بيان أقسام طرق نقل الحديث وتحمله ، ومجامعها ثمانية أقسام:
الأول: السماع من لفظ الشيخ . وهو ينقسم إلى إملاء، وتحديث من غير إملاء، وسواء كان من حفظه أو من كتابه. وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير. وفيما نرويه عن " القاضي عياض بن موسى السبتي " أحد المتأخرين المطَّلعين، قوله: لا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول السامع منه: حدثنا وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانًا يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان " (١).
قال الشيخ - أبقاه الله -: في هذا نظر، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصًا بما سُمع من غير لفظ الشيخ - على ما نبينه إن شاء الله تعالى - ألا يُطلق فيما سُمِع من لفظ الشيخ لما فيه من الإِيهام والإِلباس. والله أعلم.
وذكر " الحافظ أبو بكر الخطيب " [٣٦ / و] أن أرفع العبارات في ذلك: سمعت، ثم حدثنا وحدثني؛ فإنه لا يكاد أحدٌ يقول: سمعت، في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه (٢).
وكان بعض أهل العلم يقول فيما أجيز له: حدثنا. وروى عن " الحسن " أنه كان يقول: حدثنا أبو هريرة. ويتأول أنه حدَّث أهل المدينة. وكان " الحسن " إذ ذاك بها، إلا أنه لم يسمع منه شيئًا (٣).
стр. 317
قلت: ومنهم من أثبت له سماعًا من أبي هريرة *. والله أعلم.
ثم يتلو ذلك قول: أخبرنا. وهو كثير في الاستعمال، حتى إن جماعة من أهل العلم كانوا لا يكادون يخبرون عما سمعوه من لفظ من حدثهم إلا بقولهم: أخبرنا. منهم: حماد بن سلمة، وعبدالله بن المبارك، وهُشَيمُ بن بَشير، وعُبيدالله بن موسى، وعبدالرزاق بن همام، ويزيد بن هارون، وعمرو بن عون، ويحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهويه، وأبو مسعود أحمد بن الفرات، ومحمد بن أيوب الرازيان، وغيرهم (١). وذكر " الخطيب " عن محمد بن رافع، قال: " كان عبدالرّزاق يقول: أخبرنا. حتى قدم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فقالا له: قل: حدثنا؛ فكل ما سمعت مع هؤلاء قال: حدثنا، وما كان قبل ذلك؛ قال: أخبرنا " (٢).
وعن " محمد بن أبي الفوارس الحافظ " قال: هُشيم، ويزيد بن هارون، وعبدالرزاق لا يقولون إلا: " أخبرنا ". فإذا رأيت " حدثنا " فهو من خطأ الكاتب (٣). والله أعلم (٤).
قال الشيخ - أبقاه الله -: وكان هذا كلُّه قبل أن يشيع تخصيصُ " أخبرنا " بما قُرئ على الشيخ.
ثم يتلو قولَ: أخبرنا، قولُ: أنبأنا، وهو قليلٌ في الاستعمال.
قال الشيخ: " حدثنا، وأخبرنا " أرفع من " سمعت " من جهة أخرى، وهي أنه ليس في " سمعت " دلالةٌ على أن الشيخ روَّاه الحديث وخاطبه به، وفي " حدثنا، وأخبرنا " دلالةٌ على أنه خاطبه به [٣٦ / ظ] ورواه له، أو هو ممن فُعِلَ به ذلك. سأل " الخطيبُ أبو بكر الحافظ " شيخه " أبا بكر البرقاني، الفقيهَ الحافظ " - رحمهما الله تعالى - عن السرِّ في كونه
стр. 318
يقولُ فيما رواه لهم عن " أبي القاسم عبدالله بن إبراهيم الجرجاني الآبندوني " (١): سمعت، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا. فذكر له أن " أبا القاسم " كان مع ثقتِه وصلاحِه، عسيرًا] (٢) في الروايةِ، فكان " البرقاني " يجلسُ بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضورِه، فيسمع منه ما يُحدِّث به الشخصَ الداخلَ إليه، فلذلك يقول: سمعت، ولا يقول: حدثنا، ولا: أخبرنا؛ لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده.
وأما قوله: قال لنا فلان، أو: ذكر لنا فلانٌ؛ فهو من قبيل قوله: حدثنا فلان، غير أنه لائقٌ بما سمعه منه في المذاكرة، وهو به أشبه من " حدَّثنا ".
وقد حكينا في فصل التعليق عقيب (النوع الحادي عشر) عن كثير من المحدِّثين استعمال ذلك، معبِّرين به عما جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات. وأوضع (٣) العبارات في ذلك أن يقول: " قال فلان " أو: " ذكر فلانٌ " من غير ذكر قوله: لي، ولنا، ونحو ذلك.
وقد قدَّمنا في (فصل الإِسناد المعنعن) أن ذلك وما أشبهه من الألفاظ، محمولٌ عندهم على السماع إذا عُرِفَ لقاؤه له وسماعه منه على الجملة، لا سيما إذا عُرِفَ من حاله أنه لا يقول: " قال فلان " إلا فيما سمعه منه.
وقد كان " حجاج بن محمد الأعور " يروي عن " ابن جريج " كتبه، ويقول فيها: " قال ابن جريج " فحملها الناس عنه، واحتجوا برواياته، وكان قد عُرِفَ من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه. وقد خصَّص " الخطيب أبو بكر الحافظ " القولَ بحمل ذلك على السماع، بمن عُرِفَ من عادته مثلُ ذلك (٤).
والمحفوظ المعروف ما قدمنا ذكره. والله أعلم.
القسم الثاني: من [٣٧ / و] أقسام الأخذ والتحمُّل: القراءة على الشيخ. وأكثر المحدِّثين يسمونها: عرضًا، من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كما يَعرِضُ القرآن على المقرئ. وسواءٌ كنت أنت القارئ، أو قرأ غيرُك وأنت تسمع، وقرأت من
стр. 319
كتاب أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه، أو لا بحفظ لكن يمسك أصله، (١) هو أو ثِقةٌ غيره.
ولا خلاف أنها روايةٌ صحيحةٌ، إلا ما حُكي عن بعض من لا يُعتدُّ بخلافه *. والله أعلم.
стр. 320
واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة، أو دونه، أو فوقه؛ فنُقِلَ عن " أبي حنيفة وابن أبي ذئب " وغيرهما، ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه، ورُوي ذلك عن " مالك " (١) أيضًا *. ورُوِي عن " مالك " (٢) وغيره أنها سواءٌ. وقد قيل إن التسوية بينهما مذهب عظيم علماء الحجاز والكوفة، ومذهب مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة، ومذهب البخاري وغيرهم **.
والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ، والحكم بأن القراءة عليه مرتبةٌ ثانيةٌ. وقد
стр. 321
قيل إن هذا مذهب جمهور أهل المشرق. والله أعلم.
وأما العبارة عنها عند الرواية به فهي على مراتب:
أجودها وأسلمها أن يقول: " قرأت على فلانٍ، أو: قرئ على فلانٍ وأنا أسمع فأقر به " فهذا سائغ من غير إشكال.
ويتلو ذلك ما يجوز من العبارات في السماع من لفظ الشيخ مطلقةً، إذا أتى بها ههنا مقيدةً بأن يقول: حدثنا فلانٌ قراءةً عليه، أو: أخبرنا قراءةً عليه، ونحو ذلك. وكذلك: أنشدنا قراءةً عليه، في الشعرِ.
وأما إطلاق " حدثنا، و أخبرنا " في القراءة على الشيخ؛ فقد اختلفوا فيه على مذاهب:
فمن أهل الحديث من مَنعَ منها جميعًا، قيل إنه قول " ابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي " [٣٧ / و] وأحمد بن حنبل، والنسائي " (١) وغيرهم.
ومنهم من ذهب إلى تجويز ذلك وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا. وقد قيل إن هذا مذهبُ معظم الحجازيين، والكوفيين، وقول " الزهري، ومالك، (٢) وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان " (٣). في آخرين من الأئمة
стр. 322
المتقدمين، وهو مذهب " البخاري " - صاحب الصحيح - في جماعة من المحدِّثين، ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضًا أن يقول: سمعت فلانًا *.
والمذهبُ الثالثُ: الفرقُ بينهما في ذلك، والمنعُ من إطلاقِ: حدثنا، وتجويزُ إطلاقِ: أخبرنا. وهو مذهبُ " الشافعي " وأصحابِه، وهو منقولٌ عن " مسلم " - صاحبِ الصحيح -، وجمهورِ أهل المشرق (١).
