← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧) * * * (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا)،: قصورًا عالية هي الكواكب السبعة السيارة كالمنازل لسكانها أو البروج الكواكب العظام، (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا): الشمس ومن قرأ سُرُجًا فمراده الكواكب الكبار، (وَقَمَرًا مُنِيرًا): مضيئًا بالليل، (وَهُوَ الذي جَعَل اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) أي: ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا، ويخلف كل واحد منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر والفعلة بالكسر كالجلسة للحالة، وبالفتحة للمرة، (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ): لينظر في اختلافهما فيعلم أن له صانعًا قادرًا حكيمًا، (أَوْ

стр. 1367

أَرَادَ شُكُورًا): أن يشكر الله أو ليكونا وقتين للمتذكرين، والشاكرين من فاته ورده في أحدهما قام به في الآخر، (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُون عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا)، هينين أو مشيًا هينًا بسكينة ووقار من غير جبرية، واستكبار لا مشي المرضى، فإنه مكروه وهو مبتدأ خبره الذين يمشون، أو أولئك يجزون الغرفة، (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)، أي: إذا خاطبوهم بما يكرهونه قَالُوا سَلَامًا من القول يسلمون فيه من الإثم أو تسليمًا منكم لا خير بيننا ولا شر قال تعالى: " وإذا سمعوا اللغو " الآية [القصص: ٥٥]، وعن الحسن البصرى قالوا: السلام، وفي الحديث ما يؤيده، (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، تخصيص البيتوتة، لأن الصلاة

стр. 1368

بالليل أفضل، (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا)، هلاكًا ملحًّا لازمًا، (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)، مُسْتَقَرًّا مفسر لضمير مبهم في ساءت، والمخصوص بالذم المقدر هو سبب الربط بين اسم إن وخبرها، أي: بئست مُسْتَقَرًّا هي، قيل: التعليلان من كلام الله أو حكاية لكلامهم، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا): ليسوا مبذرين، ولا بخلاء، بل يكون إنفاقهم عدلاً وسطًا، وقوامًا إما خبر ثان أو حال مؤكدة، وقد فسر بعض المفسرين الإسراف بالنفقة في معصية الله وإن قلَّت، والإقتار بمنع حق الله، وليت شعري كيف يصح مع قوله، وكان إنفاقهم بين الإسراف، والتقتير قوامًا فتأمل، (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ)، قتلها، (إِلَّا بِالْحَقِّ)،: متعلق بـ لا يقتلون، أو بالقتل المقدر، (وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا)، جزاء إثمه، أو الآثام وادٍ، أو بئر في جهنم، (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، بدل من يَلْقَ أَثَامًا، (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)، وتضعيف العذاب والخلود فيه لانضمام الكبيرة إلى الكفر، (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)، أي: تنقلب بنفس التوبة النصوح فإنه كلما تذكر ما مضى تحسر وندم واستغفر، فيقلب الله ذنبه طاعة، فالعبد يتمني أن تكون سيئاته أكثر من ذلك، والأحاديث الصحاح تدل على هذا المعنى، أو أنه يمحوها ويثبت مكانها الإيمان، وما عمل من الطاعة في إسلامه،

стр. 1369

(وَكَانَ اللهُ غفورًا رحِيمًا)، فلذلك يعفو عن السيئات، ويبدلها، (وَمَن تَابَ)،: عن المعاصي، (وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ)، يرجع إليه بذلك، (مَتَابًا): مرضيًا عنده، أو يرجع إلى ثوابه مرجعًا حسنًا، (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ): لا يحضرون محاضر الباطل، أو لا يقيمون الشهادة الباطلة، (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ): المعاصي كلها لغو، (مَرُّوا كِرَامًا): مكرمين أنفسهم عما يشينهم مسرعين معرضين يعني لم يحضروا مجالسه، وإذا اتفق مرورهم به لم يتدنسوا بشيء، (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ): وعظوا بالقرآن، (لَمْ يَخِرُّوا): لم يسقطوا ولم يقيموا، (عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، يعني لم يقيموا عليها غير واعين ولا غير متبصرين بما فيها، بل سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية، فالنفي متوجه إلى القيد، (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ): يسألون أن تكون أزواجهم وأولادهم مطيعين لله أبرارا تقرُّ بهم عيونهم ويسرون برؤيتهم، ومن بيانية كرأيت منك أسدًا أو ابتدائية، (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا): أئمة يقتدي بنا في الخير، ولنا نفع متعدٍ إلى غيرنا، وُحِّد إمامًا لأن المراد كل واحد، أو [لأنه] مجموع لاتحاد طريقتهم كنفس واحدة، أو لدلالته على الجنس، ولا لبس [وقيل جمع آم كصائم وصيام] (١) أي: اجعلنا قاصدين تابعين للمتقين، (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ): الدرجة

