← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) * * * (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ): قتل الأبناء واستخدام النساء، (مِن فِرْعَوْنَ)، حال من ضمير المهين، أو بدل من العذاب، (إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ): في الشرارة، (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ)، بني إسرائيل، (عَلَى عِلْمٍ): عالمين بأنَّهم أحقاء، (عَلَى الْعَالَمِينَ): على عالمي زمانهم، (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ)، على يدي موسى، (مَا فِيهِ بَلاءٌ): اختبار أو نعمة، (مُبِينٌ إِنْ هَؤُلاءِ) قريشًا والكلام فيهم، وحكاية القبط لتذكيرهم، (لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى)، التي هي بعد الحياة الدنيا، وليست بعدها موتة القبر، فلا حياة فيه، (وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ): من القبور، نفوا أولاً بقوله: إلا موتتنا الأولى الإحياء في القبر بنفي الإماتة فيه، ثم نفوا البعث والإحياء بعد القبر، وهي ضمير مبهم يفسره الخبر، أو ما نهاية الأمر إلا الموت الذي بعد حياة الدنيا، يعني: ليس بعده إلا الفناء المحض، ولهذا

стр. 1822

صرحوا بقولهم: وما نحن بمنشرين، (فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، أي: إن صدقتم أنه يمكن النشور بعد الموت، فاسألوا ربكم إحياء من مات من آبائنا، حتى نعلم صدق ما تقولون، (أَهُمْ): قريش، (خَيْرٌ)، في القوة، والمنعة، (أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ): وهم سبأ، أهلكهم الله تعالى، وخرب ديارهم وفرقهم شذر ومذر، وتبع اسم لمن [ملك] فيهم، كما أن كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر للروم، وفرعون لمصر، والنجاشي للحبشة، وهو الذي بنى سمرقند، وفي الحديث (لا أدري أتبع كان نبيًا أم لا) وقد ورد أيضًا (لا تسبوا تبعًا، فإنه كان قد

стр. 1823

أسلم) وهو كان في زمن موسى ﵇، (وَالذِينَ مِن قَبْلِهِمْ): من الأمم الكافرة، (أَهْلَكنَاهُمْ)، هدد بهم قريشًا، (إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)، كقريش، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا): بين الجنسين، (لاعِبِينَ): لاهين، (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ): بسبب الحق وهو البعث والجزاء وغيرهما، (وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ الفَصْلِ): فصل الحق والمحق عن الباطل والمبطل، (ميقَاتُهُمْ): وقت وعدهم، (أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِي)، بدل عن يوم الفصل، (مَوْلًى)، أي مولىً كان من قرابة أو غيرها، (عَنْ مَوْلًى)، أي مولىً كان، (شَيْئًا)، من الإغناء مصدر، (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، الضمير إما للمولى " الأول، أي: هم ليسوا بناصر، ولا بمنصور، وجاز عوده إلى الثاني، أو إليهما، (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ)، بدل من واو " ينصرون "، أو نصب على الاستثناء منه، فإنه جاز النصب، والمختار البدل، والمراد

стр. 1824

المؤمنون، (إِإِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ)، الغالب الذي لا يُغْلَب، (الرَّحِيمُ)، لمن كان أهل الرحمة. * * * (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) * * * (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ)، سبق في الصافات بيانه، (طَعَامُ الأَثِيمِ): كثير الإثم أي: الكافر لأن الكلام فيه، (كَالْمُهْلِ): دُرْدِي الزيت، وقيل: هو ذائب الفضة والنحاس، (يَغْلِي فِي الْبُطُونِ)، ومن قرأ " يَغْلِي " بالياء فباعتبار أن الشجرة طعام الأثيم، (كَغَلْيِ الْحَمِيمِ)، غليانًا مثل غليان الماء الشديد الحرارة، (خُذُوهُ)، أي: قلنا للزبانية: خذوا الأثيم، (فَاعْتِلُوهُ): سوقوه بعنف، (إِلَى سَوَاءِ الجَحِيمِ): وسطها، (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ)، الملك يضربه بحديد فيفتح دماغه، ثم

стр. 1825

يصب الحميم على رأسه فيسلت ما في بطنه من الأمعاء، فيتمزق على كعبيه، أعاذنا الله تعالى من ذلك، (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)، أي: قولوا له ذلك سخرية وتقريعًا، وعن عكرمة: أنه ﵇ قال لأبي جهل: (أمرني الله تعالى أن أقول لك أولى لك فأولى)، فقال: ما تستطيع لي ولا صاحبك من شيء إنى أمنع أهل بطحاء وأنا العزيز الكريم، فقتله الله قعالى يوم بدر وأذله وعيره بكلمته، وأنزل: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)، وذكر غير واحد من السلف: أن المراد من الأثيم أبو جهل، (إِنَّ هَذَا): العذاب، (مَا كنتُم بهِ تَمْتَرُونَ): ما تشكون فيه، (إِنَّ الُمتقِينَ فِي مَقَامٍ): موضع إقامة، (أَمِين): يَأمن صاحبه عن كل مكروه، (فِي جَنَّاتٍ)، بدل من مقام، (وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ)، خبر ثان، أو حال، أو استئناف، (مِن سنُدُسٍ): ما رَقَّ من الحرير، (وَإِسْتبْرَقٍ): ما غلظ منه، (مُّتَقَابِلِينَ)، لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره لأنس بينهم، (كَذَلِكَ)، أي: الأمر كذلك، أو أثبناهم مثل ذلك، (وَزَوجْنَاهُم بحُورٍ): قرناهم بهن، والحور: النساء النقيات البياض، (عِينٍ): عظيمة العينين، (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ): يأمرون بإحضار أنواع الفواكه، (آمِنينَ)، من كل مكروه، (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ)، بل حياتهم أبدية، (إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى)، لكن ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا، قيل الاستثناء للمبالغة، فإن الغرض من إعلام أنَّهم لا يذوقون الموت أصلاً، كأنه قال: لو فرضنا ذوق الموت في

