والطبقة في اللغة عبارة عن القوم المتشابهين، وعند هذا فربَّ شخصين يكونان من طبقة واحدة لتشابههما بالنسبة إلى جهة، ومن طبقتين بالنسبة إلى جهة أخرى لا يتشابهان فيها.
فـ " أنَس بن مالك الأنصاري " وغيره من أصاغر الصحابة: مع العشرةِ وغيرهم من أكابر الصحابة من طبقة واحدة إذا نظرنا إلى تشابههم في أصل صفة الصحبة. وعلى هذا فالصحابةُ بأسرِهم طبقة أولى، والتابعون طبقة ثانية، وأتباع التابعين طبقة ثالثة. [١١٨ و] وهلم جرا.
وإذا نظرنا إلى التفاوت في الصحابة في سوابقهم ومراتبهم، كانوا على ما سبق ذِكرُه، بضعَ عشرة طبقة، ولا يكون عند هذا " أنس " وغيرُه من أصاغر الصحابة، من طبقة العشرة من الصحابة، بل دونهم بطبقات (١).
والباحثُ الناظر في هذا الفن يحتاج إلى معرفةِ المواليد والوفيات، ومن أخذوا عنه، ومن أخذ عنهم، ونحو ذلك. والله أعلم.
стр. 668
النوع الرابع والستون:
معرفة الموالي من الرواة والعلماء .
وأهم ذلك معرفةُ الموالي المنسوبين إلى القبائل بوصفِ الإطلاق؛ فإن الظاهر في المنسوب إلى قبيلة، كما إذا قيل: فلان القُرَشي، أنه منهم صليبة. فإذًا بيانُ من قيل فيه: قرشي، من أجل كونه مولًى لهم، مُهم (١).
واعلم أن فيهم من يقال فيه: مولى فلان، أو: لبني فلان. والمراد به مولى العتاقة، وهذا هو الأغلب في ذلك.
ومنهم من أطلق عليه لفظ المولى، والمراد به ولاءُ الإسلام. ومنهم: " أبو عبدالله البخاري " فهو محمد بن إسماعيل الجُعفي: مولاهم، نُسِبَ إلى ولاء الجعفيين لأن جَدَّه - وأظنه الذي يقال له الأحنف - أسلم، وكان مجوسيا، على يد " اليمان بن الأخنس الجعفي " (٢) جدِّ عبدالله بن محمد المُسْنَدِي الجعفي، أحد شيوخ البخاري.
وكذلك " الحسن بن عيسى الماسرجِسي " (٣): مولى عبدالله بن المبارك، إنما ولاؤه له من حيث كونه أسلم وكان نصرانيًّا، على يديه.
ومنهم من هو مولى بولاء الحلف والموالاة، كـ " مالك بن أنس الإمام " (٤)،
стр. 669
ونَفَرِه [١١٨ ظ]: هم أصبحيون حِميريون صَليبةً، وهم موال ٍ لتيم قريش بالحلف. وقيل لأن جَدَّه " مالك بن أبي عامر " كان عيسفًا على طلحة بن عبيدالله التيمي - أي أجيرًا - وطلحة يختلف بالتجارة، فقيل: مولى التيميين؛ لكونه مع طلحة بن عبيدالله التيمي (١).
وهذا قسم رابع في ذلك: وهو نحو ما أسلفناه في " مِقْسَم ٍ " أنه قيل فيه: مولى ابن عباس؛ للزومه إياه *.
وهذه أمثلة للمنسوبين إلى القبائل من مواليهم:
" أبو البَختري الطائي، سعيد بن فيروز التابعي ": هو مولى طيئ.
" أبو العالية، رُفَيْعُ الرياحي التميمي، التابعي ": كان مولى امرأةٍ من بني رباح (٢).
" عبدالرحمن بن هرمز الأعرج، الهاشمي، أبو داود " الراوي عن أبي هريرة وابن بُحَيْنَةَ وغيرِهما: هو مولى بني هاشم.
" الليث بن سعد المصري الفهمي ": مولاهم (٣).
стр. 670
" عبدالله بن المبارك المروزي الحنظلي ": مولاهم.
" عبدالله بن وهب، المصري القرشي ": مولاهم.
" عبدالله (١) بن صالح المصري - كاتب الليث - الجهني " مولاهم.
وربما نُسبَ إلى القبيلة مولى مولاها، كـ " أبي الحُبَاب سعيد بن يسار الهاشمي " الراوي عن أبي هريرة وابن عمر: كان مولى لمولى لبني هشام؛ لأنه مولى شُقْران مولى رسول الله ﷺ .
روينا عن " الزهري " قال: " قدمت على عبدالملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة. فقال: فمن خَلَّفت بها يسود أهلهَا؟ قلت: " عطاء بن أبي رباح " قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا. فمن يسود أهلَ اليمن؟ قال: قلت: " طاوس بن كَيْسان ". قال: فمن العربِ أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: وبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء. [١١٩ / و] قال: إنه لينبغي، فمن يسود أهلَ مصر؟ قال: قلت: " يزيد بن أبي حبيب " (٢) قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهلَ الشام ِ؟ قال: قلت: " مكحول ". قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، عبد نُوبِي أعتقته امرأة من هذيل. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قال: قلت: " ميمون بن مهران " (٣). قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: " الضحاك بن مزاحم " (٤). قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهلَ
стр. 671
البصرة؟ قال: قلت: " الحسن بن أبي الحسن " (١). قال: فمن العربِ أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: ويلك، فمن يسود أهلَ الكوفة؟ قال: قلت: " إبراهيم النَّخَعي " (٢). قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب. قال: ويلك يا زهري، فرَّجتَ عني، والله لتَسودَنَّ الموالي على العرب حتى يُخطَب لها على المنابر، والعربُ تحتَها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، من حَفْظه ساد، ومن ضيَّعه سقط " (٣).
وفيما نرويه عن " عبدالرحمن بن زيد بن أسلم " قال: " لما مات العبادلةُ؛ صار الفقهُ في جميع البلدان إلى الموالي، إلا المدينة؛ فإن الله خصَّها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة " سعيدَ بنَ المسيب " غيرَ مدافع ".
قلت: وفي هذا بعضُ الميل؛ فقد كان حينئذ من العرب غيرَ " ابنِ المسيب " فقهاءُ أئمة مشاهير، منهم " الشعبي، والنخَعي " *، وجميعُ الفقهاء السبعة الذين منهم " ابن المسيب " عرب، إلا " سليمان بنَ يسار ". والله أعلم.
стр. 672
النوع الخامس والستون:
معرفة أوطان الرواة وبلدانهم.