стр. 1370

الرفيعة في الجنة، وهي اسم جنس أريد به الجمع، (بمَا صَبَرُوا): على طاعة الله وبلائه وعن محارمه، (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا): تحييهم الملائكة، وتسلم عليهم، وبعضهم بعضًا لقاهم كذا أي: استقبالهم به، (خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)، مقابل ساءت مُسْتَقَرًّا ومقامًا في المعنى والإعراب، (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ): ما يصنع بكم، (ربي): لا وزن ولا مقدار لكم عنده، (لَوْلا دُعَاؤُكُمْ) إيمانكم وعبادتكم، أو ما يعبأ بخلقكم لولا عبادتكم يعني أن خلقكم لعبادته، أو ما يبالي مغفرتكم لولا دعاءكم معه آلهة أخرى، أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم، وما إن كانت استفهامية نصبت على المصدر، أي: أيُّ: عبأ يعبأ بكم، (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ): بما أخبرتكم به، حيث خالفتموه، (فَسَوْفَ يَكُونُ): التكذيب أي: جزاؤه، (لِزَامًا): لازمًا لا ينفك عنكم. اللهم اجعلنا ممن أحسنت مستقرهم ومقامهم. * * *

стр. 1371

سورة الشعراء مكية إلا قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) إلى آخره وهي مائتان وست أو سبع وعشرون آية وأحد عشر ركوعًا * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) * * * (طسم) عن بعض السلف إنه من أسماء الله، وعن بعض إنه قسم (تلْكَ) إشارة إلى السورة (آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) القرآن (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ) قاتلَ (نَفْسَكَ) أشفق على نفسك أنَ تقتلَها، (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) لئلا يؤمنوا، (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً) ملجئة إلى الإيمان (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) منقادين فلا يقدرون بعدها على الإعراض، ولم يقل خاضعة؛ لأن المقصوَدَ أهل الأعناق، وزيدت الأعناق لبيان موضع الخضوع، أو كما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء أجريت مجراهم، أو المراد من الأعناق الرؤساء، أو الجماعات، وعطف بصيغة الماضي على المضارع الذي هو الجزاء إشعارًا بأن انقيادهم أمر مقطوع به كأنه

стр. 1372

مضى فيخبر عنه (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ) طائفة من القرآن تكون موعظة (مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ) مجرد إنزاله (إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) استمروا على

стр. 1373

إعراضهم، فلم يرفعوا إليه رءوسهم (فَقَدْ كَذَّبوا) بالذكر، وأدى تكذيبهم إلى الاستهزاء (فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) أهو حقيق بالتعظيم حق أم بالاستهزاء باطل (أَوَلَمْ يَرَوْا) لم ينظروا (إِلَى الأَرْضِ) إلى عجائبها (كَمْ أَنبَتنَا

стр. 1374

فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) صنف (كَرِيمٍ) كثير النفع، والكريم صفة لكل ما يرضى في بابه (إِنَّ في ذَلِكَ) الإنبات (لَآيَةً) على أن منبتها قادر حكيم (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) في علم الله، وقضائه، فلهذا لا تنفعهم الآيات (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) فيمهلهم مع أنه لا غالب عليه أحد. * * * (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)

стр. 1375

قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) * * * (وًإِذْ نَادَى) مقدر باذكر (رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ) أي بأن، أو أن مفسرة (الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ) تقديره ائتهم قائلاً قولي لهم " ألا يتقون " نحو: (وإذا سألك عبادى عني فإني قريب) [البقرة: ١٨٦] أو استئناف أتبعه إرساله إليهم تعجيبًا لموسى من أمنهم العواقب، وعدم خوفهم عقاب الله (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي) بعد التكذيب فأعجز عن جوابهم (فَأَرْسِلْ) جبريل (إِلَى هَارُونَ) اجعله نبيًا يقوي قلبي، ويتكلم حيث تعروني حبسة (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) تبعة ذنب وهي قصاص قتل قبطي قتله موسى (فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) به فلم يتم أمر الرسالة (قَالَ كَلَّا) لن يقتلوك (فَاذْهَبَا) عطف على ما دل عليه كلا، أي: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وهارون، وغلب الحاضر (بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) لما يجري بينكم، وبين

стр. 1376

عدوكم، فأظهركم عليه، فلا تخف ذكر " معكم " بلفظ الجمع كـ " مستمعون " للتعظيم مثل نفسه بمن حضر محضرًا ليصغى إلى مقاولتهم فيمد أولياءه، ومعكم إما حال، أو ظرف مقدم، أو خبر أول، (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لوحدة المرسل به وحد الرسول أو لاتحادهما في الأخوة، أو لأنه أراد كل واحد منهما، أو لأنه مصدر وصف به أي: ذوو رسالة (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) خلهم يذهبوا معنا إلى الشام (قَالَ) فرعون بعدما أتيا وأديا

