← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

سورة القصص مكية قيل إلا قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ (٥٢) .. إلى قوله: " الْجَاهِلِينَ (٥٥) " وهي ثمان وثمانونَ آية وتسع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ

стр. 1437

أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) * * * (طسم تِلْكَ) إشارة إلى السورة (آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) القرآن أو اللوح المحفوظ (نَتْلُو): نقرأ بلسان جبريل أو نزل (عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ) مفعول نتلوا ومن للتبعيض (مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ) محقين (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) لأنَّهُم المنتفعون به (إِنَّ فِرْعَوْنَ) استئناف يبين بعض النبأ (عَلا في الأَرْضِ) استكبر في أرض مصر (وَجَعَلَ أَهْلَها شيَعًا) أصنافًا يصرف كل صنف فيما يريد (يَسْتَضْعِف) حال من فاعل جعل (طَائِفَةً مِّنْهُمْ) يعني: بني إسرائيل (يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ) بدل من يستضعف (وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) يخليهن أحياء للخدمة (إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ) حكاية حال ماضية (أَنْ نَمُنَّ) نتفضل (عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) بإنقاذهم من بأسه، والجملة عطف على " إنَّ فرعونَ " أو حال من مفعول يستضعف " وأن نمن " مستقبل وإرادة الله إذا تعلقت بشيء في زمان مترقب وجب أن لا يتوقف عن ذلك الزمان (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) قادة في الخير أو ملوكًا (وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ): لما كان في تحت يد فرعون وقومه، (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ): نسلطهم في أرض مصر والشام (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا) من بني إسرائيل متعلق بـ نُرِيَ (مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) من ذهاب ملكهم في يد مولود من بني إسرائيل فإن القبط قد سمعوا ذلك من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل ﵇ (وَأَوْحَيْنَا)

стр. 1438

ألهمنا (إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ) ما دمت غير خائفة عليه (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ) من أن يحس فرعون به (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) بحر النيل (وَلَا تَخَافِي) عليه فعلينا حفظه (وَلَا تَحْزَنِي) في هجره (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) فإن أمه جعلته فِي تابوت، وسيرته فِي النيل فوقع التابوت في نهر كان يجري منه إلى بيت فرعون فأخذه أهل داره (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) اللام لام العاقبة (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) مذنبين فعاقبهم الله بأن ربَّى عدوهم على أيديهم، أو خاطئين في الأفكار فأخطئوا في تربية عدوهم (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ) لفرعون حين فتحت التابوت ورأت فيه غلامًا بهيًّا (قُرَّتُ) أي: هو قرة (عَيْنٍ لِي وَلَكَ) فأجابها أما لك فنعم، وأما لي فلا فكان كذلك (لَا تَقْتُلُوهُ) فإنه جاء من أرض أخرى، وهو أكبر من ابن سنة (عَسَى

стр. 1439

أَن يَنفَعَنَا) فإن آثار اليمن تظهر منه (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) نتبناه فليس لها ولد منه (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) من كلام الله أي: التقطوا، وقيل: كذا وكذا أو الحال أنَّهم لا يشعرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه وقيل: من كلام امرأة فرعون والضمير للناس، أي: نتخذه ولدًا والناس لا يشعرون أنه ولد غيرنا (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) خاليًا من كل شيء كالمجنون في غم ولدها (إِنْ كَادَتْ) إنَّهَا كادت (لَتُبْدِي بِهِ) أي: من شدة الحزن كادت تظهر أن لها ولدًا ذهب به الماء (لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) بالصبر جوابه ما يدل عليه ما قبله (لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) من المصدقين بوعد الله حين ألهمها بأنا رادوه إليك وهو علة الربط قيل: معناه أصبح فؤادها خاليًا من الغم لسماعها أن فرعون تبناه وكادت من الفرح تظهر حاله (وَقَالَتْ لأختِهِ) أخت موسى مريم (قُصِّيهِ) اتبعي أثره وتتبعي خبره (فبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنبٍ) عن بعد (وَهُمْ لَا يَشْعرُونَ) أنها أخته (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ) تحريمًا قدريًا، يعني منعناه من أن يرتضع من المرضعات (مِنْ قَبْلُ) من قبل تتبعها

стр. 1440

(فقَالَتْ) أخته: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ) يضمنونه ويرضعونه، لكم: لأجلكم (لَكُمْ وَهُمْ له نَاصِحُونَ) لا يقصرون في خدمته قيل لما قالت ذلك القول أخذوها، وقالوا: عرفت هذا الولد فدلينا، فقالت: لا أعرفه وإنما أردت أنهم للملك ناصحون لا للولد حتى استدللتم على أني أعرفه فخلوها فأتت بأمها فالتقم ثديها فقالوا: من أنت منه، فقالت: إني امرأة طيبة النشر لا أوتى بصبي إلا قبلني فأعطوه إياها مع أجر وعطاء جزيل فذهبت به إلى بيتها شاكرة (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) برؤيته (وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ) علم مشاهدة (أَنَّ وَعْدَ اللهِ) فِي رده إليها وجعله من المرسلين (حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) غرضنا في رده إليها، أو لا يعلمون أن وعدنا رده إليها أو أن وعده حق. * * * (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ

стр. 1441

فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) * * * (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) منتهى قوته وهو ما فوق الثلاثين (وَاسْتَوَى) اعتدل عقله (آتَيْنَاهُ حُكْمًا) نبوة (وَعِلْمًا) بالدين أو حكمة وفهما قبل النبوة (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) مثل ذلك الجزاء نجزيهم (وَدَخَلَ المَدِينَة) مدينة بأرض مصر وهذه الجملة ذكر سبب وصوله إلى النبوة وقصته على الوجه الأول الذي فسرنا الحكم بالنبوة، فإنما كانت قبل بعثته (عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ منْ أَهْلِهَا) كان وقت القيلولة وقيل بين العشائين (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ) من بني إسرائيل (وَهَذا مِنْ عَدُوِّهِ) من القبط والإشارة على الحكاية (فَاسْتَغَاثَهُ) طلب أن يغيثه

стр. 1442

بالعون (الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدوِّهِ) لما كان فيه معنى طلب العون عدي بعلى (فوَكزَهُ) هو الضرب بجمع الكف أو الدفع بأطراف الأصابع (موسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) فقتله (قَالَ هَذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) لأنه لم يؤمر بقتل الكفار (إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) بقتله (فَاغْفِرْ لِي) ذنبي (فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ) بحق إنعامك (عَلَيَّ) اعصمني (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا) معينًا (للْمُجْرِمِينَ) لمن أدت مظاهرته إلى جرم أو معناه أقسم بإنعامك علي وجوابه محذوف، أي: لأتوبن، وعن ابن عباس لم يستثن، فابتلي به مرة أخرى، أي: لم يقل فلن أكون إن شاء الله (فأَصْبَحَ) موسى (فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) ينتظر سوءً (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ) ذاك الإسرائيلي (يَسْتَصْرِخُهُ) يستغيثه (قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) فإنك تسببت لقتل، ثم تدعوني إلى آخر (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ) موسى (أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا) بالقبطي (قَالَ) الإسرائيلي: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) لما سمي الإسرائيلي غَوِيًّا ظن أن البطش عليه (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) بين الناس فلما سمع القبطي هذا الكلام منه راح إلى باب فرعون، وأخبره فأمر بقتل موسى وأخذ جنوده الطرق لأخذه (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ) من آخرها (يَسْعَى) يسرع صفة لرجل (قَالَ يَا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ) فرعون وأشراف (يَأْتَمِرُونَ) يتشاورون (بِكَ) بسببك

стр. 1443

(لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ) من البلد (إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) لك بيان لا صله مقدم (فَخَرَجَ مِنْهَا) من المدينة (خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) لحوق شر (قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) من شرهم. * * * (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) * * *

стр. 1444

(وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ) قبالة (مَدْيَنَ) قرية شعيب، ولم تكن تحت سلطان فرعون (قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) قصد الطريق، وكان لا يعرف الطريق إلى مدين فتوكل وتوجه (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ) وصل إلى بئر لهم (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً) جماعة (مِّنَ النَّاسِ يَسْقُون) مواشيهم (وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ) في مكان أسفل من مكانهم (امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ) تمنعان غنمهما عن الماء انتظارًا لخلو شفير البئر (قَالَ) موسى: (مَا خَطْبُكُمَا) ما شأنكما تذودان؟ (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ) يصرف (الرِّعَاءُ) مواشيهم (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) لا يستطيع الخروج للسقي، ونحن ضعفاء لا نقدر على مزاحمة الرجال (فَسَقَى) مواشيهما (لَهُمَا) رحمة عليهما عن عمر: " لما فرغ الناس جعلوا صخرة لا يستطيع رفعها إلا عشرة على رأس البئر فرفع موسى الحجر وحده ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا ودعا بالبركة وروي غنمهما (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) ظل شجرة (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ) طعام (فَقِيرٌ) محتاج سأل ربه أن يرزقه شيئًا ليأكل فإنه من الجوع في غاية " وما " موصوفة وتنكير خير للشيوع أي: قليل أو كثير، وتعدية فقير باللام لأنه ضمن معنى طالب وسائل (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) مستحيية متسترة بكم درعها (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ) فإنهما لما رجعتا سأل أبوهما عن سرعتهما اليوم في السقي فقصتا،

стр. 1445

فبعث إحداهما لتدعوه (لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) جزاء سقيك (فَلَمَّا جَاءَهُ) موسى (وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ) أخبره بأمره الذي أخرجه من أرضه (قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فرعون وقومه (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) لرعي الغنم (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) وهو كذلك علمت قوته من قلع الحجر، وأمانته من أنه أمرها بأن تكون خلفه في الطريق كيلا يراها، واختلف في أنهما ابنتا شعيب أو ابن أخيه أو رجل مؤمن من قومه (قَالَ

