبين في رحمتنا راهبين من عذبنا، (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) لا يخافون ولا يخضعون لغيرنا، (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) أي: مريم فإنها بكر ما ذاقت حلالاً ولا حرامًا، (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا): بأن أمرنا جبريل بالنفخ في جيب درعها، وإضافة الروح إليه للتشريف، وقيل من جهة روحنا جبريل، (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً) دالة على كمال قدرتنا، (لِلْعَالَمِينَ) فإنها أتت به من غير فحل، (إِنَّ هَذِهِ): ملة الإسلام، (أمتكُمْ): ملتكم، (أمًة وَاحِدَةً): غير مختلفة في ما بين الأنبياء، نصب على الحال، (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ): لا غيرى، (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ) إما بمعنى قطعوا، أو نصب أمرهم بنزع الخافض، يعني اختلفوا وصاروا فرقًا التفت من التكلم إلى الغيبة لينعي عليهم ما أفسدوه إلى المؤمنين، ويقبح عندهم كأنه يقول: ألا ترون إلى قبح ما ارتكبوا هؤلاء في ديننا؟ (كُلٌّ): من الفرق، (إِلَيْنَا رَاجِعُون): فنجازيهم. * * * (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ

стр. 1236

أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢) * * * (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كفْرَانَ لِسَعْيِهِ) الكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر في إعطائه، (وَإِنَّا لَهُ): لسعيه، (كَاتِبُونَ)، في صحيفة عمله، أو إنا كاتبون لمن يعمل ما عمل، (وَحَرَامٌ): ممتنع، (عَلَى): أهل، (قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) أي: رجوعهم إلى الدنيا، فـ (لا) صلة، وقيل معنى الحرام الواجب فـ (لا) غير صلة، وقيل: معناه حرام على أهل قرية قدرنا إهلاكهم

стр. 1237

بالكفر أن يرجعون عن كفرهم وينيبوا، وقيل: حرام عليهم عدم كفران سعيهم، لأنَّهُم لا يرجعون عن الكفر، (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) أي: حرام عليهم الرجوع إلى الدنيا إلى أن فتحت سد يأجوج ومأجوج فإنهم يحيون ويرجعون إلى الدنيا حينئذ للقيامة، أو ممتنع عليهم الإنابة إلى القيامة، وإنابتهم في القيامة لا تنفع، (وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ): مرتفع من الأرض، (ينسِلُون)، يسرعون في الحديث " هم صغار العيون عراض الوجوه من كل حدب ينسلون "، (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) أي: القيامة عطف على فتحت، (فَإِذَا هِيَ)، جواب الشرط، وإذا للمفاجأة سد مسد الفاء فإذا دخل الفاء أيضًا تأكد الارتباط، (شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فتحت أعينهم لا يكاد تطرف من الهول، وضمير هي مبهم يفسره الأبصار، أو ضمير القصة، (يَا وَيْلَنَا) أي: قالوا يا ويلنا، (قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ): في الدنيا، (مِنْ هَذَا)، اليوم ما كنا نعلم أنه حق، (بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ): لأنفسنا لأنه نبهنا الرسل فكذبناهم، (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي: الأصنام، (حَصَبُ جَهَنَّمَ) الحصب، ما يحصب ويرمى به في النار، (أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) استئناف، واللام للاختصاص فإن استعمال الورود بعلى، وقيل لها خبر وواردون خبر ثان، (لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ): الأصنام، (آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ): من العابد والمعبود، (فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ): للكافرين، (فِيهَا زَفِيرٌ): أنين، (وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ)، عن ابن مسعود إذا بقي من يخلد فيها جُعل لكل منهم تابوت من نار مسمر من نار فلا يظن أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم قرأ وهم فيها لا يسمعون، (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ

