← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 29864

الكنز في القراءات العشر

أبو محمد الواسطي

Полный текст (711 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

شعث القراءة الواحدة وعدم تشتيت نظر الدّارس بين صفحات الكتاب. فهو مثلا عند ذكره لقراءة لفظ (إبراهيم) في سورة البقرة جمع كلّ المواضع التي ورد فيها هذا اللفظ في القرآن الكريم (١). ز: تسمية السّور: كان المؤلف يذكر قسما من السور الكريمة بغير أسمائها المألوفة التى ثبتت في نسخ المصاحف الشريفة المتداولة بين الناس. وهذا لا يعني أنه وضع لها أسماء غير أسمائها، فهذا مما ينزّه عنه هذا العالم الجليل وإنما أثبت من أسمائها ما أثبته علماء الملّة واحتفظت به كتب علوم القرآن لكنّ هذه الأسماء غائبة عن أذهان الكثير من الناس. ومن هذا تسميته سورة (الكافرون) باسم سورة (الجحد) (٢) وباسم سورة (الدّين) (٣). وهذه الظاهرة ثابتة في مواطن عديدة من الكتاب (٤). وقد أشار الباحث إلى الأسماء المألوفة لهذه السور في الهوامش أنّى وجد إحدى هذه الحالات. ح: مصطلحات أسماء القرّاء: لم يستعمل المؤلف الرّموز الحرفيّة أو الكلميّة في إشارته إلى أسماء القرّاء كما فعل الشاطبي والصّفاقسي وإنما أوضح إشارته إليهم بأسماء واضحة ذكر بعضها في الباب الثاني الخاص بقواعد الكتاب (٥). وهذه المصطلحات هي:

стр. 37

١ - الحجازيون: أشار به إلى ابن كثير المكي ونافع المدني وأبي جعفر. ٢ - البصريان: أشار به إلى أبي عمرو بن العلاء ويعقوب الحضرمي. ٣ - الكوفيون: أشار به إلى عاصم بن أبي النّجود وحمزة الزّيّات والكسائي وخلف البزّار. ٤ - العراقيون: أشار به إلى الكوفيين والبصريين. ٥ - الشّامي: أشار به إلى عبد الله بن عامر اليحصبي. ٦ - المكّي: أشار به إلى عبد الله بن كثير. ٧ - قرأ فلان: أشار بهذه العبارة إلى قراءة الإمام المقرئ. ٨ - روى فلان: أشار بها إلى قراءة الرّاوي. ط: إشارته إلى مصاحف الأمصار: عند عرض المؤلف لقراءة حرف يشتمل على ظاهرة تتعلّق بمصحف بلد معين فإنّه كان يشير إلى ما في ذلك المصحف. كأن يكون الحرف الإقرائي فيه واو عطف وقرأه بعض القراء بحذف الواو أو إذا قرأ بعض القراء آية حذف منها ضميرا لم يثبت في مصحف من المصاحف. ومثال هذا قوله في سورة البقرة: (قرأ الشّامي وقالوا اتخذ الله ولدا بحذف واو العطف على ما في مصحف أهل الشام) (١). وقد ظهرت هذه السّمة في بعض مواضع الكتاب (٢). ي: القراءات الشاذة: إن القراءة المتواترة عند جمهور العلماء هي التي توفرت فيها ثلاثة شروط: اتصال السند إلى الرسول محمد ﷺ وموافقتها لرسم المصحف العثماني وموافقتها لوجه من أوجه العربية. فإن نقص منها شرط التواتر فهي

стр. 38

الشاذة (١). وقد أورد المؤلف في الكنز قراءات ليست من العشر رصدها الباحث موجودة في كتب الشواذ وهي قليلة جدّا قرأ بها أبو جعفر قوله تعالى: إنما نحن مستهزئون [البقرة/ ١٤] وو إذ قلنا للملائكة اسجدوا [البقرة/ ٣٤] وغيرهما (٢). ...

стр. 39

المبحث الثالث أهمية الكتاب مما لا شك فيه أن أهمية الأثر تدلّ على مكانة المؤثّر. وكتاب الكنز أثر من آثار الواسطي، لذا فإنّه دالّ على المكانة العلمية للمؤلف التي ذكرناها سابقا عنه. ومن خلال دراستنا لكتاب الكنز ظهرت لنا أهميته في الأمور الآتية: ا: المادة العلمية: لقد تجلّت المادة العلمية التي ضمها كتاب الكنز بالمظاهر الآتية: ١. القراءات: أورد المؤلف في كتابه القراءات العشر لآي الذّكر الحكيم بدءا بسورة الفاتحة وانتهاء بسورة الناس عدا سورة العصر ولم يترك شيئا من الأحرف الإقرائية إلا وفّاه حقّه من أوجه القراءة. وبما أنّ هذا الكتاب هو مجموع كتابي التّيسير والإرشاد كما أسلفنا فإنّ أهميته تتجلّى في جمعه للقراءات التي وردت في هذين الكتابين إضافة إلى ما زاد عليه مؤلفه من قراءات وموافقات وردت في كتب أخر كان يصرّح بأسمائها كالعنوان والتبصرة والكافي وغيرها. وهو فضلا عن جمعه للقراءات الخاصة بأئمة القراء فإنّه ذكر معها الكثير من روايات الرّواة. وكل هذا وذاك يجعله مؤلّفا كبير الأهمية في هذا المجال. وعلى الرغم من أنّ كتاب الكنز خاصّ بالقراءات العشر إلا أنّه ضمّ الكثير من القراءات التى جاءت موافقة للقراءات ما فوق العشر. حيث كان المؤلف قد أثبت أمثال هذه القراءات دونما إشارة إلى من قرأها من القراء فوق العشرة وقد أشار الباحث إلى مظان هذه القراءات ومصادرها كمصطلح الإشارات والإتحاف وغيرهما لأجل الدلالة عليها.

стр. 40

٢. طرق الإسناد: ضمّ كتاب الكنز حشدا كبيرا من رجالات أسانيد القراءات وذلك من خلال عرضه لطريق العراقيين وطريق المصريين كما أسلفنا. وكان طريق العراقيين يتشكّل من خطّ أوّل مباشر تعداده أربعة شيوخ وهم: أحمد ومحمد ابنا غزال وأحمد بن المحروق وعلىّ بن عبد الكريم المعروف بخريم. وهؤلاء الأربعة هم الشيوخ الواسطيون الذين تلقّي عنهم المؤلف القراءات تلقّيا مباشرا. وعن هؤلاء تتفرع الأسانيد الكثيرة لترتقي إلى النبي محمد ﷺ بما جعل المؤلف يأخذ قراءات الأئمة العشرة بثلاث وعشرين رواية ثم أخذه عن الشيخ أحمد بن غزال قراءة نافع ويعقوب وحمزة والكسائي بخمس روايات. وعن الشيخ محمد بن غزال أخذ قراءة أبي عمرو برواية واحدة. وعن الشيخ على خريم قراءة أبي عمرو بروايتين. وعن الشيخين أحمد بن غزال وأحمد بن المحروق أخذ قراءة كل من ابن عامر وأبي عمرو برواية واحدة لكل منهما. وعلى هذا يكون طريق العراقيين قد ضمّ ثلاثا وثلاثين رواية. أما طريق المصريين فتشكّل خطّه الأول المباشر من الشيخ تقي الدين ابن الصائغ الذى أخذ عنه الواسطى القراءات مباشرة بأسانيد متعددة في أربع عشرة رواية. فقد أخذ قراءات كلّ القراء عدا أبي جعفر ويعقوب وخلف بمضمون روايتين لكلّ منهم. وعلى هذا تكون الروايات المجموعة عن طريق العراقيين والمصريين سبعا وأربعين رواية لم ترد عند كثير من الذين ألّفوا قبل الواسطي في هذا العلم دلالة على السّعة التي اتّسم بها هذا الكتاب. ٣. القضايا النّحوية واللغوية: إن الإشارات التي أشار إليها الواسطي بخصوص القضايا النحوية واللغوية كانت قليلة إذا ما قيست بما تحمله القراءات القرآنية نفسها من هذه المسائل. فإنّ مما لا شكّ فيه أن القراءات التي وردت في الكنز حملت الكثير من مسائل العربية وهي تحتاج إلى دراسات مستفيضة وربما احتاجت كلّ

