القضاء جيئة تليق بقدسه من غير حركة ونقلة (وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) مصطفين محدقين بالجن والإنس (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهًّمَ) في صحيح مسلم (يؤتى بجهنم يومئذ
стр. 2207
لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)، (يَوْمَئِذٍ)، بدل من " إذا دكت " (يَتَذكَّرُ الإنسَانُ) معاصيه، أو يتعظ ويندم (وَأَنَّى لَهُ) أي: أنى ينفعه فإن اللام للنفع (الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ): الأعمال الصالحة (لِحَيَاتِي): هذه، أو وقت حياتي في الدنيا (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) أي: لا يعذب أحد من الزبانية أحدًا، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل تعذيب الإنسان وإيثاقه فإن عذابه أشد، فضمير عذابه للإنسان والإضافة إلى المفعول، وهذا أرجح الوجوه لكن على هذا يلزم أن عذاب بعض الكفار أشد من عذاب الشياطين، فكأنه كذلك، وكذلك معنى يعذب، ويوثق على قراءة المجهول (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الُمطْمَئِنَّةُ) أي: يقول الله للمؤمن ذلك، المطمئنة: الساكنة الدائرة مع الحق، أو المطمئنة بذكر الله، أو الآمنة من عذاب الله (ارْجِعِي إِلَى ربِّكِ): إلى جوار الله، وثوابه، يقال لها ذلك عند الاحتضار، وعند البعث، وفيه إشعار بأن النفوس قبل الأبدان كانت موجودة في عالم القدس، وعن بعض من السلف معناه: ارجعى يا نفس إلى صاحبك، أي: بدنك الذي كنت فيه (رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً): عند الله (فَادْخلِي فِي عِبَادِي) أي: في زمرة الصالحين، الذين
стр. 2208
هم عباد الله على الحقيقة (وَادْخُلِي جَنَّتِي) عن سعيد بن جبير: مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم نر على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجًا منه، فلما دفن تليت عليه هذه الآية على شفير القبر لا ندري من تلاها، رواه الطبراني عن غيره.
والحمد لله حقَّ حمده.
* * *
стр. 2209
سورة الْبَلَدِ مكية
وهي عشرون آية
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)
* * *
(لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ): مكة (وَأَنْتَ حِلٌّ) يعني: في المستقبل (بِهَذَا البَلَدِ): تقاتل فيه، وتصنع ما تريد من القتل، والأسر، فهذه جملة معترضة بوعده فتح مكة، وفي الحديث: (إنَّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض لم يحل لأحد قبلي ولا بعدي إنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة) (١)، قيل: معناه: أقسم بمكة حال حلولك فيها، فيكون تعظيمًا للمقسم به (وَوَالِدٍ): آدم (وَمَا وَلَدَ): ذريته، أو إبراهيم وذريته، أو كل والد، وكل مولود، وعن ابن
стр. 2210
عباسٍ وعكرمة: الوالد العاقر، وما ولد الذي يلد وإيثار ما على من لإرادة الوصف كما في وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ " [آل عمران: ٣٦] (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ): تعب، يكابد مصائب الدنيا والآخرة، فعلى هذا يكون تسليته ﵇ عما يكابده من قريش، أو في استقامة واستواء، وعن مقاتل: في قوة، قيل: نزلت في كافر قوي قد ذكرناه في سورة المدثر (أَيَحْسَبُ) الضمير لبعضهم (أَن لن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ): فينتقم منه، فإن الكفار لا يؤمنون بالقيامة والمجازاة، وعلى ما فسره مقاتل، فمعناه: لأنه مغرور بقوته، يظن أن لن يقدر عليه أحد، (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا): أنفقت مالاً كثيرًا، يفتخر بما أنفقه رياء وسمعة، أو معاداة للنبي ﵇ (أَيَحْسَبُ أَن لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ): يظن أن الله لم يره، ولا يسأله من أين كسبه وأين أنفقه (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) يبصر بهما (وَلِسَانًا) يعبر به عما في ضميره (وَشَفَتَيْنِ) يستعين بهما على النطق والأكل، وغيرهما ويكون جمالاً (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ): طريقي الخير والشر، والثديين، روى الحافظ ابن عساكر عن النبي ﵇: (يقول الله تعالى: يا ابن آدم إن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، فإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لسانًا وجعلت له غلافًا، فانطق بما أحللت، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك، وجعلت لك فَرْجًا،
стр. 2211