стр. 1238

لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى): الرحمة والسعادة، (أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) قد ذكر أنه ﵇ لما تلا " إنكم وما تعبدون " الآية، قيل قد عبدت الملائكة وعزير ومسيح فكل منهم مع آلهتنا في النار فأجاب ﵇ أنَّهم إنما يعبدون الشيطان، ومن أمرهم بعبادته ثم نزل " إن الذين سبقت لهم منا الحسني " الآية، استثناء من المعبودين، فعلى هذا " وما تعبدون " عام مخصص، (لاَ يَسْمَعون حَسِيسَهَا) هو صوت يحسُّ به، خبر ثان لأولئك أو حال، (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ): دائمون في التنعم، (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ): النفخة في الصور، أو حين يؤمر بالكفار إلى النار، أو حين يطبق النار على أهلها، أو حين يذبح الموت، (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ): تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة مهنئين قائلين (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ): للثواب، (يَوْمَ) عامله لا يحزنهم أو تتلقاهم أو اذكر، (نَطْوِي السَّمَاءَ) الطي ضد النشر، (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) السجل الصحيفة، صرح بذلك جماهير السلف، أي: كطي الطومار لأجل ما يكتب فيه، يعني: تطوى السماء كما يطوى الكتاب الطومار ويسوى ويضعه مطويًا حتي إذا احتاج إلى الكتابة لم يحتج إلى تسوية، أو السجل ملك يطوي كتب بني آدم وعلى هذا اللام زيدت للاختصاص، وفي سنن أبي داود والنسائي أنه كاتب لرسول الله ﷺ وكثير من الأكابر

стр. 1239

صرحوا بوضعه، وقالوا: لا يعرف من الصحابة أحد اسمه السجل، (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ)، أي: نعيد أول الخلق كما بدأناه، وأول الخلق عبارة عن إيجادة عن العدم فنصب أول نعيد المقدر المفسر بـ نعيد وكم مفعول مطلق أو كما مفعول له لـ نعيد المقدر وما موصولة، وأول ظرف لـ بدأنا وحينئذ مفعول بدأنا ضمير لما، أى: نعيد مثل الذي بدأناه في أول الخلق حين الإيجاد عن العدم، (وَعْدًا عَلَيْنا)، أي: نعد وعدًا علينا إنجازه، أو مصدر مؤكد، (إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ): ذلك ألبتَّة، (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزبورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ): الزبور ما أنزل من الكتاب، والذكر اللوح المحفوظ، أي: كتبنا في الكتب بعد ما كتبنا في اللوح أو هو كتاب داود، والذكر التوراة، (أَنَّ الأَرْضَ) أرض الجنة، أو أرض الكفار، أو بيت المقدس، (يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ): المؤمن مطلقًا أو أمة محمد ﵇، (إِنَّ فِي هَذَا): القرآن، (لَبَلاغاً): لكفاية، أو لوصولاً إلى البغية، (لقَوْمٍ عَابِدِينَ): لله لا للشيطان، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَمالَمِينَ): للبر والفاجر، فإنه رُفع ببركته ﷺ -

стр. 1240

الخسف والمسخ والاستئصال، أو أرسله للرحمة على الكل، لكن بعضهم أعرضوا عن الرحمة، وما تعرضوا لها فحرمانهم وشقاوتهم من سوء شكيمتهم، (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ): لا متعدد كما تقولون، أو المقصود الأصلي من جميع الوحي العلم بالوحدانية، فكأنه ما نزل عليه إلا هذا، أو ما كافة، (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): مخلصون العبادة لله، (فَإِنْ تَوَلَّوْا): عن الإسلام، (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ)، أنذرتكم بالعذاب، (عَلَى سَوَاءٍ): مستوين في الإعلام، أو إيذانًا على سواء، أو حال من الفاعل والمفعول، أي: مستويان في العلم بما أعلمتكم لا أدري وقته، وقيل معناه: إن أعرضوا فقل أعلمتكم بما يوحى إلى مستوين في العلم ما كتمت شيئًا عن أحد، (وَإِنْ): نافية، (أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ)، من العذاب أو القيامة، (إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ) لا تفاوت عنده في إسراركم الطعن في الإسلام وإجهاركم، (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ): لعل تأخير العذاب، (فِتْنَةٌ): اختبار، (لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) تمتيع إلى أجل قدَّره الله، (قَالَ رَبِّ احْكُمْ)، اقض بيننا وبينهم، (بِالْحَقِّ) بالعدل، أمرٌ باستعجال عذاب هو حقيق لهم، وقد وقع ببدر، وفي الدعاء أيضًا إظهار لعبوديته والرغبة، وإن كان المدعو أمرًا محققًا، (وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ)، المسئول منه المعونة، (عَلَى مَا

стр. 1241

تَصِفُونَ)، من الحال فإن زعمهم أن راية الإسلام ستنتكس عن قريب وتصير الشوكة لهم فخيب الله آمالهم وخرب مآلهم. والحمد لله على ذلك. * * *

стр. 1242

سورة الحج مكية، إلا ست آيات وهي: (هَذَانِ خَصْمَانِ (١ ٩) إلى (إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)) * * * (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) * * *

