← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 29864

الكنز في القراءات العشر

أبو محمد الواسطي

Полный текст (711 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الجزء الأول المقدمة الحمد لله رب العالمين، منزل القرآن بلسان عربي مبين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن صحابته الغر الميامين الذين تلقوا هذا القرآن من فيه طريّا بأفصح بيان وأعلى إعجاز، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإن علم القراءات القرآنية ذروة العلوم وسنامها؛ إذ به يتلى كتاب الله المجيد، ومنه تعبق أفانين اللغة العربية نحوا وبلاغة وصرفا. فهو الخير الذي زفّه إلينا ﵊ بقوله: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). وقد ألف أعلام أمتنا الإسلامية كثيرا من أسفار هذا العلم الجليل بما جعلهم غرة التاريخ ومصابيح الدجى. وكانت مدينة واسط العراق عين الفيض العلمي التي انبجست عن كوكبة من العلماء الأفذاذ في هذا الشأن. فانساحوا انسياح الماء العذب في أرجاء المعمورة ولا سيما الفردوس المفقود:- بلاد الأندلس المسلمة- لينشروا علم القراءات المبارك، فأينعت تلك البقاع التي حلوا بها بعلماء حملوا راية علم الآباء والأجداد، لينقلوها أمانة إلى الأحفاد. فقد ترك لنا أولئك الأعلام مصنفات شتى في القراءات السبع والقراءات العشر وغيرها؛ ضمت بين جنباتها الثر الوفير من علوم اللغة العربية ولا سيما علم الأصوات اللغوية الذي أدهش- ما أبدع فيه علماؤنا- علماء الغرب في الدراسات الألسنية المعاصرة. والحق الذي لا مراء فيه، أن دارس العربية إن لم يطلع على القراءات القرآنية وما فيها من الظواهر الصوتية والنحوية غاب عنه الكثير من أسرار هذه اللغة المعطاء. ولا يخفى أن تحقيق المخطوطات ودراستها فن علمي جميل يحتاج إلى

стр. 2

جهد وصبر طويلين، يحببه لأهله ما يسيل من ثماره من جنى المنفعة والأجر. فكل مخطوط يستنشق نسمات التحقيق، يتشكل مصباحا منيرا للدارسين والباحثين. إذ لا يمكنهم الاستغناء في بحوثهم وتآليفهم عن المصادر المحققة التى كانت فيما سبق مخطوطات ناءت تحت غبار القرون السحيقة حتى هيأ الله تعالى لها من ينفض عنها تراب الزمن ويقدمها بحلة علمية قشيبة للأجيال. لكل هذه الأسباب انفتحت رغبة الباحث لتحقيق هذا المخطوط الموسوم ب (الكنز في القراءات العشر) لتاج الدين أبي محمد عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي المتوفى سنة ٧٤٠ هـ، وذلك بعد حصوله على نسختين منه، أولاهما: نسخة دار المخطوطات في صنعاء اليمن، وثانيتهما: نسخة جامع الزيتونة في تونس، اللتين سأفرد كلّا منهما بالحديث عنها في قسم الدراسة. إن العثور على نسختين كاملتين واضحتين من هذا المخطوط، مزيل للشك واللبس، دافع لتشمير ساعد الجد والمثابرة، وذلك بعد اطلاعي على كلتا النسختين والمقابلة بينهما بدقة وأناة؛ لأجل التحقيق والتوثيق لما ورد فيهما من مادة علمية، كانت مدار هذا البحث الذى بذلت فيه صباح مساء ما بوسعي من الجهد في تخريج القراءات، وترجمة الأعلام، والتعليق على المسائل اللغوية والنحوية؛ ليأتي عملي منقسما إلى قسمين: القسم الأول الخاص بالدراسة للمؤلف وكتابه الكنز، والقسم الثاني الخاص بالنص المحقق. وقد احتوى القسم الأول على فصلين هما: الفصل الأول المخصص لدراسة حياة المؤلف، والفصل الثاني الخاص بدراسة الكتاب. فالفصل الأول ضم ثلاثة مباحث: عرّفت في الأول منها باسم المؤلف ونسبه، وكنيته ولقبه، ثم ولادته ونشأته، ثم ثقافته ومكانته العلمية، وختمته بوفاته. وعرضت في المبحث الثاني شيوخه الذين أخذ العلم عنهم، وكذلك تلاميذه الذين أخذوا عنه. وسردت في المبحث الثالث مؤلفاته وآثاره العلمية.

стр. 3

أما الفصل الثاني فقد تألف من خمسة مباحث. خصصت المبحث الأول منها للتحقق من اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى مؤلفه. وعرضت في المبحث الثاني منهج الكتاب وأبرز سمات المؤلف فيه. وتكلمت في المبحث الثالث عن أهمية الكتاب بين غيره من كتب القراءات. وفي المبحث الرابع درست الظواهر والمسائل اللغوية والنحوية. وانتهى هذا الفصل بالمبحث الخامس الذي أوضحت فيه منهجي وخطواتي التي اتبعتها في الدراسة والتحقيق، إضافة إلى وصف نسختي المخطوط ومظان وجود نسخه الأخرى في مكتبات العالم. أما القسم الثاني من هذا البحث فقد خصصته لتحقيق متن الكتاب كاملا مضبوطا بالشكل والحركات حسب أقسامه الثلاثة التي ارتآها المؤلف. وكنت في هذا القسم قد وضعت الهوامش أسفل المتن، وضمنتها التعليلات والتوجيهات والتخريجات التي حاولت جهد الإمكان إيجازها كي لا يطول حجم البحث. إن عملي في تحقيق المخطوط ودراسته لم يخل من الصعوبات التي كان أهمها، الحصول على المصادر المطلوبة التي كانت في الذهن، ولا سيما تلك المصادر المحققة تحقيقا علميّا وفنيّا والتي لم تسمح الظروف بوصولها، لكن هذا لم يمنع من الاعتماد على المتوفر منها بغية إتمام هذا العمل. وقد كانت المصادر التي اعتمدتها منقسمة إلى عدة أقسام بحسب احتياج البحث إليها. فمنها ما هو في علوم القرآن الكريم، مثل كتب القراءات والتفسير، إضافة إلى كتب الحديث النبوي الشريف. ومنها ما هو علوم العربية وآدابها وهي الأعم الأغلب من المصادر. ومنها ما كان خاصّا بالتراجم التأريخية والمواقع البلدانية. وكان اعتمادي في تخريج القراءات فرشا وأصولا قائما بالدرجة الأولى على كتابي التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الداني والإرشاد في القراءات العشر لأبي العز القلانسي؛ لأنهما يشكلان خلاصة وقوام كتاب الكنز للواسطي. ومع هذين المصدرين، كان كتاب النشر في القراءات العشر لابن الجزري قد أخذ حصة موازية لهما في الاعتماد.

стр. 4

وتجدر الإشارة إلى أنني ركزت على ضبط النص وتخريجه بأمانة ودقة هما عماد فن التحقيق. ثم أوجزت البحث بخاتمة باللغة العربية احتوت على النتائج التي توصلت إليها مع أهم المقترحات التي أرجو أن يكتب الله تعالى لها التحقيق على أيدي الدارسين والباحثين. وأعقبت ذلك بخاتمة أيضا باللغة الإنجليزية لأجل تعريف الناطقين بغير العربية بهذا الكتاب. إنني بعد إنجاز هذا الجهد العلمي أحمد الله تعالى وأشكره حمدا وشكرا يوافيان نعمه ويكافئان مزيده على ما منّ به علىّ من جهد وصبر؛ حتى يأخذ هذا المخطوط طريقه إلى الظهور خدمة للقرآن الكريم ولغتنا السامقة المعطاء، وخدمة للعلم وأهله، داعيا العلي القدير جل في علاه أن يكتبه رحمة وثوابا في صحيفة أعمالي، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا أجمعين لخدمة دينه الحنيف. ولا يسعني في الختام إلا تقديم أطيب الشكر وأصدق الامتنان إلى أستاذنا الدكتور حاتم صالح الضامن؛ لإشرافه على عملي هذا، وكذلك إلى أخي الأستاذ الدكتور نوري ياسين الهيتي؛ لموافاته لي بالنسخة اليمانية من المخطوط. كما أشكر الإخوة الذين أسعفوني بتوجيهاتهم السديدة، داعيا الله تعالى للجميع بالحفظ والتوفيق. وأخيرا، فإني لا أدعي الكمال، فالكمال لله تعالى وحده، وحسبي أني توخيت بجهدي الخدمة والنفع للعلم وأهله. فإن كان ثم خلل أو نقص، فهما من سمات الجبلّة البشرية التي فطر الله عليها الناس أجمعين؛ وشفيعي ما قيل: (لو عورض كتاب سبعين مرة لوجد فيه خطأ؛ أبى الله تعالى أن يكون كتاب صحيح غير كتابه). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين الأنبار (حرسها الله) د. خالد المشهداني ١٥ شعبان ١٤٢٤ هـ- ١١/ ١٠/ ٢٠٠٣ م

