← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

(الم أَحَسِبَ) الهمزة للإنكار (النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا) على عافية وفراغ، ولما كان صلة أن مشتملة على مسند، ومسند إليه يسد مسد مفعولي حسب، وهذا هو الأولى (أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا) أي: بأن أو لأن (وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) بل يمتحنهم الله بالمصائب، ومشاق التكاليف ليميز المخلص من المنافق (وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ) ليتعلق علمه بالامتحان علمًا حاليّا يتميز به (الَّذِينَ صَدَقوا) في إيمانهم (وَلَيعْلَمَنَّ الكاذبينَ) فيه (أَمْ حَسِبَ) أم منقطعة (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا) يعجزونا فلا نقدر على انتقامهم (سَاءَ مَا يَحْكمونَ) بئس الذي يحكمونه حكمهم هذا (مَن كان يَرْجو لِقَاءَ اللهِ) وصوله إلى ثوابه أو من يخشى حسابه وجزاءه (فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ) فليستعد وليعمل لذلك الوقت المضروب للجزاء فإنه آت لا محالة أو معناه من يأمل لقاء الله في الجنة فوقت اللقاء آت فليبادر إلى ما يحقق رجاءه ولذلك قال بعض المحققين: هذه تعزية من الله للمشتاقين إلى لقائه (وَهُوَ السَّمِيع العَلِيمُ) فيعلم الأقوال والعقائد (وَمَن جَاهَدَ) نفسه في منعها عن المناهى، وحملها على المعروف (فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) لا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)

стр. 1472

أحسن جزاء أعمالهم (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) بإيتاء أو بإيلاء والديه (حُسْنًا) أى: فعلاً ذا حسن أو للمبالغة جعل الفعل حسنًا لفرط حسنه، قيل تقديره: وصيناه بتعهد الوالدين افعل بهما حسنًا، وعلى هذا يحسن الوقف على بوالديه (وَإِن جَاهَدَاكَ) أي: وقلنا إن جاهداك (لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ) بإلاهيته (عِلْمٌ) فإن ما لا يعلم صحته لا يتبع سيما إن علم بطلانه (فَلَا تُطِعْهُمَا) في ذلك فلا طاعة في معصية (إِلَي مَرْجِعُكُمْ) مرجع الكل المؤمن والمشرك والبار والعاق (فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بالجزاء عليه، نزلت في سعد بن أبي وقاص حلفت أمه، إنها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت إن لم يرجع ابنها من الإسلام (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي) جملة (الصَّالِحِينَ) وكمال الصلاح منتهى الدرجات (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ) أصابه مضرة من المشركين للإيمان باللهِ (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ) ما أصابه من جهتهم في الصرف عن الإيمان (كَعَذَابِ اللهِ) في الآخرة فجزع من عذابهم وأطاعهم كما يجزع ويطيع الله من يخافه وشتان ما بينهما، أو معناه إذا نزل عليهم مصيبة اعتقدوا أنها من نقمة الله للإسلام فارتدوا (وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ من ربِّكً) فتح وغنيمة (لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) في الدين فأعطونا من المغنم (أَوَلَيْسَ اللهُ) عطف على محذوف أي: أقَوْلُهُمْ ينجيهم وليس الله؟ (بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) من الإخلاص والنفاق (وَلَيَعْلَمَن اللهُ الذِينَ آمنوا) يعرف المؤمنين حقيقة (وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) لا يشتبه عليه ولا

стр. 1473

يمكن الإلباس عليه (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمنوا اتَّبِعوا سَبِيلَنَا) ديننا وطريقنا (وَلْنَحْمِلْ خَطايَاكُمْ) إن كان ذاك خطيئة عطفوا " ولنحملن " وهو أمر لأنفسهم على " اتبعوا " وهو أمر للمؤمنين إرادة للمبالغة وأن كليهما لا بد من الحصول، وهذا قول صناديد قريش (وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي: شيئًا من خطاياهم (إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في إنجاز وعدهم هذا (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ) أثقال أنفسهم (وَأَثْقَالًا) أخر (مَعَ أَثْقَالِهِمْ) وهي أثقال أوزار من أضلوه من غير أن ينقص من أوزار متبعيهم شيئًا (وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) سؤال تقريع وتوبيخ (عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من الأباطيل. * * * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا

стр. 1474

فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) * * * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبثَ فِيهِمْ) بعد نبوته (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) هذا تسلية لرسول الله ﷺ (فَأَخَذَهُمُ الطوفَانُ) بعد هذه المدة لما لم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا (وَهُمْ ظالِمُونَ فَأَنجَيْنَاهُ) نوحًا (وَأَصْحَابَ السفِينَةِ) من كان معه فيها (وَجَعَلْنَاهَا) السفينة أو القصة (آيةً لّلْعَالَمِينَ) عن ابن عباس: بعث نوح وهو ابن أربعين سنة وعاش بعد الطوفان

