عليكُمْ): فلق البحر وجعل الأنبياء فيهم وإنجاءهم من فرعون وغيرها ولا شك أن نعمة الآباء على الأبناء، (وَأَوْفوا بِعَهْدِي) في محمد ﵊ أو في امتثال أمري، (أوفِ بعَهْدِكم): أرضى عنكم وأدخلكم الجنة، أو بالقبول والثواب، (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونَِ) خصوصًا في نقض العهد، (وَءامِنوا بِمَا أَنزَلْتُ)، أي: القرآن (مُصَدِّقًا لِّما مَعَكُمْ) فإنكم تجدون محمدًا مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل، (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ): أول فوج يكفر بما أنزَلْتُ من أهل الكتاب، (وَلاَ تَشْتَرُوا): لا تستبدلواَ، (بِآياتِي): بالإيمان بها (ثَمَنًا قَلِيلاً): الدنيا بحذافيرها، أو ما يصيب العلماء من السفلة فإنهم عينوا كل سنة للعلماء شيئًا فخافوا إن أسلموا يفوت ذلك عنهم وتفوت الرياسة أيضًا، فكتموا صفة محمد ﷺ ، (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ): أي: فاخشون لا فوات الرياسة، (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)، أي: لا تخلطوه، فإن علماء اليهود يزيدون في آيات الله ما يشتهون، (وَتَكْتمُوا الحَقَّ)، عطف على المنهي، أو وأن تكتموا الحق فالواو للجمع، أى: لا تجمعوا بينهما، (وَأَنتم تَعْلَمُونَ) بأنكم تكتمون وتلبسون، (وَأَقِيمُوا الصلاةَ) أي: صلاة المسلمين، (وَآتوا الزكَاةَ)، أي: زكواتهم والمراد طاعة الله تعالى والإخلاص، (وَارْكَعُوا مع الراكِعِينَ) أي: كونوا مع المؤمنين في أحسن
стр. 37
أعمالهم وهو الصلاة، عبر عن الصلاة بالركوع لأن صلاة اليهود ليس فيها ركوع، (أَتَأمُرُونَ الناسَ بِالْبِرِّ): بالإيمان، (وَتَنسَوْنَ أنْفُسَكُمْ): تتركوها من البر كالمنسيات، نزلت في أحبار اليهود ينصحون سرًا باتباع محمد ﵊ ولا يتبعونه، (وَأَنتمْ تَتْلُون): تقرءون، (الكِتَابَ): التوراة التي فيها الوعيد على العناد ومخالفة القول العمل، (أَفَلاَ تَعْقِلونَ): قبح صنيعكم، (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ): لما أمروا بما هو شاق عليهم وهو ترك المال والرياسة عولجوا بالاستعانة على طلب الآخرة بحبس النفس عن المعاصي أو الصيام لما فيه من كسر الشهوات أو الصبر على أداء الفرائض والصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، (وَإِنها) أي: الصلاة فإن الصبر داخل فيها، قيل: تقديره إنه لكبير وإنَّها لكبيرة فحذف اختصارًا ولم يقل وإنهما إشارة إلى أن كلاً منهما لكبير، أو الضمير للاستعانة (لَكبِيرَةٌ): ثقيلة (إِلا عَلَى الخَاشِعِينَ): المؤمنين حقًّا الساكنين إلى الطاعة، قال ابن جرير: الآية عامة لبني إسرائيل وغيرهم، (الَّذِينَ يَظُنُّونَ): يتيقنون (أنهم مُّلاقوا ربهِمْ): محشورون إليه، (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ): أمورهم راجعة إليه فيحكم بالعدل.
* * *
(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)
стр. 38
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)
* * *
(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) وهو كما مر جعل الأنبياء فيهم وخلاصهم من البلاء كرره تأكيدًا، (وَأَني فَضَّلْتُكُمْ): بما أعطيتم من الملك والكتب والرسل (عَلَى العَالَمِينَ): عالمي زمانكم وتفضيل الآباء شرف الأبناء، (وَاتقُوا يَوْمًا): احذروا ما فيه من العقاب (لا تَجْزِي): لا تقضي فيه (نَفسٌ عَن نفسٍ شَيْئا): من الحقوق أو من الجزاء فنصبه على المصدر حينئذ والجملة صفة يومًا، (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعَةٌ): في شأن الكفار رد عليهم حيث قالوا: آباؤنا الأنبياء
стр. 39
شفعاء لنا، (وَلاَ يُؤْخَد مِنْهَا عَدْلٌ): فداء وقيل بدل، (وَلاَ هُمْ يُنصَرُون): ولا لهم ناصر يمنعهم من العذاب.
(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم): عطف على نعمتي وتفصيل لها (مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ)، أتباعه (يَسُومُونَكُمْ): يبغونكم، والجملة حال، (سُوءَ العَذَابِ): أفظعه وأشده نصب على مفعول يسومونكم (يُذبِّحُون): يقتلون بيان ليسومونكم (أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحيونَ) يتركون أحياء للخدمة (نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم): صنيعهم، (بَلاءٌ): محنة (مِّن ربكُمْ عَظيمٌ): أو الإشارة إلى الإنجاء فالبلاء بمعنى النعمة وهو قول كثير من السلف.