وذلك مما يفتقرُ حُفاظ الحديث إلى معرفته في كثير من تصرفاتهم (١). ومن مظان ذكره (الطبقاتُ، لابن سعد) (٢).
[١١٩ / ظ] وقد كانت العرب إنما تنتسب إلى قبائلها، فلما جاء الإسلام وغلب عليهم سُكنى القرى والمدائن، حدث فيما بينهم الانتسابُ إلى الأوطان، كما كانت العجم تنتسب إلى أوطانهم. وأضاع كثير منهم أنسابَهم فلم يبق لهم غير الانتساب إلى أوطانهم.
ومن كان من الناقلة من بلدٍ إلى بلد، وأراد الجمعَ بينهما في الانتساب، فليبدأ بالأول ثم بالثاني المنتقل ِ إليه، وحَسن أن يُدخِلَ على الثاني كلمة " ثم " فيقال في الناقلة من مصر إلى الشام مثلا: " فلان المصري ثم الدمشقي " ومن كان من أهل قرية من قرى بلدة، فجائز أن ينتسب إلى القرية وإلى البلدة أيضًا، وإلى الناحية التي منها تلك البلدة أيضًا (٣) *.
стр. 673
ولنقتدِ بـ " الحاكم أبي عبدالله الحافظِ " (١)، فنروي أحاديثَ بأسانيدها، منبهين على بلاد رُواتها. ومستحسن من الحافظ أن يوردَ الحديثَ بإسناده، ثم يذكر أوطانَ رجاله واحدًا فواحدًا، وهكذا غير ذلك من أحوالهم:
أخبرني الشيخُ المسند المعمر أبو حفص (٢) عمر بن محمد بن المعمر ﵀ بقراءتي
стр. 674
عليه ببغداد: أنا أبو بكر محمد بن عبدالباقي بن محمد الأنصاري (١)، قال: أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، قال: أنا أبو محمد عبدالله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي، قال: أنا أبو مسلم إبراهيم بن عبدالله الكَجِّي، قال: أنا محمد بن عبدالله الأنصاري: أنا سليمان التيمي عن أنس ٍ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا هجرةَ بين المسلمين فوق ثلاثة أيام. أو قال: ثلاث ليال ".
أخبرني (٢) الشيخ المسند أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي المقرئ ﵀ بقراءتي
стр. 675
عليه بنيسابور - عودًا على بدء من ذلك، مرةً على رأس قبر مسلم بن الحجاج -: أنا فقيهُ الحرم أبو عبدالله محمد بن الفضل الفراوي عند قبر مسلم أيضًا (ح) وأخبرتني أم المؤيد [١٢٠ / و] زينب بنت أبي القاسم عبدالرحمن بن الحسن الشَّعري بقراءتي عليهما بنيسابور مرة، وبقراءة غيري مرة أخرى - رحمها الله -، قلتُ: أخبركِ إسماعيل بن أبي القاسم بن أبي بكر القارئ قراءةً عليه.
قالا: أنا أبو حفص عمر بن أحمد بن مسرور: أنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي: أنا أبو مسلم إبراهيم بن عبدالله الكَجِّي: أنا محمد بن عبدالله الأنصاري: حدثني حُميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا " قلت: يا رسول الله! أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال ﷺ : " تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه ".
الحديثان عاليان في السماع من نظافة السند وصحة المتن.
و " أنس " في الأول، فمن دونَه إلى " أبي مسلم " بَصريون، ومن بعد " أبي مسلم " إلى شيخنا، فيه: بغداديون.
وفي الحديث الثاني " أنس " فمن دونه إلى " أبي مسلم " كما ذكرناه: بصريون، ومن بعده من " ابن نُجيد " إلى شيخِنا: نيسابوريون.
أخبرني الشيخ الزكي أبو الفتح منصور بن عبدالمنعم بن أبي البركات بن الإمام أبي عبدالله محمد بن الفضل الفراوي بقراءتي عليه بنيسابور ﵀: أنا جدي أبو عبدالله محمد بن الفضل: أنا أبو عثمان سعيد بن محمد البَجِري (١) ﵀: أنا أبو سعيد محمد بن عبدالله بن حمدون، قال: أخبرنا أنا أبو حاتم مكي بن عَبْدان،
стр. 676
أنا عبدالرحمن بن بشر: أنا عبدُالرزاق، أنا ابن جريج، قال: أخبرني عبدة بن أبي لبابة أن وَرَّادًا، مول المغيرة بن شعبة، أخبره أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية (١) - كتب ذلك الكتاب له وَرَّاد -: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول حين [١٢٠ / ظ] يُسَلِّم: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعطِيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الحج منكَ الجدُّ ".
المغيرةُ بن شعبة، ووَرَّاد، وعَبدة: كوفيون. وابنُ جُرَيْج: مكِّي. وعبدالرزاق: صنعاني يمانٍ. وعبدالرحمن بن بشر فشيخُنا ومن بينهما أجمعون: نيسابوريون.
ولله سبحانه الحمدُ الأتَمُّ على ما أسبغ من إفضاله، والصلاةُ والسلام الأفضلان على سيدنا محمد وآله وعلى سائر النبيين وآل ِ كلٍّ، نهاية ما يسأله السائلون وغاية ما يأمل الآملون. آمين، آمين، آمين (٢).
стр. 677
تمت بعون الله تعالى (مقدمة ابن الصلاح) مع (محاسن الاصطلاح) عليها، وتأتي فيما يلي هذه الأنواع التي زادها الإمام سراج الدين البلقيني على ما في (المقدمة).
стр. 678
بياض بالأصل.
стр. 679
من: محاسن الاصطلاح.
النوع السادس والستون:
(رواية الصحابة، بعضِهم عن بعض).
النوع السابع والستون:
(رواية التابعين، بعضِهم عن بعض).
النوع الثامن والستون:
(معرفة من اشترك في رجال الإسناد).
النوع التاسع والستون:
(معرفة أسباب الحديث).
النوع الموفي سبعين:
(التاريخ المتعلق بالمتون).
стр. 680
واعلم أن من جملة الأنواع التي ينبغي إلحاقُها بما سبق:
رواية الصحابة بعضهم عن بعض. وكان ينبغي أن يوضع عند رواية الأقران أو فيه، لكنْ بينهما عموم وخصوص من وجه. واقتضى الحال أن يذْكر هنا فنقول من الزيادة:
[١٠٥ / و] النوع السادس والستون:
رواية الصحابة بعضِهم عن بعض * .
وهو فن مهم؛ لأن الناظر في السنَدِ غالبا يعتقد أن الراوي عن الصحابي تابعيٌّ، فيحتاج إلى التنبيه على ما يخالف الغالبَ.
