← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وعن بعض الظالم لنفسه كافر أو منافق فحينئذ ضمير منهم للعباد لا للذين اصطفينا والأول أصح، (ذَلِكَ): التوريث، وقيل السبق، (هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ): العظيم، (جَنَّاتُ عَدْنٍ)، مبتدأ، (يَدْخُلُونَهَا)، والضمير للمصطفين، وفي الشواذ جنات بالنصب على شريطة التفسير، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا)، خبر بعد خبر، أو حال مقدرة من حلية المرأة إذا جعلت لها حليًّا، (مِنْ أَسَاوِرَ) جمع سوار، ومن للتبعيض، (مِنْ ذَهَبٍ)، بيان لأساور، (وَلُؤْلُؤًا) بالنصب عطف على محل من أساور، (وَلبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ): هموم الدارين، (إِن رَبَّنَا لَغَفُور): للذنوب، (شَكُور): للطاعة، (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ): الإقامة، (مِنْ فَضْلِهِ): إذ لا يجب عليه شيء، (لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ): تعب، (وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ): كلال، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)، مقابل للذين اصطفينا، (لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ): بموت فيها، (فَيَمُوتُوا)، جواب النفي منصوب بإضمار أن، (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ): مثل ذلك الجزاء، (نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ): مبالغ

стр. 1612

في الكفر أو الكفران، (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ) من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدة، (فِيهَا): قائلين: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا) أي: عملاً صالحًا، (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، بدل أو صفة وفائدته التحسر، والاعتراف بالذنب، (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ)، جواب من الله لهم، (مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)، ما موصولة، ومن فاعل يَتَذَكَّرُ والأصح الذي يدل عليه الأحاديث أنه ستون سنة وعن زين العابدين: إنه سبع عشر سنة، وعن كثير: إنه أربعون، (وَجَاءَكُمُ)، عطف على معنى أو لم نعمركم كأنه قال عمرناكم وجاءكم، (النَّذِيرُ): الرسول، أو الشيب، (فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ). * * * (إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا

стр. 1613

خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥) * * * (إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): فلا يخفى عليه أحوالهم، (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، تعليل له أي: إذا علم مضموات الصدور فكيف يخفى عليه شيء آخر؟! (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) جمع خليفة أي: خلفاء قوم آخرين أورثكم أرضهم وملككم مقاليد التصرف، وسلطكم فيها، (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ): لا يضر غيره، (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًاا): أشد البغض، وهم يحسبون أن آلهتهم شفعاءهم، (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا): وهم

стр. 1614

يحسبون أنَّهم على شيء إلا أنَّهم هم الخاسرون، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي) بدل من أرأيتم أو تأكيد أرأيتم لأنه بمعنى أخبروني عن شركائكم، (مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ): هل استبدوا بخلق شيء حتى استحقوا العبادة؟! (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَات): شركة مع الله في خلقها، (أَمْ آتيْنَاهُمْ) أى: الأصنام، أو المشركين، (كِتَابًا): بأَنهم شركائي، (فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ): حجة واضحة، (مِنْهُ): من ذاك الكتب، الظاهر أنه للترقي فإن الاستبداد بخلق جزء من الأرض أقل دلالة من أن يكونوا شركاء في خلق السماوات، ثم إيتاء كتاب من الله أدل وأدل، وأم منقطعة، (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ)، بدل من " الظالمون "، (بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا)، فإن الأخلاف والأتباع اعتمدوا على قول الرؤساء والأسلاف بأنهم شفعاء عند الله، (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا) أي: كراهة الزوال، أو يمنعها من الزوال، أو يمنعها من الزوال فإن الإمساك منع، (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ)، الجملة المنفية ساد مسد الجوابين، و " من " الأولى زائدة والثانية ابتدائية، (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا): لا يعاجل بالعقوبة مع تلك القدرة التامة،

стр. 1615

(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ): قبل مبعث محمد ﵇، (جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)، مفعول مطلق أى قسمًا غليظًا، (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ): نبي، (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ): أى من الأمة التي هي إحدى الأمم أي: أفضلهم وأهداهم تقول: فلان واحد القوم وأوحدي العصر، ولهذا قال الضحاك: معناه من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل أو من اليهود والنصارى وغيرهم، (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ): مجيئه، (إِلَّا نُفُورًا): عن الحق، (اسْتِكْبَارًا)، بدل من نفورًا أو مفعول له وقيل استكبروا استكبارًا، (فِى الأرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ)، من إضافة الموصوف إلى الصفة بدليل قوله: (وَلَا يَحِيقُ): يحيط، (الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ): بالماكر، (فَهَلْ يَنْظُرُونَ): ينتظرون، (إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ): سنة الله فيهم بتعذيب المكذبين جعل استقبالهم لذلك انتظارًا له منهم، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا): فيصل العذاب ألبتَّة، ويصل إليهم لا إلى غيرهم، (أَوَلَمْ يَسِيَرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ): فإنه يشاهد آثار العذاب من آثارهم، (وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ): ليسبقه، ويفوت عنه، (مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا): ظهر الأرض، (مِنْ دَابَّةٍ): بشؤم معاصيهم، وقيل:

стр. 1616

المراد من الدابة الإنس وحده، (وَلَكِنْ يُّؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مسمًّى): يوم القيامة أو إلى أجلهم القدر المعين، (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا): فيجازيهم على ما علم من عملهم. اللهم عاملنا معاملة فضلك لا عدلك، والحمد لله حقَّ حمده. * * *

