← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ـ[تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن]ـ المؤلف: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الحسني الحسيني الإِيجي الشافعيّ (المتوفى: ٩٠٥هـ) دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م عدد الأجزاء: ٤ أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مقابل]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم لفضيلة الدكتور / عبد الحميد هنداوي الأستاذ بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب والفرقان، وأصلى وأسلم على حامل لواء الفصاحة والبيان، محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان. وبعد، فهذا كتاب في التفسير قلَّ أن تجد مثله، فهو قصد ووسط بين المختصرات والمطولات، يوضح العبارة بأيسر إشارة، ويجمع الكثير من المعاني بقليل من الألفاظ الدواني، ويلخص الأقوال، ويرجح المقال على المقال، ويشير إلى أسرار الإعجاز بشيء من الإيجاز، ويرد الأقوال الممتحلة من الفلاسفة والمعتزلة، وينافح عن كلام رب العالمين برد كلام المبطلين والغالين. وقد كتبه مصنفه بعد تردد وتأخر، لكنه عزم عليه كما يقول لما لم يجد " في التفسير مختصرًا يغني، وكتابًا يقرب ويدني ". وبالحق كان كتابه سدًّا لهذه الثغرة، فكان مختصرًا يغني، وكتابًا يقرب ويدني؛ فهو على اختصاره يغني عما سواه من المطوّلات، وعلى وجازة إشارته يقرب المعنى البعيد ويدنيه، وكان من خير ما قدر لهذا الكتاب أنه حاز الفضل من جهتين: من جهة مصنفه (الإيجى) ﵀ في حسن تصنيفه والعناية بتأليفه، وتحرير مسائله العقدية واللغوية والبلاغية. ثم من جهة محشّيه (الغزنوي) ﵀ الذي خدم هذا الكتاب خدمة جليلة لا تقل عن خدمة مصنفه الأصلي بل تزيد، حيث إنه قد انبرى لما فات المصنف أن ينبه عليه مما يخالف عقيدة السلف أو ما وقع فيه المصنف نفسه من باب الخطأ والزلل في مخالفة عقيدة السلفى الصالح (رضوان الله عليهم جميعًا) فانبرى لذلك الشيخ الغزنوي ﵀ وقد كان سنيًّا سلفيًّا واضح المذهب مقتديًا بالإمامين ابن تيمية وابن القيم - رحمهم الله تعالى جميعًا - ويكثر النقل عنهما؛ فخلّص الكتاب مما قد يشوبه أو يشينه من

стр. 3

المخالفات فأصبح بحمد الله تعالى بارئًا، وصفاه من الكدر فصار بمنة الله تعالى عسلاً مصفى ولبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهذا من فضل الله ورحمته للعالمين. هذا، وقد عهدت إلى دار الكتب العلمية بتحقيق هذا السفر العظيم، غير أني قد انتابتني الشواغل والموانع دون إتمامه فقام على إتمام تخريجه وتصحيحه ومراجعته جماعة من الأفاضل، واقتصر دوري فيه على النظر فيه ومراجعته والتعليق على بعض مواضعه والتقديم له، والله أسأل أن ينفع به، وأن يجزل الثوبة لكل من ساعد فيه أو قدم فيه جهدًا مشكورًا، وأسأله سبحانه أن يجزل لنا المثوبة عليه في الدنيا والآخرة، إنه مولى ذلك والقادر عليه. وكتب راجي عفو ربه الغفور عبد الحميد بن أحمد بن يوسف هنداوي المدرس بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة

стр. 4

ترجمة المؤلف اسمه ونسبه: هو محمد بن صفي الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد السلام وقيل: عبد الله، معين الدين الحسيني الصفوي الإيجي الشيرازي الشافعي. وذكر نفسه هو في مقدمة كتابه فقال: " وأنا أحوج الخلق إلى رحمة ربه (معين بن صفي) أدركهما الله بلطفه الجليّ والخفيّ ". مولده: ولد الإيجي سنة ٨٣٢ هـ الموافق ١٤٢٩ م تقريبًا. موطنه: نشاً الإيجي في بلدة " إيج " بنواحى شيراز، وإليهما ينسب. وإيج " بالجيم ": بلدة كثيرة البساتين والخيرات أقصى بلاد فارس، وأهل فارس يسمونها إيك. ويبدو أنها بلدة يعني أهلها بالعلم والعلماء، فقد نسب إليها عدة من المؤلفين والعلماء، منهم عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، بل نسب إليها كبار المحدثين، وينسب إليها أبو محمد عبد الله بن محمد الإيجي النحوي، روى عن ابن دريد فأكثر. وشيراز: بالكسر وآخره زاي: بلد عظيم مشهور معروف مذكور، وهي قصبة بلاد فارس، وهي مما استجد عمارتها واختطاطها في الإسلام، وبها جماعة من التابعين مدفونون، وهي في وسط بلاد فارس، وقد نسب إلى شيراز جماعة كثيرة من العلماء في كل فن. أبوه: هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي صفي الدين أبو الفضل الحسيني العجمي الصوفي الشافعي المتوفى بمكة سنة ٨٦٤ هـ، له حاشية على شرح التبادكاني لمنازل السائرين، ولقد بدأ الأب في كتابة تفسير سورة الأنعام، فكتب نبذًا ثم ترك، وقال لابنه: أنت مأمور بذلك. ولما كان الأب له مشاركة في العلوم الشرعية كان لذلك تأثير على الابن، بل كان الأب سببًا لإكمال الابن كتاب التفسير كما سبق.

стр. 5

اجتهاده العلمى: لقد انشغل الإيجي بجوانب متعددة من الفروع العلمية، وبرع في بعضها ومما يدل على ذلك الأوصاف التي وصف بها فى ترجمته فقد وصف بأنه مفسر ومحدث ونسب إلى مذهب الشافعي. ١ - التفسير: لقد انشغل الإيجي بعلم التفسير، ووقف على كتب عدة في جمعه لمادة تفسيره، وله كتب في التفسير منها: تفسير سورة الفاتحة، جامع البيان في تفسير القرآن وهو الذي نقدم له. ومما يدل على براعته في التفسير أنه يجمع في تفسير الآية أقوالاً كثيرة بأوجز عبارة وألطف إشارة، وهذا لا يستطيعه إلا من كان بالتفسير خبيرًا وبطرق المفسرين وعباراتهم بصيرًا، حتى قال عن نفسه كما في مقدمة تفسيره: " ثم اعلم أن ما يحتويه أكثر التفاسير ترى في هذا التفسير مع معانٍ صحيحة نفيسة لم تجد في كثير منها ". ٢ - الحديث: كان الإيجي معظمًا للحديث النبوي غير معرض عنه، وله مشاركة بالتأليف في علم الحديث إذ له شرح الأربعين النووية. وتجده يعيب على من لا يقدم الأخبار النبوية، فيقول في مقدمة التفسير " وكثيرًا تجد الزمخشري ومن يحذو حذوه أعرضوا عن المعنى المنقول عن الرسول ﷺ في الكتب الصحاح لأجل عدم فهم مناسبة لفظية أو معنوية، وإن نقلوه ما ذكروه إلا آخر الأمر بصيغة التمريض، لكن المسلك في تفسيرنا هذا الاعتماد على المعاني الثابتة عمن أنزل عليه الكتاب المتكلم بفصل الخطاب صلى الله عليه وبارك وسلم. ٣ - اعتقاده: لقد حمل الإيجي حملة شديدة على الفلسفة والفلاسفة، إذ كان مبغضًا لها ومحذرًا منها معظمًا للنصوص الشرعية، بل ألَّف كتابا سمَّاه: " تهافت الفلاسفة ". ويقول في تفسير سورة البقرة آية ٧٤ في حديثه عن بعض الأمور المردودة: " نعم لمن