فأمَّا رواية صحابي عن صحابي فذلك مما يكثر.
ثم قد يكون ابنا له: كـ " عبدالله بن عمر " عن أبيه عن النبي ﷺ .
وقد يكون أخًا له: كرواية " ابن عمر، عن حفصة ".
وقد لا يكون كذلك: كرواية " ابن عباس، عن أُبَيٍّ " وجمع ٍ من الصحابة.
وقد يكون في السند ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض: كرواية معاوية بن أبي سفيان عن مالك بن يخامر (١) - وقد أثبت جماعة له الصحبة - عن معاذ بن جبل
стр. 681
حديث: " لا تزال طائفة من أمتي " والحديث في الصحيح (١).
مما جاء فيه روايةُ ثلاثة من الصحابة بعضهم عن بعض: ما رواه " أبو داود، والنسائي، وابن ماجه " بسندهم عن: معاوية بن حُدَيْج ٍ، عن معاوية بن أبي سفيان عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ : هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: " نعم، إذا لم يكن فيه أذًى " (٢) وأخرج " ابن ماجه " بإسنادٍ فيه محمدُ بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن: معاوية بن حُدَيْج ٍ عن معاوية بن أبي سفيان عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، قال: سألتُها كيف كنتِ تصنعين مع رسول الله ﷺ في الحيض؟ قالت: " كانت إحدانا في فَوْرِها أولَ ما تحيض، تشد عليها إزارًا إلى أنصاف فخذيها، ثم تضطجع مع رسول الله ﷺ " (٣).
وذلك أقل من الذي قبله.
وأما رواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض؛ فهو أقل منها: ذكر " الحافظ عبدالغني بن سعيد " (٤) قال: سمعت " أبا محمد الحسن بن أحمد بن [١٥٠ / ظ] صالح
стр. 682
السبيعي " يقول: " قدم علينا حلبَ الوزيرُ أبو الفتح الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، فتلقاه أهلُ البلد وكنت فيهم، فقيل له إني من أصحاب الحديث. فقال: أتعرف إسنادًا اجتمع فيه أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، كلُّ واحدٍ منهم يروي عن صاحبه؟ فقلت: نعم. وذكرت له حديثَ " السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبدالعُزَّى، عن عبدالله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب " ﵁ في العُمالة (١). فقال لي: صدقتَ. وعرف لي ذلك وصارتْ لي به عنده منزلة ".
قال " الحافظ عبدالغني ": ثم تتبعتُ مثلَ ذلك مما لم يذكره " السبيعي " فوجدتُ حديثًا يرويه " نعيم بن هبار، عن المقدام بن معدي كَرِب، عن أبي أيوب، عن عوف بن مالك " في الأمر بالطاعة والوَصَاةِ بكتاب الله .. ووجدت أيضًا حديثًا آخرَ اجتمع فيه أربعُ نسوةٍ كلُّهن قد رأين رسول الله ﷺ ، وكلُّ واحدة منهن عن صاحبتها: روى ذلك الزهري عن عروة بن الزبير، عن: " زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش " في " فتح ردم يأجوج ومأجوج ".
قال " الحافظ عبدالغني ": فأما الحديثُ الأول (٢) فحدَّثَنَاه حمزةُ بن محمد الكناني: ثنا أحمدُ بن شعيب، ثنا كثير بن عبيد، ثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن: السائب بن يزيد، أن حويطب بن عبدالعُزَّى أخبره أن عبدَالله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر بن الخطاب في خلافة عمر فقال له: أُخبِرتُ أنك تسأل من أعمال الناس أعمالا، فإذا أُعطِيتَ العُمَالة رددتَها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ فقال: إن لي أفراسًا وأعبُدًا وأنا بخير، وأريد أن يكون عملي صدقة على المسلمين. قال عمر: فلا تفعل فإني كنت أردتُ مثل الذي أردتَ، كان [١٥١ / و] رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أَعْطِه أفقرَ مني، فقال ﷺ : " خذْه تصدقْ به أو تَمَوَّلْه (٣). ما جاءك الله به من هذا المال من غير تَشَرُّفٍ ولا سائل ٍ فخذه، وما لا، فلا تُتْبِعْه نفسَك ".
стр. 683
فهذا الحديثُ اجتمع فيه أربعة من الصحابة:
" السائب بن يزيد " صحابي رأى النبي ﷺ وسمع منه وروى عنه، وإن كان سنُّه حين حجةِ الوداع سبع سنين.
و " حويطبُ " قد تقدم في المعمرين ستين جاهليةً وستين إسلامًا. وقال يحيى بن معين: " لستُ أعلم له حديثًا ثابتًا عن النبي ﷺ " (١) ولا يرد هذا على يحيى؛ لأنه قصد ما رواه عن النبي ﷺ من غير واسطة، وهذا مما يدخل في رواية الأكابر عن الأصاغر، بسبب رواية " حويطب " عن السائب، " والسائبُ " يروي عن حويطب غيرَ هذا، فيكون في قسم (المدبج).
وأما " ابن السعدي " فهو صحابي أيضًا اختُلف في اسم أبيه فقيل: قدامة بن وقدان، وقيل: وقدان، وقيل: عمرو بن وقدان، قال ابن عبدالبر: " وهو الصوابُ عند أهل العلم بنسب قريش .. وإنما قيل لأبيه: السعدي؛ لأنه استُرضِع له في بني سعد بن بكر " (٢).
والحديث أخرجه " البخاري " في الأحكام، عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن: السائب عن حويطب عن ابن السعدي عن عمر، فذكره. وأخرجه " مسلم " في الزكاة، و " النسائي " كذلك (٣).
وأما الحديث الثاني فقال " الحافظ عبدالغني ": حدثناه أبو أحمد الحسين بن جعفر بن محمد السعدي: ثنا علي بن سعد بن بشير، حدثني معاوية بن صالح الأشعري وأيوب بن
стр. 684
إسحق، قالا: ثنا إبراهيم بن أبي العباس السامري ثنا محمد بن حِمْيَر، عن بُحَيْرِ بن سعد، عن خالد بن معدان [١٥١ / ظ] عن كثير بن مرة، عن: نعيم بن همار، عن المقدام بن معدي كرب، عن أبي أيوب، عن عوف بن مالك، قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ وهو مرعوب متغير اللون، فقال: أطيعوني ما دمتُ فيكم، وعليكم بكتاب الله فأحِلُّوا حلاله وحرِّموا حرامَه ".
