← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 29878

مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح

سراج الدين البلقيني

Полный текст (952 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

شاء الله قولَ من أجاز الروايةَ بمجردِ إعلام ِ الشيخ الطالبَ أن هذا الكتابَ سماعُه من فلان *. وهذا يزيدُ على ذلك ويترجَّحُ بما فيه من المناولة؛ فإنها لا تخلو من إشعارٍ بالإذنِ في الرواية. والله أعلم. القولُ في عبارةِ الراوي بطريقِ المناولةِ والإجازة: حُكِيَ عن قوم من المتقدمين ومَن بعدهم أنهم جوَّزوا إطلاق " حدثنا وأخبرنا " في الرواية بالمناولة. حُكي ذلك عن " الزُّهري، ومالكٍ " وغيرهما. (١) وهو لائقٌ بمذهبِ جميع ِ من سبقت الحكايةُ عنهم أنهم جعلوا عَرْضَ المناولةِ المقرونةِ بالإجازة سماعًا. ويُحكَى أيضًا عن قوم مثلُ ذلك في الرواية بالإجازة. وكان الحافظُ " أبو نُعَيم الأصبهاني " صاحبُ التصانيف الكثيرة في علم الحديث، يطلق " أخبرنا " فيما يَرويه بالإجازة. روينا عنه أن قال: " أنا إذا قلتُ: حدثنا؛ فهو سَماعي، وإذا قلتُ: أخبرنا، على الإطلاق؛ فهو إجازة من غير أن أذكر: إجازةً أو كتابةً، أو: كَتبَ إليَّ، أو: أَذِنَ لي في الرواية عنه ". وكان " أبو عبيدالله المرزباني " (٢) الأخباري صاحبُ التصانيف في علم الخبر، يروي

стр. 352

أكثرَ ما في كُتبِه إجازةً من غير سماع، ويقول في الإجازة: " أخبرنا "، ولا بينهما. وكان ذلك - فيما حكاه " الخطيب - مما عيب به (١) ز والصحيحُ والمختارُ الذي عليه عملُ الجمهور، وإياه اختار أهلُ التحرِّي والورَع، [٤٧ / ظ] المنعُ في ذلك من إطلاق " حدثنا وأخبرنا " ونحوِهما من العبارات، وتخصيصُ ذلك بعبارةٍ تُشعِرُ به، بأن يُقيِّدَ هذه العباراتِ فيقولَ: أخبرنا أو حدثنا فلانٌ مناولةً وإجازةً، أو أخبرنا إجازةً، أو أخبرنا مناولةً، أو أخبرنا إذنا، أو في إذنه، أو فيما أذن لي فيه، أو فيما أطلق روايتَه عنه. أو يقول: أجاز لي فلان، أو أجازني فلان كذا وكذا، أو ناولني فلان، وما أشبه ذلك من العبارات. وخصص قومٌ الإجازةَ بعباراتٍ لم يسلموا فيها من التدليس ِ أو طرَفٍ منه، كعبارة من يقول في الإجازة: " أخبرنا مشافهةً " إذا كان قد شافهه بالإجازة لفظًا، وكعبارةٍ من يقول: " أخبرنا فلانٌ كتابةً، أو فيما كتاب إليَّ، أو في كتابِه " إذا كان قد أجازه بخطِّه. فهذا وإن تعَارَفَه في ذلك طائفةٌ من المحدِّثين المتأخرين، فلا يخلو عن طريفٍ من التدليس؛ لما فيه من الاشتراكِ والاشتباه بما إذا كَتَبَ إليه ذلك الحديثَ بعينِه. وورد عن " الأوزاعي " أنه خصص الإجازةَ بقوله: " خبَّرنا " بالتشديدِ، والقراءةَ عليه بقوله: " أخبرنا " (٢). واصطلح قومٌ من المتأخرين على إطلاق " أنبأنا " في الإجازة، وهو اختيارُ " الوليدِ بن بكر " صاحبِ (الوجازة (٣) في الإجازة). وقد كان " أنبأنا " عند القوم فيما تقدم، بمنزلةِ " أخبرنا ". وإلى هذا نحا الحافظُ المتقن

стр. 353

" أبو بكر البيهقي " إذ كان يقول: " أنبأني فلانٌ إجازةً ". وفيه أيضًا رعايةٌ لاصطلاح المتأخرين. والله أعلم. وروينا عن " الحاكم أبي عبدالله الحافظ " ﵀ أنه قال: " الذي أختارُه وعهدتُ عليه أكثرَ مشايخي وأئمة عصري، أن يقول فيما عَرَض على المحدِّث فأجاز له (١) روايتَه شفاهًا: أنبأني فلان، وفيما كتب إليه المحدِّثُ من مدينةٍ ولم يُشافهه بالإجازةِ: كتب إليَّ فلانٌ " (٢) وروينا عن " أبي عمرو بن أبي جعفر بن حمدان النيسابوري " [٤٨ / و] قال: " سمعتُ أبي يقول: كلُّ ما قال (٣) البخاري: قال لي فلان؛ فهو عَرْضٌ ومناولة ". قال المملي - أبقاه الله -: وورد عن قوم ٍ من الرواة التعبيرُ عن الإجازةِ بقول: " أخبرنا فلانٌ أن فلانًا حدَّثه، أو أخبره ". وبلغنا ذلك عن الإمام " أبي سليمانَ الخَطَّابي " أنه اختاره أو حَكَاه، وهذا اصطلاحٌ بعيدٌ بعيدٌ (٤) عن الإِشعار بالإِجازةِ (٥)، وهو فيما إذا سمع منه الإِسنادَ فحسبُ وأجاز له ما وراءه، قريبٌ؛ فإن كلمة أنَّ في قوله: " أخبرني فلان أن فلانًا أخبره " فيها إشعارٌ بوجودِ أصل ِ الإِخبار، وإنْ أجمل المُخبَرَ به ولم يذكره تفصيلا. قال المملي - أبقاه الله -: وكثيرًا ما يُعبر الرواةُ المتأخرونَ عن الإجازةِ الواقعة في رواية مَنْ فوق الشيخ ِ المُسَمِّع ِ، بكلمة " عن " فيقول أحدُهم إذا سمع على شيخ ٍ بإجازته عن شيخِه: " قرأتُ على فلانٍ عن فلانٍ " وذلك قريبٌ فيما إذا كان قد سمع منه بإجازته عن شيخِه، إن لم يكن سماعًا فإنه شاكٌّ. وحرفُ " عن " مشترَكٌ بين السماع ِ والإجازةِ صادقٌ عليهما. والله أعلم. ثم اعلم أن المنعَ من إطلاق: " حدثنا وأخبرنا " في الإجازةِ، لا يزولُ بإباحةِ المجيز

стр. 354

لذلك كما اعتاده قومٌ من المشايخ من قولهم في إجازاتهم لمن يُجيزون له: " إن شاء قال: حدثنا، وإن شاء قال: أخبرنا " فليُعلَم ذلك (١). والعلم عند الله ﵎. القسم الخامس من أقسام طرق نقل الحديث وتلقيه: المكاتبة: وهي أن يكتب الشيخُ إلى الطالب وهو غائبٌ شيئًا من حديثِه بخطِّه، أو يكتب له ذلك وهو حاضر. ويلحقُ بذلك ما إذا أمر غيرَه بأن يكتبَ ذلك عنه إليه. وهذا القسم ينقسم أيضًا إلى نوعين: أحدهما: أن تتجرد المكاتَبةُ عن الإجازةِ: والثاني: أن تقترنَ بالإجازةِ بأن يكتب [٤٨ / ظ] إليه ويقول: " أجزتُ لك ما كتبتهُ لك، أو ما كتبتُ به إليك " أو نحو ذلك من عبارات الإجازة. أما الأول وهو ما إذا اقتصر على المكاتَبةِ؛ فقد أجاز الروايةَ بها كثيرٌ من المتقدمين والمتأخرين، منهم: " أيوبُ السختياني، ومنصورٌ، والليثُ بنُ سعد " (٢) وقاله غيرُ واحد من الشافعيين. وجعلها " أبو المظفر السمعاني " - منهم - أقوى من الإجازة. وإليه صار غيرُ واحد من الأصولِيينَ. وأبَى ذلك قومٌ آخَرونَ، وإليه صار من الشافعيِّينَ " القاضي الماوَردِي "، قطع به في كتابه (الحاوي). والمذهبُ الأولُ هو الصحيح المشهورُ بين أهل ِ الحديث. وكثيرًا ما يوجَدُ في مسانيدِهم ومصنفَّاتهم قولُهم: " كتب إليَّ فلانٌ، قال: حدَّثنا فلان " والمرادُ به هذا. وذلك معمولٌ به عندهم معدود في المسنَدِ الموصول. وفيها إشعار قويٌّ بمعنى الإجازة؛ فهي وإن لم تقترن بالإِجازةِ لفظًا فقد تضمنت الإجازةَ معنى. ثم يكفي في ذلك أن يعرفَ المكتوبُ إليه خطَّ الكاتبِ وإن لم تقم البينةُ عليه. ومن