стр. 6

يتبع الفلسفة أن يتمحل التَّمَحُّلَ (١) في أمثال ذلك والله تعالى بمحض فضله قد عصمنا منه ". وكان له موقف من الاعتزال عمومًا ومن الزمخشري خصوصًا، فيقول في مقدمة لتفسير: " كتاب موفًّى فيه الحكمة والمعرفة، مصفى عن الاعتزال والفلسفة ". ويقول: " فإن قرع سمعك شيء يخالف الكشاف ومن تبعه فلا تعجل إلى الرد نكارًا، وارجع بصر البصيرة لعلك تجد من جانب طور العلم نارًا ". ومع تعظيمه للنصوص الشرعية وموقفه من الاعتزال والفلسفة ونقله الكثير عن السلف إلا أننا نجد عنده آثارًا صوفية ربما كان سببها كون أبيه صوفيًّا، ومن أمثال ذلك ما تجده في كلامه عن النبي ﷺ في مقدمة التفسير، ولقد أجاد الغزنوي صاحب الحاشية في بيان خطأ ما صنع، والتحذير مما فيه وقع، وأحيانًا يمشي في تفسير آيات أسماء الله وصفاته على طريقة الأشاعرة، وربما ينقل في تفسيرها قول السلف مُتْبعًا إياه بكلام الأشاعرة، فتراه في تفسير قوله تعالى: (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) من سورة البقرة يقول: " لا يرضيه " جاريا مجرى الأشاعرة في تأويل الصفات إلى السبعة التي يثبتوتها، فيقولون معنى الحب: الرضا مخالفين بذلك طريقة السلف، ومثال جمعه بين طريقة السلف وطريقة الأشاعرة قوله في تفسير قوله تعالى: (أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ) من سورة البقرة: " مذهب السلف الإيمان بمثل ذلك ووكول علمه إلى الله تعالى أو تقديره: يأتيهم بأسه ". وجدير بالذكر أن الغزنوي صاحب الحاشية أشار في مواضع كثيرة إلى طريقة السلف في فهم آيات أسماء الله وصفاته وأن هذه الطريقة هي التي يجب اتباعها إلا أنه لم يتتبع كل موضع يحتاج إلى هذا التنبيه. * * * مذهبه: وصفه من ترجموا له بأنه كان شافعيًّا ونقل هو عن مذهب الشافعي في تفسيره. * * * لغته: مع كونه نشأ ببلاد فارس إلا أنه عني بعلوم العربية واجتهد في إتقانها، فضمن

стр. 7

تفسيره كلامًا عن الإعراب وتوجيهات نحوية مما يدل على أن له في علوم العربية باعًا، ولكن ليس كل ما تبغيه تجده فقد ظهر في عباراته جانب من الضعف اللغوي والركاكة فى الأسلوب وعذره في ذلك أنه ليس من العرب الأصلاء وإنما هو أعجمي، وكفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه. * * * وفاته: توفى الإيجي في ٩٠٦ هـ وقيل: ٩٠٥ هـ الموافق تقريبًا ١٥٠٠ م. ووقع على غلاف طبعة باكستان لكتاب التفسير (٨٣٢ هـ - ٨٩٤ هـ) وعلى طبعة الشيخين شاكر والفقي (٨٣٢ هـ - ٩٠٥ هـ). * * * كتبه: لقد أشرنا إلى بعضها آنفًا في طيات حديثنا ولكن ها نحن نذكر ما وقفنا على سبتها له: ١ - تفسير سورة الفاتحة. ٢ - جامع البيان في تفسير القرآن، وبعضهم يسمّيه: جوامع التبيان في تفسير القرآن وهو ما نقدم له بهذه المقدمة). ٣ - تهافت الفلاسفة. ٤ - شرح الأربعين النووية. ٥ - شعب الإيمان. ٦ - حاشية على التلويح للتفتازاني. ٧ - بيان المعاد الجسماني والروح.

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة للمفسر رحمه الله تعالى الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأظهره على الدين كله فالحقّ أحقَّ، والباطل أزهقَ؛ أنزل معه كتابًا قطع أعناق العتاق السَّبَق، وأبكم به البلغاء من العرب العرباء طبقًا بعد طبق، شهد محكم آياته القديمة بأن المُنَزَّلَ حق غير مختلق، ودل مضمون سوره العظيمة على أن رسوله صادق مصدق، فصلِّ يا رب وسلم على سيدي سرى ليلاً إلى السبع الطباق فخرق؛ وبلغت بلاغة كتابه نحوًا لا يسبق، بل شأوًا لا يلحق؛ ثم على آله مظاهر ألطاف الله وأفضاله الذين كل منهم في سماء الشرف قمر إذا اتسق. أما بعد، فلما أن رأيت همم أبناء العصر قاصرة، ومساعيهم وإن جدوا في الطلب فاترة، قنعوا عن الحقيقة بالمجاز، ومالوا عن التطويل إلى الايجاز، ولعمري يكاد أن يعد ذلك من علو همتهم، وقوة نهمتهم؛ لأنهم أرادوا حوز العلوم بأسرها، وقصدوا

стр. 9

جمع الفنون حبرها وسبرها، وقد علموا بالتجارب أن الخطب خطير، والعمر قصير، والعوائق متلاطمة الأمواج، والبوائق متراكمة الأفواج، فلو استطلعوا على طلل المطولات لوقعوا في فتات الشتات، ويعرض الكل في معرض الفوات، وما رأيت في التفسير مختصرً يغني وكتابً يقرب ويدني - أردت أن أتعرض لهذا مع قلة البضاعة وقصور الباع خصوصً في تلك الصناعة؛ حين كان القلب مشغوفًا بكشف وجوه غمار أسرار نكات الكشاف، والفؤاد مشعوفًا باستخراج فرائد الفوائد عن زخار بحار كلام الأعالي والأشراف، وقد كان الزمان يرافق بالموافقة، والإخوان في ميدان الفضل على المسابقة، وكانت مرآة الذهن مصفاة عن صداء الفتور، ومرقاة الفضل مبرأة عن طراء الكسور، تجول خيول الفهم من غير غائلة الوهم في معتركهم، وتخول على درك الطرائد في مدركهم ومتركهم، لكن قد استنصت وعادت عواد عن الإقدام على هذا المرام مدة مديدة من الأيام؛ مع أنه قد صدرت