قال " الحافظ عبدالغني ": " حدث به سليمان بن عبدالرحمن أبو أيوب عن معاوية بن صالح ". وهذا يدخل في رواية الكبار عن الصغار. ثم رواه الحافظ عبدالغني بسند آخر إلى معاوية بن صالح ولفظُه: " خطبنا رسولُ الله ﷺ بالهجير، وهو موعوك، فقال: أطيعوني ما كنتُ بين أظهرِكم وعليكم بكتاب الله أحِلُّوا حلاله وحرموا حرامه " (١).
فقد اجتمع في هذا الحديث أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض: " نُعَيم بن همار " صحابي - ويقال في والده: هبار، ويقال: هدار، ويقال خمار - قال ابن عبدالبر: روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا فيما يحكيه عن ربه ، أنه قال: " ابنَ آدم، صلِّ لي أربعَ ركعات أولَ النهار، أَكْفِكَ آخرَه " قال " ابن عبدالبر " في (الاستيعاب) بعد ذكره ذلك: " اختُلف في هذا الحديث اختلافًا كبيرًا عنه، كاختلافهم في اسم أبيه: فمنهم من يجعله: عن نُعَيم عن عقبة بن عامر، وحدَّث مكحول عن نعيم ولم يسمع منه، بينهما كثير بن مرة وقيس الجذامي " (٢).
وقد ظهر أنه روى هذا الحديثَ الآخر لكن بالواسطة، وقد تكلم " الحافظ المنذري " على حديث نعيم بن همار في جزء مفرد، واعترض على ابن عبدالبر في قوله: روى عن
стр. 685
النبي ﷺ حديثًا واحدًا، فقال: " فذكر له البخاري في (التاريخ) حديثين (١)، وقال " أبو القاسم البغوي ": روى عن النبي ﷺ أحاديث. وقال " الخطيب ": ليس له عن النبي ﷺ إلا ثلاثة [١٥٢ / و] أحاديث متصلة الأسانيد. وذكر أن له حديثًا رابعا إسنادُه منقطع ".
ثم ذكر " الحافظ المنذري " الأحاديث، فأسند حديثًا عنه: أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الشهداء أفضل؟ قال النبي: " الذين يقاتلون في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا " (٢) الحديث. وأسند الحديث الثاني عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من امرئ إلا قلبُه معلق بين إصبعين من أصابع الرحمن " (٣) الحديث. وأسند الثالث عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بئس العبدُ عبد تجبَّر واختال، ونسي الكبير المتعال " الحديث. ثم ذكر حديث نُعيم عن " بلال ٍ " في المسح على الخِمار والخُفين (٤)، وعن عقبة بن عامر حديث: " أتعجز يا ابن آدم أن تصلي أربع ركعات " وساقه (٥) ز
ولم يذكر " الحافظ المنذري " هذا الحديثَ الذي فيه أربعة من الصحابة.
стр. 686
وأما الحديث الثالث فقال " الحافظ عبدالغني ": حدَّثَناه حمزةُ بن محمد: ثنا أحمد بن شعيب، ثنا عبيدالله بن سعيد - يعني أبا قدامة - ثنا سفيان، وهو ابن عُيينة، عن الزهري، سمعته يقول: عن عروة عن زينب عن حبيبة عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش قالت: " انتبه رسولُ الله ﷺ يومًا محمرًّا وجهُه وهو يقول: لا إله إلا الله - ثلاثَ مرات - ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتِحَ اليومَ من ردم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه - وعقَد سفيانُ عشرًا سواء - قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ " (١).
قال " الحافظ عبدالغني ": اجتمع في هذا الحديث زوجتان من أزواج النبي ﷺ وهما: " أم حبيبة، وزينب بنت جحش " وربيبتان من ربائب النبي ﷺ ، وهما: " زينب بنت أم [١٥٢ / ظ] سلمة " هي بنت أبي سلمة عبدالله بن عبدالأسد المخزومي، والأخرى " حبيبة بنت أم حبيبة " وهي بنت عُبَيْدِالله جحش، الذي تنصر بأرض الحبشة ".
فهذا حديث اجتمع فيه أربعة من الصحابة:
أما " زينب بنت أبي سلمة " فصحبتها ثابتة حفظتْ عن النبي ﷺ وروت عنه.
وأما " حبيبة " فقال ابن عبدالبر في (الاستيعاب) في ترجمة " حبيبة بنت أبي سفيان ": " قاله أبان بن صمعة (٢): سمع محمد بن سيرين يقول: حدثتني حبيبةُ بنت أبي سفيان: سمعتُ النبي ﷺ فيمن مات له ثلاثة من الولد ". قال ابن عبدالبر: لم يَرْوِ عنها غيرُ محمد بن سيرين، ولا يُعرف لأبي سفيان ابنة يقال لها حبيبة. والذي أظن أنها " حبيبة بنت أم حبيبة ابنة أبي سفيان " قد ذكرها " ابن عُيَينةَ " في حديثه عن زينب بنت جحش (٣)
стр. 687
قالت: " استيقظ رسول الله ﷺ من نوم محمرًّا وجهُه وهو يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب " .. الحديث. قال " الحميدي " (١) قال سفيان: أحفظ من الزهري في هذا الحديث أربع نسوة، كلهن قد رأين النبي ﷺ ثنتين من أزواجه: أم حبيبة، وزينب بنت جحش، وثنتين ربيبتيه: (٢) زينب بنت أم سلمة، وحبيبة، بنت أم حبيبة، أبوها عُبَيْدُالله بن جحش ".
هذا كله قولُ " ابن عيينة ". قال ابن عبدالبر: " وقد ذكرنا الاختلاف على الزهري، وعلى " ابن عيينة " عنه أيضًا، في ذكر حبيبة في هذا الحديث، مجودا في كتاب التمهيد " (٣).
واعلم أن الحديث بذكر الصحابيات الأربع، خرَّجه " مسلم، والترمذي، والنسائي، وابنُ ماجه ":
فأما " مسلم " فخرَّجه في (الفتن) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة [١٥٣ / و] وسعيد بن عمرو الأشعثي، وزهير بن حرب، وابن أبي عمر: أربعتُهم عن " سفيان بن عُيَينة " بالسند المتقدم (٤).
وأما " الترمذي " فخرجه في (الفتن) من حديث سعيد بن عبدالرحمن المخزومي، وغير واحد، كلهم عن " سفيان بن عُيَيْنَة " وقال: حسن صحيح. وذكر ما سبق عن الحمَيدي عن سفيان، قال " الترمذي ": روى معمر هذا الحديثَ عن الزهري، ولم يذكر: عن " حبيبة " (٥).
