العِظَم، والظرف متعلق بما يتعلق به " من آياته " وكالأعلام حال من ضميره (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ): يصرن (رَوَاكِدَ): ثوابت (عَلَى ظَهْرِهِ) أي: ظهر البحر (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ): لكل مؤمن سافر في البحر ورأى عجائبه، فإنه صبر على شدائد البحر وشكر عند الخلاص، والكافر يجزع فلا يشكر (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بمَا كَسَبُوا): يهلك أهلهن بالغرق بسبب ذنوبهم، عطف على يسكن الريح (وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) تقديره: أو إن يشأ يعصف الريح، فيوبق بعضًا من أهلهن، وينج بعضًا على العفو عنهم (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا) لإبطالها (مَا لَهمْ مِنْ مَحِيصٍ): مهرب من عذابه المقدر، ومن قرأ بنصب " يعلم " فعنده عطف على تعليل محذوف، أي: يوبقهن لينتقم منهم ويعلم (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ
стр. 1787
الدُّنْيَا) لا يبقى بعد الموت (وَمَا عِندَ اللهِ) من الثواب (خَيْرٌ وَأَبْقَى) لما كانت سببية كون الشيء عند الله تعالى لخيريته أمرًا مقررًا في العقول، غنيًّا عن الدلالة عليه بحرف موضوع له، بخلاف سببية كون الشيء عندكم لقلته وحقارته أتى بالفاء في الأول دون الثاني (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) قيل: نزلت في أبي يكر - رضى الله عنه - حين تصدق بجميع ماله ولامه الناس (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ) عطف على (لِلَّذِينَ)، والأصح أن الكبائر: كل ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب والسنة (وَالْفَوَاحِشَ): تزايد قبحه، أو ما يتعلق بالفروج، تخصيص يعد تعميم (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) سجيتهم الصفح لا الانتقام (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ): أجابوه حين دعاهم إلى الطاعة بلسان رسوله ﵊ (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ): ذو شورى، لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغيُ): الظلم (همْ يَنْتَصِرونَ) يعني: يعفون فى محل العفو، وينتقمون في محل الانتقام، ليسوا أذلة عاجزين (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) عقب وصف الانتقام بهذا إشارة إلى منع التعدي، وسمى الثانية سيئة للازدواج (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) بينه ويبن عدوه (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) أبهم الجزاء للتعظيم (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ): الذين يبدءون بالظلم (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: بعد ظلم الظالم إياه (فأُولَئِكَ) إشارة إلى معنى " من " (مَا
عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)
* * *
(وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ): من ناصر يتولاه (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد إضلال الله إياه (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) في القيامة (يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبيلٍ): هل طريق إلى رجعة إلى الدنيا؟! (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا): على النار (خَاشِعِينَ): خاضعين (مِنَ الذُّلِّ): مما يلحقهم من الذل (يَنْظُرُونَ): إلى النار (مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ): مسارقة فإن الكاره لشيء، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليه (وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بالضلال (وَأَهْلِيهِمْ) بالإضلال، وقيل: خسروا أهليهم بأن فرقوا بين أنفسهم وبينهم، لأنَّهُم في النار وأهليهم فى الجنة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لخسروا، وقال: على التنازع. وهذا القول من المؤمنين حين رأوا أن العذاب أحاط بهم، والماضي من باب ونادى أصحاب الأعراف) [الأعراف: ٤٨]، أو هذا القول منهم في الدنيا (أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ) تصديق من الله تعالى أو تتمة كلامهم (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) إلي الهداية والجنة (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ) أي: أجيبوا أمره وداعيه (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ) من متعلق بمتعلق له لا بـ مَرَدَّ أي: لا يرده الله تعالى بعد ما حكم به، وقيل: متعلق بـ يأتي
стр. 1790
(مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ): إنكار لأعمالكم، وجاز أن يراد إنكار لوعد الله تعالى ووعيده (فإِنْ أَعْرَضُوا) عن الإجابة (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَليهِمْ حَفِيظًا): رقيبًا تحفظ أعمالهم (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ) أي: جنسه (مِنَّا رَحْمَةً) كصحة وغني (فَرِحَ بِهَا) فأشر وبطر (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بسبب قبائحهم (فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ): بليغ الكفران ينسى النعمة رأسًا ويقنط، علق الحكم بصريح اسم الجنس دون الضمير العائد إلى مثله، تسجيلاً على أن هذا الجنس موسوم بالكفران (لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فيقسم
стр. 1791
