← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[قادة فتح الأندلس]ـ المؤلف: محمود شيت خطاب الناشر: مؤسسة علوم القرآن - منار للنشر والتوزيع الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م عدد الأجزاء: ٢ أعده للشاملة/ مهاجي جمال [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مقابل]

стр. 2

قَادَةُ فَتْحِ الأَنْدَلُس اللِّوَاءُ الرُّكن محمُود شيت خطّابْ ﵀ المُجَلدُ الأولْ مُؤَسَسَة عُلُوم القُرْآن بيروت مَنَار للنّشر والتَوْزِيع دمشق

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

قَادَةُ فَتْحِ الأَنْدَلُس

стр. 5

جمَيع الحقوق محفوظة الطّبعَة الاولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

стр. 6

تَرْجَمَة مُوجَزة للمُؤلفَ اللِّواء الرُكُن مَحمود شِيتْ خَطّابْ رَحمَه اللهُ تَعَالى بقَلمْ محُمَدْ فَاروقْ البَطَل عُضو هَيئةِ التَدرِيسْ في كُليةِ الآدابْ قِسمُ الدِّرَاسَاتِ الإِسلامِيَّة جَامِعَةْ المَلكْ عَبْدِ العَزِيزْ سَابقاً

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) رحم الله الفقيد القائد العلامة المجاهد اللواء الركن محمود شيت خطّاب رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وأجزل مثوبته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين كل خير، فقد أعطى لدينه ولأمته الكثير، وبذل الكثير، وعانى الكثير ... ولم يأخذ من دنيا الناس، ولا من هذه الدنيا الغرور إلا القليل، وأحسب أنه قد لقي وجه ربه بجهاد كبير، وزهد عجيب، وخلُق رفيع، وإخلاص نادر، وتواضع جم، وأعمال جليلة، وقلب ظلّ يخفق بحب الله، وحب رسوله- ﷺ ، وحب الصحابة الأبرار-رضي الله تعالى عنهم-، وحب الإسلام العظيم، حباً ملك عليه ليله ونهاره، وعقله وفكره، وقلبه وعاطفته، وطيلة عمره المبارك. أحسبه كذلك، ولا أزكيه على الله تعالى. (٢) ولد العلامة المجاهد اللواء الركن محمود شيت خطاب في مدينة الموصل الحدباء (١) سنة ١٣٣٨ هـ/ ١٩١٩ م من أبوين عربيين، أبوه من قبيلة الدليم -فرع الصقور- الذين يتصل نسبهم بالنبي- ﷺ من جهة الحسن بن علي بن فاطمة الزهراء - رضي الله تعالى عنهم- وأمه قيسية، وهي ابنة الشيخ مصطفى بن خليل قره مصطفى، وكان من علماء الموصل المشهورين بعلمهم وورعهم (٢). احتضنته أمه عاماً أو بعض عام، ثم تخلت عنه مكرهة، لأن شقيقه الذي ولد

стр. 8

بعده بسنة استأثر بمكانه، فكفلته جدته أم والده، فأثرت فيه أبلغ التأثير، فقد كانت امرأة صالحة متدينة ومن بيت رفيع التدين، تقضي أكثر ساعات الليل في تهجد وتسبيح، فإذا غلبها الخشوع أجهشت بالبكاء من خشية الله، كان يصحبها إلى المساجد وسماع المواعظ. وهكذا نشأ الفقيد في بيت علم يُتلى فيه القرآن الكريم صباح مساء، وتُقام فيه الصلوات، ويحرص على الالتزام بالدين الحنيف، ويضم مكتبة عامرة بالمصادر المطبوعة والمخطوطة. قرأ القرآن على يد أحد الشيوخ، وحفظ شطراً من كتاب الله، ثم أتم مراحل المدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدينة الموصل، وخلال سِنِيِّ هذه المراحل درس علوم اللغة والتفسير والحديث على أيدي شيوخ مدينة الموصل، وفي مساجدها العامرة بالحلقات العلمية، وخلال شهور العطلة الصيفية. وكان من أشد ما أثر في تكوينه الثقافي والعلمي -وهو يافع السن- مجلس الحي الذي يحضره بمعية والده، حيث يلتقي خيار رجال العلم والقضاء لقص الأخبار، وقراءة كتب الفقه والحديث والتاريخ .. يقول ﵀: (لقد كنت ألازم مجلس والدي مع أني لم أتجاوز الصف السادس الابتدائي، فلقد وقع اختيار والدي عليّ لقراءة كتب التاريخ على الحضور الذين كان معظمهم من أهل العلم المتقنين للغة العربية، لذلك فقد كنت مضطراً للعناية بقواعد اللغة العربية وضبط الألفاظ، لكي لا أقع عرضة للانتقادات أو اللوم من والدي) (١) ولا شك أن حضوره مثل هذا المجلس العلمي بلور اتجاهه على