стр. 1475

ستين، فمجموع عمره ألف وخمسون سنة، وفي جامع الأصول أنه عاش بعد الطوفان خمسين، ومدة الطوفان ستة أشهر آخرها يوم عاشوراء (وَإِبْرَاهِيمَ) عطف على نوحًا (إِذْ قَالَ) ظرف لأرسلنا (لِقَوْمِهِ اعبدُوا الله وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) مما أنتم عليه (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) الخير والشر (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ) تكذبون (إِفْكًا) كذبًا في أنها شركاء الله شفعاء أو تنحتونها للإفك، جعل نحتهم خلقًا وإيجادًا (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا) ولا يكون المعبود إلا الرازق، ورزقًا مفعول به من غير تأويل، والتنكير للتعميم (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ) كله فإنه مالكه وحده (وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فاستعدوا للقائه (وَإِن تكَذِّبُوا) أي: تكذبوني (فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ) رسلهم كقوم شيث وإدريس ونوح، ولم يضرهم تكذيبهم فلا يضرني تكذيبكم (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ) اللام للجنس (إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) وهذه الآية والتي بعدها إلا قوله: " فما كان جواب قومه " الأظهر أنها من جملة قول إبراهيم لقومه، ويحتمل أن يكون معترضة تسلية لرسول الله ﷺ وتنفيسًا بين نصيحته وجواب قومه، أي: وإن تكذبوا محمدًا إلخ (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ) من العدم (ثُمَّ يُعِيدُهُ) عطف على " أولَمْ يَرَوْا " لا على " يُبْدِئُ " فإنه في معرض الاستدلال من الأول على الثاني وما تعلق به رؤيتهم وإنما هو إخبار على حياله (إِنَّ ذَلِكَ) الإعادة بعد الإنشاء (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ قلْ سيروا) حكاية كلام الله لإبراهيم على التقدير الأول (فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ) مع اختلاف أجناسهم (ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) عطف على سيروا

стр. 1476

(إِنَّ اللهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تعلق قدرته على جميع الممكنات على السواء (يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ) تعذيبه (وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ) رحمته (وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) تردون (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) ربكم إن هربتم (فِي الأَ رْضِ) بالتواري فيها (وَلاَ في السَّمَاءِ) بالتحصن فيه أو ولا في السماء لو كنتم فيها قيل تقديره ولا مَن في السماء (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِي وَلاَ نَصِير) لو أراد الله بكم ضرًّا. * * * (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) * * * (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ) بكتبه أو بدلائل وحدته (وَلِقَائِهِ) البعث (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) لإنكارهم البعث والجنة (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) لكفرهم

стр. 1477

(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) أي: إبراهيم له (إِلا أَن قَالُوا اقْتلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) أى: عذبوه أحد العذابين (فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ) بعد ما قذفوه فيها بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا (إِنَّ فِي ذَلِكَ) إنجائه منها (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فإن الكفار غير موفقين على التدبر في مثل ذلك (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: لِتَوَادُّوا بينكم وتتواصلوا كما يتفق الناس على مذهب ليكون ذلك سبب تحابهم، وثاني مفعولي اتخذ محذوف وهو آلهة أو هو مودة بحذف مضاف، أي: سبب مودة، أو بأنَّهَا بمعنى مودودة وقراءة رفعها على تقدير هي مودة، أو سبب مودة على أنها صفة " أوثانًا " أو خبر لـ إنَّ، وما موصولة، أي: إن الذين اتخذتموهم (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) " كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا " (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ فَآمَنَ لَهُ) لإبراهيم (لوطٌ) هو ابن أخي إبراهيم لا ابن أخته فإنه لوط بن هاران بن آزر وهو أول من آمن به، وفي الحديث " ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك خاطب به امرأته فالمراد والله أعلم أن ليس على وجه الأرض زوجان على الإسلام (وَقَالَ) إبراهيم (إِنِّي مُهَاجِرٌ) من قومي (إِلَى رَبِّي) هاجر من سواد الكوفة إلى حران ثم

стр. 1478

منها إلى الشام ومعه لوط وامرأته سارة (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فيمنعني من الأعداء، ويوفقني بما هو صلاحي (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) وهو ولد إسحاق ولد في حياة إبراهيم (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) أي: جنسه وكل نبي بعده كان من ذريته (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) جمع له بين السعادتين سعادة الدنيا أي: الرزق الواسع، والمنزل الرحب، والزوجة الحسنة، والثناء الجميل إلى يوم القيامة، وسعادة الآخرة وهي لا يعرفها إلا الله (ولوطًا) عطف على نوحًا (إِذ قَالَ لِقَوْمِهِ) أرسل في حياة خليل الله إلى أهل سدوم (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) الفعلة القبيحة (مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ منَ العَالَمِينَ) استئناف مقرر لغاية قباحتها (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) فإنهم كانوا يقتلون المارين وينهبون أموالهم، وقيل: يقطعون سبيل النسل (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ) مجلسكم الغاصة (الْمُنْكَرَ) وفي الحديث " هو خذف أهل الطريق بالحصى والاستهزاء بهم "، أو الصفير وَلَعِبُ الْحَمامِ [وَحَلُّ أَزْرَارِ الْقِبَاءِ] ومضغ العلك وتطريف الأصابع بالحنا، أو الضراط والضحك والفحش في المزاح (فَمَا كَانَ

стр. 1479

جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في النبوة، أو في الوعيد (قَالَ رَبِّ انصرْنِي عَلَى القَوْمِ المُفْسِدِينَ) بإنزال العذاب عليهم. * * * (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا

стр. 1480

بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) * * * (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا) الملائكة (إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى) من الله بإسحاق وولده جاءوا على طريقة أضياف (قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ) سدوم (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) مستمرون على الكفر والفسق (قَالَ) إبراهيم (إِنَّ فِيهَا) في القرية (لوطًا) وهو في غير ظالم (قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) الباقين في العذاب (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ) أن صلة زيدت لاتصال الفعلين، وتأكيدهما (رُسُلُنَا لُوطًا) بعدما ساروا من عند إبراهيم في صورة أمارد حسانٍ (سِيءَ بِهِمْ) جاءته المساءة والغم بسببهم (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) أي: عجز وضاق بسببهم وتدبير أمرهم طاقته فإنه خاف عليهم من قومه (وَقَالُوا) لما رأوا غمه