стр. 355

الناس ِ من قال: " الخطُّ يشبهُ الخطَّ؛ فلا يجوز الاعتمادُ على ذلك ". وهذا غيرُ مَرضِيٍّ لأن ذلك نادر، والظاهر أن خطَّ الإنسانِ لا يَشتبهُ بغيره، ولا يقعُ فيه إلباسٌ (١). ثم ذهب غيرُ واحدٍ من علماء المحدِّثين وأكابرِهم، منهم " الليثُ بنُ سعد، ومنصورٌ " إلى جوازِ إطلاقِ " حدثنا وأخبرنا " في الرواية بالمكاتبة. (٢) والمختارُ قولُ مَن يقول فيها: " كتب إليَّ فلانٌ، قال: حدثنا فلان بكذا وكذا. " وهذا هو الصحيح اللائقُ بمذاهب أهل ِ التحري والنزاهة. وهكذا لو قال: " أخبرني به مكاتبةً، أو: كتابةً " ونحو ذلك من العباراتِ. * والله أعلم. أما المكاتبةُ المقرونةُ بلفظِ الإجازة فهي في الصحةِ والقوةِ شبيهةٌ بالمناوَلة المقرونةِ بالإِجازة. والله أعلم. [٤٩ / و] القسم السادس من أقسام الأخذ ووجوهِ النقل: إعلامُ الراوي للطالبِ بأن هذا الحديثَ أو هذا الكتابَ سماعُه من فلان أو روايتُه ، مقتصرًا على ذلك من غير أن يقول: " اروِه عني، أو: أذِنتُ لك في روايتِه ". ونحو ذلك؛ فهذا عند كثيرين طريقٌ مُجَوِّزٌ لرواية ذلك عنه ونقلهِ (٣). حُكِيَ ذلك عن " ابن جُرَيج " وطوائفَ من المحدِّثين والفقهاءِ والأصوليِّين (٤) والظاهريين، وبه قطَع " أبو نصر بنُ الصباغ " من

стр. 356

الشافعيين، واختاره ونَصَره " أبو العباس ِ الوليدُ بن بكر الغمري المالكي " في كتابِ (الوجازة في تجويز الإجازة) (١). وحكَى " القاضي أبو محمد بن خلاد الرامَهرمُزِي " صاحب كتاب (الفاصل بين الراوي والواعي) عن بعض ِ أهل ِ الظاهر، أنه ذهب إلى ذلك واحتج له، وزاد فقال: " لو قال له: هذه روايتي لكن لا تروِها عني؛ كان له أن يرويها عنه، كما لو سمع منه حديثًا ثم قال له: لا تروه عني ولا أُجِيزه لك؛ لم يضره ذلك " (٣). ووَجْهُ مذهبِ هؤلاء، اعتبارُ ذلك بالقراءةِ على الشيخ؛ فإنه إذا قرأ عليه شيئًا من حديثِه، وأقرَّ بأنه روايتُه عن فلانِ ابنِ فلان؛ جاز له أن يرويَه عنه، وإن لم يسمعه من لفظِه ولم يقل له: اروِه عني، أو: أذنتُ لك في روايته عني. والله أعلم. والمختارُ ما ذُكِرَ عن غيرِ واحدٍ من المحدِّثين وغيرهم، من أنه لا تجوزُ الروايةُ بذلك، وبه قَطَع " الشيخُ أبو حامد الطوسي " من الشافعيين ولم يذكر غيرَ ذلك. (٣) وهذا لأنه قد يكون لك مسوعَه وروايتَه، ثم ل يأذنُ في روايته عنه لكونِه لا يُجَوِّزُ روايتَه لخلل ٍ يعرفُه فيه، ولم يوجد منه التلفظُ به، ولا ما يتنزل منزلةَ تلفظِه به، وهو تلفظ القارئ عليه وهو يسمع ويُقِرُّ به؛ حتى يكون قولُ الراوي عنه السامع ِ ذلك: " حدثنا وأخبرنا " صِدقًا،

стр. 357

وإن لم يأذن له [٤٩ / ظ] فيه. وإنما هو (١) كالشاهد، إذا ذَكَرَ في غير مجلس ِ الحُكم شهادتَه بشيءٍ فليس لمن سمعَه أن يشهد على شهادتِه، إذا لم يأذنْ له ولَم يُشهِدْه على شهادته. وذلك مما تساوت فيه الشهادة والرواية؛ لأن المعنى يجمع بينهما في ذلك وإن افترقتا (٢) في غيرِه. ثم إنه يجب عليه العملُ بما ذكره له إذا صح إسنادُه، وإن لم تَجُزْ له روايتُه عنه؛ لأن ذلك يكفي فيه صحتُه في نفسِه *. والله أعلم. القسم السابع من أقسام الأخذِ والتحمل: الوصيةُ بالكُتُب: أن يوصِيَ الراوي بكتابٍ يرويه، عند موته أو سفرِه، لشخص ٍ. فَرُوِي عن بعض ِ السلفِ ﵃ أنه جوَّز بذلك روايةَ الموصَى له لذلك عن الموصِي الراوي، وهذا بعيدٌ جدًّا، وهو إما زَلَّةٌ عالم، أو مُتَأوَّلٌ على أنه أراد الروايةَ على سبيل ِ الوجادةِ التي يأتي شرحُها، إن شاء الله تعالى. (٣) وقد احتج بعضُهم لذلك فَشَبَّهه بقسم الإعلام وقسم

стр. 358

المناولة. (١) ولا يصحُّ ذلك؛ فإن لقول ِ مَن ْجوَّز الروايةَ بمجرد الإعلام والمناولة مستندًا ذكرناه، لا يتقرر مثلُه ولا قريبٌ منه ههنا. والله أعلم. القسم الثامن: الوجادة: وهي مصدر لِ: وجد يجد، مولَّد غيرُ مسموع من العرب. روينا عن " المُعافَى بن زكريا النهرواني " العلامةِ في العلوم، أن المولدين فرَّعوا قولَهم: " وِجادة " فيما أخِذ من العلِْم من صحيفةٍ من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة؛ من تفريق العربِ بين مصادرِ " وَجَدَ " للتمييزِ بين المعاني المختلفة. يعني قولهم: وجد ضالَّتَه وجدانًا، ومطلوبَه: وجودًا، وفي الغضبِ: مَوجِدةً، وفي الغِنى: وُجدًا، وفي الحُبِّ: وَجْدًا. مثالُ الوِجادة [٥٠ / و] أن يقف على كتابِ شخص ٍ فيه أحاديثُ يرويها بِخَطِّه ولم يلقه، أو لَقِيه، ولكن لم يسمعْ منه ذلك الذي وجده بخطِّه، ولا له منه إجازةٌ ولا نحوُها؛ فله أن يقولَ: " وجدتُ بخطِّ فلانٍ، أو: قرأتُ بخط فلان، أو: في كتابِ فلانٍ بخطِّهِ: أخبرنا فلانٌ بنُ فلانٍ " * ويذكر شيخَه ويسوقُ سائرَ الإسنادِ والمتن. أو يقول: " وجدتُ، أو: قرأت بخط فلان عن فلان " ويذكر الذي حدَّثه ومَن فوقَه. هذا الذي استمر عليه العملُ قديمًا وحديثًا، وهو من باب المنقطع ِ والمرسَل ِ، غير أنه أخذ شَوْبًا من الاتصال ِ بقوله: وجدتُ بخطِّ فلان (٢). وربما دلَّس بعضُهم فذكر الذي وجَدَ خطَّه وقال فيه: " عن فلان، أو: قال فلان " وذلك