стр. 5

القسم الأول: الدراسة . ويحتوي على فصلين: الفصل الأول: المؤلف الفصل الثاني: الكتاب

стр. 6

الفصل الأول - المؤلف- ويحتوي على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حياته (اسمه ونسبه، لقبه وكنيته، ولادته ونشأته، ثقافته ومكانته العلمية، وفاته) المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه. المبحث الثالث: مؤلفاته وآثاره

стр. 7

المبحث الأول حياته أ: اسمه ونسبه: اتفق الذين ترجموا للواسطي، مؤلف الكنز، على اسمه واسم أبيه، فهو: (عبد الله بن عبد المؤمن) (١). إلا أن الاسم المثبت تحت عنوان الكتاب كان: (زين الدين عبد المؤمن الواسطي) (٢). وإذا علمنا أن مخطوطة الأصل لم تكتب في حياة مؤلفه وإنما في عام ٧٩٤ هـ (٣) أي بعد وفاته بأربع وخمسين سنة وأن إجماع المصادر التي ترجمت للواسطي أثبتت أن كتاب (الكنز في القراءات العشر) هو لعبد الله بن عبد المؤمن وليس لزين الدين عبد المؤمن (٤)، وأن الوهم والتحريف من الطبائع البشرية المألوفة التي قد تطرأ على عمل النساخين، فضلا عن أن عنوان الكتاب واسم مؤلفه قد كتبا بخطّ مغاير، أيقنّا أنّ اسم مؤلف هذا الكتاب ليس كما أورده الناسخ وإنما هو كما أوردته المصادر التاريخية الموثوقة، إذ إن المعوّل في استنساخ اسم المؤلف على إجماع المصادر لا على عنوان المخطوط الذى هو عرضة للتحريف والذى لا معضّد له في النسخة الأخرى للمخطوطة التي حصلنا عليها من تونس لأنها خالية من اسم المؤلف. ومن الجدير

стр. 8

بالذكر أن الكتاب جاء منسوبا إلى مؤلفه عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي. أما اسم جدّ المؤلف فورد اختلاف فيه بين (الوجيه) فقط دون إضافة وبين (وجيه الدّين) بالإضافة. وقد اتفق أكثر المؤرخين على الأول، وانفرد صاحب هدية العارفين بالثاني (١) وهو من المتأخرين. وعلى الرغم من وروده عند الأكثرين غير مضاف فإنّ التّلقيب بالإضافة إلى الدين كانت شائعة عند القدامى كقولهم: علم الدّين أو جلال الدّين إلا أنهم كانوا يختصرون فيقولون: العلم أو الجلال لأجل التسهيل في ذكر الاسم أولا وبغية للشّهرة وتيمّنا بها ثانيا. ولكن يبقي السؤال قائما في الذهن، هل الوجيه هو اسم الجد أو لقب له، ذلك أن ابن الجزري تفرّد عن غيره بذكر الاسم الكامل للمؤلف هكذا: (عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه هبة الله) (٢) بينما ذكر السّلامي أنه: (عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه بن هبة الله) (٣). وذكر ابن حجر أنه: (عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه ابن عبد الله) (٤). فعلى قول ابن الجزري يكون الوجيه هو لقب الجدّ، والاسم الحقيقي هو هبة الله. وعلى قولي السّلامي وابن حجر يكون الوجيه هو الاسم الحقيقي للجد لا لقبه. والمهم في هذا المجال هو اسم المؤلف واسم أبيه وما يعضّد اسم المؤلف من كنية أو لقب اشتهر بهما عند المؤرخين. وقد مال القدامى والمحدثون إلى إثبات اسمه الكامل كما أورده ابن حجر كاملا حيث قال: (عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه بن عبد الله بن على ابن المبارك التّاجر الواسطيّ تاج الدين ويقال نجم الدين) (٥) وهو الاسم الذى

стр. 9

نطمئنّ إليه ونعتمده في هذا البحث. ب: لقبه وكنيته: عرف الواسطي بلقب نجم الدين وكذلك تاج الدين (١). واشتهر أيضا بلقب التّاجر (٢) لأن التجارة كانت مهنته التي يعتاش منها وربما كانت أحد الأسباب الداعية إلى كثرة أسفاره كما سنرى. أما كنيته التي اشتهر بها فهي أبو محمد وهي التي ذكرها الذين ترجموا لحياة الواسطي (٣). ج: ولادته ونشأته: أجمع المترجمون لحياة الواسطي على أن ولادته كانت سنة ٦٧١ هـ وقد حدّد ابن حجر ولادته فقال: (ولد سنة ٦٧١ في أوائلها بواسط) (٤). ومدينة واسط العراق التي ولد فيها المؤلف بناها الحجّاج بن يوسف الثّقفي (٥) سنة ٨٦ هـ وصارت مركزا علميّا مقصودا في العصر العباسي لما فيها من المدارس العلمية ودور الكتب مما جعلها محطّ أنظار العلماء والدارسين الذين نهلوا من مدارسها ومجالسها العلمية شتى أصناف العلوم ولا سيما علوم القرآن الكريم (٦). وعند احتلال التّتار بغداد عام ٦٥٦ هـ وقضائهم على الخلافة العباسية ساءت

стр. 10

أحوال العراق ومن ضمنه مدينة واسط التي نالها ما نال غيرها من اضطراب الحياة السياسية والاجتماعية حسبما أفاضت به كتب التاريخ (١). في هذه الأجواء المضطربة كانت ولادة الواسطي ثم نشأته وتلقّيه علم القراءات على شيوخ عصره الواسطيين. وكان يجمع مع علمه التقوى والصلاح والضبط لما يتلقّاه من العلوم حتى صار واحدا من شيوخ العلم المقصودين. د: ثقافته ومكانته العلمية: نهل الواسطي عند نشأته في واسط علم القراءات عن شيوخ هذا العلم في زمانه وهم: أحمد ومحمد ابني غزال، وأحمد بن المحروق، وعلىّ المعروف بخريم (٢). وكان يشير إلى أسماء هؤلاء الشيوخ الأربعة في سند كل قراءة تلقّاها عن طريق العراقيين (٣). وبعد تمكّنه العلمي أقرأ الناس بواسط ثم انتقل إلى بغداد ليصبح واحدا من القرّاء الذين تولّوا التدريس بدار القرآن في المدرسة المستنصرية فأخذ عنه القراءات العشر عبد المولي الكتبي والعزّ حسن العسكري وأخذ عنه القراءات السّبع محيى الدين العاقولي (٤). ومن الذين أخذوا عنه القراءات في بغداد أيضا أحمد بن الملقّن وإسماعيل النّسّاج ومحمد بن شنّان وعلىّ بن أحمد الدّوري وهو أكبر أصحابه في العراق (٥). لقد كان الواسطي تاجرا جوّالا يرتحل لتلقّي العلم. فضلا عن التجارة. في