стр. 1617

سورة يس مكية وهِى ثلاث وثمانون آية وخمسُ ركوعَاتٍ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) * * * (يس) أي: يا إنسان، أو هو من أسماء الله (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ): ذي الحكمة، وهو قسم (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ): إلى جميع الثقلين (عَلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ): دين قويم

стр. 1618

وشرع لا عوج له خبر بعد خبر، أو حال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) أي: هو منزل، وقراءة النصب بتأويل نزل تنزيلاً، أو أعني ولتُنذِرَ " متعلق بـ تَنْزِيلَ (قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) أي: قومًا غير منذر آباؤهم الأولون، قيل: ما مصدرية، فيكون مفعولاً مطلقًا أو موصولة، فيكون مفعولاً ثانيًا أي: لتنذرهم الذي أُنذر آباؤهم الأقدمون (فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ): كلمة العذاب (عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) يعني: في أعناقهم لا أيديهم، فإن الغل لا يكون إلا في العنق دون الأيدي (فَهِيَ) أي: الأغلال (إِلَى الأَذْقَانِ) أي: واصلة إليها (فَهُم مقْمَحُونَ) المقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ): غطينا على أبصارهم غشاوة (فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) مثل تصميمهم على كفرهم، وأنه لا سبيل إلى تجاوزهم عنه، بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، وكالحاصلين بين السدين لا يبصرون قدامهم ولا خلفهم في أنَّهم متعامون عن النظر في آيات الله، غير متأملين في مبدئهم ومعادهم. عن ابن عباس - رضى الله عنهما - إن الأول مثل بخلهم عن الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) [الإسراء: ٢٩] وعن محيي السنة وغيره إنَّهَا في أبي جهل حين أخذ حجرًا؛ ليدمغ رسول الله ﷺ فلما رفعه لصقت يده إلى عنقه، ولزق الحجر بيده حتى عاد إلى قومه، فقام آخر بأني أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو ﵇ يصلي، فأعمى الله بصر الكافر، يسمع صوته ولا يراه (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) سبق في أول سورة البقرة (إِنَّمَا تُنذِرُ) أي: إنذارًا نافعًا يترتب عليه البغية (منِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ): القرآن

стр. 1619

بالتأمل والعمل (وَخَشِي الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ): غائبًا عنه الرحمن فلا يراه، أو غائبًا عن عذاب الرحمن (فَبَشِّرْهُ بِمَغفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ): حسنًا (إِنَّا نَحْنُ نُحْيي الْمَوْتَى): عند البعث (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا): من أعمالهم الصالحة والطالحة التي باشروها بأنفسهم (وَآثَارَهُمْ): ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة، فعمل بها أحد اقتداء بهم، فيجزون عليها أيضًا، وقريب منه ما قال بعض السلف المراد: ما أرّثوا من الهدى والضلال، أو المراد آثار خطاهم إلى الطاعة والمعصية، وفي الطبراني عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى قرية فنزلت " سنكتب ما قدموا وآثارهم " فثبتوا في منازلهم، وهذا المعنى رواه غير الطبراني، وفيه إشكال لأنَّهُم صرحوا بأن السورة بكمالها مكية (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ): اللوح المحفوظ. * * * (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ

стр. 1620

أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢) * * * (وَاضْرِبْ): [ومَثَّلَ] (لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَريةِ) أي: مثلها بيان أو بدل من مثلاً، أو هما مفعولا اضرب، لما فيه من معنى الجعل، وقدم المفعول الثاني (إِذْ جَاءهَا) بدل اشتمال من أصحاب (الْمُرْسَلُون): رسل الله أو رسل عيسى بأمر الله (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ): وادَّعيا الرسالة (فَكَذبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا): قويناهما (بِثَالِثٍ) برسول ثالث (فَقَالُوا) أي: الرسل الثلاثة (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ): من ربكم، أو من رسول ربكم

стр. 1621

(قَالُوا مَا أَنتمْ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا) وإنما الرسول ملك، وهذا شبهة أكثر الكفرة أن الرسول لابد أن يكون ملكًا (وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمنُ مِن شَيْءٍ) أي: وحيًا ورسالة (إِن أَنتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ): في ادعاء الرسالة (قَالُوا ربنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرسَلُونَ) استشهدوا بما هو يجرى مجرى القسم وهو علم الله (وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ): التبليغ الظاهر المبرهن بالمعجزات (قَالُوا إِذَا نَظَيرْنَا): تشاءمنا (بِكُمْ) فإنه لم يدخل مثلكم على قرية إلا وعذب أهلها (لَئِن لمْ تَنتَهُوا): عن مقالتكم (لَنَرْجُمَنَّكُمْ): بالحجارة أو بالشتم (وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ): شؤمكم (مَعَكُمْ) فإن قبائحكم التي لا تفارقكم سبب الشؤم (أَئِن ذكرتم) جوابه محذوف، أي: أئن وُعِظتم تطيرتم بالواعظ ووعدتموه بالتعذيب؟! (بلْ أَنتمْ قَوْمٌ مسْرِفُونَ): قوم عادتكم الإسراف في الضلال، ولذلك تتطيرون بواعظ من الله (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى): يسرع شفقة على الرسل اسمه حبيب يعمل الحبال أو كان