وجعلت له سترًا فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك، فأرخ عليك سترك يا ابن آدم إنك لا تحمل سخطي، ولا تطيق انتقامي) (فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ) اقتحم: دخل وتجاوز بشدة، جعل الأعمال الصالحة عقبة، وعملها اقتحامًا لها، لما فيه من مجاهدة النفس، أي: فلم يشكر تلك النعم بأعمال تلك الحسنات (ومَا أدرَاكَ مَا العَقَبَة) أي: لم تدْرِ كُنْهَ صعوبتها، وثوابها (فَكُّ رَقَبَةٍ) تفسير للعقبة، أي: تخليصها من الرق، وفي الحديث (من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار) (أَوْ إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذي مَسْغَبَةٍ) أي: ذي مجاعة، الناس محتاجون إلى الطعام (يَتِيمًا) مفعول طعام، أو تقديره: أطعم يتيمًا (ذَا مَقْرَبَةٍ): ذا قرابة منه (أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ): افتقار، هو من لا بيت له ولا شيء يقيه من التراب، أو ذو عيال، أو غريب فقير، وقراءة " فَكَّ " و " أَطْعَم " على الفعل فبدل من اقتحم، ولما كان حاصل معنى " فلا اقتحم العقبة " فلا فك رقبة، ولا أطعم يتيمًا أو مسكينًا، وقع لا موقعه فإنها قلما تدخل على الماضي إلا مكررة (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) عطف على اقتحم، أي: ولا كان من المؤمنين، وثم لتباعد رتبة الإيمان
стр. 2212
عن العتق والإطعام (وَتَوَاصَوْا) أي: بعضهم بعضًا (بِالصَّبْرِ) على طاعة الله (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ): بالرحمة على العباد (أوْلَئِكَ) إشارة إلى الذين آمنوا في قوله: " من الذين آمنوا " أو إلى ضد من ذمه فإنه في حكم المذكور (أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ): اليمين، أو اليمن (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المَشْئَمَةِ): الشمال، أو الشؤم (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ): مطبقة لا يدخل فيها رَوح، ولا يخرجون منها آخر الأبد.
* * *
стр. 2213
سورة الشَّمْسِ مكية
وهي خمس عشرة آية
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)
* * *
(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) أي: ضوءها إذا أشرقت، وعن قتادة هو النهار كله (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا): تبع طلوعه طلوعها، وهو أول الشهر، أو غروبها، يعني:
стр. 2214
حين كونه بدرًا (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) الضمير للشمس، فإنها تنجلي تامًّا إذا انبسط النهار، أو للظلمة وإن كانت غير مذكورة للعلم بها (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) أي: الشمس، فإنها تغيب في الليل، وتحقيق عامل مثل هذا الظرف قد مر في سورة التكوير عند قوله: " والليل إذا عسعس " [التكوير: ١٧]، فلا تغتر بما يرى بادي الرأي (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) أي: ومن بناها، والعدول إلى (ما) على الوصفية، والبلوغ في الغاية للإبهام فإن (ما) أشد إبهامًا (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا): ومن بسطها (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا): من سوى خلقها، بتعديل الأعضاء، والقوى، ومنها المفكرة، أو خلقها مستقيمة على الفطرة القويمة، وفي صحيح مسلم: (إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) وتنكير نفس للتكثير نحو: (علمت نفسٌ) (فَأَلْهَمَهَا): علمها، وبين لها (فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) وجاز أن يكون (الماءات) الثلاثة مصدرية، كما قال الفراء والزجاج، وقوله: " فألهمها " عطف على ما بعد ما كأنه قيل: ونفس وتسويتها فإلهامها فجورها، والمهلة فيها عرفية، ولا محذور (قدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا): من طهرها الله من الأخلاق الدنية، وتأنيث الضمير لأن (من) في معنى النفس، أو من طهر النفس، وإسناد الضمير إليه لقيامه به، والأول أرجح لما في الطبراني وغيره أنه ﵇ إذا قرأ " فألهمها فجورها وتقواها " وقف ثم قال: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها)، وفي صحيح مسلم (إنه كان ﵇ يدعوا بهذا الدعاء) وعن ابن عباس ﵂ -
стр. 2215
سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: " قد أفلح من زكاها " أفلحت نفس زكاها الله (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا): دسها الله، ونقصها وعدلها عن الهدى، وأصله دسسها كـ تقضَّى وتقضض، وهو جواب القسم بحذف اللام للطول، أي: لقد أفلح، أو هو استطراد بذكر بعض أحوال النفس، تابع لقوله: " فألهمها "، والجواب محذوف، أي: لَيُدَمْدِمَنَّ الله على كفار مكة إن لم يؤمنوا كما دمدم على ثمود (كَذبَتْ ثَمُودُ بِطَغوَاهَا) بسبب طغيانها (إِذِ انْبَعَثَ) أي: كذبت حين قام (أَشْقَاهَا) أشقى ثمود، عن عمار بن ياسر قالَ: قال ﵇ لِعَلِيٍّ: (ألا أحدثك بأشقى الناس؟ قال: بلى، قال: رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا -يعني قرنه- حتى تبتل منه هذه- يعني لحيته-) (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ): صالح ﵇ (نَاقَةَ اللهِ) نصب على التحذير، أي: احذروا عقرها (وَسُقْيَاهَا): وشربها في يومها، فإن لها شرب يوم، ولكم شرب يوم معلوم (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا): قتلوا الناقة (فَدَمْدَمَ): فأطبق العذاب (عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ): بسببه (فَسَوَّاهَا): فسوّى الدمدمة بينهم، ولم يفلت منهم أحد، أو فسوى ثمود بالإهلاك (وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا) أي: ولا يخافُ الله
стр. 2216
عاقبة الدمدمة وتبعتها، كما يخاف الملوك فيبقى بعض الإبقاء، أو لا يخاف ذلك الأشقى عاقبة فعلته، والواو للحال.
