النار في مزدلفة، ثم المسرعات منها إلى منى فإنها في الصبح، ويكون الإغارة سرعة السير، ثم إثارة النقع في الطريق، ثم التوسط متلبسات بالنقع في الجمع، وهو اسم مزدلفة، وعلى هذا الضبح الذي هو للفرس مستعار للإبل، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ)، أي: لنعم ربه، (لَكَنُودٌ): لكفور، (وَإِنَّهُ): الإنسان، (عًلَى ذلِكَ): على كنوده، (لَشَهِيدٌ): يشهد على نفسه بلسان حاله، أو وعيد من الله، أي: إن الله على كنوده لشهيد، (وَإِنَّهُ): الإنسان، (لِحُبِّ الخَيْرِ): لأجل حب المال، (لَشَدِيدٌ): بخيل، أو لقوي بالغ، (أَفَلاَ يَعْلَمُ): الله، (إِذَا بُعْثِرَ): بعث، ظرف " يعلم "، (مَا فِي القُبُورِ): من الموتى، (وَحُصِّلَ)، أي: أظهر محصلاً، (مَا في الصُّدُورِ)، من الخير والشر، أجرى العلم مجرى اللازم، أي: أليس له العلم الكامل بما عليه الأمر في ذلك اليوم؟ ثم يؤكد ذلك بقوله: (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ): هو يوم القيامة، (لَخَبِيرٌ). لعالم فيجازيهم.
والحمد للهِ.
* * *
стр. 2242
سورة الْقَارِعَةِ مكية
وهي إحدى عشرة آية
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)
* * *
(الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ)، مبتدأ وخبر، أي: القارعة ما هي؟ كما مر في سورة الحاقة، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ)، ظرف لما دل عليه القارعة، أي: تقرع يوم، (يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ): في الذلة، والاضطرار، والتطاير إلى الداعي، كتطاير الفَرَاش إلى النار، (وَتَكُونُ الجبَالُ كَالْعِهْنِ): كالصوف، (المَنفُوشِ): المندوف، في خفة سيرها وتطايرها، (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ): بترجيح قدر الحسنات، (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ): عيش، (رَّاضيَةٍ): ذات رضي، (وَأَمَّا مَنْ خَفتْ مَوَازِينُهُ): بأن ترجحت سيئاته، (فَأُمُّهُ): َ مأواه، أو أم رأسه، فإنه يطرح فيها منكوسًا، (هَاوِيَةٌ)، من أسماء جهنم، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ)، الضمير للهاوية، والهاء للسكت، (نَارٌ حَامِيَةٌ): ذات حرارة شديدة فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزء.
اللهم أجرنا منها.
* * *
стр. 2243
سورة التَّكَاثُر مكية
وهي ثمان آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
* * *
(أَلْهَاكُمُ): شغلكم، (التَّكَاثُرُ): المباهات بكثرة الأموال والأولاد عن طلب الآخرة، (حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ) أي: تمادى بكم إلى أن متم، وقبرتم، وفي الحديث: (حتى زرتم المقابر: حتى يأتيكم الموت)، وفي الترمذي عن علي ﵁ " ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر " وعن عمر بن عبد العزيز حين قرأ ذلك قال: ما أدري المقابر إلا زيارة، وما للزائر إلا أن يرجع إلى منزله إلى جنة أو نار، وعن بعض معناه: تكاثرتم بالأحياء، حين قلتم: نحن أكثر عددًا وخدمًا وعشيرة، حتى إذا استوعبتم عددهم، صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات، بأن قلتم: هؤلاء قبور خدمنا، وعشائرنا، وأقاربنا، (كَلَّا)، ردع عن الاشتغال بما يضره عما ينفعه، (سَوْفَ تَعْلَمُونَ)، خطأ ما أنتم عليه، (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ
стр. 2244
تَعْلَمُونَ)، تكرير للتأكيد، وثم للدلالة على أن التالي أبلغ، (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ)، ما سترجعون إليه، (عِلْمَ اليَقِينِ): علمًا يقينًا، من غير تذبذب، لما ألهاكم شيء عن طلب الآخرة، فجواب " لو " محذوف، (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)، جواب قسم محذوف تأكيد للوعيد، (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا)، تكرير للتأكيد، (عَيْنَ اليَقِينِ)، أي: الرؤية التي هي نفس اليقين، (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ): عن شكر ما أنعم الله به عليكم من لذات الدنيا، وفي مسلم ومسند الإمام أحمد وغيرهما أنه ﵇ أكل مع أبي بكر، وعمر رطبًا وماء باردًا، فقال: (هذا من النعيم الذي تسألون عنه)، وفي الحديث: (يُسئل عن كل شيء إلا من ثلاثة خرقة كف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر والقر) وكلام جمهور السلف على أن السؤال عام.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
стр. 2245
سورة الْعَصْرِ مكية
وهي ثلاث آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
* * *
(وَالْعَصْرِ)، أي: الدهر، أو بصلاة العصر، أو بوقته، (إِنَّ الْإِنْسَانَ): كلهم، (لفِي خُسْرٍ)، في مساعيهم، (إِلا الذِينَ آموا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، فإنهم فازوا، وربحوا، لأنهم اشتروا الآخرة الباقية بالدنيا الفانية، (وَتَوَاصَوْا): أوصى بعضهم بعضًا، (بِالْحَقِّ): بالقرآن أو بما هو الخير، (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ): على المصائب، أو عن
стр. 2246
المعاصي، يعني: يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويحكى عن بعض الأكابر أنه قال: فهمت معنى سورة " والعصر " عن بائع ثلج، يقول: ارحموا على من رأس ماله يذوب.
