← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 29878

مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح

سراج الدين البلقيني

Полный текст (952 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجةَ رجال الصحيح، لكونِه يقصُر عنهم في الحفظ والإِتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال ِ مَنْ يُعَدُّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا، ويُعتَبر في كل هذا، مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًّا ولا منكرًا. سلامتُه من أن يكون مُعَلَّلاً. وعلى القسم الثاني يتنزل كلامُ " الخطابي " (١). فهذا الذي ذكرناه، جامعٌ لما تفرق في كلام مَن من بلغنا كلامُه في ذلك. وكأن " الترمذي " ذكرَ أحد نوعي الحسن، وذكر " الخطابي " النوع الآخر، مقتصِرًا كلُّ واحدٍ منهما على ما رأى أنه يُشكِل، مُعْرِضًا عما رأى أنه لا يشكل، أو أنه غفل عن البعض وذهل، والله أعلم.

стр. 177

هذا تأصيل ذلك، ونوضحه بتنبيهاتٍ وتفريعات: أحدُها: الحسَنُ يتقاصَرُ عن الصحيح، في أن الصحيح من شرطه أن يكون جميعُ [٦ / و] رواته قد ثبتت عدالتُهم وضبطُهم وإتقانُهم، إما بالنقل الصريح أو بطريق الاستفاضة، على ما سنبينه - إن شاء الله تعالى -. وذلك غير مُشترَطٍ في الحَسن، فإنه يُكتَفى فيه بما سبق ذكره من مجيء الحديث من وجوه، وغيرِ ذلك مما تقدم شرحه. وإذا استبعد ذلك من الفقهاء الشافعية مستبعدٌ، ذكرنا له نصَّ " الشافعي " ﵁ في مراسيل التابعين: أنه يقبل منها " المرسلَ الذي جاء نحوُه مسنَدًا، وكذلك لو وافقه مرسَلٌ آخرُ، أرسله مَن أخذ العلم عن غيرِ رجال ِ التابعي الأول " في كلام ٍ له ذكر فيه وجوها من الاستدلال ِ على صحة مخرج المرسَل ِ، بمجيئه من وجهٍ آخر (١). وذكرنا له أيضًا ما حكاه الإمامُ " أبو المظفر السمعاني " (٢) وغيره عن بعض ِ أصحابِ

стр. 178

الشافعي: من أنه: تُقبَلُ روايةُ المستور وإن لم تقبل شهادةُ المستور *. ولذلك وجهٌ متَّجِه، كيف وأنا لم نكتف في الحديث الحسن بمجردِ رواية المستور، على ما سبق آنفًا؟ والله أعلم. الثاني: لعل الباحثَ الفَهِمَ يقول: إنا نجد أحاديثَ محكومًأ بضعفها مع كونِها قد رُوِيتْ بأسانيدَ كثيرةٍ من وجوهٍ عديدة، مثل حديث: " الأذنان من الرأس " ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثالَه من نوع الحسنِ لأن بعض ذلك عضد بعضًا، كما قلتم في نوع الحسَن على ما سبق آنفًا؟ وجواب ذلك، أنه ليس كلُّ ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يُزيله ذلك، بأن يكون ضعفُه ناشئًا من ضعفِ حفظ راويه مع كونه من أهل ِ الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجهٍ آخر، عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطُه له. وكذلك إذا كان ضعفُه من حيث الإِرسال، زال بنحو ذلك، كما في المرسَل الذي يُرسِلُه إمامٌ حافظ، إذ فيه ضعفٌ قليل، يزول بروايته من وجه آخر. ومن ذلك ضعفٌ لا يزول بنحوِ ذلك لقوة الضعف، وتقاعُدِ هذا الجابر عن جَبرِه ومقاومتِه، كالضعفِ الذي ينشأ [٦ / ظ] من كونِ الراوي متَّهمًا بالكذب أو كونِ الحديثِ شاذا **

стр. 179

............................................................................................................................