والحمد لله وحده.
* * *
بالْحُسْنَى): بالمجازاة وأيقن أن الله سيخلفه، أو بالكلمة الحسني، وهي كلمة التوحيد، أو بالجنة (فَسَنُيَسِّرُهُ) في الدنيا (لِلْيُسْرَى): للخلة التي توصله إلى اليسر، والراحة في الآخرة، يعني للأعمال الصالحة، (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ): بالإنفاق في الخيرات، (وَاستَغنَى): بالدنيا عن العقبى، (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ)، في الدنيا، (لِلْعُسْرَى): للخلة المؤدية إلى الشدة في الآخرة، وهي: الأعمال السيئة، ولهذا قالوا: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى): هلك، أو سقط وتردى في جهنم، (إِنَّ عَلَيْنَا)، أي: واجب علينا بمقتضى حكمتنا، (لَلْهُدَى): للإرشاد إلى الحق، أو طريقة الهدى علينا فمن سلكها وصل إلينا، (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى)، فنعطي ما نشاء لمن نشاء، ومن طلب من غيرنا فقد أخطأ، (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى): تتلهب، وفي الصحيح (إن أهون أهل النار عذابًا رجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه) (لَا يَصْلَاهَا): لا يلزمها مقاسيًا شدتها، (إِلَّا الْأَشْقَى): الكافر، (الذِي كَذَّبَ): بالحق، (وَتَوَلى): عن الطاعة، وفي الحديث: (لا يدخل النار إلا شقي، قيل: ومن هو؟ قال: الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك لله معصية)
стр. 2219
(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى): الذي اتقى عن الشرك والمعصية فلا يدخلها أصلاً، وأما من اتقى الشرك وحده فيمكن أن يدخلها، لكن لا يصلاها ولا يلزمها، (الذِي يُؤْتِي مَالَهُ): يعطي ماله ويصرفه في طاعة الله، (يَتَزَكَّى): يطلب تزكية نفسه وماله، بدل، أو حال، (وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى): فيقصد بإيتائه مجازاتها، (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى)، أي: لكن يؤتي لطلب مرضاة الله، (وَلَسَوْفَ يَرْضَى): من ربه حين يدخله في رحمته، وعن كثير من المفسرين: إن هذه السورة في الصديق ﵁ -
стр. 2220
وهو الأتقى، وأمية بن خلف هو الأشقى، فيكون الحصر ادعائيًا لا حقيقيًّا، لأن غير هذا الأشقى غير ضال وغير هذا الأتقى غير مجنب بالكلية.
والحمد لله على كل حال
* * *
стр. 2221
سورة الضُّحَى مكية
وهي إحدى عشرة آية
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)
* * *
(وَالضُّحَى): وقت الضحى، وهو صدر النهار، أو المراد النهار، (وَالليْلِ إِذَا سجى): سكن ظلامه، أو سكن أهله، (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ)، جواب القسم، أى: ما تركك ترك المودع، (وَمَا قَلَى): وما أبغضك، وحذف المفعول للعلم به، رعاية لفواصل الآي، اشتكى ﵇، فلم يقم ليلة أو ليلتين فأتت امرأة قيل امرأة أبي لهب، وقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا تركك، فنزلت، أو لما تأخر الوحي خمسة عشر يومًا أو أقل أو أكثر، قال المشركون: إن محمدًا قد قلاه ربه، لما رد الله كلام المشركين، ودفع عنه ما يسوءه، وعد له ما يسره فقال: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى)، في الحديث (إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا)،
стр. 2222