الرحمة والسيئة كيف يشاء (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا) وإن لم يشأها (١) (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذكورَ) تأخير الذكور؛ لأن سياق الكلام في إطلاق مشيئة الله تعالى من غير اختيار لغيره، والإناث مما لم يشأه الوالدان، وأيضًا للمحافظة على الفواصل، ولذا عرَّفَه، أو لجبر التأخير أني قدمهن توصية برعايتهن لضعفهن، لا سيما وكُنَّ قريبات العهد بالوأد (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ) أي: المولودين (ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) في موضع الحال من المفعول، وذكر هذا القسم بلفظه أو من غير ذكر المشيئة؛ لأنه ليس قسيمًا على حدة، بل تركيب من السابقين؛ كأنه قيل: يهب لمن يشاء إناثًا منفردات وذكورًا كذلك أو مجتمعين (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِي) فيفعل ما يعلم صلاحه (وَمَا كانَ): ما صح (لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلى وَحْيًا): وهو الإلهام أو المنام (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ): يسمع كلامه ولا يراه، كما لموسى ﵊ (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا): ملكًا (فيُوحِيَ) ذلك الرسول إلي المرسل إليه
стр. 1792
(بِإِذْنِهِ) أي: الله (مَا يَشَاءُ) أي: الله، ووحيًا وأن يرسل بمعنى: موحيًا ومرسلاً، ويقدر مُسْمِعًا قبل من وراء الحجاب، وكل منها حال، أو الكل مصدر، فإن الوحي والإرسال نوعان من التكلم، ويقدر قبل من وراء حجاب إسماعًا، أو تقديره: بأن يوحي أو يُسمِع من وراء حجاب، أو يُرْسل فنصبه بنزع الخافض (إِنَّهُ عَلِيٌّ) عن مماثلة خلقه (حَكِيمٌ) فيفعل ما يقتضيه حكمته (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) يا محمد (رُوحًا) أي: وحيًا، فإن حياة القلوب بما أوحى إليه (مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) على التفصيل الذي عرفت بعد الوحي، وعن بعضهم المراد من الإيمان ها هنا الصلاة، كقوله: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " [البقرة: ١٤٣] (وَلَكِن جَعَلْنَاهُ) الكتاب أو الإيمان (نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللهِ) بدل (الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) فيحكم فيها بمقتضى عدله وفضله.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
معناه، والواو إما للقسم وحم أيضًا قسم، فهو من نمط التعديد، أو للعطف على القسم، أو معناه بحق الكتاب المبين أنه حُمَّ الأمر وقُضي، ثم ابتدأ بقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا): صيرناه عربيًا بلغتكم (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ) عطف على " إنا " (فِي أُمِّ الْكِتَابِ): اللوح المحفوظ (لَدَيْنَا): عندنا (لَعَلِيٌّ): ذو مكانة وشرف (حَكِيمٌ): ذو حكمة بالغة، والظرف الأول في موقع الحال، والثاني بدل، أي حال كون ذلك متحققا في اللوح ثابتاً عندي، كقولك: زيد عندي كامل الشجاعة، أو هما بيان محل الحكم، أي هذا في أم الكتاب لدينا، وقيل: الأول متعلق بـ (لَعَلِيٌّ)، واللام غير مانع (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكرَ)، نبعد وننحيه عنكم ونترك إنزاله ونعرض عنه (صَفْحًا): إعراضًا، مصدر من غير لفظه؛ لأن تنحية الذكر إعراض أو حال بمعنى معرضين (أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) أي: لئن كنتم، والفاء عطف على محذوف، أي: أنهملكم ونترك
стр. 1795
إنزال القرآن لأنكم مسرفون؟! وعن كثير من السلف معناه ألا نذكركم قط ونخليكم ونعرض عنكم ولا نعذبكم ولا نجازيكم لأنكم تركتم أمرنا وأسرفتم؟ كما تقول أحبك أن كنت شتمتني، ومن قرأ " إن كنتم " بالكسر، فمن باب جعل المحقق منزلة المشكوك، ابتناءًا على أن المخاطب كأنه متردد شاك في ثبوت الشرط، قصدًا إلى نسبته إلى الجهل (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ) أي: من القوم المسرفين، وهم قومك (بَطْشًا): قوة، وقيل معناه: فأهلكنا أشد المستهزئين من الأولين بطشًا (ومَضَى) سلف في القرآن (مَثَلُ الْأَوَّلِينَ): قصتهم وحالهم العجيبة، وعن بعضهم معناه مضى عبرتهم، أى: جعلناهم عبرة لمن بعدهم فيه تسلية ووعد لرسول الله ﷺ ووعيد للمكذبين (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) أنكروا قدرته بالبعث وعبدوا غيره، بعد ما أقروا بكمال قدرته وعزته وعلمه (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) تستقرون فيها، وهذا قول الله - تعالى - من غير حكاية وصفًا منه لذاته في سياق واحد (وَجَعَلَ): خلق (لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ): إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد، أو إلى كمال حكمته فتؤمنون (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ): بمقدار معلوم (فَأَنْشَرْنَا): أحيينا، فيه التفات (بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) البلدة بمعنى: المكان، فذكر صفته (كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) من قبوركم
стр. 1796
(وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ): الأصناف (كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) أي: تركبونه، جعل السفينة كالدابة فعدى الفعل إليها بنفسه، فإنه يقال: ركبت في الفلك (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ) أي: ظهور ما تركبون (ثُمَّ تَذْكُرُوا) بقلبكم (نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا) بلسانكم (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ): مطيقين (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ): منصرفون راجعون، يذكر ركوب النفس بالبدن وسير العمر، وعن طاوس: حق على كل مسلم إذا ركب دابة أو سفينة، أن يقول ذلك، ويتذكر انقلابه في آخر عمره على مركب الجنازة إلى الله تعالى (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا)، يعني بعد اعترافهم بأن الخالق هو الله تعالى، جعلوا له ولدًا، فإن الولد بضعة وجزء لوالده، فقالوا: الملائكة بنات الله، وقيل معناه: جعلوا جزءًا من عباده، فإنَّهم جعلوا بعض أنعامهم لله تعالى وبعضها لطواغيتهم (إِنَّ الْإِنْسَانَ) جنسه (لَكَفُورٌ مُبِينٌ) ظاهر الكفران.