стр. 180

وهذه جملةٌ تفاصيلُها تُدرَك بالمباشرة والبحثِ، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة، والله أعلم (١). الثالث: إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة أهل الحفظ والإِتقان، غير أنه من المشهورين بالصدقِ والسَّتْر، ورُوِيَ مع ذلك حديثُه من غيرِ وجه، فقد اجتمعت له القوةُ من الجهتين، وذلك يرقى حديثه من درجةِ الحسَنِ إلى درجة الصحيح. مثالُه: حديثُ محمد بن عمرو، عن أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ أن رسولَ الله ﷺ قال: " لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسوَاكِ عند كلِّ صلاةٍ (٢) ". فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل ِ الإِتقان، حتى ضعَّفه بعضُهم من جهة سوء حفظه، ووثَّقَه بعضهم لصدقِه وجلالتِه، فحديثُه من هذه الجهة حَسَنٌ، فلما انضم إلى ذلك كونه رُوِيَ من أوجُهٍ أُخَرَ، زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهةِ سوءِ حفظه، وانجبر به ذلك النقصُ اليسيرُ، فصحَّ هذا الإِسنادُ والتحق بدرجةِ الصحيح، والله أعلم. الرابع: " كتابُ أبي عيسى الترمذي " ﵀ أصلٌ في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نَوَّه باسمِه وأكثَر من ذكره في (جامعِه) ويوجدُ في متفرقات من كلام بعض ِ مشايخِهِ والطبقةِ التي قبله كأحمد بن حنبل ٍ والبخاري وغيرهما *.

стр. 181

وتختلف النسخُ من كتابِ الترمذي في قوله: " هذا حديثٌ حسَنٌ " أو: " هذا حديث حَسَنٌ صحيح " ونحوِ ذلك. فينبغي أن تصحِّحَ أصلَك به بجماعةِ أصول ٍ وتعتمدَ على ما اتفقتْ عليه. ونَصَّ " الدارقطني " في (سُنَنِه) على كثيرٍ من ذلك. ومن مظانِّه (سُنن أبي داودَ السجستاني) ﵀. روينا عنه أنه قال: " ذكرتُ فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه (١). ". وروينا عنه أيضًا ما معناه: أنه يذكر في كل بابٍ أصحَّ ما عرفه في ذلك الباب. وقال: " ما كان في كتابي من حديثٍ فيه وهَنٌ شديدٌ فقد بيَّنتُه [٧ / ظ] وما لم (٢) أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضُها أصح من بعض. " (٣) *.

стр. 182

قلتُ: فعلى هذا، ما وجدناه في كتابِه مذكورًا مطلقًا، وليس في واحدٍ من الصحيحين، ولا نصَّ على صحتِه أحدٌ ممن يُمَيِّزُ بين الصحيح والحسن، عرفناه بأنه من الحسَن عند " أبي داود " وقد يكون في ذلك ما ليس بحسَنٍ عند غيرهِ (١)، ولا مندرج ٍ (٢) فيما حققنا ضبطَ الحسَن به على ما سبق، إذ حَكَى " أبو عبدالله بنُ منده الحافظ " أنه سمع " محمدَ بنَ سعد الباوَرْدي " بمصر يقول: " كان من مذهب أبي عبدِالرحمن النسائي، أن يُخرجَ عن كل من لم يُجْمَعْ على تركِه " قال ابن منده: " وكذلك أبو داود السجستاني، يأخذ مأخذَه ويُخرج الإِسناد الضعيف، إذا لم يجدْ في البابِ غيرَه، لأنه أقوى عنده من رأي ِ الرجال " * والله أعلم. الخامس: ما صار إليه صاحب (المصابيح) (٤) ﵀ من تقسيم أحاديثه إلى نوعين: الصِّحَاح والحِسان، مُريدًا بالصحاح: ما ورد في أحد الصحيحين أو فيهما، وبالحسان:

стр. 183

ما أورده أبو داودَ والترمذي وأشباهُهما في تصانيفهم. فهذا اصطلاح لا يُعرف. وليس الحسنُ عند أهل الحديث عبارةً عن ذلك. وهذه الكتُب تشتمل على حَسَنٍ وغيرِ حَسَنٍ، كما سبق بيانُه *، والله أعلم (١). السادس: كتبُ المسانيد غيرُ ملتحقة بالكتبِ الخمسة - التي هي: الصحيحان، وسُنن أبي داودَ، وسُنن النسائي، وجامعُ الترمذي - وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركونِ إلى ما يورَد فيها مطلقًا: كمسندِ أبي داودَ الطيالسي، ومسنَدِ عبيدالله بن موسى، ومسند أحمدَ بن حنبل، ومسندِ إسحاقَ بن راهَوَيه، ومسندِ عبد بن حميد، ومسند الدارمي (٢)،