стр. 10

إشارة قدسية تتضمن الالتزام؛ فكم من مرة عزمت وأبت المقادير، ونويت وعرضت امعاذير حتى لازمني رفيق التوفيق، وجاورني فناء بيت الله العتيق، وكحل عيني برؤية أهل الله، ونلت زوارف الفيض من بذل الله؛ أنار في أعشاب كبدي تلك الخامدة، وأدار في دار خلدي تلك الجامدة فاستخرت الله تعالى في الملتزم والمستجار حتى أُلقي في روعى أن لا ضرر ولا ضرار في ذاك الاتجار، ثم صرفت الهمة والعزيمة، وأحكمت النية والصريمة، ونهضت الجناح، وأجبت " حيَّ على الفلاح "، ورفضت غوائل الشواغل، ونفضت دوح الأوائل، فجنيت ثمرة طيبة الطعم والريح، وأحظيت -بحمد الله- بالقدح لا بالسفيح؛ فها قد تم تفسير لاح النور من خلاله، وفاح المسك من أذياله، قد حل عقد المغلقات بما قيد، وبيض وجه المشكلات بما سود، يموج رونق التحقيق في حواشيها، ويقول المتأمل اللبيب: لله دَرُّ واشيها، من مطالعه شمس أنوار التبيان قد طلعت، وأيم الله إنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، كتاب موفًّى فيه الحكمة والمعرفة، مصفًّى عن الاعتزال والفلسفة، في كل سطر حقائق استلفت أكثرها -بوجه حسن- عن السلف، ودقائق أبحتها من غير بخل على الخلف، تعرضت فيه لكلام السلف بوجه يعلم منه كيفية مطابقته مع الآية، وأعرضت عن محتملات لا تجانسه دراية، ولا تؤانسه رواية، لا تستصغر قدر نجمه لصغر حجمه؛ فإنك تراه من بعيد؛ وإنما هو بين الوشوح وحيد؛ وما ذلك كله إلا لأني وسمته لمن صناديد الخافقين عبيده إن قبل؛ بل أملاك الأفلاك جنوده لو سأل، الذي خلق الخلق له،

стр. 11

ولولاه لكان آدم بعد في وَلَهٍ، الهاشمي المستل من سلالة عدنان، الأبطحي المنزل عليه القرآن، الناسخ للأديان، صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ عليه يا ربي المعبود، وأنزله المقام المحمود الموعود، فيا شفيع العصاة توسل الخلق بمثل هذا إلى ذي سلطان لمال أو جاه؛

стр. 12

وإليك -رسول الله- هذا وسيلتي، وما لي سؤل سوى القبول والقرب من الله، فخذ بيدى؛ إني هائم في مهالك البعاد، ولا تنهر سائلك فإنك أنت الرسول الجواد يا من ألوذ به فيما أؤَمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره أنت ملاذى بك ألوذ وأنت عياذي بك أعوذ، أعوذ من خزيك وكشف سترك ومن نسيان ذكرك، والانصراف عن شكرك. ثم اعلم أن ما يحتويه أكثر التفاسير ترى في هذا التفسير مع معانٍ صحيحة نفيسة لم تجد في كثير منها؛ نعم قد ترى فيها أحياناً معاني لم تلق فيه؛ وما ذلك إلا لأن مطابقتها

стр. 13

مع ظاهر الآية لا تخلو عن شبهة، على أنها غير منقولة عن السلف وقليلاً ترى بعض المعاني المنقول قد ترك فيه لما أن تطبيقه مع الآية متعسر أو متعذر؛ وكثيرًا تجد الزمخشري ومن يحذو حذوه أعرضوا عن المعنى المنقول عن الرسول ﷺ في الكتب الصحاح لأجل عدم فهم مناسبة لفظية أو معنوية وإن نقلوه ما ذكروه إلا آخر الأمر بصيغة التمريض؛ لكن المسلك في تفسيرنا هذا الاعتماد على المعاني الثابتة عمن أنزل عليه الكتاب المتكلم بفصل الخطاب صلى الله عليه وبارك وسلم، وما نقلنا فيه شيئاً إلا بعد اطلاع وتتبع تامٍ؛ فأعتمد على نقل الشيخ الناقد في علم الرواية " عماد الدين بن كثير "؛ فإنه في تفسيره قد تفحص عن تصحيح الرواية؛ وتجسس عن عجرها وبجرها؛ ولو وجدت مخالفة بين تفسيره وتفسير " محيي السنة الإمام البغوي " الذي هو من سراة المحدثين ومهرة المحققين - تتبعت كتب القوم الذين لهم يد في التصحيح ثم بعد الاطلاع كتبت ما رجحوا، لكن أعتمد قليلاً على كلام " ابن كثير "؛ فإنه متأخر معتن في شأن التصحيح، و " محيي السنة " في تفسيره ما تعرض لهذا؛ بل قد يذكر فيه من المعاني والحكايات ما اتفقت كلمة المتأخرين على ضعفه؛ بل على وضعه. وأما الأحاديث المذكورة في تفسيرنا فمعظمها من الصحاح الستة، وتجد تخريجها مسطوراً في الحاشية عليها. وكل معنى ذكرنا فيه بصيغة " أو " فما هو إلا للسلف، وما ذكرنا بـ قيل فأكثره من مخترعات المتأخرين؛ ما ظفرنا فيه بنقل. وأما وجه الإعراب فما اخترت إلا الأظهر، والذي ذكرت فيه وجهين أو وجوهاً فلنكتة لا تخفى على المتأدب، فإن قرع سمعك شيء يخالف الكشاف ومن تبعه فلا