стр. 41

مسألة من مسائلها إلى دراسة قائمة لوحدها لا يوفّيها هذا البحث. لذا انتقى الباحث بعضا من هذه المسائل وأفردها في قسم خاص بها في قسم الدراسة. ب: منهجيّة الكتاب: أسلفنا الكلام عنها في المبحث الثاني من الكتاب. ج: مصادر الكتاب: كانت المصادر التي استقى منها الواسطي المادة العلمية للكنز على نوعين هما: الرجال، والكتب. والذى نقصده بالرجال هنا الشيوخ الذين تلقّى عنهم الواسطى علم القراءات مباشرة ومشافهة. وهؤلاء الشيوخ سبق ذكرهم عند الكلام عن طرق الإسناد. أمّا المصدر الآخر الذي هو الكتب، فقد أخذ المؤلف معظم مادة كتابه من كتابي التيسير والإرشاد وأضاف فوائد من غيرهما. ولذا يمكن القول أن الكتب والمصادر التي اعتمد عليها الواسطي في الكنز تتمثل بالآتي: ١. الاختيار في القراءات العشر: وهو منظومة لأبي محمد خلف بن هشام البزّار ت ٢٢٩ هـ (١). ٢. إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي في القراءات العشر: لأبي العزّ القلانسي ت ٥٢١ هـ (٢). ٣. الاكتفاء في القراءات: لأبي طاهر إسماعيل بن خلف الأنصاري الصّقلّي ت ٤٥٥ هـ (٣). ٤. إيجاز البيان عن أصول قراءة ورش عن نافع بالعلل: لأبي عمرو

стр. 42

الداني ت ٤٤٤ هـ (١). ٥. التّبصرة في القراءات السّبع: لمكّي بن أبي طالب القيسي ت ٤٣٧ هـ (٢). ٦. التّجريد في القراءات: لأبي القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر الصّقلّي المعروف بابن الفحام، ت ٥١٦ هـ. وقد نسب الواسطيّ هذا الكتاب إلى أبي عمرو الداني حيث قال: (ذكر الثلاثة الدانيّ في تجريده) (٣). والحقيقة أنّ الذين ترجموا للداني لم يذكروا له كتابا بهذا الاسم وإنما ذكروه لابن الفحّام (٤). ٧. التّذكرة في القراءات السبع: لأبي الحسن طاهر بن عبد المنعم بن غلبون ت ٣٣٩ هـ (٥). ٨. التّيسير في القراءات السّبع: لأبي عمرو الداني (٦). ٩. جامع البيان في القراءات السّبع: لأبي عمرو الداني (٧). ١٠. حرز الأماني ووجه التّهاني في القراءات السّبع المثاني: وهو منظومة اشتهرت باسم الشّاطبية وهكذا سمّاه الواسطي عند ذكره له (٨). وهذا الكتاب للقاسم بن محمد بن فيرة الشّاطبي ت ٥٩٠ هـ. ١١. الحصريّة في رواية نافع في الأصول: وهي منظومة اشتهرت باسم القصيدة الحصريّة وهكذا سمّاها الواسطي عند نقله منها (٩). وهي لأبي الحسن على بن عبد الغني الحصريّ القيرواني ت ٤٨٨ هـ. ١٢. الرّوضة في القراءات الإحدى عشرة: لأبي علي الحسن بن محمد بن إبراهيم البغدادي المالكي ت ٤٣٨ هـ (١٠).

стр. 43

١٣. السّبعة في القراءات: لابن مجاهد أبي بكر أحمد بن موسى البغدادي ت ٣٢٤ هـ (١). ١٤. العنوان في القراءات السّبع: لأبي طاهر إسماعيل بن خلف الأنصاري السّرقسطي (٢). ١٥. الكافي في القراءات السّبع: لأبي عبد الله محمد بن شريح ت ٤٧٦ هـ (٣). ١٦. الكامل في القراءات: ليوسف بن على بن جبارة الهذليّ ت ٤٦٥ هـ (٤). ١٧. الكفاية الكبرى: لأبي العزّ القلانسي (٥). ١٨. المبهج في القراءات السّبع: لأبي محمد عبد الله بن على المعروف بسبط الخيّاط البغدادي ت ٥٤١ هـ (٦). ١٩. المصباح الزّاهر في القراءات العشر البواهر: لأبي الكرم المبارك بن الحسن الشّهرزورى ت ٥٥٠ هـ (٧). ٢٠. الهداية إلى مذاهب القرّاء السّبعة: لأبي العبّاس أحمد بن عمّار المهدوي ت ٤٣٠ هـ (٨). د: مكانة الكنز وآثره في غيره . إنّ مما يقرر أهمية أي كتاب مكانته بين غيره من الكتب وحجم الآثار التي يتركها فيها. وقد تجلّت مكانة الكنز من خلال إشادة العلماء به، حيث ذكر ابن الجزري وغيره (٩) أنه من الكتب المهمة في علم القراءات بل عدّوه من أنفسها.

стр. 44

ولمّا ترجم ابن حجر حياة الواسطي قال: (وله كتاب نفيس في القراءات العشر) (١) وهو يقصد الكنز بهذه العبارة. ولعل هذه الأهمية هي التي رشّحت كتاب الكنز عند ابن الجزري ليعتمده مصدرا مهما عند تأليفه كتابه الذائع الصيت (النشر في القراءات العشر) فقد أثبته مع الكتب التي أخذ منها الروايات الخاصة بالقراءات العشر وغيرها مما أورده في (النشر) وقال عنه (وهو كتاب حسن في بابه جمع فيه بين الإرشاد للقلانسي والتيسير للداني وزاده فوائد) (٢). ومن خلال دراسة مادة الكتابين والموازنة بينهما نجد أنّ منهجية كتاب الكنز وما فيه من القراءات وظواهرها قد وردت في مواضع عديدة من كتاب النشر بما يدل على تأثّر هذا بذلك. ...

стр. 45

المبحث الرابع الظواهر والقضايا اللغوية والنحوية أوّلا: اللغوية: ورد في كتاب الكنز الكثير من مسائل اللغة التي نقلت لنا لغات العرب ولهجاتهم؛ ذلك لأن القرآن الكريم ضمّ هذه اللغات واللهجات ليظل شاهدا خالدا عليها. وقد انتقينا أمثلة من هذه القضايا اللغوية بالآتي: ١ - مخارج الحروف وصفاتها: خصّص المؤلف الباب الثالث من القسم الأول في كتابه للحديث عن الحروف العربية من حيث مخارجها وصفاتها وأنواعها كما وردت عند علماء العربية القدامى. لكنه عند كلامه عن مخارج الحروف قال: (اعلم أن الخليل وسيبويه ذكرا أنّ حروف المعجم التسعة والعشرين لها ستة عشر مخرجا) (١). والحقيقة أن حروف العربية الأصلية تسعة وعشرون حرفا حسبما ذكر الخليل وسيبويه ومن بعدهما ابن جني (٢). إلا أنّ مخارجها عند الخليل تسعة (٣) وليست ستة عشر كما ذكر المؤلف. وهي عند سيبويه ستة عشر مخرجا (٤)، وهذا ما ذكره الذين جاءوا بعد الخليل وسيبويه (٥). أمّا المحدثون فذهبوا إلى أنّ مخارج الحروف عشرة؛ مستندين إلى ما توصلوا إليه من تجارب المختبرات الصوتية في عصرنا الحاضر (٦).

стр. 46

٢. صفة الهمزة ومخرجها: ذكر القدامى أنّ الهمزة صوت شديد مجهور يخرج من أقصى الحلق (١)، وصنّفوها ضمن حروف المد في حين أنها صوت صامت (٢). واختلفوا فيها من حيث حرفيّتها وكتابتها. ووصفها المحدثون بأنها صوت انفجاريّ يحدث من انطباق الوترين الصوتيين واحتباس الهواء داخل الحنجرة ثم يخرج على صورة انفجار (٣). واختلفوا في كونها مجهورة أو مهموسة أو بين بين، وقالوا بأنها صوت شديد لا مجهور ولا مهموس (٤). وكان لنطق الهمزة عند العرب صور احتفظت بها القراءات القرآنية. إذ من المعلوم أنهم اختلفوا في تحقيقها وتسهيلها. فالقبائل التي اشتهرت بتحقيقها، هي القبائل التي سكنت وسط جزيرة العرب وشرقيها كتميم وما جاورها، أما التي سكنت شمال الجزيرة وغربيها فلم تهمز في كلامها، وإنما مالت إلى حذفها وتخفيفها (٥). وقد أبان الواسطيّ في بدء كلامه عن مخرج الهمزة وصفتها فقال: (لمّا كان الهمز يخرج من أقصى الحلق وما يليه من أعلى الصدر مشبها للتّهوع والسّعلة؛ أوجب على أكثر الناطقين به كلفة ومشقة) (٦). وهذا القول يوحي بأنّ المؤلف جعل لما بعد الحلق أهمية ومساهمة في إنتاج الصوت اللغوي عند الإنسان. وهذا هو ما جاء به الدرس اللغوي الحديث، حيث عدّت القصبة الهوائية والرئتان من الأعضاء المساعدة على النطق، وذلك بما تؤديانه من انكماش واتساع وحصر لتيار