стр. 184

ومسنَدِ أبي يعلى الموصلي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند البزار أبي بكر، وأشباهِها. فهذه عادتُهم فيها أن يُخرجوا في مسندِ كلِّ صحابيٍّ ما رَوَوه من حديثه، غيرَ متقيدين بأن يكون حديثًا محتجًّا به. فلهذا تأخرتْ مرتبتُها - وإن جَلَّت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبةِ الكتُب الخمسة وما التحق بها من الكتبِ المصنفة على الأبواب *. والله أعلم. السابع: قولهم: " هذا حديثٌ صحيحُ الإِسناد، أو حسَنُ الإِسناد " دونَ قولِهم: " هذا حديثٌ صحيحٌ، أو حديثٌ حسَن "؛ لأنه قد يقالُ: " هذا حديث صحيحُ الإِسناد " ولا يصحُّ

стр. 185

لكونِه شاذًّا أو معَلَّلا. غير أن المصنَّفَ المعتمَدَ منهم إذا اقتصر على قوله: " إنه صحيحُ الإِسنادِ " (١)، ولم يذكرْ له عِلَّة ولم يَقْدَحْ فيه، فالظاهرُ منه الحُكمُ له بأنه صحيحٌ في نفسِه، لأن عدَم العِلَّة والقادح ِ هو الأصلُ والظاهرُ. والله أعلم. الثامن: في قول ِ " الترمذي " وغيره: " هذا حديثٌ حسَنٌ صحيح " (٢) إِشكالٌ؛ لأن الحسن قاصرٌ عن الصحيح كما سبق إِيضاحُه، ففي الجمع بينهما في حديثٍ واحد، جمعٌ بين نَفْيِ ذلك القصورِ وإثباته. وجوابُه أن ذلك راجع إلى الإِسناد؛ فإذا رُوِيَ الحديثُ الواحد بإسنادين، أحدُهما إسنادٌ حسَنٌ والآخرُ إسنادٌ صحيح، استقام أن يقالَ فيه: إنه حديثٌ حسَن صحيح، أي أنه حسَنٌ بالنسبة إلى إسنادٍ، صحيحٌ بالنسبة إلى إسنادٍ آخَر. على أنه غيرُ مستنكَرٍ أن يكون بعضُ من قال ذلك، أراد بالحسنِ معناه اللغويَّ، وهو ما تميل إليه النفسُ ولا يأباهُ القلبُ، دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدَدِه، فاعلَمْ ذلك. والله أعلم *.

стр. 186

التاسع: من أهل ِ الحديثِ من لا يُفرِدُ نوعَ الحسَنِ ويجعله مندرِجًا في أنواع الصحيح؛ لاندراجِه في أنواع ِ ما يُحْتَجُّ به. وهو الظاهرُ من كلام " الحاكم أبي عبدالله

стр. 187

الحافظ في تصرفاته وإليه يومئ في تسميته كتابَ الترمذي (بالجامع الصحيح) وأطلق " الخطيبُ أبو بكر " أيضًا عليه اسمَ الصحيح، وعلى كتابِ النسائي. وذكر " الحافظُ أبو طاهر السلَفي " الكتبَ الخمسةَ وقال: " اتفق على صِحَّتِها علماءُ الشرق والغرب. " (١). وهذا تساهلٌ؛ لأن فيها ما صرَّحوا بكونِه ضعيفًا أو منكرًا أو نحوَ ذلك من أوصافِ الضعيف. وصرح " أبو داودَ " فيما قدَّمناه روايتَه عنه، بانقسام ما في [٧ / و] كتابه إلى صحيح وغيره، و " الترمذي " مُصَرَّحٌ فيما في كتابِه، بالتمييز بين الصحيح ِ والحَسن. ثم إن مَنْ سَمَّى الحسنَ صحيحًا، لا ينكر أنه دونَ الصحيح ِ المقَدَّم المبيَّن أولا، فهذا إذًا اختلافٌ في العبارةِ دون المعنى *. والله أعلم (٢).

