← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الكهف " واضرب لهم مثلاً رجلين " [الكهف: ٣٢]، (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ): مجزيون (قَالَ) الله لهم أو ذلك القائل (هَلْ أَنتم مطلِعُون): إلى النار لأريكم ذلك القرين (فَاطَّلَعَ): هذا القائل (فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ) وسطها، ولاستواء الجوانب سمي وسط الشىء سواء، وعن كعب الأحبار: إن في الجنة كوى إذا أراد أحد ان ينظر إلى عدوه في النار، اطلع عليها، فازداد شكرًا (قَالَ): القائل لقرينه (تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ): لتهلكني بالإغواء (وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي): بالهداية (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ): معك في النار (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) أي: نحن مخلدون منعمون، فما نحن بالذين شأنهم الموت فالهمزة للتقرير، والفاء عطف على محذوف مقول آخر للمؤمن على سبيل الابتهاج (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى): التي كانت في الدنيا، منصوب بمفعول مطلق من اسم الفاعل (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ): كالكفار عن ابن عباس لما قال الله لأهل الجنة (كلوا واشربوا هنيئًا) أي: بلا موت فعندها قالوا: " أفما نحن بميتين " إلخ قال الله تعالى: لا. قالوا (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وأما قوله: (لِمِثْلِ هَذَا): النعيم المقيم (فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) فهو إما من كلام الله وعليه الأكثرون، أو من كلام أهل الجنة تحدّثًا بنعمة الله وتبجحًا، ثم قال لهم: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا) منصوب على التمييز أو الحال، وفيه دلالة على أن لهم غير ذلك من نعم الله

стр. 1647

(أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) هي نزل أهل النار (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ): ابتلاء في الدنيا، فإنهم كذبوا الرسل، وقالوا: كيف يكون في النار شجرة؟! قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) [الإسراء: ٦٠] (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ): منبتها قعرها، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيه منها غصن (طَلْعُهَا): ثمرها (كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) في تناهي قبح منظره، وهو تشبيه تخييلي، فإن المركوز في طباع الناس أن أحسن الصور صورة الملك، وأقبحها صورة الشيطان قيل: العرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانًا، وقيل هي شجرة قبيحة مرة منتنة، تسميها العرب رءوس الشياطين (فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا): من طلعها (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ): لغلبة الجوع أو يكرهون على تناولها، فهم يتزقمون، وفي الحديث (لو أن قطرة من الزقوم قطرت على بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم) (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا): على الزقوم بعد ما شبعوا منها، وغلبهم العطش (لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ): لشرابًا من ماء مغلي أو مشوبًا ممزوجًا من حميم يمزج لهم الحميم بما يسيل من فروج الزناة، وعيون أهل النار (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ذلك لأنَّهُم يوردون الحميم لشربه، وهو خارج من النار أو الحميم في طرف منها وجانب، والمرجع بعد الشرب إلى أصلها (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا) أي: وجدوا (آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ) تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد (فَهُمْ

стр. 1648

عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُون): يسرعون كأنهم في غاية مبادرتهم إلى طريق آبائهم مضطرون إلى الإسراع (وَلَقَدْ ضَل قَبْلَهُمْ): قبل أمتك (أَكْثَرُ الأَولِينَ) من الأمم الماضية (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم منذِرِينَ): أنبياء أنذروهم بأس الله (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُنذَرِينَ): تأمل عاقبتهم، فإن عاقبتهم هلاك وفظاعة " إلا عِبَادَ الله الْمُخْلَصِينَ) كأنه قال تأمل فإن عاقبة جميعهم الهلاك إلا من أخلص دينه لله وحَّده، والمقصود خطاب الأمة وأخبار الأمم كانت مسطورة في كتب أهل الكتاب مشهورة منهم في العرب. * * * (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا

стр. 1649

تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) * * * (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ): حين أيس من إيمان قومه. فقال: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر: ١٠] (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) أي فأجبناه أحسن إجابة، ووالله لنعم المجيبون نحن (وَنَجيَّنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكرْبِ الْعَظِيمِ): أذى قومه (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) مات من كان معه في السفينة، سوى أولاده وأزواجهم، وأولاده ثلاثة: سام، وهو أبو

стр. 1650

العرب، وفارس والروم، ويافث، وهو أبو الترك وسقالبة، ويأجوج ومأجوج، وحام وهو أبو القبط والسودان والبربر (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْاَخِرِينَ): من الأمم (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ) مفعول تركنا، وهو من كلام المحكي، كقرأت سورة أنزلناها، أي: يسلم جميع الأمم عليه تسليمًا (في الْعَالَمِينَ) متعلق بما تعلق على نوح به، والغرض ثبوت هذا الدعاء في كل خلق كما تقول: السلام عليك في كل زمان ومكان، وقيل: مفعول تركنا محذوف أي: الثناء الجميل، والجملة بعده استئناف يدل عليه (إِنَّا كَذَلِكَ): مثل هذه التكرمة (نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ): من أحسن في العبادة (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) علة للإحسان، ومنه علم أن الإيمان هو القصارى في المدح (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) كفار قومه (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ): أهل دينه، وهو من على منهاجه وسنته (لإبْرَاهيمَ) وبينهما هود، وصالح وفي جامع الأصول أن بينهما ألفًا ومائة واثنتين وأربعين سنة (إِذ جَاء ربَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من الشك، أو من العلائق، ظرف للشيعة لما فيها من معنى المشايعة أي: ممن شايعه على طريقه حين جاء أو تقديره اذكر إذ جاء (إِذْ قَالَ) بدل من الأول أو ظرف لـ سليم أو جاء (لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ): أنكر عليهم عبادة الأصنام (أَئِفْكًا