(وَإِذْ فَرَقْنَا): فصلنا بين بعضه وبعض (بِكُمُ البَحْرَ): كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما أو بسببكم أو ملتبسًا بكم (فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) اقتصر على ذكر الآل للعلم بأن فرعون أولى بالغرق، (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ): غرقهم. (وَإِذ وَاعَدْنَا): واعدنا بمعنى وعدنا، أو الله وعد الوحي وموسى المجيء إلى الطور (مُوسَى أَرْبَعينَ لَيْلَةً)، يعني انظر إلى نعمتي عليهم ثم إلى كفرانهم ثم إلى عفوي عنهم، (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ)، إلهًا، (مِنْ بَعْدِهِ): بعد مضى موسى (وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)، بشرككم، (ثُمَّ عَفَوْنَا): محونا ذنوبكم، (عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)، أي: الاتخاذ، (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): لكي تشكروا عفوي، (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) أي: الجامع بين كونه كتابًا وفرقانًا بين الحق والباطل وقيل الفرقان
стр. 40
انفراق البحر، (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ): لكي تهتدوا بالكتاب، (وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ): العابدين للعجل، (يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمتمْ أَنْفُسَكُم بِاتّخَاذِكُمُ العِجْلَ): معبودًا، (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ): خالقكم، قالوا كيف نتوب؟ قال: (فَاقْتلُواْ أَنفُسَكمْ) أي: كل منكم من لقي فأصابتهم سحابة سوداء لا ينظر بعضهم بعضًا ففعلوا فغفر الله للقاتل والمقتول والقتلى سبعون ألفًا أو ليقتل البريء المجرم، (ذَلِكُم)، أي: القتل، (خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ)، من حيث إنه وصلة إلى الحياة الأبدية، (فَتَابَ عَلَيْكُمْ)، أي: ففعلتم فتاب عليكم، (إِنه هُوَ التَّوَّابُ): الذي يكثر قبول التوبة، (الرحِيمُ): المبالغ في الرحمة، (وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نؤْمِنَ): لن نقر، (لَكَ)، أي: اذكروا نعمتي بعد الصعق، إذ سألتم ما لا يستطاع لكم، فإن موسى اختار سبعين رجلاً ليعتذورا إلى الله من الشرك، فلما سمعوا كلام الله قالوا ذلك، (حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً): عيانًا ونصبه على المصدر أو الحال، (فَأَخَدتْكُمُ الصَّاعِقَةُ): صيحة من السماء أو نار، (وَأَنتم تَنْطرُونَ): ما أصابكم فلما هلكوا بكى وتضرع موسى قائلاً: ماذا أقول لبني إسرائيل إذ أهلكت خيارهم؟، فتضرع وتناشد حتى أحياهم الله تعالى وهذا قوله، (ثمَّ بَعثناكُم): أحييناكم، (مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ): بسبب الصاعقة، (لَعَلكُمْ تَشكرُونَ): نعمة البعث وكلام بعض السلف أن طلب الرؤية حين خرجوا لأجل التوبة من عبادة العجل، وكان قبل الأمر بالقتل وكلام بعض أخران هذا بعد القتل والله أعلم، (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ (١)): السحاب يظلهم من الشمس حين كانوا في التيه، (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ): الترنجبين أو عسلاً ألذ من عسلنا أو خبز الرقاق،
стр. 41
(وَالسَّلْوَى): طير هو السماني أو يشبه السماني، (كُلُوا من طَيِّبَاتِ)، أي: قلنا لهم كلوا من حلالات، (مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا)، يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا فحذف اختصارًا، (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ): بالكفران، (وَإِذ قُلْنا ادْخُلُوا) أمروا به بعد التيه، (هَذه القَرْيَةَ)، بيت المقدس أو أريحا، قيل هم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى، (فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا): واسعًا منصوب على المصدر، (وَادْخُلُوا البَابَ): القرية، (سُجَّدًا): منحنين كالركع تواضعًا أو ساجدين لله شكرًا، (وَقولُوا حِطَّةٌ)، أي: مسألتنا خطة، أي: حط عنا خطايانا، أمروا بالاستغفار كما صح عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: أي: مغفرة استغفروا، وقيل أقروا بالذنب، قال عكرمة: قولوا لا إله إلا الله، (نغفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ): بسجودكم ودعائكم وهو جواب الأمر، (وَسَنَزِيدُ الُمحْسِنِينَ): ثوابًا وإحسانًا، (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ): فقالوا حبة في شعرة، أو حنطة، وحاصله أنَّهم أمروا أن يدخلوا سجدًا فدخلوا يزحفون على أستاههم رافعي رءوسهم، وأمروا أن يستغفروا فاستهزءوا وهذا غاية العناد والمخالفة، ولهذا قال الله تعالى (فَأَنزَلنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ): عذابًا أو طاعونًا أو بردًا، (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون): بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى.