стр. 1377

رسالتهما: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا) في منازلنا (وَلِيدًا) طفلاً (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) ثلاثين سنة (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَتِي فَعَلْتَ) أي: قتل القبطي، وبخه بما جرى على يده، وعظمه حيث أتي به مجملاً كأنه لفظاعته لا ينطق به بعدما عدد عليه نعمه، (وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) الجاحدين لنعمتي (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) الجاهلين لم يأتني من الله شيء (فَفَرَرْتُ منِكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي ربَي حُكْمًا) نبوة أو فهمًا وعلمًا (وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: تلك التربية نعمة، لأنك اتخذتهم عبيدًا، وما اتخذتني عبدًا فهذا اعتراف بنعمته، أو تلك نعمة لأجل أنك عبدتهم، ولولا ذلك لكفلني أهلي، وما كنت إلى تربيتك محتاجًا يعني هذا منة، ونعمة لا حقيقة تحتها، بل نقمة في الحقيقة، أو تلك إشارة إلى ما في الذهن، وقوله أن عبدت إلخ عطف بيانها أي: تعبيدك إياهم منة تمنها عليَّ، وليست إلا غاية نقمة وبلية، أو همزة الإنكار مقدرة أي: أو تلك نعمة، وقوله: أن عبدت إلخ علة للإنكار، أي: هل يبقي إحسان مع تلك الإساءات، وكيف تقابله؟!، (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ) أي: أي شيء هو وهذا إنكار منه أن يكون إله غيره (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) ما بين الجنسين (إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ) من أهل الإيقان والنظر الصحيح (قَالَ) فرعون (لِمَنْ حَوْلَهُ) من أشراف قومه تعجبًا: (أَلاَ تَسْتَمِعُونَ) هذا كأنه سمع ما لم يسمع قط (قَالَ) موسى: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) حين لم يكن فرعون، ولا قومه إشارة إلى أن الإله لابد أن يكون قديمًا فالحادث لا يليق (قَالَ) فرعون: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) حيث يتكلم بما

стр. 1378

لم نعهد أن نسمعه، وينفي ما اتفق عليه الخلق من ألوهيتي (قَالَ) موسى (رَبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا) فإن طلوع الشمس من جانب، والغروب من آخر علي هيئة مستقيمة مع اختلاف المطالع في فصول السنة من أظهر ما استدل به (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) إن كنتم عقلاء عارض [إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ] " به قيل: سؤال فرعون بقوله، وما رب العالمين، عن حقيقة المرسل، وموسى عرفه بأظهر خواصه وآثاره، إشارة إلى أن بيان حقيقته ممتنع، ولهذا قال: إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها ثم استعجب فرعون لأنه سأل عن الحقيقة، وأجيب بالأفعال، ثم عدل إلى ما أقرب إلى الناظر، وأوضح عند التأمل، ثم صرح فرعون بجنونه لأنه يسأل عن شيء، ويجيب عن آخر، ثم استدل بشيء من غرائب آثاره الظاهرة الدالة على كمال قدرته وحكمته، فعدل فرعون إلي التهديد (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ منَ المَسْجُونينَ) اللام للعهد فسجنه هوة بعيدة العمق مظلمة، أي: ممن عرفت حالهم في السجن (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) الواو للحال، أي أتفعل بي ذلك، ولو جئتك بشيء يبين لك صدقي؟ (قَالَ فَأتِ بِهِ إِن كنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في دعواك أو في أن لك بينة (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مبِينٌ) ظاهر ثعبانيته (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) تتلألأ كالشمس لها شعاع يكاد يغشى الأبصار ويسد الأفق. * * * (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ

стр. 1379

مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) * * * (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ) ظرف في محال الحال: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) في سحره (يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مَنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ) بأن يذهب بقلوب الناس، فيكثر أعوانه، فيغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) من المؤامرة وهى المشاورة، أي: أشيروا عليَّ فيه ما أصنع أو من الأمر أي: أي أمر تأمرون؟ وعلى الوجهين كلامه من فرط الدهش (قَالُوا أَرْجِهْ) أخِّره (وَأَخَاهُ) أو احبسهما (وَابْعَثْ) شرطًا (فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ) يجمعون السحرة (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) لعلهم يغلبونه (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) الميقات وقت الضحى، واليوم يوم عيدهم (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) حثهم على الانطلاق كما تقول لعبدك هل أنت منطلق إلى فلان؟ (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ) ولا نتبع موسى (إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) يعني: إن غلبتم

стр. 1380

لكم الأجر، والقربة " فإذًا " جواب وجزاء (قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) هذا إذن منه في تقديم ما هم فاعلوه ألبتَّة (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ) جمع عصا (وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) أقسموا بعزته لفرط اعتقادهم الغلبة (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ) تبتلع (مَا يَأفِكُونَ) ما يزورونه أو ما مصدرية، وتسمية المأفوك إفكًا للمبالغة (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) لعلمهم أن هذا وراء السحر يعني لما رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض كأنهم أخذوا فطرحوا طرحًا على وجوههم (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) [فواعدكم] ذلك وتواطأتم عليه، أو فعلمكم شيئًا دون شيء يريد [التلبيس] على قومه من خوف اعتقادهم حقيته، (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وبال ما فعلتم (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) مختلفات اليد اليمني والرجل اليسرى (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا لَا ضَيْرَ) لا ضرر لنا في ذلك (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) نرجع إليه، وهو لا يضيع أجر الصابرين (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا) لأن كنا