стр. 9

اللغة والتاريخ. ومما يؤكد نشأته المتدينة أنه أدى فريضة الحج عام ١٩٣٥ م ضمن رحلة مدرسية، ولم يكن له من العمر إلا خمسة عشر عاماً. وقد كان لأدائه الحج في هذه السن المبكرة أثر كبير، وخلّف في نفسه معاني عظيمة. (٣) لما حصل الفقيد -رحمه الله تعالى- على شهادة الدراسة الثانوية تطلعت نفسه إلى دراسة الحقوق، لكن إرادة الله شاءت له غير ذلك (وكل ميسّر لما خلق له). فقد أعلنت وزارة الدفاع العراقية عن حاجتها الكبيرة لمنتسبين للكلية العسكرية، فتقدم بطلبه مع عدد من رفاقه، وسافر إلى بغداد، وبدأ بالتعرف على معالمها لأول مرة، لأنه لم يكن قد زارها من قبل، فكان اسمه على رأس من أُعلِن قبولهم كطلاب في الكلية العسكرية سنة ١٩٣٧ م. وتبدأ رحلة الفقيد في السلك العسكري. وحصل على الشهادات التالية: ١ - الليسانس من الكلية العسكرية العراقية ١٩٣٨ م. ٢ - الماجستير من كلية الأركان والقيادة العراقية برتبة نقيب عام ١٩٤٨ م. ٣ - شهادة دراسات عسكرية عليا من كلية الضباط الأقدمين العراقية عام ١٩٥٤ م. ٤ - دبلوم دراسات عسكرية عليا بدرجة ممتاز من كلية الضباط الأقدمين في إنجلترا عام ١٩٥٥ م وقد كان ترتيبه الأول بين مائة ضابط من مختلف الجنسيات. ٥ - شهد أربعاً وعشرين دورة تدريبية عسكرية في العراق وشمال أفريقيا وإنجلترا، ومنها دورات في الفروسية والأسلحة والتعبية ...

стр. 10

وسواها (١). (٤) إن استمرار الخطَّاب في السلك العسكري هذه المدة الطويلة أمر يثير العجب والدهشة، ذلك أن من يعرف واقع كثير من الجيوش العربية في ظل الأنظمة الاستعمارية أولاً والأنظمة العلمانية والحزبية ثانياً يقدّر مدى الصبر والمعاناة والمرارة التي عاناها ضابط ملتزم بإسلامه وعقيدته، مستقيم في سلوكه، معتز بدينه وتراثه، مثل الضابط محمود شيت خطاب مذ كان شاباً. ذلك أن القائمين على هذه الجيوش فرضوا على عناصرها الإلحاد، والهزء بالدين، والسخرية بالإسلام، واحتقار التديّن، كما فرضوا عليهم كافة ألوان الفساد والمحرمات من خمر وزنا و ... و ... وما نجى من ذلك إلا القليل، ومن كُشِف منهم على غير ذلك سُرِّح وأُبعد عن الجيش، واعتُبر خطراً على أمنه وأمن البلد!! ... حقيقة مؤلمة مبكية، لكنها الواقع!! يحدثنا اللواء الخطاب عن هذا الواقع المرّ، وهذه الحقيقة المفجعة فيقول -محدثاً عن نفسه وعن تجربته الشخصية-: (تتابعت أسئلة قائد السرية التي انتسبت إليها، في أول لقاء به وأول يوم رأيته وتعرفت إليه: هل تعاقر الخمر؟ هل تلعب الميسر؟ هل تغازل الغيد الحِسان؟). (وتكرر جوابي على أسئلته المتعاقبة بالنفي، فظهرت على وجهه بوادر خيبة الأمل ونَدَب حظه العاثر لالتحاقي بسريته، ئم عبس وتولَّى وهو يقول: لماذا أصبحت ضابطاً؟! ولماذا اخترتَ سلاح الفرسان؟ ولماذا تعيش؟! الأفضل لك أن تموت).

стр. 11

(وكان ذلك أول درس عملي تلقيتُه من قائد سريتي، في أول يوم من حياتي العسكرية العملية في الوحدات العاملة، ثم توالَتْ عليَّ الدروس المماثلة كاللحن المكرر يُعاد على مسامعي صباح مساء). (ولم أُباغَت بما سمعتُه من قائد السرية، فقد تكاثَرتْ عليَّ نصائح المجربين منذ اعتزمت الالتحاق بالكلية العسكرية: أن أبتعد عن تعاليم الدين الحنيف، وأكيّف نفسي لتلائم مناخ العسكريين). (وبعد تخرجي ضابطاً في الكلية سنة ١٩٣٨ م التحقتُ بمدرسة الخيَّالة في بغداد، فانهالت عليّ الدعوات الشخصية الرسمية التي يسيل الخمر فيها أنهاراً، وانهالت معها عليّ النصائح والانتقادات، وكان اعتذاري عن حضور تلك الحفلات يُقابَل بالنقد اللاذع والسخط المرير). (ولكنني كنت أتلقى النصح تارة، والنقد تارة أخرى من لِداتي الذين لم يتجاوزوا العشرين، وهم شباب في عمر الورد لا ينقصهم المال والفراغ، ولم أكن أتوقع أبداً أن أسمع نفس النصح أو النقد من قائد سرية تجاوز الأربعين من عمره، وأمضى في الخدمة العسكرية ما يزيد على العشرين عاماً!!). (وشاء القدر ألا يطول استغرابي من تصرف قائد السرية، لأنني وجدت تصرف قائد الكتيبة نحوي -وهو الذي تجاوز الخمسين من عمره- وكان ضابطاً مخضرماً قضى شطراً من خدمته العسكرية في الجيش العثماني، وشهد الحرب العالمية الأولى، لا يختلف في شيء عن تصرف قائد السرية نحوي، كلاهما يأمر بالمنكر، وينهي عن المعروف). (وكان من تقاليد الجيش أن تولم الوحدات لضباطها الجدد وليمة، تطلق عليها اسم: (وليمة التعارف والاستقبال) تقدم فيها الخمر مع ما لذَّ وطاب من الأطعمة الشهية، وقد يصاحب ذلك أنغام الموسيقى والرقص زيادة في الحفاوة