стр. 1826

الجنة لما ذاق إلا الموتة الأولى وذوق تلك الموتة محال، لأنها ماضية، فالذوق محال، (وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)، أي: أعطي كل ذلك تفضلاً، (من ربكَ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ): سهلنا القرآن، (بِلِسَانِكَ)، فإنه بلغتك، (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ): لكي يفهمونه فيتعظون به، (فَارْتَقِبْ): انتظر الفتح أو ما يحل بهم، (إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ): ما يحل بك من الدوائر. فالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ. * * *

стр. 1827

سورة الجاثية مكية وهى سبع أو ست وثلاثون آية وأربع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) * * * (حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ)، إن كان حم اسمًا للسورة مبتدأ، فلابد من تقديرٍ أي: تنزيل حم تنزيل الكتاب، إذ السورة نفسها ليست بتنزيل، فإن كان المراد من الكتاب

стр. 1828

السورة، ففيه إقامة الظاهر مقام المضمر، كما تقول: شعرُ نابغة شعره، وإن كان المراد القرآن فالمعنى على التشبيه، أي: تنزيل حم كتنزيل سائر القرآن في البيان، والهداية والإعجاز والحكمة، (مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ)، وقيل: حم قسم وتنزيل صفته، وجوابه قوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ للْمُؤْمِنِينَ)، كالكواكب والحيوان والمعادن، (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ)، عطف على خلقكم، (مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، من قرأ برفع (آياتٌ) فمحمول على محل اسم إن، ومن قرأ بنصبها فعلى لفظه، (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ)، أي: المطر، فإنه سبب الرزق، (فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ

стр. 1829

الرِّيَاحِ): جنوبًا وشمالاً وغيرهما، (آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، في (آيات) قراءتان، وعلى الوجهين عطف على معمولي عاملين مختلفين، إلا أن تقول اختلاف عطف على في السماوات، بتقدير: في لا أنه عطف على السماوات، (تِلْكَ): الآيات، (آيَاتُ اللهِ): دلائله (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ)، حال عاملها معنى الإشارة، (بِالْحَقِّ)، متلبسين، أو متلبسة به، (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ): أي بعد حديثه، (وَآيَاتِهِ): دلائله أو كتابه، فيكون العطف لمغايرة الوصفين، أو هو كقولهم: أعجبني زيد وكرمه، أي: أعجبني كرمه، فمعنى بعد الله وآياته بعد آياته، وتقدم اسم الله تعالى للتعظيم، (يُؤْمِنُونَ وَيُلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ): كذاب كثير الإثم، (يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ)، على كفره، وثم لاستبعاد الإصرار بعد السماع، (مُسْتَكْبِرًا)، عن الانقياد، (كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا)، أي: كأنه، والجملة حال، أي: يصر مثل غير السامع، (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا)، أي: علم شيئًا أنه من الآيات،

стр. 1830

(اتَّخَذَهَا هُزُوًا)، مقتضى الظاهر ضمير المذكر الراجع إلى شيئًا فأنثه لأن الشيء للآية أو لأنه راجع إلى الآيات، بمعنى إذا علم شيئًا أنه من جملة الآيات، تجاوز في الاستهزاء إلى جميع الآيات إجمالاً، (أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مهِينٌ مِن وَرَائِهِمْ): من خلفهم، (جَهَنَّمُ)، فإنه بعد آجالهم، أو من أمامهم، (وَلاَ يُغْنِي): لا يدفع، (عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا)، من العذاب، (وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ)، أي: الأصنام، (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ هَذَا): القرآن، (هُدًى): كامل في الهداية، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ ربهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ من رِّجْزٍ): هو أشد العذاب، (أَلِيمٌ). * * * (اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)

стр. 1831

إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) * * * (اللهُ الَّذِي سَخرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِه): بتسخيره، (وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ)، بالتجارة وغيرها، (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، هذه النعم، (وَسَخرَ لَكُم مَّا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ)، مسخران لنا من حيث أنا ننتفع بهما، (جَمِيعًا مِنْهُ)، منه حال من ما، أي: كائنًا من الله تعالى، وجميعًا حال من فاعل منه، أو تقديره هى من الله جميعًا، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قُل للَّذِينَ آمَنُوا يَغفِرُوا)، حذف المقول لدلالة الجواب عليه، أي: قل لهم: اغفروا، إن تقل لهم: اغفروا يغفروا أى: يعفوا، (لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ)، لا يخافون وقائعه ونقمته، كانوا في الابتداء مأمورين بالصبر على أذى المشركين، ثم نزلت آية القتال، وعن بعضهم: أنها نزلت في عمر ﵁، حين هم أن يبطش من شتمه بمكة وأمر بالعفو، فعلى هذا لم تكن الآية منسوخة، (لِيَجْزِيَ قَوْمًا بمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، أي: اعفوا أنتم عنهم ليجزيهم الله تعالى سوء أعمالهم، ويكون تنكير قومًا للتحقير، وقيل المراد من القوم المؤمنون الذين صبروا حينئذ، المراد بما كانوا يكسبون: المغفرة والعفو، فالتنكير للتعظيم، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)، فيجازيكم، (وَلَقَدْ آتيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ)، الحكمة،