стр. 47

الهواء (١). غير أن مخرج الهمزة على قول الواسطي اشترك فيه أقصى الحلق وما يليه من أعلى الصدر، أي أن مخرج الهمزة عنده ليس من أقصى الحلق فقط. كما ورد عند القدامى. وإنما من أعلى الصدر الذي يأتي بعد أقصى الحلق. وهو بهذا الكلام يعطي الهمزة مخرج الأحرف الجوفية كما ذكر الفراهيدي، حيث قال عند تعداده لحروف العربية: (وأربعة أحرف جوف وهي الواو والياء والألف والهمزة) (٢). أما مخرج الهمزة عند سيبويه فمن أقصى الحلق، ولم يقل أن أعلى الصدر يشكل جزءا مع أقصى الحلق لخروج الهمزة، بينما قال عن الألف إنه حرف هاو، وهو الذى اتّسع لهواء الصوت مخرجه أشد من اتساع مخرج الياء والواو، والألف أوسع منهما مخرجا (٣). أما ابن جني، فقد أيّد سيبويه في أن مخرج الهمزة من أسفل الحلق وأقصاه (٤). ومما ورد في الكنز من القراءات التي بانت فيها ظاهرة الهمز: قراءة المدنيّين والشاميّ لقوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع [المعارج/ ١] حيث خفّفا همزة (سأل) بينما قرأ الباقون بإثباتها (٥). ففي ترك الهمز هنا ثلاثة أوجه، أولها: أن يكون من السؤال فأبدلت الهمزة ألفا، وهو بدل على غير قياس لكنه جائز حكاه سيبويه وغيره. والثاني: أن يكون الألف بدلا من واو، حكى سيبويه وغيره: سلت تسال لغة بمنزلة خفت تخاف. والثالث: أن يكون الألف بدلا من ياء من سال يسيل، بمنزلة كال يكيل (٦). وقال ابن خالويه: والاحتمال عندي أن يكون من السؤال؛ لأنه جواب لقوله تعالى: فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال/ ٣٢]، سألوا ذلك فأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع، فالباء هنا: عن، والتقدير:

стр. 48

عن عذاب واقع (١). ولكن إذا جعل سال من السّيل لم تكن الباء هنا بمعنى عن بل على بابها وأصلها للتعدي (٢). ومن قراءات الهمز في كلمتين، ما ورد في قوله تعالى: من يشاء إلى صراط مستقيم [البقرة/ ١٤٢، ٢١٣] وكذلك لا يأب الشهداء إذا ما دعوا [البقرة/ ٢٨٢] وغيرهما (٣). فقد ذكر سيبويه تخفيف إحداهما؛ لأنه ليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتحقّقا، بل من كلامهم تخفيف الأولى وتحقيق الثانية، ونسب هذا إلى أبي عمرو بن العلاء (٤). ٣. أثر اللهجات: اللهجة عند علماء العربية هي اللغة، فلغة تميم ولغة هذيل ولغة طيّئ التي جاءت في المعجمات تعني ما يطلق عليه الآن اسم اللهجة (٥). وتطلق اللهجة أيضا على اللسان أو طرفه أو جرس الكلام (٦). واللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث مجموعة من الصفات اللغوية التي تنتمي إلى بيئة خاصة ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة (٧). وقد نزل القرآن الكريم على سبعة أحرف كما أخبر نبيّنا الأكرم محمد صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (٨). وفسّر قسم من العلماء هذه الأحرف باللهجات أو اللغات التي كانت تتكلمها قبائل الجزيرة العربية التي عرفت بالفصاحة، وأفصحها قبيلة قريش، وبلغتها نزل القرآن الكريم (٩). وعلى الرغم من أنّ تفسير الأحرف السبعة باللهجات حامت حوله الخلافات (١٠)، فإنه لا

стр. 49

يمكن نكران تضمّن القرآن الكريم لكثير من الألفاظ الواردة على تلك اللهجات لأن القرآن الكريم وإن نزل بلغة قريش فإنه ورد فيه كثير مما بقي من لهجات القبائل الأخرى في ألسنة أهلها (١). وهذا يوافق ما قيل من أنّ اللغة العربية الفصحى إنما هي اختيار لا شعوريّ من لغة قريش وغيرها حدث من احتكاك كثير من أفراد هذه القبائل في مواسم الحج والتجارة والأسواق والتجمعات الأدبية المختلفة (٢). وقد عدّ الأستاذ عبد الوهاب حمودة الاختلاف الموجود في كثير من القراءات القرآنية راجعا إلى اختلاف اللغات وتعدّد اللهجات (٣). من هنا يمكن القول أن القراءات القرآنية تعدّ مصدرا مهمّا لمعرفة ودراسة لهجات العرب وما فيها من ظواهر لغوية ونحوية. وفي كتاب الكنز وردت قراءات كثيرة ضمت ظواهر اللهجات العربية مثل: أ. قوله تعالى: في الدرك الأسفل [النساء/ ١٤٥] حيث قرأ الكوفيون (الدّرك) بسكون الراء، وقرأ الباقون بالفتح (٤)، وكلتاهما لغتان من لغات من لغات العرب (٥). وقال الزّجّاج: الاختيار فتح الراء لأنه أكثر استعمالا (٦). ب. قوله تعالى: وما أنتم بمصرخي [إبراهيم/ ٢٢] بكسر الياء في الوصل في قراءة حمزة وبفتحه عند الباقين (٧). وقراءة حمزة هذه لغة من اللغات وهي مطّردة في بني يربوع حكاها الفرّاء وقطرب وأجازها أبو عمرو بن العلاء (٨)؛ لأن الأصل عنده أن في (مصرخيّ) ثلاث ياءات، ياء الجمع وياء الإضافة وياء للمدّ، ثم حذفت ياء المدّ وبقيت ياءان أدغمتا بالكسر الذى هو عوض عن الياء

стр. 50

المحذوفة (١). وقال مكيّ: (القراءة بكسر الياء فيها بعد من جهة الاستعمال، وهي حسنة على الأصول، لكن الأصل إذا طرح صار استعماله مكروها بعيدا. وقد ذكر قطرب أنها لغة في بني يربوع) (٢). ج. قوله تعالى: صنوان وغير صنوان [الرعد/ ٤] بضم الصاد على قراءة المكيّ والبصريين، وبكسره على قراءة الباقين (٣). والقراءة بالضم هي لغة تميم وقيس، أما بالكسر فهي لغة أهل الحجاز (٤). د. قوله تعالى: هيت لك (٥) [يوسف/ ٢٣] بفتح الهاء وكسرها بمعنى أقبل (٦). والفتح لغة أهل حوران سقطت إلى مكة فقرءوا بها، أما الكسر فلغة أهل المدينة (٧). وعلى كلتا القراءتين، فإن حرف الهاء في اسم الفعل (هيت) إنما هو جزء من صوت انفعاليّ يعبّر عن وجدان عابر تلقائيّ في بداية نشأة اللغة عند الإنسان، ثم استعمل بعد ذلك مهذّبا منظما يقصد به غرض معيّن بعيد عن عفويته وتلقائيته الأولى (٨). هـ. قوله تعالى: تأكل منسأته [سبأ/ ١٤] حيث قرأ المدنيان وأبو عمرو (منساته) بألف بعد السين من غير همز، وهمزه بالفتح الباقون (٩). وقراءة الألف من غير همز جاءت على لغة أهل الحجاز، والألف بدل من الهمزة وهو مسموع عند العرب على غير قياس. أما قراءة الهمز فهي لهجة قبيلة تميم (١٠).

стр. 51

و. قوله تعالى: ربما يود الذين كفروا [الحجر/ ٢] حيث قرأ المدنيان وعاصم (ربما) بضم الراء وتخفيف الباء مع فتحها، وقرأ الباقون بضم الراء وتشديد الباء (١) وفتحها. وهذا الحرف مسلوك عند النحويين في حروف الجر وفيه ستّ عشرة لغة (٢)، وإذا زيدت (ما) عليه فالغالب أن تكفّها عن العمل (٣). وقد جاءت قراءة المدنيّين وعاصم على لغة أهل الحجاز وكثير من قيس، أما التشديد فعلى لغة أسد وتميم (٤). ٤. الإبدال: من الظواهر التي اتسمت بها اللغة العربية ظاهرة الإبدال ويقصد بها إبدال حرف مكان حرف في كلمة واحدة والمعنى واحد (٥). قال ابن فارس: (من سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض، وقال أبو الطّيّب اللّغويّ: ليس المراد به أنّ العرب تتعمد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغات مختلفة لمعان متفقة، تتقارب اللفظتان في لغتين لمعنى واحد حتى لا يختلفا إلا في حرف واحد) (٦). والإبدال يرجع أساسه إلى ظاهرة صوتية تحكمها قوانين بالغة الدقة تستهدف التجانس الصوتي بين حروف الكلمة الواحدة أو بين الكلمتين المستقلتين في بعض الأحيان (٧) على الرغم من التباعد أو التقارب بين مخارج الحروف (٨). ومن أمثلة الإبدال في القراءات الواردة في الكنز: إبدال الواو همزة في الفعل (أقّتت) من قوله تعالى: وإذا الرسل أقتت (٩).