وأما " النسائي " فأخرجه في (التفسير) عن عبيدالله بن سعيد، وهي الطريقة التي رواها بها " الحافظ عبدالغني ".
стр. 688
وأما " ابن ماجه " فأخرجه في (الفتن) من حديث أبي بكر بن أبي شيبة به (١).
وخالف هؤلاء " مالكُ بن إسماعيل، وعمرو الناقد " فروَياه عن سفيان بن عيينة عن الزهري، بإسقاط " حبيبة ". وطريق مالك، خرجها البخاري، وطريق الناقد خرجها مسلم (٢).
وخالف " سفيانَ بن عيينة " جمهورُ الرواة عن الزهري: فرواية عقيل وابن أبي عتيق وشعيب - وهذه الثلاثة في البخاري - ويونس وصالح - وهاتانِ في مسلم - ليس في شيء منها ذكر " حبيبة " (٣).
وبتقدير ذلك فلْيُعَدَّ من القسم الذي قبله، وهو: ما وقع فيه ثلاثة من الصحابة بعضهم عن بعض.
ولم يوجد فوق أربعة من الصحابة إلا حديث واحد، رواه " عمرو بن العاص عن عثمان بن عفان عن عمر بن الخطاب عن أبي بكر الصديق عن بلال " ﵃،
стр. 689
عن رسول الله ﷺ ، قال: " الموتُ كفَّارة لكل مسلم " (١).
وفيه روايةُ الأكابر عن الأصاغر، وفيه رواية ثلاثة من الخلفاء الراشدين، وذلك من أغرب ما يقع للمحدِّثين.
стр. 690
النوع السابع والستون:
رواية التابعين بعضِهم عن بعض .
الغالب في الراوي عن التابعي، أن يكون من أتباع التابعين.
[١٥٣ / ظ] وفائدة التنبيه على ذلك، العلمُ بأنه هذا ليس من الغالب.
وذلك يقع على وجوه:
فمن ذلك: تابعي عن تابعي، ثلاثة من التابعين يروي بعضُهم عن بعض، وأربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض.
فأما تابعي روى عن تابعي؛ فكثير، ومن ذلك: رواية الزهري عن نافع. والزهري عن علي بن عبدالله بن عباس. والزهري عن سالم.
وأما ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، فمثاله: ما رواه ابن شهاب: أخبرني عبدالملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الوضوء مما مست النارُ " أخرجه " مسلم " في صحيحه (١) بإسناده إلى ابن شهاب. و " ابن شهاب الزهري ": تابعي، و " عبدالملك ": تابعي، و " خارجة ": تابعي، فهؤلاء ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض.
قال " مسلم " عقيبَ ذلك: قال ابنُ شهاب: أخبرني عمر بن عبدالعزيز، أن عبدالله بن إبراهيم بن قارظ، أخبره أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوارِ أقطٍ أكلتُها؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " توضئوا مما مست
стр. 691
النار " (١) وهذا أيضا مما اجتمع فيه ثلاث من التابعين يروي بعضهم عن بعض: " الزهري، وعمر بن عبدالعزيز، وابن قارظ. " وذلك كثير.
وأما ما اجتمع فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ فرواية محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبدالله بن محيريز عن الصنابحي عن عبادة بن الصامت أنه قال (٢): " دخلتُ عليه وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلا، لم تبكي فوالله لئن استُشهِدتُ لأشهدن لك، ولئن استطعت لأنفعنك " [١٥٤ / و] ثم قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم به خير إلا حدثتكموه، إلا حديثًا واحدًا سوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ حرم الله عليه النار ".
أخرجه " مسلم، والترمذي " من حديث قتيبة عن الليث بن سعد (٣).
فـ " محمد بن عجلان " تابعي أدرك أنسا وأبا الطفيل.
و " محمد بن يحيى بن حبان " تابعي سمع أبا محذورة وعبادة بن الصامت وأبا سعيد الخُدري، ورأى جمعًا من الصحابة وروى عنهم.
و " الصنابحي: عبدالرحمن بن عسيلة " تابعي، وقد بسطتُ الكلام عليه وعلى من
стр. 692
يلتبس به، في جزء سميته (الطريقة الواضحة في تمييز الصنابحة) فليُنظَرْ فإن فيه نفائسَ (١).
وأكثر ما وُجِدَ رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض في حديث يتعلق بسورة الإخلاص (٢).
ولنختم الكتاب بزيادة ثلاثة أنواع من أنواع علوم الحديث لتكون جملة أنواع الكتاب سبعين فنقول:
стр. 693
النوع الثامن والستون:
معرفة من اشترك من رجال الإسناد في فقه أو بلد أو إقليم أو عِلم أو غير ذلك .
وهو شبيه بالنوعين قبله، وليس الشرط فيه أن يكون كل الإسناد كذلك - فذاك من نوع (المسلسل) وقد تقدم - وإنما المراد أن يقع في السند جماعة لهم اشتراك فيما ذكر أو نحوه، مثل: أن يكون في السند جماعة من الفقهاء يروي بعضهم عن بعض، أو بصريون يروي بعضهم عن بعض، أو مصريون يروي بعضهم عن بعض، وذلك [١٥٤ / ظ] كثير في الأحاديث:
فرواية أحمد أو أبي ثور أو المزني أو البويطي أو الربيع أو غيرهم من الفقهاء، عن الإمام الشافعي عن مالك عن الزهري، أو مالك عن نافع عن ابن عمر، كما وقع في حديث " البيعان بالخيار " (١) ونحوه، مثال لرواية جمع من الفقهاء يروي بعضهم عن بعض، وذلك كثير في الأحاديث.
ومثالُ إسنادٍ كلُّه مدنيون: ما خرَّجه " البخاري " في (صحيحه) (٢) فقال: ثنا محمد بن عبيدالله، قال: ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح - هو ابن كيسان - عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : " بينا أنا نائم رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يبلغ الثدي، ومنها دون
стр. 694
ذلك، وعُرِضَ عليَّ عمرُ بنُ الخطاب وعليه قميصٌ يَجُرُّه " قالوا: فما أولتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: " الدِّين ".
فشيخ البخاري هو محمد بن عبيدالله بن يزيد بن زيد بن أبي زيد، أبو ثابت القرشي المدني الأموي، وبقية السند مشهورون.
ومثالُ إسنادٍ كله بصريون: ما خرَّجه " مسلم " في (صحيحه) (١) حيث قال: " ثنا هُرَيْمُ ابن عبدالأعلى قال: ثنا المعتمِرُ بن سليمان قال: سمعت أبي يذكر عن ثابت عن أنس ". هذا الإسناد كله بصريون. و " هُرَيم " بضم الهاء وفتح الراء وإسكان الياء.