стр. 188

النوع الثالث: معرفةُ الضعيفِ من الحديث كلُّ حديثٍ لم تجتمع فيه صفاتُ الحديثِ الصحيح، ولا صفاتُ الحديثِ الحسن، المذكوراتُ فيما تقدم، فهو ضعيف (١). وأطنب " أبو حاتم بن حِبَّانَ البُسْتي " في تقسيمه، فبَلَغ به خمسين قسمًا إلا واحدًا. وما ذكرتُه ضابطٌ جامع لجميع ذلك. وسبيلُ من أراد البَسْطَ: أن يَعمدَ إلى صفةٍ مُعَيَّنَةٍ منها فيجعلَ ما عُدِمَتْ فيه من غيرِ أن يخلُفَها جابرٌ - على حسبِ ما تقرر في نوع ِ الحسنِ - قسْمًا واحدًا، ثم ما عُدِمتْ فيه تلك الصفةُ مع صفةٍ أخرى مُعَيَّنةٍ قِسما ثانيًا. ثم ما عُدِمَتْ فيه مع صفتين معينتين، قسما ثالثًا. وهكذا إلى أن يستوفيَ الصفاتِ المذكوراتِ جُمَعَ. ثم يعود ويعين من الابتداء صفةً غيرَ التي عَيَّنها أولا، ويجعلَ ما عُدِمَتْ فيه وحدَها قسما، ثم القسمَ الآخرَ ما عُدِمَتْ فيه مع عدم صفةٍ أخرى، ولتكن الصفةُ الأخرى غيرَ الصفةِ الأولى المبدوءِ بها؛ لكونِ ذلك سَبَقَ في أقسام عدم الصفةِ الأولى. وهكذا هَلُمَّ جرًّا، إلى آخر الصفات. ثم ما عُدِمَ فيه جميعُ الصفاتِ، هو القسم الآخِرُ (٢) الأرذَلُ. وما كان من الصفات له شروط، فاعملْ في شروطِه نحوَ ذلك، فتتضاعف بذلك الأقسامُ *.

стр. 189

والذي له لقبٌ خاصٌّ معروفٌ من أقسام ذلك: الموضوعُ، والمقلوب، والشاذُّ، والمعلَّلُ، والمضطرب، والمرسَلُ، والمنقطِع، والمعضَل - في أنواع - سيأتي عليها الشرحُ إن شاء الله تعالى. والملحوظُ فيما نورِدُه من الأنواع: عمومُ أنواع علوم ِ الحديث، لا خصوصُ أنواع ِ التقسيم الذي فرغنا الآن من أقسامِه. ونسأل الله ﵎ تعميمَ النفع به في الدارين. آمين.

стр. 190

النوع الرابع: معرفةُ المُسْنَد . ذكر " أبو بكر الخطيبُ الحافظ " ﵀ أن المسنَد عند أهل ِ الحديثِ هو الذي اتصل إسنادُه من راويه إلى منتهاه، وأكثرُ ما يستعملُ ذلك فيما جاء عن رسول الله ﷺ دون ما جاء عن الصحابةِ وغيرهم *. وذكر " أبو عمرَ ابنُ عبدالبرِّ الحافظُ " أن المسندَ ما رُفِع إلى النبي ﷺ خاصةً. وقد يكون متصلاً، مثل: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ وقد يكون منقطعًا، مثل: مالك، عن الزهري، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فهذا مسنَدٌ؛ لأنه قد أسنِدَ إلى رسول ِ الله ﷺ وهو منقطعٌ لأن

стр. 191

" الزهريَّ " لم يسمعْ من " ابنِ عباس " ﵃ (١) ز وحَكى " أبو عمرَ " عن قوم ٍ، أن المسندَ لا يقعُ إلا على ما اتصلَ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ (٢). قال المملي - أبقاه الله -: وبهذا قطع " الحاكمُ أبو عبدالله الحافظُ " ﵀. ولم يذْكر في كتابِه غيرَه (٣). فهذه أقوال ثلاثة مختلفة. والقولُ الأولُ أعدلُ وأوْلى (٤). والله أعلم.

стр. 192

النوع الخامس: معرفة المتصل . ويقال فيه أيضًا: الموصولُ. ومُطلَقُه يقع على المرفوع ِ والموقوف (١)، وهو الذي اتصلَ إسنادُه، فكان كل واحدٍ من رُواته قد سمعه ممن فوقه حتى ينتهيَ إلى منتهاه *. مثالُ المتصل ِ المرفوع من (الموطأ): " مالكٌ [٨ / و] عن ابنِ شهاب، عن سالم بن عبدِالله، عن أبيه، عن رسول ِ الله ﷺ . ومثال المتصل ِ الموقوف: " مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر عن عمر (٢)، قوله " ... والله أعلم (٣).