стр. 52

قال المازنيّ: (الأصل عندنا (وقّتت) لأنها (فعّلت) من الوقت ولكنها التزمت الهمز لانضمامها، ولو كانت في غير القرآن لكان ترك الهمز جائزا) (١). ومن الإبدال كذلك إبدال التاء سينا في قوله تعالى: لا يسمعون إلى الملإ الأعلى [الصافات/ ٨] حيث قرأ الكوفيون إلا أبا بكر (يسّمّعون) بتحريك السين وتشديدها مع تشديد الميم وفتحها أيضا، وقرأ الباقون بتخفيفهما (٢). فالفعل هنا أصله (يتسمّعون)، والماضي منه (تسمّع) على صيغة تفعّل، والذي حصل فيه أن الفاء سكّنت ثم أبدلت حرفا مماثلا للحرف الذى يليها ثم أدغمت فيه فلحقها ألف الوصل ليمكن الابتداء بالساكن (٣). ٥. حذف الحركة الإعرابية واختلاسها: الحذف في اللغة إسقاط شيء من الكلام لا بد فيه من خلف ليستغنى به عن المحذوف (٤). وقد أدرك اللغويون أن حركات الإعراب، الضمة والكسرة خاصة قد يضحّي بها العربيّ أحيانا لأجل الخفة والتوافق الحركي ويتم ذلك بصورتين إحداهما المجانسة، وثانيهما التخفيف. فالمجانسة تكون بين حركتين حين تجتمعان في موضع، كالضمة بعد كسرة أو الكسرة بعد ضمة. أما التخفيف فيكون عند توالي الحركات فتوقف حركة منها للتخلص من الثقل (٥). وهذه الظاهرة عدّها سيبويه اختلاسا عند كلامه في باب الإشباع فقال: وأما الذين لا يشبعون فيختلسون اختلاسا. وعلى هذا فسّر قراءة أبي عمرو لقوله تعالى: إلى بارئكم [البقرة/ ٥٤] بإسكان الهمزة (٦). وتابع سيبويه في هذا ابن جني (٧). وقد اختلف النحاة في جواز حذف واختلاس الحركات. فذهب الفرّاء وأبو علي الفارسي إلى جواز ذلك، وقال ابن مالك في جوازه: إن أبا عمرو حكاه

стр. 53

عن لغة تميم، بينما نقل السيوطيّ الجواز في الشعر والمنع في الاختيار (١). ونقل إبراهيم أنيس من المحدثين منع المبرّد لهذا الحذف وقال: إنّ الحركة الإعرابية ليس لها مدلول في تحديد المعاني في أذهان العرب القدماء كما يزعم النحاة (٢). ومن حالات حذف الحركة الإعرابية واختلاسها في القراءات الواردة في الكنز ما جاء في قوله تعالى: إن الله يأمركم [البقرة/ ٦٧] بإسكان أبي عمرو للراء دون القراء الباقين (٣). ٦. الإتباع الحركي: الإتباع ظاهرة من ظواهر العربية. وتكون في الحركات والكلمات، ويعود في حقيقته إلى الانسجام الموسيقى بين الأصوات. وحركات الإتباع هذه لا تدل على معنى من المعاني التي تحملها الحركات الإعرابية (٤). وقد شخّص العلماء القدامى هذه الظاهرة وأثبتوا من أمثلتها في الألفاظ والتراكيب اللغوية ما يؤيد وجودها في لغة العرب. فقد عرض سيبويه في الكتاب نماذج عديدة منها (٥)، وكذلك ابن جني في خصائصه (٦). أما المحدثون من علماء اللغة ومنهم الأوربيون فقد اصطلحوا على تسمية هذه الظاهرة بالتوافق الحركى أو الانسجام الحركي (٧). ومن الإتباع الوارد في قراءات الكنز: أ- قوله تعالى: عاليهم ثياب سندس خضر [الإنسان/ ٢١] حيث قرأ المكيّ والكوفيون إلا حفصا (خضر) بالجر وقرأه الباقون بالرفع (٨). وقراءة الجر؛ لأن النعت هنا تأثّر بحركة المجاورة لما قبله (٩).

стр. 54

وقال النحاس: وفي ذلك بعد (١). أما الأصل فيه فهو الرفع لأنه صفة للفظ الثياب المرفوع (٢). وقد عدّ بعض المحدثين التحريك بالجر من باب التّرخّص في استعمال القرآن للحركة الإعرابية (٣). ب. قوله تعالى: وحور عين [الواقعة/ ٢٢] بالجر فيها على قراءة أبي جعفر وحمزة والكسائيّ وبالرفع على قراءة الباقين (٤). فالجرّ على الإتباع لما قبلها من مجرورات، والأصل فيهما الضمّ، وأكثر القراء عليه. وذهب بعضهم إلى أن الرفع على الابتداء على تقدير: لهم حور عين، أو عندهم حور عين (٥). ج. قوله تعالى: وكل أمر مستقر بجر (مستقر) على قراءة أبي جعفر (٦). وقد ذكر أبو حيان على أنه خبر ل (كل) المرفوع، فهو مرفوع أصلا لكنه جر للمجاورة (٧). د. قوله تعالى: ولكل أمة جعلنا منسكا [الحج/ ٣٤، ٦٧] حيث قرأ حمزة والكسائيّ وخلف (منسكا) بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحه (٨). وقراءة الفتح في عين مثل هذا الوزن اشتهرت به قبيلتا طيئ وأسد وقبائل نجد. أما تميم فقد كسرت العين في هذا البناء خلافا لغيرها من العرب (٩). والمنسك بكسر السين وفتحه هو الموضع الذى تذبح فيه النسائك (١٠). وإتباع حركة السين لحركة الكاف هنا إتباع مقبل وهذا يكون عند انحصار دلالة البناء في الاستعمال على المصدر الميميّ واسم المكان واسم الزمان فتفتح العين منه انسجاما مع فتحة الميم، وقد تكسر خلافا لذلك (١١).

стр. 55

هـ. قوله تعالى: وأيدناه بروح القدس [البقرة/ ٨٧] حيث قرأ العشرة عدا ابن كثير بضم الدال في (القدس) اتباعا لضمة القاف (١). وكلّ اسم ثلاثي أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقّله ومنهم من يخفّفه (٢). وقال يونس بن حبيب: ما سمع من شىء فعل إلا سمع فيه فعل (٣). ٧. الإدغام: شاعت ظاهرة الإدغام بين قبائل وسط الجزيرة العربية وشرقيّها كتميم وطيئ وأسد وبكر وغيرها. أما التي آثرت الإظهار فهي قبائل الحجاز وقريش وثقيف وكنانة وهذيل (٤). والإدغام صغير وكبير، وهذا يسمى بإدغام أبي عمرو لأنه اختصّ به (٥). والأصل في كليهما تقريب صوت من صوت (٦)، فإذا أثّر صوت الحرف الأول في الثاني سمّي بالإدغام المقبل أو التّقدمي، وإذا حدث العكس سمّى بالإدغام المدبر أو الرّجعي. أما إذا انقلب صوتا الحرفين إلى صوت حرف ثالث مخالف لهما فهو الإدغام المتبادل (٧). وقد فصّل الواسطيّ القول عن ظاهرة الإدغام في كتابه، وأشار في نهاية كلّ سورة إلى إدغامات أبي عمرو. ...

стр. 56

ومن الأمثلة التي ورد فيها التأثر المقبل والمدبر في هذه الإدغامات: أ- إدغام الباء في الباء إذا كانا في كلمتين، كما في قوله تعالى: العذاب بما [الأنعام/ ٢٦] والرعب بما [آل عمران/ ١٥١] (١). فمثل هذا الإدغام لا يجوز عند البصريين؛ لأن الحرف الأول المدغم مسبوق بساكن، لذا حملوه على الإخفاء (٢). وقد أشار الواسطيّ إلى رأي البصريين بقوله: (وإذا كان قبل الحرف المدغم حرف ساكن صحيح، فقال قوم: إن الإدغام فيه غير ممكن متمسكين بالقاعدة في عدم اجتماع ساكنين، وقالوا: إنه مخفي، والحق أنه مدغم لأنه قد قلب واتصل بما بعده وشدّد، وهذه هي حقيقة الإدغام) (٣). ب- إدغام الميم المتحركة في الباء كما في قوله تعالى: والله أعلم بأعدائكم [النساء/ ٤٥] وبأعلم بالشاكرين (٤) [الأنعام/ ٥٣]. ومثل هذا الإدغام لا يجيزه النحويون؛ لأن في الميم غنّة، وجعل الرّضي الأسترآباذي تسمية هذا بالإدغام مجازا، وإنما هو إخفاء (٥). وقد أشار الواسطيّ إلى أنه إخفاء (٦). ج- إدغام الراء في اللام متحركة كانت أم ساكنة، كما في قوله تعالى: فيغفر لمن يشاء [البقرة/ ٢٨٤] واستغفر لهن الله (٧) [الممتحنة/ ١٢]. ومثل هذا الإدغام لم يجزه الخليل ولا سيبويه؛ لئلا يذهب التكرير. وقد أجاز الكسائيّ والفرّاء إدغام الراء في اللام قياسا (٨). ونقل ابن عصفور هذا الإدغام وقال: (إلا أنّ ذلك شاذّ) (٩). أما ابن الجزري فجوّزه لأنه مرويّ ولأن الراء تدغم في اللام إذا