* * *
(أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي
стр. 1797
الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)
* * *
(أَمِ اتَّخَد مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ) أي: اتخذ ربكم لنفسه البنات (وَأَصْفاكُمْ): أخلصكم (بِالْبَنِينَ) فالهمزة للإنكار والتعجب من عدم اكتفائهم بنسبة الولد، حتى نسبوا له الجزء الأخس (وَإِذَا بُشِّرَ) الجملة حالية (أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ) بالجنس الذي جعله (لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا): شبهًا فإن الولد شبه الوالد (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) من الحزن (وَهُوَ كَظِيمٌ): مملوء قلبه من الغيظ (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ): يتربى (فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ): في المجادلة (غَيْرُ مُبِينٍ) ليس له بيان أي: تنسبون له من هو ناقص الظاهر -يستكمل نقصه بالحلي- والباطن -لا يقدر على إيراد الحجة على من يخاصمه- وتقديره: أو اتخذ من يُنَشَّأُ، عطف على أم اتخذوا، والهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار، وفي الخصام متعلق بـ مبين؛ لأن غير في معنى النفي، فجاز تقديمه عليه، وقيل: من مبتدأ حذف خبره، أي: أمن هذا حاله وَكَّده، أو عطف على ما يخلق (وَجَعَلُوا): سموا (الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا) فهذا كفر آخر منهم، ومن قرأ " عند الرحمن " فمعناه: قربتهم ورتبتهم (أَشَهِدُوا): حضروا (خَلْقَهُمْ): خلق
стр. 1798
الله تعالى إياهم فشاهدوا (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ) على الملائكة (وَيُسْأَلُونَ) عنها يوم القيامة (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ) أن لا نعبد الملائكة (مَا عَبَدْناهُمْ) كفر آخر، فإنهم أرادوا أن كفرهم بمشيئة الله تعالى، فلا يكون منكرًا منهيًّا عنه، بل مأمورًا به، فرأيهم رأي القدرية من أن كل مأمور به مراد، وكل منهي عنه غير مراد (مَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) يعني: أنَّهم جاهلون كاذبون، مصيبين في استصوابه، معذورين في ارتكابه (أَمْ آتيْنَاهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ): قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله تعالى، وينسبوا إليه الولد، ويقولوا هو راضٍ عنا (فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ) نسبهم إلى الكذب أولاً، ثم أضرب عنه إلى إنكار سندهم من جهة النقل (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آباءَنَا عَلَى أُمَّةٍ): دين (وإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) جعلوا من جهلهم تقليد جهلتهم اهتداءًا (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَريةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلى قَالَ
(وإِذْ قَالَ) أي: واذكره (إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ) مصدر مستوٍ فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (مِمَّا تَعْبُدُونَ) أي بريء من معبودكم (إِلا الذِي فَطَرَني) منقطع أو متصل، فإنهم كانوا معترفين بأن الله تعالى هو الإله الأصلي المعبود، و (ما) تعم أولي العلم أو غلَّب غيره؛ لأن أكثر معبودهم الأصنام غير العقلاء (فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) الأظهر أن السين لمجرد التأكيد والتسويف، والمضارع للاستمرار (وَجَعَلَهَا) أي: جعل الله تعالى، أو إبراهيمُ كلمة التوحيد (كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) في ذريته لا يزال فيهم من يوحد الله تعالى (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الضمير للبعض من العقب، أو لهم بحذف المضاف، أي: لعل مشركهم (بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ) أي: قومك، فإنهم من عقب إبراهيم (وَآبَاءَهُمْ) في الدنيا فاغتروا بها (حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ) القرآن (وَرَسُول مُبِينٌ): ظاهر رسالته (وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ) إحدى (الْقَرْيَتَيْنِ) مكة والطائف (عَظِيمٍ) بالجاه والمال أرادوا [الوليد] بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، أو غيرهما فإنهما من الأعاظم، ولا يليق تلك الرتبة العظيمة إلا بمثلهما (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) أي ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إنه يعلم حيث يجعل رسالته، [فإنه] لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم وأطهرهم وأظهرهم بيتًا وأصلاً، لا على أكثرهم مالاً وجاهًا (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا) فجعلنا البعض غنيًّا والبعض فقيرًا (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) بالمال، ودرجات إما تمييز أو بدل (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) لِيُسَخَّر الأغنياء الفقراء بأموالهم، ويستخدموهم فينتظم العالم، وليس هذا من شرف في الغني ونقص في الفقير (وَرَحْمَتُ