стр. 12

والتكريم!!). (واستدعاني قائد السرية قبيل انتهاء الدوام الرسمي، وبلَّغني بأن الكتيبة ستقيم وليمة التعارف والاستقبال في دار الضباط مساء، فلم أستطع التخلف عن حضورها، لأنها أقيمت من أجلي وأجل خمسة ضباط آخرين جُدُد، هم زملاء دورتي في الكلية العسكرية ومدرسة الخيالة). (وقبل أن يسمح لي قائد السرية بالانصراف غمز عينيه، وهو يبتسم ابتسامة الواثق بنفسه ويقول لعلك تراجع فكرك اليوم، ولعلي أهديك إلى سر الحياة!!). (وشهدتُ الحفلة مع زملائي في الوقت الموعود، وقدِم قائد الكتيبة يتبختر، فاستقبله الضباط وقوفاً، ثم قدَّم إليه قادة السرايا ضباطهم الجدد، وقدَّمني قائد سريتي قائلاً: الملازم ضابط خام يدَّعي أنه لم يذق طعم الخمر في حياته). (وقال قائد الكتيبة: كيف يكون في سلاح الفرسان ولا يعاقر الخمر؟! هذا غير معقول! وتحرَّج موقفي، وتجمَّع الضباط من حولي يرجونني ويطالبونني، ثم يلحّون ويلحّون، وجاء قائد الكتيبة، وقد ملأ كأساً بالخمر، وأمر أن أبدأ صفحة جديدة من حياتي العسكرية بشرب المدام، وأن أتخلى عن تزمُّتي لأصبح ضابطًا حقاً ... ثم أَقْسَم بشرفه العسكري أن أفعل، وأقسم قائد سريتي ألا أردّ يد القائد الهمام). (وكان الليل البهيم قد أرخى سدوله، وكانت السماء صافية تتلألأ على صفحات النجوم، وكانت مياه دجلة تعكس النجوم فتزيدها بهاءً ورونقاً). (وكان قائد الكتيبة برتبة عقيد، يحمل على كتفيه رتبته العسكرية، وهي بحساب النجوم اثنتا عشرة نجمة، على كل كتف تاج يعادل أربع نجوم،

стр. 13

ونجمتان مع التاج، فيكون مجموع النجوم على الكتفين: اثنتي عشرة نجمة). (ويومها قلتُ له: إنني أطيعك في تنفيذ أوامرك العسكرية، وأطيع الله في أوامره، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنك تحمل على كتفيك اثنتي عشرة نجمة، فانظر إلى سماء الله لترى كم تحمل من نجوم). (وبهت القائد، وردّد: السماء ... السماء ... ! نجوم السماء ... ! وأشاح قائد الكتيبة بوجهه عني، ومضى غضبان آسفاً وهو يقول: هذا الضابط لا يفيد ... لا يفيدنا أبدا). (ويومئذ شعرتُ بأن موقفي ليس مصاولة بيني وبين القائد، ولكنها مبارزة بين إرادته بشراً وإرادة الله خالق البشر). (وجلستُ وحيداً أتأمل ... وجلس الضباط جميعاً، ترتفع ضحكاتهم إلى عنان السماء). (كان الاعتقاد السائد بين أكثر الضباط أن التدين تخلف وجمود وأن التقوى بلادة وتواكل، وصمَّمت أن أُثبت أن تلك المفاهيم خاطئة، وأن الضابط المتدين حَرِيٌّ بالتفوق، وأن الدين يستثير الهمم والعزائم، فعزمتُ ألا أرضى بالنجاح وحده، بل بالتفوق في النجاح، وكان سبيلي إلى ذلك العملُ الدائب وإتقانه، والحرص الشديد على أداء الواجب وإحسانه، واستيعاب العلوم العسكرية بدقائقها، والسهر على تدريب الجنود وحل مشاكلهم، حتى أصبح رعيلي نموذجياً، يقصده الزائرون من الوحدات الأخرى والأجانب، ويحوز قصب السبق تدريباً وتهذيباً وضبطاً على رعائل الكتيبة). (كنت أحضر الثكنة قبل شروق الشمس، وكنت أغادرها الهزيع الأول من الليل، وكنت أقضي وقتي متعلماً ومعلماً ومتدرباً ومدرباً. وكان من الأمور الاعتيادية أن يصدح بوق النهوض وأنا في الثكنة، فيجدني جنودي منتصب

стр. 14

القامة في قاعة نومهم، فشاع بين الضباط أنني أصلّي الفجر في الثكنة، ولا أغادرها إلا بعد صلاة العشاء ... ). (وبهذا الجهد الجهيد، استطعت تكذيب ما أُلصق بالمتدينين ظلماً وعدواناً، واستطعتُ الاستحواذ على ثقة قادتي وجنودي، وتسنُّم مناصب عسكرية لا يحلم بها زملائي في الرتبة والقدم) (١). وللقارئ الكريم أن يتصور مدى جهد اللواء الخطاب ومدى معاناته، وكيف صبر وصابر؟ وكم تحمَّل وكابد؟ حتى وصل إلى أعلى رتبة عسكرية في الجيش العراقي وبشكل طبيعي، ودون ترقيات استثنائية. أقول: إنه صبر ولاشك، ولكن الله أعانه، ولحكمة يعلمها. ولعل الحكمة الربانية في هذا التوفيق أن يفتح الله عليه كتابة هذه المؤلفات والبحوث العسكرية المتخصصة وغير المسبوقة، وخاصة ما يتعلق بإعادة صياغة التاريخ العسكري لأمتنا العربية الإسلامية بأسلوب فني وعلمي متخصص بدءاً من عهد الرسالة وانتهاء بعهد الفتوحات. جزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير. (٥) وبهذا الجهد الجهيد -كما يقول الخطاب- ومع الاستقامة على أمر الله والاستعانة به سبحانه، فرض احترامه على رؤسائه، وارتقى في السلك العسكري ضابطاً محترماً، رتبة بعد رتبة حتى حصل على رتبة اللواء الركن واستمر في هذه الرتبة حتى اعتُقِل في العهد الشيوعي -عهد عبد الكريم قاسم -، وقد اعتُقِل ثمانية عشر شهراً من أواخر سنة ١٩٥٩ م إلى منتصف عام ١٩٦١ م ثم أُفرج عنه، بعد أن ترك التعذيب أثره في جسده في (٤٢) كسراً في عظامه (٢). لم يحفظوا له سناً ولا رتبة ولا علماً ولا قدراً ((وما نقموا منهم إلا