(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)، عن ابن عباس أعطاه في الجنة ألف قصر، في كل منها ما ينبغي له من الأزواج والخدم، وعنه من رضاه ﵇ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، وعن الحسن وغيره المراد الشفاعة، واللام لام التأكيد عند ابن الحاجب لا لام الابتداء، دخل على الخبر بعد حذف المبتدأ، ويكون تقديره: ولأنت سوف يعطيك، (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى)، عدد عليه أياديه من أول نشئه، والمنصوبان مفعولا يجد، لأنه بمعنى العلم، أو الثاني حال، وهو بمعنى المصادفة، أي: فآواك ورباك وضمك إلى عمك، وهو مع كفره رعاك وحماك، (وَوَجَدَكَ ضَالًّا): جاهلاً، (فهَدَى): فعلمك، (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا) الآية [الشورى: ٥٢]، وقيل: ضل في شعاب مكة وهو صغير، فهداه، وقيل: أضله إبليس في طريق الشام عن الطريق في ليلة ظلماء، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الحبشة، ورده إلى القافلة، (وَوَجَدَكَ عَائِلًا): فقيرًا ذا عيال، (فأَغنَى): فأغناك بمال خديجة ﵂، ثم بالغنائم، أو فأغناك عمن سواه فجمع له بين مقامَي الفقير الصابر والغني الشاكر، (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) كما كنت يتيمًا فآواك الله، كن لليتيم كالأب الرحيم (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) كما كنت جاهلاً فعلمك، لا تزجر سائلاً مسترشدًا طَالب علم، ولما هداك إلى ما هو روحك لا تزجر من يطلب منك قوت بدنه، (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، فاشكر مولاك الذي أغناك، فإن من شكر النعم أن يحدث بها، ومن كفرها أن
стр. 2223
يكتمه، " ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله " (١)، أو ما جاءك من النبوة فحدث بها وادع إليها، أو من القرآن فاقرأه أو بلغه، أو ما عملت من خير فحدث إخوانك ليتابعوك، وجاز أن يكون نشرًا مشوشًا، ويكون " أما بنعمة ربك فحدث " في مقابلة هدية الله له بعد الضلال، والمراد من التحديث تعليم الشرائع والقرآن، وكيفية العبادة والدعوة إلى الإيمان، والسنة التكبير بلفظ الله أكبر، أو بزيادة لا إله إلا الله والله أكبر، من آخر والضحى، أو من آخر الليل إلى آخر القرآن، ونقل عن الشافعي: أنه سمع رجلاً يكبر هذا التكبير في الصلاة، فقال له: أحسنت وأصبت السنة.
* * *
стр. 2224
سورة الانشراح مكية
وهي ثمان آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)
* * *
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)، أي: فسحناه ونورناه ووسعناه بالنبوة والحكمة، أو إشارة إلى شق صدره في صباه، وإخراج الغل والحسد وإدخال الرأفة والرحمة، والحكاية مشهورة، والهمزة لإنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته، (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ): غفرنا لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أو الخطأ والسهو، (الذِي أَنقَضَ): أثقل، (ظَهْرَكَ)، كأن الذنوب حمل يثقل الظهر، (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)، " في الدنيا والآخرة، إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معي، (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ)، كضيق الصدر، والوزر، (يُسْرًا)، كالشرح، والوضع، والتنكير للتعظيم، (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، جاز أن يكون هذا تأكيدًا، أو جاز أن يكون تأسيسًا مستأنفًا
стр. 2225
، وهو راجح لفضل التأسيس عليه، وكلام الله محمول على أبلغ الاحتمالين، كيف لا والمقام مقام التسلية، ولهذا قال رسول الله ﷺ : " لن يغلب عسر يسرين "، وذلك لأن المعرف المعاد عين الأول، والنكرة المعادة غيره وذكر أن " مع " للمبالغة في اتصال اليسر به اتصال المتقاربين، (فَإِذَا فَرَغْتَ): من أمور دنياك، أو من التبليغ، أو من الجهاد، (فَانْصَبْ): فاتعب في العبادة، أو من صلاتك واتعب في الدعاء، فإن الدعاء بعد الصلاة مستجابة، (وَإِلَى رَبِّكَ): وحده، (فَارْغَبْ): بالسؤال، أو اجعل نيتك في العبادة خالصة.
والحمد للهِ.