стр. 1651

آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ) أي: تريدون آلهة دونه للإفك، أو آفكين أو تريدون الإفك، وآلِهَةً بدل منه ففيه مبالغة لا تخفى (فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ): إذا لقيتموه ماذا يفعل بكم، وقد عبدتم غيره، أو حتى تركتم عبادته (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ): خرج قومه إلى عيدهم، وأرادوا خروجه معهم، فقال: لا أخرج لأني سقيم، أراد التورية أي سأسقم أو سقيم النفس من كفرهم، ولما كان غالب أسقامهم الطاعون خافوا السراية، وخلوه، وكان قومه نجامين أوهمهم استدلاله على مرضه بعلم النجوم، أو المراد أنه تفكر فقال: إني سقيم، والعرب تقول لمن تفكر نظره إلى النجوم كذا قال كثير من السلف (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ): هاربين إلى عيدهم خوفًا عن سراية الطاعون (فَرَاغَ): ذهب بخفية (إِلَى آلِهَتِهِمْ) بعد ما ذهبوا (فَقَالَ):

стр. 1652

للأصنام سخرية (أَلا تَأكُلُونَ): من الأطعمة التي حواليكم، فإن قومه يضعون الأطعمة بين أيديهم ويرجعون ويأكلون للتبرك (مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ): تعديته بعلى للاستعلاء وأن الميل لمكروه (ضَربًا بِالْيَمِينِ) مصدر لراغ عليهم؛ لأنه بمعنى ضربهم أو لمحذوف أو حال بمعنى ضاربًا ضربهم باليد اليمني، لأنه أشد، وقيل بالقسم الذي سبق منه، وهو " تالله لأكيدن أصنامكم " (فأَقْبَلُوا إِلَيْهِ) إلى إبراهيم بعد ما رجعوا ورأوا إهلاك آلهتهم، وبحثوا عن كاسرها، وظنوا أنه هو (يَزِفُّونَ): يسرعون (قَالَ): لهم إبراهيم (أَتَعبدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أي: وما تعملونه بقرينة ما تنحتون يعني: هل المخلوقات لخالق واحد يعبد أحدهما الآخر، وكلمة ما عامة تتناول ما يعملونه من الأوضاع والحركات والمعاصي والطاعات وغيرها، والمراد بأفعال العباد المختلف فيها هو ما يقع بكسب العبد، ويستند إليه مثل الصوم والصلاة والأكل، والشرب ونحوهما مما يسمى الحاصل بالمصدر لا نفس الإيقاع الذي هو من الاعتبارات العقلية كما تقول: يفعلون الزكاة يقيمون الصلاة يعملون الصالحات والسيئات، ولما غفل عن هذه النكتة كثير من الفضلاء بالغوا في نفي كون ما موصولة والإنصاف أن الآية محتملة لما قررنا ولأن يكون المراد ما تعملونه من الأصنام فلم يبعد الاستدلال مع الاحتمال والله أعلم (قَالُوا ابنوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ): في النار الشديدة بنوا له حائطًا من الحجر طوله ثلاثون وعرضه عشرون، وأوقدوا فيه النار بملئه، وطرحوه فيه (فأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا): شرًّا (فَجَعَلْنَاهُمُ الأسفَلِينَ): الأذلين بإبطال كيدهم وتفصيل القصة في سورة الأنبياء (وقالَ): بعد خروجه من النار (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى ربي): إلى مرضاة ربي (سيَهْدِينِ): إلى صلاح داري، فهاجر إلى الشام (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) أي: بعض الصالحين يعني

стр. 1653

الأولاد (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) فيه بشارة أنه ابن ينتهي في السن إلى أن يوصف بالحلم، وهو إسماعيل على الأصح نقلاً ودليلاً فإن إسماعيل هو الذي وهب له إثر الهجرة ولأن البشارة بإسحاق بعد معطوفة على هذه البشارة، وكيف لا وإسماعيل هو الذي كان بمكة والمناسك، والذبح ما كانتا إلا فيها قال بعض العلماء: من

стр. 1654

تحريفات اليهود أنه إسحاق؛ لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب، ومن زعم من السلف أنه إسحاق، وهو الذي سمع ذلك من كعب الأحبار حين يروي من الإسرائيليات، وليس فيه حديث غير ضعيف، والرواية عن علي، وابن عباس - رضى الله عنهما - مختلفة (فَلَمَّا بَلَغَ): الغلام (مَعَهُ السَّعْيَ) يعني سنًّا يسعى مع أبيه في أعماله، أو في الطاعات يعني شب وأطاق ما يفعله أبوه من العمل، ويتصرف معه، ويعينه، ومعه