وذكر صاحبُ (كتابِ الإِنصاف): " محمدُ بن الحسن التميمي الجوهري المصري " أن هذا مذهبُ الأكثر من أصحاب الحديثِ الذين لا يُحصيهم أحدٌ، وأنهم جعلوا " أخبرنا " عَلَمًا يقومُ مقامَ قول ِ قائلِه: أنا قرأتُه عليه، لا أنه لَفَظَ به لي. قال: وممن كان يقول به من أهل زماننا: " أبو عبدالرحمنِ النسائي " في آخرينَ من الأئمةِ في جماعةٍ مثلِه من محدِّثينا (٢).
قلتُ: وقد قيل إن أول من أحدث الفرقَ بين هذين اللفظين " ابنُ وهبٍ " بمصرَ، وهذا يدفعه أن ذلك مروِيٌّ عن " ابن جريج، والأوزاعي " حكاه عنها " الخطيبُ أبو بكر ". إلا أن يعني أنه أولُ من فَعَلَ ذلك بمصر (٣). والله أعلم
стр. 323
قال الشيخ - أبقاه الله -: الفرقُ بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل ِ الحديث، والاحتجاجُ لذلك من حيث اللغةُ عناءٌ وتكلف. وخيرُ ما يقال فيه أن اصطلاحٌ منهم؛ أرادوا به التمييزَ بين النوعين، ثم خُصِّص النوعُ الأول بقول ِ: " حدثنا " لقوةِ إشعارِه بالنطقِ والمشافهة (١).
ومن أحسن ما يُحكَى عمن يذهبُ هذا المذهبَ، ما حكاه " الحافظُ أبو بكر البرقاني " عن أبي حاتم محمد بن يعقوب الهَروي، أحدِ رؤساء أهل ِ الحديث بخراسان، أنه قرأ على بعض ِ الشيوخ عن " الفَرَبْري " (صحيحَ البخاري) [٣٨ / و] وكان يقول له في كل حديث: " حدَّثكم الفَرَبْري " فلما فرغ من الكتاب، سمع الشيخَ يذكر أنه سمع الكتابَ من " الفربري " قراءةً عليه، فأعاد " أبو حاتم " قراءةَ الكتابِ كلِّه، وقال له في جميعِهِ: " أخبركم الفربري " (٢) *. والله أعلم.
стр. 324
تفريعات:
الأول: إذا كان أصلُ الشيخ ِ عند القراءةِ عليه بيَدِ غيره وهو موثوقٌ به، مراع ٍ لما يقرأ، أهل لذلك؛ فإن كان الشيخ يحفظ ما يُقرَأ عليه؛ فهو كَما لو كان أصلُه بِيَدِ نفسِه، بل أوْلَى؛ لتعاضُدِ ذِهنَي شخصينِ عليه.
وإن كان الشيخُ لا يحفظ ما يُقرَأ عليه؛ فهذا مما اختلفوا فيه؛ فرأى بعضُ أئمةِ الأصول ِ إن هذا سماعٌ غيرُ صحيح (١). والمختارُ أن ذلك صحيح، وبه عَمِلَ معظمُ الشيوخ ِ وأهل ِ الحديث.
وإذا كان الأصلُ بيدِ القارئ، وهو موثوقٌ به دِينًا ومعرفةً، فكذلك الحكم فيه، وأوْلى بالتصحيح.
وأما إذا كان أصلُه بيدِ مَنْ لا يوثَقُ بإمساكه له، ولا يؤمَنُ إهمالُه لما يَقرأ، فسواءٌ كان بِيَدِ القارئ أو بيدِ غيره، في أنه سماعٌ غير مُعْتَدٍّ به إذا كان الشيخُ غير حافظ للمقروء عليه. والله أعلم.
الثاني: إذا قرأ القارئ على الشيخ قائلا: أخبرك فلان، أو قلتَ: أخبرنا فلان، أو نحو ذلك، والشيخُ ساكتٌ مُصْغ ٍ إليه، فاهمٌ لذلك غيرُ منكرٍ له؛ فهذا كافٍ في ذلك (٢).
واشترط بعضُ الظاهرية وغيرُهم إقرارَ الشيخ ِ نُطْقًا (٣)، وبه قطع " الشيخُ أبو إسحاق
стр. 325
الشيرازي، وأبو الفتح سليم الرازي، وأبو نصر بن الصباغ " من الفقهاء الشافعيين. قال " أبو نصر ": " ليس له أن يقول: حدثني، أو: أخبرني. وله أن يعملَ بما قُرِئ عليه، وإذا أراد روايتَه عنه قال: قرأتُ عليه، أو قُرِئ عليه وهو يسمع ".
وفي حكاية بعض ِ المصنفين للخلافِ في ذلك، أن بعضَ الظاهرية شرطَ إقرارَ الشيخ عند تمام ِ السماع، بأن يقول القارئ للشيخ: هو [٣٨ / ظ] كما قرأتُه عليك؟ فيقول: نعم (١).
والصحيحُ أن ذلك غيرُ لازم، وأن سكوتَ الشيخ على الوجهِ المذكور نازلٌ منزلةَ تصريحِه بتصديق القارئ اكتفاءً بالقرائنِ الظاهرة. وهذا مذهبُ الجماهير من المحدِّثين والفقهاء وغيرهم. والله أعلم (٢).
الثالث: فيما نرويه عن " الحاكم أبي عبدالله الحافظ " ﵀ قال: " الذي أختاره في الرواية - وعهِدتُ عليه أكثر مشايخي وأئمةَ عصري - أن يقولَ في الذي يأخذه من المحدِّث لفظا وليس معه أحد: حدثني فلان. وما يأخذه من المحدث لفظًا ومعه غيره: حدَّثنا فلان، وما قرأ على المحدِّث بنفسِه: أخبرني فلان، وما قرئ على المحدِّثِ وهو حاضر: أخبرنا فلان " (٣).
وقد روينا نحوَ ما ذكره، عن " عبدِالله بن وهب، صاحبِ مالك " ﵄ (٤) -، وهو حسَنٌ رائق.
فإن شَكَّ في شيءٍ عنده أنه من قَبيل ِ: حدَّثنا أو أخبرنا، أو من قبيل: حدثني، أو أخبرني؛ لتردُّدهِ في أنه كان عند التحمُّل ِ والسماع ِ وحدَه أو مع غيره؛ فيحتملُ أن نقول: ليقلْ: " حدثني، أو أخبرني " لأن عدمَ غيرِه هو الأصل. ولكنْ ذكَر " عليُّ بنُ عبدالله المديني الإِمامُ " عن شيخِه " يحيى بن سعيد القطان الإِمام ِ " فيما إذا شكَّ أن الشيخ قال: حدَّثني فلان، أو قال: حدثنا فلان. أنه يقول: حدثنا. وهذا يقتضي فيما إذا
стр. 326
شكّ في سماع نفسِه في مثل ِ ذلك أن يقولَ: حدثنا (١).
وهو عندي يتوجَّهُ بأن " حدثني " أكملُ مرتبةً، و " حدثنا " أنقصُ مرتبةً، فليقتصر إذا شكَّ على الناقص ِ؛ لأن عدمَ الزائد هو الأصلُ، وهذا لطيفٌ.
ثم وجدت " الحافظَ أحمدَ البيهقي " قد اختار بعد حكايةِ (٢) قول ِ القطان، ما قدَّمتُه.
ثم إن هذا التفصيلَ من أصلِه مستحَبٌّ ولسي بواجب، حكاه " الخطيبُ الحافظ " عن أهل ِ العلم كافةً. (٣) فجائزٌ إذا سمع وحده [٣٩ / ظ] أن يقول: " حدثنا " أو نحوه؛ لجواز ذلك للواحدِ في كلام العربِ. وجائزٌ إذا سمع في جماعةٍ أن يقول: " حدثني " لأن المحدِّث حدَّثه وحدَّث غيرَه. والله أعلم.
الرابع: روينا عن " أبي عبدِالله أحمدَ بنِ حنبل " ﵁ أنه قال: اتبعْ لفظ الشيخ ِ في قولِه: حدثنا، وحدثني، وسمعت، وأخبرنا، ولا تَعْدُه (٤).
قال الشيخ - أبقاه الله -: ليسَ لكَ فيما تجدُه في الكتبِ المؤلَّفة من رواياتِ مَنْ تقدمكَ، أن تبدلَ في نفس ِ الكتابِ ما قيل فيه: " أخبرنا " بِـ " حدثنا " ونحوِ ذلك، وإن كان في إقامةِ أحدِهما مقامَ الآخر خلافٌ وتفصيلٌ سبقَ؛ لاحتمال ِ أن يكون مَنْ قال ذلك ممن لا يرى التسويةَ بينهما. ولو وجدتَ من ذلك إسنادًا عرفتَ من مذهبِ رجالِه التسويةَ بينهما، فإقامتُك أحدَهما مقامَ الآخِر من بابِ تجويزِ الرواية بالمعنى. وذلك وإن كان فيه خلافٌ معروفٌ؛ فالذي نراه الامتناعُ من إجراءِ مثلِه في إبدال ِ ما وُضِعَ في الكتبِ المصنَّفةِ والمجامع ِ المجموعةِ، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وما ذكره " الخطيبُ أبو بكر " في (كفايته) (٥)، من إجراء ذلك الخلاف في هذا؛ فحمولٌ عندنا على ما يسمعه الطالبُ من لفظِ المُحَدِّثِ غير موضوع ٍ في كتابٍ مؤلَّفٍ. والله أعلم.