стр. 1622

نجارًا أو قصارًا، ويتعبد في غارٍ بقرب بلدهم، وكان كثير الصدقة سقيمًا، لما سمع همهم بقتل رسلهم جاء لنصح قومه ونصرة رسل الله (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا): من لا غرض له (وَهُمْ مُهْتَدُونَ) فقيل له: أنت تصدق هؤلاء وتذم ديننا فقال: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ): بعد الموت، فيحازيكم بأعمالكم، فاعبدوا أنتم أيضًا إياه، ووحدوه وصدقوا رسله (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ): من دون الله (آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا): لا تمنع شفاعتهم عني شيئًا من العذاب (وَلاَ يُنقِذُونِ): ولم يقدروا على إنقاذي (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ): إن أعدل عن عبادة قادر نافع ضار إلى عاجز (إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ): الذي كفرتم به (فَاسْمَعُونِ) أي: قولي أو الخطاب للرسل، ومعناه: اشهدوا لي بذلك عند ربكم، فوطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره، أو رجموه حتى قتلوه، فلما قتلوه (قِيلَ) أي: قال الله له: (ادْخُلِ الجَنَّةَ): بشره وأذن له فى الدخول، فلما رأى عناية الله (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) ما مصدرية أو موصولة، والباء صلة يعلمون، وقيل الباء صلة غفر وما استفهامية أي: يعلمون أنه غفر لي بأي شيء أراد الإيمان بالله، والمصابرة بإعزاز دينه (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ): تمني علمهم بحاله؛ ليعلموا أنه على الحق فيردعوا عن الكفر، أراد نصح قومه في حياته ومماته (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ): قوم [حبيب] (مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ منَ

стр. 1623

السَّماءِ): لإهلاكهم ونصرة رسلنا، ولم نحتج في إهلاكهم إلى جند، بل الأمر أيسر (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) الجند من السماء في إهلاك الأمم المكذبة، فإنزال الجند من السماء لنصرة نبيه المصطفى عليه أكمل الصلوات وأفضل التسليمات من خاصته لشرفه، أو معناه، وما صح في حكمتنا إنزال جند عليهم، لأنا قدرنا على إهلاكهم بأهون وجهٍ، وعن بعض معناه: وما أنزلنا على قومه من بعده برسل أخرى برسالة من السماء إليهم (إِن كَانتْ) أي: العقوبة (إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً): من جبريل بعثه الله فأخذ بعضادتي باب بلدتهم، فصاح (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ): ميتون كالرماد لم يبق في البلدة روح يتردد في جسد، واعلم أن بعض السلف وأكثر المتأخرين على أنَّهم رسل عيسى، وأسماءهم يحيى، ويونس، وشمعون، والقرية أنطاكية، وذكروا أن ملك القرية وأكثر أهلها آمنوا بعد تقويتهما بثالث وظهور معجزاتهم، ومن بقى على الكفر أهلكوا، وكلام بعض السلف دال على أنَّهم رسل الله وأسماؤهم صادق، وصدوق، وشكوم، وهو ظاهر القرآن انظر إلى قوله " مَا أَنتمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا " وأيضًا ذكر المؤرخون أن أول مدينة آمنت برسل عيسى هو أنطاكية، وفي القرآن أن هذه القرية أهلكوا لكفرهم، وأيضًا صرح كثير من السلف في قول الله (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا

стр. 1624

أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى) [القصص: ٤٣] أن الله ما أهلك من الأمم عن آخرهم بالعذاب بعد إنزال التوراة، بل أمر المؤمنين بقتال المشركين، فكيف يكون هلاك قرية رسل عيسى والله أعلم (يا حَسْرَةً عَلَى العبادِ) نداء للحسرة، كأنه قيل تَعَالي فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري، والظرف إما لغو أو صفة (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ أَلَمْ يَرَوْا): يعلموا (كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ) علق ألم يروا عن العمل لفظًا فيما بعده، لأن كم لا يكون معمولاً لما قبله (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ) بدل الكل من جملة كم أهلكنا على المعني، فإن عدم الرجوع والإهلاك واحد (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) إن نافية ولما المثقلة بمعنى إلا، والظرف لجميع بمعنى مجموع أو لمحضرون أي: ما كلهم إلا مجموعون لدينا يوم الحشر محضرون. * * * (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ

стр. 1625

وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) * * * (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ): اليابسة التي لا نبات فيها (أَحْيَيْنَاهَا) بالمطر استئناف لبيان كونها آية أو آية لهم مبتدأ وخبر وأحييناها خبر الأرض، والجملة تفسير الآية، ولا يبعد أن يكون أَحْيَيْنَاهَا، لا بتقدير قد (وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا) أي: جنسه (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ): من ثم المذكور، قيل الضمير لله، فإن ثمر الله بخلقه (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) أي: الثمر لم تعمله أيدي الناس، بل خلق الله، ولهذا قال (أَفَلَا يَشْكُرُونَ) وعن بعض أن ما ما موصولة عطف على ثمره، والمراد ما يتخذ منه كالدبس (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ): الأنواع (كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ): الذكر والأنثى (وَمِمَّا