стр. 359

تدليسٌ قبيحٌ إذا كان بحيث يوهِمُ سماعَه منه، على ما سبق في نوع ِ التدليس. وجازف بعضُهم فأطلق فيه: " حدثنا، وأخبرنا " وانتُقِدَ ذلك على فاعلِه. وإذا وجَد حديثًا في تأليفِ شخص ٍ وليس بخطِّه؛ فله أن يقول: " ذَكر فلانٌ، أو: قال فلانٌ أخبرنا فلان، أو: ذكر فلان عن فلان " وهذا منقطعٌ لم يأخذْ شوبًا من الاتصال *. وهذا كلُّه إذا وَثِقَ بأنه خطُّ المذكورِ أو كتابُه، فإن لم يكن كذلك فليقلْ: " بلغني عن فلان، أو: وجدت عن فلان " أو نحو ذلك من العبارات، أو ليُفصِحْ بالمستنَدِ فيه، بأن يقولَ ما قاله بعضُ من تقدَّمَ: قرأتُ في كتابِ فلانٍ بخطِّه، وأخبرني فلانٌ أنه بخطِّه، أو يقول: وجدتُ في كتابٍ ظننتُ أنه بخطِّ فلان، أو: في كتابٍ ذكر كاتبُه أنه فلانُ بنُ فلانٍ، أو: في كتاب قيل إنه بخطِّ فلان (١). وإذا أراد أن ينقلَ من كتاب منسوب إلى مصنِّف فلا يقلْ: " قال فلانٌ كذا وكذا " إلا إذا وثِقَ بصحةِ النسخة بأن قابلها، هو أو ثقةٌ أو غيره، بأصول ٍ متعددة كما نَبَّهْنا عليه في آخرِ النوع الأول، وإذا لم يوجَد ذلك ونحوُه [٥٠ / ظ] فليقلْ: " بلغني عن فلانٍ أنه ذَكر كذا وكذا، أو: وجدت في نسخةٍ من الكتاب الفلاني " وما أشبه هذا من العبارات. وقد تسامح أكثرُ الناس ِ في هذه الأزمانِ بإطلاقِ اللفظِ الجازم في ذلك من غير تَحَرٍّ وتَثَبُّتٍ؛ فيطالع أحدُهم كتابًا منسوبًا إلى مصنِّفٍ مُعَيَّنٍ، وينقلُ منه عنه من غير أن يثق بصحةِ النسخةِ، قائلا: " قال فلانٌ كذا وكذا، أو: ذكر فلانٌ كذا وكذا " والصوابُ ما قدمناه. فإن كان المطالعُ عالِمًا فَطِنا، بحيث لا يخفى عليه في الغالبِ مواضعُ الإِسقاطِ والسقَطِ

стр. 360

وما أَحِيلَ عن جهتِه إلى غيرها؛ رجونا أن يجوزَ له إطلاقُ اللفظِ الجازم فيما يَحكيه من ذلك. وإلى هذا - فيما أحسب - استروح كثير من المصنِّفين فيما نقلوه من كتبِ الناس. والعلم عند الله تعالى. هذا كلُّه كلامٌ في كيفيةِ النقل ِ بطريقِ الوِجادة: وأما جوازُ العمل ِ اعتمادًا على ما يوثَقُ به منها؛ فقد روينا عن بعض ِ المالكية أن معظَمَ المحدِّثين والفقهاء من المالكيين وغيرهم لا يَرون العملَ بذلك. وحُكِيَ (١) عن " الشافعي " وطائفةٍ من نُظَّارِ أصحابِه جَوازُ العمل ِ به. قال المملي - أبقاه الله -: قطع بعضُ المحقِّقِين من أصحابه في أصول ِ الفقه بوجوبِ العمل ِ به عند حصول ِ الثقةِ به، وقال: " لو عُرِضَ ما ذكرناه على جُملةٍ المحدِّثين لأبَوه ". وما قطع به، هو الذي لا يتجهُ غيرُه في الأعصارِ المتأخرة؛ فإنه لو توقَّف العملُ فيه على الرواية لانسدَّ بابُ العمل ِ بالمنقول ِ، لتعذُّرِ شرطِ الرواية فيها على ما تقدَّم في النوع الأول. والله أعلم (٢).

стр. 361

.............................................................................................................................

стр. 362

النوع الخامسُ والعشرون: في كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده . اختلف الصدْرُ الأولُ ﵃ في كتابة الحديث؛ فمنهم من كَرِهَ كتابةَ الحديث والعلم وأمروا بحفظِه، ومنهم من أجاز ذلك. وممن روينا عنه كراهةَ ذلك: " عمرُ، وابنُ مسعود، وزيدُ بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد الخدري " في جماعةٍ آخَرينَ من الصحابة والتابعين. (١) ورُوِّينا عن " أبي سَعيد الخُدري " أن النبي ﷺ قال: " لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئًا غيرَ القرآنِ فليمحُه " أخرجه " مُسلمٌ " في صحيحه (٢). وممن روينا عنه إباحةَ ذلك أو فعلَه: " عليّ، وابنُه الحَسنُ، وأنس، وعبدُالله بن عمرو بن العاص " في جمع آخرين من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين * -.

стр. 363

.............................................................................................................................

стр. 364

.............................................................................................................................

стр. 365

ومن صحيح حديثِ رسول اللهِ ﷺ الدالِّ على جوازِ ذلك: حديثُ " أبي شاه اليَمني " في التماسه من رسول ِ الله ﷺ أن يكتبَ له شيئًا سمِعه من خطبته عامَ فتح مكة، وقولُه ﷺ : " اكتبوا لأبي شاه " *.

стр. 366

.............................................................................................................................

стр. 367

ولعلَّه ﷺ أذِنَ في الكتابةِ عنه لمن خشي عليه النسيانَ، ونهى عن الكتابةِ عنه مَنْ وَثِقَ بحفظِه؛ مخافةَ الاتكال ِ على الكتابِ، أو نهى عن كتابةِ ذلك عنه حين خاف عليهم اختلاطَ ذلك بصحُفِ القرآنِ العظيم، وأذِنَ في كتابتِه حين أمِنَ من ذلك. وأخبرنا " أبو الفتح بنُ عبدالمنعم الفراوي " قراءةً عليه بِـ " نيسابورَ " - جبرها الله - قال: أنا أبو المعالي الفارسي، قال: أنا الحافظُ أبو بكر البيهقي قال: أنا أبو الحسين بن بشران قال: أنا أبو عمرو بن السماك قال: نا (١) حنبلُ بنُ إسحاق قال: نا سليمانُ (٢) بن أحمد قال: نا الوليدُ - هو ابنُ مسلم - قال: " كان الأوزاعي يقول: كان هذا العِلْمُ كريمًا يتلاقاه الرجالُ بينهم، فلما دخَل في الكُتُبِ دخَل في الكُتُبِ دهَل فيهم غيرُ أهله " (٣) *. ثم إنه [٥١ / ظ] زال ذلك الخلافُ وأجمع المسلمونَ على تسويغ ذلك وإباحتِه، ولولا تدوينُه في الكُتبِ لدرَسَ في الأعصُرِ الآخرةِ. واللهُ أعلم.

стр. 368

.............................................................................................................................

стр. 369

ثم إن على كَتَبةِ الحديثِ وطلبتِه، صرفَ الهمةِ إلى ضبطِ ما يكتبونه أو يُحصِّلونه بخطِّ الغيرِ من مروياتهم، على الوجهِ الذي رَووه شكلا ونَقْطًا يؤمَنُ معهما الالتباسُ. وكثيرًا ما يتَهاون الواثقُ بذهنِه وتيقظِه، وذلك وخيمُ العاقبة؛ فإن الإنسانَ مُعَرَّضٌ للنسيانِ، وأولُ ناس ٍ أولُ الناس. وإعجامُ المكتوبِ يمنع من استعجامِه، وشكلُه يمنع إشكالِه. ثم لا ينبغي أن يتعنى بتقييد الواضح الذي لا يكاد يلتبس، وقد أحسن من قال: إنما يُشْكَلُ ما يُشْكِلُ (١). وقرأت بخطِّ صاحبِ كتاب (سماتِ الخطِّ ورقومه: علي بنِ إبراهيم البغدادي) فيه: أن أهل العلم يكرهون الإعجامَ والإعرابَ إلا الملتبس. وحَكَى غيرُه عن قوم أنه ينبغي أن يُشكَلَ ما يُشكِلُ وما لا يُشكِلُ؛ وذلك لأن المبتدئ وغيرَ المتبحرِ في العلم، لا يميزُ ما يُشكِلُ مما لا يُشكِل، ولا صوابَ الإعرابِ من خطئهِ (٢). والله أعلم. وهذا بيانُ أمورٍ مفيدةٍ في ذلك: أحدها: ينبغي أن يكونَ اعتناؤه - من بين ما يلتبس - بضبطِ الملتبِس من أسماءِ الناس أكثرَ؛ فإنها لا تُستدرَكُ بالمعنى ولا يستدَلُّ عليها بما قبلُ وبعدُ (٣). الثاني: يستحَبُّ في الألفاظ المشكِلة، أن يُكَرِّرَ ضبطَها بأن يضبطَها في متنِ الكتابِ ثم يكتبها قُبالَةَ ذلك في الحاشيةِ مفردةً مضبوطةً؛ فإن ذلك أبلَغُ في إبانتها وأبعَدُ من التباسِها، وما ضبطَه في أثناءِ الأسطر ربما داخلَه نَقْطُ غيرِه وشَكلُه، مما فوقَه وتحتَه، لا سيما عند دقَّةِ الخطِّ وضيق الأسطُر، وبهذا جرى رسمُ جماعةٍ من أهل ِ الضبط (٤). واللهُ أعلم.