стр. 1832

أو فصل الخصومات، (وَالنُّبوَّةَ)، إذ فيهم كثير من الأنبياء، (وَرَزَقْناهُم مِّن الطيِّبَاتِ): كالمنِّ والسلوى، (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)، عالمي زمانهم، (وَآتيْنَاهُم بَينَاتٍ منَ الأَمْرِ)، أدلة من أمر الدين، (فَمَا اخْتَلَفُوا): في الأمر، (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ)، الموجب لزوال الخلاف، (بَغْيًا): حسدًا أو عداوة، (بَينَهمْ)، وعن بعض: معناه آتيناهم أدلة على مبعث محمد ﵇، فما اختلفوا إلا بعد القرآن حسدًا، (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ): يا محمد، (عَلَى شَرِيعَةٍ): سنة وطريقة، (مِّنَ الأَمْرِ): من الدِّين، (فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ): آراء، (الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغنوا): يدفعوا، (عَنكَ مِنَ اللهِ): من عذابه، (شَيئًا)، إن اتبعتهم، (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)، لا توالهم، فإنما يوالي الظالين من هو مثلهم، وأما المتقون فوليهم الله تعالى وهم موالوه، (هَذَا): القرآن، (بَصَائِرُ

стр. 1833

لِلنَّاسِ): يبصرهم رشدهم، (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ): يطلبون اليقين، (أَمْ حَسِبَ): بل أحسب، فالهمزة لإنكار الحسبان، (الَّذِينَ اجْتَرَحُوا): اكتسبوا، (السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ): نصيرهم، (كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، أي: مثلهم، (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)، بدل من ثاني مفعولي نجعل، والضمير للمسيئين، ومحياهم ومماتهم مرفوع على الفاعلية، أي: مستويًا محيا المسيئين ومماتهم، ومحياهم رغد ومماتهم نكد، أو الضمير لهم وللمحسنين، أي: مستويًا محيا الفريقين، وهم في طاعة وهؤلاء في معصية، ومماتهم وهم في البشرى بالرحمة، وهؤلاء في اليأس منها، فهم أكرم فى الدنيا والآخرة، أو منصوب بتقدير أعني، وقيل حال من المفعول الأول، أي: مستويًا فى البعد عن الرحمة، أو من المفعول الثاني، أي: مستويًا في القرب عن الرحمة، ومن قرأ برفع (سَواءٌ) فالجملة بدل أيضًا كما تقول: حسبت زيدًا أبوه منطلق، (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)، أي: بئس حكمهم هذا. * * * (وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦) * * *

стр. 1834

(وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ)، أي: كيف يستوي، وقد خلقهما بالحق المقتضي للعدل، (وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، عطف على معنى بالحق، فإنه بمعنى خلقهما للعدل والصواب لا للعبث، أو عطف على علة محذوفة، (وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون)، فإذا استوى المسيء والمحسن فلا يكون للعدل والجزاء، ويكون المحسن مظلومًا، (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، من لا يطاوع ربه، بل يطاوع هواه فهواه ربه، (وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ)، حال من الفاعل، أي: عالمًا بضلاله في الأزل، أو من المفعول، أي: بعد بلوغ العلم وقيام الحجة عليه، (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِه وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً)، فلا يتعظ، ولا ينظر بعين الاعتبار، (فَمَن يَهْديهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ)، من بعد إضلاله، أو من غير الله تعالى، (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ وَقَالُوا مَا هِيَ)، الحياة، (إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)، أي: يموت بعضنا ويحيا بعض، أو المراد نفى المحيي والمميت، وعلى هذا يكون قوله: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)، مبين له أي: لا نموت إلا بطول العمر ومر الزمان، وقيل: هذا إثبات التناسخ، فإنه عقيدة أكثرهم، (وَمَا لَهُم بِذَلِكَ): الذي يقولون، (مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)، إذ لا دليل لهم

стр. 1835

بوجه، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا)، التي تدل على خلاف معتقدهم، (بَيِّنَاتٍ): واضحات الدلالة، (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ)، متشبثهم في المعارضة، (إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا)، الأموات، حتى نستدل بالبعث، أو حتى يشهدوا، (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ)، من العدم، (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ)، في القبر، (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ): في يوم القيامة، فإن من قدر على الإيجاد من العدم -الذي هم مقرون به، أو هو جلي ظاهر لا ينكره إلا غبي- قدر على الإعادة بطريق الأولى، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، لقصور نظرهم. * * * (وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلله الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) * * *