стр. 15

أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)). يقول ﵀ في ذلك: (لم يكن عبد الكريم قاسم شيوعياً، ولكن كان مضطراً للاستعانة بهم، وبخاصة في تلك الأثناء التي اندلعت فيها ثورة الشوَّاف في الموصل، فأطلق أيديهم يعملون ما يشاؤون، ولم يكن بوسعهم الصبر على موقفي منهم (١)، فبعث إلى المنطقة بضابط يصلح لتحقيق رغبات الشيوعيين، وما لبثوا أن تجمّعوا حوله ليخطب فيهم داعياً إياهم إلى سحل كل ضابط وفدائي يقف في طريقهم، أو لا يؤيد ثورتهم، فكان عليّ أن أتدارك ما أمكن من الخطأ، فدخلت على هذا الضابط أحذره مغبة تصرفه، فما كان منه إلا أن اتصل بعبد الكريم قاسم لإقصائي عن طريقه، وهكذا تمّ لهم ما يشاءون، وكان ذلك في الهزيع الأخير من إحدى ليالي رمضان، حيث أوقفني ثلاثة من جنودهم فاعتقلوني ثم حملوني في حراسة مشددة إلى السجن المخصص لأعداء الثورة في بغداد، واستمر وجودي ثمانية عشر شهراً مشحونة بأنواع من التعذيب الذي يعجز الوصف عنه، وفي جسدي اثنان وأربعون كسراً في العظام (٢)). (٦) لم يكن اللواء الخطاب مجرد ضابط موظف محترف، بل خبر العلوم العسكرية، وتبحّر في هذا التخصص، واجتهد فيه يشهد له بذلك الإمام الجليل الشيخ محمد أبو زهرة -رحمه الله تعالى- فيقول: (قائد يعرف خصمه، فيدرك مراميه، حتى إنه ليتوقع الحرب أو الهجوم من عدوه في ميقاتها، وقبل أن يعلنها، وقبل أن يفكر فيها من سيكونون حطبها، لأنه يعلم الخصم ومآربه وحاله، ويتعرف من ذلك مآله، علم بهجوم اليهود سنة ١٩٦٧ م قبل أن يعلنوه،

стр. 16

وقبل أن يقدره الذين كانوا في زعمهم يدبرون الأمور. ويلبسون لكل حال لبوسها) (١). يشير العلامة أبو زهرة بهذا إلى بحث كان قد نشره اللواء الخطاب قبل هذه الحرب المأساة، تحت عنوان: (حرب أو لا حرب) قال فيه: (إن نفير إسرائيل سيكتمل يوم الخامس من يونيو -حزيران- سنة ١٩٦٧ م فتكون إسرائيل جاهزة للحرب في هذا اليوم وستهاجم إسرائيل العرب في هذا اليوم حتماً). ثم قال ﵀ وبكل تواضع، وبعد أن حدث بالضبط ما توقعه: (وقد صدقتِ الأحداث ما توقعتُه، ولست نبياً، ولكن الفن العسكري أصبح علماً له قواعد وأسس، عليها استندتُ في كل ما كتبتُه من مقالات) (٢). (٧) كان من جهاده العسكري -رحمه الله تعالى- أنه شهد الحرب العراقية البريطانية في العراق عام ١٩٤١ م في ثورة رشيد عالي الكيلاني -رحمه الله تعالى- ثم خاض معظم المعارك التي التقى فيها الجيش العراقي بقوات الإنجليز، وكان أثناء ذلك برتبة ضابط ركن في لواء الخيالة المرابطة بأبي غريب -على بعد (٥٠) كم من الأنبار- التي جرت في ساحتها أهوال المعارك، ونتيجة قصف الطيران المعادي الشديد، أصيب اللواء الخطاب بقنبلة توزعت شظاياها في كل موقع من جسمه، وكان أمل الأطباء في بقائه على قيد الحياة ضئيلاً، ولكن شاءت إرادة الله أن يشفى القائد ليتابع جهاده في خدمة دينه وأمته (٣). ومن جهاده العسكري كذلك أنه لما تخرج من كلية الأركان عام ١٩٤٨ م