стр. 1626

لَا يَعْلَمُونَ): من مخلوقات شتى لا يعرفون، فكأنه قال: الأزواج قسمان معلوم وغير معلوم (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ): نزيل (مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ): داخلون في الظلام (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَر لَّهَا) اسم مكان وفسر النبي المنزل عليه القرآن أن مستقرها تحت العرش تذهب وتسجد هناك، وإذا كان العرش كرة محيطة فتحتيتها باعتبار مكان خاص من العرش الله ورسوله أعلم به، وظاهر بعض الأحاديث دال على أنه قبة ذات قوائم تحمله الملائكة فوق هذا الجانب من الأرض، فحينئذ يكون وقت الظهيرة أقرب ما يكون إلى العرش، وفي نصف الليل أبعد فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع، وعن بعض أنه اسم زمان أي الوقت الذي تستقر فيه، وتنقطع جريها وهو يوم القيامة (ذَلِكَ) الجري الخاص (تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ) نصب بشريطة التفسير (قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) هي ثمانية وعشرون ينزل كل ليلة في واحد، فإذا كان في آخر منازله

стр. 1627

دق واستقوس (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ): كالعذق وهو العود المعوج الذي عليه الثمر (الْقَدِيمِ): العتيق اليابس (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا) يصح لها، وَيَتَسَهَّلُ عليها (أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ): فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه، فتطمس نوره (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) أي: ولا يطلع القمر بالنهار، وله ضوء يطمس نور الشمس فسلطانها بالنهار وسلطانه بالليل لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر قبل القيامة، فعلى هذا المراد من الليل والنهار آيتاهما وهما النيران، أو المراد لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار. أيضًا يتعاقبان بحساب معلوم إلى يوم القيامة، أو المراد أنها لا تجتمع معه في فلك واحد، ولا يتصل ليل بليلٍ لا يكون بينهما نهار (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) أي: وكلهم، والضمير لهما ولسائر النجوم، فإن ذكرهما مشعر بها أو لهما وهما لاختلاف مطالعهما كأنهما شموس وأقمار، ولإطلاق السباحة التي هي للعقلاء جُمعا بالواو والنون (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) المراد سفينة نوح، فإنها مشحونة مملوءة من الأمتعة والحيوانات، والمراد ذرياتهم التي في أصلاب آبائهم، أي: حملنا فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم ذرياتهم، وتخصيص الذرية؛ لأنه أبلغ في الامتنان، وأدخل في التعجب مع الإيجاز، وقيل: حملنا صبيانهم أو

стр. 1628

أولادهم الذين يبعثونهم إلى التجارة، فالمراد السفن مطلقًا (وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مّثلِهِ مَا يَرْكَبُون): من السفن التي بعد سفينة نوح، أو المراد الإبل فإنها سفينة بر (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ): مغيث (لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ): ينجون من الغرق (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) أي: لا ينجو لجهة إلا لرحمة منا، ولتمتيع بالحياة إلى أجل مقدر (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) أي من الوقائع التي مضت (وَمَا خَلْفَكُمْ) من أمر الساعة، أو المراد ما تقدم من الذنوب وما تأخر، أي: من مثلها (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ): لتكونوا على رجاء رحمة، وجواب إذا مقدر، وهو مثل أعرضوا عنه، ويدل عليه ما بعده (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) أي: أمروا بالإنفاق على فقراء الصحابة (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ): فمن لم يرزق الله

стр. 1629

مع قدرته لا نعطيه؛ لنوافق مشيئة الله (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) حيث اتبعتم محمدًا، وأمرتمونا بالإنفاق على من أراد الله فقره قيل: هذا قول الله للكفار (وَيَقُولونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ)، يعنون البعث (إِن كنتُمْ صَادِقِينَ مَا يَنظُرونَ): ما ينتظرون (إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً) هي النفخة الأولى (تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ): مشتغلون في متاجرهم بخصوماتهم، لا يخطر ببالهم القيامة (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ): لمفاجأة القيامة فيموتون في مكان يكونون فيه، ولا يتمكنون من الرجوع إلى بيوتهم. * * * (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ

стр. 1630

وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) * * * (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ): نفخة البعث (فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ): القبور (إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ): يسرعونَ (قَالُوا يَا وَيْلَنَا) تَعال فهذا أوانك (مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) يرفع الله عنهم العذاب بين النفختين، فيحسبون أنهم كانوا نيامًا (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) من كلام المؤمنين أو الملائكة في جوابهم كأنه قيل: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنبأكم به الرسل، أو من كلامهم ردًا على أنفسهم وتحسرًا، وما إما مصدرية أي وعده وصدقهم، أو موصولة أي: الذي وعده الرحمن، وصدقه بمعنى صدق فيه المرسلون (إِنْ كَانَتْ) أي: الفعلة (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ): بمجرد تلك الصيحة، وليس الأمر فيها بعسير (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا): من الظلم (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) هذا حكاية ما يقال لهم في ذلك اليوم (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ): يوم القيامة بعد دخول الجنة (فِي شُغُلٍ): عظيم لا يحيط به الأفهام (فَاكِهُونَ): متلذذون خبر بعد خبر، أو الأول ظرف للثاني (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ) من أشجار الجنة وقصورها (عَلَى الْأَرَائِكِ) هي السرر فى الحجال (مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ): جمع أنواعها (وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ) يدعون به لأنفسهم، فهو من الدعاء، أو يتمنون من قولهم: ادع عليَّ ما شئت، بمعنى: تمنه عليَّ (سَلَامٌ) أي: لهم سلام الله، أو بدل مما يدعون (قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) يقال لهم