стр. 57

تحركت بأي حركة (١). د- إدغام نون التنوين في اللام، كما في قوله تعالى: وأنه أهلك عادا الأولى (٢) [النجم/ ٥٠]. وقال النّحّاس في هذا الإدغام، وهي القراءة البيّنة في العربية حيث حرّك التنوين لالتقاء الساكنين. وقد تكلم النحويون في هذا الإدغام، فذهب المبرد إلى أنه لحن، وأجازه الزّجّاج (٣). أما القراء فقد أجازوا إدغام النون أو التنوين في اللام؛ لتقارب مخرجيهما لأن كليهما من طرف اللسان، وهما من الأصوات الأسنانية اللثوية في نظر المحدثين (٤). ٨ - أثر الحركة في بنية الكلمة: كما أن للحركة الإعرابية أثرا في الدلالة الإعرابية للكلمة، فكذلك للحركات الواقعة على بنية الكلمة أثر في معاني هذه الكلمات وأحوالها. وقد وردت هذه الظاهرة في مواطن عديدة من القراءات الواردة في الكنز تختار منها: أ- قوله تعالى: وصدوا عن السبيل [الرعد/ ٣٢] وكذلك: وصد عن السبيل [المؤمن/ ٣٧] حيث قرأ الكوفيون ويعقوب بضم الصاد، وقرأ الباقون بالفتح فيه (٥). فقراءة الضم يكون الفعل فيها مبنيّا للمجهول ومتعديا، أما قراءة الفتح فتحوّله إلى مبنيّ للمعلوم ويكون فيها لازما لا يحتاج إلى مفعول (٦). ب- قوله تعالى: مستكبرين به سامرا تهجرون [المؤمنون/ ٦٨] حيث قرأ نافع (تهجرون) بضم التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون بفتح التاء وضم الجيم (٧). فقراءة نافع من الفعل أهجر، وهو إذا جاء الرجل بأمر قبيح وتكلّم به. وهو الهجر،

стр. 58

ويقال: رماه بهاجرات ومهجرات أي بفضائح. فالمعنى على هذه القراءة: إنكم تأتون بالهجر. أما قراءة الباقين فمن الفعل هجر يهجر هجرا إذا هذى فهو من الهذيان، والمعنى على هذه القراءة: إنكم تهذون (١). ج- قوله تعالى: لم يسرفوا ولم يقتروا [الفرقان/ ٦٧] حيث قرأ المدنيان وابن عامر (يقتروا) بضم الياء وكسر التاء، وقرأ المكي والبصريان بفتح الياء وكسر التاء (٢). فالقراءة الأولى من الفعل أقتر يقتر بمعنى أقلّ وافتقر فهو مقتر أي مقلّ وهذه القراءة هي قراءة أهل المدينة (٣). أما القراءة الثانية فهي من الفعل قتر، يقال: قتر فلان على أهله فهو يقتر ويقتر قترا وقتورا إذا ضيّق عليهم في النفقة (٤) وقد يكون موسرا، ولا يقال أقتر عليهم (٥). وفي أدب الكاتب: أنّ قتر وأقتر الرجل بمعنى واحد أي قلّ ماله (٦). د- قوله تعالى: حتى يصدر الرعاء [القصص/ ٢١] حيث قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر بفتح الياء في الفعل (يصدر) وضم داله، وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الدال (٧). فقراءة فتح الياء وضم الدال جعلت الفعل أصله من صدر الثلاثي أي يصدر الرّعاء بأغنامهم، بمعنى يرجعون، والفعل هنا لازم. أما القراءة بضم الياء وكسر الدال فجعلته من أصدر الرّباعي فيكون متعديا ومعنى الكلام: حتى يرجع الرّعاء أغنامهم (٨). ...

стр. 59

ثانيا: النّحويّة: إنّ نحو اللغة العربية هو المسلك الإعرابي الذى تسير فيه ألفاظها. والإعراب من الظواهر التي اختصت بها العربية، (وهو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ) (١). والأصل في العربية أن تكون العلامات ذوات دلالة على المعاني، وأنّ اختلاف العلامات يؤدي إلى اختلاف المعاني (٢). ومن هنا فقد اختص الإعراب بالأواخر؛ لأنه دليل على المعاني اللّاحقة للمعرب (٣). وقد احتفظت العربية الفصحى في ظاهرة التصرف الإعرابي بسمة من أقدم السّمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية (٤). وتجلّت هذه السمة واضحة في آيات الذكر الحكيم وما ورد فيه من قراءات ضمها كتاب الكنز نختار منها الآتي: ١ - تشديد نون المثنى إذا كان اسما موصولا أو اسم إشارة: ظهر هذا في قوله تعالى: واللذان يأتيانها منكم [النساء/ ١٦] وإن هذان لساحران [طه/ ٦٣] وإحدي ابنتي هاتين [القصص/ ٢٧] وفذانك برهانان [القصص/ ٣٢] وربنا أرنا اللذين (٥) [فصلت/ ٢٩]. فحقّ نون المثنى والملحق به الكسر، وفتحها لغة من لغات العرب (٦). وقد سمع عندهم تشديد نون المثني في اسم الإشارة والاسم الموصول فقط (٧). قال ابن هشام: ويجوز تشديد نونهما رفعا بالاتفاق وجرّا ونصبا خلافا للبصريين (٨). ونسب هذا التشديد إلى تميم وقيس وأسد، أما التخفيف فنسب إلى قريش (٩). وشدّدت النون هنا فى المثنى للتعويض عن الياء المحذوفة منه، إذ إن

стр. 60

الأصل المفرد للاسم الموصول هو (الذي)، وعند تثنيته تسقط الياء ويؤتى مكانها بالألف في حالة الرفع، وبالياء في حالتي النصب والجر، فهو قبل حذف الياء ستكون تثنيته (اللّذيان) أو (اللّذيين) وبعد حذفها سيكون (اللّذان) أو (اللّذين)، ثم جيء بنون ثانية مع النون الأولى كعوض عن الياء المحذوفة (١). وقيل: إن تشديد النون للدلالة على أن اسم الإشارة هنا مخالف لقياس المثنى الذي ليس بمبهم (٢). ٢ - إعراب المثنى والملحق به بالألف رفعا ونصبا وجرّا: ورد هذا في قراءة النصب لاسم الإشارة (هذان) في قوله تعالى: إن هذان لساحران (٣) [طه/ ٦٣]. والمشهور عند النحاة أن المثنى والملحق به ينصب بالياء، أما الصحيح عندهم فإعرابه بحركة مقدّرة على الياء. لكنه جاء هنا على لغة من يجعل المثنى والملحق به معربا بحركات مقدّرة على الألف مطلقا رفعا ونصبا وجرّا (٤). وإلى هذا ذهب ابن كيسان، ونقله ابن هشام غير منسوب إلى أحد وقال: وعلى هذا فقراءة (هذان) أقيس إذ الأصل في المبنيّ ألّا تختلف صيغه (٥). ٣ - صرف ما لا ينصرف: من العلل التي تمنع صرف الاسم علّة الجمع المتناهي أو ما تسمى بصيغة منتهى الجموع. وهي كل جمع وقع بعد ألف تكسيره حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن، فإن كان أوسطها متحركا صرف (٦). وعلّل ابن هشام منع هذه الصيغة من الانصراف بأنّ الجمع منزّل منزلة جمعين، فهو جمع انتهت إليه

стр. 61

الجموع ووقفت عنده فلم تجاوزه فكأنه جمع مرتين (١). وفي قوله تعالى: سلاسلا وأغلالا وسعيرا [الدهر/ ٤] قرأ المدنيان وهشام والكسائيّ وأبو بكر بتنوين (سلاسلا) في الوصل وقرأ حمزة ورويس بغير ألف (٢). وصرف (سلاسلا) هنا جاء لمناسبة ما بعده وهو جائز (٣) بل حسن؛ لأنها وليتها كلمتان منوّنتان فنوّنت مراعاة لهما (٤). وقال الزّجّاجي: إنّ ما لا ينصرف أصله الصرف وكثير من العرب لا يمتنع من صرف شيء في ضرورة شعر ولا غير، فالتنوين هنا ردّ إلى الأصل (٥). وقد ورد نظير هذا في قوله تعالى: قواريرا قوارير (٦) [الدهر/ ١٥، ١٦] حيث نوّنت (قواريرا) الأولى لأنها رأس آية، ورءوس الآي التي قبلها والتي بعدها كلّها منونة، أما (قواريرا) الثانية فنونت لمجاورتها للأولى (٧). ٤ - إعراب (لدن) الظرفية: وذلك في قوله تعالى: لينذر بأسا شديدا من لدنه [الكهف/ ٢] حيث قرأ عاصم برواية أبي بكر (لدنه) بإسكان الدال وإشمامها الضمّ مع كسر النون والهاء، وقرأ الباقون بضم الدال والهاء وسكون النون بينهما (٨). والذى عليه كلام العرب بناء هذا الظرف لشبهه بالحرف، وهو لا يخرج عن الظرفية إلا بجرّه ب (من) وهو الكثير فيه، ولم تعربه إلّا قبيلة قيس (٩). وعلى لغة هذه القبيلة جاءت رواية أبي بكر لقراءة عاصم (١٠).