стр. 1655

ظرف للسعي المقدر عند من لم يجوز تقدم الظرف أيضًا على المصدر (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) ورؤيا الأنبياء وحي، ولما تكرر رؤياه ثلاث ليال قال: أرى بلفظ المضارع (فانظُرْ مَاذَا تَرَى): من المصلحة هو من الرأي، لا يطلب إلا مفعولاً واحدًا هو ماذا، اختبر صبره من صغره على طاعة الله فشاوره (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) أي: ما تؤمر به، يعني: ليس هذا من مقام المشاورة، فإن الواجب إمضاء أمر ربك (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ): على حكم الله (فَلَمَّا أَسْلَمَا): انقاد لأمر الله، وعن بعض المفسرين: تشهد أو ذكرا اسم الله؛ إبراهيم على الذبح وإسماعيل شهادة الموت (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ): أكبَّهُ على وجهه؛ ليذبحه من قفاه، لئلا يرى وجهه عند الذبح فيكون أهون عليه (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ) أن مفسرة (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا): بجزم عزمك وجواب لا محذوف أي: لما أسلما وكذا وكذا كان ما كان من وفور الشكر والسرور لهما والثناء الحسن (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ): ليس من تتمة النداء، بل تم الكلام ثم قال: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره، ونجعل لهم من أمرهم فرجًا (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ): الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلص من غيره (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ) لذبح اسم بها يذبح (عَظِيمٍ) يعني: عظيم القدر، أو عظيم الجثة، والأصح أنه كبش أملح أقرن، وعن كثير من السلف

стр. 1656

أنه كبش قربه ابن آدم فتقبل منه، وكان في الجنة فأتى به جبريل، والمنقول أن قريشًا توارثوا قرني الكبش الذي فدي به أبوهم خلفًا عن سلف، وجيلاً عن جيل، وكان في الكعبة إلى أن بعث الله نبينا ﷺ (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) قد مر تفسيره في هذه السورة (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ) أي: بوجوده (نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) حالان مقدرتان أي: بشرناه به مقدرًا نبوته، وكونه من الصالحين وعند من يقول: الذبيح إسحاق، فالبشارة الثانية بوجوده مقيدًا بنبوته، والمقصود الأصلي في هذه المرة البشارة بالنبوة، وأما الصلاح بعد النبوة، فلتعظيم شأن الصلاح، وأنه الغاية والمقصود الأصلي (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ): على إبراهيم في أولاده (وَعَلَى إِسْحَاقَ) فإن كثيرًا من الأنبياء من نسله (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ): إلى نفسه بالإيمان والطاعة (وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ): بالكفر (مُبِينٌ): ظاهر ظلمه. * * * (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ

стр. 1657

لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨) * * * (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ): أنعمنا بالنبوة وغيرها عليهما (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ): تغلُّب فرعون (وَنَصَرْنَاهُمْ) أي: هما والقوم (فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ): على القبط (وَآتيْنَاهُمَا الْكِتَابَ): التوراة (الْمُسْتَبِينَ): البليغ في بيانه (وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) سبق في هذه السورة تفسيره (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) عن

стр. 1658

بعض: هو إدريس، وعن بعض: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل من أسباط هارون بن عمران (إِذ قَاْلَ) ظرف لمن المرسلين (لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُون): عذاب الله (أَتَدْعُون): تعبدون (بعْلاً): ربًّا، والبعل الرب، قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والسدي بلغة اليمن، أو هو اسم لصنم كان لأهل " بك " من الشام، وهو المسمى حينئذٍ ببعلبك، وقيل: امرأة اسمها بعل يعبدونها (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ): تتركون عبادته (اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) وقراءة النصب بالبدل (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ): في العذاب (إِلا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) استثناء من فاعل كذبوه، لا من ضمير محضرون (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) لغة في إلياس، كميكال، وميكائيل، وقيل: جمع منسوب إليه بحذف ياء النسبة كأعجمين، والأشعرين، وقراءة آل ياسين، قيل: ياسين هو أبو إلياس، فآل إلياس، وقيل ياس هو الاسم، والياء، والنون زائدة في لغة السريانية، فعلى هذا الآل مقحم، كآل موسى، وهارون، والمراد من ياسين إلياس، وقيل: آل محمد وهو بعيد جدًّا (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ) أي: وقعت في الباقين في العذاب (ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ) قد مرَّ تفسيره (وَإِنَّكُمْ): يا أهل مكة (لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ): على منازلهم في طريقكم إلى الشام (مُصْبِحِينَ): داخلين في الصباح (وَبِاللَّيْلِ) يعني نهارًا وليلاً (أَفَلَا تَعْقِلُونَ): أليس لكم عقل فتعتبرون بهم. * * *

стр. 1659

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢) * * *

стр. 1660

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ): هرب (إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ): المملوء (فَسَاهَمَ): فقارع أهل الفلك (فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ) صار من المغلوبين بالقرعة، وذلك لأن البحر اشتد عليهم، فقالوا: فينا من بشؤمه اشتد البحر فتساهموا على من يقع عليه القرعة يلقى في البحر، فوقعت عليه ثلاث مرات، فألقى ﵇ نفسه في البحر (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ): ابتلعه (وَهُوَ مُلِيمٌ) أي: ما يجب أن يلام عليه، أو مليم نفسه (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ): لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، أو من المصلين في بطن الحوت، قد نقل أنه لما استقر في بطنه، ظن أنه قد مات، فحرك رجليه فإذا هو حيٌّ، فقام وصلى، وهو في بطنه، أو من المسبحين بقوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) بأن يطول عمر الحوت، ويكون بطنه سجنًا له (فنَبَذْنَاهُ): طرحناه (بِالْعَرَاء): الأرض الخالية التي لا نبات فيها على جانب دجلة، وقيل: بأرض اليمن (وَهُوَ سَقِيمٌ):

