← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 29878

مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح

سراج الدين البلقيني

Полный текст (952 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وفي صدر (صحيح مسلم): " المرسَلُ في أصل ِ قولِنا وقول ِ أهل العلم بالأخبار، ليس بِحُجَّةٍ " (١). و " ابنُ عبدالبر: حافظُ المغرب " ممن حَكى ذلك (٢) عن جماعةِ أصحابِ الحديث. والاحتجاجُ به مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأصحابهما في طائفةٍ (٣) *. والله أعلم. ثم إنا لَم نَعُدّ في أنواع المرسَل ِ ونحوِه، ما يُسَمَّى في أصول ِ الفقه مرسَلَ الصحابيِّ، مثل ما يرويه " ابنُ عباس " وغيرُه من أحداثِ الصحابةِ عن رسول ِ الله ﷺ ، ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حُكم الموصول ِ المسندِ؛ لأن روايتَهم عن الصحابةِ **، والجهالةُ

стр. 212

بالصحابيِّ غيرُ قادحةٍ؛ لأن الصحابة كلهم عُدول (١). والله أعلم (٢).

стр. 213

النوع العاشر: معرفة المنقطِع . وفيه، وفي الفرق بينه وبين المرسَل، مذاهبُ لأهل ِ الحديث وغيرهم. فمنها ما سبق في نوع المرسل عن " الحاكم " صاحبِ كتاب (معرفة أنواع علوم الحديث) من أن المرسَل مخصوصٌ بالتابعي، وأن المنقطع منه: الإِسنادُ الذي فيه قبل الوصول ِ إلى التابعي راوٍ لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غيرُ مذكورٍ لا مُعَينا ولا مُبْهمًا، ومنه [١٢ / ظ] الإِسنادُ الذي ذُكر فيه بعضُ رواتِه بلفظٍ مبهم، نحو: رجل ٍ، أو شيخ، أو غيرِهما (١). مثالُ الأول: ما رويناه عن عبدالرزاق، عن سُفيانَ الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْع، عن حذيفةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن وليتموها أبا بكرٍ فقويٌّ أمين ... " الحديث. فهذا إسنادٌ إذا تأمله الحديثيُّ وجد صورتَه صورةَ المتصل، وهو منقطع في موضعين؛ لأن عبدَالرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما سمعه من النعمانِ بنِ أبي شيبةَ الجَنَدِي عن الثوري، ولم يسمعه الثوريُّ أيضًا من أبي إسحاق، إنما سمعه من شَريكٍ عن أبي إسحاق (٢). ومثال الثاني: الحديثُ الذي رويناه عن أبي العلاء بن عبدِالله بنِ الشِّخِّير، عن رجُلين، عن شَدَّاد بن أوس، عن رسول الله ﷺ في الدعاء في الصلاة: " اللهم إني أسألك "

стр. 214

الثباتَ في الأمر ... " (١) الحديث. والله أعلم *. ومنها، ما ذكره " ابنُ عبدالبر " ﵀، وهو أن المرسَل مخصوصٌ بالتابعين، والمنقطع شاملٌ له ولغيره. وهو عنده: " كل ما لا يتصل إسنادُه، سواء كان يُعزَى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره " (٢) **. ومنها، أن المنقطع مثلُ المرسل، وكلاهما شاملان لكلِّ ما لا يتصل إسنادُه. وهذا المذهب أقربُ، صار إليه طوائفُ من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره " الحافظ أبو بكر

стр. 215

الخطيب " في (كفايته)، إلا أن أكثر ما يوصَف بالإِرسال من حيث الاستعمالُ: ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ، وأكثر ما يوصف بالانقطاع: ما رواه مَنْ دونَ التابعين عن الصحابة، مثل مالك عن ابن عمر، ونحو ذلك (١). والله أعلم. ومنها ما حكاه " الخطيب أبو بكر " عن بعض ِ أهل ِ العلم بالحديث، أن المنقطع ما رُوِي عن التابعي أو مَنْ دُونَه موقوفًا عليه من قوله أو فعله. وهذا غريب * بعيد. والله أعلم (٢).