стр. 17

قدَّم طلباً إلى وزارة الدفاع العراقية ليتطوّع مقاتلاً في معارك التحرير لإنقاذ فلسطين. يقول ﵀ بعد أن تمت الموافقة على تطوعه: ذهبت إلى منصب ضابط ركن اللواء الرابع في مدينة جنين الفلسطينية، وبقيت هناك نحو سنة، حتى عدت مع الجيش العراقي (١) ... ويسجل ذكرياته في هذه الساحة الجهادية فيقول: انتصر فوج واحد يبلغ تعداده (٨٢٢) ضابطاً وجندياً على عشرة آلاف صهيوني كانت خسائرهم في تلك المعركة أكثر من تعداد الجنود العراقيين (٣٠) شهيداً مع أن المعركة معركة تصادفية، ولم يكن أي من المنتسبين إلى الجيش العراقي قد سمع بـ (جنين) أو يعرف حتى مكانها، ولا توجد لديهم خرائط ... وكان بين قتلى اليهود ابنة (ابن جوريون) رئيس وزراء إسرائيل (٢) ... (٨) بعد انقضاء حكم عبد الكريم قاسم تولى منصب الوزارة في عهد الرئيس عبد السلام عارف عدة مرات، ولكنه انتهز أول فرصة، فاستقال للتفرغ للعلم وحده، وقد عُرِضت عليه الوزارة في كل حكومة شكلت بعد سنة ١٩٦٤ م، ولكنه اعتذر باستمرار، وفي سنة ١٩٦٨ م في ١٧ تموز عُيِّن وزيراً للمواصلات، وكان يومها في مصر رئيساً للجنة توحيد المصطلحات العسكرية فاعتذر عن قبول هذا المنصب وآثر العمل في المجالات العلمية على العمل في المناصب الحكومية، وبقي في القاهرة حتى أخرج للناس المعجمات العسكرية الموحدة الأربعة المعروفة، والتي أعيد طبعها مرات كثيرة، وكان هو الذي اقترح توحيد هذه المصطلحات وهو الذي وضعها في حيز التنفيذ. وعاد من مصر إلى العراق سنة ١٩٧٣ م، فعرضت عليه عدة مناصب

стр. 18

حكومية رفيعة، ولكن اعتذر عن قبولها، وتفرغ كلياً لبحوثه ودراساته وللتأليف والتدريس في المدارس والمعاهد والجامعات العسكرية في أرجاء البلاد العربية كلها، ما وجد إلى ذلك سبيلاً (١). (٩) تألّقت شخصية اللواء الخطاب العسكرية والعلمية والدعوية على مستوى العالمين العربي والإسلامي فاختير عضواً فاعلاً في كثير من الهيئات والمجامع العلمية منها: أ - المجمع العلمي العراقي -عضو كامل- منذ سنة ١٩٦٣ م. ب - مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف منذ سنة ١٩٦٨ م عضو كامل. ج - مجمع اللغة العربية في القاهرة -عضو مراسل- منذ سنة ١٩٦٦ م. د - المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي -عضو كامل- منذ سنة ١٩٦٤ م. هـ - مجمع اللغة العربية في دمشق -عضو مراسل- منذ سنة ١٩٦٦ م. و - مجمع اللغة العربية الأردني -عضو مؤازر- منذ سنة ١٩٧٩ م. ح - المجلس الأعلى العالمي للمساجد بمكة المكرمة -عضو مؤسس- منذ سنة ١٩٧٥ م. ط - مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة -عضو مؤسس- منذ سنة ١٩٧٧ م (٢). (١٠) تتجلى هذه المكانة الرفيعة والسمعة الطيبة فيما كتبه العلامة الفقيه

стр. 19

الإمام الشيخ محمد أبو زهرة -رحمه الله تعالى- تقريظاً لكتاب اللواء الخطاب (بين العقيدة والقيادة) قال: (وإن صديقي الكريم اللواء الركن محمود شيت خطاب، القائد العظيم المدرك والوزير المخلص -وقليل ما هم- سعدت بمعرفته من نحو أربع سنين أو أقل (١)، والمدة في الحالين لا تزيد، ولكني بمجرد أن التقيت به أحسست بأني أعرفه منذ سنين تُعَد بالعشرات، لا بالآحاد، وكأن الأرواح قد تعارفت قبل أن تتلاقى الأشباح، وكأن الصورة قد رأيتها، وما لقيتها؛ لأن الأرواح تتآلف وتسبق الائتلاف، وتتقارب وتسبق الاقتراب، ولذلك سرعان ما تصادقنا عندما التقيت به، وكأن صداقتنا ترجع بالماضي على آماد، لا إلى وقت قريب. إذا اجتمعنا منفرِدَيْن أو في جَمْع، وتبادلنا الأفكار، أحسست بأني لا أنوي فكرة إلا سبقني إليها، وقد أسارع إلى القول بما في خاطره، قبل أن يبديه، وكان ذلك لامتزاج نفوسنا، وصفاء ما في نفسه، وابتعاده عن الالتواء في القول أو الفكر أو الاتجاه، فهو يسير بفكره وقوله وعمله في خط مستقيم، كاستقامة قامته، والخط المستقيم يُعرَف ابتداؤه كما يعرف وسطه وانتهاؤه. وكانت مجالس نتبادل فيها الحديث على نور من الله، وروحانية نفوس، واستقامة قلوب بيننا، فكنت أتذكر في هذه الصحبة قول النبي ﷺ : "إن لله ناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم من الله" قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: قوم تحابّوا بروح من الله على غير أرحام تربطهم، ولا أموال يتعاطونها، والله إنهم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم تلا قوله تعالى ((ألا إن أولياء الله لا