اللهم وفقنا لمرضاتك.
* * *
стр. 2247
سورة الهُمَزَة مكية
وهي تسع آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)
* * *
(وَيْل لِّكُلِّ هُمَزَةٍ): من اعتاد يكسر أعراض الناس (لمَزَةٍ): من اعتاد بالطعن فيهم، وعن بعض السلف الأول: العيب بالغيب، والثاني في الوجه، وقيل: باللسان، وبالعين، والحاجب، نزلت في الأخنس بن شريق، أو غيره، وعن مجاهد: هي عامة (الذِي جَمَعَ مَالًا) بدل من كل، أو منصوب، أو مرفوع بالذم (وَعَدَّدَهُ): عده مرة بعد أخرى، أو جعله عدة وذخيرة للنوازل (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ): لفرط غروره واشتغاله بالدنيا وطول أمله، لا يخطر الموت بباله، فيعمل أعمال من يظن الخلود (كَلَّا) ردع له عن حسبانه (لَيُنْبَذَنَّ): ليطرحن (في الحُطَمَةِ): من أسماء جهنم، لأنها يحطم، ويكسر (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ): أوقدها الله (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ): تعلو على أوساط قلوبهم، فإنها ألطف ما في
стр. 2248
البدن، وأشد تألمًا، وعن كثير من السلف: تأكل كل جسده، حتى بلغت فؤاده جدّد خلقه (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) مطبقة (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) أي: موثقين في عمد ممدودة يعني: أرجلهم، وأيديهم في حديد كالعمود طويل، هو حال من ضمير (عليهم).
والحمد للهِ.
* * *
стр. 2249
سورة الْفِيلِ مكية
وهي خمس آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
* * *
(أَلَمْ تَرَ) يا محمد، جعل مشاهدة آثارها وسماع أخبارها بمنزلة الرؤية (كَيْفَ فَعَلَ) نصب كيف بفعل (رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ) في تخريب
стр. 2250
الكعبة (في تَضْلِيلٍ): في تضييع (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ): جماعات جمع إبالة، وهي الحزمة الكبيرة (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ): من طين متحجر، معرّب سنككل (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ): َ ورق زرع (مَأْكُولٍ): أكلته الدواب ورَاثَتْهُ، أو وقع فيه الإكال، وهو أن يأكله الدود، وقصته أن ملك اليمن أبرهة بنى كنيسة، وأراد صرف الحج إليها، فقصدها بعض قريش، وأحدث فيها، فلما رأى السدنة ذلك الحدث، أخبروا الملك بأن ليس هذا إلا من قريش غضبًا لبيتهم، فتوجه الملك لتخريب الكعبة انتقامًا، ومعه فيل عظيم اسمه محمود، وقيل: معه فيلة أخرى، فلما وصلوا قرب مكة تهيئوا للدخول، أرسل الله طيرًا من البحر، أمثال الخطاطيف مع كل في منقاره ورجليه ثلاثة أحجار، أصغر من حمصة، فرمتهم، فإن وقع الحجر على رأس رجل خرج من دبره، فهلكوا على بكرة أبيهم.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
стр. 2251
سورة قُرَيْشٍ مكية
وهي أربع آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)
* * *
(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) عن بعض من السلف: إنه متعلق بالسورة التي قبلها، أي: أهلكهم فجعلهم كعصف مأكول ليبقى قريش، وما ألفوا من الرحلتين، وهما في مصحف أُبيٍّ سورة واحدة (إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ): رحلة في الشتاء، ورحلة نصب بإيلافهم (وَالصَّيفِ): ورحلة في الصيف، أطلق الإيلاف، ثم أبدل المقيد عنه للتعظيم (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) الأظهر أن يتعلق لإيلاف، بقوله: (فليعبدوا)، والفاء لما فيه من معنى الشرط، أي: إن لم يعبدوه لسائر نعمه عليهم، فليعبدوا لأجل إيلافهم رحلة الشتاء إلى اليمن، والصيف إلى الشام يتجرون، ويتنعمون، وهم آمنون في رحلتيهم، لا يتعرض عليهم أحد بمكروه، لأنَّهُم أهل بيت الله (الذِي