стр. 1481

(لَا تَخَفْ) علينا (وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) نصب أهلك لعطفه على محل الكاف أو بإضمار فعل (إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا) عذابًا (مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) بسبب فسقهم (وَلَقَد تَّرَكنَا) من كلام الله تعالى (مِنْهَاَ) من قرية لوط (آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) هي آثار منازلهم الخربة أو أنهارهم المسودة أو الأحجار الممطورة التي أهلكوا بها (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) عطف على نوحًا إلى قومه (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعبدُوا اللهَ وَارْجُوا) اخشوا (اليَوْمَ الآخِرَ) وقيل: افعلوا ما ترجون به ثواب [اليوم] الآخر من إقامة المسبب مقام السبب (وَلاَ تَعْثَوْا) العثو أشد الفساد (في الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) يعني لا تزيدوا في الفساد حال كونكم مفسدين (فَكَذبُوهُ فأَخَدتْهُمُ الرَّجْفَةُ) الزلزلة أو الصيحة أخرجت قلوبهم، أو عذاب يوم الظلة، وقد مر في سورة الأعراف وهود والشعراء (فأَصْبحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) باركين على الركب ميتين (وَعَادًا وَثَمُودَ) منصوبان بفعل دل عليه ما قبله مثل أهلكنا وعدم انصراف ثمود بتأويل القبيلة (وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ) بعض مساكنهم باليمن أو تبين لكم إهلاكهم من جهة مساكنهم إذا رأيتموها (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) السيئة (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) عن الطريق المستقيم (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) عقلاء عند أنفسهم معجبين برأيهم أو كانوا في نفس الأمر متمكنين من النظر أو مستبصرين بضلالهم لكنهم لجوا (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ) عطف على عادًا وثمودا (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ) فائتين بل

стр. 1482

أدركهم أمر الله (فَكُلًّا) من المذكورين (أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) ريحًا صرصرًا تحمل الحصباء فتلقيها عليهم، وتقتلعهم من الأرض ثم تنكسهم على أُمِّ رأسهم فتشدخهم، فكأنهم أعجاز نخل منقعر، وهم قوم عاد (وَمِنهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) وهم ثمود (وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ) قارون (وَمِنْهُم مَّنْ أَغرَقْنَا) فرعون وهامان وروي عن ابن عباس أن الأول قوم لوط، والرابع قوم نوح، والأظهر ما ذكرنا قال بعض المحدثين: الرواية منقطعة عن ابن عباس (وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ) فيما فعل بهم (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فاستقوا مقت الله (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ) يتكلون إليه (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) تعتمد عليه وتحسب أنه لها بيتًا (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) لا بيت أضعف من بيتها مما يتخذه الهوام لا يدفع حرًّا ولا بردًا، ولا يحجب عن الأعين (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) لعلموا أن هذا مثلهم (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) أي: الذي تدعونه من دون الله من شيء أي: شيء كان فيجازيكم قيل ما نافية ومن شيء مفعول تدعون يعني الله يعلم أنَّهم ما يعبدون شيئًا من دون الله، بل الذي يعبدون لا شيء، فعلى هذا توكيد للمثل وتجهيل لهم، ولا يخفى بعده (وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) فيقدر على الانتقام ولا يظلم، بل فِي أفعاله حِكَم (وَتِلْكَ الأَمْثالُ) هذا المثل ونظائره (نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ) نبينها تقريبًا لما بعد من أفهامهم (وَمَا يَعْقِلُهَا) لا يفهمها ولا يتدبر فيها (إِلا العَالِمونَ) في الحديث في تفسير تلك الآية العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه (خَلَقَ اللهُ

стр. 1483

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) لا على وجه العبث (إِنَّ فِي ذَلِكَ) الخلق (لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) فإنهم يتدبرون في صنائع ملكه. * * * (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) * * * (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) أمره بقراءة القرآن (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) أي: إن مواظبتها تحمل على ترك ذلك، وفي

стр. 1484

الحديث: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعدًا) أو مراعاتها تجره إلى الانتهاء، وفي الحديث (قيل له ﵇ إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق قال: سينهاه ما تقول) والصلاة تنهاه عن ذلك حين الصلاة (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) وأفضل من كل شيء فالصلاة لما كانت كلها مشتملة بذكره تكون أكبر من غيرها من الطاعة، أو ذكر الله لعباده أكبر من ذكرهم إياه، وهذا هو المنقول عن كثير من السلف (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون) فيجازيكم (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلا بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ) إلا بطريقة هي أحسن فإن من أراد الاستبصار منهم إذا رأوا منكم لينًا وسمعوا منكم حججًا لاهتدوا، قال تعالى: " ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " [النحل: ١٢٥] الآية، والظاهر أنها غير منسوخة بآية السيف (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) بالإفراط في المعاداة فانتقلوا معهم من الجدال إلى الجلاد (وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وأُنزِلَ إِلَيْكُمْ) هذا كأنه من المجادلة الحسنة (وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ)، خاصة (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) فيه تعريض بأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربانًا من دون الله (وَكَذَلِكَ) مثل ذلك الإنزال (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ) كتابًا مصدقًا لسائر الكتب قال ابن جرير: معناه أنزلنا إليك الكتاب يا محمد كما أنزلنا على من قبلك من الرسل (فَالَّذِينَ آتيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونُ بِهِ) كمؤمني أهل الكتاب (وَمِنْ هَؤُلاءِ) الذين بين ظهرانيك (مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) كمؤمني العرب (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا) مع ظهور معجزاتها (إِلَّا الْكَافِرُونَ) المتوغلون فيه (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ) قبل نزول القرآن (مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)