стр. 1802
رَبِّكَ) بخلقه (خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ): من الأموال ومن حطام الدنيا (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: لولا كراهة اجتماع الخلق على الكفر لرغبة النفس في الدنيا (لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا) لبيوتهم بدل اشتمال من " لمن يكفر "، وجاز تعلقه بـ سقفًا، كما تقول: جعلت لك لوحًا لكتابك (مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ): سلالم ومصاعد منها (عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ): يعلون السطوح، لحقارة الدنيا فيغتروا بها أكثر مما اغتروا (وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا): من فضة (عَلَيْهَا) أي: على السرر (يتَكِئونَ وَزًخْرُفًا): ذهبًا، عطف على محل من فضة، والزخرف: الزينة، فعطف على سقفًا، وروي الترمذي وقال: حسن صحيح " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا " (وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إن نافية، و (لَمَّا) بمعنى إلا، ومن قرأ (لَمَا) بالتخفيف فإن مخففة، واللام هي الفارقة، وما صلة (وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) أي: خاصة لمن هو متقي عند الله وفى عمله، أو حاصل عند الله تُعَدُّ لهم.
* * *
(وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ
стр. 1803
ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)
* * *
(وَمَنْ يَعْشُ): يعرض (عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ) نسبب له ونسلط عليه (شَيْطَانًا) يزين له الغواية، ويصده عن الهداية (فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ): لا يفارقه (وَإِنَّهُمْ) أى: الشياطين (لَيَصُدُّونَهُمْ) جمع الضميرين للمعنى (عَنِ السَّبِيلِ): عن طريق الحق (وَيَحْسَبُونَ) أي: الكفار (أَنَّهُمْ) أي: أنفسهم (مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا) الكافر (قَالَ) للشيطان (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) بعد المشرق من المغرب، فغلب وأضاف البعد إليهما بعد التثنية (فَبِئْسَ الْقَرِينُ) أنت (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ) هذا قول الله تعالى أو الملك لهم (ذْ ظَلَمْتُمْ) أي: إذ يتبين ظلمكم أنفسكم في الدنيا فإذ لتحقق الوقوع، والمعنى على الاستقبال كما في (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا)
стр. 1804
[الأنعام: ٢٧، ٣٠] وجاز أن يكون بدلاً من اليوم (أنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) أي: لا ينفعكم اشتراككم واجتماعكم في العذاب؛ لأن لكل نصيبه الأوفر، فإنكم فاعلُ لن ينفعكم، وفاعله ضمير يرجع إلى التمني المستفاد من قوله: " يا ليت " وإنكم علة أى لأنكم في العذاب مشتركون (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ) همزة الإنكار، فإنه ﵇ يتعب روحه في إهدائهم (أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي ليس هذا في وسعك، والقادر على ذلك هو الله تعالى وحده (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) فإن قبضناك قبل أن نعذبهم، وما زائدة للتأكيد بمنزلة لام القسم في استجلاب نون التأكيد (فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) بعد موتك (أَوْ نُرِيَنَّكَ) أي: إن أردنا أن نريك (الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ) من العذاب (فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) من الشرائع (إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ) أي: الذي أوحي إليك (لَذِكرٌ): لشرف (لَكَ وَقِوْمِكَ) حيث إنه أنزل بلغتهم، فينبغي أن يكون أقوم الناس، أو لتذكير لك ولقومك وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) عن حقه (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) السؤال عن الرسل سؤال عن أممهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود " واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رُسلَنا " (أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) أي: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، ومعنى الأمر به التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى، وعن بعض السلف: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يشك ولم يسأل.