стр. 2252
أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ): عظيم أكلوا فيها الجيف (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ): عظيم، أبناء جنسهم واقعون فيه، فإن الناس غيرهم في حواليهم يغار عليهم، وحاصله أن الله مَنَّ عليهم بالأمن والرخص.
والحمد للهِ.
* * *
стр. 2253
سورة الْمَاعُون مكية وقيل مدنية
وهي سبع آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)
* * *
(أَرَأَيْتَ) الاستفهام للتعجب (الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ): بالجزاء والبعث (فَذَلِكَ) يعني: التكذيب بالدين، هو الذي يحمله على تلك المساوئ (الذِي يَدُعُّ): يدفع دفعًا عنيفًا (اليَتيمَ) عن ابن عباس: هو بعض المنافقين (وَلَا يَحُضُّ): لا يرغب (عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أي: على إطعامه فضلاً عن أن يطعمه هو (فَوَيْلٌ للْمُصَلِّينَ) أى: لهم، وضع موضِع الضمير، للدلالة على معاملتهم مع الخلق والخالق (الذينَ هُمْ عَن صَلاتهمْ سَاهُون) أي: التزموا بالصلاة علانية، ويتركونها بالسر (الذِينَ هُم يُرَاءُونَ): يصلون في العلانية، لأجل أن يظن فيهم الإسلام (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ): ولا يعطون الزكاة، أو يمنعون عارية القدر، والفأس، والدلو،
стр. 2254
والملح، والنار، وأمثال ذلك سيما زكاة المال، وعن بعض المراد من الذي يدع اليتيم، رجل خاص من قريش، فعلى هذا ليس المراد من قوله: " فويل للمصلين " هو الذي يدع لأنه ليس من أهل الصلاة، بل لما عرف المكذب بمن هو يدفع اليتيم زجرًا لأن يحترز عنه، وعن فعله ذكر استطرادًا ما هو أقبح، يعني: إذا كان عنف اليتيم، وترك إطعام الطعام بهذه المثابة، فما بال المصلي الذي هو ساه عن صلاته،
فالاحتراز عنه وعن فعله أولى وأولى.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
стр. 2255
سورة الْكَوْثَرَ مكية أو مدنية
وهي ثلاث آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)
* * *
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) في الأحاديث الصحاح (هو نهر في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم، فأقول: ربِّ إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، وعن أكثر السلف هو الخير الكثير، ومنه ذلك النهر، والنبوة والقرآن، وعن عطاء: هو حوض في الجنة (فَصَلِّ لِرَبِّكَ): دم عليها مخلصًا شكرًا لما أعطيناك (وَانْحَرْ) أي: البدن ونحوه على اسمه وحده،
стр. 2256
بخلاف ما عليه المشركون من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه (إِنَّ شَانِئَكَ): مبغضك وعدوك، يا محمد (هُوَ الْأَبْتَرُ): الأقل الأذل، الذي لا عقب له المنقطع ذكره، نزل في بعض من المشركين يقول: دعوا محمد فإنه أبتر، فإذا هلك انقطع ذكره، وقد روي أنه إذا مات ابناه عليه وعليهما السلام قالوا: بتر محمد، فقال الله: أعداؤك متصفون بما قالوا فيك، وما أنت إلا باقٍ ذريتك الكرام إلى يوم القيامة، وحسن ثنائك على رءوس الأشهاد إلى يوم التناد.