стр. 1836

(وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ): القيامة، (يَوْمَئِذٍ)، تأكيد للأول، (يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً): باركة على الركب، حتى إبراهيم ﵇ لشدة اليوم، أو مجتمعة للحساب، (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا): الذي فيه أعمالها، ومن قرأ بنصب كل فهو بدل من الأول، (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، أي: يقال لهم ذلك، (هَذَا كِتَابُنَا)، أي: ديوان الحفظة الذي كتبوا بأمرنا، (يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ): يشهد عليكم بلا زيادة، ولا نقصان، (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ): نأمر الملائكة بنسخ، (مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، عن ابن عباس ﵁ وغيره ﵃ إذا صعد الملائكة بالأعمال إلى السماء يؤمرون بالمقابلة على ما في اللوح فلا يزيد ولا ينقص، ثم قرأ " إنا كنا نستنسخ " الآية، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ)، عطف على محذوف، أي: فيقال لهم ألم تأتكم رسلي فلم تكن (آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ وَإِذَا قِيلَ)، أي: لكمِ، (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ)، أي: موعوده كائن، أو متعلق الوعد كائن، (وَالسَّاعَةُ لاَ ريْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ)، أي شيء هي، (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)، أي: ما نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا حقيرًا، أو ما نعتقد إِلَّا ظَنًّا لا علمًا، ونحوه، (وَمَا نَحْن بِمسْتَيْقِنِينَ)، أنها كائنة، وأما جزمهم في إنكارها فلعله حين عتوهم في العناد، أو هذا كلام بعضهم، (وَبَدَا): ظهر، (لَهُمْ سَيِّئَاتُ)، أي: قبائح، (مَا عَمِلُوا): أو جزاء سيئات أعمالهم، (وَحَاقَ): أحاط، (بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)، أي: جزاؤه، (وَقِيلَ اليَوْمَ نَنسَاكمْ): نعاملكم معاملة الناسى، فنترككم في العذاب، (كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَومِكُمْ هَذا)، أي: لقاء ما فيه من الجزاء وتركتم العمل له، جعل الظرف مجرى المفعول به وأضاف اللقاء إليه، (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، فنسيتم حياة الآخرة،

стр. 1837

(فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا): من النار، (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ): لا يطلب منهم أن يرضوا ربَّهم ويزيلوا العتب، (فَلله الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ): العظمة، (فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيز): الغالب، (الحَكِيمُ)، فيما أراد وقضى، وهذا الإخبار كأنه كناية أو مجاز عن الأمر بالحمد. فله الحمد والثناء والعظمة والكبرياء. * * *

стр. 1838

سورة الأحقاف مكية وهي أربع أو خمس وثلاثون آية وأربع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) * * *

стр. 1839

(حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، قد مر تفسيرها في التي قبلها، (مَا خَلَقْنا السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مسَمًّى)، أي: إلا خلقًا متلبسًا بما يقتضيه الحكمة، وبتقدير مدة معينة تنتهي إليها السماوات والأرض، وهو إشارة إلى فنائها وقيل: خلقها بمدة معينة وهي قوله: " فى ستة أيام " [الأعراف: ٥٤]، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا)، من هول ذلك اليوم، (مُعْرِضُونَ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أَرُونِي)، بدل من أرأيتم، (مَاذَا خَلَقُوا مِن الأَرْضِ أَمْ لَهم شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ)، أي: أخبروني عما تدعون من دون الله وتجعلون له شريكًا، أخبروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله تعالى؟! أم لهم مع الله تعالى شركة في خلق السماوات؟! (ائْتُونِي بِكِتَابٍ من قَبْلِ هَذَا)، الإشارة إلى القرآن، (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ): بقية من علم بقيت من علوم الأولين تدل على صحة ما أنتم عليه من الشرك، (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، في دعواكم، (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، أي: لا أضل

стр. 1840

ممن يعبد من لا يستجيب له لو سمع دعاءه أبدًا، ويتجاوز عن عبادة سميع مجيب خبير، (وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)، لأنهم جمادات صم لا تبصر ولا تعقل، (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانوا لَهُمْ أَعْدَاءً)، أي: كان الناس للمعبودين أعداء، لأنهم بسببها وقعوا في الهلكة، (وَكانوا)، أي: العابدون، (بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ): جاحدين، يقولون: (والله ربنا ما كنا مشركين) [الأنعام: ٢٣]، أو كان المعبودون للناس أعداء، وكانوا جاحدين لعبادتهم يقولون: " تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون "، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ)، أي: قالوا لأجل الآيات الواضحات وفي شأنها، (لَمَّا جَاءَهُمْ)، من غير تأمل، (هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ أَمْ يَقُولُونَ): بل يقولون، (افتَرَاهُ)، إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحرًا إلى ما هو أشنع، فالهمزة للإنكار والتعجب، (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ)، على الفرض، (فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا): لا تقدرون على دفع عقاب الافتراء، فكيف اجترئ عليه من أجلكم؟! (هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ): تخوضون، (فِيهِ)، من القدح، (كَفَى بِهِ): كفى باللهِ، (شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ): يشهد بصدقي وبلاغي، وبكذبكم وإنكاركم، (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)،