стр. 327
الخامس: اختلف أهلُ العلم في صحةِ سماع ِ مَنْ يَنسَخُ وقتَ القراءةِ؛ فوردَ عن " الإِمام إبراهيمَ الحربي، وأبي أحمدَ بنِ عدي الحافظِ (١)، والأستاذ أبي إسحاق الإِسْفَرَاييني الفقيهِ الأصولي " وغيرهم، نفيُ ذلك. وروينا عن " أبي بكر أحمد بنِ إسحاق الصِّبْغِي (٢) أحدِ أئمة الشافعيِّين بخراسان أنه سُئل عمن يكتب في السماع، فقال: " يقول: حضرتُ، ولا يقل: حدثنا، ولا: أخبرنا ".
وورد عن " موسى بن هارونَ الحمَّال ِ " تجويز ذلك. وعن " أبي حاتم الرازي " قال: كتبتُ عند " عارم " (٣) وهو يقرأ، [٣٩ / ظ] وكتبتُ عند " عمرِو بن مرزوق " وهو يقرأ (٤).
وعن " عبدِالله بن المبارك " أنه قرئ عليه وهو ينسخُ شيئًا آخرَ غيرَ ما يُقرأ. ولا فرق بين النسخ من السامع والنسخ ِ من المسمِّع.
قال الشيخ - أبقاه الله -: وخيرٌ من هذا الإطلاق، التفصيلُ؛ فنقول: لا يصحُّ السماعُ إذا كان النسخُ بحيث يمتنع معه فهمُ الناسخ لما يُقرأ، حتى يكون الواصلُ إلى سمعِه كانه صوتٌ غُفْلٌ، ويصحُّ إذا كان بحيث لا يمتنعُ معه الفهمُ، كمثل ِ ما روينا عن " الحافظِ العالم أبي الحسن الدارقطني " أنه " حضر في حداثته مجلسَ " إسماعيلَ الصفَّارِ " فجلس ينسخُ جزءًا وإسماعيلُ يملي، فقال له بعضُ الحاضرين: لا يصحُّ سماعُك وأنت
стр. 328
تنسخ. فقال: فَهمِي خلافُ فهمِك. ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخُ من حديثٍ إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدارقطنيّ: أملى ثمانيةَ عشرَ حديثًا، فعُدَّت الأحاديثُ فوُجِدتْ كما قال. ثم قال أبو الحسن: الحديثُ الأول منها عن فلانٍ عن فلان، ومَتْنُه كذا، والحديثُ الثاني عن فلان عن فلان، ومَتْنُه كذا .. ولم يزل يذكر أسانيدَ الأحاديث ومتونَها على ترتيبها في الإِملاءِ حتى أتى على آخرِها، فتعجب الناسُ منه " (١). والله أعلم.
السادس: ما ذكرناه في النسْخ ِ من التفصيل، يجري مثلُه فيما إذا كان الشيخُ أو السامعُ يتحدث، أو كان القارئ خفيفَ القراءة يُفْرِطُ في الإِسراع، أو كان يُهَيْنِمُ (٢) بحيث يخفى بعضُ الكلام، أو كان السامعُ بعيدًا عن القارئ، وما أشبه ذلك.
ثم، الظاهرُ أنه يُعفَى في كلِّ ذلك عن القدرِ اليسيرِ، نحو الكلمةِ والكلمتين.
ويُستَحبُّ للشيخ أن يجيزَ لجميع السامعين روايةَ جميع الجزء أو الكتاب الذي سمعوه وإن جرى على كلِّه اسمُ السماع، وإذا بذَل لأحدٍ منهم خطَّه بذلك كتب: أنه " سمع مني هذا الكتابَ، وأجَزْتُ له روايتَه عني " أو نحو هذا، كما كان بعضُ [٤٠ / و] الشيوخ يفعل. وفيما نرويه عن الفقيهِ " أبي محمد بن أبي عبدالله بن عتاب، الفقيهِ الأندلسي " عن أبيه - رحمهما الله - أنه قال: " لا غِنى في السماع عن الإجازة؛ لأنه قد يغلط القارئ ويغفل الشيخ، أو يغلط الشيخُ إن كان القارئَ ويغفل السامعُ، فينجبرُ له ما فاته بالإجازة " (٣).
وقد روينا عن " صالح بنِ أحمدَ بن حنبل " ﵁، قال: " قلت لأبي: الشيخُ يدغم الحرفَ يُعرَفُ أنه كذا وكذا، ولا يُفهَمُ عنه، ترى أن يُروَى ذلك عنه؟ قال: أرجو ألا يضيقَ هذا " (٤).
стр. 329
وبلغنا عن " خلف بن سالم (١) المُخَرِّمي " قال: سمعتُ ابنَ عُيينةَ يقول: " نا عمرو بن دينار " (٢) يريد: حدثنا عمرو بن دينار؛ لكن اقتصر من " حدثنا " على النون والألف. فإذا قيل له: قل: " حدثنا عمرو " قال: لا أقول؛ لأني لم أسمع من قوله " حدثنا " ثلاثة أحرف وهي: حدَّث؛ لكثرة الزحام (٣).
قال الشيخُ - أبقاه الله -: قد كان كثير من أكابر المحدِّثين يَعظُمُ الجمعُ في مجالِسهم جدًّا، حتى ربما بلغ ألوفًا مؤلفة، ويُبَلِّغهم عنهم المستَملون، فيكتبون عنهم بواسطة تبليغ المسْتملينَ، فأجاز غيرُ واحدٍ لهم روايةَ ذلك عن المُمْلي. روينا عن " الأعمش " ﵁ قال: " كنا نجلس إلى إبراهيمَ فتَتَّسِعُ الحلقةُ، فربما يُحدِّثُ بالحديث فلا يسمعه مَنْ تنحَّى عنه، فيسأل بعضُهم بعضًا عما قال، ثم يروونه وما سمعوه منه ". (٤) وعن " حماد بن زيد " أنه سأله رجلٌ في مثل ِ ذلك، فقال: " يا أبا إسماعيل كيف قلتَ؟ فقال: استفهمْ مَنْ
стр. 330
يَلِيكَ ". (١) وعن " ابن عيينة " أن أبا مسلم المستملي قال له: " إن الناس كثيرٌ لا يسمعون. قال: تسمع أنت؟ قال: نعم، قال: فأسْمِعهم " (٢).
وأبَى آخرون ذلك. روينا عن " خلفِ بن تميم " قال: سمعتُ من سفيان الثوري عشرةَ آلافِ حديثٍ أو نحوها، فكنت أستفهمُ جَلِيسي، فقلت لزائدة، فقال لي: " لا تُحدِّث منها إلا [٤٠ / ظ] بما تحفظُ بقلبِك وسَمْع ِ أذنك " قال: فألقيتُها (٣).
وعن " أبي نُعَيْم ٍ " أنه كان يرى فيما سقط عنه من الحرف الواحد والاسم ِ مما سمعه من سفيانَ والأعمش ِ، واستفهمه من أصحابه، أن يرويَه عن أصحابه، لا يرى غيرَ ذلك واسعًا له (٤).
قال الشيخ - أبقاه الله -: الأولُ تساهلٌ بعيد. وقد روينا عن " أبي عبدالله ابن منده الحافظِ الأصبهاني " أنه قال لواحدٍ من أصحابه: " يا فلان، يكفيكَ من السماع ِ شَمُّه ". وهذا إما متأوَّلٌ أو متروكٌ على قائلِه. ثم وجدتُ عن عبدِالغني بنِ سعيد الحافظ، عن حمزةَ بنِ محمد الحافظِ بإِسنادِه، عن عبدِالرحمن بنِ مهدي، أنه قال: " يكفيكَ من الحديث شمه " قال عبدالغني: " قال لنا حمزة: يعني إذا سُئِلَ عن أول ِ شيء عرَفه، وليس يعني التسهُّلَ في السماع ". والله أعلم (٥).