стр. 1446

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي) من أجرته إذا كنت له أجيرًا، فقوله: (ثَمَانِيَ حِجَجٍ) ظرفه، أو من أجرته كذا إذا اثبته إياه، فثماني حجج ثاني مفعوليه، أي: رعية ثماني حجج (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا) عمل عشر حجج (فَمِنْ عِنْدِكَ) فإتمامه من عندك تفضلاً وتبرعًا، ويمكن أن يكون مثل هذا النكاح جائزًا في شرعهم، ويمكن أن يكون هذا استدعاء العقد لا نفسه (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) بالإلزام إتمام العشر (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) في حسن الصحبة، والوفاء بالقول (قَالَ) موسى: (ذَلِكَ) الذي عاهدتني فيه (بَيْنِي وَبَيْنَكَ) قائم لا نخرج عما شرطنا (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ) الأقصر والأطول (قَضَيْتُ) ما زائدة (فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ) لا يعتدى عليَّ في طلب الزيادة عليه، ولي الخيار مطلقًا (وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ) من المشارطة، (وَكِيلٌ) شاهد. * * * (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ

стр. 1447

فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) * * * (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ) في الحديث قضى أطولهما (وَسَارَ بَأَهْلِهِ) بامرأته بنته الصغرى وقيل الكبرى (آنَسَ) أبصر (مِن جَانبِ الطورِ نَارًا) وكان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد (قَالَ لأَهلِهِ امْكُثوا) لعل معها غيرها أو عظمها لأنها ابنة

стр. 1448

نبي (إِنِّي آنسْتُ نَارًا لعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخبَرٍ) من الطريق فإنه أخطأ الطريق (أَوْ جَذْوَةٍ) عودٍ غليظٍ (مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكمْ تَصْطَلونَ) تستدفئون بها من البرد (فَلَما أَتَاهَا نوديَ مِن شَاطِئ) جانب (الوَادِى الأَيْمَنِ) عن يمين موسى (فِي البقْعَةِ الُمبَارَكَةِ) متصل بالشاطئ، أو صلة لـ نودي (مِنَ الشجَرَة) بدل اشتمال من شاطئ فإنها نابتة على الشاطئ (أَنْ يَا مُوسَى) أن مفسرة (إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: الذي يكلمك رب العالمين (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ) عطف على أن يا موسى (فَلَمَّا رَآهَا) أي: فألقاها وصارت ثعبانًا تَهْتَزُّ فلما رآها (تَهْتَزُّ) تتحرك بسرعة (كَأَنَّهَا جَانٌّ)، حية صغيرة من سرعة حركتها (وَلَّى مُدْبِرًا) منهزمًا من الخوف (وَلَمْ يَعْقبْ) لم يرجع (يَا مُوسَى) أي: نودي يا موسى (أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ) فرجع ووقف في مكانه الأول (اسْلُكْ) أدخل (يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ) كأنها قطعة قمر (مِنْ غَيْرِ سوءٍ) كبرص (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) أمر أن يضم إليه يده إذا خاف من شيء، وعن ابن عباس وغيره إذا خاف أحد ووضع يده على فؤاده يَخِفّ ويزول خوفه فمن الرهب أي: من أجله أو معناه تجلد ولا ترتعد من الخوف، والطائر ينشر جناحيه حين خوفه ويضم حين اطمئنانه (فَذَانِكَ) العصا واليد (برْهَانَانِ مِن ربِّكَ) معجزتان (إِلَى فِرْعَوْنَ)

стр. 1449

أي: مرسلاً بهما إليه (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) بها (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) وقد مر أن له نوع لكنة (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا) معينًا (يُصَدِّقُنِي) بإتمام الحجة ورفع الشبهة ويصدقني بالجزم جواب، وبالرفع صفة رِدْءًا، وعن مقاتل أرسله يصدقني فرعون لأن خبر الاثنين أوقع (إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ) نقويك (بِأَخِيكَ) فإن اليد تشتد بشدة العضد وجملة البدن تقوى بشدة اليد (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) حجة وبرهانًا (فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكم) (بِآيَاتِنَا) بسبب إبلاغكما آيات الله، وقيل متعلق بـ نجعل (أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) وقيل: بآياتنا متعلق بـ الغالبون على أن يكون اللام فيه للتعريف لا بمعنى الذي (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى) على الله (وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا) الذي يدعونا إليه أو السحر (فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) في أيامهم (وَقَالَ مُوسَى) بعد أن كذبوه (ربي أَعْلَمُ بمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ) فيعلم حقيتي وبطلانكم (وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقَبةُ الدَّارِ) النصرة والعاقبة المحمودة في الدنيا (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) أظهر عند الرعية أن وجود إله غيره غير معلوم، وأنه يستطيع أن يحقق ذلك، فلذلك أمر ببناء صرح وقال: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) أطبخ لي الآجر (فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا) بناءً مشرفًا عاليًا (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) كأنه ظن

стр. 1450

صفحة فارغة

стр. 1451

بجهله أنه لو كان لكان جسمًا في السماء يمكن الصعود إليه (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ) أي: موسى (مِنَ الْكَاذِبِينَ) في أن لكم إلهًا غيرى وهو رسوله (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) بغير استحقاق (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ) اعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ) ألقيناهم (فِي الْيَمِّ) ككف رمادٍ (فَانْظُرْ) يا محمد (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) فحذر قومك عن مثلها (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً) قدوةً وسادةً للضلال (يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) إلى موجباتها من الكفر والمعاصي (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ) بدفع العذاب (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً يلعنهم الرسل والمؤمنون (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ المَقْبُوحِينَ) سود الوجوه زرق العيون. * * * (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا

стр. 1452

قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) * * * (وَلَقَدْ آتيْنَا مُوسَى الكِتَابَ) التوراة (مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرُونَ الأُولَى) قوم فرعون ونوح وعاد وثمود وغيرهم (بَصَائِرَ لِلنَّاسِ) من عمى القلب والغي، نصب على الحال من الكتاب (وَهُدًى) إلى الطريق المستقيم (وَرَحْمَةً) لو عملوا به نالوا رحمة الله (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ليكونوا على حالٍ يرجى منهم التذكر (وَمَا كُنتَ) يا محمد (بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ) حاضرًا في جانب الغربي من الجبل الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية (إِذ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ) فوضنا إليه أمر الرسالة (وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) لذلك حتى تعرف هذه القصة وترى هذه الأحوال فما

стр. 1453

هو إلا من إعلام الله ووحيه، فكيف يرتاب أحد في نبوتك (وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا) خلقنا أممًا بعد موسى (فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) فخربوا الشرائع، وكذبوا الرسل وأفسدوا، ونسوا عهودهم فلذلك كذبوك وإن كانت دلائل نبوتك ظاهرة (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا) مقيمًا (فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) هم شعيب والمؤمنون به (تَتْلُو عَلَيْهِمْ) تقرأها عليهم تعلمًا منهم (آيَاتِنَا) التي فيها قصتهم فتحكي ما رأيت، وتعلمت قال بعض المفسرين معناه: ما كنت فيهم رسولاً تتلوا عليهم آياتنا فتقص ما قد رأيت منهم (وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) إليك أخبارهم بوحينا (وَمَا كنتَ بِجَانِبِ الطورِ إِذْ نادَيْنَا) موسى وأعطيناه التوراة، وقلنا له خذ الكتاب بقوة، وعن بعض السلف

стр. 1454

معناه إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم حين سأل موسى رؤيتك، وقلت لي إنك لن تصل إلى ذلك لكن إن شئت أسمعتك صوت أمته (وَلَكِنْ) علمناك وأوحينا إليك (رحْمَةً مِّن ربِّكَ) عليك وعلى أمتك (لِتُنذِرَ قَوْمًا) متعلق بما قدرناه عاملاً في رحمته (مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) فإنهم في فترة بينك وبين عيسى (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكرُونَ) لكي يتعظوا (وَلَوْلا) هي امتناعية (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا) الفاء للعطف على تصيبهم (رَبَّنَا لَوْلَا) هلا (أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ) الفاء جواب لولا الثانية (آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وجواب لولا الأولى محذوف، أي: لما أرسلناك وحاصل الآية لولا قولهم ربنا هلا أرسلت رسولاً نؤمن به ويعلمنا الدين، إذًا عاقبناهم بسبب ما كسبت أيديهم من المعاصي لما أرسلناك

стр. 1455

فإرسالك لئلا يكون لهم حجة علينا إن عذبناهم يعني هم مستحقون للعقاب لكن تأخيره وإرسالك لقطع الحجة (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِندِنَا) أي: محمد ﵇ (قَالُوا) عنادا (لَوْلا) هلا (أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى) من اليد والعصا وغيرهما (أَوَ لَمْ يَكْفُروا) أي: ألم يؤت موسى ما أُوتِيَ وألم يكفروا أي أبناء جنسهم، وهم كفرة زمان موسى (بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبلُ قَالُوا) في موسى وهارون (سِحْرَانِ تَظَاهَرَا) تعاونا واتفقا، وقراءة " سحران " في معنى ذوا سحر أو سموهما سحران للمبالغة (وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ) منهما (كَافِرُونَ) أو معناه يطلب قريش منك مثل معجزات موسى، أو لم يكفروا بمعجزاته وقالوا فيكما يا محمد وموسى ساحران كل يصدق الآخر، ويعاونه أو القرآن والتوراة سحران كل يصدق الآخر، وقالوا: نحن بكل منهما كافرون (قُلْ) يا محمد (فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا) من التوراة والقرآن (أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أنا ساحران وهذا إلزامهم وتبكيتهم (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ) دعائك إلى الإتيان بكتاب أهدى (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ) لأنَّهُم ما رجعوا بعد ما ألزمتهم بالحجة عن العناد (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ) استفهام إنكار (بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ) حال للتوكيد وقيل للتقييد فإن هوى النفس قد يكون من الله (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ) المتبعين للهوى. * * * (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ

стр. 1456

يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) * * * (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القَوْلَ) أي: القرآن أتاهم متتابعًا متواصلاً قصصًا للأمم الخالية ونصائح ووعدًا ووعيدًا أو نزل عليهم نزولاً متصلاً بعضه ببعض (لَعَلهُمْ يَتَذَكرونَ) لكي يتعظوا (الَّذِينَ آتيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبْلِهِ) من قبل القرآن (هُم) لا قريش (بِهِ يُؤْمِنون) نزلت في مؤمني أهل الكتاب أو في وفد جاءوا من عند النجاشي من الحبشة، " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول " الآية [المائدة: ٨٣]، (وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) لأنا نعلم قبل ذلك محمدًا والقرآن لأن وصفهما مذكور في كتابنا (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن، وإن كانوا مؤمنين به