стр. 20

خوف عليهم ولا هم يحزنون)). تذكرت هذا الأثر النبوي إذ اكتمل بالعمل جمعنا، لكني ولست ممن يتسامى إلى هذه المكانة، وأحسب أن صاحبي يتسامى إليها، أو إني أرجو له ذلك. وقد جمع الله تعالى لصديقنا اللواء خطاب من الصفات ما تسمو به واحدة منها عن سفاسف الأمور، وتتجه به إلى معاليها. أولها: الإخلاص في القول والعمل، والإخلاص إذا كان في قلب أشرق، وقذف الله تعالى فيه بنور الحكمة، وكان تفكيره مستقيماً، ولسانه قوياً، وعمله حكيماً، فلا يكون التواء ولا عوج. ثانيها: الإدراك الواسع، والعلم بما حوله، وتعرّف الأمور من وجوهها، وإدراكها من مصادرها فقلمه نقي، وفكره ألمعي ... وثالثها: إيمان صادق بالله، ورسوله النبي الأمين، ولذلك يتَّبع سيرة السالفين، ويجعل منهم نوراً يُهتَدى به، ويعلم منه أعلام الهداية. ويكمل هذه الصفات التي هي بمنزلة السجايا والملكات، همة عالية، وتجربة ماضية، وخبرة بالعلم والحروب، وخصوصا ما كان بين العرب واليهود. (وهو عالم في العربية، وملم إلماماً عظيماً بشؤون الدين، وقارئ يتقصَّى الحقائق فيما يقرأ، يتعرّف ما تسطره الأقلام، وما وراء ما تسطره، ينفر من تقليد الفرنجة، ويُوثر ما في القرآن والسنة وما كان عليه السلف الصالح، وهو ممن يؤثرون الاتباع، ولا يرضون عن الابتداع، سلفي في إيمانه وعمله، قوي في تفكيره، ويهضم ما جدَّ في العصر بما في قلبه من إيمان راسخ، واتباع مستقيم، وله مع كل هذا قلم بارع مصور، وكتابته من قبيل

стр. 21

السهل الممتنع، وفقَّهه الله تعالى وهداه) (١). حسْب اللواء الخطاب هذه الشهادة الحقة المنصفة المحبة الصادقة تأتي من إمام زمانه، وفقيه عصره العلامة الشيخ محمد أبو زهرة الذي ترجم لأعلام الفقه وأئمة الاجتهاد أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم فأوفى وأبدع، ﵀ رحمة واسعة، وأجزل مثوبته، وطيَّب ثراه. (١١) وكان من جهاده الدعوي -رحمه الله تعالى- أنه سخّر قلمه وفكره في الدعوة إلى الله سبحانه إيماناً به، ويقيناً بنصره، واعتزازاً بدينه، ودعوة إلى إقامة شرعه، وإعلاء كلمته، وجهاداً في سبيله، واقتداء برسوله، وتأسياً بصحابة نبيه، وتعريفاً بسيرة المصطفى ﷺ ، وسيرة القادة الفاتحين -رضي الله تعالى عنهم- وإبرازاً لعظمة الأمة الإسلامية، وعظمة تاريخها، وعظمة حضارتها، وعظمة الانتماء إلى أمجادها، ودعوة لا تعرف الملل ولا السأم إلى إعلان الحرب الحقيقية والصادقة على الاستعمار بكل أشكاله وألوانه، وخاصة الاستعمار الفكري ومَن يمثله من المستشرقين والعلمانيين والملحدين والمتحللين ودعاة التغريب والتقليد. وكشاهد على ما أقول؛ فقد كتب تقريظاً لكتاب غزوة بدر الكبرى تأليف الشيخ محمد أحمد باشميل (٢) -رحمه الله تعالى- قال فيه: (لقد كان الرسول القائد -صلوات الله وتسليمه عليه- أسوة حسنة لأصحابه بأعماله لا بأقواله، وشتان بين الأعمال والأقوال، فلا موعظة في كلام لم يمتلئ من نفس صاحبه ليكون عملاً، فيتحول في النفوس الأخرى عملاً ولا يبقى كلاماً.

стр. 22

ذلك هو الرسول القائد ﷺ أما جنوده فكان أمرهم كله عجباً ... كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ويؤثرون عقيدتهم على آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم، بل يؤثرون عقيدتهم على أنفسهم، فيتسابقون إلى الشهادة، فيقول أحدهم للآخر: (هنيئاً لك الشهادة)، وتقول الأمهات والأخوات والزوجات حين يعلمن باستشهاد ذويهن (الحمد لله الذي أكرمهم بالشهادة). وهؤلاء قادة وجنوداً يبنون للمستقبل، فيعتبرون العلم فريضة لا نافلة، ويعتبرونه عبادة لا تجارة، ويعتبرونه غاية لا وسيلة ... ! كانوا إخوة في الله يحب أحدهم لأخيه ما يحبه لنفسه، وكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وكانوا كالجسد السليم المعافى إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى!. هؤلاء قادة وجنوداً، كانوا يبنون ولا يهدمون، ويعمرون ولا يخربون، ويفعلون ولا يقولون. كان انتصار المسلمين في بدر، إيذاناً بمولد دولة الإسلام عملياً، فقاد المسلمون بعدها العالم إلى الخير والصلاح، والمدنية والنور، قروناً طويلة. وكان انتصارهم بالإسلام، ولن ينتصروا بغيره، وتاريخ المسلمين خير دليل على ذلك. وكان العرب في الجاهلية متفرقين فتوحدوا بالإسلام، وكانوا أعداء فألف الإسلام بين قلوبهم، وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم الإسلام منها، فأصبح العرب بالإسلام وحدة رصينة ودولة عظيمة، وأمة متماسكة، وقوة ضارية، وجدت لها متنفساً بالفتح الإسلامي العظيم، فسارت رايات العرب المسلمين تهدي الدنيا، وتحضّر العالم، وتمدّن الناس، فامتدت دولة الإسلام