стр. 11

البلدان. فارتحل إلى البصرة والبحرين وهرمز وجزيرة قيس ومكة والشام (١). وهو في رحلاته هذه كان يلتقي بالعلماء فيأخذ العلم عنهم ويأخذونه عنه. فقد أخذ قسطا وافرا من علم النحو بالبصرة على يد شيخها ابن المعلّم وألّف في هذا العلم كتابا (٢). وفي البصرة أيضا أخذ عن الواسطي القراءات العشر شيخها أحمد بن عبد الرحمن وغيره (٣). وفي جزيرة قيس أخذ عنه علم القراءات شيخها محمد البردبستاني وغيره (٤). وعند ما نزل الواسطي في دمشق الشام نحو سنة ٧٣٠ هـ التقى حافظ العصر وعلّامته آنذاك شمس الدين الذّهبي ليأخذ كلّ منهما عن الآخر علم القراءات حيث صرّح الذهبي نفسه بذلك (٥). وحدّث هناك وسمع منه الحافظ البرزالي وذكره في معجمه (٦). وفي دمشق أيضا التفّ حوله الكثير من شيوخها ليأخذوا عنه القراءات العشر وهم: أبو العباس المنبجي المعروف بابن الطّحّان وأحمد بن محمد المعروف بسبط السّلعوس ومجد الدين بن قيصر المارديني ومحمد بن اللّبّان وابن رافع السّلامي الذى أخذ عنه القراءات السبع وغيرهم. ومن المآثر الحميدة لهذا العلم اللّامع التي زادته رفعة في بلاد الشام تلك المأثرة الحميدة التي خلّدها ابن الجزري قائلا: (ولما قدم الشيخ أبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي دمشق في حدود سنة ثلاثين وسبعمائة وأقرأ بها للعشر بمضمن كتابيه الكنز والكفاية وغير ذلك بلغنا أنّ بعض مقرئي دمشق ممن كان لا يعرف سوى الشّاطبية والتّيسير حسده وقصد منعه من بعض القضاة فكتب علماء ذلك العصر وأئمته ولم يختلفوا في جواز ذلك واتفقوا على أن قراءات هؤلاء

стр. 12

العشرة واحدة وإنما اختلفوا في إطلاق الشاذ على ما عدا هؤلاء العشرة) (١) فأهل الشام كانوا يجهلون صحة القراءات الثلاث الزائدة على السبع قبل مجيء الواسطي إليهم فكان إقراؤه للعشر هناك فتحا علميّا رائعا رسخ فيما بعده عند علماء هذا الشأن. وهكذا نجد الواسطي قد أشاد منارات شامخات لعلم القراءات تعالى نورها في آفاق الأقطار ليدلّ بها على نجمه المتألق حيث تطلّعت إليه أنظار العلماء والدارسين في أرجاء المعمورة. إنّ شغف الواسطي بالعلم وأهله جعله لا ينزل بلدا إلا ليشدّ الرّحال منه إلى آخر ليرتشف منه الختمات والقراءات ولذا نجده يرحل إلى مصر ليسمع صحيح مسلم على أبي الحسن على بن عمر الوائيّ ويأخذ عن أبي النّون يونس بن إبراهيم الدّبابيسي شيئا من معجمه الكبير ثم يلتقي بتقيّ الدين محمد بن الصّائغ ليأخذ عنه علم القراءات حيث قرأ عليه ختمة جمع فيها بعدّة كتب في سبعة عشر يوما (٢). وبعد تلقّيه العلم عن هؤلاء هرع إليه طلاب العلم وشيوخه في أرض الكنانة ليأخذوا عنه القراءات العشر وكان منهم: إسماعيل بن يوسف المعروف بالمجد الكفتي والبدر النابلسي الذى أخذ عنه أيضا إرشاد القلانسيّ (٣). إن المكانة العلمية التي تبوّأها الواسطي جعلت صيته يطير في الآفاق بحيث أشادت بعلوّ مقامه أقوال العلماء الذين عاصروه. فقد ذكر ابن حجر في ترجمته: (قال الذّهبيّ: قدم علينا فرأيته من علماء هذا الشأن واشتهر اسمه وكان بصيرا بالقراءات) (٤). وذكر أيضا: (وقال العفيف المطري: أجمع على تقدّمه في

стр. 13

زمانه) (١). أما ابن الجزري فقد نعته بالأستاذ العارف المحقّق الثقة المشهور وأنه كان شيخ العراق في زمانه: وبعد أن أفاض في سرد سيرته العلمية قال: (وكان ديّنا خيّرا صالحا ضابطا اعتنى بهذا الشأن أتمّ عناية وقرأ بما لم يقرأ به غيره في زمانه فلو قرئ عليه بما قرأ أو على صاحبه الشيخ على الدّيواني الواسطي لاتّصلت أكثر الكتب المنقطعة ولكن قصور الهمم أوجب العدم فلا قوّة إلا بالله وليتهم لو أدركوا ما بقي من اليسير من ذلك قبل أن يطلبوه فلا يجدوه) (٢). إنّ كلام ابن الجزري وتأسّفه ينبئان عن حرقته على كسل الناس الذين لم يهتبلوا فرصة وجود الواسطي بين ظهرانيهم لوصل أسانيد كتب القراءات المنقطعة في بعض طرقها وأسانيدها التي كان هذا العلم ابن بجدتها. إنّ شهادات العلماء بحق الواسطي تترسّخ أكثر في أذهان الدارسين عند الاطلاع على مؤلّفه الكنز الذي كان بحقّ شهادة صدق مضافة إلى ما بيّنّاه عن مكانته العلمية. فهذا المؤلّف جاء سفرا لا شبيه له بين كتب القراءات العشر وهو مصدر اعتمد عليه المؤلفون في هذا المجال وشهد بحقه وأهميته العلماء. وفاته: ذكر ابن الجزرى وفاة الواسطي فقال: (توفّي ﵀ ببغداد في العشرين من شوال أو القعدة سنة أربعين وسبعمائة ودفن بمقبرة الشّونيزيّة وشيّعه خلق كثير ولم يخلّف بعده بالعراق مثله) (٣). وذكر في النشر أيضا أن وفاة الواسطي كانت سنة ٧٤٠ هـ (٤). وقال ابن حجر نقلا عن العفيف المطري (ومات في شوال سنة ٧٤١ هـ وقال

стр. 14

غيره سنة ٤٠ وفيها أرّخه ابن رافع في ذى القعدة) (١). وذكر كل من إسماعيل باشا البغدادي وحاجي خليفة أن الواسطي توفي سنة ٧٤٠ هـ (٢). وفي هذه السنة أثبت المعاصرون أيضا وفاته (٣). يظهر مما سبق أن اتّفاق المصادر قائم على أن وفاة الواسطي كانت سنة ٧٤٠ هـ ولا عبرة بما ورد في تاريخ السّلامي من أنها كانت سنة ٧٠٤ هـ حيث قال: (وتوفى في ذى القعدة سنة ٧٠٤ هـ/ ١٣٠٥ م في أوائل الشهر ببغداد) (٤). فهذا المثبت في تاريخ السّلامي ربما كان تحريفا من الناسخ. وأدلّتنا على أن الواسطي توفى سنة ٧٢٠ هـ وليس سنة ٧٠٤ هـ ما يأتي: ١ - ذكر ابن حجر أن الواسطي أدّى فريضة الحج سنة ٧٢٠ هـ (٥) وأنه كانت له سماعات على شيوخه الواسطيين سنة ٧٢٦ هـ (٦) وهي نفس السّماعات التي ذكرها السّلامي وأوردها بلا تأريخ (٧). ٢ - إنّ الواسطي قدم دمشق في حدود سنة ٧٣٠ هـ فأقرأ بها للعشرة (٨) وذلك في رحلته المشهورة التى عرّف بها أهل الشام بالقراءات العشر. ٣ - التقى الواسطي بالحافظ الذهبي (٩) كما أسلفنا وأخذ كلّ منهما عن الآخر وكان ذلك بعد سنة ٧٣٠ هـ. إنّ كل هذه الأحداث المذكورة وقعت بعد سنة ٧٠٤ هـ. ولا يعقل أبدا أن وفاة الواسطي كانت في هذه السنة لأنها لو كانت كذلك لما ثبتت هذه الروايات في كتب التاريخ التي ترجمت حياة الواسطي.