стр. 1381

(أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) لموسى من القبط، أو بالله من أهل زماننا، وقد مر في سورة الأعراف وطه بسطها فارجع إليهما. * * * (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) * * * (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي) من مصر، وذلك بعد مدة متطاولة هو بين أظهر القبط يدعوهم إلى الله، وهم لا يزيدون سوى الكفر، والإصرار (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) يتبعكم فرعون وجنوده، وهذا علة الأمر بالإسراء لأنه سبب هلاك الأعداء (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ) حين علم خروجهم، (فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) يحشرون العساكر ليتبعوهم فيأخذوهم (إِنَّ هَؤُلَاءِ) أي: قال لهم إن بني إسرائيل (لَشِرْذِمَةٌ) طائفة قليلة (قَلِيلُونَ) صفة، أو خبر بعد خبر، قيل: إنهم ستمائة وسبعون ألفًا،

стр. 1382

ومقدمة جيش فرعون سبعمائة ألف (وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) لفاعلون ما يغيظنا (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) لَجَمْعٌ من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، وهذه معاذيره لئلا يظن به الخوف (فَأَخْرَجْنَاهُمْ) من كلام الله لا حكاية كلامهم، أي: بهذه الداعية (مِنْ جَنَّاتٍ) بساتين بنوا على شاطئ النيل (وَعُيُونٍ) أنهار جارية (وَكُنُوزٍ) أموال جمعوها ولم يعطوا حق الله (وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) منازل حسنة (كَذَلِكَ) الأمر وأخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا (وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) أعطيناهم ديارهم، وأموالهم (فَأَتْبَعُوهُمْ) فلحقوهم (مُشْرِقِينَ) داخلين في وقت الشروق، أي: طلوع الشمس (فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ) رأى كل منهما الآخر (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) ملحقون (قَالَ) موسى ثقة بوعد الله (كَلَّا) لن يدركوكم (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي)

стр. 1383

بالنصرة (سَيَهْدِينِ) طريق النجاة (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب) أن مفسرة (بِّعَصَاكَ البَحْرَ) القلزم (فَانفَلَقَ) أي: ضرب فانشق، أوحى إلى البحر إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له، فبات البحر تلك الليلة يضطرب يضرب بعضه بعضًا فرقًا من الله، وانتظارًا لما أمره الله (فَكانَ كل فِرْقٍ) كل قطعة من البحر (كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) كالجبل الضخم (وَأَزْلَفْنَا) قربنا (ثَمَّ الْآخَرِينَ) فرعون وقومه حتى

стр. 1384

دخلوا مداخلهم من أثرهم (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) عبرة وعظة (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) ما آمن منهم إلا رجل وامرأتان (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) الغالب (الرَّحِيمُ) بأوليائه. * * * (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا

стр. 1385

يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) * * * (وَاتْلُ) يا محمد (عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيه وَقَوْمِهِ مَا تَعبدُونَ) سألهم ليريهم أن معبودهم لا يستحق العبادَة (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ) ندوم (لَهَا عَاكِفِينَ) عابدين، أطنبوا في الجواب كمن يفتخر بصنيعه (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ) يسمعون دعاءكم (إِذْ تَدْعُونَ) ومجيئه مضارعًا مع إذ على حكاية الحال الماضية استحضارًا لها، (أَوْ يَنفَعُونَكُمْ) إذ تعبدونها (أَوْ يَضُرُّونَ) إذ تعرضون عنها (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) فقلدناهم أسندوا فعلهم إلى التقليد

стр. 1386

المحض (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ) فإن التقدم، والأولية لا يكون برهانًا على الصحة (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) أراد أن يقول عدو لكم لكن بنى الكلام على التعريض، لأنه أدخل في القبول كقولك لمن يسيء الأدب: ليت والدي أدبني، يعني هل عرفتم أنكم عبدتم أعداءكم، قال تعالى: " كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا " [مريم: ٨٢] قيل معناه: عدو لي لو عبدتهم، فلهذا لا أعبدهم، وقيل من باب القلب، أي: إني عدو لهم، ووحد العدو لأنه في الأصل مصدر (إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) منقطع، أو متصل لأنَّهُم يعبدون الأصنام مع الله (الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) إلى طريق مصالح معاشي ومعادي، وعطف الجملة الاسمية بالفاء للدلالة على استمرار الهداية المتأخرة (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) تكرار الموصول للدلالة على استقلال كل باقتضاء الحكم (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) عطف على الصلة من غير إعادة الموصول، لأن الصحة والمرض في الأكثر يتبعان المأكول، والمشروب، وراعى الأدب كما حكى الله تعالى عن الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) [الجن: ١٥] وأيضًا غرضه تعداد النعم، والمرض من النقم بحسب الظاهر، وأما الإماتة مع أنها وسيلة للسعداء إلى نيل الفوز، وللأشقياء إلى تقليل أسباب عذابهم، وتطهير الدنيا من دنسهم، فبموت الظالم تفرح الطير في أوكارها، فأمر لا ضرر فيه، لأنها غير محسوس إنما الضرر في مقدماتها أعني المرض (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)