стр. 193

النوع السادس: معرفة المرفوع . وهو ما أضيفَ إلى رسول الله ﷺ خاصةً، ولا يقعُ مُطلَقُه على غيرِ ذلك نحو الموقوف على الصحابة وغيرِهم. ويدخلُ في المرفوع: المتصلُ، والمنقطعُ، والمرسَلُ، ونحوُها. فهو والمسنَدُ عند قوم ٍ سواءٌ، والانقطاعُ والاتصالُ يدخلان عليهما جميعًا. وعند قوم، يفترقان في أن الانقطاعَ والاتصالَ يدخلان على المرفوع، ولا يقع المسندُ إلا على المتصل ِ المضافِ إلى رسول ِ الله ﷺ . وقال " الحافظُ أبو بكر بنُ ثابت " (١): " المرفوعُ ما أخبر فيه الصحابيُّ عن قول الرسول ﷺ أو فعله " فخصَّصه بالصحابةِ، فخرج عنه مُرسَلُ التابعيِّ عن رسول ِ الله ﷺ *. قال المملي - أبقاه الله -: ومن جعل من أهل الحديث المرفوعَ في مقابلةِ المرسَل؛ فقد عنى بالمرفوعا: المتصلَ. والله أعلم.

стр. 194

النوع السابع: معرفة الموقوف . وهو ما يُروَى عن الصحابةِ ﵃ من أقوالهم وأفعالهم ونحوِها، فيوقَفُ عليهم ولا يُتَجاوَزُ به إلى رسول ِ الله ﷺ . ثم إن منه ما يتصلُ الإسنادُ فيه إلى الصحابيِّ فيكون من الموقوف الموصول ِ، ومنه ما لا يتصلُ إسنادُه فيكون من الموقوف غير الموصول، على حسَبِ ما عُرِفُ مِثلُه في المرفوع ِ إلى رسول ِ الله ﷺ . [والله أعلم (١)]. وما ذكرناه من تخصيصِه بالصحابيِّ؛ فذلك إذا ذُكِر الموقوفُ مطلقًا (٢). وقد يستعمَلُ مقيدًا في غيرِ الصحابيِّ، فيقال: حديثُ كذا وكذا، وقفَه فلانٌ على " عطاء " أو على " طاوُسَ " أو نحو هذا. والله أعلم. وموجودٌ في اصطلاح الفقهاءِ الخراسانيينَ تعريفُ الموقوفِ باسم ِ الأثرِ (٣). قال " أبو القاسم الفُوراني " - منهم (٤) - فيما بلغنا عنه: الفقهاءُ يقولون: الخبرُ ما يُروَى عن

стр. 195

النبيِّ ﷺ ، والأثَرُ ما يُروى عن الصحابةِ ﵃ (١) * -.

стр. 196

النوع الثامن: معرفة المقطوع . وهو غيرُ المنقطع الذي يأتي ذكرهُ - إن شاء الله تعالى -. ويقال في جمعِه المقاطيعُ والمقاطِع *، وهو من جاء عن التابعين موقوفًا عليهم من أقوالهِم وأفعالهِم. قال " الخطيبُ أبو بكر الحافظُ " في (جامعه): " من الحديث: المقطوعُ " وقال: " المقاطِعُ هي الموقوفاتُ على التابعين " **. قلتُ: وقد وجدتُ التعبيرَ بالمقطوع ِ عن المنقطع غيرِ الموصول، في كلام ِ " الإِمام الشافعي، وأبي القاسم الطبرَاني " وغيرِهما (١). والله أعلم. تفريعات: أحدُها: قولُ الصحابيِّ: " كنا نفعل كذا " أو: " كنا نقول كذا "؛ إن لم يُضِفْه إلى زمان

стр. 197

رسول ِ الله ﷺ فهو من قبيل ِ الموقوفِ. وإن أضافه إلى زمانِ رسول الله ﷺ ؛ فالذي قَطَعَ به " أبو عبدالله بنُ البَيِّع الحافظُ (١) " وغيرُه من أهل ِ الحديث وغيرِهم، أن ذلك من قبيل ِ المرفوع. وبلغني عن " أبي بكر البرقاني (٢) " أنه سأل " أبا بكر الإِسماعيلي، الإِمامَ " عن ذلك، فأنكر كونَه من المرفوع. والأولُ هو الاعتمادُ، لأن ظاهرَ ذلك مُشعِرٌ بأن رسولَ الله ﷺ اطَّلع على ذلك وقرَّرهم عليه [٩ / و] وتقريرُه أحدُ وجوهِ السنَن المرفوعة، فإنها أنواع: منها أقوالُه ﷺ ، ومنها تقريرُه، وسكوتُه عن الإِنكارِ بعد اطلاعِه. ومن هذا القبيل ِ قولُ الصحابي: " كنا لا نرى بأسًا بكذا ورسولُ الله ﷺ فينا، أو: كان يقال كذا وكذا على عهدِه، أو: كانوا يفعلون كذا وكذا في حياتِه ﷺ . فكلُّ ذلك وشبهه مرفوع مُسنَدٌ، مُخْرَّجٌ في كتبِ المسانيد (٣). وذكر " الحاكمُ أبو عبدالله " فيما رويناه، عن " المغيرةِ بنِ شعبة " قال: " كان أصحابُ رسول ِ الله ﷺ يقرعون بابَه بالأظافير (٤) " أن هذا يتوهَّمه مَن ليس من أهل ِ الصنعة مُسنَدًا، يعني مرفوعًا؛ لذكرِ رسول ِ الله ﷺ . وليس بِمُسنَدٍ، بل هو موقوفٌ (٥).