стр. 1243

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) هي النفخة الأولى قبل قيام القيامة المسماة بنفخة الفزع، وهي من أشراط الساعة، أو المراد قيام القيامة، فإضافة المصدر إلى فاعله أي: شدة تحريكها للأشياء أو زلزال وأهوال هي فيها فمن إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع في إجرائه مجرى المفعول به، أي: الزموا التقوى، فإنه لا ينفعكم في هذا اليوم العظيم إلا التدرع بلباس التقوي، (يَوْمَ تَرَوْنَهَا) الزلزلة، ونصب يوم بقوله: (تَذهَلُ) الذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة، (كُلُّ مُرْضِعَةٍ): في حال إرضاعها، (عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا): لشدة ذلك اليوم والذهول، والوضع لبيان واقع إن كان المراد حين النفخة الأولى، وإلا فتصوير لهولها، (وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى): كأنهم سكارى، (وَمَا هُم بِسُكَارَى): في الواقع، أو كأنَّهم سكارى من الخمر، وما هم بسكارى منه، (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ) فأدهش عقولهم أو فهم سكارى من الخوف، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتبِعُ): في جداله، (كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) عار عن الخير مطلقًا جادل قريش، وقالوا: محال إعادة الخلق بعدما صاروا ترابًا، وقد نقل أن واحدًا منهم قال: أخبرنا عن ربك من ذهب أو فضة أو نحاس فصعقته صاعقة فاختطفته، (كُتِبَ): قُضي وقُدّر، (عَلَيْهِ) على الشيطان، (أَنَّهُ) الشيطان، (مَنْ تَوَلَّاهُ): تبعه، (فَأَنَّهُ): الشيطان،

стр. 1244

(يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) هذا من باب التهكم، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ) أي: فانظروا في بدء خلقكم، لتعلموا أن من قدر على هذا قدر على ذلك (مِنْ تُرَابٍ): خلق آدم منه، (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ): ذريته من منيٍّ (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) فإن النطفة تصير دمًا غليظًا، (ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ): قطعة من لحم قدر ما يمضغ، (مُخَلَّقَةٍ): تامة، (وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ): ساقطة، أو مسواةٍ ومعيوبةٍ، (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ): كمال قدرتنا على البدائع [والحشر] فرد منها، (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) أن نقره فلا نسقطه، (إِلَى أَجَلٍ مسَمًّى) هو وقت الوضع، (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) نصب على الحال والمراد منه الجنس، (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) كمال قوتكم المعطوف محذوف كما تقول: جاء زيد ثم عمرو وثم وثم أي: ثم نربيكم لتبلغوا أو تقديره: لنبين لكم ثم لتبلغوا فكأن الأمر التدريجي من النطفة والعلقة والمضغة ليس إلا للتبيين، وأما تمكينه في الرحم، ثم إخراجه لمصلحتين التبيين والإيصال إلى كمال العقل، أو تقديره ثم فعلنا ما فعلنا لتبلغوا، (وَمِنْكُمْ مَنْ

стр. 1245

يُتَوَفَّى): قبل الهرم، (وَمِنكُم مَّن يُرَد إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ): الهرم والخرف، (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْثاً)، كحال طفولية فسبحان من يعيد كما بدأ، (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً): ميتة يابسة شرع في دليل آخر للبعث، (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ): تحركت بالنبات، (وَرَبَتْ): انتفخت، (وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْج): صنف، (بَهِيجٍ): حسن رائق، (ذَلِكَ): المذكور، (بِأَن الله هُوَ الحَقُّ)، بسبب أنه الثابت الموجود فإنه هو الموجد قيل تقديره: ذلك هادٍ بأنه هو الحق، (وَأَنَّهُ يُحْيي الْمَوْتَى): لولا قدرته على إحياء الموتى، كيف يحيي النطفة والأرض، (وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): فيقدر على مثل ذلك، (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) وإلا فيكون ذلك سيما إخراج الطفل، والتبلغ عبثا لعبًا لا طائل تحته - تعالى الله عن ذلك (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ) الأولى بيان حال المقلدين، ولهذا قال: (ويتبع كل شيطان مريد)، وهذه الآية حال المقلدين، ولذلك يقول ليضل الناس، (بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ): ليس له علم فطري، ولا ما يستند إلى دليل عملي، ولا إلى وحي، (ثَانِيَ عِطْفِهِ) كناية عن الكبر أو عن الإعراض حال من فاعل يجادل، (لِيُضِل): الناس، (عَن سبيلِ اللهِ) اللام لام العاقبة، (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ): مذلة كقتل وسبي، (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ): المحرق، (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) التفات أو تقديره يقال له ذلك، (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) بل عادل ومن العدل تعذيب المسىِء وإثابة المحسن، والظالم قد يترك عقاب المسيء للعصبية كما يترك إثابة المحسن