стр. 1631

قولاً من جهته، أي: يسلِّم الله عليهم بغير واسطة، تعظيمًا لهم، وهذا غاية مناهم (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ): انفردوا عن المؤمنين (أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ): الكافرون عن الضحاك لكل كافر بيت من النار، يُردم بابه بالنار، يكون فيه أبدًا، لا يرى ولا يُرى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ) العهد: الوصية، أي: ألم أوصيكم بلسان أنبيائي، وهذا من جملة ما يقال لهم تقريعًا (يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) أن مفسرة أو مصدرية (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي) عطف على أن لا تعبدوا (هَذَا صِرَاطٌ مسْتَقِيمٌ): بليغ في استقامته، إشارة إلى عبادته (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا): خلقَا (كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ): فتدركوا إضلاله وعداوته، يعني أنه أمر واضح لمن له أدنى عقل في الحديث " إذا كان يوم القيامة أمر الله جهنم، فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول: " ألَمْ أعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِى آدَمَ " إلى قوله: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا): ادخلوها وذوقوا عذابها (الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ): بكفركم في الدنيا (الْيَوْمَ نَخْتِمُ

стр. 1632

عَلَى أَفوَاهِهِمْ): نمنعها عن التكلم عن السلف، إنه يدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه عمله فيجحد، ويقول: أي ربّ وعزتك لقد كتب عليَّ الملك ما لم أعلمه فيقول له الملك عملت كذا في يوم كذا؟ فيقول: لا وعزتك أي رب فحينئذ ختم على فيه، ويشهد عليه جوارحه (وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ): بإنطاق الله إياها (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ): من المعاصي (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا): تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة (عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا) أي: ابتدروا (الصِّرَاطَ) أي: الطريق الذي اعتادوا سلوكه نصبه بالمفعولية، لتضمنه معنى ابتدروا، أو بنزع الخافض يعني إلى (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) أي لا يبصرون الطريق (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ) قردة وخنازير أو حجارة أو أَزْمَنَّاهم (عَلَى مَكَانَتِهِمْ) أي: مكانهم (فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ) أي لا ذهابًا ولا رجوعًا، ولفواصل الآي قال: ولا يرجعون أو معناه، ولا يرجعون إلى ما كانوا عليه وحاصله أنَّهم أحقاء بالطمس والمسخ، ونحن قادرون لكنا نمهلهم لحكمة ورحمة منا. * * * (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ

стр. 1633

فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) * * * (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ) نطل عمره (نُنَكِّسْهُ) نقلبه (فِي الْخَلْقِ): فتنقص جوارحه بعد الزيادة، وتضعف بعد القوة (أَفَلا يَعْقِلُون): أن القادر على ذلك قادر على البعث، أو على الطمس والمسخ (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) ردٌّ لما قال قريش: إن محمدًا لشاعر (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ): الشعر، عن ابن عباس وغيره: ما ولد عبد المطلب ولدًا ذكرًا، ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله ﷺ وأما نحو: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)

стр. 1634

فهو اتفاقي بحسب سليقته من غير قصد إليه (إِنْ هُوَ) أي: ليس الذي أتى به (إِلا ذكْرٌ): عظة من الله (وَقُرْآنٌ مبِينٌ): واضح الدلالة على أنه من الله (ليُنذرَ): الرسول (مَن كَانَ حَيًّا): حيَّ القلب والبصيرة فإنه المنتفع به (وَيَحِق الْقَوْلُ): كلمة العذاب (عَلَى الْكَافِرِينَ): المصرين على الكفر (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا): مما عملناه نحن بلا شريك، وإسناد العمل إلى الأيدي استعارة تفيد المبالغة في التفرد بالإيجاد (أَنْعَامًا) مفعول خلقنا (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) أي: خلقناها لهم، وملكناها إياهم فهم لها مالكون متصرفون مختصون بالانتفاع (وَذَلَّلْنَاهَا): صيرناها منقادة (لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ): مركوبهم (وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ): من الجلود والأصواف وغيرهما (وَمَشَارِبُ) من اللبن جمع مشرب اسم مكان، أو مصدر (أَفَلاَ يَشْكُرُونَ): ربَّ هذه النعم (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ): طمعًا في أن يتقوا بهم، والأمر بالعكس لأنهم (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ): لأصنامهم (جُنْدٌ مُحْضَرُونَ): في الدنيا يغضبون للآلهة ويحفظونها أو في الآخرة عند الحساب أي: الأصنام لعبادها جند محضرة عند الحساب؛ ليكون أبلغ في خزيهم؛ لأنَّهُم في هذا اليوم أعداء (فَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ): تكذيبهم وكفرهم (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ): فنجازيهم (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ) أخس

стр. 1635

شيء وأمهنه (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ): بين الخصومة لا يتأمل في بدء أمره، ولا يستحي، نزلت إلى آخر السورة حين جاء أبي بن خلف أو العاص بن وائل معه عظم رميم، وهو يذره في الهواء، ويقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال ﵇: (نعم يميتك الله ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار). (وَضَرَبَ لنا مَثَلاً)؛ أمرًا عجيبًا (وَنَسِيَ خَلْقَهُ): ابتداء خلقنا إياه (قَالَ) بيان للمثل: (مَنْ يُحْييِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ): بالية اسم لما بلى من العظام غير صفة، قيل: هو كـ بغيًّا في " وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا " [مريم: ٢٠] في أنها معدولة عن فاعلة فإسقاط الهاء؛ لأنها معدولة عن باغية (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ): يعلم كيف يخلقه، لا يتعاظمه شيء (الَّذِي جَعَلَ لَكم مِّنَ الشًّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا) مع مضادة الماء النار، والمراد الزِّنار التي تورى بها الأعراب، وأكثرها من شجري المرخ والعفار الخضراوين (فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) فمن كان قادرًا على هذا، كيف لا يقدر على إعادة الغضاضة فيما كان غضًّا فيبس؟! قيل معناه: الذي بدأ خلق الشجر من ماء حتى صار خضرًا نضرًا، ثم أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا يوقد به النار، قادر كذلك على كل شيء (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ): مع عظم شأنهما (بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم): في الصغر فإن خلق الصغير أسهل عندكم أو مثلهم في أصول الذات، والصفات وهو المعاد (بَلَى) جواب من الله، وفيه إشعار بأنه لا جواب سواه (وَهوَ