وفي (مسلم) إسنادان متلاصقان كلُّهم بصريون، وذلك في: حديث " أنس " في الكبائر قال: " الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور " قال مسلم: " حدثني يحيى بن حبيب الحارثي: قال: ثنا خالد، وهو ابن الحارث، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عبيدالله بن أبي بكر عن أنس " (٢) ز
قال " مسلم ": " وحدثني محمد بن الوليد بن عبدالحميد، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: حدثني عبيدالله بن أبي بكر [١٥٥ / ظ] قال: سمعت أنس بن مالك ... " (٣).
فرجال الإسنادين المذكورين كلهم بصريون من أول الإسنادين إلى آخرهما، إلا أن " شعبة " واسطي بصري. ولا يقدح هذا فيما سبق. وهذا من الطرق المستحسنة.
ووقع في (مسلم) إسنادان متلاصقان كلهم بصريون أيضًا، وإسنادان متلاصقان كلهم كوفيون:
فالأول: قال " مسلم ": ثنا محمدُ بن المثنى ومحمد بن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة عن قتادة، قال: سمعت أبا السَّوَّار يحدث أنه سمع عمران بن الحصين
стр. 695
يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: " الحياء لا يأتي إلا بخير " (١).
قال " مسلم ": " وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، قال ثنا حماد بن زيد عن إسحاق - هو ابن سويد - أن أبا قتادة حدث قال: كنا عند عمران بن الحصين " (٢).
فهذان الإسنادان رجالهما كلهم بصريون. قال الشارح للكتاب: (٣) " من النفائس، اجتماعُ إسنادين في الكتاب متلاصقين، جميعهم بصريون ".
و " شعبة " وإن كان واسطيًّا فهو بصري أيضًا، وكان واسطيًّا بصريًّا بأن انتقل من واسط إلى البصرة واستوطنها، وأما " أبو السَّوَّار " فهو بفتح السين المهملة وتشديد الواو وآخره راء مهملة، واسمه " حسان بن حريث العدوي " وأما " أبو قتادة " فهو: تميم بن نُذَير، بضم النون وفتح الذال المعجمة.
والثاني: وهو ما وقع في (مسلم) من إسنادين متلاصقين كلهم كوفيون: فَـ " عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله بن مسعود ﵁،: " سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم " الحديث. أخرجه " مسلم " (٤). وأخرج حديثَ " عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل [١٥٥ / ظ] عن عبدالله بن مسعود. " فذكره (٥).
فهذان الإسنادان فيهما لطيفة غريبة، وهي أنهما إسنادان متلاصقان، رواتهما جميعهم كوفيون، و " جرير " هو: ابن عبدالحميد، و " منصور " هو ابن المعتمر، و " أبو وائل " هو شقيق بن سلمة.
وفي (صحيح مسلم) حديث: قال ناسٌ: يا رسول الله، أنؤاخَذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: " أما من أحسن ... " إلى آخره. ذكره " مسلم "، فيه ثلاثة أسانيد متلاصقة من طريق:
стр. 696
" ابن نمير، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومنجاب " (١) إلى آخرهم؛ كلهم كوفيون. وهذا من أغرب ما يقع.
ومثال إسنادٍ فيه جماعة شاميون: رواية " الوليد بن مسلم، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، عن جنادة بن أبي أمية "؛ فإن " الوليد بن مسلم " هو الدمشقي صاحب الأوزاعي، و " عبدالرحمن بن يزيد بن جابر ": دمشقي إمام جليل، و " عمير بن هانئ، أبو الوليد العنسي - بالنون - دمشقي، و " جنادة بن أبي أمية ": شامي، مختلَف في صحبته (٢)، ولأبيه صحبة.
وقد أخرج " مسلم " عن شيخه داود بن رُشَيد - بضم الراء، وليس بشامي وإنما هو خوارزمي، سكن بغدادَ حديثًا - بالسند المذكور إلى عبادة بن الصامت ﵁، فقال: ثنا داود بن رشيد قال: ثنا الوليد - يعني ابن مسلم - عن ابن جابر، قال: حدثني عمير بن هانئ قال: حدثني جُنادة بن أبي أميةَ قال: ثنا عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وأن عيسى عبدالله وابن أمَتِه وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأن الجنةَ حقٌّ وأن النار حقٌّ، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء " (٣).
فهذا إسناد كله شاميُّون، إلا " داود بن رُشَيْد " وأما " عبادة بن الصامت " فإنه مات بالشام (٤) ﵁.
ومثال إسنادٍ كلُّه [١٥٦ / و] مصريون يروي بعضُهم عن بعض: حديثُ " عمرو بن
стр. 697
خالد بن فَروخ المصري، عن الليث بن سعد المصري، عن يزيد بن أبي حبيب المصري، عن أبي الخير مرثد بن عبدالله اليزني المصري، عن عبدالله بن عمرو بن العاص وهو مصري. أخرجه " البخاري " في ترجمة " أي الإسلام خير ... " فقال: " ثنا عمرو بن خالد قال: ثنا الليث عن يزيد عن أبي الخير عن عبدالله " فذكره (١).
وهذا الذي ذكرناه أنموذج يقاس عليه.
стр. 698
النوع التاسع والستون:
معرفة أسباب الحديث .
قال " الشيخ أبو الفتح القشيري، المشهور بابن دقيق العيد " ﵀، في (شرح العمدة) (١) في الكلام على حديث " إنما الأعمال بالنيات " في البحث التاسع: شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صُنِّف في أسباب النزول للكتاب العزيز، فوقفتُ من ذلك على شيء يسير له، وحديث: " إنما الأعمال بالنيات " يدخل في هذا القبيل، وينضم إلى ذلك نظائرُ كثيرة لمن قصد تتبعَه (٢).
هذا كلام الشيخ. وذكر قبل ذلك أنهم " نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فسُمِّي: مهاجِرَ أم قيس؛ ولهذا خصَّ في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما يُنوَى به الهجرةُ من أفراد الأغراض الدنيوية، ثم أُتْبع بالدنيا " (٣).
وقوله: " ثم أُتْبع بالدنيا " وهمٌ سبق القلمُ إليه، وصابه: ذَكَر ذلك بعد ذِكْرِ الدنيا؛ إذ الكلام على الرواية التي ساقها صاحب (العمدة) والموجود منها ما قررناه (٤).