стр. 370

الثالث: يُكرهُ الخَطُّ الدقيقُ من غير عُذرٍ [٥٢ / و] يقتضيه. روينا عن " حنبل بنِ إسحاقَ " قال: " رآني أحمدُ بن حنبَل وأنا أَكتبُ خطًّا دقيقا فقال: لا تفعلْ، أحْوَجَ ما تكونُ إليه يخونكُ " (١). وبلَغنا عن بعض ِ المشايخ أنه كان إذا رأى خطًّا دقيقًا قال: " هذا خَطُّ مَنْ لا يوقنُ بالخلفِ من اللهِ تعالى ". والعُذْرُ في ذلك؛ هو مثلُ أن لا يجدَ في الورقِ سَعَةً، أو يكونَ رحَّالا يحتاج إلى تدقيقِ الخَطِّ ليَخِفَّ عليه مَحملُ كتابِه، ونحو هذا. الرابع: يُختار له في خطِّه التحقيقُ دون المشْقِ والتعليق. بلغنا عن " ابن قتيبة " قال: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: " شرُّ الكتابة المَشْقُ، وشرُّ القراءةِ الهَذرمةُ، وأجْوَدُ الخطِّ أبْيَنُهُ " (٢). والله أعلم. الخامس: كما تُضبَطُ الحروفُ المعجمةُ بالنقطِ؛ كذلك ينبغي أن تضبطَ المهمَلاتُ غيرُ المُعجَمةِ، بعلامة الإِهمال لتدلَّ على عدم إعجامها. وسبيلُ الناس ِ في ضبطِها مختلف: فمنهم من يَقْلِبُ النقطَ؛ فيجعل النقطَ الذي فوق المعجمَاتِ، تحت ما يشاكِلُها من المهمَلات؛ فينقط تحت الراء والصاد والطاء والعين، ونحوِها من المهمَلات. وذكر بعضُ هؤلاء أن النُّقَطَ التي تحت السينِ المهملة تكون مبسوطةً صَفًّا، والتي فوق الشينِ المعجمةِ تكون كالأَثافيِّ (٣). ومن الناس من يجعل علامةَ الإهمال فوق الحروفِ المهمَلة كقُلامةِ الظفرِ مُضجَعةً على

стр. 371

قَفَاها. ومنهم من يجعل تحتَ الحاءِ المهمَلة حاءً مفردةً صغيرة، وكذا تحت الدال ِ والطاءِ والصادِ والسينِ والعينِ، وسائر الحروف المهمَلة الملتبسةِ مثل ذلك *. فهذه وجوه من علامات الإهمال شائعةٌ معروفة. وهناك من العلاماتِ ما هو موجود في كثيرٍ من الكتبِ القديمة ولا يفطن له كثيرون: كعلامةِ مَنْ يجعل فوق الحرفِ المهمَل ِ خَطًّا صغيرًا، وكعلامةِ من يجعل تحت الحرفِ المهمل مثلَ الهمزة. [٥٢ / ظ] واللهُ أعلم. السادس: لا ينبغي أن يصطلح مع نفسِه في كتابه بما لا يفهمه غيرُه فيوقِعَ غيرَه في حيرة، كفعل ِ من يجمع في كتابه بين رواياتٍ مختلفة، ويرمز إلى راوٍ بحرفٍ واحد من اسمه أو حرفين وما أشبه ذلك. فإن بَيَّنَ في أول كتابه أو آخره مرادَه بتلك العلامات والرموز؛ فلا بأس. مع ذلك فالأوْلَى أن يتجنبَ الرمزَ، ويكتبَ عند كلِّ روايةٍ اسمَ راويها بكمالِه مختصَرًا، ولا يقتصر على العلامة ببعضه. والله أعلم. السابع: ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دارةٌ تفصلُ بينهما وتميز. وممن بلغنا عنه ذلك من الأئمة: " أبو الزناد، وأحمدُ بن حنبل، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، ومحمد بن جرير الطبري " ﵁. واستحب " الخطيبُ الحافظ " أن تكون الداراتُ غُفلا، فإذا عارض فكلُّ حديثٍ يفرغ من عرضه ينقط في الدارة التي تليه نقطةً أو يخط في وسطها

стр. 372

خطًّا. قال: وقد كان بعض أهل العلم لا يعتد من سماعه إلا بما كان كذلك، أو في معناه. والله أعلم (١). الثامن: يُكرَه (٢) له في مثل " عبدِالله بن فلان بن فلان " أن يكتب " عبد " في آخر سطر، والباقي في أوَّل ِ السطر الآخَر. وكذلك يكره في " عبدِالرحمن بنِ فلان " وفي سائرِ الأسماءِ المشتملة على التعبيد لله تعالى، أن يكتبَ " عبد " في آخرِ سطرٍ، واسم اللهِ مع سائرِ النسبِ في أول ِ السطرِ الآخر. وهكذا يُكره أن يكتَبَ " قال رسول " في آخر سطرٍ، ويكتَبَ في أول ِ السطرِ الذي يليه: " الله صلى الله تعالى عليه وآلِهِ وسلم " وما أشبَهَ ذلك. والله أعلم. التاسع: ينبغي أن يحافظَ على كِتبةِ الصلاة والتسليم على رسول ِ الله ﷺ [٥٣ / و] عند ذكرِه، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره؛ فإن ذلك من أكبرِ الفوائد التي يتعجلُها طلبةُ الحديث وكَتَبتُه. ومَن أغفل ذلك حُرِمَ حظًّا عظيمًا. وقد روينا لأهل ِ ذلك مناماتٍ صالحةً *. وما يكتبهُ من ذلك فهو دعاء يُثبِتُه، كلامٌ يرويه؛ فلذلك لا يتقيد به

стр. 373

............................................................................................................................

стр. 374

بالرواية، ولا يقتصر فيه على ما في الأصل. وهكذا الأمرُ في الثناء على الله - سبحانه - عند ذكر اسمِه نحو: ، وتبارك وتعالى، وما ضاهى ذلك *. وإذا وُجِدَ شيءٌ من ذلك قد جاءت به الروايةُ، كانت العنايةُ بإثباتِه وضبطِه أكثرَ. وما وُجِدَ في خَطِّ " أبي عبدِالله أحمدَ بنِ حنبلَ " ﵁ من إغفال ِ ذلك عند ذكر اسم النبي ﷺ ؛ فلعل سبَبَه أنه كان يرى التقيدَ في ذلك بالرواية، وعَزَّ عليه اتصالُها في ذلك في جميع ِ مَن فوقه من الرواة. قال " الخطيبُ أبو بكر ": وبلغني أنه كان يُصَلِّي على النبي ﷺ نُطْقًا لا خَطًّا **. قال: وقد خالفه غيرُه من الأئمةِ المتقدمين في ذلك. ورُوِيَ عن " علي ابن المديني، وعباس بن عبدالعظيم العنبري " قالا: " ما تركنا الصلاةَ على رسول الله ﷺ في كلِّ حديثٍ سمعناه، وربما عَجِلْنا فنبيض الكتابَ في كل حديثٍ حتى نرجعَ إليه ". والله أعلم. ثم ليتجنبْ في إثباتها نقصين: أحدهما: أن يكتبها منقوصةً صورةً، رامزًا إليها بحرفين أو نحو ذلك، والثاني أن يكتبها منقوصةً معنى، بأن لا يكتب: وسلم، وإن وجد ذلك في خط بعض المتقدمين. سمعت " أبا القاسم منصور بن عبدالمنعم، وأم المؤيد بنت أبي القاسم " بقراءتي عليهما، قالا: سمعنا أبا البركات عبدالله بن محمد الفراوي لفظًا قال: سمعت