* * *
من البواقي (وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَاب) كالطوفان والجراد وغيرهما (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لكي يرجعوا عن الكفر (وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ) أي: العالم الكامل وهذا تعظيمه منهم، فإن السحر عندهم فضيلة لا نقيصة، أو لفرط حيرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) بكشف العذاب عنا (بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ): بسبب عهده عندك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله تعالى وهو النبوة، أو بحق الإيمان، أو بسبب ما عهده الله تعالى من كشف العذاب لمن آمن (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ): مؤمنون (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ) فاجئوا نكث العهد (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ) أمر بالنداء، أو هو نادى بنفسه في مجمع عظمائه (قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ) أنهار النيل عطف على ملك مصر (تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) تحت قصري أو أمري، جملة حالية، أو خبر لهذه الأنهار، والواو للحال (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ذلك (أَمْ أَنَا خَيْرٌ): بل أنا خير، والهمزة للتقرير والتحقيق، وقيل: أم متصلة حاصله، أفلا تبصرون أم تبصرون، من إقامة المسبب موقع السبب، فإن إبصارهم سبب لقولهم: أنت خير (مِنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ): حقير (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ): يفصح ويعرب عما في ضميره، لما في لسانه من اللكنة (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) أي: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة إن كان سيدًا مطاعًا، فإنهم إذا كانوا سودوا رجلاً، سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة
(وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا) لما نزل " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " [الأنبياء: ٨٩] جادل ابن الزبعري وقال: رضينا، إن آلهتنا مع عيسى فجعلوه مثلاً حجة سائدة، أو مقياسًا ومثالاً في بيان إبطال ما ذكر من أنكم وما تعبدون (إِذَا قَوْمُكَ): قريش (مِنْهُ يَصِدُّونَ): يضجون فرحًا بأنه أسكت رسول الله ﷺ ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، وعن الكسائي: هما لغتان كـ يعرُش ويعرِش، قال الواحدي: إذا قومك المؤمنون يضجون من هذا يعني غمًّا وشكًّا (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ) عندك (أَمْ هُوَ) أي: عيسى فإن كان هو حصب جهنم فليكن آلهتنا كذلك (مَا ضَربوهُ) أي: المثل (لَكَ إِلَّا جَدَلًا) لأجل الجدل فإنه معلوم لكل من له نظر، أن المراد مما تعبدون: الأصنام، سيما إذا جعل
стр. 1809
(مَا) لغير العقلاء على ما هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) فهذا رد الله تعالى عليه إجمالاً، وتفصيله في موضع آخر، حيث قال: " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى " كالملائكة وعيسى وعزير (أولئك عنها مبعدون) (إِنْ هوَ): عيسى (إِلَّا عَبْدٌ أَنعَمْنَا عَلَيْهِ) بالنبوة (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا): أمرا عجيبًا (لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ) بدلكم (مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) أي: يخلفونكم في الأرض يعبدونني، فالملائكة وعيسى لا يستحقون الألوهية، وقيل: معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم يا رجال ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير فحل، لتعرفوا أن الملائكة مثلكم أجسام، وأن الله تعالى قادر على كل شيء (وَإِنَّهُ): عيسى (لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) أي: علامتها، فإن نزوله من أشراطها وقيل ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وغيرها، كفى به دليلاً على علم الساعة وقيل: الضمير للقرآن فإن فيه الدلالة عليها، (فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا): لا تشكن فيها، (وَاتَّبِعُون) أي: شرعي وما أخبركم به، (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ): أي ما أدعوكم إليه صراط لا يضل سالكه، (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ): عن اتباعه، (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ): النبوة، (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ) هو من عطف الجملة أي: جئتكم بالحكمة وجئتكم لأبين لكم، وجاز عطفه على محذوف عام، أي: جئتكم بالحكمة لمصالحكم ولأبين، (بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) أي: بعضًا توضيحه صلاح دينكم، أو بعض ما أنتم تختلفون فيه من أحكام التوراة فإن الذي لم يختلفوا فيه لما احتاج إلى تبيين، (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) الفرق المتحزبة، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدعي أنه ولد الله أو هو الله ومنهم من يدعي أنه كذاب، (فَوَيْلٌ
سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)
* * *
(يَا عِبَادِ): حكاية لما يُنَادَى به المتحابون المتقون، (لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ): منصوب على المدح، (آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ): المؤمنات، (تُحْبَرُونَ)، تسرون، (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ): جمع صحفة (مِنْ ذَهَبٍ وَأَكوَابٍ): جمع كوب وهو كوز لا عروة له، (وَفِيهَا): في الجنة، (مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ): بمشاهدته، وكأنه لم يعتد بمستلذات السمع والشم والذوق في جنب مستلذات العين فلم يذكرها، (وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وهو من أتم النعم، (وَتِلْكَ): الجنة المذكورة، (الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، والجنة إما خبر، والَّتِي أُورِثْتُمُوهَا صفة لها، أو صفة