стр. 1661

كفرخ ليس عليه ريش، ومدة لبثه في بطنه، ثلاثة، أو سبعة، أو أربعون، أو يوم واحد (وَأنبَتْنَا عَلَيْهِ) أي: فوقه (شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ): شجرة الدباء ليتظلل بها، وعن بعض كل شجرة لا ساق لها، فهو يقطين، وعن بعض هو كل شجرة تهلك من عامها (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ) هم قومه الذين هرب عنهم، والمراد إرساله السابق، أو إرسال ثانٍ إليهم أو إلى غيرهم (أَوْ يَزِيدُونَ): بل يزيدون، أو يزيدون على تقديركم، وظنكم كمن يرى قومًا فيقول: هؤلاء مائة أو أكثر (فَآمَنُوا): المرسل إليهم (فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ): إلى وقت آجالهم (فَاسْتَفْتِهِمْ) أي: سل أهل مكة، وهو سؤال توبيخ عطف على قوله (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا)، الذي وقع فِي أول السورة ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض، ثم أمره ثانيًا باستفتائهم (أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ) حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله (وَلَهُمُ الْبَنُونَ) لزم من كفرهم هذا التجسيم، فإن الولادة للأجسام، وتفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أرفع الجنسين لهم، واستهانتهم بالملائكة (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ): خلقنا إياهم بحضرتهم، فإن الأنوثة مما تعلم بالمشاهدة (أَلا إِنَّهُم منْ إِفْكِهِم): بهتانهم (لَيَقولُونَ وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ): فإنه محال على الله سبحانه (أَصْطَفَى

стр. 1662

الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ) استفهام استبعاد، وأما قراءة كسر الهمزة فعلى حذف همزة الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها، وقيل بدل من ولد الله، أو بتقدير القول أي: لكاذبون في قولهم أصطفى (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) بمثل هذا (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) إنه سبحانه مقدس عن مثل ذلك (أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ): حجة واضحة من السماء على ما تقولون (فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ): الذي أنزل عليكم هذا (إِنْ كنتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَينَهُ): بين الله (وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) قالوا الملائكة بنات الله. فقال أبو بكر ﵁: من أمهاتهن؟! قالوا: سروات الجن أو زعموا عليهم لعائن الله أن الله سبحانه، وإبليس أخوان، أو المراد من الجنة الملائكة سُمُّوا جنة؛ لاجتنانهم عن الأبصار (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُون) أي: الجن يعلمون أن القائلين بهذا، أو أن الجنة لمحضرون والعذاب يعني: الكفار يسوّون الجن باللهِ، والجن يعلمون كذبهم، وعلى قول من فسر الجنة بالملائكة معناه: ولقد علمت الملائكة أن الكافرين القائلين بذلك لمحضرون في العذاب (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفون): من الولد والنسب (إِلا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) منقطع من المحضرين أي: لكن المخلصون ناجون، أو متصل من ضمير جعلوا أو يصفون إن فسر بما يعمهم (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) أي أنتم وأصنامكم ما أنتم بفاتنين على الأصنام يعني: لا تُغوون، ولا تضلون أنتم أحدًا إلا من هو في علم الله أنه يدخل الجحيم،

стр. 1663

قيل: ضمير عليه لله، والخطاب في أنتم لهم، ولآلهتهم على تغليب المخاطب، أي: ما أنتم على الله بمفسدين الناس بالإغواء إلا من سبق في علمه شقاوته، وقيل وما تعبدون سادّ مسد الخبر ككل رجل وضَيْعَتَهُ، أي: إنكم وآلهتكم قرناء، ثم ابتدأ فقال: " ما أنتم عليه " إلخ (وَمَا مِنَّا): أحد (إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ): في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه، أو في القربة، والمعرفة، وهذا حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية ردًّا على عبدتهم، وقيل من قوله: سبحان الله من كلام الملائكة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن القائلين بذلك معذبون قائلين سبحان الله عما يصفون، لكن عباد الله المخلصين برآء مما يصفونه، ثم التفتوا إلى الكفرة، وجاءوا بالفاء الجزائية أي: إذا صح أنكم مفترون، والله منزه فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا على الله عباده إلا أشقياء مثلكم، ثم رجعوا من الاحتجاج وأظهروا العبودية واعترفوا بها (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ): في طاعة الله (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ): الله عما لا يليق به، أو المصلون (وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ) أي: وإن الشأن كان المشركون ليقولون: (لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا): كتابًا (مِّنْ الأَوَّلِينَ): من كتبهم (لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ)

стр. 1664

لأخلصنا العبادة له، ولم نخالفه كما خالفوا (فَكَفَرُوا بِهِ) أي: بالذكر لما جاءهم (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة كفرهم (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا): وعدنا بالنصر (لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) وهذه الكلمة هي قوله: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ): في الدارين، أو في الآخرة، عن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة (فَتَوَلَّ): أعرض (عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ): إلى وقت مؤجل ومدة يسيرة يأتيك نصرك (وَأَبْصِرْهُمْ): حينئذ كيف يذلون (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) عزك ونصرك، وسوف للوعد لا للتبعيد (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) روي أنه نزلت حين قالوا عند نزول قوله فسوف يبصرون: متى يكون هذا؟ (فَإِذَا نَزَلَ) أي: العذاب (بِسَاحَتِهِمْ) بفنائهم (فَسَاءَ): بئس (صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ): صباحهم، واللام للجنس، والمراد من الصباح اليوم أو الوقت الخاص فإن البلايا يطرقن أسحارًا شبهه بجيش أنذر بعض نصاح القوم بهجومه قومه، فلم يلتفتوا إليه، وما دبروا تدبيرًا حتى أناخ بغتة بفنائهم (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) وعد إلى وعد ووعيد إلى وعيد، قيل: الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، وفي إطلاق أبصر ويبصرون عن التقييد بالمفعول فائدة، وهي أنه يبصر وأنَّهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من أنواع المسرة وأجناس المساءة (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ) فإن العزة له تعالى يعز من يشاء (عَمَّا