стр. 375

المقرئ ظريفَ بن محمد يقول: سمعت عبدَالله (١) بن محمد بن إسحاق الحافظِِ [٥٣ / ظ] قال: سمعت أبي يقول: سمعت حمزةَ الكناني يقول: " كنت أكتب الحديثَ، وكنت أكتب عند ذكر النبي: صلى الله عليه، ولا أكتب: وسلم. فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: ما لك لا تُتم الصلاةَ عليَّ؟ قال: فما كتبتُ بعد ذلك: صلى الله عليه، إلا كتبت: وسلم ". قلت: ويُكرَه أيضًا الاقتصارُ على قوله: ﵇. والله أعلم (٢). العاشر: على الطالبِ مقابلةُ كتابِه بأصل ِ سماعه وكتابِ شيخه الذي يرويه عنه، وإن كان إجازةً. روينا عن " عروةَ بن الزبير " ﵁ أنه قال لابنه هشام: كتبتَ؟ قال: نعم، قال: عارضتَ كتابك؟ قال: لا، قال: لم تكتب (٣). وروينا عن " الشافعي الإمام " وعن " يحيى بن أبي كثير " قالا: " من كتب ولم يعارض كمن دخل الخلاءَ ولم يستنج ". (٤) وعن " الأخفش " قال: " إذا نُسِخ الكتابُ ولم يُعارَض،

стр. 376

ثم نُسِخ ولم يُعارَض؛ خرج أعجميًّا " * (١). ثم إن أفضل المعارضةِ أن يعارضَ الطالبُ بنفسه كتابَه بكتابِ الشيخ مع الشيخ في حال ِ تحديثه إياه من كتابِه؛ لما يجمع ذلك من وجوه الاحتياطِ والإِتقان من الجانبين. (٢) وما لم يجتمعْ فيه هذه الأوصافُ نقص من مرتبته بقدرِ ما فاته منها. وما ذكرناه أوْلَى من إطلاق (٣) " أبي الفضل الجارودي الحافظ الهروي " قولَه: " أصدقُ المعارضةِ مع نفسِك ".

стр. 377

ويُستحب أنه ينظر معه في نسختِه، مَنْ حضر من السامعين ممن ليس معه نسخة، لا سيما إذا أراد النقل منها. وقد رُوِي عن " يحيى بن معين " أنه سئل عمن لم ينظر في الكتاب والمحدِّث يقرأ؛ هل يجوز أن يحدِّثَ بذلك عنه؟ فقال: أما عندي فلا يجوز، ولكن عامةَ الشيوخ هكذا سماعُهم (١). [٥٤ / و] قلت: وهذا من مذاهبِ أهل ِ التشديد في الرواية، وسيأتي ذكرُ مذهبِهم - إن شاء الله تعالى -. والصحيحُ أن ذلك لا يُشترط، وأنه يصحُّ السماعُ وإن لم ينظر أصلا في الكتابِ حالةَ القراءة، وأنه لا يُشترط أن يُقابله بنفسه، بل يكفيه مقابلةُ نسختِه بأصل ِ الراوي وإن لم يكن ذلك حالةَ القراءة، وإن كانت المقابلةُ على يدي غيره إذا كان ثقةً موثوقًا بضبطِه (٢). قلت: وجائز أن تكون مقابلته بفرع قد قوبل المقابلةَ المشروطةَ بأصل ِ شيخِه، أصل ِ السماع، وكذلك إذا قابل بأصل ِ أصل ِ الشيخ المقابَل ِ به أصلُ الشيخ ِ؛ لأن الغرض المطلوب أن يكون كتابُ الطالب مطابقًا لأصل ِ سماعِه وكتابِ شيخه، فسواء حصل ذلك بواسطةٍ أو بغيرِ واسطة. ولا يجزئ ذلك عند من قال: لا تصح مقابلتُه مع أحدٍ غير نفسِه، ولا يُقلد غيره ولا يكون بينه وبين كتابِ الشيخ (٣) واسطةٌ، وليقابل نسختَه بالأصل بنفسه حرفًا حرفًا حتى يكون على ثقة ويقين من مطابقتها له. وهذا مذهب متروك، وهو من مذاهب أهل التشديد المرفوضة في أعصارنا. والله أعلم. أما إذا لم يعارض كتابَه بالأصل فقد سئل " الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني " عن جواز روايته منه فأجاز ذلك، وأجازه " الحافظ أبو بكر الخطيب " أيضًا، وبَيَّنَ شرطَه فذكر أنه يشترَط أن تكون نسختُه نُقِلَت من الأصل ِ وأن يُبَِّنَ عند الرواية أنه لم يعارض. وحَكى عن شيخه " أبي بكر البرقاني " أنه سأل أبا بكر الإسماعيلي: هل للرجل ِ أن

стр. 378

يُحدِّثَ بما كتب عن الشيخ ولم يعارض بأصله؟ فقال: نعم، ولكن لا بد أن يبينَ أنه لم يعارض. قال (١): " وهذا هو مذهبُ أبي بكر البرقاني؛ فإنه روى لنا أحاديثَ كثيرةً وقال فيها: أخبرنا فلانٌ، ولم أعارضْ بالأصل ". قلت: ولا بدر من شرطٍ ثالث، وهو أن يكون ناقلُ النسخةِ [٥٤ / ظ] من الأصل ِ غيرَ سقيم النقل، بل صحيحَ النقل ِ قليل السقَطِ. والله أعلم. ثم إنه ينبغي أن يراعَى في كتابِ شيخِه بالنسبة إلى مَن فوقه، مثلَ ما ذكرنا أنه يراعيه من كتابِه، ولا يكون منه كطائفة من الطلبة إذا رأوا سماعَ شيخ ٍ لكتابٍ قرءوه عليه من أي نسخةٍ اتفقتْ. والله أعلم. الحادي عشر: المختار في كيفية تخريج الساقط في الحواشي - ويسمى اللحَقَ، بفتح الحاء - أن يخط من موضع سقوطِه من السطر خطًّا صاعدًا إلى فوق، ثم يعطفه بين السطرين عطفةً يسيرة إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحَق. ويبدأ في الحاشية بكتبة اللحق مقابِلا للخط المنعطف، وليكن ذلك في حاشية ذات اليمين. وإن كانت تلي وسطَ الورقة إن اتسعت له؛ فليكتبه (٢) صاعدًا إلى أعلى الرواية لا نازلا به إلى أسفل. قلت: وإذا كان اللحق سطرين أو سطورًا فلا يبتدئ بسطوره من أسفلَ إلى أعلى، بل يبتدئ بها من أعلى إلى أسفل؛ بحيث يكون منتهاها إلى جهة باطن الورقة، إذا كان التخريجُ في جهةِ اليمين، وإذا كان في جهة الشمال، وقع منتهاها إلى جهة طرف الورقة. ثم يكتب عند انتهاء اللحق: صح. ومنهم من يكتب مع صح: رجع. ومنهم من يكتب في آخرِ اللحقِ الكلمةَ المتصلةَ به داخلَ الكتابِ في موضع التخريج ليؤذنَ باتصال ِ الكلام، وهذا اختيارُ بعض ِ أهل ِ الصنعةِ من أهل ِ المغرب، (٣) واختيارُ " القاضي أبي محمد بن