стр. 1246

قيل: لما أثبت له خزي الدنيا، وعذاب الحريق صار مظنة لأن يتوهم أنه ظلم عظيم، فعكس الأمر، وقال: لست بظلام كما زعمت وقد مر في سورتي آل عمران والأنفال. * * * (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨) هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) * * *

стр. 1247

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ): طرف من الدين لا على وسط منه كمن هو على طرف من العسكر إن أحس بظفر قَرَّ وإلا فَرَّ، (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ): ما يحبه، (اطْمَأَنَّ بِهِ): فاستقر على دينه، (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ): ما يكره، (انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ): رَجع عن دينه، (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ الُمبِينُ) نزلت في ناس من الأعراب يسلمون فإن وجدوا عام غيث ونتجت فرسهم وما لهم وولدت امرأتهم غلامًا رضوا به وإلا ارتدوا، (يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ): جمادٌ لا يقدر على شيء، (ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ): عن المقصد، (يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نفْعِهِ): النفع والضر المنفيان قدرته عليهما والمثبت كونه بسبب من الضر المحقق، وبمعزلة عن النفع المترتب (لَبِئْس الَمَوْلَى): الناصر، (وَلَبِئْسَ العَشِيرُ): الصاحب، اعلم أن يدعو الثاني إن كان تأكيدًا ليدعو الأول، فالموصول بصلته مبتدأ وفعل، لذم خبره، والجملة مستأنفة إخبار من الله، وإن كان بمعنى يقول، فالجملة مقول له، أي: يقول الكافر حين يرى ضر عبادته في الآخرة لمن ضره أقرب إلخ، وقيل: اللام في لمن زائدة وقرأ ابن مسعود بلا لامٍ.

стр. 1248

(إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، ولما ذكر إضلال قوم وإهداء آخرين قال (إِنَّ اللهَ يَفْعَل مَا يُرِيدُ): لا يُسأل عما يفعل، (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ)، أي: نبيه، (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) كما قال المشركون: ننتظر عليه الدوائر، (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ): يمد حبلاً إلى سماء بياته، أي: سقفه، (ثُمَّ لْيَقْطَعْ): يختنق، (فَلْيَنْظُرْ): يتأمل، (هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ)، سماه كيدًا لأنه منتهى ما يصل إليه يده، (مَا يَغِيظُ): من نصر الله أو غيظه، وحاصله أن الله ناصر رسوله فمن يتوقع من غيظه خلاف ذلك فليجتهد فِي إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعل الممتلئ غيظًا، يعني ليس في يده إلا ما لا يذهب غيظه، وعن بعض معناه فليتوسل إلى بلوغ السماء، فإن النصر من السماء ثم ليقطع ذلك عنه، قيل: المراد بالنصر الرزق وحينئذ الضمير في ينصره لمن، (وَكَذَلِكَ): مثل ذلك الإنزال، (أَنْزَلْنَاهُ): القرآن، (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) أي: ولأن الله يهدي به من يريد هدايته أنزلناه كذلك، فالجملة من التعليل والمعلل المحذوف عطف على (كذلك أنزلناه) إلخ، (إِنَّ الذِين

стр. 1249

آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ): يقضي بينهم ويجازي كلًّا ما يليق به، (يَوْمَ القِيَامَةِ) إن دخل على الخبر أيضًا لمزيد التأكيد، (إِن اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءِ شَهِيدٌ): فيعرف ما يليق بهم، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ): ينقاد، (لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ)، وقد ورد: " الشمس والقمر حين يغيبان يقعان لله ساجدين ثم لا يطلعان حتى يؤذن لهما "، وفي الحديث " لا تتخذوا ظهور الدواب منابر فرب مركوب خيرٌ أو أكثر ذكرًا لله من راكبه "، وبالجملة لا يستحيل سُنيُّ مسلم أن يكون للجمادات خشوع وتسبيح، (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ): المسلمون، (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ): هم الكفار فإنهم غير منقادين لله فهو بحسب المعنى استثناء مِنْ " مَنْ في الأرض "، ومن يجُوَّز