والحمد لله.
* * *
стр. 2257
سورة الْكَافِرُونَ مكية
وهي ست آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
* * *
(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) نزلت حين قال رهط من قريش: هلم يا محمد تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، ونشركك في أمرنا كله (لاَ أَعبدُ): في المستقبل، فإن (لا) على المضارع للاستقبال (مَا تَعبدُونَ): في الحال (وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ): في المستقبل (مَا أَعبدُ): في الحال وذكر (ما) هاهنا للمطابقة، أو لأن المراد، ما أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق (وَلاَ أَنا عَابدٌ): في الحال، أو قط (مَا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ): في الحال، أو قط (مَا أَعبدُ) لم يقل ما عبدت لأنه لم يطابق المقام؛ لأنَّهُم ينكرون ما هو عليه بعد النبوة، ويعتقدونه ويعظمونه قبلها، وعن بعض العلماء: إن المراد من لا أعبد نفي الفعل، ومن لا أنا عابد نفي الوقوع والإمكان، فلا تكرار، وعن بعض هو تكرار وتأكيد على طريقة أبلغ، فإن الثاني جملة اسمية، وعن بعض: (ما) في الأخيرين مصدرية، أي: ولا أنا عابد، وتابع عبادتكم وطريقتكم، ولا أنتم مقتدون عبادتي وطريقتي، ولهذا قال: (لَكُمْ دِينُكُمْ): الكفر (وَلِيَ دِينِ): الإسلام، لا تتركونه، ولا أترك، وهذا خطاب لمن سبق في علم الله أنَّهم لا يؤمنون.
* * *
стр. 2258
سورة النصر مدنية
وهي ثلاث آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)
* * *
(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ) أي: لك على أعدائك (وَالْفَتْحُ): فتح مكة، فسر به جمهور السلف (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ) هو حال إن جعلت رأيت بمعنى أبصرت (فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا) جماعات بعد ما كان يدخل واحدًا واحدًا، أو اثنين اثنين، كانت أحياء العرب ينتظرون فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي لأنهم أهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، يعني إذا فتحت مكة قريتك التي أخرجتك، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فقد فرغ شغلنا في الدنيا بك فتهيأ للقدوم علينا، ولذلك قال: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ): نزهه عما يقول الظالمون حامدًا له (وَاسْتَغْفِرْهُ): عما فرط منك من التقصير (١)، أو عن أمتك (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا): لمن استغفر منذ خلق الخلق، وكان ﵇ حين أنزلت أخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة، وعن الإمام أحمد: قال ﵇ لما نزلت: " إذا جاء نصر الله والفتح " (نُعِيَتْ إِليَّ نفسي) بأنه مقبوض في تلك السنة، وعن أكثر السلف: إنها أجله ﵇، وفي مسلم، والطبراني، والنسائي: إنَّهَا آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا، وعن البيهقي وغيره: إنَّهَا نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع، فيكون نزولها بعد فتح مكة بسنتين، فلابد أن نقول: إن " إذا " الذي هو للاستقبال سلبت عن معناه، وقيل: إن فتح مكة أم الفتوح، والدستور لما يكون بعده من الفتوحات، فهو وإن كان متحققًا في نفسه، لكنه متركب باعتبار ما يدل عليه.