стр. 1665

يَصِفُونَ) أي: المشركون (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) الذين سبقت الكلمة لهم لا عليهم (وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): على ما أنعم، وهذا تعليم للمؤمنين عن علي ﵁: من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، فليكن في آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة، وقد رفع هذا المعنى إلى رسول الله ﷺ بوجهين، وروي الطبراني عنه ﵇ أنه

стр. 1666

قال: (من قال دبر كل صلاة سبحان ربك رب العزة ... ) إلخ، ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر). والحمد لله على ما هدانا. * * *

стр. 1667

سورة ص مكية وَهِى ثمانٍ وثمانونَ آيةً وَخَمْسُ ركوعَاتٍ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) * * * (ص وَالْقُرْآنِ) إن كانت اسمًا للسورة فتقديره: هذه صاد، ومضمون هذه الجملة، هو المقسم عليه بناء على ما يتضمنه من الأنباء عن الإعجاز والاشتهار به كما تقول: هذا حاتم والله أو معناه صدق الله، أو صدق محمد ﵇، وعلى كل وجه جواب القسم مقدم، وقيل: قسم حذف حرفه، والواو للعطف، والجواب محذوف أي: إنه لمعجز حق (ذِي الذِّكْرِ) أي: ذي الشرف، والشهرة، أو ذي التذكير والعظة (بَلِ

стр. 1668

الذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ): استكبار عن الحق (وَشِقَاقٍ): خلاف لله ورسوله، والتنوين فيهما للتعظيم، والإضراب عما يتضمنه الكلام من وجوب الإذعان، كأنه قيل هو معجز والله والكفار لا يقرون، بل يصرون على العناد (كمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ) وعيد لهم على عدم الإذعان (فَنَادَوْا) استغاثة وتوبة عند حلول العذاب (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ): لا مشبهة بليس، أو للجنس زيدت عليها التاء للمبالغة، كما في ثم ورب، وخُصَّتْ بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، أي: ليس الحين حين فرار ونجاة وتأخر أو لا من حين مناص لهم، قال البغوي: لات بمعنى ليس بلغة اليمن (وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذرٌ منْهُمْ): رسول بشر من أنفسهم (وَقَالَ الْكافِرُونَ) أي: فقالوا لكفرهم (هَذَا سَاحِرٌ) لمعجزاته (كَذابٌ) لما ينسب إلى الله تعالى (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) نسب الألوهية التي للآلهة لاله واحد فيقول: لا إله إلا الله (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) بليغ في التعجب، نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند أبي

стр. 1669

طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره وإلهه، فأجاب - عليه من الله أشرف صلاة وألطف سلام - بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: (يا عم أفلا أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم) فقال -من بين القوم- أبو جهل: ما هي لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: (قولوا لا إله إلا الله) فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وذلك قوله تعالى: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ): الأشراف (مِنْهُمْ) من القوم عن محضر أبى طالب قائلين بعضهم لبعض: (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا): اثبتوا (عَلَى آلِهَتِكُمْ): على عبادتها وأن مفسرة؛ لأن إطلاقهم يدل على القول فإن المنطلقين عن مجالس التقاول يتكلمون حال الانطلاق في ذلك الأمر الذي كان فيه تقاولهم بحسب جري العادة (إِنَّ هَذا لَشَيْء يُرَادُ) أي: هذا الذي يدعوننا إليه لشيء يريده محمد ويتمناه لكن لا يصل إليه، أو لشيء من ريب الزمان بنا فلا مرد له (ما سَمِعْنَا بِهَذا): الذي يقوله (في الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ): في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا أو ملة عيسى، فإن ملة عيسى عند قريش آخر الملل وهم مثلثة، وقيل: في الملة حال من اسم الإشارة، كأنه قال: ما سمعنا أحدًا من أهل الملل، ولا الكهان يقول بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ): كذب اختلقه (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) وليس له علينا مزيد شرف، فكيف يختص بهذا الشرف؟! (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي): من القرآن في أنه حق أو باطل، وأما قولهم إن هذا إلا اختلاق، وهذا ساحر كذاب، وأمثاله، فلا يتفوهون به إلا عنادًا من غير اعتقاد في صميم قلوبهم (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ): لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك من العناد والحسد وحين

стр. 1670

العذاب لم يبق عناد (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ): بل أعندهم خزائن رحمته حتى يعطوها من أرادوه، ويصرفوا عمن لم يريدوا، فيتخيروا للنبوة التي هى أعلى رحمة من أرادوا من صناديدهم؟! وإنما رحمته بيده يعطيها من يشاء (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا): إن كان لهم ذلك (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ): فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء من أبوابها وطرقها من سماء إلى سماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يستصوبون، وهذا تهكم بهم، وأي تهكم (جندٌ ما) أي: هم جند ما من الكفار، وما مزيدة للتقليل (هنالِكَ مَهْزُومٌ): مكسور (مِّنَ الأَحْزَابِ): هنالك ظرف لمهزوم الذي هو صفة جند، وهنالك إشارة إلى بدر، فإنه مصارعهم أو صفة أخرى لجند، وفيه تحقيرهم (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ): ذو الملك الثابت، وعن الكلبي له أوتاد يعذب الناس عليها إذا غضب، وعن قتادة وعطاء له أوتاد وأرسان يلعب بها بين يديه (وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ) وهم قوم شعيب (أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ) مبتدأ وخبر أي: الأحزاب الذين جعل الجند الهزوم بعضًا منهم هم هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنه وجد منهم التكذيب (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ): ما كل واحد منهم مخبرًا عنه بخبر إلا