واعلم أن السبب قد يُنقَل في الحديث، كما في حديث سؤال " جبريل " عن الإيمان (٥) والإسلام والإحسان وغيرها، وحديث القُلَّتين: " سئل عن الماء [١٥٦ / ظ] يكون بالفلاة
стр. 699
وما ينوبه من السباع والدواب (١) ". وحديث الشفاعة: سببه قوله ﷺ : " أنا سيدُ ولد آدم ولا فخر " (٢). وحديث سؤال النجدي (٣). وحديث " صَلِّ فإنك لم تُصلِّ " (٤). وحديث " خذي فِرصةً من مِسك " (٥). وحديث السؤال عن دم الحيض يصيب الثوب (٦). وحديث السائل: " أي الأعمال أفضل " (٧). وحديث سؤال: " أي الذنب أكبر " (٨). وذلك كثير.
وقد لا ينقل السبب في الحديث، أو ينقل في بعض طرقه، فهو الذي ينبغي الاعتناء به. ومن ذلك:
стр. 700
حديث " أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة " رواه " البخاري، ومسلم " (١) وغيرُهما من حديث " زيد بن ثابت " ﵁. وقد ورد في بعض الأحاديث على سؤال سائل، وهو ما أسنده ابن ماجه في (سُنَنه) و " الترمذي " في (الشمائل) من حديث " عبدالله بن سعد " قال: " سألت رسول الله ﷺ : أيما أفضل، الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: " ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد؟ فَلأنْ أصلي في بيتي أحبُّ إلى من أصلي في المسجد، إلا أن تكون صلاة مكتوبة ".
أخرجه " ابنُ ماجه " (٢) - وهذا لفظه - من حديث شيخه بكر بن خلف فقال: " ثنا أبو بشر بكر بن خلف، قال: عبدالرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن معاوية، عن عمه عبدالله بن سعد " فذكره.
وأخرجه " الترمذي " في (الشمائل) (٣) عن عباس العنبرس، عن عبدالرحمن بن مهدي، بسنده، إلا أنه قال: " عن حرام بن حكيم " وحرام هذا بالراء المهملة - وقد اختلفوا في اسم أبيه كما ترى - وهو بالراء اتفاقًا، والذي بالزاي قرشي (٤). ووالد حكيم هذا: خالد بن سد، فعبدالله [١٥٧ / و] الصحابي، بن سعد: عم أبيه. وإنما نبهت على ذلك لما يقع فيه من الالتباس (٥).
ومن ذلك حديث: " من صلى قاعدًأ فله نصفُ أجرِ القائم " رواه عمران بن حصين وغيره عن النبي ﷺ . وحديث عمران في (صحيح البخاري) (٦). وهذا الحديث له سبب رواه " عبدالرزاق " في مصنفه عن معمر عن الزهري، أن عبدالله بن عمرو - رضي الله
стр. 701
عنهما قال: قدمنا المدينة فباء لنا وبأ من وعك المدينة شديد، وكان الناس يكثرون أن يصلوا في سُبَحِهم جلوسًا، فخرج النبي ﷺ عند الهاجرة وهم يصلون في سُبَحِهم جلوسًا، فقال: " صلاة الجالس نصف صلاة القائم " قال: فطفق الناس حينئذ يتجشمون القيام (١). قال " عبدالرزاق ": عقيب هذا: أخبرنا ابن جُريج، قال: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهي مُحِمَّة فَحُمَّ الناسُ، فدخل النبي ﷺ والناس يصلون - قعودًا - فقال: " صلاة القاعد نصفُ صلاةِ القائم " فتجشم الناس الصلاةَ قيامًا " (٢).
والطريق الثاني أجودُ؛ فإن الزهري لم يسمع عبدالله بن عمرو، وأيضًا فقد صح عن عبدالله بن عمرو ﵄ ما قد يخالف ظاهر ذلك، وهو ما رواه " مسلم " وغيره من حديث هلال بن يَسَافٍ عن أبي يحيى عن عبدالله بن عمرو قال: حُدِّثتُ أن رسول الله ﷺ ، قال: " صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة ". قال: فأتيته فوجدتُه يصلي جالسًا، فوضعتُ يدي على رأسي فقال: ما لكَ يا عبدالله بن عمرو؟ قلت: حُدِّثتُ يا رسول الله أنك قلت: " صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة " وأنت تصلي قاعدًا؟ [١٥٧ / ظ] قال: " أجل ولكني لستُ كأحدِكم " (٣).
فظهر من هذا الحديث أن " عبدالله بن عمرو " لم يسمع ذلك من النبي ﷺ قبل هذا، بخلاف ما يُشعر به ظاهرُ حديث عبدالرزاق، ولعله سمعه من بعض الصحابة أولا، فلا تنافي. وقد روى " عبدالرزاق " في (مصنفه) عن ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: " إن للقاعد في الصلاة نصفَ أجرِ القائم " ولم يتعرض في هذا الحديث لذكر السبب. وما سبق من السبب يستفاد منه أن هذا النصف لمن صلى وبه بعضُ مرض ٍ لا يلحقه حَرجٌ بالقيام، ويظهر من هذا السبب أن الصلاة كانت في المسجد، وذلك لأحد أمرين: إما لأن الظاهر من حال
стр. 702
المهاجرين إذ ذاك أنهم لا بيوت لهم بالمدينة، وهذا إنما يستفاد بذكر المسيب المذكور، والثاني أن تقريرهم على ذلك لبيان الجواز. وحديث " عبدالله بن سعد " السابق، نصٌّ في تفضيل صلاة النافلة في بيوت المدينة، على صلاة النفل بمسجد المدينة.
ومن ذلك حديثُ: " لا تصومُ المرأةُ وبعلُها شاهدٌ إلا بإذنه " - وفي رواية: غيرَ رمضانَ - رواه " أبو هريرةَ " وحديثه في (الصحيحين (١)، والسنن) ولهذا سببٌ رواه " أبو سعيد الخُدْري " ﵁، قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطل السلمي يضربني إذا صليتُ، ويُفطرني إذا صُمت، ولا يصلي صلاةَ الفجر حتى تطلع الشمس - قال: وصفوانُ عنده - فسأله عما قالت، قال: يا رسول الله، أما قولها: يضربني إذا صليت؛ فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها. قال [١٥٨ / و] فقال: " لو كانت سورة واحدة لكفت الناسَ. " قال: وأما قولها: يفطرني؛ فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر. فقال رسول الله ﷺ يومئذ: " لا تصم امرأة إلا بإذن زوجها " وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس؛ فإنا أهلُ بيت عُرِفَ لنا ذاك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال: " فإذا استيقظتَ فصلِّ ". أخرجه أبو داود في (سننه) (٢)، والحاكم في (مستدركه) وقال: هذا حديث صحيح على شرطِ الشيخين، ولم يخرجاه (٣).