стр. 1812
والتي خبر، أو هما صفتان والظرف خبر، (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ): يبقى بعضها، أبدًا لا تجد شجرة عريانة من الثمرة، (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ): لا يخفف ولا ينقص، (وَهُمْ فِيهِ)، في العذاب، (مُبْلِسُونَ): ساكتون سكوت يأس، (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ): على أنفسهم، (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ): من قضى عليه، إذا أماته وهو تمني الموت من فرط شدتهم وحيرتهم، وهذا الكلام والنداء قبل الإبلاس وقبل أن يقال لهم: (اخسئوا فيها ولا تكلمون) [المؤمنون: ١٠٨]، (قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ): المكث يشعر بالانقطاع ولا انقطاع ففيه استهزاء، (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ): جواب من الله تعالى بعد جواب الملك، أو في قال ضمير يرجع إلى الله تعالى، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ أَمْ أَبْرَمُوا): أحكموا، (أَمْرًا)، في رد الحق بحيل ومكر، (فَإِنَّا مُبْرِمُونَ): كيدَنا في مجازاتهم، (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ): ما يخفون من الغير، (وَنَجْوَاهُمْ): ما تكلموا به فيما بينهم، (بَلَى): نسمعهما، (وَرُسُلُنَا): أي الحفظة، (لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ): ذلك، (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ
стр. 1813
الْعَابِدِينَ)، لذلك الولد جعل ثبوت الولد ملزومًا لأمر منتف محال في اعتقاده، وهو عبادته للولد، لكن اللازم منتف فكذا الملزوم، والغرض نفي الولد على أبلغ وجه قال تعالى: " لو أراد الله أن يتخذ ولدًا " [الزمر: ٤] وعن بعضهم معناه: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله تعالى فإن من عبد الله تعالى فقد دفع أن يكون له ولد، أو معناه: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد، المنكرين لما قلتم، يقال: عَبِد يَعْبَد: إذا اشتد أنفه أو إن نافية، أي: ما كان له ولد، فأنا أول من قال بذلك (١)، (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ): من كونه ذا ولد، (فَذَرْهُم يَخُوضُوا): في الباطل، (وَيَلْعَبُوا): في الدنيا، (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) أي: القيامة، (وَهُوَ الذِى فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِى الْأَرْضِ إِلَهٌ) أي: هو إله فيهما، فالظرف متعلق بأل لما فيه من معنى الوصفية، أو لأنه بمعنى المعبود بالحق، (وَهُوَ الْحَكِيمُ): في التدابير، (الْعًلِيمُ)، بكل شيء فلا يحتاج إلى ولد، (وَتَبَارَكَ
стр. 1814
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)، لا عند غيره، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ): للجزاء، (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دونِهِ) أي: آلهتهم، (الشَّفَاعَةَ): كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ): بالتوحيد، (وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين، والاستثناء متصل، أي: لا يملكها أحد من المعبودين إلا الموحدين كالملائكة، وعيسى، فإن لهم الشفاعة بإذنه لمن ارتضى أو منقطع أي: متعلق الذين بالأصنام، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ): يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره، (وَقِيلِه): بالنصب مفعول مطلق أي: قال رسول الله ﷺ قيله أي: شكى إلى ربه شكواه من قومه فقال: (يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ)، أو عطف على سرهم ونجواهم أو على معنى وعنده علم الساعة أي: يعلم الساعة، و " قيله " وبالجر عطف على الساعة أي: عنده علم قيله، (فَاصْفَحْ): أعرض، (عَنْهُمْ)، ولا تجادلهم بمثل ما يخاطبونك من الكلام السيء، (وَقُلْ سَلَامٌ) أي: أمري وشأني تَسلُّم ومسالمة منكم، (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ): غِبَّ ما فعلوا، فهذا وعيد أكيد لهم، ومن قرأ بالتاء فهو أيضًا من مقول قل.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)
* * *
(حم وَالْكِتَابِ المبينِ)، الواو للعطف، إن كان حم مقسمًا بها بإضمار حرف القسم، والجواب قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)، أي: الكتاب المبين، (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) [القدر: ١] أنزل فيها جملة واحدة من اللوح إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم أنزل مفصلاً بحسب الوقائع، وعن بعض: هي ليلة النصف من شعبان، (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ): محذرين بإنزال الكتاب، مستأنفة تبين
стр. 1817