* * *
(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ
стр. 42
وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)
* * *
(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ)، أي: اذكروا نعمتي في إجابتي دعاء نبيكم في شأنكم لما عطشتم في التيه، (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ): حجر خفيف مربع قيل إذا ساروا حملوه على ثور فاستمسك الماء، وعند بعض أنه لم يكن حجرًا معينًا، بل يضرب أي حجر كان فينشق، (فانفجَرَتْ)، تقديره فضرب فانشقت، (مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ): كل سبط، (مَّشْرَبَهم): عينهم التي يشربون منها خاصة بهم، (كُلُوا وَاشْربوا)، أي: قلنا لهم ذلك، (مِن رِّزْقِ الله)، أي: ما رزقكم الله من المن والسلوى وماء العين، (وَلاَ تَعْثَوْا): لا تعتدوا، (فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ): حال إفسادكم، (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نصْبِرَ)، أي: اذكروا نعمتي في إنزال المن والسلوى طعامًا طيبًا نافعًا ثم اذكروا سؤالكم
استبدال الأطعمة الدنية بذلك، (عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ)، كانوا يأكلون المن بالسلوى
стр. 43
فيكون واحدًا أو أرادوا بالوحدة أنها لا تتبدل كما يقال طعام فلان واحد، أي لا يتغير ألوانه، (فادْعُ لَنَا رَبكَ): سله بدعائك لنا إياه، (يُخْرِجْ لَنَا): يظهر لنا مجزوم بجواب فادع، (مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا): من الخضروات ما لا ساق لها تفسير لما تنبت وقع موقع الحال، (وَقِثَّائِهَا)، هو معروف، (وَفومها)، هو الحنطة أو الثوم والعرب تقلب الفاء ثاء والثاء فاء، أو الخبز أو اسم لكل حب يؤكل، (وَعَدَسهَا وَبَصَلِهَا قَالَ): موسى، (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى): أخس، (بَالذِي هُوَ خَيْرٌ): المن والسلوى لنفعهما أو طعمهما وعدم الحاجة إلى السعي، (اهْبِطُوا مِصْرًا): مصرًا من الأمصار، أي: هذه الأشياء كثيرة في الأمصار لا حاجة إلى الدعاء أو مصر فرعون وجاز صرفه لسكون وسطه، (فإِنْ لَكُم): فيها، (مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ): كضرب القبة، (الذلةُ): الجزية فيكون المراد يهود وقعوا في عصر نبينا ﵊ أو الهوان، (وَالمسْكنَةُ): الفاقة أو فقر القلب ولم يزل عليهم أثر البؤس وإن كانوا ذوى مال، (وَبَاءوا)، أي: صاروا
стр. 44
أحقاء، (بعضَب مِّنَ اللهِ ذَلِكَ) أي: ما سبق من ضرب الذلة والبوء بالغضب، (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ): الكتب المنزلة كالإنجيل والقرآن
وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)
* * *
(إِنْ الذِينَ آمنوا)، أي: قبل البعث مثل " حبيب النجار " و " بحيرا الراهب " وغيرهما أو المؤمنين من الأمم الماضية أو المؤمنين من هذه الأمة أو المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم، (وَالذِينَ هَادُوا): دخلوا في دين اليهودية، (وَالنَّصارَى): أهل دين عيسى، (وَالصَّابِئِينَ): الخارجين من دين إلى دين قوم بين المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين، أو فرقة من أهل الكتاب أو عباد الملائكة أو قوم يوحدون الله ولا يتبعون نبيًّا، (مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعملَ صَالِحًا)، أي: من آمن إيمانًا معتدّا به فدخل فيه من استقر على دينه قبل النسخ كاليهود قبل بعثة عيسى والنصارى قبل بعثة نبينا عليهما الصلاة والسلام، أو معناه المنافقون واليهود والنصارى والصابئون من آمن بدين محمد ﵊، (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ): بوعده، (وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): في الآخرة حين الفزع الأكبر، (وَلاَ هُمْ يَحْزنونَ): على تفويت الثواب، و (مَن) مبتدأ و " فلهم أجرهم " خبره والجملة خبر إن، أو بدل بعض من اسم إن وخبرها، فلهم أجرهم، (وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقَكُمْ): باتباع أحكام التوراة ذكرهم ما أخذ عليهم من العهود، (وَرَفعنا فَوْقَكُمُ الطورَ)، لما نزل التوراة أبوا قبولها لما فيها من التكاليف فأمر جبريل بقلع جبل الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا،
стр. 47
(خُذُوا): قلنا لهم خذوا، (مَا آتيْنَاكُم): من الكتاب واعملوا به، (بِقُوَّة): بجد وطاعة، (وَاذْكروا مَا فيه): اقرءوا ولا تنسوه، (لَعَلكُمْ تَتَّقونَ): لكي تتقوا عن المعاصي، (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ): أعرضتم عن الوفاء بعد أخذ الميثاق، (فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكمْ وَرَحْمَته): بتوبته عليكم أو بتأخير العذاب، (لَكنتم مِّنَ الخاسِرِينَ): المغبونين الهالكين، (وَلَقَدْ عَلمتم)، حال، (الَّذِينَ اعْتَدَوْا): جاوزوا عن الحد، (مِنكُمْ في السَّبْتِ)، َ أمرناهم بالعبادة وترك صيد البحر فيه فخالفوا، (فَقلْنَا لَهمْ كونوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)، أي: نودوا يا أهل القرية كونوا قردة أو معناه بتكويننا إياهم، وليس ثم قول والمسخ صورى ومعنوي والخسء الصغار والطرد، (فجَعَلْنَاهَا): المسخة أو القردة أو القرية، (نَكَالاً): عبرة، (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا): لمعاصريهم أو لما بحضرتها من القرى أو لأهل تلك القرية أو لأجل ما تقدم
стр. 48