стр. 15

المبحث الثاني شيوخه وتلاميذه أ: شيوخه: أخذ الواسطي علم القراءات وغيره عن عدة شيوخ منهم من كان في موطنه واسط ومنهم من كان في بلدان أخر ارتحل إليها للعلم والتجارة وقد ذكر أسماء قسم منهم في أسانيد القراءات التي أثبتها في الكنز، وهؤلاء الشيوخ هم: ١ - أحمد بن غزال بن مظفّر بن يوسف بن قيس الواسطي الملقّب بنجم الدين والمكنى بأبي العبّاس، أخو الشيخ محمد بن غزال. قرأ على الشريف أبي البدر محمد بن عمر الدّاعي والمرجّى بن أبي الحسن بن شقيرة وقرأ عليه بالعشر في واسط عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي. ولد سنة ٦٢٧ هـ وتوفي بواسط صبيحة الأحد الخامس من رجب سنة ٧٠٧ هـ (١). ٢ - أحمد بن محمد بن أحمد بن المحروق الواسطي الملقّب بعماد الدين والمكنى بأبي العباس. قرأ على الشّريف محمد بن عمر الدّاعي وروى الشّاطبية عن عبد الصّمد بن أبي الجيش. وقرأ عليه بالعشر في واسط عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي. توفي يوم الجمعة الثامن عشر من ذى الحجة سنة ٧٠٦ هـ في بغداد ودفن بمقبرة الشّونيزي (٢). ٣ - علىّ بن عبد الكريم بن أبي بكر الواسطي الملقّب بعفيف الدين والمكنّى بأبي

стр. 16

الحسن ويعرف بخريم. قرأ على عمر بن عبد الواحد العطّار وقرأ عليه نجم الدين عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي بواسط إلى آخر الأنفال توفي بواسط في ذى الحجة سنة ٦٨٩ هـ (١). ٤ - عليّ بن عمر الواني المكنى بأبي الحسن، سمع عليه الواسطي من صحيح مسلم وذلك عند سفره إلى القاهرة (٢). ٥ - محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز المشهور بالحافظ الذّهبيّ، شمس الدين أبو عبد الله المقرئ المحدّث المؤرخ صاحب التآليف المشهورة. ذكر السّلامي أنه قال عن الواسطي: (قدم علينا كهلا وأخذت عنه) (٣) وذكر ابن حجر: (وقال الذّهبي: أخذ عني وأخذت عنه) (٤) يتبيّن من هذين النصّين أن الذهبي والواسطي أخذ كل منهما عن الآخر وعلى هذا يكون كل منهما شيخ الثاني وتلميذه، ولذا فقد آثرنا إثبات ترجمة الحافظ الذّهبي مع شيوخ الواسطي هنا وكذلك مع تلاميذه. ولد الذهبي سنة ٦٧٣ هـ وتوفي في ذي القعدة سنة ٧٤٨ هـ بدمشق (٥). ٦ - محمد بن أحمد بن عبد الخالق الشّافعيّ المصري الملقب بتقيّ الدين والمكنى بأبي عبد الله ويعرف بابن الصّائغ. أخذ القراءات عن أبي الحسن علي بن شجاع الضّرير وغيره وقرأ عليه بمصر الواسطي ختمة بمضمن عدة كتب في سبعة عشر يوما (٦). أقرأ بالمدرسة الطّيبرسيّة بمصر وتوفي في الثامن عشر من صفر سنة ٧٢٥ هـ (٧).

стр. 17

٧ - محمد بن غزال بن مظفّر بن يوسف بن قيس الواسطي الملقب بشمس الدين والمكنى بأبي عبد الله شيخ واسطيّ ولد في الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة ٦٢٤ هـ. وقرأ العشر على المنتجب بن مصدّق والمرجّى بن شقيرة والشريف أبي البدر. تلا عليه الواسطي العشر بواسط. توفي بواسط ليلة الخميس رابع ذى الحجة سنة ٦٩٥ هـ. ٨ - ابن المعلّم (١): ذكره ابن حجر بهذه الكنية فقط ولم يصرّح باسمه عند ترجمته لحياة الواسطي حيث قال: (وقرأ النحو على ابن المعلّم بالبصرة) (٢). ٩ - يونس بن إبراهيم بن عبد القوي بن قاسم بن داود الكتّانيّ العسقلاني الدّبابيسي. يلقب بفتح الدين ويكنى بأبي النّون. سمع منه الواسطي شيئا من معجمه الكبير (٣). أهم آثاره: المعجم الكبير. كانت ولادته سنة ٦٣٥ هـ ووفاته سنة ٧٢٩ هـ (٤). ب: تلاميذه: أحاط الواسطي بالقراءات سعة وعلما وقصده طلاب هذا العلم فأخذوه عنه. وهؤلاء الطلاب أثبتناهم هجائيّا بالآتي: ١ - أحمد بن إبراهيم بن داود (٥) بن محمد المكنى بأبي العبّاس والمعروف بابن

стр. 18

الطّحّان المنبجي. قرأ السبع على أحمد بن نحلة سبط السّلعوس وقرأ العشر على الواسطي في دمشق وولي مشيخة دار الحديث الأشرفيّة فيها، ولد سنة اثنتين وسبعمائة وتوفي ليلة الثلاثاء سادس عشر من صفر سنة ٧٨٢ هـ (١). ٢ - أحمد بن رجب بن الحسن السّلامي الحنبلي البغدادي المكنى بأبي العبّاس نزيل دمشق. قرأ السبع على الواسطي وسمع منه العشر بمضمن كتابيه الكنز والكفاية. توفي ثاني ربيع الآخر سنة ٧٧٥ هـ بدمشق ودفن بمقابر الصّوفيّة (٢). ٣ - أحمد بن عبد الرحمن: شيخ البصرة ومقرئها. ذكر كلّ من السّلامي وابن الجزري أنه قرأ بالعشر على الواسطي بالبصرة (٣). ٤ - أحمد بن على الملقّن: أخذ القراءات في العراق عن الواسطي. ذكر ذلك ابن الجزري (٤) ٥ - أحمد بن محمد السّبتي المكنى بأبي العبّاس: أخذ القراءات عن الواسطي في دمشق حسبما ذكر عنه ابن الجزري (٥). ٦ - أحمد بن محمد بن يحيي بن نحلة النّابلسي الدمشقي المكنى بأبي العبّاس المعروف بسبط السّلعوس. مقرئ الجامع الأموي. تلقّى القراءات العشر على يد الواسطي في دمشق. ولد سنة ٦٨٧ هـ وتوفي في رجب سنة ٧٣٢ هـ بدمشق (٦). ٧ - إسماعيل بن محمد بن قيصر البغدادي المارديني الملقب بمجد الدين. شيخ الإقراء بماردين. قرأ العشر على الواسطي بدمشق (٧). ٨ - إسماعيل النّسّاج: أخذ القراءات عن الواسطي في العراق كما ذكر ابن

стр. 19

الجزري (١). ٩ - إسماعيل بن يوسف بن محمد بن يونس المصري المعروف بالمجد الكفتي قرأ العشر على الواسطي بمصر. توفي بالقاهرة سنة ٧٦٤ هـ (٢). ١٠ - الحسن بن محمد بن صالح بن محمد بن محمد بن عبد المحسن بن على ابن المجاور بن عبد الله القرشيّ المطّلبي النّابلسي الحنبلي الملقب ببدر الدين. قرأ العشر بمصر على الواسطي وكذلك قرأ عليه إرشاد القلانسي وأخبر بنفسه عن ذلك (٣). وكانت ولادته في أول القرن الثامن الهجري وتخرّج على أبي حيّان وتوفي سنة ٧٧٢ هـ. أهم مصنفاته: شرح اللّمحة البدريّة، والبرق الوميض في العيادة والمريض، وشمعة الأبرار ونزهة الأبصار (٤). ١١ - الحسن العسكريّ الملقب بالعزّ. إمام المدرسة المستنصرية ببغداد وفيها تلا بالعشر على الواسطي (٥). ١٢ - عبد العزيز بن يوسف السّراج البغدادي. قرأ العشر على الواسطي بالعراق كما ذكر ابن الجزري (٦). ١٣ - عبد المولي الكتبي الواسطي. تلا بالعشر على الواسطي في المدرسة المستنصرية (٧). ١٤ - علىّ بن أحمد الدّوري المكنى بأبي الحسن. مقرئ بغداد وصاحب الواسطي وهو أكبر أصحابه بالعراق وقرأ عليه بالروايات الكثيرة (٨).