فائدة الإنزال، (فيهَا): في تلك الليلة، (يفْرَقُ): يفصل ويثبت (كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ): محكم لا يبدل من الأرزاق والآجال وجميع أمرهم إلى [السنة]، الآية، قال تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) [القدر: ٤]، (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا)، نصب على الاختصاص، أي: أعني به أمرًا حاصلاً من عندنا، أو حال من كل، أو من ضمير حكيم، (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)، إلى الناس يتلو عليهم آياتنا، بدل من إنا كنا منذرين، أي: أنزلنا القرآن، لأن من عادتنا إرسال الرسل، (رَحْمَةً مِّن ربِّكَ)، مفعول له، وقيل " إنا كنا " علة ليفرق، ورحمة مفعول به، أي: يفصل الأمور فيها، لأن من شأننا إرسال الرحمة، وفصل الأمور من باب الرحمة، (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، للأقوال والأحوال، والرب لا بد أن يكون كذلك، (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنينَ): في إقراركم بأن الله خالق السماوات والأرض، تعرفون مضمون ما ألقى إليكم من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتعترفوا به، فإن الكفرة معترفون بأن خالق الأشياء هو الله، أو معناه إن كنتم مريدين اليقين فاعلموا ذلك، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ)، في الدنيا، رد لكونهم موقنين، (فَارتقِبْ): انتظر لهم، (يَوْمَ)، مفعول به لارتقب، (تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ): هو الدخان الموعود، الذي هو من علامة قرب القيامة البين الواضح، الذي يراه كل أحد، وإليه ذهب حبر الأمة ابن عباس ﵄ وكثير من الصحابة والتابعين ﵃ مع الأحاديث من
стр. 1818
الصحاح والحسان، (يغشَى النَّاسَ): يحيط بهم، أما المؤمن فيصيبه كالزكام، وأما الكافر فهو كالسكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره، (هَذَا عَذَابٌ أَلِيم رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ)، أي: قائلين هذا عذاب إلى مؤمنون، (إِنَّا مُؤْمِنُونَ)، وعد بالإيمان إن كشف عنهم، كأنه قيل: إن تكشف فإنا مؤمنون، (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى): من أين لهم التذكر؟ (وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ)، قال بعضهم: يعلمه غلام أعجمي، (مَّجنونٌ)، وقال بعضهم: مجنون، يعني: لا يتأتى منهم التذكر بهذا السبب، فإنه قد جاءهم أسباب أعلى من هذا، وما التفتوا إليها، (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا): زمانًا قليلاً يكشف الله تعالى الدخان، قيل: بعد أربعين يومًا فيرتدون، ولا يفون بوعدهم، (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ): في الكفر، ولا يلزم أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم بالكلية، ثم عادوا إليه، قال تعالى حكاية عن شعيب: (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا) [الأعراف: ٨٩] ولم يكن شعيب قط على ملتهم، قال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله تعالى، (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى)، هو يوم القيامة، (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)، منهم، والعامل في " يوم "
стр. 1819
فعل دل عليه " إنا منتقمون "، لأن إن مانع من عمله فيما قبله، أو بدل من " يوم تأتي "، وعن ابن مسعود ﵁ وبعض آخر من السلف أن المراد من الدخان الظلمة التي في عام القحط من قلة الأمطار، وكثرة الغبار، أو ما يرى الجائع كهيئة الدخان من المجاعة من ضعف بصره، حين دعا عليهم رسول الله ﷺ فالتجئوا وقالوا: ادع الله تعالى لئن يكشف عنا لنؤمن لك، فدعا وكشف ولم يؤمنوا، فانتقم الله تعالى منهم يوم بدر، وهو البطشة الكبرى، (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ): قبل قريش، (قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)، على الله، (أَنْ أَدُّوا)، أن مفسرة، (إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ): بني إسرائيل، وأرسلوهم معي ولا تعذبوهم، (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)، على الوحي، (وَأَن لَا تَعْلُوا): لا تتكبروا، (عَلَى اللهِ)، بترك طاعه، (إِنى آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مبِين): حجة ظاهرة على صدق قولي، (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ): التجأت إلى الله تعالى، (أَن تَرْجُمُونِ): تقتلوني، أو تشتموني فإنه الرجم باللسان، (وَإِن لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُون): كونوا بمعزل مني، لا تتعرضوا إلى بسوء، (فَدَعَا رَبَّهُ)، شاكيًا بعد ما كذبوه، (أَنَّ هَؤُلاءِ)، أي: بأنَّهم، (قَوْمٌ مجْرِمُونَ فَأَسْرِ
стр. 1820
بِعِبَادِي)، أي: قال الله تعالى، إذا كان الأمر كذلك فأسر ببني إسرائيل، (لَيْلاً): قبل الصبح، (إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ): يتبعكم القبط، (وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا)، أي: اتركه حين قطعته، وعبرت ساكنًا كهيئته، ولا تأمره بأن يرجع إلى ما كان، وذلك لما جاوز أراد أن يضرب بعصاه، حتى يعود كما كان ليصير حائلاً بينهم وبين فرعون، فأمر الله تعالى أن يتركه على حاله، (إِنَّهُمْ جُندٌ مغْرَقُونَ كَمْ تَرَكُوا)، كثيرًا تركوا، (مِن جَنَّات وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ)، في مصر وقراه، (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ): متنعمين، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، (وَأَوْرَثناهَا)، عطف على الفعل المحذوف، (قَوْمًا آخَرِينَ)، بني إسرائيل، (فمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ)، لكل مؤمن باب في السماء ينزل منه رزقه، ويصعد فيه عمله، فإذا مات أغلق بابه فقد بكا عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض بكت عليه وليس لقبط عمل صالح فما بكت، وكلام بعض السلف: على أن بكاء الباب المذكور لكل مسلم، وأما بكاء السماء مطلقًا فما بكت منذ كانت الدنيا إلا على اثنين يحيى بن زكريا، وحسين بن عليٍّ ﵉ (١) لما قتلا احمرت السماء وبكت، وقيل: مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم، قالت العرب في موت عظيم: بكته الريح وأظلمت له الشمس، (وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ): ممهلين لتوبة وغيرها.