стр. 1387

يعني إن صدر عني صغيرة (رَبِّ هَبْ لِي حكْمًا) علمًا وفهمًا أو نبوة (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) الكاملين في الصلاح الذين ما أذنبوا (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) ذكرًا جميلاً، وثناء حسنًا بعدي إلى القيامة أُذكَر به، ويقتدى بي في الخير، وقيل صادقًا من ذريتي يدعو الناس إلى الله (وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) أي: ممن لهم الجنة كأخص أموالهم (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) وهذا قبل أن يتبين أنه عدو لله كما مر في سورة التوبة (وَلاَ تحزِني) لا تفضحني ولا تذلني (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) يبعث الخلائق، أو هؤلاء المشركون، وجميع الأنبياء ﵈ مشفقون من سوء العاقبة، فإنه لا معقب لحكمه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، أو لا تخزني بإهانة والدي، وقد ورد أن إبراهيم يلقى أباه في القيامة، فيقول: وعدك أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله: إني حرَّمت الجنة على الكافرين (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) لكن من أتى بقلب عن الشرك، أو صحيح لا مريض كالمنافق يسلم وينتفع، أو حال من أتى بهذا القلب ينفعه، أو لا ينفع شيء إلا حال من أتى الله به، أو لا ينفعان أحد إلا سليم القلب، لأنه صرف المال في الخير، وأرشد الأولاد أو جعل سلامة قلبه من جنسهما كما تقول: هل لك مال وأولاد؟ فيقول: مالي، وأولادي غنى قلبي

стр. 1388

(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) قربت لهم عطف على لا ينفع (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ) أظهرت (لِلْغَاوِينَ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ) كما زعمتم أنَّهم شفعاء (أَوْ يَنْتَصِرُونَ) بدفع العذاب عن أنفسهم، فإنهم وما يعبدون من دون الله حصب جهنم (فَكُبْكِبُوا) ألقوا، والكبكبة: تكرير الكب جعل تكرير لفظه لتكرير معناه، كأنه ينكب فيها مرة بعد أخرى (فِيهَا) في جهنم (هُمْ) المعبودون (وَالْغَاوُونَ) العابدون أو التابعون والمتبعون (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ) مبعوه (أَجْمَعُونَ) تأكيد للجنود (قَالُوا) السفلة للكبراء (وَهُمْ فِيهَا يَختصِمُون) جملة حالية معترضة بين القول ومقوله (تَاللهِ إِنْ كُنَّا) أي. إنه كنا (لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) حيثُ كنا لكم تبعًا، أو ضمير قالوا للأصنام، وعابديها وتسويتهم أنَّهم عبدوها، واتخذوها آلهة (وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا

стр. 1389

الْمُجْرِمُونَ) على الوجه الأول من باب الالتفات، وعلى الثاني المراد من المجرمون آباؤهم وسادتهم (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ) كما للمؤمنن (وَلاَ) من (صَدِيقٍ حَمِيمٍ) من الاحتمام، أي: الاهتمام، أو من الحامة، أي: الخاصة، ولتعدد أنواع [الشفعاء] من الملك والنبي والولي جمع الشفيع بخلاف الصديق، ولأن الصديق الحقيقي قليل ولذلك قيل هو اسم لا معنى له (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً) رجعة إلى الدنيا (فَنَكُونَ) نصب بجواب (لو) التي للتمني (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ) المذكور من قصة إبراهيم (لَآيَةً) حجة وعظة، فكم فيها من الإرشاد والتنبيه والاستدلال على ترتيب أنيق نصحهم ووعدهم وأوعدهم بأحسن طريق (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) القادر (الرَّحِيمُ) بالإمهال. * * * (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)

стр. 1390

إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) * * * (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ) القوم بدليل تصغيرها على قويمة مؤنثة (الْمُرْسَلِينَ) فإن من كذب رسولاً فقد كذب الرسل (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ) لأنه منهم (أَلَا تَتَّقُونَ) الله (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) عرفتموني قبل الرسالة بالأمانة (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ) على ما أدعوكم إليه (مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) كرره تأكيدًا، وتنبيهًا على أن كلاًّ من الأمانة، وحسم الطمع موجب لقبول النصح، فكيف إذا اجتمعا (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ) الهمزة دلإنكار (وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) الواو للحال، وأتباعه الحاكة والسوقة حينئذ (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ما أعلم صنائعهم، وليس لي من دناءتهم شيء إنما كلفت بالدعوة المطلقة (إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي) أي: لا أطلب إلا التصديق فيما جئت به، والله مطلع على السرائر (لَوْ تَشْعُرُونَ) لعلمتم ذلك، قيل مرادهم أنَّهم سفلة اتبعوك لعزة ولقمة لا لاعتقاد ويقين كما قال تعالى حكاية: (الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) [هود: ٢٧] فأجاب بأني لا أعلم أعمالهم،