стр. 20

١٥ - عمر الأرجّي الضّرير: أخذ عن الواسطي علم القراءات في العراق كما ذكر عنه ابن الجزري (١). ١٦ - القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الإشبيليّ الأصل الدّمشقي الشّافعي الملقب بعلم الدين والمكنى بأبي محمد. محدّث وحافظ ومؤرخ وفقيه. سمع الحديث من الواسطي في دمشق وذكره في معجمه كما سمع منه الإرشاد للقلانسي. ولد بدمشق في جمادي الأولى سنة ٦٦٥ هـ وتوفي ذاهبا إلى مكة بموضع خليص في الرابع من ذى الحجة سنة ٧٣٩ هـ (٢). ١٧ - محمد بن أبي بكر بن محمد الأعزازي الصّالحي الملقب بصلاح الدين والمكنى بأبي بكر. قرأ بالعشر على الواسطي بمضمن كتابيه الكنز والكفاية وسمعهما منه. توفي سنة ٧٨٤ هـ (٣). ١٨ - محمد بن أحمد الحافظ شمس الدين الذّهبي. وقد أسلفنا الكلام عنه مع شيوخ الواسطي. ١٩ - محمد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن جامع بن اللّبّان الدّمشقي المكنى بأبي المعالي. قرأ العشر بمضمن الكنز على الواسطي بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. ولي مشيخة الإقراء بدار الأشرفيّة وبجامع التّوبة وبالجامع الأموي وأخيرا بتربة أم الصّالح بدمشق. كانت ولادته سنة ٧١٥ هـ ووفاته ليلة الجمعة ثاني ربيع الأول سنة ٧٧٦ هـ ودفن خارج باب الفراديس (٤). ٢٠ - محمد بن رافع بن أبي محمد هجرس بن محمد بن شافع السّلاميّ الصّميدعيّ المصري الملقب بتقيّ الدين المكنى بأبي المعالي المشهور بابن رافع

стр. 21

السّلامي صاحب (منتخب المختار). ولد بمصر في ذي القعدة سنة ٧٠٤ هـ ونشأ فيها. حدّث عن الواسطي بالإجازة وقال عند ترجمته له: (أجاز لي ما يرويه) (١). ولم نجد له تلمذة على الواسطي إلا عن هذا الطريق. توفي يوم الثلاثاء الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ٧٧٤ هـ بالمدرسة الشّاميّة ظاهر دمشق ودفن بمقابر الصوفية قريبا من الحافظ ابن الصّلاح (٢). ٢١ - محمد بن شاه التسترىّ: ذكر ابن الجزري أنه قرأ على الواسطي علم القراءات في العراق (٣). ٢٢ - محمد بن شنّان: ذكره السّلامي وقال إنه تلا بالعشر على الواسطي في بغداد (٤). ٢٣ - محمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ اللّخمي الواسطي الملقب بمحيي الدين والمكنى بأبي الفضل المعروف بابن العاقولي. يرجع نسبه إلى الإمام أبي حنيفة. تلا بالسبع في بغداد على الواسطي ودرّس بالمستنصريّة والنّظاميّة. ولد في محرم سنة ٧٠٤ هـ وتوفي ببغداد يوم الثلاثاء الرابع عشر من رمضان سنة ٧٦٨ هـ ودفن في دار القرآن الجمّاليّة العاقولية بدرب الخبّازين (٥). ٢٤ - محمد بن عليّ بن عبد الله اليمني الملقب بشمس الدين والمكنى بأبي القاسم. أقام بمصر ثم نزح إلى الشام وأخذ القراءات عن الواسطي في دمشق (٦). كان فقيها أصوليّا له مؤلفات. توفي سنة ٧٧٦ هـ وقيل: ٧٧٩ هـ (٧).

стр. 22

المبحث الثالث مؤلفاته من خلال الاطلاع على حياة الواسطي يجد الباحث قلّة الكتب والتآليف التي ذكرها المؤرخون له. حيث لم تتجاوز العشرة كما سنرى. والذى يطّلع على الكنز يؤمن قطعا أن مؤلّفه كان ذا علمية واسعة وحمّال علم غزير ليس عند الناس مثله في زمانه. يؤيد هذا أقوال العلماء بحق الواسطي مما أسلفنا سابقا عن ابن الجزري وابن حجر والسلامي. وأن هذه النصوص الشّاهدة على علم الواسطي تدفعنا إلى القول بكثرة مؤلّفاته العلمية التي لم يصلنا منها إلا القليل بسبب الآتي: ١ - إنّ عدم وصول هذه المؤلفات كان بسبب الفتن والمحن التي اجتاحت العالم الإسلامي آنذاك وأتت على تآليف العلماء فبدّدت وطمست الكثير منها والواسطي كان واحدا منهم فأصاب مؤلّفاته ما أصاب. ٢ - إنّ العلماء المنسوبين إلى واسط كثيرون. وكثير منهم اختصّ وكتب في علوم القرآن وبالذات القراءات القرآنية وهذه الكثرة رافقتها المماثلة الموجودة في الأسماء والكني والألقاب الخاصة بالمؤلفين الواسطيين الأمر الذى أدّي إلى الخلط في نسبة الكتب إلى أصحابها. وهذه الظاهرة- أعني التشابه- أدّت إلى الخلط في نسبة الكثير من الكتب إلى مؤلفيها الحقيقيين ولذلك نجد بين زمن وآخر من يقوم من الباحثين الغيارى بعبء كبير لأجل تصحيح نسبة كتاب ما إلى مؤلّفه. لقد وجد الباحث بعد طول البحث والاستقصاء أنّ مؤلّفات الواسطي تتمثل بالآتي: ١ - تحفة الإخوان في مآرب القرآن: ذكره بهذا الاسم ابن حجر قائلا: (وصنّف

стр. 23

تحفة الإخوان في مآرب القرآن) (١). ولم نجد له ذكرا بهذا الاسم عند المتقدمين. وذكره من المعاصرين الشّوّاخ باسم (تحفة الإخوان) فقط (٢). لكنه عند إحالته إلى المصادر ذكر منها معجم المؤلفين لكحّالة ٦/ ٧٩ وهديّة العارفين للبغدادي ١/ ٤٦٤ وعند رجوعنا إلى هذين المصدرين لم نجد كتابا بهذا الاسم ويحتمل أن الشّوّاخ ظن أن (تحفة الإخوان) هو نفسه (تحفة البررة) المذكور في المصدرين السابقين. والحقيقة غير ذلك لأن (تحفة البررة) هو الكتاب المنثور على (الكفاية) بينما (تحفة الإخوان) كتاب منظوم أوله بعد البسملة: بدأت بحمد الله إذ كان أجدرا ... إلها عظيما قادرا متكبّرا وآخره هذا البيت: وصلّ على خير البريّة أحمد ... وعترته ثمّ الصّحابة واكثرا (٣) إضافة إلى هذا فإنّ السّلامي ذكر أن للواسطي قصيدتين فقال: (ورأيت من نظمه قصيدتين) (٤) فيحتمل أن تينك القصيدتين هما (الكفاية) التي نظم فيها كتاب الكنز- موضع دراستنا- على وزن الشاطبية ورويّها (٥) و (تحفة الإخوان) لأنهما و (روضة الأزهار) هن المأثورات نظما. وقد أثبت الزّركلي أيضا للواسطي هذا الكتاب بنفس الاسم الذى أوردناه (٦) وهذا الكتاب لا يزال مخطوطا بمائة وخمسين ورقة محفوظا بمكتبة جامعة الملك سعود تحت رقم ٢٤٨٤/ ٩/ م (٧). ٢ - تحفة البررة في نثر الكفاية المحرّرة في القراءات العشر: هكذا أورده حاجي خليفة في حقل الكتب التي تبدأ بحرف التاء (٨) ثم عاد فأدرجه في حقل الكتب

стр. 24

التي تبدأ بحرف الكاف بعد أن ذكر (الكفاية) فقال: (وفي العشر نظم اسمه تحفة البررة في القراءات العشرة) (١) وذكر أنه (على وزن الشاطبية ورويّها) (٢) ويبدو أنه خلط بين (الكفاية) و (تحفة البررة) حيث يفهم من كلامه أن (التّحفة) كان نظما وضعه الواسطي على وزن الشاطبية ورويّها بينما الذي جاء في المصادر أن المنظوم هكذا هو كتاب (الكفاية) السابق الذكر. أما (تحفة البررة) فهو النثر على كتاب (الكفاية). قال البغدادي (له تحفة البررة في نثر الكفاية المحررة في القراءات العشرة) (٣). وهذا الكتاب لم نجد له حضورا بين المخطوطات والمطبوعات مع طول البحث والتنقير. ٣ - روضة الأزهار في قراءات العشرة أئمّة الأمصار) وهو نظم لكتاب (الإرشاد) للقلانسي مضافا إليه كتاب (الإدغام الكبير) لأبي عمرو. وقد ألّفه قبل كتاب (الكنز). قال ابن الجزري بعد أن ذكر تآليف الواسطي لكتاب (الكنز) ما نصّه: (وكان قد نظم قبل ذلك كتاب الإرشاد وسمّاه روضة الأزهار) (٤) وذكر ابن حجر: (ونظم الإرشاد) للقلانسي وزاد عليه الإدغام الكبير لأبي عمرو وسمّاه روضة الأزهار في قراءات العشرة أئمّة الأمصار وهو ألف ومائة وثلاثة وخمسون بيتا) (٥). وهذا الكتاب كسابقه لم نعثر عليه مخطوطا أو مطبوعا. ٤. الكفاية في القراءات العشرة: وهو منظوم شعرى نظم فيه كتاب (الكنز) على وزن الشاطبية ورويّها. وهذا هو العنوان الذى أجمع عليه المؤرخون عدا ابن السلامي الذى ذهب إلى أن اسمه (الغاية) (٦). وهذا الخلاف في اسم الكتاب يقتضي تحرير محل النزاع لإثبات الاسم