стр. 216

النوع الحادي عشر: معرفة المُعْضَل . وهو لقبٌ لنوع خاصٍّ من المنقطع: فكل معضَل ٍ منقطعٌ، وليس كلُّ منقطع معضَلا. وقوم يسمونه مُرْسَلا كما سبق، وهو عبارة عما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا. وأصحابُ الحديث يقولون: أعضله فهو معضَل، بفتح الضاد، وهو اصطلاح مُشكِلُ المأخذِ من حيث اللغةُ، وبحثت فوجدت له قولهم: أمر عضيل: أي مستغلَق شديد. ولا التفاتَ في ذلك إلى: معضِل، بكسر الضاد، وإن كان مثل عضيل في المعنى (١) *.

стр. 217

ومثالُه ما يَرويه تابعيُّ التابعيِّ قائلا فيه: قال رسولُ الله ﷺ . وكذلك ما يرويه مَنْ دُونَ تابعي التابعي عن رسول الله ﷺ ، أو عن أبي بكر وعمر وغيرهما، غيرَ ذاكرٍ للوسائط بينه وبينهم (١). وذكر " أبو نصر السِّجِزِّي الحافظُ " قولَ الراوي: بلغَني، نحو قول ِ " مالك ": بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لِلمملوكِ طعامُه

стр. 218

وكسوتُه ... " الحديث. وقال (١): أصحابُ الحديث يسمونه المعضَل (٢). قال المملي - أبقاه الله -: وقولُ المصنِّفين من الفقهاء وغيرهم: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، ونحو ذلك؛ كلُّه من قبيل المعضَل؛ لما تقدَّم. وسمَّاه " الخطيبُ أبو بكر الحافظُ " في بعض كلامه: مرسَلا (٣). وذلك على مذهب مَن يسمي كلَّ ما لا يتصلُ مرسَلا كما سبق *.

стр. 219

وإذا رَوَى التابع عن التابع ِ حديثًا موقوفًا عليه، وهو حديث متصل مُسنَدٌ إلى رسول ِ الله ﷺ ؛ فقد جعله " الحاكم أبو عبدالله " نوعًا من المعضَل. مثالُه: ما رويناه عن الأعمش، عن الشعبي، قال: " يقال للرجل يوم القيامة: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: ما عملتُه. فيُختَم على فيه ... " الحديث؛ فقد أعضله الأعمشُ، وهو عند الشعبي: " عن (١) أنس ٍ عن رسول الله ﷺ " متصلا مسندًا (٢). قال المملي - أبقاه الله -: هذا جيد حسن؛ لأن هذا الانقطاع بواحدٍ مضمومًا إلى الوقف، يشتمل على الانقطاع باثنين: الصحابي، ورسول الله ﷺ . فذلك باستحقاق اسم الإِعضال أوْلَى. والله أعلم.

стр. 220

تفريعات: أحدُها: الإِسناد المعنعَنُ، وهو الذي يقالُ فيه: فلان عن فلان. عَدَّه بعضُ الناس من قبيل المرسَل والمنقطِع ، حتى يبينَ اتصالُه، بغيرِه. والصحيحُ والذي عليه العملُ، أنه من قبيل ِ الإِسنادِ المتصل. وإلى هذا ذهب الجماهيرُ من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقَبلوه. وكاد (١) " أبو عمر ابن عبدالبر الحافظ " يَدَّعي إجماع أئمة الحديث على ذلك. وادّعى " أبو عمرو الداني (٢) المقرئ الحافظُ " إجماع أهل النقل ِ (٣) على ذلك. وهذا بشرط أن يكونَ الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتتْ ملاقاةُ بعضهم بعضا مع براءتهم من وصمة التدليس، فحينئذ يُحمَلُ على ظاهر الاتصال، إلا أن يظهر فيه خلافُ ذلك. وكثُر في عصرِنا وما قاربه، بين المنتسبين إلى الحديث استعمالُ " عن " في الإجازة، فإذا قال أحدهم: قرأتُ على فلان عن فلان، أو نحو ذلك، فَظُنَّ به أنه رواه عنه بالإِجازة (٣)، ولا يُخرجه ذلك من قبيل ِ الاتصال على ما لا يخفى. والله أعلم. الثاني: اختلفوا في قول الراوي: أن فلانًا قال كذا وكذا؛ هل هو بمنزلة " عن " في الحَمْل ِ على الاتصال إذا ثبت التلاقي بينهما، حتى يتبين فيه الانقطاعُ؟ مثالُه: " مالك، عن الزهري: أن سعيد بن المسيب قال كذا ". فروينا عن " مالك - رضي