السابع: يَصحُّ السماعُ ممَّن هو وراءَ حجاب، إذا عُرِفَ صوتُه فيما إذا حَدَّثَ بلفظِه ، وإذا عُرِفَ حضورُه بمسمع ٍ منه فيما إذا قرئ عليه. وينبغي أن يجوزَ الاعتمادُ في معرفة صوتِه وحضورِه على خَبر مَنْ يوثَقُ به. وقد كانوا يَسمعون من " عائشةَ " وغيرِها من أزواج ِ رسول ِ الله ﷺ من رواءِ حجاب، ويروونه عنهن اعتمادًا على الصوتِ. واحتجَّ " عبدُالغني بنُ سعيد الحافظُ " في ذلك بقوله ﷺ : " إن بلالا ينادي بِلَيل ٍ، فكُلوا واشربوا
стр. 331
حتى يناديَ ابنُ أمِّ مكتوم ". (١) وروَى بإسنادِه عن " شعبةَ " أنه قال: " إذا حدثك المحدِّثُ فلم تر وجهَه فلا تَرْوِ عنه، فلعله شيطانٌ قد تصورَ في صورتِه يقول: حدثنا، وأخبرنا ". والله أعلم.
الثامن: من سمع من شيخ حديثًا ثم قال له: " لا تَروِه عني، أو: لا آذَنُ لك في روايته عني ، أو قال: لستُ أخبركَ به، أو: رجعتُ عن إخباري إياكَ به فلا تَروِه عني " غيرَ مسندِ ذلك [٤١ / و] إلى أنه أخطأ فيه أو شكَّ فيه ونحوِ ذلك، بل منعه من روايتِه عنه مع جَزْمِه بأنه حديثُه، فذلك غيرُ مبطل ٍ لسماعه، ولا مانع له من روايته عنه. وسأل " الحافظُ أبو سعيد بن عَلِيَّك النيسابوري " (٢) الأستاذ أبا إسحاق الإِسْفَراييني، (٣) - رحمهما الله - عن محدِّث خَصَّ بالسماع قومًا، فجاء غيرُهم وسمع منه من غير علم المحدِّثِ به؛ هل يجوز له روايةُ ذلك عنه؟ فأجاب بأنه يجوز، ولو قال المحدِّثُ: " إني أخبركم ولا أخبرُ فلانًا " لم يضره. والله أعلم (٤).
القسم الثالثُ من أقسام طرق نقل الحديث وتحمله: الإِجازةُ.
وهي متنوعة أنواعًا:
أولها: أن يُجيزَ لمعيَّنٍ في مُعينٍ ، مثل أن يقولَ: " أجزتُ لكَ الكتابَ الفلاني، أو: ما اشتملت عليه فَهْرستي هذه " فهذا أعلى أنواع الإِجازةِ المجرَّدةِ عن المناولة. وزعم
стр. 332
بعضُهم أنه لا خلافَ في جوازِها ولا خالَفَ فيها أهلُ الظاهر، وإنما خلافُهم في غير هذا النوع. وزاد " القاضي أبو الوليد الباجي المالكي " فأطلق نَفْيَ الخلاف وقال: " لا خلافَ في جواز الرواية بالإِجازة من سلَف هذه الأمة وخلفِها ". وادَّعى الإِجماعَ من غير تفصيل، وحكى الخلافَ في العمل بها (١). والله أعلم.
قال الشيخ - أبقاه الله -: هذا باطلٌ؛ فقد خالفَ في جوازِ الرواية بالإِجازة جماعاتٌ من أهل ِ الحديثِ والفقهاءِ والأصوليين، وذلك إحدى الروايتينِ عن " الشافعيِّ " ﵁؛ رُوِيَ عن صاحبِه " الربيع بنِ سليمانَ " قال: كنا الشافعي لا يرى الإجازةَ يف الحديث. قال الربيعُ: أنا أخالفُ الشافعيَّ في هذا *.
وقد قال بإبطالها جماعة من الشافعيين، منهم [٤١ / ظ] القاضيان " حُسَيْن بنُ محمد المرورُّذي، (٢) وأبو الحسن الماوردي " - وبه قطع الماوردي في كتابه (الحاوي) وعَزَاه إلى مذهب الشافعي - وقالا: جميعًا: لو جازت الإِجازة لبطلت الرحلةُ.
стр. 333
ورُوِيَ أيضًا هذا الكلامُ عن " شُعبةَ " وغيره (١).
وممن أبطلها من أهل ِ الحديث: " الإِمامُ إبراهيمُ بن إسحقا الحربي، (٢) وأبو محمد عبدُالله بن محمد الأصبهاني الملقبُ بأبي الشيخ (٣)، والحافظُ أبو نصر الوائلي السجزي ". وحكى " أبو نصر " فسادَها عن بعض ِ من لَقِيه. قال أبو نصر: وسمعتُ جماعةً من أهل ِ العلم يقولون: " قولُ المحدث: قد أجزتُ لك أن تَروِيَ عني؛ تقديرُه: أجزتُ لك ما لا يجوزُ في الشرع؛ لأن الشرعَ لا يبيحُ روايةَ ما لم يسمَعْ ".
قال الشيخ - أبقاه الله -: ويُشبِهُ هذا ما حكاه " أبو بكر محمد بن ثابت الخُجَنْدي " أحد من أبطل الإجازو من الشافعية، عن " أبي طاهر الدباس " أحدِ أئمةِ الحنفية، قال: " من قال لغيره: أجزتُ لك أن ترويَ عني ما لم تسمع؛ فكأنه يقولُ: أجزتُ لك أن تكذبَ عليَّ " (٥).
ثم إن الذي استقر عليه العملُ، وقال به جماهيرُ أهل ِ العلم من أهل الحديث (٦) وغيرهم: القولُ بتجويز الإجازةِ وإباحةِ الرواية بها. وفي الاحتجاج لذلك غموضٌ. ويَتَّجِهُ أن نقولَ: إذا أجاز له أن يَروِيَ عنه مروياتِهِ وقد أخبره بها جملةً فهو كما لو أخبره تفصيلا، وإخبارُه بها غيرُ متوقّفٍ على التصريح نُطْقًا كما في القراءة على الشيخ كما سبق، وإنما الغرضُ حصولُ الإِفهام ِ والفهم، وذلك يحصلُ بالإجازة المفهِمة. والله أعلم.
ثم إنه كما تجوزُ الروايةُ بالإجازة؛ يجبُ العملُ بالمروِيِّ بها، خلافًا لمن قال من أهل ِ الظاهرِ ومَنْ تابَعَهم: أنه لا يجبُ العملُ به وأنه جارٍ مجرى المُرسلَ. وهذا باطلٌ لأنه ليس
стр. 334
في الإِجازة ما يقدحُ في اتصال ِ المنقول ِ بها وفي الثقةِ به * [٤٢ / و]. والله أعلم (١).
стр. 335
النوع الثاني من أنواع الإجازة:
أن يجيزَ لمعيَّنٍ في غير مُعيَّنٍ ، مثل أن يقول: " أجزتُ لك، أو لكم، جميعَ مسموعاتي، أو جميعَ مروياتي " وما أشبَه ذلك. فالخلافُ في هذا النوع أقوى وأكثر. والجمهورُ من العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم على تجويزِ الرواية بها أيضًا، وعلى إيجابِ العمل ِ بما رُوِيَ بها بشرطِه. والله أعلم.
النوع الثالث من أنواع الإجازة:
أن يجيزَ لغير مُعَيَّن بوصفِ العموم ، مثل أن يقولَ: أجزتُ للمسلمين، أو: أجزتُ لكلِّ أحدٍ، أو: أجزتُ لمن أدرك زماني، وما أشبهَ ذلك. فهذ نوعٌ تكلم فيه المتأخرون ممن جوَّز أصلَ الإجازة، واختلفوا في جوازه؛ فإن كان ذلك مقيَّدًا بوصفٍ حاصرٍ أو نحوِه؛ فهو إلى
стр. 336
الجواز أقربُ. وممن جوَّز ذلك كلَّه " الخطيبُ الحافظ أبو بكر " (١). وروينا عن " أبي عبدالله ابنِ مَنْده الحافظِ " أنه قال: " أجزتُ لمن قال لا إله إلا الله ". وجوَّز " القاضي أبو الطيِّب الطبري " أحد الفقهاء المحققين - فيما حكاه عنه الخطيبُ (٢) - الإجازةَ لجميع المسلمين مَنْ كان منهم موجودًا عند الإجازة. وأجاز " أبو محمد ابنُ سعيد " أحد الجِلَّةِ من شيوخ الأندلس، لكلِّ مَن دخل قرطبةَ من طلبة العلم (٣). ووافقه على جوازِ ذلك جماعة منهم: " أبو عبدالله بنُ عتَّاب " ﵃. وأنبأني مَن سأل " الحازميَّ أبا بكر " عن الإجازة العامة هذه، فكان من جوابه، أنه من أدركه من الحُفَّاظ، نحو " أبي العلاءِ الحافظ " وغيره، [٤٢ / ظ] كانوا يميلون إلى الجواز. والله أعلم.