стр. 25

الصحيح فنقول: قد ذكر ابن حجر هذا الكتاب عند ترجمته حياة الواسطي فقال: (ثم دخل القاهرة فقرأ بمصر على التقي الصائغ ختمة بعدة كتب في سبعة عشر يوما، وذكر ذلك الذهبي في طبقات القرّاء فقال: وله كتاب نفيس في القراءات العشر قلت: اسمه الكفاية ونظمها وقد أثني عليه البرهان الجعبري وهو أكبر منه) (١). وذكر ابن حجر أيضا أن الواسطي نظم (الكنز) في قصيدة لاميّة سمّاها (الكفاية) عدّتها ألف ومائتان وثلاثة وسبعون بيتا) (٢) وممن ذكر الكتاب بهذا الاسم ابن الجزري حيث قال: (وألّف كتاب الكنز في القراءات العشر جمع فيه للسبعة بين الشاطبية والإرشاد ثم نظمه في كتاب سمّاه الكفاية على طريق الشّاطبية) (٣). وفي الباب الخاص بالكتب التي روى عنها القراءات في كتاب (النّشر) ذكر ابن الجزري من ضمنها كتاب (الكفاية في القراءات العشر) من نظم الواسطي مؤلّف (الكنز) (٤). وجاء في هدية العارفين: (له تحفة البررة في نثر الكفاية المحرّرة في القراءات العشرة) (٥). ومع تواتر هذه النصوص على اسم الكتاب نجد السّلامي يذكره باسم (الغاية) فيقول: (وحدّث بدمشق)، سمع منه البرزالي وذكره في معجمه فقال: قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وكان بصيرا بهذا الشأن نظم في العشرة كتابا نفيسا سمّاه الغاية، قدم علينا كهلا وأخذت عنه) (٦) إن هذه النصوص نجد الثلاثة الأول منها يعضّد بعضها بعضا على تسمية الكتاب باسم (الكفاية) ولم نجد نصّا يعضّد قول السلامي على تسمية الكتاب باسم (الغاية). وبعد البحث والاستقصاء لتآليف الواسطي لم نجد أحدا ذكر له كتابا بهذا الاسم الذى ذكره السلامي. ومن المعروف أن الخبر إذا عضّد من طرق أخر فلا مجال لبطلانه. ومن هنا يمكن القول أن اسم الكتاب كما أثبتناه لا كما ورد في

стр. 26

منتخب السلامي. ويبدو للباحث أن هذا الكتاب هو الذى أشار إليه ابن حجر بقوله: وقصيدته في القراءات العشر أولها: بدأت أقول الحمد لله أوّلا ... إلها عظيما واحدا صمدا علا سميعا بصيرا باقيا متكلّما ... عليما مريدا قادرا متفضّلا (١) والدلالة على أن هذين البيتين هما مطلع (الكفاية) قول ابن حجر: (وصنّف في القراءات المختار والكنز ونظمه في قصيدة لامية سمّاها الكفاية ألف ومائتان وثلاثة وسبعون بيتا) (٢) إذ إن قافية هذه القصيدة جاءت كما ذكر ابن حجر. وهذا الكتاب لم نعثر عليه مخطوطا أو مطبوعا فيما توفّر لدينا من فهارس المخطوطات والمطبوعات. ٥ - الكنز في القراءات العشر: وهو الكتاب الذى بين أيدينا مخطوطا قيد التحقيق وقد أفردنا له كلاما خاصّا به في قسم دراسة الكتاب. ٦ - اللّمعة الجليّة: وهو مقدمة في علم النحو ذكره ابن حجر فقال: (وله مقدمة في النحو سمّاها اللّمعة الجليّة) (٣). وذكره أيضا الزركلي بهذا الاسم في الأعلام (٤). وهذا الكتاب لم نعثر عليه مخطوطا أو مطبوعا. ٧ - المختار في القراءات: ذكره ابن حجر فقال: (وصنّف في القراءات المختار والكنز) (٥) وكما يظهر لنا فإنه ذكره مطلقا دون تخصيصه بالقراءات السبع أو العشر. وذكره صاحب الكشف بعنوان (المختار في القراءة) (٦). أما كحّالة فقد ذكره بالاسم الذي ذكره به ابن حجر (٧). ولم نجد هذا الكتاب في المخطوطات أو المطبوعات.

стр. 27

الفصل الثاني - الكتاب- ويحتوي على خمسة مباحث المبحث الأول: اسم الكتاب وتوثيق نسبته. المبحث الثاني: منهج المؤلف في الكتاب. المبحث الثالث: أهمية الكتاب. المبحث الرابع: الظواهر والقضايا اللغوية والنحوية. المبحث الخامس: منهج المحقق ووصف نسخ المخطوط.

стр. 28

المبحث الأول اسم الكتاب ونسبته ١: اسم الكتاب: ذكر الواسطي مؤلف الكتاب في خطبته أن اسم كتابه هو (الكنز) وجاءت هذه التسمية مطلقة بلا تحديد. وهكذا ذكره ابن حجر أيضا (١) أما ابن الجزري وغيره من المؤرخين فقد اتّفقوا على أنّ اسم الكتاب هو (الكنز في القراءات العشر) مع اختلاف طفيف في وصف القراءات بالعشر مرّة وبالعشرة مرة أخرى (٢). وعلى ورقة العنوان من المخطوط- نسخة الأصل- كتب الناسخ اسم الكتاب هكذا: (الكنز في قراءات العشرة) (٣) وهو لا شكّ يقصد قراءات الأئمة العشرة لأن وصف (العشرة) هنا جاء وصفا لأئمة هذه القراءات لا القراءات نفسها. ولو أراد وصف القراءات لقال: العشر بعد تعريف القراءات التي أوردها نكرة بعد حذف المضاف إليه. وعلى هذا فالمعنى الذي حمله هذا العنوان ينبئ أنه متفق تماما مع المعنى الذي حملته الأسماء التي أثبتها المؤرخون السالف ذكرهم. أما في نسخة تونس فقد ثبت عنوان الكتاب هكذا: (الكنز في القراءات العشر) وذلك ضمن التمليك المكتوب في الصفحة الأولى (٤).

стр. 29

وفي فهرس مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق ورد اسم الكتاب: (الكنز في القراءات العشر) (١). إنّ كل هذه الدلائل تجعلنا نميل إلى ما اطمأنّ إليه المؤرخون واستقروا عليه من أنّ اسم الكتاب الكامل هو: (الكنز في القراءات العشر) وهو الاسم الذي أثبتناه عند التحقيق. أما ما وجدناه من عدم تخصيص الكتاب بالقراءات العشر من المؤلّف نفسه وابن حجر فإنما هو من ظاهرة الاختصار التي درج عليها المؤلفون والكتّاب القدامى في ذكر عناوين الكتب. ب: توثيق نسبة الكتاب: لقد قامت الأدلّة والشواهد التي تؤكد أن كتاب (الكنز في القراءات العشر) هو من تأليف عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي. ومن هذه الأدلة ما يأتي: ١ - تصريح المؤرخين الذين ترجموا للواسطي أن كتاب (الكنز في القراءات العشر) هو من تأليف أبي محمد عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي، حيث كان كل واحد منهم عند ترجمته له يذكر له هذا الكتاب ومنهم ابن الجزري (٢) وابن حجر العسقلاني (٣) وغيرهما (٤). ٢. إثبات هذا الكتاب للواسطي عند من ألّفوا في معاجم الكتب ونسبتها إلى أصحابها ومنهم حاجى خليفة وغيره (٥).

стр. 30

٣. إثبات اسم المؤلّف عبد الله بن عبد المؤمن الواسطي تحت عنوان الكتاب في الورقة الأولى من المخطوط المحفوظ في المكتبة الظاهرية (١). إنّ كل هذه الإثباتات تدلّ دلالة قاطعة على صحة نسبة هذا الكتاب إلى مؤلّفه.