* * *
стр. 2259
سورة اللهب مكية (١)
وهي خمس آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)
* * *
(تَبَّتْ): هلكت (يَدَا أَبِي لَهَبٍ): نفسه، وعادة العرب أن تجعل التعبير عن الجملة باليدين نحو: بما قدمت يداك، وقيل: المراد دنياه وأخراه (وَتَبَّ) الأول: دعاء، والثاني: خبر، أي: وقد حصل الهلاك والخسران، نزلت لما صعد ﵇ الصفا، فقال: (يا صباحا)، فاجتمعت إليه قريش قال: " أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني؟ " قالوا: بلى، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد "، فقال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا دعوتنا جميعًا؟ (مَا أَغنَى عَنْهُ مَالُهُ): من عذاب الله (وَمَا كَسَبَ): الذي كسبه، وهو ولده، فإنه قال: إن كان ما يقول ابن أخي حقًّا، فأنا أفتدي منه نفسى بمالي وولدي، وهو مات عليه اللعنة وبعدما أنتن دفنه بعض السودان، وقد افترس أسد ولده في طريق الشام (سَيَصْلَى): سيدخل (نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ): اشتعال، أي: جهنم (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) أي: تحمل الحطب في جهنم فتلقى على زوجها ليزداد عذابه، لأنها كانت عونًا له في شره في الدنيا، فتكون في القيامة عونًا عليه في شره وعذابه، والجملة حالية (فِي
стр. 2260
جِيدِهَا): عنقها (حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) أي: مما مُسِد وفتل كالحطابين، وعن ابن عباس وغيره: سلسلة من حديد فتل وأحكم منه، وروي أنها تجمع الشوك، وتطرح ليلاً في طريق رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فمعناه: إن حالها في جهنم على الصورة التي كانت عليه في الدنيا، حين تحمل الشوك على ظهرها، وقيل معناه: إن امرأته حمالة الحطب في الدنيا، في عنقها حبل من ليف، والغرض تحقيرها وتخسيس حالها، فإنها من سادة نساء قريش، فقوله: " وامرأته " إلخ من عطف الجملة، ولا تكون حالية، أو هي عامة في الدنيا حمالة الحطب بين الناس لنائرة الشر، وعن بعض إن لها قلادة فاخرة، فقالت: لأنفقها في عداوة محمد، فأعقبها الله منها حبلاً في عنقها من مسد النار.
والحمد للهِ.
* * *
стр. 2261
سورة الإخلاص مكية
وهي أربع آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)
* * *
(قُلْ هُوَ اللهُ) نزلت حين قالوا: صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فالضمير لما سئل عنه، و " الله " خبره (أَحَدٌ) خبر بعد خبر، أو بدل، أو الضمير للشأن و " الله أحد " جملة هي خبره، وعند المحققين: إن الأحدية لتفرد الذات، والواحدية لنفي المشاركة في الصفات، (اللهُ الصَّمَدُ): المقصود إليه في الحوائج، أو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد، وعن كثير من السلف: إنه الذي لا جوف له
стр. 2262
لا يدخل فيه ولا يخرج منه شيء، ولذلك قالوا: ما بعده تفسيره، وتكرير لفظ الله للإشارة بأن من لم يتصف، به لم يستحق الألوهية (لَمْ يَلِدْ) لأن الولد من متجانسين، وهو الأحد الصمد الذي لا يجانسه، ولا يماثله أحد (وَلَمْ يُولَدْ) وذلك لأنه هو الله الأحد الصمد، فكيف يمكن أن يكون حادثًا محتاجًا إلى أحد مربوبًا (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) أي: لم يكن أحد يكافئه، ويماثله من صاحبة؛ لأنه أحد صمد، " وله " إما حال من كفوًا، أو ظرف لـ يكن وقدمه؛ لأن الغرض نفي المكافأة عن ذاته، تقديمًا للأهم، وقد ثبت بروايات صحيحة إن هذه الصورة تعدل ثلث القرآن، ومن [قرأها] مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن، وفي الترمذي، والنسائي (إنه سمع رجلاً يقرأها، فقال ﵇: وجبت، قيل: وما وجبت؟ قال: الجنة)، وفي مسند الدارمي، قال ﵇: (من قرأ " قل هو الله أحد " عشر مرات بنى الله له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين بنى له قصرين، ومن قرأها ثلاثين بنى ثلاثة، فقال عمر بن الخطاب: إذًا لنكثر قصورنا، فقال ﵇: الله أوسع من ذلك)، وفضائل تلك السورة في كتب الحديث كثيرة.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
стр. 2263
سورة الْفَلَقِ مختلَف فيها
وهي خمس آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)
* * *
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) هو الصبح، أو الخلق كله، لأنه ما من شيء إلا ويفلق ويفرق ظلمة العدم عنه، أو هو بيت، أو جُبٌّ في جهنم إذا فتح صاح جميع
стр. 2264
أهل النار من شدة حره، وذكر الرب، لأن الإعادة من المضار تربية (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ): الليل (إِذَا وَقَبَ): دخل ظلامه، ولا شك أن المضار في الليل أكثر وأشد، أو هو القمر إذا وقب، ودخل في الكسوف، والاسوداد، وعن بعض هو الثريا إذا سقطت، ويقال: إن الأسقام تكثر عند وقوعها، ويرتفع عند طلوعها (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) أي: النساء، والجماعات السواحر، اللواتي يعقدن عقدًا، وينفثن عليها، والنفث النفخ مع ريق (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ): إذا أظهر حسده، وعمل بمقتضاه، فإنه إذا لم يظهر أثر ما أضمر، فلا ضرر منه إلا على نفسه لاغتمامه وهمه، وقد صح أن يهوديًّا سحر النبي ﷺ في إحدى عشرة عقدة، ودسه في بئر، فاشتكى ومرض ﵇ لذلك أيامًا، وقد روي ستة أشهر فجاءه جبريل، وأخبره بالسحر، والساحر، وموضعه، ونزلت المعوذتان إحدى عشرة آية، فبعث ﵇ فاستخرجها، فجاء بها فكان كلما قرأ آية، انحلت عقدة، فحين انحلت العقدة الأخيرة قام ﵇، كأنما نشط من عقال.