стр. 1250

استعمال لفظ واحدٍ في حالهِ واحدة على معنيين مختلفين فلا إشكال عنده فإنه يحمل السجود على معانٍ، قيل: وكثير من الناس مبتدأ حبره مقدر، أي: مثاب بقرينة مقابلة، وقيل: حق عليه العذاب خبر لهما أي: وكثير وكثير حق عليه العذاب، (وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ هَذَانِ خَصْمَانِ): فوجان مختصمان، (اختَصَمُوا) الجمع نظرًا إلى المعنى، (في ربهِمْ): في أمره ودينه، نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث بارزوا مع عتبة وشيبة والوليد يوم بدر، قال علي: أنا أول من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومة في القيامة أو في المسلمين واليهود، قالت اليهود: نحن أفضل، كتابنا ونبينًا أسبق، فقال المسلمون: نحن أحق بالله آمنا بجميع كتبه ورسله وأنتم تعرفون كتابنا ورسولنا وكفرتم حسدًا، أو المراد المؤمنون والكافرون كلهم من أي ملة كانوا، (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ من نارٍ): كما يقطع الثياب بقدر القامة فيخيط، وهذا بيان فصل خصومة الكافر، (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ): الماء الحار الذي لو سقطت نقطة على جبال الدنيا لأذابتها خبر ثان، أو حال من لهم (يُصْهَرُ): يذاب، (بهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ): الأمعاء، (وَالْجُلُودُ) الجملة حال، (وَلَهُم مَّقَامِعُ): سياط، (مِنْ حَدِيدٍ) لو ضرب جبل بمِقْمَعِ منها لتفتت، (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا): من النار، (مِنْ غَمٍّ) بدل من منها، (أُعِيدُوا فِيهَا): حين خرجوا منها من غير مهلة وتراخ، وعن الحسن

стр. 1251

أن أيديهم وأرجلهم موثقة لكن يدفعهم لهبها فتردهم مقامعها، (وَذوقُوا) أي: قيل لهم ذوقوا، (عَذابَ الحَرِيقِ): فيجمع لهم بين التعذيب الجسماني والإهانة. * * * (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) * * * (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، هذا بيان فصل خصومة المؤمن، (يُحَلَّوْنَ)، من حليته إذا جعلت له حليَّا، (فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ)، جمع سوار، (مِن ذَهَبٍ)، بيان لأساور، (ولؤْلُؤًا) بالجر والنصب عطف على لفظ أساور ومحلها أو تقديره ويؤتون لؤلؤا، (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ): في مقابلة ثياب أهل النار، (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ): هدوا إلى مكان لا يسمعون فيه إلا الكلام الطيب وهو سلام الملائكة وتهنئتهم في مقابلة وذوقوا عذاب الحريق، (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ): المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة، وعن بعض الكلام الطيب القرآن، أو كَلمة التوحيد في الدنيا، أو قولهم في الجنة: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وصراط الحمِيد: الإسلام، (إِن الذِينَ كَفَرُوا): في ماضي

стр. 1252

الزمان، (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ): يومَا فيومًا، (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ): لمناسكهم كلهم، (سَوَاءً الْعَاكِفُ): المقيم، (فِيهِ وَالْبَادِ): الطارئ، من قرأ برفع سواء فهو خبر مقدم، والجملة ثاني مفعولي جعلناه إن جعلته للناس حالاً وإن جعلت ثاني مفعوليه فهي حال، ومن قرأ بنصبه فثاني مفعوليه أو حال بمعنى مستويا والعاكف مرتفع به، (وَمَن يُرِدْ فِيهِ يِإِلْحَادٍ): ميل عن القصد ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول، والباء للحال أو فيه تضمين معنى الهم، وقيل الباء زائدة، (بِظُلْم): بعمدٍ حال أو بدل فالمراد بالإلحاد كل كبيرة أو الشرك، وعند بعض أن من عزم سيئة بمكة أذاقه الله العذاب الأليم، وإن لم يفعلها وهذا من

стр. 1253

خصوصيات مكة، (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، جواب لمن وخبر إن مقدر أي: نذيقه من عذاب أليم وحذف لدلالة جواب الشرط عليه. * * * (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لله غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)