стр. 31

المبحث الثاني منهج المؤلف في الكتاب وأبرز سماته تميّز منهج الواسطي في كتابه الكنز بسمات عديدة نجملها بالآتي: أ: تبويب الكتاب وتقسيمه: بدأ المؤلف كتابه بخطبة وضع فيها الخطوط العريضة لغرضه ووصف الكتاب بأنه كتاب جامع بين الوضوح والاختصار للكتب المؤلّفة في علم القراءات وصرح بأنّ كتابه يقع في ثلاثة أقسام هي: المقدمة والأصول والفرش. وأنه خلو من الحجج والتعليل وسمّاه كتاب الكنز (١). ونوجز الكلام عن تبويب الكتاب بالآتي: ١ - القسم الأول: سمّاه المقدمة وجعله في ثلاثة أبواب تندرج تحت كل منها جزئياتها. فالباب الأول يقع في عشرة فصول خصّص كل فصل منها لقارئ من القراء العشرة أوجز فيه حياته وذكر رواته مع طرق الروايات وقد رتّب هؤلاء القرّاء حسب كل فصل من الفصول العشرة كالآتي: ابن كثير ونافع وأبو جعفر وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. أي إن الباب الأول ضم حياة القراء العشرة وأسانيدهم. أما الباب الثاني فقد خصّصه لقواعد الكتاب والمصطلحات التي يستخدمها عند ذكره لاتّفاق واختلاف القراء. وجعل الباب الثالث خاصّا لمخارج الحروف العربية وصفاتها كالهمس والجهر

стр. 32

والشدة .. إلخ. وكان يعرّف بكل صفة من هذه الصفات وهذا القسم أقلّ حجما من القسمين الآخرين. ٢. القسم الثاني: وهو خاص في أصول القراءات وظواهرها وجعلها عشرة أصول حيث خصص كل أصل منها للكلام عن ظاهرة من الظواهر الإقرائية التي جمع تحتها كل ما تتضمنه من أمثلة ونظائر. وهذا القسم أطول الأقسام الثلاثة. ووضع تحت كل أصل عدة أبواب وقسّم كل باب منها إلى عدة فصول بحيث أتى فيها على جميع مقرّرات الأصول التي ضمّها الكتاب. ٣. القسم الثالث: وهو الخاص بفرش الحروف في السور القرآنية بدءا بسورة الفاتحة وانتهاء بسورة الناس. حيث عرض ضمن كل سورة القراءات الخاصة بحروفها وأثبت في نهاية كل سورة ياءاتها الثّوابت والزّوائد كما أثبت أيضا ما أدغمه أبو عمرو بن العلاء من الحروف وهو عمل انفرد به المؤلف عمّن سبقه ممن ألّفوا في القراءات العشر. ولم يثبتوا هذه الأحرف المدغمة بعد كل سورة وإنما كانت مبثوثة في أبواب الأصول. وقد أثبت المؤلف جميع سور القرآن الكريم عدا سورة العصر التي لم يذكر فيها شيئا من القراءات. ب: الدّقّة والأمانة في نقل وتدوين المادة العلمية: عرض المؤلّف مادة الكتاب عرض عالم ثبت لما يقول وبكلّ دقّة وصدق في النّقل والتّوثيق. تجلّى هذا في شواهده التي بثّها في الكتاب كالقراءات وأقوال العلماء والنصوص التي نقلها من الكتب. فمن حيث الدقة تفصيله لطرق الروايات وأسانيدها دونما بتر أو إيهام (١). وكذلك ظواهر الحروف الإقرائية والأصول كالهمز والإمالة والتّرقيق والوقف وغيرها (٢).

стр. 33

وكذلك ذكره للياءات الثابتة والمحذوفة (١) وإدغامات أبي عمرو عقب كل سورة (٢). ومن حيث الأمانة ذكره أسماء وكنى رجال السّند كاملة من دون بتر أو اقتضاب ولا سيما عند ما يذكر العلم أوّل مرة. حيث كان يؤكد ذلك الذّكر باللّقب إن وجد لأجل زيادة التعريف (٣). ومن ذلك أيضا إيراده ألفاظ تحمّل المادة العلمية كقوله: (روى) (٤) أو (قرأ) (٥) الذى يثبته في كل قراءة منسوبة إلى الإمام المقرئ أو الراوي وكقوله: (قرأت) (٦) و (أخبرني ذلك) (٧) و (روي عن فلان أنّه قال) (٨) و (ذكر) (٩) و (نقل فلان) (١٠) و (قال) (١١). أما إذا كانت المادة العلمية قد نقلها من كتاب ما فإنه يذكر اسم الكتاب منسوبا إلى صاحبه للدلالة على صحة الأخذ منه (١٢). وهو يعيّن أحيانا مقدار المقروء على الشيخ كأن يكون جميع القرآن أو جزءا منه بل ويعيّن المدّة الزّمنية التى استغرقها في القراءة (١٣) وكذلك يحدّد المكان الذى

стр. 34

أخذ فيه القراءة لأجل التوثيق الجغرافي (١). ج: الإيجاز غير المخلّ: تبنّي المؤلّف سمة الاختصار الذى لا يخلّ بالمعنى في مواطن عديدة من الكتاب. وتجلّت هذه السّمة واضحة في اختصاره لأسماء الأعلام عند إعادة ذكرها، فلا يذكرها كاملة وإنّما يذكر كنية العلم أو لقبه أو نسبه (٢). وكذلك اختصاره لأسماء الكتب، فلا يذكر اسم الكتاب كاملا وإنما اسمه المشهور (٣)، بل إنّه أحيانا لا يذكر اسم الكتاب وإنما يشير فقط إليه من خلال ذكر اسم مؤلّفه (٤). ومن اختصاره في قراءة الآيات، أنه كان لا يعيد قراءة حرف ما إذا ورد سابقا أو ورد نظيره وإنما يكتفي بقوله: (ذكر) (٥)، وكذلك كان يقطع الكلام في قراءة حرف معيّن إذا كانت قراءته قد وردت قبلا في السّياق. مثال هذا ما أورده في سورة الأنعام عند قراءة قوله تعالى: قل من ينجيكم. حيث ذكر قراءة يعقوب لهذا الحرف ثم قال: (فأمّا قل الله ينجيكم وهو الثاني من هذه السورة فقرأه نافع وابن كثير والبصريان) (٦)، ووقف عند هذا فلم يذكر كيف قرأه هؤلاء. وهذا يوهم بأنّ كلام المؤلف غير تام. والحقيقة غير هذا؛ لأنه لمّا ذكر قراءة هذا الحرف من قبل يعقوب لم يرد إعادة هذه القراءة وإنما ذكر أسماء هؤلاء القراء فقط وهو يريد معنى: أنّهم قرءوا كما قرأ يعقوب. وهذه السّمة بانت في مواضع عديدة من الكتاب (٧).

стр. 35

وأجلى مظاهر الاختصار والإيجاز بانت في ابتعاد المؤلف عن تعليل القراءات وتوجيهها؛ ولذا جاء مؤلّفه كتاب رواية جامعا للقراءات فقط من دون بيان لحججها وتوجيهاتها النّحوية واللغوية. د: آراء النّحويين واللّغويين: كان المؤلف يعرّج في مواطن قليلة من الكتاب على بيان آراء أهل النحو واللغة في لفظة معيّنة أو ظاهرة إقرائيّة. مثال ذلك ذكره خلاف الأخفش للنحاة في الهمز المتوسط المضموم الذى قبله حرف مكسور (١). وسنتكلم عن هذا الجانب في قسم القضايا النحوية واللغوية. هـ: إثبات أسانيد العراقيين والمصريين: لم يقتصر المؤلف في أسانيد القراءات التي تلقّاها على ذكر طرق العراقيين فحسب وإنما قرنها بطرق المصريين ليدلّ بعمله هذا على زيادة ضبط الأسانيد والسّعة في القراءات المرويّة فهو في القسم الأول عيّن هذه الطرق ورصدها ومن ثم أفاض في ذكر القراءات الواردة عنها في القسمين الثاني والثالث من أقسام الكتاب (٢). وهذا النّهج من المؤلف سابق لغيره ممن ألّف في هذا المضمار. و: التّسلسل في عرض الآيات القرآنية الشريفة: عرض المؤلف الآيات القرآنية متسلسلة حسبما وردت في القرآن الكريم ولم يقدّم أو يؤخّر إلا في مواضع قليلة أثبتها الباحث كما أوردها المؤلف حفاظا على أمانة التحقيق (٣). وكان يجمع مع الحرف الإقرائي الواحد نظائره من الحروف الأخر لأجل لم