стр. 221

الله عنه - " أنه كان يرى " عن فلان " و " أن فلانًا " سواء (١). وعن " أحمد بن حنبل " ﵁ أنهما ليسا سواءً (٢). وحكى " ابنُ عبدالبر " عن جمهور أهل العلم، أن (عن) و (أنَّ) سواء. وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة. - يعني مع السلامة من التدليس - فإذا كان سماعُ بعضِهم من بعض صحيحًا؛ كان حديثُ بعضِهم عن بعض بأيِّ لفظٍ وَرَدَ، محمولا على الاتصال حتى يتبين فيه الانقطاعُ (٣). وحكى " ابنُ عبدالبر " عن " أبي بكر البردِيجي " أن حرف " أنَّ، محمولٌ على الاتقطاع حتى يتبين السماعُ في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى " (٤). وقال: عندي لا معنى لهذا؛ لإجماعهم على أن الإِسنادَ المتصل بالصحابي سواءٌ فيه، قال: قال رسول الله ﷺ ، أو أن رسول الله ﷺ قال، أو عن رسول الله ﷺ أنه قال، أو: سمعتُ رسول الله ﷺ (٥) -. والله أعلم. قال الشيخ - أبقاه الله -: ووجدت مثل ما حكاه عن " البرديجي، أبي بكر الحافظ (٦) ".

стр. 222

للحافظ الفحل " يعقوبَ بنِ شيبةَ " في (مسنده) الفحل ِ، فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير عن ابن الحنفية عن عمار، قال: " أتيت النبيَّ ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه، فردَّ عليَّ السلامَ .. " وجعله مسندًا موصولا. وذكر رواية قيس بن سعد لذلك، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية: " أن عمارًا مرَّ بالنبي ﷺ وهو يصلي .. " فجعله مرسلا من حيث كونه قال: إن عمارًا فعل، ولم يقل: عن عمار (١). والله أعلم. ثم إن " الخطيبَ " مَثَّلَ هذه المسألةَ بحديث نافع عن ابن عمر عن عمر أنه سأل النبي ﷺ : " أينام أحدُنا وهو جُنُب؟ .. " الحديث. وفي رواية أخرى، عن نافع عن ابن عمر، أن عمر قال: " يا رسول الله .. " الحديث (٢). ثم قال: ظاهرُ الرواية الأولى، يوجب أن يكون من مسندِ عُمَرَ عن النبي ﷺ ، والثانيةُ ظاهرُها يوجب أن يكونَ من مسنَدِ ابن عمر، عن النبي ﷺ . قال الشيخ - أبقاه الله -: ليس هذا المثالُ مماثلا لما نحن بِصددِه؛ لأن الاعتمادَ فيه في الحكم بالاتصال على مذهب الجمهور؛ إنما هو على اللقاءِ والإِدراك، وذلك في هذا الحديث مشتَرَكٌ متردِّد؛ لتعلقه بالنبي ﷺ ، وبعمر ﵁، وصحبةِ الراوي ابن عمر لهما، فاقتضى ذلك من جهةٍ، كونَه (٣) رواه عن النبي ﷺ ، ومن جهةٍ أخرى، كونَه رواه عن عمر عن رسول الله ﷺ (٤) -. والله أعلم *.

стр. 223

الثالث: قد ذكرنا ما حكاه " ابنُ عبدالبر " من تعميم الحكم بالاتصال فيما يذكره الراوي عن من لقيه بأي لفظٍ كان . وهكذا أطلق " أبو بكر الشافعي الصيرفي " (١) ذلك فقال: " كلُّ من عُلِم له سماعٌ من إِنسان فحدَّث عنه، فهو [١٤ / و] على السماع، حتى يُعلَم أنه لم يسمع ما حكاه، وكل من عُلِم له لِقاءُ إنسانٍ فحدَّث عنه؛ فحكمُه هذا الحكمُ ". وإنما قال هذا فيمن لم يظهر تدليسُه. ومن الحجة في ذلك وفي سائر الباب؛ أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإِطلاقِه الروايةَ عنه من غير ذكْر الواسطة بينه وبينه، مدلِّسًا. والظاهرُ السلامةُ من وصمةِ التدليس، والكلامُ فيمن لم يُعرف بالتدليس (٢). ومن أمثلة ذلك قولُه: قال فلان كذا وكذا؛ مثل أن يقول نافع: قال ابن عمر، وكذلك لو قال عنه: ذَكَر، أو: فعل، أو: حدث، أو: كان يقول كذا وكذا، وما جانس ذلك. فكل ذلك محمولٌ ظاهرًا على الاتصال، وأنه تلقى ذلك منه من غير واسطة بينهما، مهما ثبت لقاؤه له على الجملة *. ثم منهم من اقتصر في هذا الشرط المشروطِ في ذلك ونحوه، على مطلَق اللقاءِ