стр. 1391

وأنَّهم مخلصون فيها أو لا وأنا لا أطلب سوى التصديق، وحسابهم على الله (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) فقيرًا كان أو غنيًّا شريفًا أو دنيًّا، (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) فليس لي طرد أحد واجتباء آخر (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ) عما تقول (لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ) المقتولين بالحجارة، أو المشتومين (قَالَ رَبِّ إِن قَوْمِي كَذبُونِ) وما دعا وما شكا عليهم، وعنهم إلا بعد أيام متطاولة يدعوهم، وهم في كفرهم يعمهون (فَافْتَحْ) فاحكم (بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الُمؤْمِنِينَ) من بلاء تنزل عليهم، أو من كيدهم وشؤمهم (فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفُلْكِ المَشْحُون) المملوء من أنواع الأشياء (ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ) أي: بعد إنجاء المؤمنين (الْبَاقِينَ) من قومه (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) دالة على أن المكذبين في معرض العقوبة ولو بعد حين (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). * * * (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ

стр. 1392

عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) * * * (كَذبَتْ عَادٌ) التأنيث باعتبار القبيلة، وهو في الأصل اسم أبيهم (الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ) هو وأيضًا منهم (أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) تصدير القصص بمضمون عبارة واحدة ليعلم أن كلمتهم متفقة، وإن اختلف في بعض الفروع (أَتَبنونَ بِكُلِّ رِيعٍ) مكان مرتفع (آيَةً) عمارة مشيدة عالية كآية في الشهرة (تَعْبَثُونَ) في بنائها لا تحتاجون إليها، بل للشهرة قيل: بنوا على الطرق عمارات كالقصور يجلسون فيها يسخرون بمن يمر، أو المراد منها بروج الحمام، فإنهم متولعون بها (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ) قصورًا أو حصونًا، أو مآخذ الماء (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) ترجون الخلود (وَإِذَا بَطَشْتُمْ) سطوتم (بَطَشْتُمْ

стр. 1393

جَبَّارِينَ) متسلطين ظالمين بلا رحمة (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) فإن أعمالكم تورث الخزي والندامة (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ) أعطاكم (بِمَا تَعْلَمُونَ) من الخير نبههم على نعم الله مجملاً، ثم فصلها بقوله (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) ثم أوعدهم فقال (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إن بقيتم على الكفر والكفران (قَالوا سَوَاءٌ) مستو (عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) أي: مستو علينا وعظك وعدمه، فإنا على ما نحن فيه لا نرعوي عنه (إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ) ما هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الأوائل، ونحن سالكون وراءهم نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا نشور، أو ما هذا الذي جئتنا به إلا عادتهم يكذبون ويزخرفون، ومن قرأ " خَلْقُ " بفتح الخاء وسكوت اللام، فالمراد اختلاقهم واختراعهم (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) فلا نخاف مما تخاف علينا وتخوفنا به (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ) يعني بريح صرصر (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). * * * (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ

стр. 1394

الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) * * * (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) إنكار لأن يتركوا مخلدين في نعيمهم، أو تذكير بالنعمة في تخلية الله إياهم، وما يتنعمون فيه آمنين، فالهمزة للإنكار، أو للتقرير، و " ما " موصولة، أي: في الذي استقر في هذا المكان من النعم، ثم فسر المجمل بقوله: (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ) لطيف ضامر طلع إناث النخل بالنسبة إلى فحولها لطيف، وطلع البرني ألطف من غيره، أو مكسور مظلوم من كثرة الثمر، وإفراد النخل لفضله على الأشجار (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ) حاذقين متقنين لنحتها، قيل من رأى منازلهم يرأى عجبًا، أو أشرين بطرين (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ)

стр. 1395

رؤسائهم، وقادتهم (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) بالكفر، وأنواع المعاصي (وَلَا يُصْلِحُونَ) قطعًا (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) الذين سحروا كثيرًا حتى غلبوا على عقولهم، أو من الذين لهم سحر، أي: [رئة] يعني أنت لست بملك، فكيف تكون نبيًّا؟! (مَا أَنتَ إِلا بَشَرٌ مثْلُنا) هذا على الوجه الثاني تأكيد (فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في دعواك (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ) دعا الله تعالى فأخرجها من الصخرة في محضرهم باقتراحهم (لها شِرْبٌ) نصيب من الماء (وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ معْلُومٍ) هو يوم لا تشرب فيه الماء (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) عظم اليوم لعظم ما يحل فيه (فعَقَرُوهَا) أسند العقر إليهم لأن كلهم راضون به (فَأَصْبَحُوا نَادِمينَ) عند معاينة العذاب (فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ) زلزال مع صيحة اقتلعت قلوبهم بهما (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). * * * (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ

стр. 1396

إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) * * * (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤)) أي: أتأتون من بين العالمين الذكران يعني إنكم مختصون بتلك الفاحشة لا يشارككم شيء، أو أتأتون الذكران من بين أولاد آدم مع غلبة الإناث الموضوع له (وَتَذَرونَ ما خَلَقَ لَكمْ ربكُم مِّن أَروَاجِكُم) (من) بيان (لما) (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) مفرطون في المعصية، حيث تختصون بفاحشة لا تشارككم بهيمة (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ) عما تنازعنا فيه (يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) من أرضنا (قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ) من المبغضين غاية البغض (رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ) من وباله (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) أهل بيته ومن تبعه (أَجْمَعِينَ) بأن أخرجناهم من بينهم حين حلول العذاب (إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ) أي: موصوفة بكونها في الباقين في العذاب هي امرأة

стр. 1397

لوط خرجت معهم، وهم مأمورون بأن لا يلتفتوا إلى القرية إذا سمعوا صيحة العذاب وهى التفتت لأنها كانت تحبهم راضية بعملهم، فأهلكها الله بحجارة من السماء، أو هي ما خرجت معهم (ثُمَّ دَمَّرْنَا) أهلكنا (الْآخَرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا) قلب الله ديارهم، وحين التقليب أمطر عليهم الحجارة، أو إمطار الحجارة على مسافريهم (فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) مطرهم، ولام المنذرين للجنس، لأنه يجب أن يكون فاعل المدح والذم جنسًا، أو مضافًا إليه ليكون فيه إبهام، ويكون المخصوص بالمدح أو الذم تفسيره (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). * * * (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) * * * (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ) شجرة كانوا يعبدونها (الُمرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهم شُعَيْبٌ) لم يقل هنا أخوهم مع أنه أخوهم نسبًا، لأنه نسبهم إلى عبادة شجرة فقطع نسبة الأخوة بينهم، والأصح أنهم أهل مدين، ولهذا وعظهم، وأمرهم بوفاء الكيل كما في

стр. 1398

قصة مدين سواء، وعن بعض: هم غيرهم، وشعيب من أهل مدين لا منهم، فلهذا لم يقل أخوهم (أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) بالميزان السوي قيل القسطاس القبان (وَلاَ تَبْخسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) لا تنقصوا شيئًا من حقوقهم (وَلاَ تَعْثَوْا) لا تغلوا في الفساد (في الأَرْضِ) حال كونكم (مُفسِدِينَ) بالقتل، وقطع الطريق (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ) ذوى الجبلة (الْأَوَّلِينَ) يعني: وخلق الخلائق الأولين (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) أتوا بالواو هؤلاء دون قوم ثمود دلالة على أنه جامع بين وصفين متنافيين للرسالة مبالغة في تكذيبه، وكذا أكدوا في نفيها عنه بقولهم: (وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبِينَ) والظن بمعنى العلم بدليل " إنْ " واللام، ولذا أيضًا ما طلبوا البرهان عنه، بل قطعوا بما يدل على اليأس، حيث قالوا: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا) قطعة، أو عذابًا (مِّنَ السَّمَاءِ إِن كنتَ مِنَ الصَّادقِينَ) في الدعوى (قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) فيجازيكم بما أنتم تستحقون (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) سلط عليهم حر شديد، فأظلتهم سحابة، واستظلوا جميعًا بظلها، فخرجت نار من السحابة، وأحرقتهم، وعن بعض: كشف عنهم الظلة، وحمى عليهم الشمس فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى

стр. 1399

(إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) هذا هو العلة في نزول العذاب على الأمم، ولو آمن أكثرهم كما آمن قريش لأمهلهم (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ) الغالب المنتقم من الأعداء (الرَّحِيمُ) على أوليائه، وهذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار بعدما فصلها مكررة تسلية لرسوله ﷺ ، وتهديدًا لمن خالفه. * * * (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا

стр. 1400

كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) * * * (وَإِنَّهُ) القرآن (لَتَنْزِيلُ) منزل (رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ) الباء للتعدية (الرُّوحُ الأَمِينُ) جبريل (عَلَى قَلْبِكَ) لأنه بلسانك ولغتك، فتفهمه أولاً من غير أن تلاحظ الألفاظ كيف جرت، ولو لم يكن بلغتك لكان نازلاً على سمعك تسمع الألفاظ، أولاً ثم تخرج المعاني منها وإن كنت ماهرًا بتلك اللغة أيضًا (لِتَكُونَ مِنَ الُمنذِرِينَ) عن كل ما لا يرضى به الله (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) واضح المعنى متعلق

стр. 1401

بـ نزل، وقيل بالمنذرين أي: لتكون ممن أنذروا بلغة العرب، وهم خمسة هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب، ومحمد عليهم أفضل الصلوات وأتمها ومن التحيات أزكاها (وَإِنَّهُ) أي: ذكر القرآن (لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) كتبهم (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً) على صحته (أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: أليس علم علمائهم بأنه من الله دليلاً دالاً على صحته، والمراد العدول منهم كعبد الله بن سلام وسلمان، وقرئ تكن بالتاء مع رفع آية فآية اسم كان، ولهم خبره " وأن يعلمه " إلخ بدل من الاسم، أو اسم كان ضمير القصة " وأن يعلمه " إلخ مبتدأ أو آية خبره، والجملة خبر كان (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ) القرآن الفصيح الذي عجز دونه أفصح فصحاء العرب (عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ) الذين لا يدرون من العربية (فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ) لفرط عنادهم، قال تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) الآية [يونس: ٩٦]، قيل: معناه، ولو نزلنا القرآن بلغة العجم على بعض الأعجمين فقرأه على أهل مكة ما كانوا به يؤمنون قال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) [فصلت: ٤٤] (كَذَلِكَ سَلَكنَاهُ) أدخلنا الكفر والتكذيب (فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) فلا ينفعهم حينئذ (فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) بإتيان العذاب (فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ) يتمنون النظرة (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) وهم يطلبون النظرة عند