стр. 1636

الْخَلَّاقُ): كثير المخلوقات (الْعَلِيمُ): كثير المعلومات (إِنَّمَا أَمْرُهُ): شأنه (إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ): تَكَوَّن (فَيَكُونُ) فيحدث أي: لا يعسر عليه شيء، ولا يمنع دون إرادته، وقراءة نصب فيكون للعطف على يقول (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) يعني هو المالك المتصرف فيه (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ): للجزاء. والحمد لله أولاً وآخرًا. * * *

стр. 1637

سورة والصافات مكية وهي مائة وإحدى وثمانون وقيل: اثنتان وثمانونَ آية وخمس ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) * * * (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) أقسم سبحانه بطوائف الملائكة الصافات (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا): الملائكة الذين يزجرون السحاب سوقًا، أو الآيات القرآنية التي تنهي وتزجر عن القبيح

стр. 1638

(فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) أي: الملائكة الذين ينزلون بكلام، ويتلونه على أنبيائه، والعطف بالفاء؛ للدلالة على ترتب الصافات في التفاصيل قيل: أقسم بالذين يصفون في مقابلة العدو الذين يزجرون الخيل للجهاد، ويتلون القرآن مع ذلك، لا يشغلهم عنه تلك الشواغل (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ): جواب للقسم (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) خبر بعد خبر أو خبر لمحذوف (وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ): مشارق الكواكب أو مشارق الشمس في السنة، واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليها (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) قراءة تنوين زينة مع جر الكواكب يؤيدان الإضافة للبيان، والزينة اسم وقراءة نصب الكواكب يؤيدان الإضافة إلى المفعول، والزينة مصدر أي: بأن زان الله الكواكب، وحسنها والكواكب، وإن كان بعضها في غير سماء الدنيا لكن بأسرها زينة للسماء الدنيا زيناها للناظرين يرونها كجواهر مشرقة على سطحها الأزرق (وَحِفْظًا) أي: وحفظناها حفظًا، أو عطف على بزينة من حيث المعنى، كأنه قيل: إنا خلقناها زينة وحفظًا (مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ): خارج عن الطاعة إذا أراد استراق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى) التسمع: تطلب السماع، ولتضمنه معنى الإصغاء عُدِّي بإلى، والملأ الأعلى الملائكة، وهو كلام منقطع لبيان حالهم، أو صفة و " لا " محذور معنى؛ لأن معناها: لا يمكنون من التسمع، كما لا يخفى أو استئناف،

стр. 1639

معناها: لا يمكنون من التسمع، كما لا يخفى أو استئناف، والسؤال عما يكون عند الحفظ وكيفيته، لا عن سببه (وَيُقْذَفُونَ): يرمون (مِنْ كُلِّ جَانِبٍ): من جوانب السماء حين صعدوا للاستراق (دُحُورًا): للدحور وهو الطرد أو مدحورين (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) مستمر فِي الآخرة (إلا مَنْ خَطِفَ): اختلس (الْخَطْفَةَ) استثناء من فاعل، لا يسمعون بدل منه (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ): أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي يختلس ويأخذ كلام الملائكة بسرعة، فيتبعه كوكب مضيء، فيحرقه وسيأتي تفصيل ذلك في سورة " قل أوحي " إن شاء الله (فاسْتَفتِهِمْ): استخبر مشركي مكة (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا) أي: سلهم أخلقهم أصعب أم خلق الملائكة والسماء والأرض، وما بينهما، والمشارق والكواكب والشهب الثواقب؟ فإذا اعترفوا أنها أصعب فَلِمَ ينكرون البعث؟! والبعث أسهل (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ): لاصق لازق بعضه ببعض، فمن أين لهم أن ينكروا إعادتهم وهم تراب (بَلْ عَجِبْتَ): يا محمد من إنكارهم للبعث، أو من قدرة الله على هذه

стр. 1640

الخلائق العظيمة (وَيَسْخَرُونَ): منك ومن تعجبك، وقراءة (عَجِبْتُ) بضم التاء بمعنى

стр. 1641

عجبت من إنكارهم البعث، أو بلغ كمال قدرتي أني تعجبت منه، والعجب من الله تعظم تلك الحالة (وَإِذَا ذُكِّرُوا) وعظوا بشيء (لاَ يَذْكُرُونَ) لا يتعظون به (وَإِذَا رَأَوْا آيةً) كانشقاق القمر (يَسْتَسْخِرُونَ) يبالغون في السخرية (وَقَالُوا إِنْ هَذَا) أي: ليس ما نراه (إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) تكرار الهمزة للتأكيد في نفي البعث (أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ) عطف على محل إن واسمها، أو على ضمير لمبعوثون، وجاز للفصل بالهمزة (قُلْ نَعَمْ) تبعثون اكتفى به في الجواب؛ لظهوره مع ما يدل عليه من المعجزات والدلائل (وَأَنْتُمْ دَاخرُون) صاغرون أذلاء (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ) أي: إذا كان ذلك فإذا هي أي: البعثة صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، فالفاء جواب الشرط مقدر (فإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ) أحياء يبصرون، وينتظرون أمر الله (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا) احضر فهذا أوانك (هَذَا يَوْمُ الدِّينِ) يوم الجزاء (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) بين الحق والباطل (الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ): وهذا من كلام الملائكة، والمؤمنين تقريعًا لهم وتوبيخًا. * * * (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)