من ذنوبهم وهو قول كثير من السلف، (وَمَا خَلْفَهَا)، من بعدهم أو ما تباعد عنها أو ما حواليها أو لما تأخر من الذنوب، (وَمَوْعِظَةً): وزجرًا، (للْمُتَّقِينَ): الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى)، أي: اذكروا نعمتي في خرق العادة لكم، (لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأمُرُكُمْ أَدْ تَدبَحُوا بَقَرَةً)، وذلك أنه وجد قتيل فيهم وكانوا يطالبون بدمه فأمرهم الله بذبح بقرة وأن يضربوه ببعضها ليحيى ويخبر بقاتله، (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)، أي: مهزوءًا بنا أو نفس الهزؤ للمبالغة، (قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، فإن الهزؤ في مثل ذلك جهل، بل يوهم أن يكون كفرًا لأنه أخبر من الله، (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ): ما صفتها شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَة لاَّ فَارِضٌ): لا هرمة كبيرة، (وَلاَ بِكْرٌ)، لا صغيرة لم يلحقها الفحل، (عَوَانٌ): وسط، (بَيْنَ ذلِكَ): المذكور من الفارض والبكر، (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُون)، أي: تؤمرونه بمعنى تؤمرون به، (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا)، الفقوع خالص الصفرة وأشد ما يكون منها أو صافية اللون تكاد تبيض وفي إسناده إلى اللون وهو صفة صفراء فضل تأكيد كأنه قال صفراء شديد الصفرة صفرتها، (تَسُرُّ النَّاظِرِينَ): تعجبهم، (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ): أسائمة أم عاملة،
стр. 49
(إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا): لكثرة البقر الموصوف بالوصف المذكور، (وَإِنَّا إِن شَاءَ اللًّهُ لَمُهْتَدُونَ): إلى وصفها أو إليها إذا بينتها لنا، (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ): غير مذللة للعمل صفة بقرة، (تُثِيرُ الْأَرْضَ): تقلبها للزراعة صفة ذلول، (وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ)، لا مزيدة للتأكيد، (مُسَلَّمَةٌ)، عن العيب أو أخلص لونها قيل سلمها أهلها من العمل، (لَا شِيَةَ فِيهَا)، لونها واحد لا سواد فيها ولا بياض، (قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ)، بحقيقة وصف البقرة لنا، (فَذَبَحُوهَا)، أي: حصلوها فذبحوها، (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)، لتطويلهم وكثرة مراجعتهم كذا حاصل كلام ابن عباس رصى الله عنهما أو لغلائها فإنهم اشتروها بثمن كثير وصح عن عكرمة: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.
* * *
(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)
стр. 50
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)
* * *
(وَإِذ قَتَلْتُمْ نَفْسًا)، هذا أول القصة وإنما قدم البعض لاستقلاله بنوع آخر من مساوئهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك مسارعة الامتثال، (فَادَّارَأْتُمْ): اختلفتم واختصمتم، (فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنتُمْ تَكْتُمُونَ): مظهر لا محالة أمر القاتل، وإعمال مخرج لأنه حكاية مستقبل، (فَقلْنَا اضْرِبُوهُ)، أى: القتيل عطف على فادارأتم، (بِبَعضِهَا)، أي البقرة وفيه خلاف أنه كان
стр. 51
بعضًا معينًا أو لا وإن كان معينًا فأى عضو منها، (كَذَلِكَ يُحْييِ اللهُ الْمَوْتَى)، يدل على محذوف هو فضربوه فحيي، (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ): دلائل كمال قدرته، (لَعَلَّكُمْ تَعْقلُون): لكي تعلموا أن من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس، (ثم قَسَتْ): غلظت حتى لم تعتبر بالآيات، (قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْد ذَلكَ): جميع الآيات التي تقدم ذكرها أو إحياء القتيل وثم للاستبعاد، (فَهِيَ كَالْحجارَةِ): في صلابتها، (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً): منها كالحديد وأو للتخيير أي: من عرف حالها صدر عنه التشبيه بالحجارة، أو القول بأنها أشد أو شبهها بهذا أو ذاك أو بمعنى بل أو قلب بعضهم كالحجارة وبعضهم أشد يعني قلوبهم لا تخرج من أحد المثلين عطف على كالحجارة من غير حذف أي: قلوبهم أشد قسوة من الحجارة أو على حذف مضاف هو مثل أي مثل شيء أشد، (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ)، تعليل للأشدية، (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ)، أي: ولم يكن جاريًا، (وَإِن مِنْهَا لَما يَهْبِط). من رأس الجبل، (مِنْ خَشْيَةِ اللهِ)، وهل لمسلم أن ينكر
стр. 52
قدرة الله تعالى في خلق الخشية والتسبيح في الجمادات؟ نعم لمن يتبع الفلسفة أن يتحمل التمحل في أمثال ذلك والله تعالي بمحض فضله قد عصمنا منه، قال بعض السلف الأول كثرة البكاء والثاني (١) قلته والثالث بكاء القلب من غير دمع، (وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، وعيد على ذلك، (أَفَتَطْمَعُونَ)، أيها المؤمنون،
стр. 53
(أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ)، تحدث اليهود الإيمان لأجل دعوتكم، (وَقَدْ كَانَ فَرِيق مّنْهُمْ): طائفة من أسلافهم، (يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ)، هم السبعون الذين اختارهم موسى ﵇ وبعد ما رجعوا حرفوا كلام الله تعالى، أو المراد علماؤهم يحرفون التوراة، (ثمَّ يُحَرِّفونَهُ): يغيرونه، (مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ): فهموه، (وَهُمْ يَعْلَمُون) أنهم مفترون وإذا كان هذا حال علمائهم فما طمعكم بسفلتهم وجهالهم، (وَإِذَا لَقُوا)، أي: منافقو اليهود، (الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا): بأنكم على الحق ورسولكم مبشر في التوراة، (وَإِذا خَلا بَعْضُهمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا)، عاتب من لم ينافق على من نافق بقوله (أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ): في التوراة من صفة النبي ﵊، (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ): لتكون الحجة للمؤمنين عليكم في الدنيا والآخرة فيقولوا: كفرتم بما علمتم صدقه، (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، أي: أليس لكم عقل وهو من كلام رؤسائهم أو كلام الله تعالى، أي: لا تعقلون حالهم وأن لا مطمع في إيمانهم، قال مجاهد: قال النبي ﵇ ليهود قريظة: يا إخوان القردة والخنازير، فقالوا من أخبر بهذا محمدًا ما خرج