стр. 1254

ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) * * * (وَإِذْ بَوَّأنَا لإِبْرَاهِيمَ): واذكر زمان جعلنا له، (مَكَانَ البَيْتِ): مباءة مرجعًا يرجع إليه للعمارة والعبادة وذكر مكان البيت لأن البيت ما كان حينئذ، (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) أن مفسرة لـ بَوَّأنَا من حيث إنه تضمن معنى تعبدنا، أي: ابْنِهِ على اسمي وحدي، (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ): من الشرك، (لِلطائِفِينَ): حوله، (وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، عبر عن الصلاة بأركانها أو المراد بالقائمين: المعتكفون لمشاهدة الكعبة، وبالركع السجود المصلون، (وَأَذِّن): نَادِ، (فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ): بدعوته والأمر به، نقل أنه قام على مقامه أو على الحجر، أو على الصفا أو على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم اتخذ بيتًا فحجوه، فأجابه كل شيء من شجر وحجر ومن كتب الله له الحج إلى يوم القيامة، وهم في أصلاب آبائهم: لبيك اللهم لبيك، (يَأتوكَ رِجَالاً): مشاة جمع راجل، (وَعَلَى كُلِّ ضَامِر)، أي: ركبانًا حال معطوف على حال، (يَأتِينَ)، صفة لـ ضامر، وجمعه باعتبار معناه، (مِن كُلِّ فَجٍ عَمِيقٍ): طريق بعيد، (لِيَشْهَدُوا): يحضروا، (مَنَافِعَ): دينية ودنيوية، (لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ): عشر ذي الحجة، أو يوم النحر وثلاثة بعده ويعضد الثاني قوله: (عَلَى مَا رَزَقَهم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنعَامِ)، فإن المراد التسمية عند ذبح الهدايا والضحايا، (فَكُلُوا مِنْهَا)، الأمر للاستحباب أو للإباحة، فالجاهلية يحرمون أكلها،

стр. 1255

وعند الأكثرين لا يجوز الأكل من الدم الواجب، (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ): الشديد الفقر المتعفف أو الزمِنَ أو الضرِير، (ثُمَّ لْيَقْضُوا): يزيلوا (تَفَثَهُمْ)، وسخهم بقص الشوارب والأظفار ولبس الثياب وغيرها أو التفث المناسك، (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ): أعمال حجة من وفَّى بنذره إذا خرج مما وجب عليه مطلقًا أو ما نذر وأوجب على نفسه في الحج، (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ): طواف الإفاضة والعتيق القديم أو أعُتق من تسلط الجبابرة عليه، (ذَلِكَ)، أي: الأمر ذلك وهو وأمثاله يطلق للفصل بين كلامين، (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ): بترك ما نهى الله أو بتعظيم بيته، والشهر الحرام، والبلد الحرام، والإحرام، (فهُوَ): التعظيم، (خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ): ثوابًا، (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى): آية تحريمه، (عَلَيْكُمْ)، هي " حرمت عليكم الميتة " الآية في المائدة لا البحائر والسوائب، (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ): الذي هو الأوثان بيان للرجس، وتمييز له كعندي عشرون من الدراهم، (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ): الكذب والبهتان ومنه شهادة الزور، (حُنَفاءَ لله): مخلصين له (عيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)، حالان من فاعل

стр. 1256

اجتنبوا (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ): سقط، (مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ): تسلبه، (الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي): تسقط، (بِهِ الرِّيحُ في مَكَانٍ سَحِيقٍَ): بعيد يعني: من أشرك فقد أهلك نفسه غاية الإهلاك فهو كجيفة اختطفته الطير فتفرق قطعًا في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة، وأو للتخيير أو للتنويع فإن من المشركين من لا خلاص له أصلاً، ومنهم من يمكن خلاصه بالإيمان لكن على بعد (ذَلِكَ): الأمر ذلك، (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ): البدن والهدي وتعظيمها استسمانها أو أعمال الحج، (فإِنَّهَا): تعظيمها، (مِن تَقْوَى القُلوب) أي: ناشئ من تقوى قلوبهم أو من أعمال ذوي تقوى القلوب، (لَكُمْ فيهَا). في الشعائر وهي البدن، (مَنَافع): دَرُّها وصوفها وظهرها، (إِلَى أَجَل مسَمًّى): وقت النحر وإن سماها وجعلها هديًا أو الأجل المسمى تسمينها وجعلها هديًا فما لم تسم بدنًا ينتفع به، (ثُمَّ مَحِلُّهَا): منحرها (إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ) أي: عنده يعني: الحرم مطلقًا. * * * (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ

стр. 1257

اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) * * * (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ)، لكل أهل دين، (جَعَلْنَا مَنْسَكًا)، بفتح السين مصدر، أي: ذبح المناسك، وبكسرها موضع نسك يعني: إراقة الدماء مشروعة في جميع الملل، وعن بعض لم يجعل الله لأمه منسكاً غير مكة، (لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهيمَةِ الأَنْعَامِ) أي: المقصود من المناسك خلوص العبادة له، (فإلَهُكُمْ): أنتم ومن قبلكم، (إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا): انقادوا له لا لغيره (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ): الخاشعين الراضين بقضائه، (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ): في أوقاتها، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ):