стр. 36

شعث القراءة الواحدة وعدم تشتيت نظر الدّارس بين صفحات الكتاب. فهو مثلا عند ذكره لقراءة لفظ (إبراهيم) في سورة البقرة جمع كلّ المواضع التي ورد فيها هذا اللفظ في القرآن الكريم (١). ز: تسمية السّور: كان المؤلف يذكر قسما من السور الكريمة بغير أسمائها المألوفة التى ثبتت في نسخ المصاحف الشريفة المتداولة بين الناس. وهذا لا يعني أنه وضع لها أسماء غير أسمائها، فهذا مما ينزّه عنه هذا العالم الجليل وإنما أثبت من أسمائها ما أثبته علماء الملّة واحتفظت به كتب علوم القرآن لكنّ هذه الأسماء غائبة عن أذهان الكثير من الناس. ومن هذا تسميته سورة (الكافرون) باسم سورة (الجحد) (٢) وباسم سورة (الدّين) (٣). وهذه الظاهرة ثابتة في مواطن عديدة من الكتاب (٤). وقد أشار الباحث إلى الأسماء المألوفة لهذه السور في الهوامش أنّى وجد إحدى هذه الحالات. ح: مصطلحات أسماء القرّاء: لم يستعمل المؤلف الرّموز الحرفيّة أو الكلميّة في إشارته إلى أسماء القرّاء كما فعل الشاطبي والصّفاقسي وإنما أوضح إشارته إليهم بأسماء واضحة ذكر بعضها في الباب الثاني الخاص بقواعد الكتاب (٥). وهذه المصطلحات هي:

стр. 37

١ - الحجازيون: أشار به إلى ابن كثير المكي ونافع المدني وأبي جعفر. ٢ - البصريان: أشار به إلى أبي عمرو بن العلاء ويعقوب الحضرمي. ٣ - الكوفيون: أشار به إلى عاصم بن أبي النّجود وحمزة الزّيّات والكسائي وخلف البزّار. ٤ - العراقيون: أشار به إلى الكوفيين والبصريين. ٥ - الشّامي: أشار به إلى عبد الله بن عامر اليحصبي. ٦ - المكّي: أشار به إلى عبد الله بن كثير. ٧ - قرأ فلان: أشار بهذه العبارة إلى قراءة الإمام المقرئ. ٨ - روى فلان: أشار بها إلى قراءة الرّاوي. ط: إشارته إلى مصاحف الأمصار: عند عرض المؤلف لقراءة حرف يشتمل على ظاهرة تتعلّق بمصحف بلد معين فإنّه كان يشير إلى ما في ذلك المصحف. كأن يكون الحرف الإقرائي فيه واو عطف وقرأه بعض القراء بحذف الواو أو إذا قرأ بعض القراء آية حذف منها ضميرا لم يثبت في مصحف من المصاحف. ومثال هذا قوله في سورة البقرة: (قرأ الشّامي وقالوا اتخذ الله ولدا بحذف واو العطف على ما في مصحف أهل الشام) (١). وقد ظهرت هذه السّمة في بعض مواضع الكتاب (٢). ي: القراءات الشاذة: إن القراءة المتواترة عند جمهور العلماء هي التي توفرت فيها ثلاثة شروط: اتصال السند إلى الرسول محمد ﷺ وموافقتها لرسم المصحف العثماني وموافقتها لوجه من أوجه العربية. فإن نقص منها شرط التواتر فهي

стр. 38

الشاذة (١). وقد أورد المؤلف في الكنز قراءات ليست من العشر رصدها الباحث موجودة في كتب الشواذ وهي قليلة جدّا قرأ بها أبو جعفر قوله تعالى: إنما نحن مستهزئون [البقرة/ ١٤] وو إذ قلنا للملائكة اسجدوا [البقرة/ ٣٤] وغيرهما (٢). ...

стр. 39

المبحث الثالث أهمية الكتاب مما لا شك فيه أن أهمية الأثر تدلّ على مكانة المؤثّر. وكتاب الكنز أثر من آثار الواسطي، لذا فإنّه دالّ على المكانة العلمية للمؤلف التي ذكرناها سابقا عنه. ومن خلال دراستنا لكتاب الكنز ظهرت لنا أهميته في الأمور الآتية: ا: المادة العلمية: لقد تجلّت المادة العلمية التي ضمها كتاب الكنز بالمظاهر الآتية: ١. القراءات: أورد المؤلف في كتابه القراءات العشر لآي الذّكر الحكيم بدءا بسورة الفاتحة وانتهاء بسورة الناس عدا سورة العصر ولم يترك شيئا من الأحرف الإقرائية إلا وفّاه حقّه من أوجه القراءة. وبما أنّ هذا الكتاب هو مجموع كتابي التّيسير والإرشاد كما أسلفنا فإنّ أهميته تتجلّى في جمعه للقراءات التي وردت في هذين الكتابين إضافة إلى ما زاد عليه مؤلفه من قراءات وموافقات وردت في كتب أخر كان يصرّح بأسمائها كالعنوان والتبصرة والكافي وغيرها. وهو فضلا عن جمعه للقراءات الخاصة بأئمة القراء فإنّه ذكر معها الكثير من روايات الرّواة. وكل هذا وذاك يجعله مؤلّفا كبير الأهمية في هذا المجال. وعلى الرغم من أنّ كتاب الكنز خاصّ بالقراءات العشر إلا أنّه ضمّ الكثير من القراءات التى جاءت موافقة للقراءات ما فوق العشر. حيث كان المؤلف قد أثبت أمثال هذه القراءات دونما إشارة إلى من قرأها من القراء فوق العشرة وقد أشار الباحث إلى مظان هذه القراءات ومصادرها كمصطلح الإشارات والإتحاف وغيرهما لأجل الدلالة عليها.

стр. 40

٢. طرق الإسناد: ضمّ كتاب الكنز حشدا كبيرا من رجالات أسانيد القراءات وذلك من خلال عرضه لطريق العراقيين وطريق المصريين كما أسلفنا. وكان طريق العراقيين يتشكّل من خطّ أوّل مباشر تعداده أربعة شيوخ وهم: أحمد ومحمد ابنا غزال وأحمد بن المحروق وعلىّ بن عبد الكريم المعروف بخريم. وهؤلاء الأربعة هم الشيوخ الواسطيون الذين تلقّي عنهم المؤلف القراءات تلقّيا مباشرا. وعن هؤلاء تتفرع الأسانيد الكثيرة لترتقي إلى النبي محمد ﷺ بما جعل المؤلف يأخذ قراءات الأئمة العشرة بثلاث وعشرين رواية ثم أخذه عن الشيخ أحمد بن غزال قراءة نافع ويعقوب وحمزة والكسائي بخمس روايات. وعن الشيخ محمد بن غزال أخذ قراءة أبي عمرو برواية واحدة. وعن الشيخ على خريم قراءة أبي عمرو بروايتين. وعن الشيخين أحمد بن غزال وأحمد بن المحروق أخذ قراءة كل من ابن عامر وأبي عمرو برواية واحدة لكل منهما. وعلى هذا يكون طريق العراقيين قد ضمّ ثلاثا وثلاثين رواية. أما طريق المصريين فتشكّل خطّه الأول المباشر من الشيخ تقي الدين ابن الصائغ الذى أخذ عنه الواسطى القراءات مباشرة بأسانيد متعددة في أربع عشرة رواية. فقد أخذ قراءات كلّ القراء عدا أبي جعفر ويعقوب وخلف بمضمون روايتين لكلّ منهم. وعلى هذا تكون الروايات المجموعة عن طريق العراقيين والمصريين سبعا وأربعين رواية لم ترد عند كثير من الذين ألّفوا قبل الواسطي في هذا العلم دلالة على السّعة التي اتّسم بها هذا الكتاب. ٣. القضايا النّحوية واللغوية: إن الإشارات التي أشار إليها الواسطي بخصوص القضايا النحوية واللغوية كانت قليلة إذا ما قيست بما تحمله القراءات القرآنية نفسها من هذه المسائل. فإنّ مما لا شكّ فيه أن القراءات التي وردت في الكنز حملت الكثير من مسائل العربية وهي تحتاج إلى دراسات مستفيضة وربما احتاجت كلّ
следующие страницы →