стр. 1841

لمن تاب وآمن فلا إقناط من رحمته، (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ): بديعًا غريبًا آمركم بما لا يأمرون به، (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ): لا أدري إلى ما يصير أمري وأمركم في الدنيا وعن بعض: معناه لا أدري حالي وحالكم في الآخرة، ثم نزل بعده " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " [الفتح: ٢] فقال الصحابة: هنيئًا لك، وعلمنا ما يفعل الله تعالى بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالي: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات) الآية [الفتح: ٥]، وعن بعضهم معناه: لا أدرى بماذا نؤمر وبماذا ننهي بعد ذلك؟ أو لا أدري حالى وحالكم في الدارين على التفصيل إذ لا أدعي علم الغيب، (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)، لا أبتدع من عندي شيئًا، (وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ)، قيل: هو جواب عن اقتراحهم الإخبار عن الغيب، أو عن استعجال المسلمين أن يتخلصوا من أذى المشركين، (قُلْ أَرَأَيتمْ إِن كَانَ): القرآن، (مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، هو عبد الله بن سلام، صرح به جماعة لا يحصى من السلف، وعليه حديث البخاري ومسلم، فهذه الآية مستثناة من كون السورة مكية، كما صرح به في تفسير الكواشي وقد يأول بأن المراد، ويشهد شاهد فيكون على طريقة (ونادى أصحاب الأعراف) [الأعراف: ٤٨] فالآية في حقه الحكم بأنه يشهد بعد ذلك، (عَلَى مِثْلِهِ)، أي: على مثل ما أخبر القرآن به، وقيل: المثل صلة، (فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ)، فعطف كفرتم على كان، وعطف واستكبرتم على شهد، وعطف جملة شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، فآمن واستكبرتم على جملة كان من عند الله وكفرتم وجواب الشرط محذوف، أي: ألستم ظالمين؟ ويدل عليه قوله: (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). * * * (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) * * *

стр. 1842

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا)، أي: لأجلهم، (لَوْ كَانَ)، أي: الإيمان، (خَيْرًا ما سَبَقُونَا إِلَيهِ)، فإنهم فقراء، وعبيد، وإماء، ونحن أشرف والأشرف للأشرف، (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ)، أي: بالإيمان، (فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)، كما

стр. 1843

قالوا: أساطير الأولين والعامل في إذ محذوف، والفاء مسبب عنه، أي: ظهر عنادهم فسيقولون، وقيل: السين لمجرد التأكيد، والمضارع للاستقرار أو بحيث يتناول الماضي فلا حاجة إلى تقدير، (وَمِن قَبْلِهِ)، أي: قبل القرآن، (كِتابُ مُوسَى)، مبتدأ، وخبر، (إِمَامًا وَرَحْمَةً)، نصب على الحال، (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ)، للكتب السماوية، (لِسَانًا عَرَبِيًّا)، نصب على الحال، (لِيُنْذِرَ)، النبي، أو الكتاب علة مصدق، (الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ)، عطف على محل لينذر، (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا): أقروا بواحدانيته ثم استقاموا على التوحيد، وثم لتراخي مرتبة الاستقامة، فإن لها الشأن كله، (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)، مما يستقبلون، (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، على ما خَلَّفوا، (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَنةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً)، أي: جُوزوا جزاء، (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ)، لما ذكر التوحيد عطف عليه بالوصية بالوالدين كقوله تعالي: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا [إِلَّا إِيَّاهُ]) الآية [الإسراء: ٢٣]، وقوله: (أن اشكر لي ولوالديك) [لقمان: ١٤]، (إِحْسَانًا)، منصوب بـ وصينا بأنه بمعنى ألزمناه الحسن في أبويه، (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا

стр. 1844

وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا)، نصب على الحال، أي: ذات كره، أو صفة لمصدر، أي: حملاً ذا كره ومشقة، (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ)، أي: مدتهما، والفصال: الفطام، (ثَلاُثونَ شَهْرًا)، فأقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه إذا حط عنه حولان كاملان لمن أراد أن يتم الرضاعة بقي ذلك، وفي سورة لقمان " وفصاله في عامين " [لقمان: ١٤] وعن ابن عباس ﵄: إذا وضعت بعد تسعة أرضعت إحدى وعشرين، وإذا وضعت بعد ستة أرضعت أربعة وعشرين، (حَتَّى إِذَا بَلغَ أَشُدَّهُ): استحكم قواه واكتهل، قيل: هو ما بين ثماني عشر إلى أربعين، وقيل: ثلاث وثلاثون إلى أربعين، وهو غايته، (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي): ألهمني، (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ)، والنعمة: الهداية والإسلام، (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)، اجعل لي الصلاح ساريًا فيهم، (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، قيل: نزلت في أبى بكر ﵁، اجتمع له إسلام أبويه وأولاده

стр. 1845

جميعًا، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة، وهذا إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد الإنابة إلى الله تعالى: فقد ورد " من بلغ الأربعين، ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار " (١)، (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) أي: طاعاتهم فإنها أحسن من المباح، (وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ): كائنين معدودين فيهم، (وَعْدَ الصِّدْقِ)، مصدر مؤكد لأن يتقبل ويتجاوز وعد، (الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)، بلسان الأنبياء، وعن علي ﵁ من الذين قال الله تعالى فيهم: " أولئك الذين نتقبل عنهم " الآية قال: والله عثمان وأصحاب عثمان قالها ثلاثًا، (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا)، هو صوت يعلم منه أن قائله متضجر، واللام للبيان أي: هذا التأفيف لكما خاصة، لما ذكر تعالى حال البارّين بهما عقب بحال العاقين لهما، (أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ)، من قبري حيًا، (وَقَدْ خَلَتِ): مضت (الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي)، ولم يبعث منهم أحد، (وَهُمَا): الوالدان، (يَسْتَغِيثَانِ الله): يسألانه أن يغيثه بالهداية، وقيل: الغياث بالله منك، (وَيْلَكَ آمِنْ): يقولان له ذلك دعاء عليه بالهلاك، والمقصود التحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك نصب على المصدر، (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ)، الولد: (مَا هَذَا)، الذي تدعونني إليه، (إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ): أباطيلهم التي كتبوها، (أُولَئِكَ)، خبر لقوله: " والذي قال "، فالمراد " بالذي " الجنس القائل ذلك القول حتى جاز أن يكون خبره مجموعًا، (الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ): كلمة العذاب وأنهم أهل النار، (فِي أُمَمٍ)، كائنين معدودين فيهم، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ)، في الدنيا، والآية في كل كافر عاق، وفي الآية أدلة على ضعف قول من قال: إنَّهَا في شأن عبد الرحمن بن أبى بكرٍ قبل