стр. 1258

يتجدد إنفاقهم في جهات الخير، (وَالْبُدْنَ): جمع بدنة وهي الإبل أو البقر، وانتصابه على شريطة التفسير، (جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ): أعلام دينه، (لَكُمْ فيهَا خَيرٌ): منافع الدارين، (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا): عند نحرها يقول: بسم الله والله أكبر لا إله إلا الله اللهم منك ولك، (صَوَافَّ): قائمات على ثلاثة قوائم معقولة يدها اليسرى أو رجلها اليسرى، (فإِذَا وَجَبَتْ): سقطت، (جُنُوبُهَا): على الأرض أي: ماتت، (فَكُلوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ): السائل من قنع قنوعًا إذا سأل، أو فقيرًا لا يسأل من القناعة، (وَالْمُعْتَرَّ): الذي يتعرض للمسألة ولا يسأل أو السائل، (كذَلكَ): مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا، (سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ): مع عظمها، (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): لكي تشكروا إنعامنا، (لَن يَنالَ اللهَ): لن يصل إليه، (لحُومُهَا ولاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) أي: النية والإخلاص فإنها هي المتقبل منكم، ويجزي عليها نزلت في أن الكفرة إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من اللحوم ونضحوا عليها من دمائها، وعن بعض كانوا ينضحون بلحومها ودمائها، فقال بعض المسلمين: نحن أحق أن ننضح البيت، (كذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ): كررها تذكيرًا لنعمة التسخير وتعليلاً له بقوله (لِتُكَبِّرُوا اللهَ): تعظموه ولا تثبتوا لغيره الكبرياء، (عَلَى مَا هَدَاكُمْ): إلى كيفية التقرب إلى الله بها، ولتضمين تكبروا معنى تشكروا عدَّاه بعلى، (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ): الذين أحسنوا أعمالهم، (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ): يبالغ في مدافعة غائلة المشركين، (عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ): في أمانة الله، (كَفُورٍ): لنعمته، ومن تقرب بذبيحة إلى غير الله فهو خوان كفور. * * *

стр. 1259

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) * * * (أُذِنَ): رخص في القتال، (لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ): يريدون القتال والمسلمون كانوا يتظلمون إلى رسول الله من أذى المشركين ويطلبون القتال قبل الأمر به قيل سماهم مقاتلين باعتبار المآل، ومن قرأ بصيغة المجهول فمعناه: يقاتلهم المشركون، (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا): بسبب أنَّهم مظلومون، هي أول آية نزلت في الجهاد حين هاجروا من

стр. 1260

مكة واستدل بهذه الآية على أن السورة مدنية، (وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) عدة بالنصر وقيل معناه: إنه لقادر على نصرهم من غير قتال لكن صلاحهم في القتال، (الذينَ أُخْرِجُوا)، بدل من للذين، أو صفة، (مِن ديَارِهم): مكة، (بِغَيْرِ حَق)، موجب استحقوا الإخراج به، (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ): سوى التوحيد الذي هو موجب للتمكين والتعظيم فالاستثناء بدل من حق، وهذا من باب. لا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وقيل منقطع، (وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم ببَعْضٍ): بالجهاد وإقامة الحدود، (لهُدِّمَتْ): خربت، (صَوَامع): الرهبانَ، (وَبِيَعٌ): كنائس النصارى، (وَصَلَوَاتٌ): كنائس اليهود سميت بها لأنَّهُم لا يصلون إلا فيها، (وَمَسَاجِدُ): للمسلمين، (يُذْكَرُ فيهَا)، صفة لمساجد خصت بها تفضيلاً، وقيل: صفة للأربع، (اسْمُ اللهِ كَثِيرًا)، يعني: لولاه لهدم في زمن موسى وعيسى ومحمد ﵈ مواضع عباداتهم باستيلاء الكفرة، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ): من ينصر دينه ويعلي كلمته، (إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ): على خلقه، (عَزِيزٌ): لا يغلبه غالب، (الذِينَ)، بدل أو صفة لمن ينصره، (إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ): نصرناهم فيتمكنوا من البلدان، (أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ): موجع الأمور إلى حكمه وفيه تأكيد لما وعد من