стр. 224

أو السماع، كما حكيناه آنفًا. وقال فيه " أبو عمرو المقرئ ": (١) إذا كان معروفًا بالرواية عنه. وقال فيه " أبو الحسن القابسي ": إذا أدرك المنقولَ عنه إدراكًأ بيِّنًا. وذكر " أبو المظفر السمعاني (٢) " في العنعنة، أنه يُشترط طولُ الصحبة بينهم. وأنكر " مسلم بنُ الحجاج " في خطبة (صحيحه) على بعض ِ أهل ِ عصره، حيث اشترط في العنعنة ثبوتَ اللقاء والاجتماع. وادَّعى أنه قولٌ مخترَع لم يُسبَق قائلُه إليه، وأن القولَ الشائع المتفقَ عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا، أنه يكفي في ذلك أن يثبت كونُهما في عصر واحد، وإن لم يأتِ في خبرٍ قط أنهما اجتمعا أو تشافهَا (٣). وفيما قاله " مسلم " نظرٌ، وقد قيل إن القول الذي ردَّه " مسلم " * هو الذي عليه أئمةُ هذا العلم (٤): " علي ابن المديني، والبخاري " وغيرهما. والله أعلم.

стр. 225

.............................................................................................................................

стр. 226

قال الشيخ - أبقاه الله -: وهذا الحكم لا أراه يَستمرُّ بعد المتقدمين فيما وُجِدَ من المصنفين في تصانيفهم، مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه: ذكر فلان، قال فلان، ونحو ذلك؛ فافهم كلَّ ذلك؛ فإنه مُهم عزيز (١). والله أعلم. الرابع: التعليقُ الذي يذكره " أبو عبدالله الحميدي " صاحب (الجمع بين الصحيحين) [ ١٤ / ظ] وغيره من المغاربة، في أحاديثَ من (صحيح البخاري) قطع إسنادَها، وقد استعمله " الدارقطني " من قبل: صورتُه صورةُ الانقطاع وليس حكمُه حكمَه، ولا خارجًا ما وُجِدَ ذلك فيه منه، من قَبيل ِ الصحيح إلى قبيل ِ الضعيف. وذلك لما عُرِفَ من شَرْطِه وحُكمِه، على ما نبهنا عليه في الفائدة السادسة من النوع الأول *. ولا التفات إلى " أبي محمد بن حزم الظاهري، الحافظ " في ردِّه ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، عن رسول الله ﷺ : " لَيكونَنَّ في أمتي أقوام يستحلون الحريرَ والخمرَ والمعازفَ " .. الحديث؛ من جهةِ أن البخاري أورده قائلا فيه: " قال هشام بن عمار ". وساقه بإسناده (٢). فزعم " ابنُ حزم " أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج ِ به على تحريم ِ المعازف (٣). وأخطأ في ذلك من وجوه. والحديث صحيح معروفُ الاتصال بشرط (الصحيح). و " البخاري " ﵀ قد يفعل مثلَ ذلك لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات،