стр. 1402

نزول العذاب كما قالوا: " فأتنا بما تعدنا " [الأعراف: ٧٠] نقل أنه لما نزل لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، قالوا: متى هذا العذاب؟ فنزل " أفبعذابنا يستعجلون "؟! (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) أينفعهم تمتعهم في أيام متطاولة، ولم يدفع شيئًا من العذاب عنهم (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ) رسل ينذرونهم (ذِكْرَى) مصدر لـ منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان، أو مفعول له أي: منذرون لأجل الموعظة، أو أهلكناهم بعد إلزام الحجة تذكره وعبرة لغيرهم (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) فنهلك قبل الإنذار (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) نزل به الروح الأمين لا الشياطين (وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ) ما يصح للشياطين أن ينزلوا به فإنهم ينزلون للفساد، وما في القرآن إلا الرشاد (وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) إنزاله وإن أرادوا (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْع) عن استراق السمع من السماء بحيث يكون المسموع كلامًا مفيدًا تامًّا (لَمَعْزُولُونَ) محجوبون كما قالوا: (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع) الآية [الجن: ٩] (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا

стр. 1403

آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) عن ابن عباس يحذر به غيره يقول: يا محمد أنت أكرم خلقي، ولو اتخذت إلهًا غيري لعذبتك (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) فإن الاعتناء بشأنهم [أهم] (١) (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ) لين جانبك، وتواضع (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) لا من المنافقين، فإنهم أيضًا يتبعونك بحسب الظاهر (فَإِنْ عَصَوْكَ) لم يتبعوك (فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) الذي يقدر على قهر الأعداء، ونصر الأولياء يكفيك شر من يعصيك (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ)

стр. 1404

إلى الصلاة وحدك (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) عطف على كافٍ يراك، أي: تصرفك بأركان الصلاة فيما بين المصلين يعني: يراك إذا صليت منفردًا، وإذا صليت في جماعة أو تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين، أو تقلبك في أصلاب آبائك الأنبياء من نبي إلى نبي، حتى أخرك يعني: توكل على من يراك في أحوال اجتهادك في مرضاته (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) بعدما قال: " وما تنزلت به الشياطين "، قال: هل أخبركم بأن الشياطين على من تتنزل (تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ) كذاب (أَثِيمٍ) كثير الإثم هم الكهنة والمنجمون (يُلْقُون السَّمْعَ) أي: يسترق الشياطين السمع من السماء فيختطفون كلمة من الملائكة ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس مع مائة كذبة، وفي الحديث " ربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقى قبل أن يدركه "، وهذا يدل على أن الاستراق حينئذ أيضًا واقع، أو معناه يلقى الأفاكون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنون وأمارات أكثرها أكاذيب (وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) قل من يصدق منهم (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) أي: الضالون يعني: شعراء الكفار الذين يهجون النبي ﵇، ويقولون: نحن نقول مثل ما يقول محمد يجتمع إليهم غواة يستمعون ويروون عنهم (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ) من أودية الكلام (يَهِيمُونَ) يذهبون كالمجنون، فإن أكثر الأشعار وأحسنها خيالات لا حقيقة لها (وَأَنَّهُمْ

стр. 1405

يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) فعلم أن القرآن ليس بشعر، وأنت لست بشاعر، فإن أتباعك هداة مهديون، والقرآن كله حق صدق وأنت بالصدق موصوف، وبالوفاء معروف (إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات) استثناء للشعراء المؤمنين المادحين لرسول الله ﷺ الهاجين لأعداء الله (وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا) في شعرهم، وغير شعرهم (وَانتصَرُوا) من الكفار بهجوهم (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) أي: مكافأة هجاتهم هجوا للمسلمين لما نزلت " والشعراء يتبعهم الغاوون " جاء حسان، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك إليه ﵇، وهم يبكون، فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فأنزل الله " إلا الذين آمنوا " الآية (وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُوا) بأن ذموا قومًا، ومدحوا قومًا بباطل، وتكلموا بالأكاذيب (أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) أي: مرجع يرجعون بعد الموت، فيه تهديد شديد وسياق الآية، وإن كان في الكفار وشعرائهم لكن عام لكل ظالم، ولهذا كتب الصديق رضى الله عنه عند الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به، ورجائي فيه، وإن [يجر] ويبدل فلا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. * * *
следующие страницы →