стр. 198

وذكر " الخطيبُ " أيضًا نحوَ ذلك في (جامعه) *. قال المُملي - أبقاه الله -: بل هو مرفوعٌ كما سبق ذكرُه، وهو بأن يكونَ مرفوعًا أحْرَى لكونِه أحْرَى باطلاعِه ﷺ عليه. و " الحاكمُ " معترفٌ بكونِ ذلك مِن قبيل ِ المرفوع، وقد كنا عَدَدْنا هذا فيما أخذناه عليه، ثم تأوَّلناه له على أنه أراد أنه ليس بمسندٍ لفظًا، بل هو موقوف لفظًا. وكذلك سائرُ ما سبق، موقوفٌ لفظًا، وإنما جعلناه مرفوعًا من حيث المعنى. والله أعلم. الثاني: قولُ الصحابي: " أُمِرْنا بكذا، أو: نُهينا عن كذا " من نوع ِ المرفوع والمسنَدِ عند أصحابِ الحديث، وهو قولُ أكثرِ أهل ِ العلم ِ. وخالف في ذلك فريقٌ منهم " أبو بكر الإِسماعيلي " (١). والأولُ هو الصحيح؛ لأن مُطْلَقَ ذلك ينصرفُ بظاهرِه إلى من إليه الأمرُ والنهيُ، وهو رسولُ الله ﷺ . وهكذا قولُ الصحابي: " من السُّنَّةِ كذا " فالأصحّ أنه مسنَدٌ مرفوع؛ لأن الظاهرَ أنه لا يريد به إلا سُنةَ رسول ِ الله ﷺ وما يجبُ اتباعُه (٢). وكذلك قولُ " أَنَس ٍ " ﵁: " أُمِرَ بلالٌ أن يَشفَعَ الأَذانَ ويُوتِرَ الإِقامةَ " (٣) "

стр. 199

وسائرُ ما جانَسَ ذلك. ولا فرقَ بين أن يقولَ ذلك في زمانِ رسول ِ الله ﷺ ، وبعدَه ﷺ * -. والله أعلم (١).

стр. 200

الثالث: ما قيل من أن تفسيرَ الصحابيِّ حديثٌ مسنَدٌ ؛ فإنما ذلك في تفسير يتعلقُ بسببِ نزول ِ آيةٍ يُخبر به الصحابي، أو نحو ذلك. كقول ِ " جابر " ﵁: " كانت اليهودُ تقول: مَنْ أتى امرأتَه من دُبُرِها في قُبُلِها، جاء الولدُ أحْوَلَ " فأنزل الله : " نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... " (١) الآية. فأما سائرُ تفاسير الصحابةِ التي لا تشتمل على إضافةِ شيء إلى رسول ِ الله ﷺ فمعدودةٌ في الموقوفاتِ. والله أعلم. الرابع: من قبيل المرفوع، الأحاديثُ التي قيل في أسانيدِها عند ذكر الصحابيِّ: يَرفعُ الحديثَ ، أو: يبلغُ به، أو: يَنْمِيه، أو: روايةً. مثال ذلك: سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، روايةً: " تقاتلون قومًا صِغَار الأعينِ ... " (٢) الحديث. وبه عن أبي هريرةَ، يبلغُ به، قال: " الناسُ

стр. 201

تَبَعٌ لقريش ٍ ... " (١) الحديثَ. فكلُّ ذلك وأمثالُهُ كنايةٌ عن رفع ِ الصحابيِّ الحديثَ إلى رسول ِ الله ﷺ ، وحُكْمُ ذلك عند أهل ِ العلم حُكمُ المرفوع ِ صريحًا. قال المملي - أبقاه الله -: وإذا قال الراوي عن التابعي: يَرفعُ الحديثَ، أو: يبلغ به؛ فذلك أيضًا مرفوعٌ، ولكنه مرفوعٌ مرسَل (٢). والله أعلم.