* * *
стр. 1821
(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)
* * *
(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ): قتل الأبناء واستخدام النساء، (مِن فِرْعَوْنَ)، حال من ضمير المهين، أو بدل من العذاب، (إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ): في الشرارة، (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ)، بني إسرائيل، (عَلَى عِلْمٍ): عالمين بأنَّهم أحقاء، (عَلَى الْعَالَمِينَ): على عالمي زمانهم، (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ)، على يدي موسى، (مَا فِيهِ بَلاءٌ): اختبار أو نعمة، (مُبِينٌ إِنْ هَؤُلاءِ) قريشًا والكلام فيهم، وحكاية القبط لتذكيرهم، (لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى)، التي هي بعد الحياة الدنيا، وليست بعدها موتة القبر، فلا حياة فيه، (وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ): من القبور، نفوا أولاً بقوله: إلا موتتنا الأولى الإحياء في القبر بنفي الإماتة فيه، ثم نفوا البعث والإحياء بعد القبر، وهي ضمير مبهم يفسره الخبر، أو ما نهاية الأمر إلا الموت الذي بعد حياة الدنيا، يعني: ليس بعده إلا الفناء المحض، ولهذا
стр. 1822
صرحوا بقولهم: وما نحن بمنشرين، (فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، أي: إن صدقتم أنه يمكن النشور بعد الموت، فاسألوا ربكم إحياء من مات من آبائنا، حتى نعلم صدق ما تقولون، (أَهُمْ): قريش، (خَيْرٌ)، في القوة، والمنعة، (أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ): وهم سبأ، أهلكهم الله تعالى، وخرب ديارهم وفرقهم شذر ومذر، وتبع اسم لمن [ملك] فيهم، كما أن كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر للروم، وفرعون لمصر، والنجاشي للحبشة، وهو الذي بنى سمرقند، وفي الحديث (لا أدري أتبع كان نبيًا أم لا) وقد ورد أيضًا (لا تسبوا تبعًا، فإنه كان قد
стр. 1823
أسلم) وهو كان في زمن موسى ﵇، (وَالذِينَ مِن قَبْلِهِمْ): من الأمم الكافرة، (أَهْلَكنَاهُمْ)، هدد بهم قريشًا، (إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)، كقريش، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا): بين الجنسين، (لاعِبِينَ): لاهين، (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ): بسبب الحق وهو البعث والجزاء وغيرهما، (وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ الفَصْلِ): فصل الحق والمحق عن الباطل والمبطل، (ميقَاتُهُمْ): وقت وعدهم، (أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِي)، بدل عن يوم الفصل، (مَوْلًى)، أي مولىً كان من قرابة أو غيرها، (عَنْ مَوْلًى)، أي مولىً كان، (شَيْئًا)، من الإغناء مصدر، (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، الضمير إما للمولى " الأول، أي: هم ليسوا بناصر، ولا بمنصور، وجاز عوده إلى الثاني، أو إليهما، (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ)، بدل من واو " ينصرون "، أو نصب على الاستثناء منه، فإنه جاز النصب، والمختار البدل، والمراد
يصب الحميم على رأسه فيسلت ما في بطنه من الأمعاء، فيتمزق على كعبيه، أعاذنا الله تعالى من ذلك، (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)، أي: قولوا له ذلك سخرية وتقريعًا، وعن عكرمة: أنه ﵇ قال لأبي جهل: (أمرني الله تعالى أن أقول لك أولى لك فأولى)، فقال: ما تستطيع لي ولا صاحبك من شيء إنى أمنع أهل بطحاء وأنا العزيز الكريم، فقتله الله قعالى يوم بدر وأذله وعيره بكلمته، وأنزل: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)، وذكر غير واحد من السلف: أن المراد من الأثيم أبو جهل، (إِنَّ هَذَا): العذاب، (مَا كنتُم بهِ تَمْتَرُونَ): ما تشكون فيه، (إِنَّ الُمتقِينَ فِي مَقَامٍ): موضع إقامة، (أَمِين): يَأمن صاحبه عن كل مكروه، (فِي جَنَّاتٍ)، بدل من مقام، (وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ)، خبر ثان، أو حال، أو استئناف، (مِن سنُدُسٍ): ما رَقَّ من الحرير، (وَإِسْتبْرَقٍ): ما غلظ منه، (مُّتَقَابِلِينَ)، لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره لأنس بينهم، (كَذَلِكَ)، أي: الأمر كذلك، أو أثبناهم مثل ذلك، (وَزَوجْنَاهُم بحُورٍ): قرناهم بهن، والحور: النساء النقيات البياض، (عِينٍ): عظيمة العينين، (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ): يأمرون بإحضار أنواع الفواكه، (آمِنينَ)، من كل مكروه، (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ)، بل حياتهم أبدية، (إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى)، لكن ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا، قيل الاستثناء للمبالغة، فإن الغرض من إعلام أنَّهم لا يذوقون الموت أصلاً، كأنه قال: لو فرضنا ذوق الموت في