стр. 379

خلاد " صاحب كتاب (الفاصل بين الراوي والواعي) (١) من أهل المشرق مع طائفة. وليس ذلك بمرضي؛ إذ رُبَّ كلمة تجيء في الكلام مكررةً حقيقة، فهذا التكرير يوقعُ بعضَ الناس ِ في توَهُّم مثل ِ ذلك في بعضِه. واختار " القاضي ابنُ خلاد " أيضًا في كتابه أن يمدَّ عَطْفةَ خطِّ التخريج ِ من موضعِه حتى يُلحِقَه بأول اللحَق بالحاشية. (٢) [٥٥ / و] هذا أيضًا غيرُ مرضي؛ فإنه وإن كان فيه زيادة بيان؛ فهو تسخيم للكتابِ وتسويد له، لا سيما عند كثرة الإِلحاقات. والله أعلم. وإنما اخترنا كتبةَ اللحقِ صاعدًا إلى أعلى الورقة؛ لئلا يخرج بعده نقصٌ آخرُ فلا يجد ما يقابله من الحاشية فارغًا له، لو كان كتب الأولَ نازلا إلى أسفلَ (٣). وإذا كتب الأولَ صاعدًا فيما يجد بعد ذلك من نقص يجد ما يقابله من الحاشية فارغًا له. وقلنا أيضًا: يخرجه في جهة اليمين؛ لأنه لو خرجه إلى جهة الشمال ِ فربما ظهر بعده في السطرِ نفسِه نقصٌ آخرُ، فإن خرجه قُدَّامَه إلى جهة الشمال أيضًا وقع بين التخريجين إشكال، وإن خرج الثاني إلى جهة اليمين التقت عطفةُ تخريج جهةِ الشمال وعطفةُ تخريج جهة اليمين، أو تقابَلَتا؛ فأشبه ذلك الضرْبَ على ما بينهما، بخلاف ما إذا خرج الأول إلى جهة اليمين فإنه حينئذ يخرج الثاني إلى جهة الشمال فلا يلتقيان ولا يلزم إشكال، اللهم إلا أن يتأخر النقصُ إلى آخرِ السطر، فلا وجهَ حينئذ إلا تخريجُه إلى جهةِ الشمال لِقُربِه منها ولانتفاءِ العلة المذكورة، من حيث أنا لا نخشى ظهورَ نقص ٍ بعدَه. وإذا كان النقصُ في أول السطر، تأكد تخريجُه إلى جهة اليمين؛ لما ذكرناه من القُربِ مع ما سبق (٤).

стр. 380

وأما ما يخرج في الحواشي من شرح أو تنبيه على غلطٍ أو اختلاف روايةٍ أو نسخة أو نحوِ ذلك مما ليس من الأصل؛ فقد ذهب " القاضي الحافظُ عياض " ﵀ إلى أنه لا يُخرجُ لذلك خطُّ تخريج ٍ لئلا يدخل اللبسُ ويُحسَبَ من الأصل، وأنه لا يخرج إلا لما هو من نفس الأصل، لكن ربما جُعِلَ على الحرق المقصود بذلك التخريج علامةٌ كالضبةِ أو التصحيح؛ إيذانًا به (١). قلت: التخريج أوْلَى وأدَلُّ وفي نفس هذا المخرَج ما يمنع الإِلباسَ. ثم هذا التخريجُ [٥٥ / ظ] يخالف التخريجَ لما هو من نفس الأصل في أن خط ذلك التخريج يقع بين الكلمتين اللتين بينهما سقط الساقط، وخط هذا التخريج يقع على نفس الكلمة التي من أجلها خُرِّجَ المخرَّجُ في الحاشية. والله أعلم. الثاني عشر: من شأنِ الحُذَّاقِ المتقنين، العنايةُ بالتصحيح والتضبيب والتمريض: أما التصحيحُ فهو كتابة " صح " على الكلام أو عنده، ولا يفعل ذلك إلا فيما صح روايةً ومعنى، غير أنه عرضة للشكِّ أو الخلاف، فيكتب عليه: صح؛ ليُعرَفَ أنه لم يغفل عنه، وأنه قد ضُبِطَ وصَحَّ على ذلك الوجه. وأما التضبيب - ويسمى أيضًا التمريض -؛ فيُجعل على ما صح ورودُه كذلك من جهةِ

стр. 381

النقل، غير أنه فاسدٌ لفظًا أو معنى، أو ضعيف، أو ناقص؛ مثل أن يكون غير جائز من حيث العربيةُ، أو يكون شاذًّا عند أهله يأباه أكثرهم، أو مصحَّفًا، أو ينقُصَ من جملة الكلام كلمة أو أكثر، وما أشبه ذلك، فيُمَدّ على ما هذا سبيلُه خطٌّ، أوَّلُه مثلُ الصادِ، ولا يُلزَق بالكلمة المعلَّم عليها كيلا يُظَنَّ ضربًا، وكأنه صادُ التصحيح بمَدَّتها دون حائها، كُتبت كذلك ليفرقَ بين ما صحَّ مطلقًا من جهة الرواية وغيرها، وبين ما صح من جهة الرواية دون غيرها، فلم يكمل عليه التصحيح. وكتب حرف ناقص عهلى حرف ناقص؛ إشعارًا بنقصه ومرضِه مع صحة نقله وروايته، وتنبيهًا بذلك لمن ينظر في كتابه على أنه قد وقف عليه ونقله على ما هو عليه، ولعل غيره قد يخرج له وجهًا صحيحًا، أو يظهر له بعد ذلك في صحتِه ما لم يظهر له الآن. ولو غَيَّرَ ذلك وأصلحه على ما عنده؛ لكان معترضًا لما وقع فيه غيرُ واحدٍ من المتجاسرين الذين غيَّروا، وظهر الصوابُ فيما أنكروه والفسادُ فيما أصلحوه (١). وأما تسمية ذلك ضبة؛ فقد بلغنا عن " أبي القاسم إبراهيم بن محمد [٥٦] اللغوي، المعروف بابن الإفليلي " أن ذلك لكونِ الحرف مُقْفَلاً بها لا يتجه لقراءةٍ؛ كما أن الضبةَ مقفلٌ بها. والله أعلم (٢). قلت: ولأنها لما كانت على كلام فيه خَلل أشبهت الضبةَ التي تُجعل على كسر أو خلل، فاستعِير لها اسمُها. ومثلُ ذلك غيرُ مستنكرٍ في بابِ الاستعارات *.

стр. 382

ومن مواضع التضبيب أن يقع في الإِسناد إرسالٌ أو انقطاع، فمن عادتهم تضبيبُ موضع ِ الإرسال والانقطاع، وذلك من قبيل ما سبق ذكره من التضبيبِ على الكلام الناقص. ويوجَدُ في بعض ِ أصول الحديث القديمة في الإِسناد الذي يجتمع فيعه جماعةٌ معطوفة أسماؤهم بعضُها على بعض، علامة تشبه الضبةَ فيما بين أسمائهم، فيتوهم من لا خبرةَ له أنها ضبةٌ وليست بضبة، وكأنها علامةُ وصل ٍ فيما بينها، أثبتت تأكيدًا للعطف؛ خوفًا من أن تُجعلَ " عن " مكانَ الواو. والعلم عند الله تعالى. ثم إن بعضهم ربما اختصر علامة التصحيح، فجاءت صورتها تشبه صورة التضبيب. والفطنةُ من خير ما أوتيه الإنسانُ. والله أعلم. الثالث عشر: إذا وقع في الكتابِ ما ليس منه؛ فإنه يُنفَى عنه بالضرب، أو الحكِّ أو المحوِ، أو غير ذلك. والضربُ خيرٌ من الحَكِّ والمحو. روينا عن " القاضي أبي محمد بن خلاد " ﵀ قال: " قال أصحابنا: الحك تهمة " (١). وأخبرني من أخبر عن " القاضي عياض " قال: " سمعت شيخنا أبا بحر سفيانَ بن العاصي، يحكي عن بعض شيوخه أنه كان يقول: كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلسَ السماع؛ حتى لا يُبشَرَ شيء؛ لأن ما يبشر فيه ربما يصح في رواية أخرى , وقد يُسمع الكتابُ مرةً أخرى على شيخ آخرَ يكون ما بُشِرَ [٥٦ / ظ] وحُكَّ من روايةِ هذا، صحيحًا في روايةِ الآخر، فيحتاج إلى إلحاقه بعد أن بُشِرَ، وهو إذا خُطَّ عليه من رواية الأول ِ وصَحَّ عند الآخرِ، اكتفى بعلامةِ الآخر عليه بِصحتِهِ " (٢). ثم إنهم اختلفوا في كيفية الضرب؛ فروينا عن " أبي محمد بن خلاد " قال: " أجودُ الضربِ أن لا يطمس المضروب عليه، بل يخط من فوقه خطًّا جيدا بَيِّنا، يدل على إبطاله، ويُقرأ من تحته ما خُطَّ عليه " (٣). وروينا عن " القاضي عياض " ما معناه، أن اختياراتِ الضابطين اختلفت في الضرب؛ فأكثرهم على مدّ الخطِّ على المضروبِ عليه مختلطًا