стр. 1671

مخبرًا عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل (فَحَقَّ عِقَابِ): فوجب عقابي عليهم. * * * (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦) * * *

стр. 1672

(وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاء) أي: أهل مكة (إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً) هي نفخة الفزع (مَّا لَهَا مِن فوَاقٍ): من رجوع أي: نفخة واحدة لا تُثنَّى ولا تردَّد أو ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين (وَقَالُوا رَبنا عَجِّل لنا قِطَّنَا): نصيبنا من العذاب الذي يعد من يدعي النبوة، أو كتابنا الذي فيه أعمالنا ننظر فيه، أو نصيبنا من الجنة التي بعدها (قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) قالوا ذلك استهزاء، فإنهم غير مؤمنين بالجنة ولا بالنار ولا بيوم الحساب (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ): من السخرية (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ) أي: اصبر واذكر قصته كيف لقي من توبيخ الله تعالى بسبب زلة يسيرة (١)، فصُنْ نفسك عن أن تزل فيما أمرتك من تحمل أذاهم، وقيل معناه: اصبر وعظم أمر معصية الله تعالى في أعينهم بذكر قصة داود (ذَا الأَيْدِ): ذا القوة في الطاعة (إِنَّهُ أَوَّابٌ): رجاع إلى الله تعالى في أموره وشئونه (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ) أي مسبحات معه (بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) وقت الإشراق حين تشرق الشمس وهو وقت الضحى (وَالطيْرَ) عطف على الجبال (محْشُورَةً): مجتمعة محبوسة إليه من كل جانب (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ): مطيع أو رجاع إلى التسبيح كلما رجع داود إلى التسبيح، فهذه الأشياء كانت ترجع إلى تسبيحها (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ): قويناه بالهيبة وكثرة الجنود (وَآتيْنَاهُ

стр. 1673

الْحِكْمَةَ): الفهم والعقل والإصابة في الأمور أو النبوة (وَفَصْلَ الْخِطَابِ): الفاصل من الخطاب بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ) الخصم في الأصل مصدر، فلذلك أطلق على غير واحد، والمراد من هذا الاستفهام التشويق إلى استماعه (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ): تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه، وإذ ظرف للنبأ على حذف مضاف أي: قصة نبأ الخصم، أو متعلق بمحذوف أي: نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ) بدل من إذ تسوروا، أو ظرف لتسوروا (فَفَزِعَ مِنْهُمْ) إذ دخلوا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم، فإن له يومًا معينًا للقضاء (قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ) أي: نحن خصمان، والتحاكم بين ملكين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، والظاهر أن معهما غيرهما فمعناه: نحن فوجان متخاصمان (بَغَى): ظلم (بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) وهذا

стр. 1674

تمثيل منهم، وتعريض بحال داود، وما صدر عنه، وتصوير للمسألة، وفرض لها (فاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ): لا تجر في الحكومة (وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ): إلى وسطه وهو العدل (إِنَّ هَذَا أخي): في الصداقة (لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) هي الأنثى من الضأن كناية عن المرأة (١) (وَلِى نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا): ملكنيها واجعلني أكفلها (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ): غلبني: في مخاطبته إياي، لأنه أقدر على النطق فقهرني (قَالَ): داود لما اعترف الخصم الآخر: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) في السؤال تضمين كأنه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب، وقصته أن عين داود وقعت على امرأة رجل فأعجبها، فسأله النزول عنها، فذنبه مجرد أنه التمس النزول عن امرأته، وعن بعضهم ذنبه أن زوجها قتل في بعض الغزوات، فلم يغتم داود اغتمامه بالشهداء، فتزوج امرأته، وما يذكره القصاص ليس له أصل يعتمد عليه، بل منقول عن علي - رضى الله عنه - أنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين (وَإِن كَثِيرًا مِّنْ

стр. 1675

الْخُلَطَاءِ): الشركاء (لَيَبْغِي) يظلم (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) ما مزيدة للإبهام، وفيه تعجب من قلتهم (وَظَنَّ) أي: علم (دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) ابتليناه ذكر أنه لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك فصعدا إلى السماء، فعلم أنه تمثيل بحاله (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ): من ذنبه (وَخَرَّ رَاكِعًا) سمي السجود ركوعًا، لأنه مبدأه، أو معناه خر للسجود حال كونه راكعًا أى: مصليًا (وَأَنَابَ) رجع إلى الله تعالى بالتوبة، وذُكِرَ أنه استمر ساجدًا أربعين يومًا (فَغَفَرنا لَهُ ذَلِكَ وَإِن لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى): لقربة (وَحُسْنَ مَآبٍ): مرجع ومنقلب (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً): استخلفناك على الملك (فِى الأَرْضِ) أو خليفة ممن قبلك من الأنبياء (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بالْحَقِّ): الذي هو حكم الله تعالى (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) هوى النفس في قضائك (فَيُضِلَّكَ): اتباع الهوى (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) طريقه المستقيم (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ): بسبب نسيانهم يوم القيامة فلم يعملوا له، وقيل ظرف متعلق بلهم، ومفعول نسوا متروك. * * *