стр. 1846

إسلامه، وفي النسائي لما بايع معاوية لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه: " والذي قال لوالديه " الآية، فبلغ عائشة ﵂ فقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزل الله فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان فى صلبه فمروان فضض من لعنة الله تعالى، (وَلِكُلٍّ)، من الفريقين، (دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا): مراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، وتسمية الدركات درجات للتغليب، (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ)، أي: جزاءها، ومعلله محذوف، أي: وقدر لهم درجات ليوفيهم، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ): بزيادة عقاب ونقص ثواب، (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ)، من باب القلب للمبالغة، أي: يعرض النار عليهم، أو معناه يعذبون عليها، (أَذْهَبْتُمْ)، أي: يقال لهم يوم القيامة ذلك، (طَيِّبَاتِكُمْ): لذائذكم، (فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا)، فلم يبق لكم منها

стр. 1847

شيء، (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): الذل، (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، فإن التكبر يمكن أن يكون بحق، (وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ)، رأى عمر رضى الله عنه في يد جابر لحمًا فقال: ما هذا؟ فقال: لحمًا اشتريته، فقال: أو كل ما اشتهيت اشتريت، أما تخاف هذه الآية " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ". * * * (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٢٦) * * * (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ)، أي: هودًا، (إِذْ أَنْذَرَ)، بدل من أخا عاد، (قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ): منازلهم فهم ساكنون بين رمال، جمع حقفٍ، وهو الرمل الكثير، (وَقَدْ

стр. 1848

خَلَتِ النُّذُرُ)، حال من مفعول اذكر، أو معترضة بين أنذر وبين أن لا تعبدوا، (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ): قبله، (وَمِنْ خَلْفِهِ): بعده فأنذروا كما أنذر، (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ)، أن مفسرة، أو بألا تعبدوا، فإن النهي عن شيء إنذار عن مضرته، (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا): تصرفنا، (عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا)، من العذاب، (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللهِ)، هو يعلم متى يأتيكم العذاب، ولا مدخل لي في الاستعجال، (وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ): فما على الرسول إلا البلاغ، (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)، لأنكم تستعجلون بعذاب يحتمل الوقوع، (فَلَمَّا رَأَوْهُ)، الضمير مبهم يفسره قوله: (عَارِضًا)، وهو إما تمييز، أو حال، أو الضمير لما طلبوا إتيانه يعني سحابًا عرض في أفق السماء، (مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ): متوجه أوديتهم، والإضافة لفظية، ولذا وقع صفة لنكرة، (قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)، وكذا هذه الإضافة لفظية، استبشروا لأنه قد حبس عنهم المطر، (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ)، من العذاب، أي: قال هود بل هو، أو الإضراب من الله تعالي، ولا قول ثمة، بل هو عبارة عن سرعة استئصالهم كقوله تعالي: " فقال لهم الله موتوا " بعد قوله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم " [البقرة: ٢٤٣] فإن معناه فأماته الله، (رِيحٌ)، أي: هي ريح، (فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تدَمِّرُ): تهلك، (كُلَّ

стр. 1849

شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى)، أي: جاءتهم الريح ودمرتهم، فأصبحوا بحيث لو حضرتهم لا ترى، (إِلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)، قيل: كانوا تحت الرمال ثمانية أيام ولهم أنين، ثم قذفتهم الريح في البحر، (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)، أي: في الذي ما مكناكم فيه من المال والقوة والعمر، فإن نافية، وقيل: شرطية محذوفة الجواب، أي: في شيء إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر، وقيل: صلة، (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ): شيئًا من الإغناء، أو ما دفع عنهم شيئًا من العذاب، (إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ)، ظرف جرى مجرى التعليل، (وَحَاقَ): أحاط، (بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)، أي: العذاب، فإنهم استهزءوا به. * * * (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ

стр. 1850

إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥) * * * (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ)، يا أهل مكة، (مِنَ الْقُرَى)، كحجر ثمود، وقرى قوم لوط، (وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ): بيناها مكررًا، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، عن ضلالتهم، (فَلَوْلاَ): فهلا، (نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً)، أي: الذين اتخذوهم متجاوزين الله تعالى آلهة متقربًا بهم، كما قالوا: (هؤلاء شفعاؤنا) [يونس: ١٨] فـ قربانا حال من المفعول الثاني، أي: آلهة، أو مفعول له، (بَل ضَلوا عَنْهُمْ)، لم ينفعهم عند نزول العذاب، (وَذلِكَ)، أي: ضلالهم عنهم، (إِفْكُهُم)،