قال المُملي - أبقاه الله -: ولم نَرَ ولم نسمع عن أحدٍ ممن يُقتَدَى به، أنه استعمل هذه الإِجازة فروى بها، ولا عن الشرذمة المستأخرة (٤) الذين سوَّغوها. والإِجازةُ في أصلِها ضعفٌ، وتزداد بهذا التوسع ِ والاسترسال ِ ضعفًا كثيرًا لا ينبغي احتمالُه *. والله أعلم.
стр. 337
النوع الرابع من أنواع الإجازة:
الإجازةُ للمجهول ِ أو بالمجهول.
وتتشبثُ بذيلِها الإجازةُ المعلقةُ بالشرط: وذلك مقل أن يقولَ: " أجزتُ لمحمدِ بن
стр. 338
خالد الدمشقي "، وفي وقتِه ذلك جماعةٌ مشتركون في هذا الاسم والنسبِ، ثم لا يعين المجازَ له منهم. أو يقول: " أجزتُ لفلانٍ أن يرويَ عني كتابَ السُّنَنِ " وهو يروي جماعةً من كتبِ السننِ المعروفةِ بذلك، لا يُعَيِّنُ. فهذه إجازةٌ فاسدةٌ لا فائدةَ لها. وليس من هذا القبيل ِ ما إذا أجاز لجماعةٍ مُسمَّين معيَّنين بأنسابِهم، والمجيزُ جاهلٌ بأعيانِهم غيرُ عارفٍ بهم، فهذا غيرُ قادح ٍ. كما لا يقدحُ عدمُ معرفتِه به إذا حضر شخصُه في السماع منه. والله أعلم.
وإن أجاز للمسمَّين المنتسبين في الاستجازة، ولم يَعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابهم، ولم يعرف عدَدَهم ولم يتصفح أسماءهم واحدًا فواحدًا، فينبغي أن يَصِحَّ ذلك أيضًا، كما يصحُّ سماعُ مَن حضر مجلسَه للسماع ِ منه، وإن لم يعرفْهم أصلا ولم يعرف عددَهم، ولا تصفَّح أشخاصَهم واحدًا واحداً.
وإذا قال: " أجزتُ لمن يشاء فلانٌ " أو نحو ذلك، فهذا فيه جهالةٌ وتعليقٌ بشرطٍ، فالظاهرُ أنه لا يصح. وبذلك أفتى " القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي " إذ سأله " الخطيبُ الحافظ " عن ذلك، وعلَّل بأنه إجازةٌ لمجهول، فهو كقولِه: " أجزتُ لبعض ِ الناس " من غير تعيينٍ. وقد يُعلِّل ذلك أيضًا بما فيها من التعليق بالشرطِ، فإن ما يُفَسَّر بالجهالة يُفَسَّر بالتعليق، [٤٣ / و] على ما عُرِفَ عند قوم. وحكى " الخطيبُ " عن أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي، وأبي الفضل بن عمروس المالكي: أنهما أجازا ذلك. وهؤلاء الثلاثةُ، كانوا مشايخَ مذاهبِهم ببغداد إذ ذاك. وهذه الجهالةُ ترتفع في ثاني الحال ِ عند وجودِ المشيئة، بخلافِ الجهالة الواقعة فيما إذا أجاز لبعض ِ الناس. وإذا قال: " أجزتُ لم نشاء " فهو كما لو قال: " أجزتُ لمن شاء فلانٌ ". والله أعلم. بلة هذه أكثرُ جهالةً وانتشارًا، من حيث إنها معلقةٌ بمشيئةِ مَنْ لا يُحصَرُ عددُهم، بخلافِ تلك.
ثم هذا فيما إذا أجاز لمن شاء الإجازةَ منه له. فإن أجاز لمن شاء الروايةَ عنه فهذا أوْلَى بالجواز، من حيث أن مقتضى كلِّ إجازةٍ تفويضُ الرواية بها إلى مشيئةِ المُجازِ له. فكان هذا، مع كونه بصيغةِ التعليق، تصريحًا بما يقتضيه الإطلاقُ وحكايةً للحَال ِ، لا تعليقًا في الحقيقة. ولهذا أجاز بعضُ أئمة الشافعيينَ في البيع أن يقول: " بعتُكَ هذا بكذا إن
стр. 339
شئتَ ". فيقول: قبلتُ *.
ووُجِدَ بخط " أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي الحافظ ": " أجزتُ روايةَ ذلك لجميع من أحَبَّ أن يرويَ ذلك عني ".
أما إذا قال: " أجزتُ لفلانٍ كذا وكذا إن شاء روايتَه عني، أو: لكَ إن شئتَ، أو ك أحببتَ، أو: أردتَ " فالأظهرُ الأقوى أن ذلك جائز؛ إذ قد انتفت فيه الجهالةُ وحقيقةُ التعليق، ولم يبق سوى صيغتِه. والعلمُ عند الله تعالى.
النوع الخامس من أنواع الإجازة:
الإِجازةُ للمعدوم ، ولنذكر معها الإجازةَ للطفل الصغير.
هذا نوع خاض فيه قوم من المتأخرين واختلفوا في جوازه. [٤٣ / ظ] ومثالُه أن تقول: " أجزتُ لمن يولَدُ لفلان ". فإن عَطَفَ المعدومَ في ذلك على الموجودِ بأن قال:
стр. 340
" أجزتُ لفلانٍ ومَن يولَد له، أو: أجزتُ لكَ ولولدِك وعقبِك ما تناسلوا " كان ذلك أقربَ إلى الجوازِ من الأول. ولمثل ِ ذلك أجاز أصحابُ الشافعي في الوقفِ القسمَ الثاني دون الأول. * وقد أجاز أصحابُ مالكٍ وأبي حنيفة - أو مَن قال ذلك منهم - في الوقفِ، القسمين كليهما. وفَعَلَ هذا الثانيَ في الإجازة من المحدِّثين المتقدمين " أبو بكر بن أبي داود السجستاني " فإنا روينا عنه أنه سئل الإجازةَ فقال: " قد أجزتُ لك ولأولادِك ولِحَبَل ِ الحَبلةِ " يعني الذين لم يُولَدوا بعد (١).
وأما الإجازة للمعدوم ابتداءً من غير عطفٍ على موجود؛ فقد أجازها " الخطيبُ أبو بكر الحافظ " وذكر أنه سمع " أبا يعلى بن الفراء الحنبلي، وأبا الفضل بن عمروس المالكي " يجيزان ذلك. وحكى جوازَ ذلك أيضًا " أبو نصر ابنُ الصباغ الفقيه " فقال: " ذهب قوم إلى أنه يجوز أن يُجيز لمن لم يُخلَقْ ". قال: (٢) " وهذا إنما ذهب إليه من يعتقد أن الإجازةَ إذنٌ في الرواية، لا محادثة " ثم بَيَّنَ بُطلانَ هذه الإجازة، وهو الذي استقر عليه رأيُ شيخِه " القاضي أبي الطيب الطبري الإمام ".
وذلك هو الصحيحُ الذي لا ينبغي غيرُه؛ لأن الإجازةَ في حُكم الإخبار جملةً بالمُجازِ على ما قدمناه في بيانِ صحة أصل الإجازة؛ فكما لا يصحُّ الإخبارُ للمعدوم، لا تصح الإجازةُ للمعدوم. ولو قدَّرنا أن الإجازة إذنٌ فلا يصح أيضًا ذلك للمعدوم، كما لا يصح الإذنُ في بابِ الوكالةِ للمعدوم؛ لوقوعهِ في حالةٍ لا يصحُّ فيها المأذونُ فيه من المأذونِ له.
стр. 341
وهذا أيضًا يوجبُ بطلانَ الإجازة للطفل ِ الصغير الذي لا يصحُّ سماعُه. قال " الخطيبُ ": سألت القاضي أبا الطيبِ الطبري [٤٤ / و] عن الإجازة للطفل الصغير: " هل يُعتبر في صحتها سِنُّه أو تمييزُه، كما يُعتَبرُ ذلك في صحةِ سماعِه؟ فقال: لا يُعتبَر ذلك. قال: فقلت له: إن بعضَ أصحابِنا قال: لا تصحُّ الإجازةُ لمن لا يصحُّ سماعه. فقال: قد يصحُّ أن يجيزَ للغائبِ عنه، ولا يصح السماعُ له " (١). واحتج " الخطيبُ " لصحتها للطفل ِ بأن الإجازةَ إنما هي إباحة المجيزِ للمجازِ له أن يرويَ عنه. والإباحةُ تصحُّ للعاقل ِ وغيره العاقل قال: " وعلى هذا رأينا كافة شيوخِنا يجيزون للأطفال ِ الغُيَّب عنهم. من غير أن يَسألوا عن مبلغ أسنانِهم وحال ِ تمييزهم، ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودًا في الحال " (٢).