стр. 14

تعجل إلى الرد إنكارًا، وارجع بصر البصيرة لعلك تجد من جانب طور العلم ناراً، مع أني لا أدعى عدم الخطأ والخطل والسهو والزلل، نعم، اجتهدت غاية الاجتهاد في تنقيح الكلام، وللمجتهد أجرٌ وإن حرم إصابة المرام، ثم إن مأخذ كتابي هذا: " المعالم "، و " الوسيط "، و " تفسير ابن كثير "، و " النسفي "، و " الكشاف " مع شروحه: " الطيبي "، و " الكشف " و " شرح المحقق التفتازاني " - و " تفسير القاضي ناصر الدين البيضاوي ". وأدرجت فيه ما سمح به الخاطر الفاتر أو سنح للنظر القاصر، وقلما تجد آية إلا وقد رمزت في تفسيرها إلى دفع إشكال أو إلى تحقيق مقال بعبارة وجيزة، أو أَوْمَاتُ إليه بإشارة لطيفة دقيقة، وفي كثير من المواضع أوضحته في الحاشية، وقد تعرضت فيها لوجوه أُخر من المعاني والإعراب، فللمبتدئ حظ كثير من هذا التفسير وللعالم حظوظ. وسميته: " جامع البيان في تفسير القرآن "، وأنا أحوج الخلق إلى رحمة ربه: " معين بن صفي " أدركهما الله بلطفه الجلي والخفي، وكان بين ابتدائه وانتهائه سنتان وثلاثة أشهر حين بلغ سني أربعين. والله أسأل أن يجعل ما تعبت فيه سبباً ينجيني، وذخيرة تسرني لا تشجيني، وهو حسب من توكل عليه، ومعين من فوض الأمر إليه، إنه هو العطوف الرحيم، الرءوف الكريم.

стр. 15

سورة الفاتحة مكية وهي سبع آيات (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) (بِسْمِ اللهِ)، أي: متبركًا باسم مسمى لهذا اللفظ الجامع لجميع صفات الكمال أقرأ أو مستعينًا به كما في: كتبت بالقلم، (الرَّحْمَنِ): الموصوف بصفة إرادة

стр. 16

الخير لجميع الخلائق ولا يطلق إلا على الله تعالى، (الرَّحِيمِ): بالمؤمنين ويطلق على غيره، (الْحَمْدُ)، ثناء على مستحسن اختياري نفسه أو أثره تعظيمًا لمن قام به، (للهِ)، أي: حقيقته مختصة به، (رَبّ): مالك، (العَالَمينَ)، المخلوقات بأسرها أو الجن والإنس أو هما والملك، (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، كرر تعليلاً بأنه الحقيق بالحمد، (مَالك)، بالألف ودونه من المِلْك والمُلْك، (يَوْمِ الدينِ): يوم الجزاء متفرد بالحكمَ، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، نخصك بأقصى غاية التذلل وطلب المعونة لما أثنى عليه كأنه حضر بين يديه فخاطبه وهو إخبار من جميع العباد الذين هو فرد منهم أدرج عبادته في عبادتهم لعلها تقبل ببركتها أو المراد الحاضرون لاسيما إن كان في جماعة وقيل: النون للتعظيم فإنه إذا كان في العبادة

стр. 17

فجاهه عريض، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ): ثبتنا على الطريق الحق وهو دين الله أو الإسلام، (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، من الأنبياء والملائكة والصديقين والشهداء والصالحين أو قوم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام قبل تغيير دينهم أو آل محمد ﷺ وأصحابه وهو بدل الكل، (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، صراط غير الذين أردت العقوبة عليهم أو المراد منهم اليهود، (وَلاَ الضَّالِّينَ): الذين عدلوا عن الطريق والمراد منهم النصارى وقيل المراد من الأول الفساق ومن الثاني الكفار. يستحب لمن قرأها أن يقول بعدها بسكتة " آمين " أي: استجب.

стр. 18

سورة البقرة مدنية وهي مائتان وست وثمانون آية وأربعون ركوعًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) (الم): أوائل مثل هذه السورة مما استأتر الله بعلمه وهو المنقول عن الخلفاء الأربعة وغيرهم أو أسماء السور أو أقسام أقسم بها لشرفها لأنها مباني كتبه المنزلة أو أنا الله أعلم، (ذَلِكَ الكتَابُ): أي: هذا القرآن مصدر بمعنى المفعول (لاَ رَيْبَ فِيهِ): لا شك أنه من عند الله لو تأمل عاقل فيه لا يشك وقيل بمعنى النهي أي: لا ترتابوا، (هُدًى): بيان ونور (لِّلْمُتَّقِينَ): الصائرين إلى الإيمان وترك الشرك أو مزيد هداية لهم، (الذِينَ يُؤْمِنُونَ): يصدقون (بِالْغَيب): أي ما هو غائب كأمور الآخرة والقدر أو محمد ﵊ من غير رؤيته، (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ)، يعدلون أركان الصلوات الخمس أو يواظبون عليها، (وَمِمَّا رَزَقاهُمْ يُنفقونَ): أعطيناهم يصرفون في الخير أو المراد الزكاة، (وَالّذِينَ يُؤْمِنُون بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ): هذا في مؤمني أهل الكتاب أو عام كالأول، (وَمَا أنزِلَ مِن قَبْلِكَ) سائر الكتب، (وَبِالْآخِرَةِ) الدار الآخرة (هُمْ يُوقِنُونَ) لا يشكون أصلاً، (أُولَئِكَ) من هذه

стр. 19

صفته، (عَلَى هُدًى): أي: مستقر ومستعل على بيان ونور (مِّن ربهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): الفائزون بمطالبهم. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا): ستروا الحق وهجروا التوحيد (سَوَاءٌ): مصدر وصف به (عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) تخويفك وعدمه فهو مبتدأ وسواء خبره والهمزة وأم مجردتان لمعنى الاستواء في علم المستفهم كأنه قيل في جواب أأنذِرهم أم لا المستويان في علمك مستويان في عدم النفع (لَا يُؤْمِنُونَ)، جملة مفسرة ومؤكدة، (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)، أي: طبع واستوثق بضرب الخاتم على قلوبهم، (وَعلَى سَمْعِهِمْ)، أي: مواضعه أو أطلق مجازًا على العضو وكذا البصر ووحد السمع لأنه مصدر والمسموع ليس إلا الصوت

стр. 20

بخلاف المعقولات والمبصرات فإنها أنواع من الجواهر والأعراض، (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غشَاوَة): غطاء والحاصل أنه أحدث فيهم شيئًا يمرنهم على حب الكفر لا يفقهون الحق ولا يسمعون ولا يبصرون، (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيم): في الآخرة. * * * (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)