стр. 1485

ذكر اليمين زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتبًا (إِذًا) لو كان شيء من التلاوة والخط (لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) فيقولون لعله قرأه والتقطه من الكتب المتقدمة (بَلْ هُوَ) القرآن (آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) يتلونه من حفظهم لا من مصاحفهم وذلك من خاصة هذا الكتاب فإن سائر الكتب ما كان يقرأ إلا من المصاحف، ولهذا جاء في صفة أمة محمد في الكتب المتقدمة صدورهم أناجيلهم أو معناه، بل العلم بأنك أُمي لا تقرأ أو لا تخط آيات بينات في صدور العلماء الأخيار (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) المكابرون مع وضوح دلائل صدقه (وَقَالُوا لَوْلا) هلا (أنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ) كناقة صالح، وعصا موسى (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ) هو القادر على إنزالها لا غير (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مبِينٌ) ليس من شأني إنزال الآيات (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ) أي: ألم يردعهم عن طلب آية ولم يكفهم (أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) مع علمهم بأنك أُمي لا تخط ولا تقرأ (إِنَّ في ذَلِكَ) القرآن وإنزاله (لَرَحْمَةً) نعمة (وَذكْرَى) تذكرة (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فإنهم المنتفعون به. * * * (قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ

стр. 1486

بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣) * * * (قُلْ كَفَى بِاللهِ) الباء يزاد في فاعل كفى (بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا) يرى تبليغي ونصحي، وتكذيبكم وتعنتكم (يَعْلَم مَا في السَّمَوَات وَالْأَرْضِ) فلا يخفي عليه حالي وحالكم (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ) كالطواغيت (وَكَفَرُوا بِاللهِ أُوْلَئِكَ هُم الخَاسِرُونَ) في صفقتهم (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) كما يقولون: أمطر علينا حجارة من السماء (وَلَوْلا أَجَلٌ مسَمًّى) لعذاب قومك (لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ) عاجلاً (وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بإتيانه (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) لا يبقى منهم أحد إلا دخلها (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العَذَابُ)

стр. 1487

ظرف محيطة يعني لا يليق استعجالهم، ومثل هذا العذاب معد لهم وعن بعض السلف: إن جهنم هو البحر، وهو محيط بهم ينتثر فيه الكواكب ثم يستوقد فيكون هو جهنم، وفي مسند الإمام أحمد أنه قال ﵇: " البحر هو جهنم " فعلى هذا يوم ظرف لمحذوف، أي: يوم يغشاهم العذاب كيت وكيت (مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ) الله (ذُوقُوا) جزاء (مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) نصب فإياي بفعل يفسره ما بعده،

стр. 1488

وهو جواب شرط محذوف، أي: أرضي واسعة فإن لم تتمكنوا في إخلاص العبادة في أرض فاعبدوني في غيرها ولما حذف الشرط عوض عنه تقديم المفعول مع أن التقديم مفيد للاختصاص نزلت في ضعفة المسلمين الذين لم يستطيعوا الهجرة إلى المدينة، أو في قوم خافوا من ضيق العيش، وتخلفوا عن الهجرة (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) فاستعدوا له بأي طريق تيسر لكم أو خوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) ننزلنهم (مِّنَ الجَنَّةِ غرَفًا) نصب غرفًا على قراءة لنبوئنهم أي: لنقيمنهم مفعول ثان أيضًا لإجرائه مجرى لننزلهم أو بنزع الخافض أو تشبيه الظرف المعين بالمبهم لأنه منكر كـ أرضًا فِي " أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا " [يوسف: ٩] (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) ذلك (الذِينَ صَبَرُوا) على مفارقة الأوطان والمشاق لله (وَعَلَى رَبِّهِمْ) لا على غيره (يَتَوَكَّلُونَ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا) لا ترفع رزقها معها ولا تدخره (اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) أيضًا إن كنتم تجمعون وتدخرون فلا تخافوا على معيشتكم بالهجرة (وَهُوَ السَّمِيعُ) لأقوال العباد (الْعَلِيمُ) بأحوالهم فلا يغفل عنهم أبدًا (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) أي: أهل مكة (مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) أي: إذا كان هذا جوابهم فكيف يصرفون عن توحيده فإنهم مقرون بأنه خالقها (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ) يضيق (لَهُ) هذا الضمير غير عائد إلى من، بل وضع موضع لمن يشاء بجامع كونهم مبهمين، وهذا من توسعهم فيتعدد المرزوق أو عائد إليه والتعدد بحسب أحواله يبسط له تارة ويقبض له أخرى (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) يعلم مصالحهم ومفاسدهم وهذه

стр. 1489

الآية لبيان أنه كما هو خالق فهو رازق، وهم معترفون به أيضًا كما يبين بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ) فإن المطر هو السبب الكلي لوجود الرزق، وهم مع اعترافهم بخالقيته ورازقيته يعدلون عنه (قُلِ) يا محمد: (الْحَمْدُ لله) على ظهور حجتك عليهم، وعلى عصمتك عن مثل تلك الضلالة (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) ما يقولون من الدلالة على بطلان الشرك. * * * (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) * * * (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) إشارة تحقير (إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ) كما يجتمع الصبيان سويعة مبتهجين، ثم يتفرقون وليس في أيديهم سوى إتعاب البدن (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) الحياة الحقيقية التي لا موت فيها، فكأنها في نفسها حياة والحيوان مصدر حي وقياسه حية ففيه شذوذان قلب الياء واوًا وترك الإدغام (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) حقيقتها لعلموا صحة ما قلنا (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ

стр. 1490

الدِّينَ) يدعون أصنامهم ولا يدعونها، يبين أنَّهم مع الاعتراف بخالقيته ورازقيته في بعض الأحيان يعترفون بوحدانيته ومع ذلك يشركون (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) فاجئوا المعاودة إلى شركهم من غير تأمل وسبب، (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) من النعم (وَلِيَتَمَتَّعُوا) اللام لام الأمر على التهديد من باب " اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة ما فعلوا (أَوَلَمْ يَرَوْا) أهل مكة (أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا) جعلنا بلدتهم ذا أمن لا يغار على أهله (وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) يختلسون تغزوا العرب بعضهم بعضًا حولهم، وهم آمنون مع قلتهم وكثرة العرب (أَفَبِالْبَاطِلِ) أي: أبعد [هذه] النعمة الظاهرة بالصنم (يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ) حيث أشركوا به غيره (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ) بالرسول أو القرآن (لَمَّا جَاءَهُ) بلا تأمل واستعمال فكر (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) تقرير لثوائهم فيها أي ألا يستوجبون الثواء فيها وقد افتروا مثل هذا الافتراء وكذبوا هذا التكذيب (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) في حقنا ومن أجلنا (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) الطرق الموصلة إلى جنابنا وثوابنا أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير (وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) بالنصرة والإعانة. والحمد لله حقَّ حمده. * * *

стр. 1491

سورة الروم مكية إلا قوله - " فسبحانَ اللهِ " وهى ستون أو تسع وخمسون آية وست ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ (١٠) * * * (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام أو أدنى أرضهم إلى عدوهم، وهي الجزيرة أو الأردن، (وَهُم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ)،

стр. 1492

من إضافة المصدر إلى المفعول، (سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ)، البضع ما بين الثلاث إلى العشر أو إلى التسع نزلت حين بلغ خبر غلبة فارس على الروم إلى مكة فشمت أهلها وقالوا: أنتم أيها المؤمنون والنصارى أهل كتاب، ونحن وأهل فارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن نحن عليكم، (لله الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ): من قبل كونهم غالبين، (وَمِنْ بَعْدُ): بعد كونهم مغلوبين يعني: ليس مغلوبيتهم

стр. 1493

وغالبيتهم إلا بإرادته وقضائه، (وَيَوْمَئِذٍ): يوم يغلب الروم فارس، (يَفْرَحُ الُمؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ): بتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له أو لأجل ظهور صدقهم فيما أخبروا به من غلبة الروم، (يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ): ينتقم من عباده تارة بالمغلوبية، (الرَّحِيمُ) فيتفضل أخرى بالنصر، (وَعْدَ اللهِ)، مصدر مؤكد لنفسه، (لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ): صحة وعده لكفرهم، (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فإن لها ظاهرًا وهو التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها وباطنًا وهو أنها مجاز إلى الآخرة، ومزرعتها، جملة مستأنفة لبيان موجب جهلهم، (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ): لا يخطر ببالهم، فهم عقلاء في أمور الدنيا بُلهٌ في أمور الدين، (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ)، التفكر لا يكون إلا في القلوب لكن فيها زيادة تصوير لحال المتفكرين كقولك: أضمره في نفسك، (مَا خَلَقَ اللهُ)، ما نافية متعلق بمحذوف، أي: فيقولوا أو فيعلموا ما خلق الله، (السَّمَوَات وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا): متلبسة، (بِالْحَقِّ): لا عبثًا وباطلاً، (وَأَجَلٍ مسَمًّى) تنتهي عنده وهو قيام الساعة، عطف على الحق، أو معناه أولم يتفكروا في أمر أنفسهم فإنها عالم صغرى فيعلموا حقيقة خلق العالم الكبرى وفناءه، ومن عرف نفسه فقد عرف ربَّه، (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ): قيام الساعة، (لَكَافِرُونَ): جاحدون، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ): ألم يسافروا؟! (فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): فينظروا مصارع الأمم السالفة المكذبة، فيعتبروا، (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً)، كعاد وثمود، (وَأَثَارُوا الْأَرْضَ)، قلبوها للزراعة، (وَعَمَرُوهَا): بالأبنية أو بالزراعة، (أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا)، فإنهم في واد غير ذي زرع، (وَجَاءتْهُمْ

стр. 1494

رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): فكذبوهم، (فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ)، فإنه حرم الظلم على نفسه، (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، حيث عملوا ما استحقوا به التدمير، (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى) أي: هم عوقبوا في الدنيا بالدمار، ثم كانت عاقبتهم عقوبة هي أسوء العقوبات السوأى تأنيث الأسوء كالحسني، (أَنْ كَذَّبُوا) أي: لأن، (بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ)، قيل: السوأى مفعول أساءوا أي: اقترفوا الخطيئة، و " أن كذبوا " خبر كان، أي: كان عاقبتهم أن طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا واستهزءوا بالآيات. * * * (اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) * * * (اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، بعد الإعادة للجزاء، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ): يسكت أيسًا من كل خير، (المجرِمُونَ): الكاملون في الجرم،

стр. 1495

(وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ): ممن أشركوا بالله، (شُفَعَاءُ وَكَانُوا): فى الآخرة، (بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ): يكفرون بهم بعد اليأس من شفاعتهم، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ)، تأكيد ليوم تقوم الساعة، (يَتَفَرَّقُونَ)، أي: المؤمنون والكافرون تفرقًا لا اجتماع بعده، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ) هي أرض ذات نبات وماء، (يُحْبَرُونَ): يسرون سرورًا تهلل له وجوههم، (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) لا يغيبون عنه أبدًا وهذا تفصيل لتفرقهم، (فَسُبْحَانَ اللهِ)، تنزيه منه تعالى لنفسه الأقدس وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده فى هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، (حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أي: هو المحمود فيهما وعلى أهلهما أن يحمدوه، (وَعَشِيًّا) عطف على حين تمسون، وله الحمد إلخ، اعتراض مناسب للتسبيح، (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهيرة وسط النهار وفي الحديث