стр. 62

٥ - حذف نون الوقاية من (لدنّي): تعدّ (لدن) من الظروف المبنية وهي بفتح اللام وضم الدال وسكون النون، وفيها عدة لغات (١). وقد ظهر حذف نون الوقاية من هذا الظرف في قوله تعالى: من لدني عذرا [الكهف/ ٧٦] حيث قرأ المدنيان بضم الدال وتخفيف النون، ورواه أبو بكر بسكون الدال وإشمام الضم مع تخفيف النون، بينما قرأ الباقون بضم الدال وتشديد النون (٢). والفصيح، أن نون الوقاية تلحق (لدن) المضاف إلى ياء المتكلم فتقرأ بتشديد النون، وحذف هذه النون قليل (٣) في الكلام، ولا يختص بالضرورة خلافا لسيبويه، والغالب إثبات هذه النون (٤). ٦ - حذف نون الرفع من الفعل المضارع المرفوع: وذلك في قوله تعالى: قل أفغير الله تأمروني أعبد [الزمر/ ٦٤]. فقد قرأ المدنيان بنون واحدة مخففة (٥). وهذه القراءة جاءت على حذف إحدى النونين؛ وذلك لأن العرب يستثقلون التضعيف كما ذكر سيبويه (٦). والنون المحذوفة هنا هي نون الرفع على أحد الرأيين (٧) وليست نون الوقاية. وقد ذهب إلى هذا ابن هشام فقال: (الصحيح أن المحذوف نون الرفع) (٨). وساق بعض المحدثين أدلة على هذا الرأي وعدّه من باب التّرخّص في الحذف الإعرابي (٩). ونظير هذا الحذف ما ورد في قراءة قوله تعالى: فبم تبشرون [الحجر/ ٥٤] وكذلك في قوله تعالى: تشاقون (١٠) [النحل/ ٢٧]. ٧ - رفع الفعل المضارع بعد حتى: ترد حتى في كلام العرب على عدة أوجه منها

стр. 63

أنها تنصب الفعل المضارع الواقع بعدها بنفسها على رأي الكوفيين، وب (أن) مضمرة بعدها على رأي البصريين لأنها عندهم حرف غاية وجرّ (١). ويبدو أن هذا الرأي هو الذى دفع السّهيليّ من نحاة الأندلس إلى القول بأنّ (حتى) حرف معناه في غيره لا في نفسه بخلاف الاسم (٢). وقد ورد رفع (حتى) للفعل المضارع بعدها في قوله تعالى: وزلزلوا حتى يقول الرسول [البقرة/ ٢١٤] حيث قرأ نافع برفع (يقول) (٣). وهذه القراءة على أن الفعل مؤول بالحال فيكون التقدير: حتى حالة الرسول والذين آمنوا معه أنهم يقولون ذلك (٤)، وأما قراءة النصب فعلى تقدير: إلى أن يقول الرسول (٥). ٨ - رفع الفعل المضارع ونصبه بعد (أن) المخففة: من نواصب الفعل المضارع (أن) المخففة. وشرط عملها هذا أن لا تقع بعد فعل من أفعال اليقين. ويجوز في الواقعة بعد الظن رفع الفعل المضارع بعدها وهو قليل. والأكثر في كلام العرب النصب وهو الأرجح (٦). وفي قوله تعالى: وحسبوا ألا تكون فتنة [المائدة/ ٧١] قرأ الكوفيون إلا عاصما (تكون) برفع النون، وقرأ الباقون بالنصب. وقال أبو حيان: وليس في الواقعة بعد الشك إلّا النصب (٧). ٩ - جزم الفعل المضارع بشرط مقدّر: ذهب ابن هشام إلى أنه إذا سقطت الفاء بعد الطلب وقصد معني الجزاء جزم الفعل جوابا لشرط مقدر لا بسبب الطّلب، وذلك لتضمن الفعل معنى الشرط (٨).

стр. 64

ونظير هذا، قراءة جزم الفعل يرثني من قوله تعالى: فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث (١) [مريم/ ٦]. فقراءة الجزم هنا على أنه جواب لفعل الطلب (هب)، أما قراءة الرفع فعلى أنه صفة ل (وليّ) فيكون المعني: وليّا وارثا (٢) وقال ابن جرير الطبري: وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ برفع الحرفين على الصلة للوليّ لأن الوليّ نكرة وأن زكريا إنما سأل ربه أن يهب له وليّا يكون بهذه الصفة كما روي عن رسول الله ﷺ ، لا أنه سأله وليّا ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته، لأن، ذلك لو كان كذلك كان ذلك من زكريا دخولا في علم الغيب الذى قد حجبه الله عن خلقه (٣). ١٠ - إعمال المصدر المنون: إذا نوّن المصدر نصب ما بعده على الظرف وعلى المفعول ونحوه (٤)، كما في قوله تعالى: أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما [البلد/ ١٤] حيث قرأ المكي وأبو عمرو والكسائي (أطعم) فعلا ماضيا (٥) فيكون (يتيما) منصوبا على أنه مفعول به للفعل. وقرأ الباقون (إطعام) فيكون (يتيما) منصوبا على أنه مفعول به للمصدر المنون (٦)؛ لأن المصدر المقدّر من أن والفعل يعمل عمل الفعل إذا كان مضافا أو منوّنا أو محلّى بالألف واللام (٧)، وإعماله محلّى بالألف واللام قليل (٨). وإعماله مضافا أكثر ومنونا أقيس (٩). ١١ - اسم الفاعل المنون: يعمل اسم الفاعل إذا كان منونا أو محلّى بالألف واللام (١٠). وقد ورد اسم الفاعل المنون المجرد من الألف واللام في قوله

стр. 65

تعالى: إن الله بالغ أمره [الطلاق/ ٣]. فروى حفص (بالغ) بغير تنوين مع جر (أمره)، وقرأ الباقون بتنوينه مع جر ما بعده (١). ولكل من القراءتين دلالة تختلف عن الأخرى. فالقراءة بدون تنوين على الإضافة تدل على الماضى، والقراءة بالتنوين تدل على الاستقبال (٢) وفيها يكون (أمره) منصوبا على أنه مفعول به لاسم الفاعل بمعنى سيبلغ أمره فيما يريد منكم (٣). ومن نظائر هذا الباب قراءة قوله تعالى: هل هن كاشفات ضره [الزمر/ ٣٨] وكذلك قراءة قوله تعالى: أو ممسكات رحمته (٤) [الزمر/ ٣٨]. ١٢ - إقامة المفعول به مقام الفاعل: ينوب المفعول به عن الفاعل بعد الفعل المبني للمجهول، ولا يصح قيام غيره من مصدر أو ظرف أو جار ومجرور. هذا هو مذهب البصريين عدا الأخفش (٥). وقد قرأ أبو جعفر قوله تعالى: ليجزي قوما بما كانوا يكسبون [الجاثية/ ١٤] بالياء والبناء للمجهول هكذا: (ليجزى)، فتمسّك بها الكوفيون على رأيهم الذى يجيز إقامة غير المفعول مقام الفاعل (٦). وهذا مخالف لأقيسة البصريين الذين قالوا إنّ النائب عن الفاعل في الآية هو ضمير الغفران (٧). ونظير هذا قراءة قوله تعالى: كذلك نجزي كل كفور [فاطر/ ٣٦] حيث قرأ أبو عمرو الفعل (نجزي) بياء مضمومة وفتح الزاي و (كلّ) بالرفع على أنه نائب فاعل (٨). ١٣ - تقديم خبر الفعل الناقص على اسمه: في جملة الفعل الناقص يقع الخبر بعد الاسم، ولكن قد يتقدم عليه وجوبا أو جوازا بشروط (٩). وهذا التقديم موافق