стр. 21

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ): حقيقة لأن قلوبهم لا تطابق لسانهم نزلت في المنافقين (يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمنوا): يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ويعتقدون أنه ينفعهم عند الله كنفعهم عند بعض المؤمنين كما قال ﵎: " يوم يبعثهم الله جميعًا " الآية (الممتحنة: ١٨)، أو يعملون عمل المخادع أو المراد من مخادعة الله مخادعة رسوله، (وَمَا يَخْدَعُون إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون): دائرة الخداع راجعة إليهم في الدنيا أيضًا مفتضحون ولا يحسون لغفلتهم، (فِي قُلُوبِهِم مرَض): شك ونفاق، (فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا): كلما كفروا بآية ازدادوا مرضًا ونفاقًا، (وَلَهُم عَذاب أَلِيم): مؤلم (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون): بسبب كذبهم ومن قرأ " يكذبون " بالتشديد فمعناه بتكذيبهم آيات الله، (وَإِذَاقيلَ لَهُمْ): للمنافقين (لاَ تفسدُوا فِي الأَرْض): بالكفر والمعصية وإظهار أسرار المؤمنين مع الكفار (قَالُوا إِنَمَا نَحْنُ مصلِحُون): أي: على الهدى نداري الفريقين المؤمنين والكافرين ونصطلح معهم ونريد الإصلاح بينهم وبين أهل الكتاب، (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ): ردهم أبلغ رد لتعريضهم على المؤمنين في قولهم (إنما نحن مصلحون)، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ): المهاجرون والأنصار أو مؤمنو أهل الكتاب، (قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ): الهمزة للإنكار واللام للناس والسفه خفة رأى وهذا قول سرهم فيما بينهم فأفضحهم الله، (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا): صادفوا

стр. 22

(الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ): خلوت بفلان وإلى فلان إذا انفردت معه وشياطينهم سادتهم أو أصحابهم (قَالوَا إِنا مَعَكُمْ): في الدين، (إِنما نَحْن مُسْتَهْزِئُونَ): نلعب بالمؤمنين، (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ): يجازيهم جزاء استهزائهم أو يرجع وباله إليهم أو يعاملهم معاملة المستهزئ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما يُفتَحُ لهم بابٌ في الجنة فإذا انتهوا إليه سُدّ عنهم ورُدُّوا إلى النار، (وَيَمدُّهُمْ): يملى لهم ويمهلهم فحذف اللام أو يزيدهم ويقويهم (فِي طُغْيَانِهِمْ): تجاوزهم عن الحد (يَعْمَهُونَ): يتحيرون والعمه فِي البصيرة والعمى في البصر، (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى): أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، (فَمَا رَبِحَت تِّجارتهُمْ)، أسند إليها وهو لأربابها لمشابهة التجارة الفاعل من حيث إنها سبب الربح والخسران، (وَمَا كَانوا مُهْتَدِينَ): لطرق التجارة (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا):

стр. 23

أى: حالهم كحال الذين أوقدوا، (فَلَما أَضَاءَتْ): النار (مَا حَوْلَه)، وأمنوا ما يخافون (ذَهَبَ اللهُ بِنورِهمْ)، المراد من إيقادها فبقوا في ظلمة وخوف، (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ): جمع الظلمة لكثرتها، ثم إن المنافقين بإظهار الإيمان أمنوا في الدنيا وإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، أو المراد إيمانهم أولاً ثم كفرهم ثانيًا، فيكون إذهاب النور في الدنيا كما قال تعالى: " ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا " الآية (المنافقون: ٣)، وهذا منقول عن كثير من السلف، (صُمٌّ): أي: هم عن قبول الحق صم، (بُكْمٌ): عن قول الحق، (عُمْيٌ): لا يبصرونه، فهذا فذلكة التمثيل فالضمير للمنافقين أو للمستوقدين والمعنى لما أذهب نورهم أدهشتهم الظلمة بحيث اختلت حواسهم، (فهمْ لاَ يَرْجِعُونَ): إلى الهدى الذي باعوه، (أَوْ كَصَيِّبٍ): كأصحاب مطر أو سحاب وهو مثل آخر وأو للتساوي كجالس الحسن أو ابن سيرين، أي: أنت مخير في التمثيل بأيهما شئت، وقال بعض المفسرين: إن هذين مثلان لقومين أي: مثل بعضهم هذا ومثل بعضهم هذا فإنهم لا يخلون عن أحد هذين المثلين، (مِّنَ السماءِ): من جميع جوانب السماء لا من أفق دون أفق وفهم هذا من السماء المعرف أو من السحاب (فِيهِ ظُلُمَاتٌ): في المطر أو السحاب ظلمة تكاثف المطر والغمامة والليل وهي فاعل الظرف، (وَرَعْدٌ): ملك موكل بالسحاب فيطلق على صوته أو صوت يسمع من السحاب (وَبَرْقٌ): نار تخرج من السحاب أو لمعان صوت الملك أو نار طارت من فيه إذا اشتد غضبه (يَجْعَلُون أَصَابعَهُمْ): أناملهم (فِي آذَانِهِم مّنَ الصَّوَاعِقِ): شدة صوت الرعد (حَذَرَ المَوْتِ): مخافة الهلاك،

стр. 24

(وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به لا ينجيهم الخداع، (يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ): يأخذ بسرعة (أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهم): أضاء لازم أو متعد، أي: أضاء لهم ممشى (مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ) وكذلك أظلم لازم أو متعد، (قَامُوا): وقفوا، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ) أن يذهب بسمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق (لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) فحذف المفعول لدلالة الجواب عليه، (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فليحذروا شبّه القرآن والإيمان بالصيب وما فيه من شبه المبطلين واعتراضاتهم بالظلمات وما فيه من الوعيد والأهوال وذكر النار والحساب بالرعد وما فيه من الوعد والآيات الباهرة بالبرق وتصامَّهم عن الوعيد بحال من يهوله الرعد فيسد أذنه مع أنه لا خلاص عنها ويدل عليه قوله تعالى: " والله محيط بالكافرين " واهتزازهم لما ظهر لهم من غنمية وراحة يطمح عليه أبصارهم بمشيهم في ضوء البرق وتحيرهم في الأمر وتوقفهم حين عروض شبهة أو بلاء ومحنة بتوقفهم إذا أظلم ثم نبه بقوله: (ولو شاء الله لذهب) إلخ على أن السمع والبصر والتوسل إلى الفلاح وهم صرفوهما إلى الحظوظ العاجلة

стр. 25

وسدوهما عن الفوائد الحقيقية ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي يجعلونها فإنه قادر مطلق. * * * (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)

стр. 26

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) عام للمؤمن والكافر والمنافق (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ): وحدوه، (الَّذِي خَلقَكُمْ): اخترعكم من غير سبق مثال (وَالذِينَ مِن قَبْلِكُم)، عطف على مفعول خلق، (لَعَلكُمْ تَتَّقُون)، أي: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين، أو خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى أو خلقكم لكي تتقوا (الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا): بساطًا غير حزنة غليظة، (وَالسَّماءَ بِناءً): قبة مضروبة عليكم، (وَأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ): السحاب (مَاءً فَأَخْرَجَ به مِنَ الثَّمَرَاتِ) بيان تقدم (رِزقًا): مرزوقًا أو من للتبعيض ورزقًا مفعول له (لَّكُم): صفة رزقًا على الأول ومفعول المصدر على الثاني، (فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا): أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله تعالى (وَأَنتُمْ تَعْلمُون) والحال أنكم من أهل العلم، أو تعلمون أن