* * *
стр. 2226
سورة التِّينِ مكية
وهي ثمان آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)
* * *
(وَالتِّينِ): هو المعروف، خص من بين الفواكه لأنه يشبه فواكه الجنة من حيث إنه بلا عجم، (وَالزَّيْتُونِ)، خصه، لأنه شجرة مباركة نور وفاكهة وإدام، والأول: اسم مسجد دمشق، أو الجبل الذي عندها، والثاني: مسجد بيت المقدس، (وَطُورِ سِينِينَ): الجبل الذي كلم الله عليه موسى، قيل معنى سينين: المبارك بالسريانية، وقد مر شرحه في " وشجرة تخرج من طور سيناء " الآية [المؤمنون: ٢٠]، (وَهَذا البَلَدِ الأَمِينِ): أمانته أن يحفظ من دخله، كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، فهو من آمن، أو المأمون من الغوائل، فهو من أمنه، والمراد: مكة، وعن كثير من العلماء أقسم بمحال ثلاثة، بعث الله في كل واحد نبيًا من أولي العزم، فالأول: كناية عن بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى، والثاني: طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى، والثالث: البلد الحرام الذي أرسل فيه نبينا محمد - عليه وعليهم الصلاة
стр. 2227
والسلام (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ): تعديل لشكله، وتسوية لأعضائه، وتزيين بعقله، (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)، إلى النار في شر صورة، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، استثناء متصل، وهو كقوله: " والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا " [العصر: ١ - ٣]، لفظًا ومعنى، وعن ابن عباس، وبعض آخر: المراد من أسفل سافلين أرذل العمر، فيكون الاستثناء منقطعًا، أي: لكن المؤمنين العاملين، (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ): غير منقطع على طاعتهم، ويكتب لهم مثل ما كانوا يعملون في الشباب، وإن لم يعملوا في الهرم، (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ):. فأي شيء يحملك يا إنسان على هذا الكذب، ويجعلك كاذبًا بعد هذه الأقسام الأكيدة، أو الدليل الذي هو خلق البداءة في صورة حسنة، ومن قدر على هذا قدر على الإعادة، (بِالدِّينِ): بسبب الجزاء وإنكاره، يعني: أيُّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبًا بسبب تكذيب الجزاء؟ فالاستفهام للتوبيخ، أو معناه، أيُّ شيء يكذبك يا محمد بعد ظهور هذه الدلائل بالجزاء والبعث؟ فالاستفهام لإنكار شيء يكذبه دلالة ونطقًا، (أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحَاكمِينَ): عدلاً وتدبيرًا لا ظلم ولا عجز له بوجه، فلا محال ويقدر على البعث والجزاء، ولابد منهما، والسنة إذا قرأ " أليس الله بأحكم الحاكمين " أن يقال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.
* * *
стр. 2228
سورة العلق مكية
وهي تسع عشرة آية
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
* * *
(اقْرَأْ) أي: القرآن (بِاسْمِ) أي: مفتتحًا باسم (رَبِّكَ الذي خَلَقَ) أي: الخلائق (خَلَقَ الإِنسَانَ): الذي هو أشرف المخلوقات (مِنْ عَلَقٍ): جمع علقة، جمعه لأن الإنسان في معنى الجمع (اقْرَأْ) تكرير للمبالغة (وَربُّكَ الأَكْرَمُ): الزائد في الكرم على كل كريم بنعم على العباد، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم، وتناهي جحودهم (الَّذِي عَلَّمَ): الحظ الذي هو من جلائل النعم (بِالْقَلَمِ
стр. 2229
عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) أي: ما لا يقدر على تعلمه لولا تعليم الله، وقد صح أن هذه السورة إلى هذه الآية، أول آيات نزلت في جبل حراء (كَلَّا) ردع لمن كفر بنعمه بسبب طغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه (إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى): ليتجاوز عن حده (أَنْ رآهُ): رأى نفسه، لولا أن الرؤية بمعنى العلم، لامتنع أن يكون مرجع المفعول مرجع ضمير الفاعل (استَغنَى) أي: رأى نفسه غنيًّا ذا مال، وهو ثاني مفعولي رأى (إِنَّ إِلَى ربِّكَ) يا إنسان، التفات للتهديد (الرُّجْعَى): الرجوع فيجازي طغيانك (أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى) أي: أبا جهل (عَبْدًا): هو أشرف العباد ﷺ (إِذَا صَلَّى) قال عليه اللعنة: لئن رأيته ساجدًا لأطأن على عنقه (أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى) أخبرني، يا من له أدنى تمييز عن حال من ينهى عبدًا من العباد إذا صلى، إن كان على طريقة سديدة في نهيه عن عبادة الله، أو كان آمرًا بالتقوى، فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يزعم، ألم يعلم بأن الله يرى حاله، فيجازيه؟ أخبرني عن هذا الذي ينهى المصلى إن كان على
стр. 2230
التكذيب للحق، والتولي عن الدين الصحيح كما نقول نحن، ألم يعلم بأن الله يرى فيجازيه، فعلى هذا " أرأيت " الثاني تكرار للأول للتأكيد، وأما الثالث فمستقل للتقابل بين الشرطين، وحذف جواب الأول لدلالة " ألم يعلم " الذي هو جواب الثالث عليه عند من يجوز أن يكون الإنشاء جوابًا للشرط بلا فاء، وعند من لم يجوز يكون جواب الأول والثالث محذوفًا بقرينة " ألم يعلم "، أو " أرأيت " الأولى فأختاها متوجهات إلى " ألم يعلم "، وهو مقدر عند الأوليين، والحذف للاختصار، أو معناه ما أعجب ممن ينهى عبدًا عن الصلاة، إن كان المنهي على الهدى آمرًا بالتقوى، والناهي مكذب متولي، أو معناه أخبرني إن كان الكافر على الهدى، أو آمرًا بالتقوى، أما كان خيرًا له؟ أو معناه أخبرني يا كافر إن كان المنهي على الهدى في فعله، أو آمرًا بالتقوى في قوله، فما ظنك وأنت تزجره؟ وعلى هذين الوجهين جواب الشرط الثاني فقط قوله: " ألم يعلم "، (كلَّا)، ردع للناهي، (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ)، عما هو فيه، (لَنَسْفَعًا): لنأخذن، وكتابتها في المصحف بالألف على حكم الوقف، (بِالنَّاصِيَةِ): بناصيته، فلنجرنه إلى النار، (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ)، بدل من الناصية أسند الكذب والخطأ إليها، وهما لصاحبها مجاز المبالغة، (فَلْيَدْعُ
стр. 2231
نَادِيَهُ): أهل ناديه، يعني: قومه وعشيرته فليستعن بهم، (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ): ملائكة العذاب ليجروه إلى النار، قال عليه اللعنة: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي لأطأن على رقبته، فلما رآه جاءه فإذا نكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه خندقًا من نار، وهولاً وأجنحة، فقال ﵇: " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا "، (كَلَّا)، أي: ليس الأمر على ما عليه أبو جهل، (لاَ تُطِعْهُ): يا محمد ودم على طاعتك، (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ): ودم على السجود والتقرب إلى الله حيث شئت، ولا تباله.