стр. 23

من سيبيريا شمالاً إلى فرنسا غرباً، إلى الصين شرقاً، إلى المحيط جنوباً. كانوا ضعفاء فأصبحوا بالإسلام أقوياء، وكانوا أعداء فأصبحوا إخوة، وكانوا مستعبدين فأصبحوا فاتحين. ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فأصبحوا مستعمَرين مستعبدين، أذلاء غثاء كغثاء السيل، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. أصبح هؤلاء الخلف يستوردون المبادئ من الشرق والغرب، مبهورين متخاذلين، وأصبحوا يتعشقون تراث الأجنبي، ويحتقرون تراثهم، ويتدارسون تاريخ أعدائهم، ويتركون تاريخهم وراءهم ظهريًّا، حتى أصبحنا نسمع بعض العرب المسلمين يقولون ويكتبون ويذيعون علناً باسم الثقافة وباسم التحرر ما لم يستطع أن يقوله أو يكتبه أو يذيعه المبشرون وأعداء الإسلام. وإذا كان أكثر المستشرقين قد بذلوا قصارى جهدهم لتعميق آثار الاستعمار الفكري بين العرب والمسلمين، فما عذر المستغربين من العرب المسلمين. إن الدعوة التي تبناها المبشرون وعملاء الاستعمار وأذنابهم في إبعاد الدين الإسلامي عن الحياة دعوة مريبة، هدفها إبعاد العرب عن الناحية المعنوية في حياتهم، فالعرب جسم والإسلام روحه، ولا بقاء للجسم بدون روح. والدعوة التي تبناها هؤلاء لاستعمال العامية بدل العربية الفصحى دعوة مريبة، هدفها أن يجعلوا من الأمة العربية أمماً، ومن الشعب العربي شعوباً؛ لأن اللغة العربية لغة القرآن الكريم، ولغة الرسول ﷺ ولغة قادة الفتح وجنوده، ولغة الفكر وجنوده. والدعوة التي تبناها هؤلاء لإشاعة الفاحشة والتخنث في العرب خلافاً لعقيدتهم وتقاليدهم، دعوة مريبة، لا تخدم غير الاستعمار، وأعداء العرب،

стр. 24

وإسرائيل، وكيف تنتظر من الديوثين والبغايا أن يبذلوا أرواحهم في ميادين الشرف والفداء؟؟!! إني أتحدّى كل من يزعم أن هناك عقيدة أفضل من عقيدتنا، وأن هناك رجالاً أعظم من رجالنا، وأن هناك تاريخاً أنصع من تاريخنا، وأن هناك تراثاً أروع من تراثنا ... والذين يزعمون أنهم طردوا الاستعمار العسكري والاستعمار السياسي والاستعمار الاقتصادي من بلادهم ثم يعملون ليلاً ونهاراً على ترسيخ الاستعمار الفكري في بلادهم، لم يصنعوا شيئاً أكثر من إخراج الاستعمار من باب ضيق، وإدخاله بمحض إرادتهم من باب فسيح. نطرد الاستعمار، ثم نترجم قوانينه، ونعمل بها نصاً وروحاً، فنشيع في بلادنا فجور القانون ... ونتخلص من الاستعمار، ثم نستورد مبادئه ونطبقها حرفياً فنستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ... ونحارب الاستعمار، ثم نستورد منه التحلل الخلقي، فنفسد جيلنا الصاعد، ونشيع بينهم الفاحشة والمنكر. عقوبة السارق في الإسلام قطع اليد، فيقول عن ذلك الجهلاء منا: أن ذلك رجعية، وهذا همجية، وهو لا يتفق مع روح القرن العشرين!! عقوبة السارق في أعظم دول الاشتراكية الإعدام، فيقول عن ذلك الجهلاء منا: هذه تقدمية وهذه مثالية، وهذا يتفق مع روح القرن العشرين؟؟!! فلمصلحة مَن هذا التهافت الذليل؟؟!! وأي استعمار فكري شنيع نعاني؟؟!! إن الذين يدَّعون بأن السلوك السياسي لا علاقة له بالسلوك الشخصي التزاماً

стр. 25

بالمبادئ الخلقية الرفيعة واهمون كل الوهم، أو أغبياء كل الغباوة، أو عملاء كل العمالة. والذين يريدون إشاعة الفحشاء والتخنث في أبنائنا لا يخدمون غير الاستعمار وإسرائيل. إن عقيدتنا المستمدة من رسالة السماء، وتاريخنا الذي هو التطبيق العملي لتعاليم الإسلام، ورجالنا الذين هم الترجمة العملية لروح الإسلام، وتراثنا الذي هو حصيلة الفكر الإسلامي هي أعظم وأرفع وأنصع وأروع وأنقى وأطهر وأسمى وأبهر من كل ما وجد على الأرض من عقائد وتواريخ وتراث. وأتحدى كل من يدعي خلاف ذلك، إلا أن يكون جاهلاً أو غبياً أو عميلاً، فلا يجدي شيء مع الجهلاء والأغبياء والعملاء ... إن الماضي هو أساس الحاضر والمستقبل، فكيف نتنكر لماضينا المجيد؟ وهل هناك عاقل يبدأ ببناء البنيان أول ما يبدأ من قمته؟!! إننا سُدْنا بالإسلام عقيدة وعملاً وتضحية وفداء، ولن نَسُود بغيره أبداً مهما نحاول من محاولات. إن الإسلام مفخرة الدنيا ومعجزة العالم، فيجب أن نهاجم به أعداء الإسلام. يا أتباع محمد ﷺ في كل مكان من دار الإسلام! يجب أن تهاجموا بالإسلام أعداء الإسلام، فلا يقولن قائل بعد اليوم: إنني أدافع عن الإسلام لأن الإسلام أقوى من أن يدافع عنه إنسان. ((*إِنَّ اَللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّ اَللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ .............................................................