стр. 27

أن الأنداد لا تماثله بوجه، (وَإِن كُنتُمْ في رَيْبٍ) شك (مِّمَّا نزَّلْنَا): أي: القرآن، (على عَبْدِنَا): محمد ﵊ (فَأتوا بِسُورَةٍ): طائفة من القرآن معبر عنها بسورة كذا (مِّن مثلِهِ): مثل القرآن في البلاغة والإخبار عن الغيب، (وَادْعُوا شُهَداءكُم): واستعينوا بأعوانكم أو آلهتكم، (مِّن دُونِ اللهِ): أى: ادعوا من شئتم غير الله، وقيل: ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم مثله ولا تستشهدوا بالله فإنه علامة العجز، (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): إنه من كلام البشر، (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا): فيما مضى (وَلَن تَفْعَلُوا): بعده أبدًا وهذه معجزة أخرى (فَاتَّقُوا). احذروا واتقوا بالإيمان (النَّارَ الّتِي وَقُودهَا): ما يوقد به النار (الناسُ وَالْحِجَارَةُ): حجارة الكبريت فتكون أشد وأنتن وأظلم وهو قول كثير من السلف وقيل حجارة الأصنام، (أُعِدَّتْ): النار والحجارة (لِلْكَافرِينَ وَبَشِّرِ): البشارة خبر سار يظهر أثر السرور في البشرة (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَات) عملاً بلا رياء، أو كل ما حسنه الشرع (أَنَّ لَهُمْ): بأن لهم (جَنَّاتٍ) دار الثواب وهي سبعة (تَجْرِي مِن تَحْتِهَا): تحَت أشجارها وغرفها (الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا) مبتدأ من الجنات (مِن ثَمَرَةٍ): بيان تقدم كرأيت منك أسدًا (رِّزْقًا): مرزوقًا (قَالُوا هَذَا): مثل (الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ): في

стр. 28

الدنيا أو في الجنة، (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا): في الهيئة واللون دون المقدار والطعم فأين طعم فواكه الجنة من الدنيا؟! أو يشبه بعضها بعضًا من جميع الوجوه إذ طعم فواكه الجنة متقاربة عطف على قالوا مقررة للجملة، (وَلَهُمْ فيهَا أَزْوَاجٌ مطَهَّرَةٌ): نساء وجوار مطهرة مما يستقذر ويذم منهن كالحيض ودنس الطبع، (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُون) (١): ليس لهم خوف فوات نعمة. ولما قال الجهلة: الله أجل من أن يضرب الأمثال بالصيب والمستوقد وبيت العنكبوت والذباب فنزلت، (إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا): لا يستنكف من (أَن يَضْرِبَ مَثَلًا): أن يبين شبهًا (مَّا) أي: أي مثل (بَعُوضَةً): صغار البق عطف بيان لمثلاً (فَمَا فَوْقَهَا) في الصغر والحقارة كجناحها أو في الكبر كالذباب،

стр. 29

(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنهُ) المثل (الحَقُّ): الثابت الذي لا يسوغ إنكاره (مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا): أي شيء (أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا): نصب علىَ التمييز أوَ الحال، (يُضِل به): بالمثل (كَثيرًا): من الكفار، أي: إضلال كثير وضع الفعل موضع المصدر جواب ماذا، (وَيَهْدِي به كَثيرًا): من المؤمنين، (وَمَا يُضِل بِهِ إِلا الفاسِقِينَ): الخارجين عن حد الإيمان، َ (الَّذِينَ يَنقُضُونَ): يفسدون ويتركون (عَهْدَ اللهِ): هو قوله: " ألست بربكم " (الأعراف: ١٧٢)، أو عدم كتمان شيء نزل من عند الله في الكتب (مِنْ بَعْدِ مِيثَاقه): توكيد العهد من الآيات في الكتب (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) أي: كقطع الأرحام والقرابات أو أعم كالإعراض عن موالاة المؤمنين والتفرقة بين الآيات في التصديق وهو بدل من ضمير به، (ويفْسِدُون فِي الأَرْضِ): بأنواع المعاصي، (أُولَئِكَ هُمُ الخاسرُونَ): باشتراء الفساد والعقاب بالصلاح والثواب، (كَيْفَ تَكْفُرُونَ باللهِ): معناه التعجب أي: أخبروني على أي حال تكفرون، (وَكُنتم أَمْوَاتًا): ترابًا أو نطفًا في أصلاب الآباء، (فأَحْيَاكُمْ): بخلق الحياة فيكم أو في الأرحام، ومعنى الفاء في الثاني أظهر، (ثمَّ يُمِيتُكُمْ): في الدنيا، (ثم يُحْيِيكُمْ): عند نفخ الصور، (ثمَّ إِلَيْه تُرْجَعُون): بعد الحشر لجزاء العمل. (هوَ الذِي خَلَقَ لَكُم): لأجل انتفاعكم (مَّا فِي الأَرض جَميعًا) لكي تنتفعوا به وتعتبروا، جميعًا حال من ما، (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)، قصد وارتفع إليه

стр. 30

فخلق السماء بعد خلق الأرض لكن دحوها متأخر هكذا ذكره ابن عباس وفيه إشكال سنذكره في سورة (والنازعات) والأولى أن ثم للتراخي الرتبي لا الزماني على أن فيه أيضًا ما ستقف عليه، (فسَوَّاهُن): الضمير للسماء لأنه في معنى الجمع عدلهن مصونة عن العوج والفتور، (سبْعَ سَمَاوَاتٍ): بدل أو تفسير، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ) فإن بالعلم يصح الخلق ويحكم الفعل. * * * (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)

стр. 31

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) * * * (وَإِذْ): أي: واذكر إذ (قَالَ ربكَ لِلْمَلاِئكَةِ): مطلق الملائكة أو ملائكة الأرضين وهو تعداد نعمة ثالثة عامة (إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَة): يعني آدم هو خليفة الله في أرضه ينفذ قضاء الله وأحكامه أو المراد من الخليفة البدل، أي: من الجن والملائكة فإنهما كانا سكان الأرض حينئذ أو المراد قوم يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن كقوله تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) (الأنعام: ١٦٥)، (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) كما فعله الجن لبلهم وهو تعجب واستكشاف عما خفي عليهم من الحكمة، (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ): نبعدك عن