والحمد لله
* * *
стр. 2232
سورة الْقَدْرِ مكية
وهي خمس آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)، أي: القرآن، (فِي لَيْلَةِ القَدْرِ): لعظمة شأنها، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ منْ أَلْفِ شَهْرٍ)، أي: من ألف شهر ليس فيها تلك الليلة، والعمل في تلك الليلة أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، ولذلك ثبت في الصحيحين (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) نزلت، حين ذكر ﵇ " رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب الصحابة من ذلك " فأعطوا ليلة خيرًا من مدة ذلك الغازي، والأصح أنها من خصائص هذه الأمة، وأنَّهَا في رمضان، وأنَّهَا في العشر الأواخر،
стр. 2233
وأنها في أوتارها، وأنَّهَا تختلف في السنين جمعًا بين الأحاديث، ولا خلاف بين السلف في أنها باقية إلى يوم القيامة، سميت بها لأنها ليلة تقدير الأمور والأحكام إلى السنة المقبلة، أو لمنزلتها وقدرها عند الله، (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ): جبريل، أو ضرب من الملائكة، (فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)، مع نزول البركة، والرحمة، قال ﵇: (الملائكة في الأرض في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى)، وعن كعب الأحبار: (لا يبقى بقعة إلا وعليها ملك يدعو للمؤمنين، والمؤمنات، سوى كنيسة، أو بيت نار، أو وثن، أو موضع فيه النجاسات، أو السكران، أو الجرس، وجبريل لا يدع أحدًا إلا صافحه فمن اقشعر جلده ورق قلبه، ودمعت عيناه فمن أثر مصافحته، (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)، أي: تتنزل من أجل كل أمر قُدِّر في تلك السنة، (سَلامٌ هِيَ)، ليس هي إلا سلامة لا يقدر فيها شر وبلاء، أو لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا، أو ما هي إلا سلام لكثرة سلام الملائكة على أهل المساجد، وعن مجاهد: سلام هي من كل أمر وخطر، (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)، غاية تبين تعميم السلامة، أو السلام كل الليلة، أي: وقت طلوعه، والمطلِع بالكسر أيضًا مصدر كالمرجع، أو اسم زمان كالمشرق على خلاف القياس، ويستحب أن يكثر فيها من قول اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
والحمد للهِ.
* * *
أتاهم بالقرآن، فبين ضلالتهم فدعاهم إلى الإيمان، فآمن بعضهم، (رَسُولٌ مِنَ اللهِ)، بدل من البينة، (يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً)، أي: ما في الصحف المطهرة، فإنه مكتوب في الملأ الأعلى في الصحف كما مر في سورة عبس، (فيهَا): في الصحف المطهرة، (كُتُبٌ قَيِّمَةٌ): مكتوبات، مستقيمة، لا خطأ فيها، (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)، أي: تفرقهم واختلافهم، بعدما أقام الله عليهم الحجج، فإنهم اختلفوا فيما أراده الله من كتبهم، قال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) [آل عمران: ١٠٥]، وفي الحديث: (اختلف اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة، هي ما أنا عليه وأصحابي)، أو معناه: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد ﵇ حتى بعثه الله، فلما بعث تفرقوا فآمن بعض، وكفر أكثرهم، (وَمَا أُمِرُوا)، أي: بما في الكتابين، (إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، أي: إلا لأجل عبادة الله على هذه الصفة نحو (وَمَا أَرْسَلْنَا
стр. 2236
مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥]، (حُنَفَاءَ): مائلين عن كل دين باطل، (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ)، عطف على يعبدوا، (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ)، لكنهم حرفوه، (وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ): أي دين الملة والشريعة المستقيمة، وقيل: هي جمع القيم، أي: دين الأمة القائمة لله، (إِنَّ الَّذِينَ كفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)، أي: يوم القيامة، (أوْلَئِكَ هُمْ شرُّ البَرِيَّةِ): الخليقة، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ)، استدل أبو هريرة، وطائفة من العلماء على تفضيل أولياء الله من المؤمنين على الملائكة بهذه الآية، (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)، فيه مبالغات لا يخفى على المتأمل، ﵃، استئناف، بما حصل لهم زيادة على جزائهم، (وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ)، أي: هذا الجزاء، (لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)، فاتقاه حق تقواه، وإنما يخشى الله من عباده العلماءُ.