стр. 1496

" من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون (الآية) أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته "، وعن ابن عباس الآية جامعة للصلوات الخمس حين تمسون المغرب، والعشاء وعشيا العصر والباقي ظاهر، (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): كالإنسان من النطفة، والنطفة منه، (وَيُحْيِ الْأَرْضَ): بإخراج النبات، (بَعْدَ مَوْتِهَا)؛ يبسها، (وَكَذَلِكَ): مثل ذلك الإخراج، (تُخْرَجُونَ): من قبوركم. * * * (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) * * *

стр. 1497

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ)، فإنه أصل الكل، (ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) أي: ثم فاجأتم وقت كونكم بشرًا منتشرين في الأرض، فثم لتراخي الرتبة، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا): من جنسكم، أو المراد خلق حواء من ضلع آدم، قيل: المراد خلقن من نطف الرجال، (لِتَسْكُنُوا): لتميلوا وتألفوا، (إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ) بين الرجال والنساء، (مَوَدَّةً وَرَحْمَةً): بعد أن لم تكن سابقة معرفة ولا سبب يوجب التعاطف، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ): في غرائب صنعه، (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ): لغاتكم وايم الله إنه من غرائب صنعه، فَلِكُلٍّ لغة والكل مركب من تسعة وعشرين حرفًا، ولو تكلم صاحب لغة بلغته من مبدأه إلى منتهاه بحكايات مختلفة متميزة لتمكن منه، ولا يتحد كلام بكلام مع اتحاد ما ركب منه، (وَأَلْوَانِكُمْ)، هيئاتكم وحُلاكم بحيث وقع التمايز حتى بين التوأمين، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) لا تكاد تخفى على أحد، (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) من باب اللف، أي: منامكم، وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار وهما ظرفان والواقع فيهما مظروفهما، والظرف والمظروف كشيء واحد فلا فصل بالأجنبي والنكتة في العدول هي الاهتمام بشأن الظرف، أو المراد منامكم في الزمانين وطلب المعاش فيهما فحذف من أحد المتقابلين ما يقابل الآخر للدلالة، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ): سماع تَفَهمٍ، (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ) أي: إراءة البرق نزل الفعل منزلة المصدر، (خَوْفًا وَطَمَعًا): إراءة خوف وطمع أو إخافة

стр. 1498

وإطماعًا من الصاعقة، وفي الغيث أو خائفين وطامعين أو مفعول له لفعل يلزم المذكور كأنه قيل يجعلكم رائين البرق خَوْفًا وَطَمَعًا، (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) أي: إنزاله منه، (فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) يعني قائمتان بأمره لهما، وتسخيره إياهما من غير مقيم مشاهد لما كان القيام غير متغير أخرج الفعل بما يدل على أنه اسم، وهو إن ليدل على الثبوت لكن إراءة البرق لما كانت من الأمور المتجددة لم يذكر معها ما يدل على المصدر، (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)، عطف على أن تقوم أي: ومن آياته قيام السماء ثم خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف وثم لعظم ما فيه، ومن الأرض ظرف دعاكم وإذا الثانية للمفاجأة تنوب مناب الفاء في جواب الشرط، (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): خلقًا وملكًا، (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ): منقادون لتصرفه فيهم، (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ) أي: أن يعيده، (أَهْوَنُ عَلَيْهِ)، بالقياس إلى أصولكم وإلا فهما عليه بالسوية، أو أهون بمعنى هين قيل: أهون على الخلق فإنهم يقومون بصيحة واحدة فهو أهون من أن يكونوا نطفًا، ثم كذا ثم كذا (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى): الوصف العجيب الشأن الذي ليس لغيره ما يدانيه كالوحدة والقدرة، (فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ): الذي يغلب ولا يغلب، (الْحَكِيمُ): في أفعاله. * * *

стр. 1499

(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) * * *

стр. 1500

(ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ): منتزعًا من أحوالها من للابتداء، (هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ): من مماليككم، من للتبعيض، (مِّن شُرَكَاءَ)، من زيدت للتأكيد، لأن الاستفهام بمعنى النفي، (فِى مَا رَزَقناكُمْ): من أموال وأولاد، (فَأَنتُمْ فيه سَوَاءٌ)، يعني: هل ترضون أن يشارككم بعض مماليككم في أموالكم فتكونون أنتم وهم على السواء من غير تفصلة في التصرف، (تَخَافُونَهُمْ): تهابون أن يستبدوا بتصرف، (كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)، كما يهاب بعضكم بعضًا من الأحرار فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فكيف لرب الأرباب مالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء، كان بها يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، (كَذَلِكَ): مثل ذلك التفصيل، (نُفَصِّلُ): نبين، (الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلمُوا): أشَركوا، (أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْم): جاهلين ليس لهم رادع، (فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللهُ): من يقدر على هداية من أراد الله إضلاله، (وَمَا لَهُم مِن نَّاصِرِينَ): يخلصونهم من الغواية وبوائقها، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ): قومه، (لِلدِّينِ حَنِيفًا): لا تلتفت عنه وتوجه بكليتك إليه، وحنيفًا حال إما من فاعل أقم أو من الدين، (فِطْرَتَ اللهِ): الزموا فطرته، أي: خلقته أو دينه، (الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، فإنه فطر الخلق على معرفته وتوحيده ثم طرأ على بعضهم العقائد الفاسدة، (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ): ما ينبغي أن يبدل تلك الفطرة، وقيل: لا تبديل لما