стр. 1851

أي: أثر صرفهم عن الحق، (وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)، وافترائهم، وهذا كمن أدب أحدًا فلم يتأدب، وظهر منه سوء أدب، فيقال له تقريعًا: هذا تأديبك، (وَإِذ صَرَفنا): أملنا، (إِلَيْكَ نَفَرًا)، هو ما دون العشرة، (مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)، وهو عطف على قوله: (أخا عادٍ)، أي: واذكر إذ صرفنا، (فَلَمَّا حَضَرُوهُ): القرآن أو رسول الله ﷺ ، (قَالُوا)، بعضهم لبعض: (أَنْصِتُوا): نستمع القرآن، (فَلَمَّا قُضِيَ): فرغ عن قراءته، (وَلَّوْا): رجعوا، (إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)، إياهم بما سمعوا، والأحاديث الصحاح والحسان بطرق مختلفة، تدل على أنه ﵇ ذهب إلى الجن قصدًا فتلا عليهم، والأظهر كما قاله كثير من العلماء: أن استماعهم القرآن ليس مرة واحدة ولا يمكن توفيق الأحاديث المتضادة إلا بذلك، فمرة في طريق الطائف،

стр. 1852

ومرة في شعاب مكة، ومرة في بوادي المدينة، (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)، لم يذكروا عيسى لأن الإنجيل فيه مواعظ، وقليل نادر من الأحكام، فهو كالمتمم للتوراة، وقيل: لأنَّهُم كانوا يهودًا، (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)، من كتب الله، (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، أي: بعضها، فإن المظالم لا تغفر في حق الذمي بالإيمان بخلاف الحربي، فإنه لا تبقى عليه تبعة، (وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ)، لا يعجز الله تعالى فيفوته، (وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ)، ينصرونهم، (أوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مبِينٍ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ): لم يتعب، (بِخَلْقِهِنَّ)، ولم يضعف عن إبداعهن، (بِقَادرٍ)، خبر أن، والباء لاشتمال النفي على أن وما في حيزها كأنه قال: " أليس الله بقادر "، (عَلَى أَن يُحْيي المَوْتَى بَلَى)، مقررة للقدرة الواقعة بعد ليس تقديرًا، (إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ): يعذبون عليها، (أَلَيْسَ هَذا بِالْحَقِّ)، أي: قال لهم في ذلك اليوم أليس هذا، تقريعًا،

стр. 1853

(قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ): بسببه، (فَاصْبِرْ)، يا محمد، (كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ)، أي: أولو الثبات والجد منهم، والأشهر أنَّهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم النبيين عليهم الصلاة والسلام، (مِنَ الرُّسُلِ)، حال، ومن للتبعيض وعن بعضهم: إن جميع الأنبياء أولو العزم، فمن للتبيين، (وَلاَ تَسْتَعْجِل)، بالعذاب، (لَهُمْ): لقريش، (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)، أي: يحسبون يوم القيامة أن مدة لبثهم في الدنيا ساعة فإنه نازل بهم لا محالة، (بَلَاغٌ)، أي: هذا يعني القرآن، أو ما وعظتم به بلاغ كفاية، أو تبليغ من الرسول، (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ): الخارجون عن الاتعاظ: والطاعة. * * *

стр. 1854

سورة محمد ﷺ مدنية وقيل مكية وهى ثماني أو تسع وثلاثون آية وأربع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) * * * (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا): أعرضوا، أو منعوا الناس، (عَنْ سَبِيلِ اللهِ): عن الدخول فى الإسلام، (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ): أبطلها، وما جعل لها ثوابًا كتصدقهم وصلة

стр. 1855

أرحامهم، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) تخصيص بعد التعميم تعظيمًا لشأنه، وأكده بالجملة الاعتراضية يعني قوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مِن ربِّهِمْ)، الظرف حال من ضمير الحق، (كَفرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ): حالهم وأمرهم، (ذَلِكَ) أي: الإضلال والتكفير، (بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ): الشيطان، (وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ): القرآن، (مِنْ ربهِمْ)، حال من الحق، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الضرب، (يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) أي: لأجل الناس أمثال الفريقين، أو أمثال الناس للناس بأن جعل اتِّباع الباطل والإضلال مثلا للكفار، واتباع الحق والتكفير مثلاً للمؤمنين، (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا): حاربتموهم، (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) أي: فاضربوا رقابهم ضربًا قدم المصدر مضافًا إلى المفعول بعد حذف فعله، والمراد منه القتل بأي وجه كان، (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ): أغلظتم قتلهم، وجعلتموه كثيرًا كثيفًا قال تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) [الأنفال: ٦٧] (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) أي: فأسروهم، والوثاق ما يوثق به، (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) أي: تمنون منًّا بعد الأسر، أو يفدون فداء أراد التخيير بين الإطلاق بلا عوض وبين العوض، وعند بعض السلف أنها منسوخة بقوله " فاقتلوا