стр. 202

النوع التاسع: معرفةُ المرسَل (١). وصورتُه التي لا خلافَ فيها، حديثُ التابع الكبير الذي لقي جماعةً من الصحابة

стр. 203

وجالسَهم، كـ: عبيدالله بن عَدِي بن الخيار، ثم سَعِيدِ بن المسيب، وأمثالِهما؛ إذا قال: " قال رسول الله ﷺ " *. والمشهورُ التسويةُ بين التابعين أجمعين في ذلك ﵃.

стр. 204

وله صُوَرٌ اختُلِفَ فيها أهي من المرسَل أم لا؟ إحداها: إذا انقطع الإِسنادُ قبل الوصول إلى التابعيِّ فكان فيه راو لم يسمع من المذكور فوقَه؛ فالذي قطع به " الحاكم الحافظُ أبو عبدالله " (١) وغيرُه من أهل الحديث، أن ذلك لا يسمَّى مرسَلا، وأن الإِرسالَ مخصوصٌ بالتابعين؛ بل إن كان مَنْ سقط ذكرُه قبل الوصول ِ إلى التابعي شخصًا واحدًا سُمي منقطعًا فحسبُ، وإن كان أكثرَ من واحدٍ سُمِّي: مُعضَلا، ويسمَّى أيضًا: منقطعًا، وسيأتي مثالُ ذلك إن شاء الله تعالى. والمعروفُ في الفقه وأصولِه، أن كلَّ ذلك يُسمى مُرْسَلا *، وإليه ذهب من أهل ِ الحديث " أبو بكر الخطيبُ " وقطع به، وقال: " إلا أن (٢) أكثر ما يوصَف بالإِرسال ِ من حيث الاستعمالُ، ما رواه التابعيُّ عن النبي ﷺ . وأما ما رواه تابع التابعيِّ عن النبي ﷺ ، فيسمونه المعضَلَ " والله أعلم. الثانية: قولُ " الزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري " وأشباهِهم من أصاغرِ التابعين: " قال رسولُ الله ﷺ "؛ حَكَى " ابنُ عبدالبر (٣) " أن قومًا لا يسمونه

стр. 205

مُرْسَلا، بل مُنقطِعًا؛ لكونهم لم يلقَوا من الصحابةِ إلا الواحدَ والاثنين (١)، وأكثرُ روايتهِم عن التابعين *.

стр. 206

قال المملي - أبقاه الله -: وهذا المذهبُ فرعٌ لمذهبِ مَن لا يُسَمِّي المنقطعَ قبل الوصول ِ إلى التابعي: مُرسَلا. والمشهورُ التسويةُ بين التابعين في اسم الإِرسال كما تقدم. والله أعلم. الثالثةُ: إذا قيل في الإِسناد: فلانٌ عن رجل أو عن شيخ عن فلان (١)، أو نحو ذلك؛ فالذي ذكره " الحاكمُ " في (معرفةِ علوم الحديث) (٢) أنه لا يُسَمَّى مُرسَلا بل منقطِعًا. وهو

стр. 207

في بعض المصنفاتِ المعتبرة في أصول الفقهِ معدود من أنواع ِ المرسل *. والله أعلم. ثم اعلم أن حُكْم المرسَل ِ حُكْمُ الحديثِ الضعيفِ، إلا أن يصحَّ مخرجُه بمجيئه من وجهٍ آخر **، كما سبق بيانُه في نوع الحسن (١). ولهذا احتج " الشافعيُّ " ﵁

стр. 208

...........................................................................................................................

стр. 209

...........................................................................................................................

стр. 210

بمرسَلات " سعيدِ بن المسيب " ﵄، فإنها وُجِدتْ مسانيدَ من وجوه أُخَرَ، ولا يختصُّ ذلك عنده بإرسال " ابن المسيَبِ " كما سبق. ومَنْ أنكر هذا زاعمًا أن الاعتماد حينئذٍ يقع على المسنَدِ دونَ المرسَل ِ، فيقع لغوًا لا حاجةَ إليه؛ فجوابُه: أنه بالمسنَدِ يتبينُ صحةُ الإِسنادِ الذي فيه الإِرسالُ حتى يُحْكَمَ له مع إرسالِه بأنه إسنادٌ صحيحٌ تقومُ به الحجة، على ما مهَّدنا سبيلَه في النوع الثاني. وإنما يُنكِرُ هذا مَنْ لا مذاقَ له في هذا الشأنِ. وما ذكرناه من سقوطِ الاحتجاج ِ بالمرسَل والحكم بضعفِه، هو المذهبُ الذي استقر عليه آراءُ جماهير حُفَّاظ الحديثِ ونُقَّاد الأثَرِ (١)، وتداولوه في تصانفيهم.