стр. 54
هذا إلا منا أفتحدثونهم بما أنزل الله عليكم من العذاب ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله والأول قول أكثر السلف ويمكن أن يكون هذا القول تخويف رؤسائهم جهلتهم ليردعوا عن إظهار ما في التوراة مع المؤمنين لا أنه من صميم القلب أو اعتقادهم أنَّهم مؤاخذون بما تكلموا به لا بما اعتقدوا وأسروا في أنفسهم ولهذا قال الله تعالى، (أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ)، من نعت رسول الله ﷺ ، (وَمَا يعلنون)، منه فالحجة عليهم ثابتة حدثوا به أو ما حدثوا وما يسرون من الكفر وما يظهرون من الإيمان، (وَمِنهُمْ): من اليهود، (أميون)، من لا يكتب ولا يقرأ، (لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ)، أي: لكن يعلمون الأكاذيب التي سمعوا من كبرائهم أو غير عارفين بالكتاب إلا أنَّهم يقرءون قراءة عارية عن معرفة المعنى وعلى هذا الاستثناء متصل وهذا لا ينافي كونهم أميين فإنهم مع كونهم لا يمكن لهم أن يقرءوا من الكتاب شيئًا يحفظون الكتاب أو يتمنون على الله تعالى كقولهم " لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات " (آل عمران: ٢٤)، و " لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا " الآية (البقرة: ١١١)، (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنّونَ)، قوم ليس لهم إلا ظن لا علم لهم أو يكذبون، (فَوَيْلٌ): هلاك أو واد في جهنم، (لِّلذِين
стр. 55
يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ)، هم أحبارهم حرفوا كتاب الله زادوا فيه ونقصوا، (ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا)، ليستبدلوا به رئاستهم وما يصل إليهم من سفلتهم، (فوَيْلٌ لهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ) من الكذب، (وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ): من السفلة أو مما يكسبون من المعاصي والأولى أن يكون ما مصدرية في مما كتبت ومما يكسبون، (وَقَالُوا)، أي: اليهود، (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً): قليلة سبعة أيام بكل ألف سنة من الدنيا يومًا أو أربعين يومًا لأن عبادة العجل كانت أربعين يومًا، (قُلْ): يا محمد ﷺ ، (أَتَّخَذْتُمْ)، همزة الاستفهام دخلت على ألف الوصل، (عندَ اللهِ عَهْدًا)، ميثاقًا بذلك، (فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ)، أي: إن اتخذتم عهدًا فهو لا يخلف الميثاق، (أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، أم معادلة للاستفهام، أي: أي الأمرين كائن أو منقطعة بمعنى بل، (بَلَى)، إثبات لما نفوه من خلود النار، (مَن كَسَبَ سَيِّئَةً)، أي: شركًا أو كبيرة، (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)، أي: صار كالشيء
وهو نفي بمعنى النهي مقدر بالقول أو تقديره أن لا تعبدوا، فلما حذف " أن " صار الفعل مرفوعًا فيكون بدلاً من الميثاق أو معمولاً له بحذف الجار، (إِلا اللهَ وَبِالْوَالدَيْنِ إِحْسَانًا)، تقديره تحسنون أو وأحسنوا بهما إحساناً، (وَذِي القُربى): القرابةَ، (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ): من لا يجد ما ينفق على نفسه وأهله، (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا): قولاً حسنًا وسماه حسنًا للمبالغة دخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ): بطريق فرض عليكم في ملتكم، (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) أعرضتم عن الميثاق وهو التفات سواء كان خطابًا مع الموجودين ومن قبلهم بالتغليب أو لا، (إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ): من ثبت على اليهودية قبل نسخها أو من أسلم، (وَأَنتُم معْرِضُونَ): قوم عادتكم الإعراض، (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ): في التوراة، (لاَ تَسْفكُونَ دِمَاءَكُمْ): بأن لا يقتل بعضكم بعضًا، (وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ): ولا يخرجه من منزله، (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ)، اعترفتم بلزوم الميثاق، (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ): على أنفسكم بذلك أو أنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم، (ثُمَّ)، للاستبعاد، (أَنتمْ هَؤُلاءِ)، أي: أنتم بعد ذلك
стр. 58
هؤلاء الناقضون فهو مبتدأ وخبر قيل أنتم يا هؤلاء، (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ)، الجملة حال والعامل معنى الإشارة أو بيان لهذه الجملة، (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم)، تتعاونون والجملة حال، (بالإثْمِ وَالْعُدْوَان) بالمعصية والظلم، (وَإِن يَأتوكمْ أُسَارَى): يطلبون الفداءَ، َ (تُفَادُوَهُمْ)، فديتموهم، كانت قريظة حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج فإذا اقتتلا عاون كل فريق حلفاءه في القتل وتخريب الديار وإجلاء أهلها وإذا أسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فنزلت، (وَهُوَ)، أي: الشأن، (مُحَرمٌ عَلَيْكُمْ إِخرَاجُهُمْ)، فاتصل بقوله وتخرجون فريقًا وما بينهما اعتراض أو هو مبهم وإخراجهم تفسيره، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتاب)، أي الفداء، (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)، أي: القتل والمظاهرة والإخراج، (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ): عذاب وهوان، (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): خزي قريظة كان القتل والسبي ولبني