* * *
стр. 2265
سورة النَّاسِ مختلَف فيها
وهي ست آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس ِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
* * *
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أضاف إلى الناس هاهنا، لأن وسوسة الصدر، المستعاذ منه في تلك السورة لا تكون إلا للإنسان، فكأنه قال: قل أعوذ بربي من شر موسوسي (مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ) عطفًا بيان لـ (رَبِّ النَّاسِ)، وهو من قبيل الترقي في صفات الكمال، فإن الملك أعلى من الرب لأن كل ملك رب ومالك، ولا ينعكس كليًّا، ثم الإله الذي هو أعلى وخاص لله جعل غاية للبيان (مِن شَرِّ الوَسْوَاسِ) أي: الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، والمراد: الشيطان سمي بالمصدر مبالغة، أو المراد: ذي الوسواس (الخَنَّاسِ): الذي عادته الخنس، أي: التأخر، والرجوع عند ذكر الله تعالى (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس): إذا غفلوا عن ذكر ربِّهم (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) بيان " الذي "، أو
стр. 2266
" الوسواس "، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) [الأنعام: ١١٢]، وعن بعض: هو بيان للناس، والناس يعمهما تغليبًا، ويطلق على الجن أيضًا ناس حقيقة، أو لأن المراد من الناس الناسي، ونسيان حق الله يعمهما، وفي مسند الإمام أحمد عن عقبة بن عامر إنه ﵇ قال: " يا عقبة ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم؟ قال: قلت بلى، قال: فأقرأني " قل هو الله أحد "، و " قل أعوذ برب الفلق "، و " قل أعوذ برب الناس " (١)، فإن قلت المناسب أن يتعوذ المتعوذ بـ أعوذ برب الفلق، وأعوذ برب الناس، إلى آخر السورتين من غير لفظة " قل " كما لا يخفى؟ قلت: المقصود التعوذ بالسورتين المذكورة فيهما الاستعاذة، من حيث إنهما كلام الله المجيد، والسورة هي مجموع " قل أعوذ " إلى تمام السورة، وبدون " قل " بعض السورة، وليس الغرض التكلم بهذه الكلمات، فربما لا ينفع لو غُيِّر نظم القرآن مع أنه تكليم بجميع تلك الكلمات، فافهم، والله أعلم.
والحمد لله الأول الآخر الباطن الظاهر، أولاً وآخرًا، باطنًا وظاهرًا، كلما ذكره الذاكرون، وسها عن ذكره الغافلون حمدًا يليق بعظمة جلاله، وحسن نواله وجماله، وأستعيذ بعفوه من كل زللٍ، واستجير بصفحه، وغفوانه من كل خطأ وخطل، حمدًا يوافي نعمه، ويقابل كرمه، والحمد لله على ما وفقني ورزقني فراغ البال للاشتغال بالتأمل في آيات كتابك، ولكشف أستار غويصات خطابك، والآن أفرُّ من فيح نار الجحيم، إلى ظل ظليل قرآنه الكريم، هاربًا من سواء عدلك، ماسكًا فضلك، إنك أنت الجواد الكريم، المنعم الرحيم، وقد تَمَّ، والحمد لله على جسيم إنعامه في عام سبعين وثمانمائة، في مكة الشريفة تجاه الكعبة، زادها الله شرفًا.
وأنا حامدٌ لله مصلي على رسوله، ومسلمٌ عليه.
تَمَّ بحمدِ اللهِ
* * *