قال المملي - أبقاه الله -: كأنهم رأوا الطفلَ أهلاً لتحمل ِ هذا النوع ِ من أنواع تحمل ِ الحديثِ ليؤديَ به بعد حصول ِ أهليتِه؛ حرصًا على توسيع السبيل ِ إلى بقاء الإسنادِ الذي اختصت به هذه الأمّة، وتقريبِه من رسول الله ﷺ . والله أعلم (٣).
النوع السادس من أنواع الإجازة:
إجازة ما لم يسمعه المجيزُ ولم يتحملْه أصلاً بعدُ ليرويه المجازُ له إذا تحمله المجيزُ بعد ذلك . أخبرني من أخبر عن " القاضي عياض ِ بن موسى " من فضلاءِ وقته بالمغربِ، قال: " هذا لم أر من تكلم عليه من المشايخ، ورأيتُ بعض المتأخرين والعصريينَ يصنعونه " ثم حكى عن " أبي الوليد يونس بن مغيث، قاضي قرطبة " أنه سُئل الإجازةَ لجميع ِ ما رواه إلى تاريخها وما يرويه بعدُ، فامتنع من ذلك، فغضب السائلُ، فقال له بعضُ أصحابه: " يا هذا، يُعطيكَ ما لم يأخذْه؟ هذا محال " قال " عياض ": وهذا هو الصحيح (٤).
стр. 342
قال المملي - أبقاه الله -: ينبغي أن يُبنَى هذا على أن الإجازةَ في حكم الإخبار بالمجاز جملةً، أو هي إذْنٌ. فإن جُعِلتْ في حكم الإخبار لم تصح هذه الإجازةُ؛ [٤٤ / ظ] إذ كيف يخبر بما لا خبرَ عنده منه؟ وإن جُعِلتْ إذْنًا انبنى هذا على الخلافِ في تصحيح الإذنِ في بابِ الوكالة فيما لم يملكْه الآذنُ الموكِّلُ بعدُ، مثل أن يوكِّلَ في بيع العبدِ الذي يريد أن يشتريه، وقد أجاز ذلك بعضُ أصحابِ الشافعي. والصحيحُ بطلانُ هذه الإجازة. * وعلى هذا يتعينُ على من يردي أن يرويَ بالإجازةِ عن شيخ ٍ أجاز له جميعَ مسموعاته مثلا، أن يبحثَ حتى يعلمَ أن ذلك الذي يريد روايتَه عنه، مما سمعه قبلَ تاريخ الإجازة. وأما إذا قال: " أجزتُ لك ما صحَّ ويصحُّ عندك من مسموعاتي " فهذا ليس من هذا القبيل، وقد فعله " الدارقطني " وغيره. وجائزٌ أن يرويَ بذلك عنه ما صحَّ عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبل الإجازة. ويجوز ذلك وإن اقتصر على قوله: " ما صحَّ عندك " ولم يقل: " وما يصح "؛ لأن المرادَ: أجزت لك أن ترويَ عني ما صحَّ عندك. فالمعتبر إذًا فيه صحةُ ذلك عنده حالةَ الرواية. والله أعلم.
النوع السابع من أنواع الإجازة: إجازة المُجاز (١).
مثل أن يقول الشيخُ: " أجزتُ لك مُجازاتي، أو: أجزتُ لك روايةَ ما أجيز لي روايتُه "
стр. 343
فمنع من ذلك بعضُ مَن لا يُعتَدُّ به من المتأخرين. * والصحيحُ والذي عليه العملُ أن ذلك جائز. ولا يشبه ذلك ما امتنع من توكيل الوكيل بغير إذن الموكِّل. ووجدتُ عن " أبي عمرو السفاقسي الحافظ المغربي " قال: " سمعتُ أبا نُعيم الحافظَ الأصبهاني (١) يقول: الإجازةُ على الإجازة قويةٌ جائزة ".
وحكى " الخطيبُ الحافظُ " تجويز ذلك عن " الحافظِ الإمام أبي الحسن الدارقطني، والحافظِ أبي العباس المعروف بابنِ عُقدةَ الكوفي " وغيرِهما. (٢) وقد كان الفقيهُ الزاهد [٤٥ / و] " نصرُ بنُ إبراهيمَ المقدسي " يروي بالإجازةِ عن الإجازة، حتى ربما والَى في روايتِه بين إجازاتٍ ثلاث. **
وينبغي لمن يَروي بالإجازة عن الإجازة أن يتأملَ كيفيةَ إجازةِ شيخ ِ شيخِه ومقتضاها؛ حتى لا يرويَ بها ما لم يندرجْ تحتها: فإذا كان مثلاً صورةُ إجازةِ شيخ ِ
стр. 344
شيخِه: " أجزتُ له ما صحَّ عنده من سماعاتي " فرأى شيئًا من مسوعاتِ شيخ ِ شيخِه؛ فليس له أن يرويَ ذلك عن شيخِه عنه؛ حتى يستبينَ أنه مما كان قد صحَّ عند شيخِه كونُه من مسموعات شيخِه الذي تلك إجازتُه، ولا يكتفي بمجردِ صحةِ ذلك عنده الآنَ؛ عملاً بلفظِه وتقييدِه. ومَن لا يتفطنْ لهذا وأمثاله يَكثرْ عثارُه. والله أعلم.
هذه أنواعُ الإجازة التي تمسُّ الحاجةُ إلى بيانها. ويتركبُ منها أنواعٌ أُخَرُ سيتعرفُ المتأملُ حُكمَها مما أمليناه إن شاء الله تعالى.
ثم إنا نُنَبِّهُ على أمور:
أحدها: روينا عن " أبي الحسين (١) أحمدَ بنِ فارس " الأديب المصنفِ ﵀ قال (٢): " معنى الإجازة في كلام العرب مأخوذٌ من جوازِ الماء الذي يُسقاه المالُ من الماشيةِ والحَرْث، يقال منه: استجزتُ فلانًا فأجازني، إذا أسقاك ماءً لأرضِك أو ماشيتِك. كذلك طالبُ العلم يسأل العالِمَ أن يجيزَه عِلْمَه فيجيزَه إياه " (٣).
قال المملي - أبقاه الله -: فللمجيزِ على هذا أن يَقولَ: " أجزتُ فلانًا مسموعاتي أو مَروِيَّاتي " فيُعدِّيه بغيرِ حرفِ جَرٍّ، من غيرِ حاجةٍ إلى ذكر لفظِ الرواية أو نحوِ ذلك. ويحتاج إلى ذلك من يَجعل الإجازةَ بمعنى التَسويغ والإِذْنِ والإِباحة، وذلك هو المعروف، فيقول: " أجزتُ لفلانٍ روايةَ مسموعاتي " مثلا. ومَن يقول منهم: " أجزت له مسمُوعاتي " فعلى سبيل ِ الحذف الذي لا يخفى نظيرُه. والله أعلم.
الثاني: [٤٥ / ظ] إنما تُستحسَنُ الإجازةُ إذا كان المجيزُ عالما بما يجيز، والمُجاز له من أهل ِ العلم؛ لأنها توسُّع وترخيصٌ يتأهَّلُ له أهلُ العلم لمسيس ِ حاجتهم إليها. وبالغ بعضُهم في ذلك فجعله شرطًا فيها. وحكاه " أبو العباس الوليدُ بن بكر المالكيُّ " عن
стр. 345
" مالك " ﵁. وقال " الحافظُ أبو عمر ": " الصحيحُ أنها لا تجوزُ إلا لماهرٍ بالصناعةِ، وفي شيء معيَّنٍ لا يشكل إسنادُه " (١). والله أعلم.
الثالث: ينبغي للمُجيز إذا كتَبَ إجازتَه أن يتلفظَ بها، فإن اقتصر على الكتابة كان ذلك إجازةً جائزةً إذا اقترن بقَصْدِ الإجازة، غير أنها أنقصُ مرتبةً من الإجازة الملفوظِ بها. وغيرُ مستبعَدٍ تصحيحُ ذلك بمجردِ هذه الكتابة في بابِ الروايةِ الذي جُعِلتْ فيه القراءةُ على الشيخ، مع أنه لم يلفظ بما قُرئ عليه؛ إخبارًا منهُ بما قرئ عليه، على ما تقَدم بيانُه. والله أعلم.