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)
* * *
(وَلَقَدْ آتيْنَا مُوسَى الكِتَابَ): التوراة، (وَقَفيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرسُلِ): أرسلنا على أثره الرسل، (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ)، ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى وبعض أحكامه مخالف للتوراة والبينات إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام وإخباره بالغيب، (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)، أي: جبريل فإنه كان قرينه يسير معه حيث سار، أو الاسم الذي به يحيي الموتى، أو الإنجيل أو الروح الذي نفخ فيه، (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ) وسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به " وهو ولقد آتينا " توبيخًا لهم على تعقيبهم ذاك بها، (رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى): ما لا تحب، (أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ): عن اتباعه، (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ): كعيسى ومحمد عليهما
стр. 61
السلام، (وَفَرِيقًا تَقْتُلُون)، كزكريا ويحيى جاء بلفظ المضارع لحكاية الحال الماضية ولمراعاة الفواصل، (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ): أوعية للعلم لا يحتاج إلى علم آخر، أو عليها غشاوة، أو لا نفقه ما تقول كما في قوله تعالى: " وقالوا قلوبنا في أكنة "، (بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ) أي: ليس الأمر كما زعموا أن قلوبهم أوعية للعلم بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها بكفرهم أو قلوبهم لم تأب قبول الحق لخلل فيها بل لأن الله طبع عليها بالكفر، (فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُون)، أي: يؤمن منهم القليل فقليلاً حال، أو إيمانًا قليلاً وهو إيمانهم ببعض الكتاب، أو لا يؤمنون أصلاً لا كثيراً ولا قليلاً، (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ)، أي: القرآن، (مُصَدِّقٌ لما مَعَهُمْ): التوراة وجوابه محذوف دل عليه جواب لما الثانية، أو لما الثانية تكرار للأول فإن ما عرفوا والكتاب واحد والفاء للإشعار بأن مجيئه كان عقيب استفتاحهم به، (وَكَانُوا): اليهود والواو للحال، (مِن قبلُ): قبل نزوله، (يَسْتَفتحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا): يستنصرون على المشركين يقولون اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت في التوراة، (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا): من الحق، (كَفَرُوا بِهِ): بغيًا وحسدًا، (فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ)، ما نكرة مميزة لفاعل بئس المستتر فيه والفعل صفته، أي: بئس ما باعوا فإنهم باعوا ثوابها بالكفر، (أَن يَّكْفُرُوا)، هو المخصوص بالذم، (بِمَا أَنزَلَ اللهُ بَغْيًا)، أي: أن
стр. 62
يكفروا حسدًا، (أَن)، أي: لأن، (يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ): النبوة والكتاب، (عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، فإن كفرهم للحسد على أن النبوة في غيرهم، (فَبَاءُوا): رجعوا، (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ)، لكفرهم بمحمد - عليه الصلاة
стр. 63
والسلام -، أو القرآن بعد كفرهم بعيسى وتضييعهم التوراة والإنجيل، أو عبادتهم العجل وقوله بغضب ظرف لغو وعلى غضب صفة له، (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ)، فإن عذابهم للإهانة وعذاب العاصي للتطهير، (وَإِذَا قيلَ لَهم): لليهود، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ): القرآن، (قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا): َ التوراة، (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ): بما سواه أو بما بعده، (وَهُوَ)، أي: ما وراءه، (الحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ)، فإن القرآن مصدق للتوراة، (قُلْ): يا محمد إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان بالتوراة، (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وفعل آبائهم فعلهم مع أنهم رضوا به ثم يعد عليهم قبائحهم بقوله: (وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ): اليد والعصا وغيرهما، (ثمَّ اتَّخَذْتُمُ العجْلَ)، إلها، (مِنْ بَعْدهِ): بعد مجيئه رسولاً أو ذهابه إلى الطور، (وَأَنتمْ ظَالِمُونَ): قوم عادتكم الظلم، (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطورَ): قلنا لكم، (خُذُوا مَا آتيْنَاكُم): ما أمرتم به في التوراة، (بقُوَّةٍ): بجد، (وَاسْمَعُوا): أطيعوا، (قَالُوا سَمِعْنَا): قولك أو بالأذن، (وَعَصَيْنَا): أمرك أو بالقلوب وليس هذا بألسنتهم لكن لما سمعوا وتلقوه بالمعصية نسب إلى القول اتساعًا، (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ)، أي: أشربوا في قلوبهم حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم وفي كلام السلف: لما أحرق العجل برد بالمبرد ثم نسف في الماء فمن شرب وفي قلبه حب العجل اصفر لونه، (بِكُفْرِهِمْ)، فإنهم مجسمة فَأعْجِبوا العجل، (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): بالتوراة كما زعمتم فبئس ما أمركم به إيمانكم بها
стр. 64