стр. 1261

النصرة، قيل معناه: تصير الأمور إليه بلا منازع فيبطل كل ملك سوى ملكه، وقيل: له عاقبة الأمور فيجزيهم، (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ): رسلهم فأنت لست بأوحدي في التكذيب فلا تغتم، (وَكُذِّبَ مُوسى): مع ظهور معجزاته كذبه القبط لا قومه بنو إسرائيل، (فَأَمْلَيْتُ): أمهلت، (لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ): إنكاري عليهم بتبديل منحتهم محنة وعمارتهم خرابًا، (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) أي: أهلكنا كثيرًا من القرى بإهلاك أهلها كأين منصوب بشريطة التفسير أو مرفوع، وأهلكناها خبره، والجملة بدل من فكيف كان نكير ولذلك جاء بالفاء، (وَهِيَ ظَالِمَةٌ): أهلها جملة حالية، (فَهِيَ خَاوِيَةٌ): ساقطة، (عَلَى عُرُوشِهَا) على سقوفها أي: خرت سقوفها ثم سقطت حيطانها فوق السقوف، أو خالية مع سلامة عروشها، والجملة عطف على أهلكناها، (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) أي: وكم من بئر عامرة متروكة الاستقاء منها أهلكنا مُلَّاكَها، (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ): رفيع أو مجصَّص محكم أهلكنا أهلها وأخليناه عن ساكنيه، (أَفَلَمْ يَسيرُوا في الْأَرْضِ)، حثٌّ على السفر والتفكر في نقم ما حل بالأمم الماضية المكذبه، (قَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا): ما يجب أن يعقل كالإيمان بالرسل، (أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا): ما يجب أن يسمع كالتذكير، (فَإِنَّهَا) ضمير القصة، (لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ) أي: ليس الخلل بمشاعرهم، (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) أي: إنما العمى بقلوبهم أو لا يعتد بعمى الأبصار، فكأنه ليس بعمى، ولكن العمى عمى القلوب، وذكر الصدور للتأكيد، ونفي التجوز كأنه قال: ما نفيت العمى عن البصر وأثبت للقلب سهوًا، وفلتةً، بل تعمدت به إياه بعينه تعمدًا، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ): سخريةً

стр. 1262

وتكذيبًا لك، (وَلَن يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ): ينجزُه ولو بعد حين كما نجوا يوم بدر، (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) أي: مقدار ألف سنة عند عباده كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حلمه، لأنه قادر لا يفوته شيء بالتأخير أو كيف يستعجلون بالعذاب، وإن يومًا من أيام الآخرة التي هي أيام عذابهم كألف سنة من أيام الدنيا، أو إن يومًا من الأيام الستة التي خلق الله الخلق فيها كألف سنة فالمدد الطوال عندكم قصار عنده، أو كيف يستعجلون، وإن يومًا من العذاب بشدته كأنه سنة! (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا): أمهلتهم كما أمهلتكم وإعرابه مثل ما مر، (وَهِيَ ظَالِمَةٌ): مثلكم. (ثُمَّ أَخَذْتُهَا): بالعذاب، (وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ): فأجازيهم. * * * (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) * * *

стр. 1263

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ): ليس إليَّ من حسابكم شيء، أمركم إلى الله إن شاء عجل العذاب، وإن شاء أخر وإن شاء تاب عليكم وإن شاء أضل، (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ): عما فرط عنهم، (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): هو الجنة، (وَالَّذِينَ سَعَوْا): بالرد والإبطال، (فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ): مسابقين بزعمهم ظانين أنَّهم يسبقوننا فلا نقدر عليهم، أو سابقين لمن يسعى في تحقيق آياتنا وإثباتها، (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِك مِن رسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) الرسول من يأتيه الملك بالوحي والنبي يطلق أيضًا على من يأتيه بإلهام أو منام قيل هو من له شريعة مجددة، والنبي أعم أو هو من أنزل عليه كتابًا والنبُّى أعم، (إِلَّا إِذَا تَمَنَّى): أحب شيئًا واشتهاه من غير أمر الله، أو معنى (تَمَنَّى) قرأ وتلا، (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ): وجد إليه سبيلاً أو ألقي في قراءته فأدخل

стр. 1264

في مقروئه ما ليس منه قد ذكر أكثر المفسرين -بل كلهم- قصة الغرانيق بروايات كلها مرسلة أو منقطعة إلا رواية واحدة عن ابن عباس فإنها متصلة، وقد أنكر كثير

стр. 1265

صفحة فارغة
следующие страницы →