стр. 227

عن ذلك الشخص الذي علَّقه عنه. وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخرَ من كتابه مسندًا متصلا. وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خللُ الانقطاع *. والله أعلم. وما ذكرناه من الحُكم في التعليق المذكور؛ فذلك فيما أورده منه أصلا ومقصودًا، لا فيما أورده في معرض الاستشهاد؛ فإن الشواهدَ يُحتمَل فيها ما ليس من شرط الصحيح، معلَّقا كان أو موصولا. ثم إن لفظ التعليق وجدتُه مستعملاً فيما حُذِفَ من مبتدإ إسنادِه واحدٌ فأكثر، حتى إن بعضَهم استعمله في حذف كلِّ الإِسناد. مثال ذلك قوله: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، قال ابن عباس كذا وكذا، روى أبو هريرة كذا وكذا، قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا وكذا، وهكذا إلى شيوخ شيوخه. وأما ما أورده كذلك عن شيوخه فهو من قبيل ما ذكرناه قريبًا في الثالث من هذه التفريعات. وبلغني عن بعض المتأخرين من أهل المغرب [١٥ / و] جعله قسمًا من التعليق ثانيًا، وأضاف إليه قولَ " البخاري " في غير موضع من كتابه: " وقال لي فلان، وروانا فلان "؛ فوسم كلَّ ذلك بالتعليق المتصل ِ من حيث الظاهرُ، المنفصل ِ من حيث المعنى. وقال: متى رأيت البخاري يقول: " وقال لي فلان، وقال لنا " فاعلم أنه إسناد لم يذكره للاحتجاج به وإنما ذكره للاستشهاد به. وكثيرًا ما يعبر المحدِّثون بهذا اللفظ عما جرى بينهم في المذكرات والمناظرات، وأحاديثُ المذاكرة قلما يَحتجون بها. قال الشيخ - أبقاه الله -: وما ادَّعاه على " البخاري " مخالفٌ لما قاله مَن هو أقدمُ منه وأعرفُ بالبخاري، وهو العبد الصالح " أبو جعفر بنُ حمدانَ النيسابوري " فقد روينا عنه أنه قال: كل ما قاله البخاري: " قال لي فلان " فهو عَرْضٌ ومُناولة.

стр. 228

قال الشيخ - أبقاه الله -: ولم أجد لفظ التعليق مستعملا فيما سقط فيه بعضُ رجال الإِسناد من وسطِه أو من آخره، ولا في مثل قوله: " يُروَى عن فلان، ويُذكَر عن فلان " وما أشبهه، مما ليس فيه جزم على من ذكَرَ ذلك عنه، بأنه قاله وذكره. وكأن هذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوهِ، لما يشترك الجميعُ فيه من قطع الاتصال *. والله أعلم (١). الخامس: الحديثُ الذي رواه بعضُ الثقات مرسَلاً وبعضُهم متصلا ؛ اختلف أهلُ الحديث في أنه ملحَق بقبيل ِ الموصول أو بقبيل ِ المرسل. مثاله: " لا نكاحَ إلا بوليٍّ " رواه إسرائيلُ بن يونسَ في آخرين، عن جَدِّه أبي إسحاق (٢) السَّبيعي، عن أبي بُرْدةَ، عن أبيه (٣) عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ ؛ مسندًا هكذا متصلا .. ورواه سفيان الثوري، وشعبة، عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي

стр. 229

- ﷺ مرسَلا هكذا. فَحكَى " الخطيبُ الحافظ " أن أكثر أصحابِ الحديث يَرون الحُكم في هذا وأشباهِه للمرسَل. وعن بعضِهم أن الحُكم للأكثر، وعن بعضِهم أن الحكم للأحفَظ. فإذا كان من أرسله أحفظَ ممن وصله فالحكم لمن [١٥ / ظ] أرسله. ثم لا يقدح ذلك في عدالةِ مَنْ وصله وأهلِيته. ومنهم من قال: مَنْ أسند حديثًا قد أرسله الحُفَّاظُ، فإرسالُهم له يقدح في مُسندِه وفي عدالته وأهليته. ومنهم من قال: الحُكم لمن أسنده، إذا كان عدلا ضابطًا، فيقبل خبرُه وإن خالفه غيره، سواء كان المخالفُ له واحدًا أو جماعة. قال " الخطيب ": هذا القول هو الصحيح (١). قلت: وما صححه؛ هو الصحيحُ في الفقه وأصوله. وسُئل " البخاري " عن حديثِ " لا نكاح إلا بِوليٍّ " المذكور، فحكَم لمن وصَلَه، وقال: " الزيادةُ من الثقة مقبولة. فقال " البخاري " هذا، مع أن مَنْ أرسله " شعبةُ، وسفيانُ " وهما جَبَلانِ لهما من الحفظِ والإِتقان الدرجةُ العاليةُ " (٢). ويلتحق بهذا، ما إذا كان الذي وصله هو الذي أرسله، وصلَه في وقتٍ وأرسلَه في وقت. وهكذا إذا رفع بعضُهم الحديثَ إلى النبي ﷺ ووقفه بعضُهم على الصحابي، أو رفعه واحدٌ في وقتٍ، ووقَفَه هو أيضًا في وقت آخرَ، فالحكمُ على الأصحِّ في كل ذلك لما زاده الثقةُ من الوصل والرفع؛ لأنه مُثبِتٌ وغيره ساكت، ولو كان نافيًا فالمثبِتُ مُقدَّم عليه؛ لأنه عَلِم ما خَفِيَ عليه (٣). ولهذا الفصل تَعَلُّقٌ بفصل ِ (زيادةِ الثقة في الحديث) وسيأتي - إن شاء الله - تعالى. والله أعلم (٤).