стр. 66

للقياس عند ابن جني (١). وفي قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم [البقرة/ ١٧٧] قرأ حمزة وحفص (البرّ) بالنصب (٢) على أنه خبر للفعل الناقص مقدم على اسمه. ومن العلماء من يرى هذه القراءة أرجح من جهة الصناعة، وعلل ذلك بأن المصدر من (أن) المصدرية يكون في قوة الضمير، والضمير يترجح جعله اسما (٣). والحقيقة أن هذه الأرجحية ربما كانت بسبب التقديم ذاته، أى تقديم الخبر على الاسم، حيث إن هذا التقديم له دلالة بلاغية أوقع من غيره، إذ إنّ العرب تقدم الذى بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعنى وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم (٤). وهذا التقديم والتأخير يدخل ضمن ما يسمى بالتأليف التام الذى يعدّ عنصرا من عناصر تأليف الجملة العربية (٥) لأن موقع المفردة يسهم إسهاما كبيرا في تفسير قيمة التقديم الفنية للنص ويمثل مرحلة من مراحل الاتصال بين المتلقي والمعنى المراد (٦). ١٤ - فتح وكسر همزة (إنّ) بعد فاء الجزاء: إذا وقعت (إنّ) بعد فاء الجزاء فيجوز فتحها وكسرها (٧). ورد هذا في قوله تعالى: كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم [الأنعام/ ٥٤]، حيث قرأ الشاميّ وعاصم ويعقوب (فأنّه) بفتح الهمزة وقرأ الباقون بكسرها (٨). وقراءة الفتح على جعل (أنّ) وصلتها مصدرا مبتدأ خبره محذوف والتقدير: فالغفران جزاؤه، أو على جعلها خبرا لمبتدإ محذوف، والتقدير: فجزاؤه الغفران. أما قراءة الكسر فعلى جعلها جملة جوابا ل (من) (٩).

стр. 67

ونظير هذا قراءة قوله تعالى: ندعوه إنه (١) [الطور/ ٢٨]. فمن قرأ بالفتح فعلى تقدير دخول لام التعليل؛ لأن هذه اللام إذا دخلت على (إنّ) لفظا أو تقديرا فتحت همزتها، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف والجواب لسؤال مقدر قبله (٢). وقال النحاس: (والكسر أبين لأنه إخبار بهذا فالأبلغ أن يبتدأ) (٣). ١٥ - إعمال (إن) المخففة عمل (إنّ) المشددة: تهمل (إن) المخففة عند أكثر العرب وإذا أهملت لزمتها اللام الفارقة بينها وبين (إن) النافية (٤)، ويقل عندئذ إعمالها كالمشددة إلا ما حكي عن سيبويه والأخفش (٥). ففي قوله تعالى: وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم [هود/ ١١١] قرئ بتخفيفها وتشديدها (٦). والذين قرءوا بتخفيفها خفّفوا أيضا (ما) التي بعدها. وعلى هذه القراءة يكون للآية إعرابان، في كلّ منهما تكون (إن) مؤكّدة عاملة عمل (إنّ) المشددة غير أن (ما) تقع اسما موصولا بمعنى الذى خبرا ل (إن)، وتقع أيضا زائدة (٧). وعند الكوفيين لا يجوز إعمال (إن) المخففة بأي حال من الأحوال (٨). ١٦ - الفصل بين (أنّ) المخففة وخبرها: إذا خففت (أنّ) المفتوحة بقيت على عملها، لكن اسمها لا يكون إلا ضمير الشأن محذوفا، وخبرها لا يكون إلّا جملة اسمية أو فعلية (٩). فإذا كان اسمها جملة اسمية لم يحتج إلى فاصل إلّا إذا

стр. 68

قصد النفي. وعلى عدم الفصل جاءت قراءة نافع ويعقوب لقوله تعالى: أن لعنة الله [النور/ ٧] بتخفيف (أنّ) ورفع ما بعدها (١). أما إذا كان خبرها جملة فعلية فعلها متصرف يفيد الدعاء فلا يفصل بينهما بفاصل (٢)، وعلى هذا جاءت قراءة نافع لقوله تعالى: أن غضب الله [النور/ ٩] بكسر الضاد فعلا ماضيا ورفع لفظ الجلالة فاعلا (٣). ١٧ - نصب المستثنى ورفعه: إذا كان الكلام في جملة الاستثناء منفيّا والمستثنى من جنس المستثنى منه الموجود في الجملة، فالمختار في المستثنى الرفع على أنه بدل حسب قول البصريين، أو على أنه عطف نسق حسب قول الكوفيين (٤). وفي قوله تعالى: ما فعلوه إلا قليل منهم [النساء/ ٦٦] قرأ الشامي بنصب (قليل)، وقرأ الباقون بالرفع (٥). فالقراءة بالنصب جاءت على الاستثناء الذي قال عنه مكي: (وهو بعيد في النفي، لكنه كذلك في مصاحف أهل الشام) (٦). والذى عليه ابن مالك وابن هشام أن النصب عربيّ جيد وفصيح شائع (٧). أما قراءة الرفع فقد جاءت على البدل من ضمير الجماعة الواو، وهو هنا بدل بعض من كل على رأي البصريين، أو على أنه معطوف على الفاعل المرفوع قبله وهو الواو (٨) على رأي الكوفيين الذين عدّوا (إلّا) حرف عطف بمنزلة لا العاطفة. وكان ثعلب قد اعترض على رأي البصريين وقال: كيف يكون (قليل) بدلا وهو موجب ومتبوعه منفي؟ لأنه كان ينكر مخالفة

стр. 69

البدل للمبدل منه في الإيجاب والنفي. وقد أجاب أبو سعيد السيرافي بأن تخالف البدل مع المبدل منه في النفي والإيجاب لا يمنع البدلية (١). ومن نظائر هذا قراءة قوله تعالى: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك [هود/ ٨١]. حيث قرأ العشرة إلا ابن كثير وأبا عمرو (امرأتك) بالنصب (٢). ١٨ - اقتران جملة الحال الفعلية بالواو. إذا وقع الحال جملة فعلية فعلها مضارع منفي بالحرف (لا) فيجوز أن يصحبها الواو رابطا لها بصاحب الحال (٣). وذهب ابن مالك في غير الألفية إلى أنّ هذا لا يجوز، وأنّ ما ورد مما ظاهره كذلك فإنه يؤول على إضمار مبتدأ (٤). وفي قراءة قوله تعالى: فاستقيما ولا تتبعان [يونس/ ٨٩] بتخفيف النون (٥) عند ابن عامر، يكون تقدير الكلام على رأي ابن مالك: وأنتما لا تتّبعان. ويقع (لا تتّبعان) خبرا لمبتدإ محذوف، والفعل هنا معرب على غير قراءة التشديد (٦). ١٩ - إضافة الظرف إلى الجملة الاسمية: عند إضافة الظرف إلى غير معرب ولا متمكّن يحسن فيه البناء على الفتح والإعراب أيضا (٧). وقد وردت الإضافة في قوله تعالي: ومن خزي يومئذ [هود/ ٦٦] حيث قرأ المدنيان والكسائي بفتح ميم (يومئذ) على البناء، وقرأ الباقون بكسره جرّا (٨). ويجوز عند الكوفيين أن تبنى ظروف الزمان مع الفعل المستقبل ولا يجوز ذلك عند البصريين؛ لأن المستقبل معرب (٩).

стр. 70

ومن نظائر هذا قراءة قوله تعالى: من فزع يومئذ [النمل/ ٨٩] وكذلك قوله تعالى: من عذاب يومئذ (١) [المعارج/ ١١]. ٢٠ - إضافة الظرف إلى الجملة الفعلية جوازا: وذلك في قوله تعالى: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم [المائدة/ ١١٩]. حيث قرأ نافع بنصب (يوم) وقرأ الباقون بالرفع (٢). ومذهب البصريين في الاسم المضاف جوازا إلى جملة فعلية فعلها مضارع هو وجوب إعراب هذا الاسم، ولا يجوز البناء إلّا في ما أضيف إلى جملة صدّرت بفعل ماض (٣). أما الكوفيون فيجيزون الإعراب والبناء، والإعراب أرجح، وتبعهم في هذا أبو على الفارسي وابن مالك في ألفيته (٤). وقال ابن عصفور: (والإعراب أحسن) (٥)، فيكون (يوم) مرفوعا على أنه خبر لاسم الإشارة قبله، ويكون على أحد الرأيين عند الكوفيين مبنيّا على الفتح لإضافته إلى الفعل، وعندئذ يحتمل موضعه النصب والرفع (٦). ٢١ - إضافة العدد (مائة) إلى الجمع: ذكر ابن مالك أن اسم العدد (مائة) لا يضاف إلّا إلى مفرد (٧). وقد وردت القراءة بإضافته إلى غير المفرد في قوله تعالى: ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين [الكهف/ ٢٥]. فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف بغير تنوين (مائة) بل بإضافتها إلى (سنين) (٨). وإضافة هذا العدد إلى الجمع ورد بقلّة على رأي ابن عقيل (٩)، وهو حسن في القياس قليل في