стр. 1457

من قبل (بِمَا صَبَرُوا) بسبب صبرهم وثباتهم على اتباع الحق أولاً وآخرًا (وَيَدْرَءُونَ) يدفعون (بِالْحَسَنَةِ) بالطاعة (السَّيِّئَةَ) المعصية، أو لا يقابلون الأذى بمثله بل يعفون، بل يجازون بالإحسان (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) في الخير (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ) القبيح من القول كشتمهم (أَعْرَضُوا عَنْهُ) تَكرمًا (وَقَالوا) للاغين (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) المراد سلام المتاركة والتوديع (لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) لا نريد صحبتهم وطريقتهم وذلك حين كان المشركون يسبون مؤمني أهل الكتاب قائلين تبًّا لكم تركتم دين آبائكم (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) نزلت حين عرض رسول الله ﷺ الإيمان على أبي طالب في حين موته فأبى ورد (وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) بالمستعدين لذلك (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ) نؤمن بك (نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) نخرج من بلادنا، نزلت في قوم قالوا: نحن نعلم صدقك لكنا إن اتبعناك خفنا أن يخرجنا العرب من أرضنا مكة لإجماعهم على خلافنا فرد الله قولهم

стр. 1458

بقوله (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) أو لم نجعل مكانهم (حَرَمًا آمِنًا) مع كفرهم، فكيف نعرضهم للتخوف والتخطف إذا كانوا موحدين! يعني: هم كاذبون في عذرهم (يُجْبَى) يجمع ويحمل (إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) أي: ثمرات كثيرة (رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا) مصدر من معنى يُجْبَى؛ لأنه في معنى يرزق أو مفعول له أو حال بمعنى مرزوقًا من ثمرات وجاز لتخصصها بالإضافة (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) جهلة، ولذلك قالوا ما قالوا ثم بين أنَّهم أحقاء بأن يخافوا بأس الله لا العرب، فقال: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ) أي: من أهلها (بَطِرَتْ) طغت وأشرت تلك القرية (مَعِيشَتَهَا) أي: في معيشتها منصوب بنزع الخافض أو مفعول بطرت بتضمين كفرت يقال: بطر فلان نعمة الله أي: استخفها وكفرها (فَتِلْكَ مَسَاكِنهمْ) خاوية (لَمْ تُسْكَنْ) من السكنى (مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا) أي: إلا سكنى قليلاً إذ لا يسكنها إلا المسافر حين العبور (وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) إذ لم يبق أحد منهم يرثهم (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى) أي: ما جرت عادة الله على إهلاكها (حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا) أصلها وأعظمها فإنما الأشراف فيها (رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) فإن أنكروا نزل عليهم العذاب (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) بتكذيب الرسول وارتكاب المعاصي وعن بعض المفسرين معناه ما كان في حكمنا وقضائنا أن نهلك القرى ونخرب الدنيا حتى نبعث في أم القرى "

стр. 1459

مكة " رسولاً إلخ (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ) قليل أو كثير من أسباب الدنيا (فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا) ما هو إلا تمتع وزينة أيامًا قلائل (وَمَا عِنْدَ اللهِ) الجنة ونعيمها (خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير. * * * (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)

стр. 1460

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لله وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) * * * (أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا) حسن الوعد بحسن الموعود كالجنة (فهُوَ لاقِيهِ) مدركه (كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الذي هو مشوب بأنواع الغصص (ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) للحساب والعذاب وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها، ولذلك رتب عليها بالفاء نزلت في النبي ﵇ وأبي جهل أو في علي وحمزة وأبى جهل (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ) أي: اذكر يوم ينادى المشركين (فيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) أي: تزعمونهم شركائي بحذف المفعولين (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ) وجب عليهم العذاب، أي: شياطينهم وسادتهم في الضلال خوفًا من أن يقول السفلة لا ذنب لنا إنما الذنب لسادتنا (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا) أي: أغويناهم (أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا) أي: أغويناهم فغووا غيًّا مثل ما غوينا هي خبر هؤلاء والذين مع صلته صفته أو الموصول خبره وهذه مستأنفة (تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ) منهم