стр. 1676

(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) * * * (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا): خلقًا باطلاً، بل لأمر صحيح، وحكمة بالغة أو للباطل والعبث الذي هو متابعة الهوى (ذلِكَ) أي: خلقنا إياهن باطلاً (ظَنُّ) أي: مظنون (الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) أم في الموضعين منقطعة، والهمزة لإنكار التسوية فإنها من

стр. 1677

لوازم خلقهما باطلاً، والإنكار الثاني غير الأول باعتبار الوصف، أو باعتبار الذات، أى: بين المتقين من المؤمنين، والفجار منهم وفي الآية إرشاد إلى المعاد، فإنه ربما يكون المفسد والفاجر أحسن حالاً في الدنيا فلابد من دارٍ أخرى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ) يعني: القرآن (مُبَارَكٌ): كثير النفع (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ): يتفكروا فيها (وَلِيَتَذَكَّرَ): يتعظ به (أُولُو الْأَلْبَابِ) ذوو العقول السليمة الظاهر أن ضمير يدبروا لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ): سليمان (إِنَّهُ أَوَّابٌ): رجاع إليه بالتوبة، وهو تعليل للمدح (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ) ظرف لأواب، أو لنعم (بِالْعَشِيِّ): بعد الظهر (الصَّافِنَاتُ) الصافن من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وهذه صفة محمودة في الخيل (الْجِيَادُ) جمع جواد وهو المسرع في سيره (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) أي: آثرت حب الخيل بدلاً عن ذكر ربي، أو يكون عن متعلقًا بأحببت لتضمين معنى أنَبْتُ، والخير: المال، وأراد به ها هنا الخيل (حَتَّى تَوَارَتْ) أي الشمس، ومرور ذكر العشي دال على الشمس (بِالْحِجَابِ) أي حتى غربت (رُدُّوهَا) أي: الصافنات (عَلَيَّ فَطَفِقَ): جعل يمسح السيف (مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) أي: بسوقها وأعناقها، والسوق جمع ساق أي: يقطعهما؛ لأنها شغلته عن ذكر الله تعالى يقال: مسح علاوته، إذا ضرب

стр. 1678

عنقه ذكر أن له عشرين فرسًا، أو عشرين ألف فرس ذات أجنحة تعرض عليه للجهاد، فنسي صلاة العصر حتى غربت الشمس، كما وقع على نبينا عليهما الصلاة والسلام يوم الخندق؛ فاغتم لذلك فطلبها فعقرها غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا له، وقيل: ذبحها وتصدق بها، والذبح على ذلك الوجه مباح في شريعته، فعوضه الله تعالى بما هو خير منه، وهو الريح التي تجرى بأمره، وعن بعضهم كوى سوقها، وأعناقها بكي الصدقة، وحبسها في سبيل الله تعالى، وعن بعضهم يمسحها بيده لكشف الغبار حبًّا لها، وهو قول ضعيف بعيد عن مقتضى المقام (١) (وَلَقَدْ فَتَنَّا): ابتلينا (سُلَيْمَانَ) بأن سلبنا الملك منه أربعين يومًا، وقيل أكثر (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ): وسلطنا على ملكه (جَسَدًا): شيطانًا (جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) رجع إلى ملكه أو تاب، ثم اعلم أنه لم يصح حديث في تفصيل تلك القصة، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنه من الإسرائيليات التي

стр. 1679

لا نصدقها، ولا نكذبها (١)، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه، بل عصمهن منه تشريفًا له ﵊، وأما سبب ابتلائه، فقيل: لأنه أحب امرأة مات أبوها، وهي تجزع أشد جزع، فأمر سليمان ﵇ الشياطين، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم، فعوتب سليمان على ذلك، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه، وقيل فيه غير ذلك، والله تعالى أعلم (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي): ذنبي (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) كان معجزة زمانه الملك، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب، ولذلك قال: (لا ينبغي لأحد من بعدي) أي: هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي، وما قال (٢)

стр. 1680

لم تعط أحدًا غيري، وعن بعض السلف معناه: ملكًا لا تسلبنيه بعد ذلك وتعطيه غيرى كما سلبته مني، وأعطته شيطانًا، والتفسير الأول هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فهو الصحيح (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ): وهو من جملة ما وهبنا له خاصة (تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً): لينة لا تُزعزِعُ (حَيْثُ أَصَابَ): أراد وقصد سليمان (وَالشَّيَاطِينَ) عطف على الريح (كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) بدل منه أشغل بعضهم في المحاريب، والتماثيل وجفانٍ كالجواب، وبعضهم في استخراج اللآلئ من البحر (وَآخَرِينَ) عطف على كل، كأنه جعل الشياطين قسمين عَمَلة ومَردة (مُقَرَّنِينَ): قرن بعضهم مع بعض (فِي الْأَصْفَادِ): في السلاسل (هَذَا): التسليط (عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ): فأعْطِ ما شئتَ لمن شئتَ (أَوْ أَمْسِكْ): أو احرم من شئتَ (بِغَيْرِ حِسَابٍ) من غير حرج عليك في الإعطاء والإمساك فهو حال من فاعل الأمر، وقيل

стр. 1681

صلة للعطاء أى إنه عطاء غير متناهٍ، وعن عطاء معناه: امنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك في وثاقك من شئت منهم، لا تَبِعَةَ عليك (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى): لقربة ورتبة في الآخرة (وَحُسْنَ مَآبٍ) هو الجنة. * * * (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) * * *