* * *
стр. 2237
سورة الزلزال مكية
وقيل مدنية وهي ثمان آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)
* * *
(إِذَا زُلْزِلَتِ): حركت، (الأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، المقدر لها عند النفخة، (وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا): من الأموات، والكنوز، وألقاها من جوفها على ظهرها، (وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا)، تعجبًا من تلك الحالة، (يَوْمَئِذٍ)، بدل من إذا، وناصبها تحدِّث، أو عامل إذا مضمر نحو: اذكر، وعامل يومئذ تحدث، (تُحَدِّثُ): الأرض الخلق بلسان القال،، (أَخْبَارَهَا)، وفي الترمذي،
стр. 2238
والنسائي " قرأ ﵇ هذه الآية قال: إن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا "، (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)، أي: تحدث بسبب إيحاء الرب، وأمره بالتحديث، (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ): يرجعون عن موقف الحساب، (أَشْتَاتًا): متفرقين أصنافًا، وأنواعًا ما بين شقي وسعيد، (ليُرَوْا أَعْمَالَهُمْ)، أي: جزائها، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ): وزن نملة صغيرة، أو ما يرى في الشمس من الهباء، (خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، عن ابن مسعود ﵁: هذه أحكم آية في كتاب الله، وكان ﵇ يسميها " الفاذة الجامعة "، وفي إحباط بعض أعمال الخير، والعفو عن بعض أعمال الشر، إشكال، اللهم إلا أن يقال: الآية مشروطة بعدم الإحباط، والعفو، وما ذكره النسائي، وابن ماجه إنه لما نزلت قال أبو بكر: إني أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر، فقال ﵇: " ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة "، فلا يخلو عن إشكال لأن قوله: " فمن يعمل " مترتب على قوله: " يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ "، فالظاهر
стр. 2239
أن رؤية جزاء الأعمال في الآخرة لا في الدنيا، اللهم إلا أن يقال: قد تم الكلام عند قوله: " ليروا أعمالهم "، وقوله: " فمن يعمل " ابتداء كلام وحكم على حياله، وعن سعيد بن جبير: كان المسلمون يرون أنَّهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، وكان آخرون يرون أن لا يلامون على الذنب اليسير الكذبة، والنظرة، والغيبة وأشباهها، فرغبهم الله في القليل من الخير، وحذرهم عن القليل من الشر، فنزلت: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) إلخ.
والحمد لله.
* * *
стр. 2240
سورة الْعَادِيَاتِ مختلف فيها
وهي إحدى عشرة آية
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)
* * *
(وَالْعَادِيَاتِ)، أقسم بالخيول التي تعدو في سبيل الله، (ضَبْحًا): تضبح ضبحًا، أو ضابحات، وهو صوت نفسه عند العدو، (فَالْمُورِيَاتِ): الخيول، التي توري النار بحوافرها، (قَدْحًا): صاكَّات بحوافرها الحجارة، (فَالْمُغِيرَاتِ): تغير على العدو، (صُبْحًا): في وقته، (فَأَثَرْنَ بِهِ): هيجن، (نَقْعًا): غبارًا، (فَوَسَطْنَ): توسطن، (بِهِ): بذلك الوقت، (جَمْعًا): من الأعداء، وعن علي ﵁: المراد الإبل حين تعدو من عرفة إلى مزدلفة، ثم جماعة توقدون
стр. 2241
النار في مزدلفة، ثم المسرعات منها إلى منى فإنها في الصبح، ويكون الإغارة سرعة السير، ثم إثارة النقع في الطريق، ثم التوسط متلبسات بالنقع في الجمع، وهو اسم مزدلفة، وعلى هذا الضبح الذي هو للفرس مستعار للإبل، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ)، أي: لنعم ربه، (لَكَنُودٌ): لكفور، (وَإِنَّهُ): الإنسان، (عًلَى ذلِكَ): على كنوده، (لَشَهِيدٌ): يشهد على نفسه بلسان حاله، أو وعيد من الله، أي: إن الله على كنوده لشهيد، (وَإِنَّهُ): الإنسان، (لِحُبِّ الخَيْرِ): لأجل حب المال، (لَشَدِيدٌ): بخيل، أو لقوي بالغ، (أَفَلاَ يَعْلَمُ): الله، (إِذَا بُعْثِرَ): بعث، ظرف " يعلم "، (مَا فِي القُبُورِ): من الموتى، (وَحُصِّلَ)، أي: أظهر محصلاً، (مَا في الصُّدُورِ)، من الخير والشر، أجرى العلم مجرى اللازم، أي: أليس له العلم الكامل بما عليه الأمر في ذلك اليوم؟ ثم يؤكد ذلك بقوله: (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ): هو يوم القيامة، (لَخَبِيرٌ). لعالم فيجازيهم.