стр. 1461

(مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ) فإنهم يعبدون أهواءهم فنحن وهم سواء في الغواية شهدوا على أنفسهم بالغواية والإغواء ثم تبرءوا من عبادتهم، قال تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) الآية [البقرة: ١٦٦]، (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ) لتخلصكم عن العذاب (فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) لعجزهم (وَرَأَوُا العَذَابَ) لهم ولأربابهم (لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ) جواب لو محذوف، أي ما رأو العذاب أو لو للتمني فهو على الحكاية كأقسم ليضربن أو على تأويل رأوا متمنين هدايتهم (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) سأل أولاً عن إشراكهم ثم عن تكذيبهم رسلهم (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ) صارت الأنباء كالعمى عليهم لا تهتدي إليهم وفيه مبالغة ليس في عموا عن الأنباء وهذا كما يقول الكافر في قبره هاه هاه لا أدري قال مجاهد: معناه فخفيت عليهم الحجج (فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ) لا يسأل بعضهم عن بعض لفرط حيرة كل منهم (فَأَما مَن تابَ) من الشرك (وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) أي من جمع بين الإيمان والعمل الصالح فليطمع في الفلاح وليكن بين الخوف والرجاء وعسى من الكرام تحقيق (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) لا معقب ولا منازع لحكمه (مَا كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ) أي: التخير يعني ليس

стр. 1462

لأحد أن يختار عليه أو معناه ليس لهم اختيار أصلاً بل هم عاجزون تحت قدره قيل: ما موصولة مفعول يختار والعائد محذوف أي يختار الذي كان لهم فيه صلاحهم (سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) عن إشراكهم نقل أنها نزلت حين قالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١]، (وَربكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ) تستر (وَمَا يُعْلِنُونَ وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى) الدنيا (وَالْآخِرَةِ) فإنه مولي النعم في الدارين (وَله الحُكْمُ) فصل القضاء بين الخلق (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون) بالنشور (قُلْ أَرَأَيتمْ) أخبروني (إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا) دائمًا (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لا نهار معه (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ) سماع فهم (قُلْ أَرَأَيتمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا) هو من السرد، والميم مزيدة (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)، لا ليل معه، (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ)، استراحة عن المتاعب وصف الليل دون النهار، لأن النهار مستغن عن الوصف، (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ختم الأولى بقوله أفلا تسمعون، والثانية بـ أفلا تبصرون لمناسبة قوة السامعة بالليل، وقوة الباصرة بالنهار

стр. 1463

(وَمِن رحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) في الليل (وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) بالنهار بأنواع المكاسب (وَلَعَلكُمْ تَشْكُرُون) ولكي تشكروا نعمه (وَيَوْمَ يُنَاديهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) التكرار للتقريع بعد التقريع (وَنَزَعْنَا) أخرجنا (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) نبيهم يشهد عليهم بما كانوا عليه (فَقُلْنَا) للأمم (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) على صحة ما كنتم تدعونه (فَعَلِمُوا) حينئذ (أَنَّ الْحَقَّ لله) ولرسله لا لهم (وَضَلَّ عَنْهُمْ) غاب غيبة الضائع (مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من الباطل. * * * (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ

стр. 1464

عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) * * * (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى) ابن عمه آمن به ثم نافق (فَبَغَى) تكبر (عَلَيْهِمْ وَآتيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ) جمع مفتح وهو ما يفتح به (لَتَنُوءُ) تثقل (بِالْعُصْبَةِ) الجماعة الكثيرة (أوْلِي القُوَّةِ) ما الموصولة مع صلته التي

стр. 1465

هي أن واسمها وخبرها ثاني مفعولي " آتينا " (إِذ قَالَ) ظرف لتنوء (لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفرَحْ) بدنياك، فإن الفرح بها مدة قصيرة وهو يورث غمًّا سرمدًا (إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ) الأشرين البطرين بالدنيا (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ) من المال (الدَّارَ الْآخِرَةَ) بأن تصرفه في مرضاة الله (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) فإن نصيب كل أحد ليس إلا ما يأكل ويلبس، أو النصيب ما ينفعك مالاً وما هو إلا أعمال الخير، قيل النصيب الكفن (وَأَحْسِن) إلى الناس (كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ) قيل: أحسن بالشكر كما أحسن الله بالإنعام إليك (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ) الظلم والكبر والمعاصي (فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) أي: أعطاني على علم وفضل عندي أستحقه لذلك، ولولا معرفته بفضلي ورضاه ما أعطاني وهو كان أقرأ بني إسرائيل وأحفظهم بالتوراة، قيل (عندى) خبر محذوف أي

стр. 1466

هذا في اعتقادي وظني وقيل: متعلق بـ أوتيت كقولك جاز ذلك عندى (أَوَ لَمْ يَعْلَمْ) عطف على محذوف أي: ألم يقرأ ولم يعلم (أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا) للمال، فلا تدل كثرة الدنيا على أن صاحبها يستحق رضى الله (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)، أي: لا يسأل الله أو الملائكة المجرمين عن ذنوبهم، بل يدخلهم النار بلا سؤال وحساب وهذا في موطن خاص أو هو سؤال علم، بل هو سؤال توبيخ (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) من مراكب وملابس وخدم وحشم (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) أي: المؤمنون الراغبون في الدنيا (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) من الدنيا (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ) أي: الأحبار لمن تمني ويلكم (وَيْلَكُمْ) دعاء بالهلاك مستعمل في الزجر (ثَوَابُ اللهِ) في الآخرة (خيْر لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) مما أوتي قارون (وَلاَ يُلَقَّاهَا) الثواب والتأنيث لأنه بمعنى المثوبة أو الجنة (إِلَّا الصَّابِرُونَ) على حكم الله، وهو من تتمة النصيحة أو المعنى ما يلقى هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء إلا الصابرون فعلى هذا من كلام الله منقطع عن الأول