стр. 1856

المشركين حيث وجدتموهم " الآية [التوبة: ٥]، والأكثرون على أنها محكمة، ثم قال بعضهم التخيير بين القسمين فلا يجوز قتله، والأكثرون منهم وهو قول أكثر السلف على التخيير بين المنِّ والمفاداة والقتل والاسترقاق، (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْب أَوْزَارَهَا): أثقالها وآلاتها أي: لا يبقى حرب، وهو بأن لا يبقى كافر، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله) [الأنفال: ٣٩] قيل: حتى تضع الحرب آثام أهلها بأن يتوبوا، أو شرك أهلها وقبائحهم، (ذَلِكَ) أي: الأمر ذلك، (وَلَوْ يَشَاءُ الله لانتَصَرَ): لانتقم، (مِنْهُمْ): بأن أهلكهم من غير قتال، (وَلَكِنْ) شرع لكم الجهاد، (لِيَبْلوَ): الله تعالى، (بَعْضَكمْ بِبَعْضٍ): فيمحص ويخلص المؤمنين بالجهاد، ويمحق الكافرين فهو من البلية، أو من الابتلاء أي: الاختبار قال تعالى: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللهُ " الآية [آل عمران: ١٤٢]، (وَالَّذِينَ قُتِلُوا): جاهدوا، (فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ): يضيع، (أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ): إلى سبل السلام، (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ): حالهم فيما بقي من عمرهم، وفي الآخرة، (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ): بينها لهم لكل منهم يعرف منزله، وفي البخاري " والذي نفس محمد بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله كان في الدنيا " وعن بعض: طيبها لهم من العَرْف وهو طيب الرائحة قيل: عرفها لهم في الدنيا حتى اشتاقوا إليها، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ)

стр. 1857

أي: في دينه، (يَنصُرْكُمْ): على عدوكم، (وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ): في الجهاد والطاعات، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ)، مفعول مطلق وجب حذف فعله أي: تعس أو أتعسه الله تعالى تعسًا أي: أهلكه إهلاكًا، والجملة خبر الذين كفروا كأنه قال والذين كفروا أهلكهم الله (وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)، عطف على ناصب تعسًا، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ): القرآن، (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ): استأصل، (اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) أي: ولمطلق الكافرين أمثال تلك العاقبة، فيه وعيد لقريش، (ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى): ناصر، (الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ): لا ناصر لهم، ولكن هو مولاهم بمعنى مالكهم. * * * (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ

стр. 1858

فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩) * * * (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ): في الدنيا بها، (وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ): لا يهتمون بالحل، والحرمة، ولا بالقلة والكثرة لا شكر ولا حمد، (وَالنَّارُ مَثْوًى): منزل، (لَهُمْ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) أي: وكم من أهل قرية، (هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ): مكة، أي: من أهلها، (الَّتِي أَخْرَجَتْكَ): كانوا سبب خروجك، (أَهْلَكْنَاهُمْ): بأنواع العذاب، (فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ)، معناه على المضي أي: لم يكن لهم ناصر فهو كالحال المحكية نزلت حين قال ﵇ في الغار ملتفتًا إلى مكة: " أنت أحَبُّ بلاد الله إلى الله وأَحَبُّ بلاد الله إليَّ ولولا أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك "،

стр. 1859

فأعدى الأعداء من عدا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ): حجة، (مِنْ رَبِّهِ): كالقرآن والدلائل، (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا)، جمع الضمير باعتبار المعنى، (أَهْوَاءَهُمْ): لا حجة لهم أصلاً، (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي: وعدها، (فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ): غير متغير طعمه ولا ريحه، (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ): لم يصر حامضًا ولا قارصًا، (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ): طيبة الطعم والرائحة لا فيها غول، وهي تأنيث لَذ، وهو اللذيذ أو مصدر وصف به للمبالغة، (وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى): من الشمع والوسخ، (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) أي: بعضه، (وَمَغْفِرَةٌ)، عطف على معنى من كل الثمرات، (مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ): من شدة الحرارة، واعلم أن " مثل الجنة " مبتدأ خبره " كمن هو خالد " بتقدير في الخبر والمبتدأ على حاله أي: كمثل جزاء من هو خالد أو في المبتدأ، أو الخبر على حاله أي: مثل أهل الجنة كمن هو خالد وقوله " فيها أنهار " إما صلة لا بعد صلة، أو استئناف، أو مثل مبتدأ، وفيها أنهار خبره من غير احتياج بتقدير أي: صفتها هذه،

стр. 1860

أو مبتدأ خبره محذوف أي: فيما قصصنا عليكم مثل الجنة ثم أخذ يبين، وعلى هذين الوجهين كمن هو خالد خبر محذوف أي: المنفي الذي له تلك الجنة كمن هو خالد، والقرينة وعد المتقون، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ): المنافقون يحضرون ويسمعون كلامه الأشرف، (حَتى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ): علماء الصحابة، (مَاذَا قَالَ): محمد، (آنِفًا): الساعة استهزاءً وإعلامًا بأنا ما كنا ملتفتين إليه مستمعين له، وآنفًا ظرف بمعنى أول وقت يقرب منا، (أُولَئِكَ الذِينَ طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ): ختم عليها فلا يدخل فيها الهدى، (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ): الله، أو قول الرسول، (هُدًى): وفقهم على تكثير الحسنات وتقليل السيئات، (وَآتاهُمْ تَقْوَاهُمْ): أعانهم على التقوى أو أعطاهم ثواب التقوى أو بين لهم ما يتقون، (فَهَلْ يَنظُرُون): ينتظرون، (إِلا السَّاعَةَ) أي: لا يؤخرون الإيمان إلا لانتظار القيامة، (أَنْ تَأتِيَهُمْ بَغتَة)، بدل اشتمال من الساعة، (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) كالعلة كأنه قال لا ينتظرون إلا إتيانها بغتة؛ لأنه قد جاء أشراطها، وبعد مجيء الأشراط لابد من وقوع الساعة، ومن أشراطها مبعث رسول الله ﷺ (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ): فمن أين لهم التذكر والاتعاظ إذا جاءتهم الساعة؟ يعني حينئذ لا تنفعهم، (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: إذا علمت حال الفريقين فاثبت على التوحيد، (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، ذكره
следующие страницы →