والمخصوص بالذم محذوف أي: هذا الأمر وحاصله لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل يعني آباءهم، وأنتم لو كنتم مؤمنين ما كذبتم محمدًا ﵊، (قلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَة عِندَ اللهِ)، أي: في علم الله وحكمه، (خَالِصَةً)، أي: خاصة بكم كما تقولون: " لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا " الآية (البقرة: ١١١)، منصوب على الحال، (مِّن دُونِ الناسِ)، أي: الباقين، (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، أي: ادعوا بالموت على الكاذب من الفريقين، والمراد منه المباهلة كما صح عن ابن عباس رضى الله عنهما وغيره من السلف أو معناه فسلوا الموت لأن من أيقن أن مأواه الجنة حن إليها سيما إذا علم أنها لا يشاركه فيها غيره، (وَلَن يَتَمَنَّوْه أَبَدًا): للعلم بكذبهم، (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ): كتحريف التوراة وإضافته إلى اليد، لأن أكثر الجنايات باليد فأضيف إليها الأعمال وإن لم يكن لليد فيها مدخل، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ): تهديد، (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ)، أي: على نوع من الحياة وهو طول العمر لعلمهم بسوء عاقبتهم، (وَمِنَ الذِينَ أَشرَكوا)، عطف في المعنى على الناس، أي أحرص من الناس ومن الذين أشركوا، أو عطف على أحرص بتقدير وأحرص من الذين وهو عطف الخاص على العام أو اليهود أحرص منهم مع أن المشركين لا يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم إليها شديد، وزيادة حرص اليهود لعلمهم بأنهم صائرون إلى النار بخلاف المشركين، قيل:
وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)
* * *
(قُلْ مَن كَانَ عَدُوًا لِّجِبْرِيلَ فَإِنهُ نَزَّلَهُ)، أي: القرآن، (عَلَى قَلْبِكَ بإِذْنِ اللهِ): بأمره وجواب الشرط محذوف، أي: من كان عدوه فلا إنصاف له، فإنه نزله أو تقديره فهو عدو لي، فليعلم أنه نزله، أو فليمت غيظًا، (مُصَدِّقًا لِّما بَيْن يَدَيه): لما قبله من الكتب نزلت جوابًا لليهود إذ زعموا أن جبريل عدو لهم ولولا أنه ولي محمد ﵊ لآمنوا، (وَهُدًى وبشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)، رد عليهم حيث قالوا: إن جبريل ينزل بالحرب والشدة، فقال الله: إنه ينزل بهما على الكافرين وبهدى وبشرى للمؤمنين، (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ)، فيه تنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء فمن عادى أحدهم فقد عادى الجميع ووضع الظاهر أي: للكافرين موضع المضمر للدلالة على أن عداوة الله لهم لكفرهم وعداوتهم كفر وقيل الواو هاهنا بمعنى أو، (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)، نزلت في ابن صوريا حين قال:
стр. 67
يا محمد ما أنزل إليك آية بينة فنتبعك، (وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ)، المتجاوزون عن الحد، (أَوَ كُلمَا عَاهَدُوا عهدًا)، عطف على محذوف والهمزة للإنكار، أي: أكفروا بالآيات، وكلما عاهدوا نزلت حين ذكرهم نبينا ﵊ ما أخذ عليهم من الميثاق في شأنه قالوا: والله ما عهد إلينا ولا أخذ ميثاق في شأنك، (نَّبَذَهُ فَرِيقٌ منْهُمْ): نقضه وطرحه، (بَلْ أَكْثرُهمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)، رد لما يتوهم أن الفريق هم الأقلون، فإنهم بين ناقض عهد أو جاحد معاند، والمؤمنون أقلون، (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ منْ عِندِ اللهِ مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ)، كعيسى ومحمد ﵉، (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ)، أي: التوراة، فإنهم جحدوا ما فيها من صفة محمد ﵊، (وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)، كشيء يرمى وراء الظهر غير ملتفت إليه، (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ): ما فيها مع أنهم عالمون، (وَاتبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ)، عطف على نبذ، أي: تركوا كتاب الله واتبعوا كتب السحر التي تقرأها الشياطين وتحدثها، (على): عهد، (مُلْكِ سلَيْمَان)، أي: في زمانه وتعديته بعلى لتضمين الكذب فإن الشياطين كتبوا السحر ودفنوه تحت كرسيه ثم لما مات سليمان أو نزع منه ملكه استخرجوه (١)، وقالوا: تسلطه في الأرض لهذا السحر، فتعلموه، وبعضهم نفوا نبوته وقالوا: ما هو إلا ساحر فبرأه الله مما قالوا فقال: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ): عبر عن السحر بالكفر لتغليظه، (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)، إشارة إلى ما كتبوا من السحر، (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)، عطف على السحر أو على ما تتلوا، أي: يعلمونهم ما ألهما، (بِبَابِلَ)،
стр. 68
ظرف أو حال، وهو اسم موضع من الكوفة، (هَارُوتَ وَمَارُوتَ)، عطف بيان للملكين وعند بعض من السلف أن ما نافية، فيكون عطفًا على ما كفر، أي: ما كفر سليمان ولا أنزل على الملكين، أي جبريل وميكائيل، فإن سحرة اليهود زعموا أن السحر أنزل على لسانهما إلى سليمان فردهم الله وعلى هذا، فقوله: " ببابل " متعلق بـ (يُعَلِّمُونَ) وهاروت وماروت اسمان لرجلين صالحين ابتلاهما الله تعالي بالسحر وقعا بدل بعض من الشياطين، (وَمَا يُعَلِّمَان)، أي: الملكان، أو الرجلان،
стр. 69
(مِنْ أَحَدٍ)، أي: أحدًا، (حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ): ابتلاء واختبار، (فَلاَ تَكْفُرْ): بتعلمه وذلك لأن تعلمه للعمل كفر أو تعلم هذا النوع كفر لما فيه من الكفر فهذه نصحية منهما له، (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا)، ضمير الجمع لما دل عليه من
стр. 70