стр. 1501

جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاوة، (ذلِكَ)، إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة المفسرة بالدين، (الدِّينُ الْقَيِّمُ): المستوي الذي لا عوج فيه، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ): استقامته، (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ): راجعين إليه بالتوبة حال من فاعل الزموا أو أقم وخطاب الرسول خطاب لأمته، (وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ) بدل من المشركين، (فَرَّقوا دِينَهم): جعلوه أديانًا مختلفة، (وَكَانوا شِيَعًا): فرقًا، (كل حِزْب): منهم، (بِمَا لَدَيْهِمْ فرِحُون): مسرورون بمذهبهم يحسبون أنَّهم على شيء، (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ): شدة، (دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ): بالدعاء، (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً): خلاصًا من تلك الشدة، (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) فاجأ بعضهم بالإشراك بالله، (لِيَكْفرُوا)، اللام لام العاقبة، (بِمَا آتَيْنَاهُمْ) أو لام الأمر للتهديد فيناسب قوله (فَتَمَتَّعُوا)، لكن فيه التفات للمبالغة، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ): عاقبة تمتعكم، (أَمْ أَنزَلْنَا): بل أنزلنا، (عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا): حجة، (فَهُوَ يَتَكَلَّمُ): ينطق، (بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) أي: الحجة، ناطقة بالأمر الذي بسببه يشركون أو بإشراكهم بالله، (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً): نعمة، (فَرِحُوا بِهَا): فرح البطر، (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ): شدة، (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)، من المعاصي، (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) فاجأوا القنوط من رحمة الله، (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ

стр. 1502

يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): يضيق لمن يشاء فما لهم يقنطون من رحمته ولا يشكرون كالمؤمنين، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، فإنهم مستدلون بها على حكمته وقدرته، (فآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ): من الصلة والبر، لما ذكر بسط الرزق أتبعه ذكر الصدقة فجيء بالفاء، (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السبِيلِ)، وحقهم نصيبهم من الصدقة، (ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ) أي: جهته، وجانبه أو يريدون النظر إليه في الآخرة، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم، (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا)، أي: ما أعطيتم من أجل ربا، (لِيَرْبُوَ): ليزيد ويزكو، (فِي أَمْوَالِ النَّاسِ) أى: بين أموالهم، (فَلَا يَرْبُو): لا يزكو، (عِنْدَ اللهِ)، ولا يثاب عليه يعني من يعطى عطية يريد أن يرد المهدى له أكثر مما أهدى فلا ثواب له لكن هذا ليس بحرام أو الآية في الربا المحرم والأول هو قول السلف، (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ): صدقة، (تُرِيدُونَ): به، (وَجْهَ اللهِ) أي: مخلصين، (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) أي: ذو الإضعاف من الثواب وضمير ما محذوف أي المضعفون به، (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ)، " من " موصولة مبتدأ و " من شركائكم " خبره و " من " للتبعيض، و " من شيء " مفعول يفعل ومن زيدت لتعميم المنفي ومن في " من ذلكم " إما للبيان قدم أو للتبعيض، قيل من استفهامية ويفعل خبره ومن شركائكم بيان من قدم عليه وفي هذا الوجه من المبالغة ما ليس في الأول ولما أثبت صفات الألوهية لله ونفاها عن الشركاء استنتج من ذلك تقدسه عن الشركة فقال: ، عطف على ناصب سبحانه، (عَمَّا يُشرِكُون).

стр. 1503

* * * (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) * * *

стр. 1504

(ظَهَرَ الفَسَادُ) كالجدب وقلة الأمطار، وقلة الريح وكثرة الوباء، والمحن ومحق البركات، (فِي البَرِ): الفيافي، (وَالْبَحْرِ): الأمصار والعرب تسمى الأمصار البحار أو المراد منهما المعروفان، وقالوا: إذا انقطع القطر عميت دواب البحر وخلت أجواف الأصداف، (بِمَا كسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ): من المعاصي، (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ) أي: جزاء بعض، (الَّذِي عَمِلُوا): في الدنيا واللام للعلة متعلق بظهر، (لَعَلهمْ يَرْجِعُونَ): عما هم عليه، (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ)، ليروا في منازلهم آثار البلاء وكيف خبر كان، (كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ)، استئناف للدلالة على سوء عاقبتهم لفشو الشرك فيهم، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ): قوم وجهك له وعَدِّله، (القَيمِ): البليغ الاستقامة، (مِن قَبْلِ أَن يَأْتِى يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ): لا يقدر أن يرده أحد، (مِنَ اللهِ)، ظرف يأتي أو مرد أي: لا رد من جهته لأن إتيانه في علمه القديم ومرد مصدر بمعنى الرد، (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ): يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير، (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ): لا على غيره، (كُفْرُهُ): وبال كفره، (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحَّاَ): عملاً صالحًا، (فَلأَنفُسِهِمْ) لا لغيرها، (يَمْهَدُونَ): يسوون في آخرتهم منزلاً، (لِيَجْزِى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِِ مِن فَضْلِهِ)، علة لـ يصدعون أو لـ لا مرد أو لـ يأتي، والاقتصار على جزاء المؤمن للإشعار بأنه المقصود