стр. 211

وفي صدر (صحيح مسلم): " المرسَلُ في أصل ِ قولِنا وقول ِ أهل العلم بالأخبار، ليس بِحُجَّةٍ " (١). و " ابنُ عبدالبر: حافظُ المغرب " ممن حَكى ذلك (٢) عن جماعةِ أصحابِ الحديث. والاحتجاجُ به مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأصحابهما في طائفةٍ (٣) *. والله أعلم. ثم إنا لَم نَعُدّ في أنواع المرسَل ِ ونحوِه، ما يُسَمَّى في أصول ِ الفقه مرسَلَ الصحابيِّ، مثل ما يرويه " ابنُ عباس " وغيرُه من أحداثِ الصحابةِ عن رسول ِ الله ﷺ ، ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حُكم الموصول ِ المسندِ؛ لأن روايتَهم عن الصحابةِ **، والجهالةُ

стр. 212

بالصحابيِّ غيرُ قادحةٍ؛ لأن الصحابة كلهم عُدول (١). والله أعلم (٢).

стр. 213

النوع العاشر: معرفة المنقطِع . وفيه، وفي الفرق بينه وبين المرسَل، مذاهبُ لأهل ِ الحديث وغيرهم. فمنها ما سبق في نوع المرسل عن " الحاكم " صاحبِ كتاب (معرفة أنواع علوم الحديث) من أن المرسَل مخصوصٌ بالتابعي، وأن المنقطع منه: الإِسنادُ الذي فيه قبل الوصول ِ إلى التابعي راوٍ لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غيرُ مذكورٍ لا مُعَينا ولا مُبْهمًا، ومنه [١٢ / ظ] الإِسنادُ الذي ذُكر فيه بعضُ رواتِه بلفظٍ مبهم، نحو: رجل ٍ، أو شيخ، أو غيرِهما (١). مثالُ الأول: ما رويناه عن عبدالرزاق، عن سُفيانَ الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْع، عن حذيفةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن وليتموها أبا بكرٍ فقويٌّ أمين ... " الحديث. فهذا إسنادٌ إذا تأمله الحديثيُّ وجد صورتَه صورةَ المتصل، وهو منقطع في موضعين؛ لأن عبدَالرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما سمعه من النعمانِ بنِ أبي شيبةَ الجَنَدِي عن الثوري، ولم يسمعه الثوريُّ أيضًا من أبي إسحاق، إنما سمعه من شَريكٍ عن أبي إسحاق (٢). ومثال الثاني: الحديثُ الذي رويناه عن أبي العلاء بن عبدِالله بنِ الشِّخِّير، عن رجُلين، عن شَدَّاد بن أوس، عن رسول الله ﷺ في الدعاء في الصلاة: " اللهم إني أسألك "

стр. 214

الثباتَ في الأمر ... " (١) الحديث. والله أعلم *. ومنها، ما ذكره " ابنُ عبدالبر " ﵀، وهو أن المرسَل مخصوصٌ بالتابعين، والمنقطع شاملٌ له ولغيره. وهو عنده: " كل ما لا يتصل إسنادُه، سواء كان يُعزَى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره " (٢) **. ومنها، أن المنقطع مثلُ المرسل، وكلاهما شاملان لكلِّ ما لا يتصل إسنادُه. وهذا المذهب أقربُ، صار إليه طوائفُ من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره " الحافظ أبو بكر

стр. 215

الخطيب " في (كفايته)، إلا أن أكثر ما يوصَف بالإِرسال من حيث الاستعمالُ: ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ، وأكثر ما يوصف بالانقطاع: ما رواه مَنْ دونَ التابعين عن الصحابة، مثل مالك عن ابن عمر، ونحو ذلك (١). والله أعلم. ومنها ما حكاه " الخطيب أبو بكر " عن بعض ِ أهل ِ العلم بالحديث، أن المنقطع ما رُوِي عن التابعي أو مَنْ دُونَه موقوفًا عليه من قوله أو فعله. وهذا غريب * بعيد. والله أعلم (٢).
следующие страницы →