أحد، (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ): من السحر، (به): بسببه، (بَيْنَ المَرْء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم)، أي: السحرة، (بِضَارِّينَ بِهِ): بالسحر، (مِنْ أَحَدٍ): أحدًا، (إِلَّا بإذْنِ اللهِ): إرادته، (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ)، أي: نفعًا يوازي ضره، ومجمل قصتهما أن الملائكة طعنوا أهل الأرض فسادهم، فقال الله تعالى لهم: لو كنتم على طبعهم لكنتم مثلهم، فقالوا: نحن لا نعصي إلهنا، فاختار الله تعالى من بينهم ملكين من أعبدهم وركب فيهما الشهوة وأرسلهما إلى الأرض فعصيا فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا، فالآن هما معذبان إلى يوم القيامة والله يمتحن عباده بهما (١)، (وَلَقَدْ عَلِمُوا): اليهود، (لَمَنِ اشْتَرَاهُ): استبدل السحر بكتاب الله تعالى واللام لام الابتداء علقت علموا عن العمل، (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ): من نصيب، (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ)، أي: باعوا، (أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانوا يَعْلَمُون): حقيقة ما فعلوا، (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا): بمحمد ﵊، (وَاتَّقَوْا)، نبذ كتاب الله تعالى واتباع كتب الشياطين، (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ)، أي: لشيء من الثواب خير لهم، أو جواب لو محذوف وهو
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)
* * *
(يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعنا)، في الله تعالى المؤمنين عن أن يقولوا لنبيه ﷺ راعنا، أي: أرعنا سمعك، أي: اسمع منا وفي لمية المنع خلاف والمشهور أن لهذا اللفظ معنى قبيحًا بلغة اليهود وهم لما سمعوا هذا اللفظ من المسلمين يأتونه ويقولون راعنا ويضحكون سرًا، (وَقُولُوا انظُرْنَا)، أي: إلينا، (وَاسْمَعُوا)، ترك هذه اللفظة سماع قبول لا كاليهود قيل: إنه ﵇ إذا تكلم معهم قالوا: راعنا، أي: راقبنا وتأن بنا حتى نفهم، فمنعوا من تلك الكلمة وأمروا بـ انظرنا أي: انتظرنا، (وَلِلْكَافِرِينَ): الذين سبوا وتهاونوا رسلنا، (عَذَابٌ أَلِيمٌ) (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ)، هو مفعول يود، (مِنْ خَيْرٍ)، من للاستغراق، (مِنْ رَبِّكُمْ)، من للابتداء والخير هاهنا الوحي أو أعم بين تعالى شدة عداوتهم حسدًا للمؤمنين لئلا يغتروا بنفاقهم، (وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ): بنبونه أو أعم، (مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ
стр. 73
العَظيمِ)، فحرمان البعض ليس لضيق في الفضل، بل لحكم ومصالح، (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ): نبطل حكمها أو النسخ رفعها من القرآن، (أَوْ نُنسِهَا): نمحها عن القلوب ومن قرأ ننسأها أي: نؤخرها، أي: في اللوح المحفوظ أو نثبت قراءتها ونبدل حكمها فعلى هذا النسخ عكسه، (نَأْتِ بِخيْرٍ منهَا): أنفع للعباد في الدارين، (أَوْ مِثْلِهَا): في المنفعة نزلت حين قالوا: إن محمدًا ﷺ يأمر بشيء ثم يأمر بخلافه فما هذا إلا كلامه، (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): من النسخ والتبديل، (أَلَمْ تَعْلَمْ)، خطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وأمته بدليل " وما لكم "، (أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): يفعل ما يشاء فيهما من نسخ وتغيير، والآية وإن كانت خطابًا لرسول الله ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، لكن في الحقيقة رد وتكذيب لليهود لإنكارهم نسخ التوراة، (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ): وال يلي أمركم، (وَلَا نَصِيرٍ): ينصركم قيل الفرق بينهما أن الوالي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا، (أَمْ تُرِيدُون)، أي: ألم تعلموا أنه يأمر وينهى كما شاء أم تعلمون
стр. 74
وتقترحون في السؤال فأم معادلة للهمزة أو منقطعة، (أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ): محمدًا ﵊ فإنه رسول الله إلى الناس أجمعين، (كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ): أهل الكتاب قالوا ائتنا بكتاب نقرأه وفجر لنا أنهارًا نصدقك فأنزل الله تعالى، أو قريش سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، فقال رسول الله ﷺ : نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا، (وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمَانِ)، أي: يشترى الكفر به، (فَقَدْ ضَل سَوَاءَ السَّبيلِ): وسطه، أي: خرج عن الطريق المستقيم، (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)، كان من أحبارهم رجال جاهدوا في رد الناس عن الإسلام فأنزل الله تعالى، (لَوْ يَرُدونكُم)، لو
стр. 75
بمعنى أن، (مِّنْ بَعْدِ إِيمَانكُمْ كُفارًا)، حال من كم، أو مفعول ثان ليردون لتضمين معنى التصيير، (حَسَدًا) علة ود، (منْ عِندِ أَنفسهم)، أي: تمنوا من عند أنفسهم لا من قبل التدين أو معناه حسدًا مبالغًا منبعثًا من أصل نفوسهم، (مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَق): في التوراة، (فَاعْفُوا): عن مجازاتهم، (وَاصْفَحُوا)، وأعرضوا عنهم، (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ): بالقتال أو القتال والسبي والجلاء، أو إسلام بعض والباقي لبعض، (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ)، أي: اصبروا على المخالفة والجئوا إلى الله تعالى بالبر، (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ)، أي: ثوابه، (عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): فلا يضيع عمل عامل، (وَقَالُوا)، أي: أهل الكتاب، (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، وهذا لف بين قولي اليهود والنصارى ثقة بفهم السامع، (تِلْكَ)، إشارة إلى ألاَّ ينزل على المؤمنين خير أو أن يردوهم كفارًا وألا يدخل الجنة غيرهم، أو إشارة إلى الأخير بحذف المضاف أي أمثالها، (أَمَانِيُّهُمْ): التي تمنوها على الله تعالي باطلاً، (قُلْ هَاتُوا برْهَانَكُمْ): على