стр. 71

الاستعمال (١). وقال الرّضى: (وقد يجمع مميز المائة نحو: مائة رجال) (٢). ٢٢ - الفصل بين المتضايفين. أجاز الكوفيون في سعة الكلام الفصل بين المضاف الذى هو شبه الفعل والمضاف إليه بما نصبه المضاف من مفعول به أو ظرف أو شبهه، وإلى هذا ذهب ابن مالك (٣). وقد وردت القراءة بالفصل بينهما بمفعول المضاف في قوله تعالى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [الأنعام/ ١٢٧] حيث قرأ ابن عامر بنصب (أولادهم) على أنه مفعول به ل (قتل) وجرّ (شركائهم) على أنه مضاف إليه، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله (٤). ومثل هذا الفصل غير جائز عند البصريين إلّا في الشّعر مطلقا (٥). ووافق الزمخشريّ البصريين في هذا، وردّ قراءة ابن عامر في الآية الشريفة السابقة، وقال الصبان: (ولا عبرة بردّه مع ثبوتها بالتواتر) (٦). وكان ابن كيسان قد ذهب إلى أنه إذا فصل بين المضاف والمضاف إليه نوّن المضاف، وردّ صاحب الخزانة بأن هذا القول لا يلتفت إليه لأن العرب إذا فصلت بينهما لم تنوّن (٧). ٢٣ - العطف على الجوار: وذلك في قوله تعالى: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم [المائدة/ ٦] حيث قرأ نافع والشامي ويعقوب والكسائي بنصب (أرجلكم) وقرأ الباقون بالجر (٨). فقراءة النصب بالعطف على (أيديكم) المنصوب، ولا يضر الفصل بالجملة بين المعطوف والمعطوف عليه خلافا لابن

стр. 72

عصفور (١). أما قراءة الجر فبالعطف على (رءوسكم) المجرورة وهذا ما يسمى بالعطف على الجوار؛ وذلك لأن الواو انفردت عن سائر أحرف العطف بأنها تعطف على الجوار. وهذا العطف جائز في الجر خاصة (٢). وقيل إنّه عطف على (أيديكم) لا على (رءوسكم) (٣). وقال الزمخشري في توجيه هذه القراءة: (فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة، تغسل بصبّ الماء عليها فكانت مظنّة الإسراف المذموم المنهيّ عنه، فعطف على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها) (٤). ٢٤ - العطف على الضمير المخفوض: مذهب جمهور النحاة أن الضمير المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة الجار له. واختار هذا ابن مالك في ألفيته وقد أجاز الكوفيون العطف هنا دون إعادة، وهو ما ذهب إليه يونس والأخفش وبعدهما ابن عقيل في شرحه على الألفية واحتج بورود السماع نثرا ونظما (٥). وقد جاءت قراءة حمزة بجر (الأرحام) (٦) دون إعادة الخافض في قراءته لقوله تعالى: واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام [النساء/ ١] حيث جاء (الأرحام) معطوفا على الهاء المجرورة بالباء (٧). وجاءت قراءة الباقين بالنصب عطفا على لفظ الجلالة بعد حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مكانه، فصار تقدير الكلام:

стр. 73

واتقوا الله وقطع الأرحام. وهذا ما يسمى بعطف الخاص على العام، ومثل هذا العطف جائز سماعا وقياسا (١). وقال ابن جني في توجيه قراءة حمزة: (ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضعف على ما رآه فيها وذهب إليه أبو العباس (٢)، بل الأمر فيها دون ذلك وأخف وألطف؛ وذلك أنّ لحمزة أن يقول لأبي العباس: إنني لم أحمل (الأرحام) على العطف على المجرور المضمر بل اعتقدت أن تكون فيه باء ثانية حتى كأني قلت: (وبالأرحام) ثم حذفت الباء لتقدم ذكرها) (٣). ومن نظائر هذه القراءة ما ورد في قوله تعالى: ومن وراء إسحاق يعقوب [هود/ ٧١] حيث قرأ الشامي وحمزة وحفص (يعقوب) بالنصب وقرأ الباقون بالرفع على الباء (٤). فقراءة حمزة هنا، قال عنها الفراء إنه نوى بها الخفض ولا يجوز الخفض إلّا بإظهار الباء (٥). ولم يجوّز ابن جنى الفصل بين الجار والمجرور وجعله أصعب من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وقال: (وإنما كانت الآية أصعب مأخذا من قبل أنّ حرف العطف منها الذى هو الواو ناب عن الجار الذى هو الباء في قوله تعالى: إسحاق. وأقوى أحوال حرف العطف أن يكون في قوة العامل قبله وأن يلي من العمل ما كان الأول يليه، والجار لا يجوز فصله من مجروره) (٦). وذكر مكي أنّ ما قاله الفرّاء إنما هو مذهب الكسائي قبله (٧)، وإليه ذهب أبو علي، وقال: (فلا يخلو أن تعطفه على الباء الجارة كأنه أراد أنها بشّرت بهما) (٨). ٢٥ - العطف على الضمير المنصوب: أجاز ابن مالك وابن عقيل عطف الاسم

стр. 74

على الضمير المنصوب المتصل والمنفصل دون حاجة إلى فاصل بينهما (١). وقد ورد هذا العطف في الكنز في قراءة قوله تعالى: وقوم نوح من قبل [الذاريات/ ٤٦] حيث قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف بجر (قوم) وقرأ الباقون بالنصب (٢). فالقراءة بالنصب هنا على أنه معطوف على الهاء والميم في فأخذتهم [الذاريات/ ٤٤] أو معطوف على الهاء في فأخذناه [الذاريات/ ٤٠] أو على الهاء والميم في فنبذناهم [الذاريات/ ٤٠] وقيل أيضا إن العطف هنا ليس على الضمير بل على المفعولية بتقدير فعل قبله (٣). ٢٦. العطف على اسم (لا) الجنسية: إذا أتي بعد (لا) الجنسية والاسم الواقع بعدها بعاطف ونكرة مفردة وتكررت (لا)، فيجوز فيهما خمسة أوجه (٤)؛ وذلك لأن المعطوف عليه إمّا أن يبنى مع (لا) على الفتح أو ينصب أو يرفع. فإن رفع المعطوف عليه جاز في الثاني وجهان: أولهما البناء على الفتح وثانيهما الرفع (٥). وعلى الوجه الأول منهما جاءت قراءة ابن كثير وأبي عمرو في قوله تعالى: لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة [البقرة/ ٢٥٤] بالفتح في الثلاثة، وجاءت قراءة الباقين بالرفع فيهن. ومن نظائر هذا الباب قراءة قوله تعالى: لا بيع فيه ولا خلة [إبراهيم/ ٣١] وكذلك قوله تعالى: لا لغو فيها ولا تأثيم (٦) [الطور/ ٢٣]. ٢٧ - ياءات الأسماء المنقوصة والأفعال: للنحاة في الياءات اللاحقة للاسم والفعل مذاهب. والمختار عندهم في ياء الاسم المنقوص غير المنصوب الحذف

стр. 75

عند الوقف عليه (١)، كما في قوله تعالى: ولكل قوم هاد [الرعد/ ٧، ٣٣] ومن ولي ولا واق (٢) [الرعد/ ٣٧]. وإثبات الياء في مثل هذه الحالة جائز عند العرب، وكلا الإثبات والحذف من لغاتهم (٣). ولهم في ياء المتكلم المضافة إلى المنادى الصحيح خمسة أوجه، وقيل أربعة (٤) تدور بين الإثبات والحذف. فمثال إثباتها ما ورد في قوله تعالى: يا عبادي الذين آمنوا (٥) [العنكبوت/ ٥٦]، ومثال حذفها ما ورد في قوله تعالى: قال رب احكم (٦) [الأنبياء/ ١١٢] ويا عباد فاتقون (٧) [الزمر/ ١٦]. أما الياء المضافة في النداء إلى مثل يا أبت [يوسف/ ٤]، و (أمّت)، فلم يجوّزوا إثباتها بل تحذف لأن التاء عوض عنها، فلا يجمع بين العوض والمعوّض منه، وتكون حركة التاء هنا بالفتح أو الكسر وكلاهما جائز (٨). أما الياء اللاحقة للفعل، للعرب فيها الحذف مرة والإثبات مرة. فمن حذفها اكتفى بالكسرة التي قبلها دليلا عليها وذلك أنها كالصلة إذ سكنت، وهي في آخر الحروف واستثقلت فحذفت، ومن أتمّها فهو البناء والأصل (٩). وقد ظهر الحذف في قوله تعالى: يوم يأت (١٠) [هود/ ١٠٥] تخفيفا واجتزاء بالكسرة على لغة هذيل وهو كثير فيها (١١). وفسّر بعض المحدثين حذف الياءات بأنه من باب الترخص في الحركة الإعرابية
следующие страницы →