القسم الرابع من أقسام ِ طُرُقِ تحمُّل ِ الحديث وتلقيه:
المناولة، وهي على نوعين:
أحدُهما: المناولةُ المقرونةُ بالإجازة ، وهي أعلى أنواع الإجازةِ على الإِطلاق. ولهما صُوَرٌ:
منها: أن يدفع الشيخُ إلى الطالبِ أصلَ سماعه أو فرعًا مقابَلا به ويقولَ: " هذا سماعي، أو روايتي عن فلانٍ، فاروِه عني، أو: أجزتُ لك روايتَه عني ". ثم يُملكه إياه. أو يقول: " خُذْهُ وانسخْه وقابلْ به، ثم رُدَّه إليَّ " أو نحو هذا.
стр. 346
ومنها: أن يجيء الطالبُ إلى الشيخ بكتابٍ أو جزءٍ من حديثِه فيعرضَه عليه، فيتأمله الشيخُ وهو عارفٌ متيقظ، ثم يعيده إليه ويقول له: " وقفتُ على ما فيه، وهو حديثي عن فلانٍ، أو: روايتي عن شيوخي فيه، فاروِه عني، أو: أجزتُ لك روايتَه عني ". وهذا قد سماه غيرُ واحدٍ من أئمة الحديث: [٤٦ / و] عَرْضًا. وقد سبقت حكايتُنا في (القراءةِ على الشيخ) أنها تُسمَّى عَرْضًا، فلنُسمِّ ذلك: عرضَ القراءةِ، وهذا: عرضَ المناولة.
وهذه المناولة المقرونةُ بالإجازةِ حالَّةٌ محلَّ السماع ِ عند " مالكٍ " وجماعةٍ من أئمةِ أصحابِ الحديث. وحَكَى " الحاكمُ أبو عبدِالله الحافظُ النيسابوري " في عَرْض ِ المناولة المذكور، عن كثير من المتقدمين، أنه سماع. (١) وهذا مُطَّرِدٌ في سائرِ ما يماثلُه من صُوَرِ المناولة المقرونةِ بالإِجازة. فمِمَّنْ حكى " الحاكمُ " ذلك عنهم: " ابنُ شهاب الزهري، وربيعةُ الرأي، ويحيى بنُ سعيد الأنصاري، ومالكُ بنُ أنس الإمامُ " في آخَرِينَ من المدنيين، و " مجاهدٌ، وأبو الزبير، وابنُ عُيَيْنَةَ " في جماعةٍ من المكيين، و " علقمةُ وإبراهيمُ النخَعِيَّانِ، والشعبيُّ " في جماعةٍ من الكوفيين، و " قتادةُ، وأبو العالية، وأبو المتوكِّل ِ (٢) الناجي " في طائفةٍ من البصريينَ، و " ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب " (٣) في طائفة من المصريين، وآخرون من الشاميين والخراسانيين. ورأى " الحاكمُ " طائفةً من مشايخِه على ذلك * (٤).
وفي كلامه بعضُ التخليطِ: من حيث كونُه خَلط بعضَ ما ورد في عرض ِ القراءةِ، بما ورد في عَرْض ِ المناولة. وساق الجميعَ مَساقًا واحدًا. والصحيحُ أن ذلك غيرُ حالٍّ محلَّ السماع، وأنه مُنْحَطٌّ عن درجةِ التحديثِ لفظًا والإخبارِ قراءةً * (١).
وقد قال " الحاكم " في هذا العرض: أما فقهاء الإِسلام الذين أفتَوا في الحلال ِ والحرام فإنهم لم يروه سماعًا، وبه قال " الشافعي، والأوزاعي، والبويطي، والمزني، وأبو حنيفة، وسفيانُ الثورِي، وأحمدُ بن حنبل، وابنُ المبارك، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن [٤٦ / ظ]
стр. 349
راهويه " قال: " وعليه عهِدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا وإليه نذهب ". (١) والله أعلم *.
ومنها: أن يُناوِلَ الشيخُ الطالبَ كتابَه ويُجيزَ له روايتَه عنه، ثم يمسكه الشيخُ عنده ولا يُمكِّنه منه. فهذا يتقاعدُ عما سبق؛ لعدم احتواءِ الطالبِ على ما تحمَّله، وغيبتِه عنه. وجائزٌ له روايةُ ذلك عنه، إذا ظفر بالكتاب أو بما هو مقابَلٌ به، على وجهٍ يثقُ معه بموافقتِه لما تناولتْه الإجازةُ، مع ما هو مُعتبَرٌ في الإجازات المجردةِ عن المناولة.
ثم إن المناولةَ في مثل ِ هذا، لا يكادُ يظهر حصولُ مزيةٍ بها على الإجازة الواقعة في مُعيَّنٍ كذلك من غير مناولة، وقد صار غيرُ واحدٍ من الفقهاء والأصوليين إلى أنه لا تأثيرَ لها ولا فائدة. غيرَ أن شيوخَ أهل ِ الحديث في القديم والحديث، أو من حُكِي ذلك عنه منهم، يَرون لذلك مزيَّةً مُعتَبَرةً. والعلمُ عند الله تعالى.
стр. 350
ومنها: أن يأتيَ الطالبُ الشيخَ بكتابٍ أو جزء فيقول: " هذا روايتُك فناوِلنيه وأَجِزْ لي (١) روايتَه ". فيجيبه إلى ذلك من غير أن ينظر فيه ويتحققَ روايتَه لجميعِه. فهذا لا يجوز ولا يصح *. فإن كان الطالبُ موثوقًا بخبرِه ومعرفته جاز الاعتمادُ عليه في ذلك، وكان ذلك إجازةً جائزة، كما جاز في القراءة على الشيخ الاعتمادُ على الطالبِ حتى يكون في القارئ من الأصل، إذا كان موثوقًا به معرفةً ودِينًا **.
قال " الخطيب أبو بكر ": ولو قال: " حدِّث بما في هذا الكتاب عني إن كان من حديثي مع براءتي من الغلَطِ والوهم؛ كان ذلك جائزًا حسنًا " (٢). والله أعلم.
الثاني: المناولة المجردة عن الإجازة ، بأن يناوله الكتابَ كما تقدم ذكرُه أولا، ويقتضر على قولِه: " هذا من حديثي، أو: من سماعاتي " ولا يقول: " اروِه عني، أو: أجزتُ لك روايتَه [٤٧ / و] عني " ونحو ذلك؛ فهذه مناولة مختلة لا تجوز الروايةُ بها. وعابها غيرُ واحدٍ من الفقهاء والأصوليين على المحدِّثين الذين أجازوها وسوَّغوا الروايةَ بها. وحَكَى " الخطيبُ " عن طائفةٍ من أهل ِ العلم أنهم صحَّحوها وأجازوا الروايةَ بها. (٣) وسنذكر إن
стр. 351
شاء الله قولَ من أجاز الروايةَ بمجردِ إعلام ِ الشيخ الطالبَ أن هذا الكتابَ سماعُه من فلان *. وهذا يزيدُ على ذلك ويترجَّحُ بما فيه من المناولة؛ فإنها لا تخلو من إشعارٍ بالإذنِ في الرواية. والله أعلم.
القولُ في عبارةِ الراوي بطريقِ المناولةِ والإجازة:
حُكِيَ عن قوم من المتقدمين ومَن بعدهم أنهم جوَّزوا إطلاق " حدثنا وأخبرنا " في الرواية بالمناولة. حُكي ذلك عن " الزُّهري، ومالكٍ " وغيرهما. (١) وهو لائقٌ بمذهبِ جميع ِ من سبقت الحكايةُ عنهم أنهم جعلوا عَرْضَ المناولةِ المقرونةِ بالإجازة سماعًا. ويُحكَى أيضًا عن قوم مثلُ ذلك في الرواية بالإجازة. وكان الحافظُ " أبو نُعَيم الأصبهاني " صاحبُ التصانيف الكثيرة في علم الحديث، يطلق " أخبرنا " فيما يَرويه بالإجازة. روينا عنه أن قال: " أنا إذا قلتُ: حدثنا؛ فهو سَماعي، وإذا قلتُ: أخبرنا، على الإطلاق؛ فهو إجازة من غير أن أذكر: إجازةً أو كتابةً، أو: كَتبَ إليَّ، أو: أَذِنَ لي في الرواية عنه ".
وكان " أبو عبيدالله المرزباني " (٢) الأخباري صاحبُ التصانيف في علم الخبر، يروي
стр. 352
أكثرَ ما في كُتبِه إجازةً من غير سماع، ويقول في الإجازة: " أخبرنا "، ولا بينهما. وكان ذلك - فيما حكاه " الخطيب - مما عيب به (١) ز
والصحيحُ والمختارُ الذي عليه عملُ الجمهور، وإياه اختار أهلُ التحرِّي والورَع، [٤٧ / ظ] المنعُ في ذلك من إطلاق " حدثنا وأخبرنا " ونحوِهما من العبارات، وتخصيصُ ذلك بعبارةٍ تُشعِرُ به، بأن يُقيِّدَ هذه العباراتِ فيقولَ: أخبرنا أو حدثنا فلانٌ مناولةً وإجازةً، أو أخبرنا إجازةً، أو أخبرنا مناولةً، أو أخبرنا إذنا، أو في إذنه، أو فيما أذن لي فيه، أو فيما أطلق روايتَه عنه. أو يقول: أجاز لي فلان، أو أجازني فلان كذا وكذا، أو ناولني فلان، وما أشبه ذلك من العبارات.