стр. 383

بالكلمات المضروبِ عليها، ويسمَّى ذلك: الشقَّ (١) أيضًا. ومنهم من لا يخلطه ويثبته فوقه، لكنه يَعطف طرفي الخطِّ على أول ِ المضروب عليه وآخرِه. ومنهم من يستقبحُ هذا ويراه تسويدًا وتطليسًا، بل يُحوِّقُ على أول ِ الكلام المضروب عليه بنصفِ دائرة، وكذلك في آخره. وإذا كثُر الكَلامُ المضروبُ عليه فقد يفعل ذلك في أول ِ كلِّ سطرٍ منه وآخره، وقد يكتفي بالتحويق على أول ِ الكلام وآخرِه أجمَعَ. ومن الأشياخ من يستقبح الضربَ والتحويقَ ويكتفي بدائرة صغيرة أولَ الزيادةِ وآخرَها، ويسميها صِفْرًا كما يسميها أهلُ الحسابِ. وربما كتب بعضهم عليه " لا " في أولِه و " إلى " في آخرِه. ومثلُ هذا يحسن فيما صحَّ في روايةٍ، وسقط في رواية أخرى (٢). والله أعلم. وأما الضربُ على الحرف المُكرَّرِ؛ فقد تقدم بالكلام فيه " القاضي أبو محمد ابن خلاد الرامهرمزي " ﵀ على تقدمه؛ فروينا عنه قال: " قال بعض أصحابنا: أوْلاَهما بأن يبطلَ الثاني؛ لأن الأولَ كُتِبَ على صواب، والثاني كُتِبَ على الخطأ، فالخطأ أوْلَى بالإِبطال. وقال آخرون: إنما الكتاب علامةٌ لما يُقرأ، فأوْلَى الحرفيْن بالإِبقاء أدَلُّهمَا عليه وأجودُهما صورةً " (٣) وجاء عن " القاضي عياض " آخرًا، ففصَّل تفصيلا حسنا، فرأى إن تكررَ الحرف إن كان في أول ِ سطرٍ فليضربْ على الثاني [٥٧ / و] صيانةً لأول ِ السطرِ عن التسويدِ والتشويه، وإن كان في آخر سطرٍ فليُضربْ على أولهما صيانةً لآخرِ السطر فإن سلامةَ أوائل ِ السطور وأواخرها عن ذلك أولى؛ فإن اتفق أحدُهما في آخر السطر والآخرُ في أول ِ سطر آخرَ فليُضرَبْ على الذي في آخر السطر، فإن أولَ السطرِ أوْلى بالمراعاة؛ فإن كان التكرُّرُ في المضاف أو المضاف إليه أو في الصفة أو الموصوف أو نحوِ ذلك؛ لم نراع حينئذ أولَ السطر وآخره، بل نراعي الاتصالَ بين المضاف والمضاف إليه ونحوِهما في

стр. 384

الخط، فلا نفصل بالضرب بينهما، ونضرب على الحرف المتطرف من المتكرر، دون المتوسط (١). وأما المحو فيقارب الكشطَ في حُكمه الذي تقدم ذكره. وتتنوع طرُقُه، ومن أغربِها - مع أنه أسلمُها - ما رُوِيَ عن " سَحْنونَ بن سعيد التنوخي (٢) الإمام المالكي " أنه كان ربما كَتب الشيءَ ثم لَعِقَه. (٣) وإلى هذا يومِىءُ ما روينا عن " إبراهيم النخَعي " ﵁ أنه كان يقول: " من المروءةِ أن يُرَى في ثوبِ الرجل ِ وشفتيه مدادٌ ". والله أعلم. الرابع عشر: ليكنْ فيما تختلف فيه الرواياتُ قائمًا بضبطِ ما تختلف فيه في كتابِه، جيدَ التمييز بينها كيلا تختلطَ وتشتبه فيفسُدَ عليه أمرُها. وسبيلُه أن يجعل أولا متنَ كتابِه على روايةٍ خاصة، ثم ما كانت من زيادة لروايةٍ أخرى ألحقها أو من نقص ٍ أعلم عليه، أو من خلافٍ كتبه، إما في الحاشيةِ وإما في غيرِها، مُعَيِّنًا في ذلك كل من رواه، ذاكرًا اسمَه بتمامِه، فإن رمز إليه بحرفٍ أو أكثر، فعليه ما قدمنا ذكرَه، من أنه يبين المرادَ بذلك في أول ِ كتابِه أو آخرِه كيلا يطولَ عهدُه به فينسى، أو يقَع كتابه إلى غيرِه، [٥٧ / ظ] فيقعَ من رموزِه في حيرة وعَمى. وقد يُدفَعُ إلى الاقتصار على الرموز عند كثرةِ الروايات المختلفة، واكتفى بعضُهم في التمييز بأن خص الروايَةَ الملحقةَ بالحُمرةِ. فَعل ذلك " أبو ذر الهروي " من المشارقة، و " أبو الحسن القابسي " (٥) من المغاربةِ، مع كثيرٍ من المشايخ وأهل ِ التقييد. (٦) فإذا كانت في الرواية الملحقةِ زيادةٌ على التي في متنِ الكتابِ كتبَها بالحُمرة، وإن كان فيها نقصٌ والزيادةُ في الرواية التي

стр. 385

في مَتْنِ الكتابِ، حَوَّق عليها بالحمرة. ثم على فاعل ذلك تبيينُ من له الروايةُ المعلمةُ بالحمرةِ، في أول الكتابِ أو آخرِه على ما سبق (١). والله أعلم. الخامس عشر: غلب على كتبةِ الحديث الاقتصارُ على الرمز في قولهم: حدثنا، و: أخبرنا. غير أنه شاع ذلك وظهر حتى لا يكاد يلتبِس. أما " حدثنا " فيكتب منها شطرها الأخير وهو الثاء والنون والألف، وربما اقتُصِرَ على الضمير (٢) منها وهو النون والألف. * وأما أخبرنا؛ فيكتب منها الضمير المذكور مع الألف أولا. وليس بحسَنٍ ما تفعله طائفة من كتابة أخبرنا بألف، مع علامة حدثنا المذكورة أولا، وإن كان " الحافظُ البيهقي " ممن فعله. وقد يكتب في علامة أخبرنا: راء بعد الألف، وفي علامةِ حدثنا: دال في أولها. وممن رأيت في خطه الدال في علامة حدثنا: " الحافظ أبو عبدالله الحاكم، وأبو عبدالرحمن السلمي، والحافظ أحمد البيهقي " (٣). والله أعلم. وإذا كان للحديث إسنادانِ أو أكثر، فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسنادٍ إلى إسناد، ما صورتُه " ح " وهي (٤) حاء مفردةٌ مهملة. ولم يأتنا عن أحد ممن يُعتَمدُ بيانٌ لأمرها. غير أنني وجدت بخط " الأستاذ الحافظ أبي عثمان الصابوني، والحافظ أبي مسلم عمر بن علي الليثي البخاري، والفقيه المحدِّث أبي سعد الخليلي " (٥) ﵏ في مكانها بدلا عنها:

стр. 386

" صح " صريحةً. وهذا يُشعِرُ بكونِها رمزًا إلى: صح، وحَسُن إثباتُ " صح " ههنا لئلا يُتَوهَّمَ أن حديث هذا الإسناد سَقَط، ولئلا يركبَ الإسنادُ الثاني على الإِسنادِ الأول فيُجعلا إسنادًا واحدًا. وحكى لي بعض من جمعتني وإياه الرحلةُ بخراسانَ عمن وصفه بالنقل من الأصبهانيين، أنها حاءٌ مهملة من: التحويل، أي من إسناد إلى إسنادٍ آخرَ. وذاكرتُ فيها بعضَ أهل ِ العلم من أهل ِ المغرب. (١) وحكيت له عن بعض من لقيت من أهل الحديث أنها حاءٌ مهملة؛ إشارة إلى قولنا: الحديث، فقال لي: " أهل المغرب، وما عرفت بينهم اختلافًا، يجعلونها حاءً مهملة، ويقول أحدهم إذا وصل إليها: الحديث ". وذكر لي أنه سمع بعضَ البغداديين يذكر أيضًا أنها حاءٌ مهملة، وأن منهم من يقول إذا انتهى إليها في القراءة: " حاء " ويمر. وسألت أنا الحافظَ الرحال " أبا محمد عبدالقادرَ بنَ عبدالله الرهاوي ﵀ " عنها، فذكر أنها حاء من: حائل، أي تحول بين إسنادين. قال: ولا يُلفَظ بشيءٍ عند الانتهاءِ إليها في القراءة. وأنكر كونَها من: الحديث، وغير ذلك، ولم يعرف غيرَ هذا عن أحدٍ من مشايخه، وفيهم عددٌ كانوا حُفَّاظَ الحديث في وقتِه. وأختار أنا - والله الموفق - أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: " حا " ويمر؛ فإنه أحوَطُ الوجوه وأعدلها (٢). والعلمُ عند الله تعالى. السادسَ عشر: ذكر " الخطيبُ الحافظُ " أنه ينبغي للطالبِ أن يكتبَ بعد البسملة اسمَ الشيخ الذي سمع الكتابَ منه وكنيتَه ونسبَه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظِه. قال: وإذا كتب الكتابَ المسموعَ فينبغي أن يكتبَ فوق سطرِ التسميةِ أسماءَ من سمع معه وتاريخَ وقتِ السماع، وإن أحبَّ كتبَ ذلك في حاشيةِ أول ِ ورقةٍ من الكتاب؛ فكُلاًّ قد فعله شيوخُنا. والله أعلم. [٥٨ / ظ] قلتُ: كِتْبَةُ التسميع ِ حيث ذَكَره، أحوَظُ وأحْرَى بأنْ لا يخفى على من