стр. 32

السوء، (بِحَمْدِكَ): متلبسين به، (وَنُقَدسُ): نطهر نفوسنا عن المعاصي، (لَكَ): لأجلك أو نقدسك عما أضاف إليك الكفرة فاللام زائدة، (قَالَ إِني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون): من المصلحة أو بأن أجعل فيهم الأنبياء والصديقين والشهداء أو أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس، (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ): خلق في قلبه علمًا (كُلَّهَا): اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة، (وثمَّ عَرَضهُمْ): الضمير للمسميات إذ التقدير أسماء المسميات والتذكير لتغليب العقلاء (عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي): أخبروني (بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ) تبكيت وتنبيه لهم على قصورهم، (إِن كُنتم صَادِقِينَ) أنكم أحقاء بالخلافة أو لن يخلق الله تعالى خلقًا أعلم منكم فإن الملائكة قالوا ذلك بينهم (١)، (قَالُوا) إقرارًا بالعجز (سُبْحَانكَ)، صدروا الكلام به استعذاراً عن الجرأة في الاستفسار والجهل بحقيقة الحال، (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ): الذي لا يخفي عليه خافية (الْحَكِيمُ):

стр. 33

القاضي العدل، أو المحكم لمبدعاته الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة، (قَالَ): لما ظهر عجزهم (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ): أعلمهم، (بِأَسْمَائِهِمْ)، قال: أنت جبريل، أنت ميكائيل حتى وصل الغراب، (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) وظهر فضل آدم ﵇ عليهم (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ): استفهام توبيخ فإن الأدب التوقف لأن يبين، (إِني أَعْلَمُ غيْبَ السمَاوَات وَالأَرْضِ): ما غاب فيهما عن الخلق، (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتم تكتمُون): أي: أعلم ما تظهرونه بألسنتكم وما تخفونه في أنفسكم، فلا يخفى عليَّ شيء من قولكم علانية أتجعل فيها من يفسد فيها وسرًا لن يخلق الله خلقًا أكرم عليه منا وما أسر إبليس من الكبر في نفسه، (وَإِذْ قُلْنَا) عطف على " وإذ قال " (لِلْمَلاِنكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) السجود حقيقي طاعة لله وتعظيمًا لآدم وهو مشروع قيل انحناء لا وضع جبهة أو السجود لله وآدم قبلة وقد ضعفهما بعض العلماء، (فسَجَدُوا إِلَّا إِبْليسَ) صح عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه من نوع من الملائكة المسمين بالجن وصح عن الحسن رضى الله عنه أنه ليس منهم، (أَبَى): امتنع، (وَاستكْبَرَ وَكَانَ)، في سابق علم الله أو صار، (مِنَ

стр. 34

الكَافرين)، أو كان كافرًا من الجن فأسلم وعمل عمل الملك ثم كفر، (وَقُلْنَا)، بعد سجود الملائكة، (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)، دار الخلد وقيل بستانًا في الأرض، (وَكلاَ مِنْهَا)، أكلا، (رَغدًا)، واسعًا، (حَيْثُ شِئْتُمَا)، أي: مكان من الجنة، (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)، بالأكل والأصح أنها شجرة معينة لا تتعين عندنا، (فَتكُونَا)، عطف على (تقربا) أو جواب النهي (مِنَ الظَّالِمِينَ): الذين وضعوا أمر الله تعالى غير موضعه، (فأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا): الضمير للشجرة، أي: حملهما على الزلة بسببها أو للجنة أي فبعدهما عن الجنة، (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ): من النيعم والكرامة، (وَقُلْنَا اهْبِطُوا): انزلوا على الأرض جمع الضمير لأنهما أصلا الإنس فكأنهما الجنس أو المراد هما والشيطان (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُو): أي: متعادين والعداوة بين ذريتهما لقول تعالى: " قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو " (طه: ١٢٣)، أو بين المؤمنين والشيطان، (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ): موضع قرار، (وَمَتَاعٌ): تمتع (إِلَى حِين): الموت وقيل القيامة، (فَتَلَقَّى): تلقن (آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ): ومن قرأ برفع كلمات ونصب آدم فمعناه بلغته وهي: " ربنا ظلمنا أنفسنا " الآية (الأعراف: ٢٣)، أو غيرها (فتابَ عَلَيْهِ): رجع عليه بالرحمة، (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ): يقبل التوبة ويكثر إعانتهم عليها (الرَّحِيمُ): المبالغ في الرحمة، (قُلْنَا اهْبطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) كرر للتأكيد وليترتب عليه قوله (فإمَّا يَأتِيَنَّكُم): يا بني آدمَ، (مّنِّي هُدًى): أنبياء والبيان، (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ): أَقبل على الهدى وقبل (فَلاَ خَوْفٌ عَليْهِمْ) حين يشتد الأمر على العصاة، (وَلاَ هُمْ يَحْزنونَ) على ما فاتهم من أمور الدنيا، والشرط الثاني مع جوابه جواب للشرط الأول، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) قسيم لمن تبع، أي:

стр. 35

كفروا بالآيات المنزلة جنانًا وكذبوا لسانًا، أو كفروا بالله وكذبوا بالآيات (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). * * * (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) * * * (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: أولاد يعقوب هيجهم بذكر أبيهم، أي: يا بني العبد المطيع لله (اذْكُرُوا): احفظوا ولا تنسوا، أو اشكروا، (نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنعَمْتُ

стр. 36

عليكُمْ): فلق البحر وجعل الأنبياء فيهم وإنجاءهم من فرعون وغيرها ولا شك أن نعمة الآباء على الأبناء، (وَأَوْفوا بِعَهْدِي) في محمد ﵊ أو في امتثال أمري، (أوفِ بعَهْدِكم): أرضى عنكم وأدخلكم الجنة، أو بالقبول والثواب، (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونَِ) خصوصًا في نقض العهد، (وَءامِنوا بِمَا أَنزَلْتُ)، أي: القرآن (مُصَدِّقًا لِّما مَعَكُمْ) فإنكم تجدون محمدًا مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل، (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ): أول فوج يكفر بما أنزَلْتُ من أهل الكتاب، (وَلاَ تَشْتَرُوا): لا تستبدلواَ، (بِآياتِي): بالإيمان بها (ثَمَنًا قَلِيلاً): الدنيا بحذافيرها، أو ما يصيب العلماء من السفلة فإنهم عينوا كل سنة للعلماء شيئًا فخافوا إن أسلموا يفوت ذلك عنهم وتفوت الرياسة أيضًا، فكتموا صفة محمد ﷺ ، (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ): أي: فاخشون لا فوات الرياسة، (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)، أي: لا تخلطوه، فإن علماء اليهود يزيدون في آيات الله ما يشتهون، (وَتَكْتمُوا الحَقَّ)، عطف على المنهي، أو وأن تكتموا الحق فالواو للجمع، أى: لا تجمعوا بينهما، (وَأَنتم تَعْلَمُونَ) بأنكم تكتمون وتلبسون، (وَأَقِيمُوا الصلاةَ) أي: صلاة المسلمين، (وَآتوا الزكَاةَ)، أي: زكواتهم والمراد طاعة الله تعالى والإخلاص، (وَارْكَعُوا مع الراكِعِينَ) أي: كونوا مع المؤمنين في أحسن