стр. 1682

(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) عطف بيان لعبدنا (إِذ نَادَى رَبَّهُ) بدل من عبدنا (أنِّي) أي: بأنِّي (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ): بتعب (وَعَذَابٍ): ألم، ابتلاه الله تعالى بجسده وماله وولده حتى لم يبق فيه مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به غير أن زوجته تخدم الناس بالأجر، وتطعمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، ورفضه القريب والبعيد حتى آل به الحال أن ألقي على مزبلة من البلدة هذه المدة، فلما طال واشتد الحال، تضرع إلى ربه تعالى، فقال: " مسني الشيطان " إلخ، فهذه حكاية لكلامه (١)، وأسند إلى الشيطان؛ لأنه سببه (ارْكُضْ): اضرب (بِرِجْلِكَ): الأرض وهذا حكاية لما أجيب بِهِ (هَذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ): أي فضربها فنبعت عين قيل له هذا مغتسل، أي: اغتسل، واشرب منه تزول منك داءك (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ

стр. 1683

مَّعَهُمْ رَحْمَةً) أي: الرحمة (مِّنَّا): عليه (وَذِكْرَى): تذكرة (لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ليصبروا، وينتظروا الفرج، وقد مرَّ في سورة الأنبياء شرحه (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا) حزمة صغيرة من الحشيش (فَاضْرِبْ بِهِ) أي: امرأتك (وَلَا تَحْنَثْ) روي أنها قطعت ذُوَيبتَها، وباعت بخبز، فأطعمته فلامها على ذلك، وحلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة ضربة، وقيل بغير ذلك من الأسباب (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ): أيوب (إِنَّهُ أَوَّابٌ): مقبل بكليته على الله تعالى (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ

стр. 1684

وَيَعْقوبَ) من قرأ عبدنا يكون وإسحاق، ويعقوب عطفًا على عبدنا (أُوْلِي الأَيْدِي): ذوي القوة في العبادة (وَالْأَبْصَارِ): في معرفة الله تعالى (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ): جعلنهم خالصين لنا (بِخَالِصَةٍ) بسبب خصلة خالصة (ذِكْرَى الدَّارِ) أى: ليس في قلوبهم همٌّ سوى الآخرة، لا يشوب بهمِّ الدنيا، وهو بدل من خالصة على قصد التفسير والبيان، أو تقديره هي ذكرى الدار، وقراءة إضافة خالصة تكون بيانية، وأما إضافة ذكرى فإضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: باء خالصة صلة لأخلصناهم بمعنى: وفقناهم لاكتسابها (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) جمع خَيْرٍ أو خيِّرٍ (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ) أي: كلهم (مِنَ الْأَخْيَارِ) وقد مر قصصهم في سورة الأنبياء (هَذا ذكْرٌ) أي: هذا الذي مر شرف لهم، أو هذا نوع من الذكر أي: من القرآن، ثم شرع في نوع آخر من الكلام، وهو بيان ما أُعدَّ لأمثالهم (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ): مرجع (جَنَّاتِ عَدْنٍ) عطف بيان (مفَتَّحَةً) حال من فاعل الظرف (لَهُمُ الأَبْوَابُ) مرفوع بأنه معمول مفتحة، وحرف التعريف عوض عن الضمير، أو تقديره الأبواب منها (مُتَّكِئِينَ فِيهَا) حال من ضمير لهم (يَدْعُونَ) إما حال أو استثناء (فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) من غير أزواجهن (أَتْرَابٌ): مساويات في السن (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) أي:

стр. 1685

لأجله، فإن الحساب سبب الوصول إلى الجزاء (إِنْ هَذَا لَرِزْقُنَا): الذي رزقناهم (مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ): انقطاع (هَذَا) أي: هذا كما ذكر أو الأمر هذا (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ) عطف بيان لشر مآب (يصْلَوْنَهَا): أي حال كونهم يدخلونها (فَبِئْسَ الْمِهَادُ): جهنم، شبه ما تحتهم من النار بمهاد يفترشه النائم (هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ): انتهى حره (وَغَسَّاقٌ) انتهى برده، أو هو عين تسيل من صديد أهل النار، وحميم خبر هذا وما بينهما اعتراض نحو: زيد -فافهم- رجل صالح، أو تقديره العذاب هذا، وفليذوقوه مترتب على تلك الجملة بمنزلة الجزاء لشرط محذوف، وحميم خبر محذوف أى: هو جهنم أو هذا منصوب بمضمر تفسيره ما بعده على طريقة ربك فكبر (وَآخَرُ) أى: عذاب آخر (مِن شَكْلِهِ) أي: من شكل ما ذكر من العذاب في الشدة (أَزوَاجٌ): أصناف يحتمل أن تكون صفة لآخر بتأويل كونه ضروبًا، وآخر إما عطف على حميم، أو تقديره: ولهم آخر (هَذَا فَوْجٌ) كلام خزنة النار للقادة حين يدخل بعدهم الأتباع (مُّقْتَحِمٌ): داخل في النار (مَعَكُمْ) ظرف لمقتحم، أو حال، والمعية تفيد المقارنة في الحكم لا في الزمان، فقالت القادة: (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ): بالأتباع، والرحب السعة أي: ضاقت عليهم الأرض (إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ) لأنَّهُم داخلوها، وقيل: هذا حكاية لكلام بعض الطاغين مع بعض (قالُوا): الأتباع للقادة (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ) أي: العذاب (لَنَا): بإغوائكم إيانا (فَبِئْسَ الْقَرَارُ) أي: المقر جهنم (قَالُوا): الأتباع (رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا): مضاعفًا أي: ذا ضعف
следующие страницы →