стр. 1467

(فخسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ) نقل أنه كان يؤذي موسى كل وقت فأعطى يومًا مالاً لامرأة لتنسبه إلى الزنا فلما كان يوم العيد في محضر الخلق رمته بنفسها فناشدها موسى أن تصدق، فقالت: أعطاني قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فدعى عليه موسى فأوحى الله إليه أن جعلنا الأرض مطيعة لك فأمرها تأخذه فأخذته وإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ) أعوان (يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) من الممتنعين من عذاب الله، أو من المنتصرين بنفسه (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ) منزلته (بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ) مركب من " وي " وهي كلمة تندم و " كَأَنَّ " أو ويل بمعنى ويلك وأن الله منصوب بمقدر وهو اعلم (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ) بمقتضى إرادته لا لكرامة وفضل (لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) لأنا وددنا أن نكون مثله (وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) لنعمه أو بالله ورسله. * * * (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ

стр. 1468

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) * * * (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ) في تلك الإشارة تعظيم للآخرة أي: التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها (نَجْعَلُهَا) إما خبر تلك والدار صفته أو الدار خبره وهو استئناف (لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ) تكبرًا أو استكبارًا عن الإيمان (وَلَا فَسَادًا) عملاً بالمعاصي أو دعوة الخلق إلى الشرك (وَالْعَاقِبَةُ) الحسني (لِلْمُتَّقِينَ) عن معاصيه (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ) من وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة تبغيض السيئة إلى قلوب السامعين (إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: إلا مثله فحذف المثل للمبالغة

стр. 1469

(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) أي: تلاوته وتبليغه (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) وأي معاد، وهو معاد ليس لغيرك مختص بك وهو المقام المحمود أو إلى مكة، فقيل: نزلت حين المهاجرة في طريق المدينة، وعن بعض المفسرين: إن ابن عباس فسره مرة بالموت ومرة بالعود إلى مكة، ومراده بالثاني أيضًا الموت، لأن ابن عباس يرى فتح مكة من علامات قرب موته، وكأن التفسيرين واحد (قُل) يا محمد لمن ينسبك إلى الضلال (ربي أَعْلَمُ) يعلم (مَن جَاءَ بالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مبِينٍ) فمن جاء مفعول لفعل دال عليه أعلم (وَمَا كنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الكِتَابُ) ما كنت تظن وتأمل الوحي والنبوة قبل ذلك (إِلا رَحْمَةً مِّن ربِّكَ) لكن ألقي إليك لرحمة من ربك وقيل: الاستثناء متصل محمول على المعنى كأنه قال: ما ألقي إليك الكتاب لأمر إلا لرحمة (فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) فخالفهم ونابذهم، نقل أنه نزل حين دعى إلى دين آبائه (وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ) العمل بالقرآن (بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى ربكَ) إلى معرفته وطاعه (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الُمشْرِكِينَ) حقيقة الخطاب لأهل دينه (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) إلا ذاته المقدس عن الفناء أو معناه إلا ما أريد به وجهه، أي: كل عمل لم يرد به وجه الله فهو باطل فانٍ (لَهُ الْحُكْمُ) القضاء النافذ (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، للجزاء. والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * * *

стр. 1470

سورة العنكبوت مكية وهي تسع وستون آية وسبع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) * * *

стр. 1471

(الم أَحَسِبَ) الهمزة للإنكار (النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا) على عافية وفراغ، ولما كان صلة أن مشتملة على مسند، ومسند إليه يسد مسد مفعولي حسب، وهذا هو الأولى (أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا) أي: بأن أو لأن (وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) بل يمتحنهم الله بالمصائب، ومشاق التكاليف ليميز المخلص من المنافق (وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ) ليتعلق علمه بالامتحان علمًا حاليّا يتميز به (الَّذِينَ صَدَقوا) في إيمانهم (وَلَيعْلَمَنَّ الكاذبينَ) فيه (أَمْ حَسِبَ) أم منقطعة (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا) يعجزونا فلا نقدر على انتقامهم (سَاءَ مَا يَحْكمونَ) بئس الذي يحكمونه حكمهم هذا (مَن كان يَرْجو لِقَاءَ اللهِ) وصوله إلى ثوابه أو من يخشى حسابه وجزاءه (فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ) فليستعد وليعمل لذلك الوقت المضروب للجزاء فإنه آت لا محالة أو معناه من يأمل لقاء الله في الجنة فوقت اللقاء آت فليبادر إلى ما يحقق رجاءه ولذلك قال بعض المحققين: هذه تعزية من الله للمشتاقين إلى لقائه (وَهُوَ السَّمِيع العَلِيمُ) فيعلم الأقوال والعقائد (وَمَن جَاهَدَ) نفسه في منعها عن المناهى، وحملها على المعروف (فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) لا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)