стр. 1642

مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)

стр. 1643

فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) * * * (احْشُرُوا الذِينَ ظَلَمُوا) هذا من أمر الله للملائكة (وَأَزْوَاجَهُمْ): أشباههم يعني احشروا عابدي الصنم بعضهم مع بعض، وعابدي الكواكب كذلك، وعن عمر صاحب كل ذي ذنب مع صاحب ذلك الذنب أو قرناءهم من الشياطين أو نساءهم المشركات (وَمَا كَانُوا يَعبدُونَ مِن دُونِ اللهِ): من الأصنام (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ): عرفوهم طريقها ليسلكوها (وَقِفُوهُمْ): في الموقف (إِنَّهُم مسْئُولُونَ): عن عقائدهم وأعمالهم (مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ): لا ينصر بعضكم بعضًا، وهذا للتوبيخ (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ): منقادون لعجزهم (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ): يسأل بعضهم بعضًا على طريق اللوم (قَالُوا): الأتباع للرؤساء، أو الكفار للشياطين (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ): عن قبل الخير فزينتم الباطل فحسبناه حقًا، فإن من أتاه الشيطان من جانب اليمين، أتاه من قبل الدين، فلبس عليه الحق، أو عن القوة، والقهر فألجأتمونا على الضلال. قيل: اليمين الحلف، فإن رؤساءهم يحلفون أنهم على الحق (قالُوا) أي: الرؤساء، أو الشياطين في جوابهم (بَل لمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِين) أي: الكفر من قبل أنفسكم (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطانٍ): تسلط (بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ): ضالين (فَحَقَّ عَلَيْنَا): جميعنا (قَوْلُ رَبِّنَا): كلمة العذاب (إِنَّا لَذَائِقُونَ): العذاب (فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ) أي: أحببنا أن تكونوا مثلنا، فلا تلومونا، فقوله: إنا مستأنفة للتعليل (فَإِنَّهُمْ): كلهم (يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ

стр. 1644

مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَلِكَ) مثل ذلك الفعل (نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمين): بالمشركين (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهم): في الدنيا (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ): عن أن يقولوها وَيَقُولُونَ (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) أرادوا به أصدق الخلائق وأعقلهم عليه أكمل الصلاة، وأفضل السلام (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) يعني: أتى بما أتى به الأنبياء ذوو المعجزات (إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: مثله (إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) عن كدر الكفر، والنفاق استثناء متصل إن كان الخطاب في أنكم، وفي ما تجزون لجميع المكلفين (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ): خصائصه من طيب الطعم والرائحة وحسن المنظر أو وقته، قال تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) [مريم: ٦٢] (فوَاكه) بدل الكل أو خبر محذوف، ورزق أهل الجنة ليس إلا للتلذذ (وَهُم مُّكْرَمُون): بخلاف الكفرة (في جَنَّاتِ النَّعِيمِ) ظرف أو حال، أو خبر بعد خبر (عَلَى سُرُرٍ متَقَابِلِينَ): ناظرين بعضهم بعضًا، وعلى سرر ظرف مقدم، أو حال أو خبر (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ) تسمى الخمر نفسها كأسًا (مِنْ مَعِينٍ): من نهر جارٍ على وجه الأرض كما يجري الماء (بَيْضَاء): لا كدرة فيها (لَذةٍ للشارِبِينَ) كأن الخمر نفس اللذة وعينها أو تأنيث لذّ بمعنى لذيذ، وهما صفتان للكأس (لَا فِيهَا غَوْلٌ) غائلة، وفساد من فولتج ونحوه كخمر الدنيا (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ): يسكرون هو من عطف الخاص على العام،

стр. 1645

يعني لا فيها فساد أصلاً سيما أعظم المفاسد، وهو زوال العقل (عِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ): نساء عفيفات قصرن أبصارهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم (عِينٌ): حسان الأعين جمع عيناء (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) شُبهن ببيض النعام المصون من الغبار ونحوه. قيل: أحسن ألوان البدن بياض مخلوط بأدنى صفرة، أو المراد القشعر الذي بين قشرة العليا ولباب البيضة. نقله ابن جرير عن رسول الله ﷺ (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) عطف على يطاف عليهم أي: يشربون فيتحادثون على الشراب بأحوال مرت بهم في الدنيا (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ): في أثناء المكالمة (إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ): جليس كافر (يقُولُ): الجليس تعجبًا أو توبيحًا (أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ): بالبعث عن بعض المراد منهما الرجلان اللذان في سورة