стр. 387

يحتاجُ إليه، ولا بأس بكتبتِه آخرَ الكتابِ وفي ظهرِه، وحيث لا يخفى موضعُه. وينبغي أن يكونَ التسميعُ بخطِّ شخص ٍ موثوق به غير مجهول ِ الخطِّ، ولا ضيرَ حينئذٍ في أن لا يكتبَ الشيخُ المسمعُ خَطَّه بالتصحيح. وهكذا لا بأس على صاحبِ الكتابِ إذا كان موثوقًا به، أن يقتصر على إثباتِ سماعِه بخطِّ نفسِه؛ فطال ما فعل الثقاتُ ذلك. وقد حدثني بمروَ " الشيخُ أبو المظفرُ بنُ الحافظ أبي سعد الهروي " عن أبيه عمن حدثه من الأصبهانية، أن " عبدالرحمن بن أبي عبدالله ابن مَنْده " قرأ ببغدادَ جزءًا على " أبي أحمدَ الفَرضي " وسأله خطَّه ليكون حُجةً له. فقال له أبو أحمد: يا بني، عليك بالصدقِ؛ فإنك إذا عُرِفتَ به لا يكذبك أحدٌ، وتُصَدَّقُ فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك؛ فلو قيل لك: ما هذا خط أبي أحمد الفرضي، ماذا تقول لهم؟ ثم إن على كاتبِ التسميع التحري والاحتياطَ، وبيانَ السامع والمسموع والمسموع منه (١)، بلفظٍ غير محتمل، ومجانبةَ التساهل فيمن يُثبتُ اسمَه، والحذرَ من إسقاطِ اسم أحدٍ منهم لغرض ٍ فاسِد؛ فإن كان مُثبِتَ السماع غيرَ حاضرٍ في جميعِه، لكن أثبته معتمدًا على إخبارِ مَن يثق بخبرِه من حاضريه، فلا بأسَ بذلك إن شاء الله تعالى. ثم إن من ثَبَتَ سماعُه في كتابِه، فقبيح به كتمانُه إياه ومنعُه من نقل سماعِه ومن نَسخ الكتاب، وإذا أعاره إياه فلا يبطئ به. روينا عن " الزهري " أنه قال: " إياك وغُلولَ الكُتبِ. قيل له: وما غُلول الكتب؟ قال: حَبْسُها عن أصحابِها " (٢). وروينا عن " الفُضيل بنِ عِيَاض ٍ " ﵁ أنه قال: ليس من أفعال ِ أهل الورع ولا من فعال ِ الحكماء، أن يأخذَ سماعَ رجل فيحبسَه عنه، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه - وفي رواية: ولا من [٥٩ / و] فعال العلماء أن يأخذ سماعَ رجل وكتابه فيحبِسه عليه - ". فإن منعه إياه؛ فقد روينا أن رجلا ادَّعى على رجل ٍ بالكوفة سماعًا منعه إياه فتحاكما إلى قاضيها " حفص بن غياث " فقال لصاحب الكتاب: " أخرج إلينا كُتُبَك؛ فما كان من

стр. 388

سماع هذا الرجل ِ بخطِّ يدِك ألزمناك، وما كان بِخطِّه أعفيناك منه ". قال " ابنُ خلاد ": " سألت أبا عبدالله الزبيري عن هذا، فقال: لايجيء في هذا البابِ حُكْمٌ أحسن من هذا؛ لأن خطَّ صاحبِ الكتابِ دالٌّ على رضاه باستماع صاحبه معه " قال ابنُ خلاد: وقال غيره: ليس بشيء (١) وروى " الخطيبُ [أبو بكر الحافظ (٢)] عن إسماعيلَ بنِ إسحاق القاضي (٣)، أنه تُحوكِمَ إليه في ذلك فأطرق مليًّا ثم قال للمدَّعى عليه: " إن كان سماعُه في كتابك بخطك فيلزمك أن تعيره، وإن كان سماعُه في كتابك بخطِّ غيرك فأنت أعلم ". قلت: " حفصُ بن غياث " (٤) معدود في الطبقة الأولى من أصحابِ أبي حنيفة، و " أبو عبدالله الزبيري " من أئمة أصحابِ الشافعي، و " إسماعيل بن إسحاق " لسانُ أصحابِ مالكٍ وإمامهم، وقد تعاضدت أقوالُهم في ذلك، ويرجع حاصلُها إلى أن سماعَ غيره إذا ثبت في كتابِه برضاه فيلزمه إعارتُه إياه. وقد كان لا يبين لي وجهُه، ثم وجَّهتُه بأن ذلك بمنزلة شهادةٍ له عنده، فعليه أداؤها بما حَوَتْه. وإن كان فيه بذلُ مالِه، كما يلزم متحملَ الشهادةِ أداؤها وإن كان فيه بذلُ نفسِه، بالسعي إلى مجلس ِ الحكم لأدائها. * والعلم عند الله ﵎.

стр. 389

ثم إذا نسخ الكتابَ فلا ينقل سماعَه إلى نسختِه إلا بعد المقابلةِ المرضية. وهكذا لا ينبغي لأحدٍ أن ينقل سماعًا إلى شيء من النسخ أو يثبتَه فيها عند السماع ابتداءً، إلا بعد المقابلة المرضيةِ بالمسموع؛ كيلا يغتر أحدٌ بتلك النسخةِ غير المقابَلة؛ إلا أن يُبَيِّن مع النقل ِ وعنده، [٥٩ / ظ] كونَ النسخةِ غيرَ مقابلة. والله أعلم.

стр. 390

النوع السادس والعشرون: في صفةِ روايةِ الحديث وشرطِ أدائه وما يتعلق بذلك . وقد سبق بيانُ كثيرٍ منه في ضمن النوعين قبلَه. شدَّد قومٌ في الروايةِ فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرَّطوا: ومن مذاهب التشديد مذهبُ من قال: لا حُجةَ إلا فيما رواه الراوي من حفظِه وتذكُّرِه، وذلك مروِيٌّ عن مالك وأبي حنيفة ﵄. وذهب إليه من أصحاب الشافعي " أبو بكر الصيدلاني المروزي " (١). ومنها مذهبُ من أجاز الاعتمادَ في الرواية على كتابِه، غير أنه لو أعار كتابَه وأخرجه من يدِه لم ير الروايةَ منه لغيبتِه عنه. وقد سبقت حكايتُنا لمذاهبَ عن أهل ِ التساهل، وإبطالُها، في ضمن ما تقدم من شرح وجوهِ الأخذ والتحمل، ومن أهل التساهل قوم سمعوا كتُبًا مصنفةً وتهاونوا، حتى إذا طعنوا في السنِّ واحتيج إليهم، حملهم الجهلُ والشَره على أن روَوها من نُسَخ مشتراةٍ أو مستعارةٍ غير صحيحةٍ ولا مقابَلة، فعَدَّهم " الحاكم أبو عبدالله الحافظ " في طبقات المجروحين. قَال: وهم يتوهمون أنهم في روايتها صادقون. وقال: وهذا مما كثُر في الناس ِ وتعاطاه قومٌ من أكابرِ العلماء والمعروفين بالصلاح. قلت: ومن المتساهلين " عبدُالله بن لهيعةَ المصري " تُركَ الاحتجاجُ بروايته، مع جلالتِه؛ لتساهلِه. ذُكِرَ عن " يحيى بنِ حسان " (٢) أنه رأى قومًا معهم جزء سمعوه من " ابن لهيعة " فنظر فيه فإذا ليس فيه حديث [٦٠ / و] واحد من حديثِ ابن لهيعة، فجاء
следующие страницы →