والحمد للهِ.
* * *
стр. 2242
سورة الْقَارِعَةِ مكية
وهي إحدى عشرة آية
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)
* * *
(الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ)، مبتدأ وخبر، أي: القارعة ما هي؟ كما مر في سورة الحاقة، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ)، ظرف لما دل عليه القارعة، أي: تقرع يوم، (يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ): في الذلة، والاضطرار، والتطاير إلى الداعي، كتطاير الفَرَاش إلى النار، (وَتَكُونُ الجبَالُ كَالْعِهْنِ): كالصوف، (المَنفُوشِ): المندوف، في خفة سيرها وتطايرها، (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ): بترجيح قدر الحسنات، (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ): عيش، (رَّاضيَةٍ): ذات رضي، (وَأَمَّا مَنْ خَفتْ مَوَازِينُهُ): بأن ترجحت سيئاته، (فَأُمُّهُ): َ مأواه، أو أم رأسه، فإنه يطرح فيها منكوسًا، (هَاوِيَةٌ)، من أسماء جهنم، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ)، الضمير للهاوية، والهاء للسكت، (نَارٌ حَامِيَةٌ): ذات حرارة شديدة فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزء.
اللهم أجرنا منها.
* * *
стр. 2243
سورة التَّكَاثُر مكية
وهي ثمان آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
* * *
(أَلْهَاكُمُ): شغلكم، (التَّكَاثُرُ): المباهات بكثرة الأموال والأولاد عن طلب الآخرة، (حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ) أي: تمادى بكم إلى أن متم، وقبرتم، وفي الحديث: (حتى زرتم المقابر: حتى يأتيكم الموت)، وفي الترمذي عن علي ﵁ " ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر " وعن عمر بن عبد العزيز حين قرأ ذلك قال: ما أدري المقابر إلا زيارة، وما للزائر إلا أن يرجع إلى منزله إلى جنة أو نار، وعن بعض معناه: تكاثرتم بالأحياء، حين قلتم: نحن أكثر عددًا وخدمًا وعشيرة، حتى إذا استوعبتم عددهم، صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات، بأن قلتم: هؤلاء قبور خدمنا، وعشائرنا، وأقاربنا، (كَلَّا)، ردع عن الاشتغال بما يضره عما ينفعه، (سَوْفَ تَعْلَمُونَ)، خطأ ما أنتم عليه، (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ
стр. 2244
تَعْلَمُونَ)، تكرير للتأكيد، وثم للدلالة على أن التالي أبلغ، (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ)، ما سترجعون إليه، (عِلْمَ اليَقِينِ): علمًا يقينًا، من غير تذبذب، لما ألهاكم شيء عن طلب الآخرة، فجواب " لو " محذوف، (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)، جواب قسم محذوف تأكيد للوعيد، (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا)، تكرير للتأكيد، (عَيْنَ اليَقِينِ)، أي: الرؤية التي هي نفس اليقين، (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ): عن شكر ما أنعم الله به عليكم من لذات الدنيا، وفي مسلم ومسند الإمام أحمد وغيرهما أنه ﵇ أكل مع أبي بكر، وعمر رطبًا وماء باردًا، فقال: (هذا من النعيم الذي تسألون عنه)، وفي الحديث: (يُسئل عن كل شيء إلا من ثلاثة خرقة كف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر والقر) وكلام جمهور السلف على أن السؤال عام.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
стр. 2245
سورة الْعَصْرِ مكية
وهي ثلاث آيات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
* * *
(وَالْعَصْرِ)، أي: الدهر، أو بصلاة العصر، أو بوقته، (إِنَّ الْإِنْسَانَ): كلهم، (لفِي خُسْرٍ)، في مساعيهم، (إِلا الذِينَ آموا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، فإنهم فازوا، وربحوا، لأنهم اشتروا الآخرة الباقية بالدنيا الفانية، (وَتَوَاصَوْا): أوصى بعضهم بعضًا، (بِالْحَقِّ): بالقرآن أو بما هو الخير، (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ): على المصائب، أو عن