وخصص قومٌ الإجازةَ بعباراتٍ لم يسلموا فيها من التدليس ِ أو طرَفٍ منه، كعبارة من يقول في الإجازة: " أخبرنا مشافهةً " إذا كان قد شافهه بالإجازة لفظًا، وكعبارةٍ من يقول: " أخبرنا فلانٌ كتابةً، أو فيما كتاب إليَّ، أو في كتابِه " إذا كان قد أجازه بخطِّه. فهذا وإن تعَارَفَه في ذلك طائفةٌ من المحدِّثين المتأخرين، فلا يخلو عن طريفٍ من التدليس؛ لما فيه من الاشتراكِ والاشتباه بما إذا كَتَبَ إليه ذلك الحديثَ بعينِه.
وورد عن " الأوزاعي " أنه خصص الإجازةَ بقوله: " خبَّرنا " بالتشديدِ، والقراءةَ عليه بقوله: " أخبرنا " (٢). واصطلح قومٌ من المتأخرين على إطلاق " أنبأنا " في الإجازة، وهو اختيارُ " الوليدِ بن بكر " صاحبِ (الوجازة (٣) في الإجازة).
وقد كان " أنبأنا " عند القوم فيما تقدم، بمنزلةِ " أخبرنا ". وإلى هذا نحا الحافظُ المتقن
стр. 353
" أبو بكر البيهقي " إذ كان يقول: " أنبأني فلانٌ إجازةً ". وفيه أيضًا رعايةٌ لاصطلاح المتأخرين. والله أعلم.
وروينا عن " الحاكم أبي عبدالله الحافظ " ﵀ أنه قال: " الذي أختارُه وعهدتُ عليه أكثرَ مشايخي وأئمة عصري، أن يقول فيما عَرَض على المحدِّث فأجاز له (١) روايتَه شفاهًا: أنبأني فلان، وفيما كتب إليه المحدِّثُ من مدينةٍ ولم يُشافهه بالإجازةِ: كتب إليَّ فلانٌ " (٢) وروينا عن " أبي عمرو بن أبي جعفر بن حمدان النيسابوري " [٤٨ / و] قال: " سمعتُ أبي يقول: كلُّ ما قال (٣) البخاري: قال لي فلان؛ فهو عَرْضٌ ومناولة ".
قال المملي - أبقاه الله -: وورد عن قوم ٍ من الرواة التعبيرُ عن الإجازةِ بقول: " أخبرنا فلانٌ أن فلانًا حدَّثه، أو أخبره ". وبلغنا ذلك عن الإمام " أبي سليمانَ الخَطَّابي " أنه اختاره أو حَكَاه، وهذا اصطلاحٌ بعيدٌ بعيدٌ (٤) عن الإِشعار بالإِجازةِ (٥)، وهو فيما إذا سمع منه الإِسنادَ فحسبُ وأجاز له ما وراءه، قريبٌ؛ فإن كلمة أنَّ في قوله: " أخبرني فلان أن فلانًا أخبره " فيها إشعارٌ بوجودِ أصل ِ الإِخبار، وإنْ أجمل المُخبَرَ به ولم يذكره تفصيلا.
قال المملي - أبقاه الله -: وكثيرًا ما يُعبر الرواةُ المتأخرونَ عن الإجازةِ الواقعة في رواية مَنْ فوق الشيخ ِ المُسَمِّع ِ، بكلمة " عن " فيقول أحدُهم إذا سمع على شيخ ٍ بإجازته عن شيخِه: " قرأتُ على فلانٍ عن فلانٍ " وذلك قريبٌ فيما إذا كان قد سمع منه بإجازته عن شيخِه، إن لم يكن سماعًا فإنه شاكٌّ. وحرفُ " عن " مشترَكٌ بين السماع ِ والإجازةِ صادقٌ عليهما. والله أعلم.
ثم اعلم أن المنعَ من إطلاق: " حدثنا وأخبرنا " في الإجازةِ، لا يزولُ بإباحةِ المجيز
стр. 354
لذلك كما اعتاده قومٌ من المشايخ من قولهم في إجازاتهم لمن يُجيزون له: " إن شاء قال: حدثنا، وإن شاء قال: أخبرنا " فليُعلَم ذلك (١). والعلم عند الله ﵎.
القسم الخامس من أقسام طرق نقل الحديث وتلقيه:
المكاتبة:
وهي أن يكتب الشيخُ إلى الطالب وهو غائبٌ شيئًا من حديثِه بخطِّه، أو يكتب له ذلك وهو حاضر. ويلحقُ بذلك ما إذا أمر غيرَه بأن يكتبَ ذلك عنه إليه. وهذا القسم ينقسم أيضًا إلى نوعين:
أحدهما: أن تتجرد المكاتَبةُ عن الإجازةِ:
والثاني: أن تقترنَ بالإجازةِ بأن يكتب [٤٨ / ظ] إليه ويقول: " أجزتُ لك ما كتبتهُ لك، أو ما كتبتُ به إليك " أو نحو ذلك من عبارات الإجازة.
أما الأول وهو ما إذا اقتصر على المكاتَبةِ؛ فقد أجاز الروايةَ بها كثيرٌ من المتقدمين والمتأخرين، منهم: " أيوبُ السختياني، ومنصورٌ، والليثُ بنُ سعد " (٢) وقاله غيرُ واحد من الشافعيين. وجعلها " أبو المظفر السمعاني " - منهم - أقوى من الإجازة. وإليه صار غيرُ واحد من الأصولِيينَ. وأبَى ذلك قومٌ آخَرونَ، وإليه صار من الشافعيِّينَ " القاضي الماوَردِي "، قطع به في كتابه (الحاوي).
والمذهبُ الأولُ هو الصحيح المشهورُ بين أهل ِ الحديث. وكثيرًا ما يوجَدُ في مسانيدِهم ومصنفَّاتهم قولُهم: " كتب إليَّ فلانٌ، قال: حدَّثنا فلان " والمرادُ به هذا. وذلك معمولٌ به عندهم معدود في المسنَدِ الموصول. وفيها إشعار قويٌّ بمعنى الإجازة؛ فهي وإن لم تقترن بالإِجازةِ لفظًا فقد تضمنت الإجازةَ معنى.
ثم يكفي في ذلك أن يعرفَ المكتوبُ إليه خطَّ الكاتبِ وإن لم تقم البينةُ عليه. ومن
стр. 355
الناس ِ من قال: " الخطُّ يشبهُ الخطَّ؛ فلا يجوز الاعتمادُ على ذلك ". وهذا غيرُ مَرضِيٍّ لأن ذلك نادر، والظاهر أن خطَّ الإنسانِ لا يَشتبهُ بغيره، ولا يقعُ فيه إلباسٌ (١).
ثم ذهب غيرُ واحدٍ من علماء المحدِّثين وأكابرِهم، منهم " الليثُ بنُ سعد، ومنصورٌ " إلى جوازِ إطلاقِ " حدثنا وأخبرنا " في الرواية بالمكاتبة. (٢) والمختارُ قولُ مَن يقول فيها: " كتب إليَّ فلانٌ، قال: حدثنا فلان بكذا وكذا. " وهذا هو الصحيح اللائقُ بمذاهب أهل ِ التحري والنزاهة. وهكذا لو قال: " أخبرني به مكاتبةً، أو: كتابةً " ونحو ذلك من العباراتِ. * والله أعلم.
أما المكاتبةُ المقرونةُ بلفظِ الإجازة فهي في الصحةِ والقوةِ شبيهةٌ بالمناوَلة المقرونةِ بالإِجازة. والله أعلم.
[٤٩ / و] القسم السادس من أقسام الأخذ ووجوهِ النقل:
إعلامُ الراوي للطالبِ بأن هذا الحديثَ أو هذا الكتابَ سماعُه من فلان أو روايتُه ، مقتصرًا على ذلك من غير أن يقول: " اروِه عني، أو: أذِنتُ لك في روايتِه ". ونحو ذلك؛ فهذا عند كثيرين طريقٌ مُجَوِّزٌ لرواية ذلك عنه ونقلهِ (٣). حُكِيَ ذلك عن " ابن جُرَيج " وطوائفَ من المحدِّثين والفقهاءِ والأصوليِّين (٤) والظاهريين، وبه قطَع " أبو نصر بنُ الصباغ " من