стр. 37

أعمالهم وهو الصلاة، عبر عن الصلاة بالركوع لأن صلاة اليهود ليس فيها ركوع، (أَتَأمُرُونَ الناسَ بِالْبِرِّ): بالإيمان، (وَتَنسَوْنَ أنْفُسَكُمْ): تتركوها من البر كالمنسيات، نزلت في أحبار اليهود ينصحون سرًا باتباع محمد ﵊ ولا يتبعونه، (وَأَنتمْ تَتْلُون): تقرءون، (الكِتَابَ): التوراة التي فيها الوعيد على العناد ومخالفة القول العمل، (أَفَلاَ تَعْقِلونَ): قبح صنيعكم، (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ): لما أمروا بما هو شاق عليهم وهو ترك المال والرياسة عولجوا بالاستعانة على طلب الآخرة بحبس النفس عن المعاصي أو الصيام لما فيه من كسر الشهوات أو الصبر على أداء الفرائض والصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، (وَإِنها) أي: الصلاة فإن الصبر داخل فيها، قيل: تقديره إنه لكبير وإنَّها لكبيرة فحذف اختصارًا ولم يقل وإنهما إشارة إلى أن كلاً منهما لكبير، أو الضمير للاستعانة (لَكبِيرَةٌ): ثقيلة (إِلا عَلَى الخَاشِعِينَ): المؤمنين حقًّا الساكنين إلى الطاعة، قال ابن جرير: الآية عامة لبني إسرائيل وغيرهم، (الَّذِينَ يَظُنُّونَ): يتيقنون (أنهم مُّلاقوا ربهِمْ): محشورون إليه، (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ): أمورهم راجعة إليه فيحكم بالعدل. * * * (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)

стр. 38

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) * * * (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) وهو كما مر جعل الأنبياء فيهم وخلاصهم من البلاء كرره تأكيدًا، (وَأَني فَضَّلْتُكُمْ): بما أعطيتم من الملك والكتب والرسل (عَلَى العَالَمِينَ): عالمي زمانكم وتفضيل الآباء شرف الأبناء، (وَاتقُوا يَوْمًا): احذروا ما فيه من العقاب (لا تَجْزِي): لا تقضي فيه (نَفسٌ عَن نفسٍ شَيْئا): من الحقوق أو من الجزاء فنصبه على المصدر حينئذ والجملة صفة يومًا، (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعَةٌ): في شأن الكفار رد عليهم حيث قالوا: آباؤنا الأنبياء

стр. 39

شفعاء لنا، (وَلاَ يُؤْخَد مِنْهَا عَدْلٌ): فداء وقيل بدل، (وَلاَ هُمْ يُنصَرُون): ولا لهم ناصر يمنعهم من العذاب. (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم): عطف على نعمتي وتفصيل لها (مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ)، أتباعه (يَسُومُونَكُمْ): يبغونكم، والجملة حال، (سُوءَ العَذَابِ): أفظعه وأشده نصب على مفعول يسومونكم (يُذبِّحُون): يقتلون بيان ليسومونكم (أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحيونَ) يتركون أحياء للخدمة (نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم): صنيعهم، (بَلاءٌ): محنة (مِّن ربكُمْ عَظيمٌ): أو الإشارة إلى الإنجاء فالبلاء بمعنى النعمة وهو قول كثير من السلف. (وَإِذْ فَرَقْنَا): فصلنا بين بعضه وبعض (بِكُمُ البَحْرَ): كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما أو بسببكم أو ملتبسًا بكم (فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) اقتصر على ذكر الآل للعلم بأن فرعون أولى بالغرق، (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ): غرقهم. (وَإِذ وَاعَدْنَا): واعدنا بمعنى وعدنا، أو الله وعد الوحي وموسى المجيء إلى الطور (مُوسَى أَرْبَعينَ لَيْلَةً)، يعني انظر إلى نعمتي عليهم ثم إلى كفرانهم ثم إلى عفوي عنهم، (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ)، إلهًا، (مِنْ بَعْدِهِ): بعد مضى موسى (وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)، بشرككم، (ثُمَّ عَفَوْنَا): محونا ذنوبكم، (عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)، أي: الاتخاذ، (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): لكي تشكروا عفوي، (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) أي: الجامع بين كونه كتابًا وفرقانًا بين الحق والباطل وقيل الفرقان

стр. 40

انفراق البحر، (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ): لكي تهتدوا بالكتاب، (وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ): العابدين للعجل، (يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمتمْ أَنْفُسَكُم بِاتّخَاذِكُمُ العِجْلَ): معبودًا، (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ): خالقكم، قالوا كيف نتوب؟ قال: (فَاقْتلُواْ أَنفُسَكمْ) أي: كل منكم من لقي فأصابتهم سحابة سوداء لا ينظر بعضهم بعضًا ففعلوا فغفر الله للقاتل والمقتول والقتلى سبعون ألفًا أو ليقتل البريء المجرم، (ذَلِكُم)، أي: القتل، (خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ)، من حيث إنه وصلة إلى الحياة الأبدية، (فَتَابَ عَلَيْكُمْ)، أي: ففعلتم فتاب عليكم، (إِنه هُوَ التَّوَّابُ): الذي يكثر قبول التوبة، (الرحِيمُ): المبالغ في الرحمة، (وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نؤْمِنَ): لن نقر، (لَكَ)، أي: اذكروا نعمتي بعد الصعق، إذ سألتم ما لا يستطاع لكم، فإن موسى اختار سبعين رجلاً ليعتذورا إلى الله من الشرك، فلما سمعوا كلام الله قالوا ذلك، (حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً): عيانًا ونصبه على المصدر أو الحال، (فَأَخَدتْكُمُ الصَّاعِقَةُ): صيحة من السماء أو نار، (وَأَنتم تَنْطرُونَ): ما أصابكم فلما هلكوا بكى وتضرع موسى قائلاً: ماذا أقول لبني إسرائيل إذ أهلكت خيارهم؟، فتضرع وتناشد حتى أحياهم الله تعالى وهذا قوله، (ثمَّ بَعثناكُم): أحييناكم، (مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ): بسبب الصاعقة، (لَعَلكُمْ تَشكرُونَ): نعمة البعث وكلام بعض السلف أن طلب الرؤية حين خرجوا لأجل التوبة من عبادة العجل، وكان قبل الأمر بالقتل وكلام بعض أخران هذا بعد القتل والله أعلم، (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ (١)): السحاب يظلهم من الشمس حين كانوا في التيه، (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ): الترنجبين أو عسلاً ألذ من عسلنا أو خبز الرقاق،
следующие страницы →