стр. 1505

بالذات أو الاكتفاء على فحوى قوله (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)، فإن فيه إثبات البغض لهم والمحبة للمؤمنين، ومن فضله دال على أن الإثابة تفضل محض، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ): بالمطر فالصبا والشمال والجنوب رياح رحمة، (وَلِيُذِيقَكُم مِن رحْمَتِهِ): التابعة لنزول المطر كالخصب، وزكاء الأرض وغيرهما عطف على مبشرات بحسب المعنى أو على محذوف أي مبشرات بالمطر لفوائد جمة وليذيقكم، (وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ): بهذه الرياح، (بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ)، يعني تجارة البحر، (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): ولتشكروا نعمة الله، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ) كما أرسلناك، (فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): المعجزات الظاهرات فبعضهم كذبوا بها، (فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) وهم المكذبون، (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا) من جهة الوعد واللطف، (نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)، فيه تبشير النبي ﷺ -

стр. 1506

عليه السلام والمؤمنين، (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا): تخرجه من أماكنه، (فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ): في سمتها، (كيْفَ يَشَاءُ): سائرًا وواقفًا مطبقًا وغيره إلى غير ذلك، (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا) أي: تارة يبسطه وتارة يجعله قطعًا، (فَتَرَى الْوَدْقَ): المطر، (يَخْرُجُ): في التارتين، (مِنْ خِلالِهِ): وسطه، (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) فاجأوا بالاستبشار، (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم): المطر، (مِن قَبْلِهِ) تكرير للتأكيد ومعنى التأكيد الدلالة على بعد عهدهم بالمطر واستحكام يأسهم، (لَمُبْلِسِينَ) آيسين، عن بعض الفضلاء إن الظرف الأول لـ مبلسين، والثاني لـ ينزل، أي: ينزل من قبل وقت نزوله كما إذا كنت معتادًا لعطاء من أحد في وقت معين فتأخر عن ذلك الوقت، ثم أتاك به فتقول: قد كنت آيسًا من قبل أن تجيئني بهذا من قبل هذا الوقت، (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ): الغيث، (كَيْفَ يُحْيي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ) أي: من هو محيي الأرض، (لَمُحْييِ الْمَوْتَى): بعد إماتتهم، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا): مضرة، (فَرَأَوْهُ) الضمير لأثرها أي: النبات والزرع، (مُصْفَرًّا): من الجائحة، (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ) من بعد اصفرار الزرع، (يَكْفُرُونَ) وأما المؤمنون فيفرحون بنزول الرحمة لا فرح بطر ويشكرون ويرون الجائحة من شؤم أنفسهم ويستغفرون، واللام موطئة للقسم، وقوله " لَظَلُّوا " جواب له ساد جزاء الشرط، (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى): والكفار في عدم جدوى السماع مثلهم، (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) الأصم

стр. 1507

المقبل ربما يفطن من الكلام بمعونة مشاهدة القرائن شيئًا منه بخلاف المدبر، (وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) والكفار كمن لا عين له يضل الطريق وليس لوسع أحد أن ينزع عنه العمى، ويجعله بصيرًا، (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا): ما ينفعع الإسماع إلا لمن علم الله أنه يصدق بآياته وما طبع على قلبه، (فَهُم مُّسْلِمُونَ): منقادون لما تأمرهم. * * * (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠) * * * (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً)، يعني: ابتدأكم ضعافًا كقوله: " خلق الإنسان من عجل " [الأنبياء: ٣٧] يعني أساس أمرهم

стр. 1508

وما عليه جبلتهم الضعف، (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً): رجح إلى حالة الطفولية، (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ) فإن هذا الترديد في هذه الأحوال أظهر دليل على صانع عليم قدير، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ): القيامة، (يُقْسِمُ): يحلف، (الْمُجْرِمُونَ): المشركون، (مَا لَبثُوا) في الدنيا، (غَيْرَ سَاعَةٍ) واحدة، ومقصودهم بذلك عدم الحجة عليهم وأنَّهم لم ينظروا، أو لم يمهلوا ليؤمنوا أو مرادهم ما لبثوا في قبورهم، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الصرف، (كَانُوا يُؤْفَكُونَ)، عن الصدق في الدنيا أراد الله تفضيحهم فحلفوا على ما تحقق كذبه على الكل، (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ): ردًّا عليهم، (لَقَدْ لَبثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ): في علم الله أو اللوح المحفوظ، (إِلَى يَوْمِ البَعْثِ) يعني: مبين في كتاب الله أنكم لبثتم من ساعة، بل إلى يوم البعث، ومعلوم أنه مدة ممتدة، وعن بعض معناه: الذين أوتوا العلم في كتاب الله يعني: الذين قرءوا في القرآن، " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " [المؤمنون ١٠٠] قالوا للمنكرين: لقد لبثتم في البرزخ إلى يوم البعث، وقيل: معناه لبثتم في تصديق كتاب الله إلى يوم القيامة، (فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ) أي: إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه، (وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ): لا يطلب منهم إزالة غضب الله عليهم بالتوبة، (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ): بينا لهم من كل مثل يرشدهم إلى التوحيد والبعث، (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ) أي آية كانت، (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ

стр. 1509

كَفَرُوا): من فرط عنادهم، (إِنْ أَنتُمْ) أي: ما الرسول والمؤمنون، (إِلَّا مُبْطِلُونَ): مزورون، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الطبع، (يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون): فلا يدخلها إيمان ولا إيقان والأصل على قلوبهم وضع المظهر موضع المضمر لبيان جهلهم، (فَاصْبِرْ): على أذاهم، (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ): فينصركم ولو بعد حين، (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ): لا يحملنك على الخفة والجزع، (الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ): المشركون. والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * * *

стр. 1510

سورة لقمان مكية قيل إلا ثلاثًا من قوله: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) وهي أربع وثلاثون آية وأربع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١) * * * (الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) المشتمل على الحكم، أو المحكم آياته قيل: وصف كتاب الله بصفة الله على الإسناد المجازي، (هُدًى) حال عن الآيات،
следующие страницы →