стр. 230

النوع الثاني عشر: معرفة التدليس وحُكم المدلس . التدليس (١) قسمان: أحدهما: تدليس الإِسناد: وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه

стр. 231

منه؛ أو عمَّن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحدٌ وقد يكون أكثر. ومن شأنه ألا يقولَ في ذلك: " أخبرنا فلان " ولا " حدثنا " وما أشبههما، وإنما يقول: " قال فلان، أو: عن فلان " ونحو ذلك (١). مثال ذلك: ما روينا عن " علي بن خشرم " قال: كنا عند ابن عيينة، فقال: " قال (٢) الزهري ". فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت ثم قال: " قال (٣) [١٧ / و] الزهري " فقيل له: سمعتَه من الزهري؟ فقال: " لا، لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبدالرزاق عن معمر عن الزهري (٤) ".

стр. 232

القسم الثاني: تدليسُ الشيوخ، وهو أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه منه فيسميه، أو يكنيه أو يَنسُبه أو يصفه، بما لا يُعرَفُ به؛ كي لا يُعرفَ *. مثاله: ما رُوِي لنا عن " أبي بكر بن مجاهد، الإِمام المقرئ " أنه رَوى عن أبي بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني فقال: " حدثنا عبدالله بن أبي عبدالله " ورَوى عن " أبي بكر محمد بن الحسن النقاش المفسر المقرئ " فقال: " حدثنا محمد بن سند " نَسَبَه إلى جَدٍّ له (١). والله أعلم **.

стр. 233

أما القسم الأول فمكروه جدًّا، ذمه أكثرُ العلماء، وكان " شعبةُ " من أشدهم ذمًّا له. فروينا عن " الشافعي الإِمام " عنه، (١) أنه قال: " التدليس أخو الكذب ". وروينا عنه أنه

стр. 234

قال: " لأَن أزني أحبُّ إليَّ من أن أدلس " (١). وهذا من " شعبةَ " إفراطٌ محمولٌ على المبالغة في الزجر عنه والتنفير *.

стр. 235

ثم اختلفوا في قبول رواية من عُرِفَ بهذا التدليس، فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا: لا تُقبَل روايتُه بحال ٍ، بَيَّن السماع أو لم يُبَيِّنْ. والصحيح التفصيلُ: وأن ما رواه المدلِّسُ بلفظٍ محتمل لم يبيِّن فيه السماعَ والاتصالَ، حُكمُه حُكْمُ المرسَل وأنواعِه، وما رواه بلفظ مُبيِّنٍ للاتصال نحو: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا .. وأشباهِها؛ فهو مقبول مُحتَجٌّ به، وفي (الصحيحين) وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًّا، كَـ: قتادةَ، والأعمش، والسُّفيانَيْنِ، وهُشَيْم بن بَشِيرٍ، وغيرِهم. وهذا لأن التدليس ليس كذبًا وإنما هو ضرب من الإِيهام بلفظ محتمل. والحكم بأنه لا يُقْبَلُ من المدلِّس حتى يُبَيِّنَ، قد أجراه " الشافعيُّ " ﵁ فيمن عرفناه دلَّس مرةً (١). والله أعلم. وأما القسم الثاني فأمرُه أخَفُّ، وفيه تضييع للمرويِّ عنه وتوعيرٌ لطريق معرفته على من يطلب الوقوفَ على حاله وأهليته *. ويختلف الحالُ في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه، فقد يحمله على ذلك كون [١٧ / ظ] شيخه الذي غَيَّرَ سِمَتَه غير ثقة، أو كونُه متأخرَ الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعةٌ دونه، أو كونُه أصغرَ سنًّا من الراوي

стр. 236

عنه، أو كونُه كثيرَ الرواية عنه، فلا يُحبُّ الإكثارَ من ذكرِ شخص ٍ واحد على صورة واحدَة (١). وتَسمح بذلك جماعةٌ من الرواة المصنفين، منهم " الخطيبُ أبو بكر " فقد كان لهِجًا به في تصانيفه. والله أعلم (٢).