стр. 1472

أحسن جزاء أعمالهم (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) بإيتاء أو بإيلاء والديه (حُسْنًا) أى: فعلاً ذا حسن أو للمبالغة جعل الفعل حسنًا لفرط حسنه، قيل تقديره: وصيناه بتعهد الوالدين افعل بهما حسنًا، وعلى هذا يحسن الوقف على بوالديه (وَإِن جَاهَدَاكَ) أي: وقلنا إن جاهداك (لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ) بإلاهيته (عِلْمٌ) فإن ما لا يعلم صحته لا يتبع سيما إن علم بطلانه (فَلَا تُطِعْهُمَا) في ذلك فلا طاعة في معصية (إِلَي مَرْجِعُكُمْ) مرجع الكل المؤمن والمشرك والبار والعاق (فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بالجزاء عليه، نزلت في سعد بن أبي وقاص حلفت أمه، إنها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت إن لم يرجع ابنها من الإسلام (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي) جملة (الصَّالِحِينَ) وكمال الصلاح منتهى الدرجات (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ) أصابه مضرة من المشركين للإيمان باللهِ (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ) ما أصابه من جهتهم في الصرف عن الإيمان (كَعَذَابِ اللهِ) في الآخرة فجزع من عذابهم وأطاعهم كما يجزع ويطيع الله من يخافه وشتان ما بينهما، أو معناه إذا نزل عليهم مصيبة اعتقدوا أنها من نقمة الله للإسلام فارتدوا (وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ من ربِّكً) فتح وغنيمة (لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) في الدين فأعطونا من المغنم (أَوَلَيْسَ اللهُ) عطف على محذوف أي: أقَوْلُهُمْ ينجيهم وليس الله؟ (بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) من الإخلاص والنفاق (وَلَيَعْلَمَن اللهُ الذِينَ آمنوا) يعرف المؤمنين حقيقة (وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) لا يشتبه عليه ولا

стр. 1473

يمكن الإلباس عليه (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمنوا اتَّبِعوا سَبِيلَنَا) ديننا وطريقنا (وَلْنَحْمِلْ خَطايَاكُمْ) إن كان ذاك خطيئة عطفوا " ولنحملن " وهو أمر لأنفسهم على " اتبعوا " وهو أمر للمؤمنين إرادة للمبالغة وأن كليهما لا بد من الحصول، وهذا قول صناديد قريش (وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي: شيئًا من خطاياهم (إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في إنجاز وعدهم هذا (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ) أثقال أنفسهم (وَأَثْقَالًا) أخر (مَعَ أَثْقَالِهِمْ) وهي أثقال أوزار من أضلوه من غير أن ينقص من أوزار متبعيهم شيئًا (وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) سؤال تقريع وتوبيخ (عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من الأباطيل. * * * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا

стр. 1474

فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) * * * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبثَ فِيهِمْ) بعد نبوته (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) هذا تسلية لرسول الله ﷺ (فَأَخَذَهُمُ الطوفَانُ) بعد هذه المدة لما لم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا (وَهُمْ ظالِمُونَ فَأَنجَيْنَاهُ) نوحًا (وَأَصْحَابَ السفِينَةِ) من كان معه فيها (وَجَعَلْنَاهَا) السفينة أو القصة (آيةً لّلْعَالَمِينَ) عن ابن عباس: بعث نوح وهو ابن أربعين سنة وعاش بعد الطوفان

стр. 1475

ستين، فمجموع عمره ألف وخمسون سنة، وفي جامع الأصول أنه عاش بعد الطوفان خمسين، ومدة الطوفان ستة أشهر آخرها يوم عاشوراء (وَإِبْرَاهِيمَ) عطف على نوحًا (إِذْ قَالَ) ظرف لأرسلنا (لِقَوْمِهِ اعبدُوا الله وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) مما أنتم عليه (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) الخير والشر (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ) تكذبون (إِفْكًا) كذبًا في أنها شركاء الله شفعاء أو تنحتونها للإفك، جعل نحتهم خلقًا وإيجادًا (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا) ولا يكون المعبود إلا الرازق، ورزقًا مفعول به من غير تأويل، والتنكير للتعميم (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ) كله فإنه مالكه وحده (وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فاستعدوا للقائه (وَإِن تكَذِّبُوا) أي: تكذبوني (فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ) رسلهم كقوم شيث وإدريس ونوح، ولم يضرهم تكذيبهم فلا يضرني تكذيبكم (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ) اللام للجنس (إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) وهذه الآية والتي بعدها إلا قوله: " فما كان جواب قومه " الأظهر أنها من جملة قول إبراهيم لقومه، ويحتمل أن يكون معترضة تسلية لرسول الله ﷺ وتنفيسًا بين نصيحته وجواب قومه، أي: وإن تكذبوا محمدًا إلخ (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ) من العدم (ثُمَّ يُعِيدُهُ) عطف على " أولَمْ يَرَوْا " لا على " يُبْدِئُ " فإنه في معرض الاستدلال من الأول على الثاني وما تعلق به رؤيتهم وإنما هو إخبار على حياله (إِنَّ ذَلِكَ) الإعادة بعد الإنشاء (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ قلْ سيروا) حكاية كلام الله لإبراهيم على التقدير الأول (فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ) مع اختلاف أجناسهم (ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) عطف على سيروا
следующие страницы →