стр. 1646

الكهف " واضرب لهم مثلاً رجلين " [الكهف: ٣٢]، (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ): مجزيون (قَالَ) الله لهم أو ذلك القائل (هَلْ أَنتم مطلِعُون): إلى النار لأريكم ذلك القرين (فَاطَّلَعَ): هذا القائل (فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ) وسطها، ولاستواء الجوانب سمي وسط الشىء سواء، وعن كعب الأحبار: إن في الجنة كوى إذا أراد أحد ان ينظر إلى عدوه في النار، اطلع عليها، فازداد شكرًا (قَالَ): القائل لقرينه (تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ): لتهلكني بالإغواء (وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي): بالهداية (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ): معك في النار (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) أي: نحن مخلدون منعمون، فما نحن بالذين شأنهم الموت فالهمزة للتقرير، والفاء عطف على محذوف مقول آخر للمؤمن على سبيل الابتهاج (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى): التي كانت في الدنيا، منصوب بمفعول مطلق من اسم الفاعل (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ): كالكفار عن ابن عباس لما قال الله لأهل الجنة (كلوا واشربوا هنيئًا) أي: بلا موت فعندها قالوا: " أفما نحن بميتين " إلخ قال الله تعالى: لا. قالوا (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وأما قوله: (لِمِثْلِ هَذَا): النعيم المقيم (فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) فهو إما من كلام الله وعليه الأكثرون، أو من كلام أهل الجنة تحدّثًا بنعمة الله وتبجحًا، ثم قال لهم: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا) منصوب على التمييز أو الحال، وفيه دلالة على أن لهم غير ذلك من نعم الله

стр. 1647

(أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) هي نزل أهل النار (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ): ابتلاء في الدنيا، فإنهم كذبوا الرسل، وقالوا: كيف يكون في النار شجرة؟! قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) [الإسراء: ٦٠] (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ): منبتها قعرها، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيه منها غصن (طَلْعُهَا): ثمرها (كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) في تناهي قبح منظره، وهو تشبيه تخييلي، فإن المركوز في طباع الناس أن أحسن الصور صورة الملك، وأقبحها صورة الشيطان قيل: العرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانًا، وقيل هي شجرة قبيحة مرة منتنة، تسميها العرب رءوس الشياطين (فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا): من طلعها (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ): لغلبة الجوع أو يكرهون على تناولها، فهم يتزقمون، وفي الحديث (لو أن قطرة من الزقوم قطرت على بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم) (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا): على الزقوم بعد ما شبعوا منها، وغلبهم العطش (لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ): لشرابًا من ماء مغلي أو مشوبًا ممزوجًا من حميم يمزج لهم الحميم بما يسيل من فروج الزناة، وعيون أهل النار (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ذلك لأنَّهُم يوردون الحميم لشربه، وهو خارج من النار أو الحميم في طرف منها وجانب، والمرجع بعد الشرب إلى أصلها (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا) أي: وجدوا (آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ) تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد (فَهُمْ

стр. 1648

عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُون): يسرعون كأنهم في غاية مبادرتهم إلى طريق آبائهم مضطرون إلى الإسراع (وَلَقَدْ ضَل قَبْلَهُمْ): قبل أمتك (أَكْثَرُ الأَولِينَ) من الأمم الماضية (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم منذِرِينَ): أنبياء أنذروهم بأس الله (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُنذَرِينَ): تأمل عاقبتهم، فإن عاقبتهم هلاك وفظاعة " إلا عِبَادَ الله الْمُخْلَصِينَ) كأنه قال تأمل فإن عاقبة جميعهم الهلاك إلا من أخلص دينه لله وحَّده، والمقصود خطاب الأمة وأخبار الأمم كانت مسطورة في كتب أهل الكتاب مشهورة منهم في العرب. * * * (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا

стр. 1649

تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) * * * (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ): حين أيس من إيمان قومه. فقال: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر: ١٠] (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) أي فأجبناه أحسن إجابة، ووالله لنعم المجيبون نحن (وَنَجيَّنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكرْبِ الْعَظِيمِ): أذى قومه (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) مات من كان معه في السفينة، سوى أولاده وأزواجهم، وأولاده ثلاثة: سام، وهو أبو

стр. 1650

العرب، وفارس والروم، ويافث، وهو أبو الترك وسقالبة، ويأجوج ومأجوج، وحام وهو أبو القبط والسودان والبربر (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْاَخِرِينَ): من الأمم (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ) مفعول تركنا، وهو من كلام المحكي، كقرأت سورة أنزلناها، أي: يسلم جميع الأمم عليه تسليمًا (في الْعَالَمِينَ) متعلق بما تعلق على نوح به، والغرض ثبوت هذا الدعاء في كل خلق كما تقول: السلام عليك في كل زمان ومكان، وقيل: مفعول تركنا محذوف أي: الثناء الجميل، والجملة بعده استئناف يدل عليه (إِنَّا كَذَلِكَ): مثل هذه التكرمة (نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ): من أحسن في العبادة (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) علة للإحسان، ومنه علم أن الإيمان هو القصارى في المدح (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) كفار قومه (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ): أهل دينه، وهو من على منهاجه وسنته (لإبْرَاهيمَ) وبينهما هود، وصالح وفي جامع الأصول أن بينهما ألفًا ومائة واثنتين وأربعين سنة (إِذ جَاء ربَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من الشك، أو من العلائق، ظرف للشيعة لما فيها من معنى المشايعة أي: ممن شايعه على طريقه حين جاء أو تقديره اذكر إذ جاء (إِذْ قَالَ) بدل من الأول أو ظرف لـ سليم أو جاء (لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ): أنكر عليهم عبادة الأصنام (أَئِفْكًا
следующие страницы →