стр. 237

النوع الثالث عشر: معرفة الشاذِّ . روينا عن " يونس بن عبد الأعلى " قال: قال لي " الشافعي " ﵁ (١): " ليس الشاذُّ من الحديث أن يروي الثقةُ ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يرويَ الثقةُ حديثا يخالفُ ما روَى الناس " (٢). وحكى " الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني " نحوَ هذا عن الشافعي ﵀، وجماعةٍ من أهل الحجاز ثم قال: " الذي عليه حُفَّاظُ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذُّ بذلك شيخٌ، ثقةً كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يُقبَل، وما كان عن ثقة؛ يُتوَقَّف فيه ولا يُحْتَجُّ به ". وذكر " الحاكم أبو عبدالله الحافظ " أن الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل بمتابع (٣) لذلك الثقة. وذكر أنه يغاير المعلَّلَ، من حيث أن المعلَل (٤) وُقِفَ على عِلَّتِه الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علةٍ كذلك (٥). قال الشيخ - أبقاه الله -: أما ما حكم " الشافعيُّ " عليه بالشذوذ؛ فلا إِشكالَ في أنه شاذ غير مقبول. وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدلُ الحافظ الضابط، كحديثِ " إنما الأعمال بالنيات " فإنه حديث فرد؛ تفرد به " عمرُ " ﵁ عن

стр. 238

رسول الله ﷺ ثم تفرد به عن عمر: " علقمةُ بن وقاص " (١) ثم عن علقمة: " محمدُ بن إبراهيم " ثم عنه (٢): " يحيى بنُ سعيد " على ما هو الصحيح عند أهل الحديث *.

стр. 239

.............................................................................................................................

стр. 240

.............................................................................................................................

стр. 241

وأوضَحُ من ذلك في ذلك، حديثُ عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ نَهى عن بيع الولاء وهَبتِه (١)؛ تفرد به " عبدالله بن دينار ". وحديثُ مالك عن الزهري عن أنس " أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسِه المغفرُ " (٢) تفرد به مالكٌ عن الزهري *. فكل هذه مخرجَة في (الصحيحين) مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثِقَةٌ. وفي غرائب

стр. 242

الصحيح أشباهٌ لذلك غيرُ قليلة. وقد قال " مسلم بن الحجاج ": للزهري نحو تسعين حرفًا يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيها أحدٌ، بأسانيدَ جِياد. والله أعلم.

стр. 243

فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمةِ الحديث، يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به " الخليلي، والحاكم " بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيِّنه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نُظِرَ فيه؛ فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه مَنْ هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبطُ، كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا. وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فَيُنْظَر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطِه؛ قُبِلَ ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة؛ وإن لم يكن ممن يوثَق وإتقانه لذلك الذي انفرد به؛ كان انفراده به خارِمًا له مُزَحزِحًا له عن حيِّز الصحيح. ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتبَ متفاوتةٍ بحسب الحال فيه؛ فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه، استحسنَّا حديثه ذلك، ولم نحطّه إلى قبيل الحديث الضعيف. وإن كان بعيدًا من ذلك، رددنا ما انفرد به وكان من قبيل ِ الشاذ المنكر. فخرج من ذلك أن الشاذَ المردودَ قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالِف. والثاني: الفرد الذي ليس في رواية من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذُ من النكارة والضعف. والله أعلم (١).

стр. 244

النوع الرابع عشر: معرفة المنكَر من الحديث . [١٨ / ظ] بلغنا عن " أبي بكر أحمد بن هارون البَردِيجي الحافظ " أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يُعرَف متنُه من غير روايته: لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر. فأطلق " البرديجي " ذلك ولم يفصل. وإطلاقُ الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث. والصوابُ فيه التفصيلُ الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ. وعند هذا نقول: المنكرُ ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ؛ فإنه بمعناه. مثال الأول - وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات -: روايةُ مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عُمَرَ بن عثمان عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال: " لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ " فخالف " مالك " غيرَه من الثقات في قوله: " عُمَرَ بن عثمان " بضمِّ العين. وذكر " مسلم " صاحب (الصحيح) في كتاب التمييز، أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: " عَمرو بن عثمان " يعني: بفتح العين، وذكر أن " مالكًا " كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثما، كأنه علم أنهم يخالفونه (١). وعمرو وعُمر جميعًا: ولدا

стр. 245

عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن " عَمرو " بفتح العين، وحكم " مسلم " وغيره (١) على " مالك " بالوهم فيه. والله أعلم *. ومثال الثاني - وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإِتقان ما يحتمل معه تفرده -: ما رويناه من حديث أبي زُكَير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: " كلوا البلح بالتمر؛ فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديدَ بالخَلق " تفرد به " أبو زكير " وهو شيخ صالح أخرج عنه " مسلم " في كتابه (٢)، غير أنه لم يبلغ

стр. 246

مبلغ من يُحْتَمَلُ تفردُه. والله أعلم *.