وفي اللفظ المخرج في (سنن أبي داود، والحاكم) وغيرهما: " فقال له رسول الله ﷺ يومئذ " وفيه دلالة تشعر بأن مبدأ هذا الحكم وسماعهم له، كان ذلك اليوم على هذا السبب، وإلا فلا فائدة في قوله: " يومئذ ".
ومن ذلك حديث: " إذا أتيتم الصلاةَ فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وعليكم
стр. 703
السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا - وفي رواية: فاقضوا " - (١) تدل على أن المسبوق يدخل مع الإمام على أي حالِه وجده. ثم إذا سلم الإمام، أتى المسبوق بما بقي. وقد جاء ذلك مصرحًا به في حديث " علي، ومعاذ " ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: " إذا أتى أحدُكم الصلاةَ والإمام على حال ٍ، فليصنع كما صنع " رواه " الترمذي " واستغربه (٢) ورواه غيره أيضًا.
ولهذا الحديث سبب وهو ما رواه " أبو نعيم " قال: ثنا سليمانُ بن أحمد قال: أنا أبو زرعة، أنا يحيى بن صالح الوُحَاظي، أنا فليح بن سليمان عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنا نأتي الصلاةَ فإذا جاء رجل وقد سُبِق بشيءٍ من الصلاة أشار [١٥٨ / ظ] إليه الذي يليه: قد سُبِقتَ بكذا، فيقضي. قال: وكنا بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فجئتُ يومًا وقد سُبِقتُ ببعض ِ الصلاة، وأُشِير إليَّ بالذي سُبِقتُ به. فقلت: لا أجده على حال ٍ إلا كنت عليها. فكنتُ بحالهم التي وجدتهم عليها. فلما فرغ رسول الله ﷺ ، قمت فصليت، واستقبل رسولُ الله ﷺ الناسَ وقال: " من القائل كذا وكذا؟ " قالوا: معاذ بن جبل. فقال: " قد سَنَّ لكم معاذ فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم وقد سُبِقَ بشيء من الصلاة فليُصَلِّ مع الإمام بصلاته، فإذا فرغ الإمامُ فليقض ِ ما سبقه به " (٣).
وروى " أبو نعيم " عن سليمان بن أحمد قال: أنا محمد بن محمد بن التمَّار البصري، ثنا حرمي بن حفص العتَكي، أنا عبدالعزيز بن مسلم، عن حصين، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: " كان الناس على عهد رسول الله ﷺ إذا سُبق أحدهم بشيء من الصلاة سألهم فأشاروا إليه بالذي سُبِقَ به فيصلي ما سُبِقَ به، ثم يدخل معهم
стр. 704
في صلاتهم، فجاء معاذٌ والقومُ قعود في صلاتهم فقعد معهم، فلما سلم رسول الله ﷺ ، قام فقضى ما سبق به، فقال رسول الله ﷺ : " اصنعوا ما صنع معاذ " (١).
يستفاد من ذكر هذا النسب أن المسبوق كان يبتدئ بعد أن يكون منفردًا. وقد أجاز ذلك جمع من أهل العلم ومنهم " الشافعي " في أرجح قوليه، وقال في موضع آخر: ولا يجوز أن يبتدئ الصلاةَ لنفسه ثم يأتم بغيره. وهذا منسوخ (٢)، وقد كان المسلمون يصنعون ذلك حتى جاء عبدالله بن مسعود - أو معاذ بن جبل - وقد سبقه النبي ﷺ بشيء من الصلاة، فدخل معه ثم قام يقضي. فقال النبي ﷺ : " إن ابن مسعود - أو معاذًا - قد سَنَّ لكم سُنةً فاتبعوها " قال المزني: [١٥٩ / و] قوله ﵊: " إن معاذًا قد سن لكم " يحتمل أن يكون النبي ﷺ أمر أن يُسْتَنَّ بهذه السنة فوافق ذلك فعل معاذ، وذلك أن بالناس حاجة إلى النبي ﷺ في كل ما يُسَنُّ، وليس بها حاجة إلى غيره.
وما قاله " المزني " يشير به إلى أن معاذا أقدم على ذلك بأمرٍ ظهر له من شريعة النبي ﷺ .
ومن ذلك حديثُ: " ما حدثكم أهلُ الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله ". هذا الحديث بهذا اللفظ مشهور. وله سبب، وهو ما رواه الإمام أحمد في (مسنده) وأبو داود في (سننه) من حديث " أبي نملة الأنصاري " ﵁ أنه قال: بينما هو جالس عند رسول الله ﷺ وعنده رجل من اليهود، مُرَّ بجنازة فقال: يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي ﷺ : " الله أعلم ". فقال اليهودي: إنها تتكلم. فقال رسول الله ﷺ : " ما حدثكم أهلُ الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوه، وإن كان حقًّا لم تكذبوه " أخرجه أبو داود في كتاب العلم، في الباب الثاني منه (٣).
стр. 705
ومن ذلك حديثُ: " الخراج بالضمان " رواه " الإمامان الشافعي وأحمد " ﵄ وأصحابُ السنن الأربعة، من حديث عائشة ﵂ (١)، وحسَّنه " الترمذي " من طريق مخلد بن خُفاف، عن عروة عن عائشة، وصححه " ابنُ حبان " من هذا الطريق. ورواه " الترمذي " من حديث عُمَرَ بنِ علي المُقَدَّمي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وقال: " هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث هشام " (٢) واستغربه " البخاري " من حديث عُمَرَ بن علي (٣). وللحديث طرق أخرى، وفي بعضها ذكر السبب، ذكره الإمام " الشافعي " من رواية مسلم بن خالد الزنجي فقال: ولا أحسب، بل لا أشك - إن شاء الله -، أن مسلمًا (٤) نصَّ الحديثَ، فذكر أن رجلا ابتاع عبدا فاستعمله، ثم ظهر منه على عيب. فقضى رسول الله ﷺ بالعيب، فقال المقضيُّ عليه: قد استعمله، فقال رسول الله ﷺ : " الخراج بالضمان ".
وما ذكره " الشافعي " قد أسنده " أبو داود " من حديث مسلم بن خالد، على الجزم، فقال: ثنا إبراهيم بن مروان، قال: ثنا أبي، ثنا مسلم بن خالد الزنجي، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أن رجلا ابتاع عبدًا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا فخاصمه إلى النبي ﷺ فردَّه عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فقال رسول الله ﷺ : " الخراج بالضمان " (٥).
ورواه " ابن ماجه " من حديث شيخه هشام بن عمار، قال: " ثنا مسلم بن خالد، ثنا هشام " فذكره (٦).