стр. 247

النوع الخامس عشر: [١٩ / و] معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد (١). هذه أمورٌ يتداولونها في نظرهم في حال الحديث؛ هل تفرد به راويه أو لا؟ وهل هو معروف أو لا؟ ذكر " أبو حاتم محمد بن حبَّانَ التميمي الحافظ " - رحمه الله تعالى (٢)، أن طريق الاعتبار في الأخبار مثالُه: أن يرويَ: " حمادُ بن سلمة " حديثًا لم يتابَع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فينظَر: هل روى ذلك ثقةٌ غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وُجِد؛ عُلِمَ أن للخبر أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك؛ فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي ﷺ ، فأي ذلك وَجِدَ؛ يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلا فلا. قال الشيخ - أبقاه الله -: فمثال المتابعة: أن يَروِيَ ذلك الحديثَ بعينِه عن أيوب غيرُ حماد (٣)، فهذه المتابعة التامة. فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب، ولكن رواه بعضهم عن ابن سيرين، أو عن أبي هريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله ﷺ فذلك قد يُطلقُ عليه اسمُ المتابعة أيضًا، ولكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بُعْدِها منها، ويجوز أن يُسَمى ذلك بالشاهد أيضًا (٤)، فإن لم يُرْوَ ذلك الحديثُ أصلا من وجه من الوجوه

стр. 248

المذكورة، لكن رُوِيَ حديثٌ آخرُ بمعناه، فذلك الشاهدُ من غير متابعةٍ. فإن لم يُروَ أيضًا بمعناه حديثٌ آخر؛ فقد تحقق فيه التفرد المطلق حينئذ. وينقسم عند ذلك إلى مردودٍ منكَر وغير مردود كما سبق. وإذا قالوا في مثل هذا: " تفرد به أبو هريرة، وتفرد به عن أبي هريرة ابنُ سيرين، وتفرد به عن ابن سيرين أيوبُ، وتفرد به عن أيوبَ حمادُ بن سلمة " كان في ذلك إشعار بانتفاء وجوه المتابعات فيه. ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد *، روايةُ من لا يُحتَجُّ بحديثِه وحدَه بل يكون معدودًا في الضعفاء. وفي (كتابي البخاري ومسلم) جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد. [١٩ / ظ] وليس كل ضعيف يصلح لذلك؛ ولهذا يقول " الدارقطني " وغيره في الضعفاء: فلان يعتبر به، وفلان لا يُعتبَرُ به. وقد تقدم التنبيه على نحوِ ذلك. والله أعلم. مثالٌ للمتابع والشاهد: روينا من حديث سفيان بن عُيَيْنةَ عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به " (١) ورواه ابنُ جُرَيج عن عمرو (٢) عن عطاء؛ ولم يذكر فيه الدباغ. فذكر " الحافظ أحمد البيهقي " لحديث ابن عيينة متابِعًا وشاهدًا:

стр. 249

أما المتابع؛ فإن أسامة بن زيد تابعه عن عطاء، وروى بإسناده عن أسامة عن عطاء عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: " ألا نزعتم جلدها فدبغتموه فاستمعتم به؟ " وأما الشاهد؛ فحديثُ عبدِالرحمن بن وعلةَ عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما إهابٍ دُبغَ فقد طهر " (١). والله أعلم.

стр. 250

النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقاتِ وحكمها . وذلك فن لطيف تُستحسن العنايةُ به. وقد كان " أبو بكر بن زياد النيسابوري، وأبو نُعَيم ٍ الجرجاني، وأبو الوليد القرشي " (١) الأئمة، مذكورين بمعرفة زيادات الألفاظ الفقهية في الأحاديث *. ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث، فيما حكاه " الخطيب أبو بكر " أن الزيادة من الثقة مقبولة (٢) إذا انفرد بها، سواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه
следующие страницы →