стр. 26

)) (١). ممم أعتقد أن الرقم يجب أن يكون مع النص السابق والهامش أيضا ممم تمسكوا بالإسلام بما فيه من تكاليف التضحية والفداء، وبذلك وحده تعودون إلى قيادة العالم كما فعل أجدادكم من قبل، وصدق الله العظيم: ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىءَامَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكسِبُونَ)) (٢). رددوا معي ما كان يردده السلف الصالح من رجالنا الغرِّ الميامين: (يا نصر الله اقترب). إننا مع المسلمين في كل مكان على أعدائهم في كل مكان، فهم إخواننا في الدين، وهم إخواننا في الله والله يقول: ((إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) (٣) وعلينا واجب نصرهم، والذي لا ينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً عليه ألا يدّعي الإسلام. إننا مع لغة القرآن لغة النبي ﷺ ولغة العرب الفاتحين، على دعاة العامية الذين يتظاهرون بالشعارات الزائفة، ويخفون ما لا يظهرون. وكل من لا يكون مع مبادئ القرآن ولغة القرآن، منحرف عن الحق، يعمل لحساب الاستعمار وإسرائيل ولو تظاهر بالعروبة والإسلام. وإلى هؤلاء المنحرفين، أقول مذكراً ومنذراً ما قاله الله تعالى في القرآن الكريم: ((وَسَكَنَتُم فِى مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُم وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ)) (٤).

стр. 27

وحَّد الله العرب من المحيط إلى الخليج تحت لواء الإسلام، وجعل وحدتهم قاعدة رصينة لوحدة المسلمين من المحيط إلى المحيط، فالعرب بالإسلام كل شيء. والحمد لله كثيراً وصلى الله على سيدي ومولاي رسول الله، سيد القادات وقائد السادات، ورجل الرجال وبطل الأبطال، ورضي الله عن أصحابه، وعن كل من يخدم العرب والإسلام بأمانة وإخلاص. هذه السطور تحكي -في مجملها- المنهج الدعوي الذي التزمه الداعية المجاهد اللواء الركن محمود شيت خطاب، بدأ فيه وأعاده في سائر كتبه وبحوثه، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدعو بالعلم والحجة والبرهان، يوقظ في الأمة مشاعر الإيمان واليقين، ويحيي فيهم عزة الانتماء إلى الإسلام، ويجدّد فيهم الأمل والرجاء، ويحارب لديهم اليأس والقنوط، ويعطيهم من نماذج القدوة والأسوة ما ينمي فيهم العواطف الدينية، ويولد عندهم مشاعر الحب لله سبحانه ولسيدنا رسول الله ﷺ وللقادة الفاتحين والأئمة الأعلام، وما سينهض هممهم وعزائمهم للدعوة إلى الله، والذود عن دين الله، ومواجهة أعداء الله، بكل عزة وشجاعة وحمية، واستبسال وإخلاص. (١٢) ويبدع الراحل الكريم أيما إبداع في ميدان الجهاد العلمي، فقد قدّم للمكتبة العربية والإسلامية (٣٥٤) (١) إنجازاً علمياً منها (١٢٦) كتاباً و (٢٢٨) بحثاً. أما البحوث فقد نشرت في مختلف المجلات العلمية والدينية والتربوية والعسكرية ................................... .......................

стр. 28

المتخصصة (١) ... أما كتبه فأكثرها مطبوع، وبعضها في طريقه للطبع، وبعضها الآخر لا يزال غير مطبوع. ينتظر دور النشر الملتزمة بهذا العلامة القائد الرائد المؤمن. والذين قرؤوا كتبه أو بعض كتبه -وخاصة ما كتبه في ميدان السيرة النبوية، والتأريخ لحركة الفتح الإسلامي- يعرفون الجهد الضخم والهائل الذي بذله في إعادة صياغة التاريخ العسكري لأمتنا العربية الإسلامية بأسلوب فني متخصص، وبمصطلحات عسكرية حديثة. وكأن الله سبحانه قد هيّأه ليسدّ ثغرة ضخمة في المكتبة الإسلامية الحديثة، لا تقوى عليها مؤسسات علمية ولا جامعات، كما قال الأخ الكريم الأستاذ عمر عبيد حسنة: (تأتي ميزة كتب اللواء الركن محمود شيت خطاب الذي قدّم للمكتبة الإسلامية نحو مائة وستة وعشرين (٢) كتاباً وبحثاً بجهوده الفردية في هذا المجال، وذلك ما لم تستطع تقديمه كثير من المؤسسات والجامعات والجماعات. لقد بدأ خطوة رائدة على طريق تدوين سيرة الرسول ﷺ وسيرة قادة الفتح الإسلامي من خلال تصور إسلامي واضح لعوامل النصر والهزيمة المادية والمعنوية، وتخصص عسكري، ولغة عربية مطواعة. اللواء الركن محمود شيت خطاب من العسكريين الذين نعتز بهم، لأنه أبى السقوط في تربية الاستعمار والتزام منهجه ... تتميز كتاباته بأنها ليست كتابات تراثية فقط، ينبش فيها الماضي دون أن يكون قادراً على التعامل مع الواقع الحاضر، ومتابعة رحلة المستقبل من خلال رؤياه الإسلامية (٣) ...

стр. 29

"كتب دراسات حديثة كثيرة حاول فيها أن يجاهد بقلمه، دفاعاً عن الأمة المسلمة، وتبصيراً لها ... " (١) مثل هذه الغزارة في الإنتاج العلمي تدل وبالتأكيد على أن الراحل الكريم كان مباركاً في جهده ووقته وعلمه، ملحوظاً بعناية الله، ومسدّداً بتوفيقه، ومشمولاً برعايته ... ويزداد قارئ كتبه، والدارس لإنتاجه العلمي الضخم عجباً، لوفرة المصادر والمراجع العربية والأجنبية من أمهات الكتب والأصول التي اعتمدها المؤلف ﵀ في كل معلومة أو خبر وردت في أي كتاب من كتبه أو أي بحث من بحوثه. إضافة إلى الخرائط والرسوم ووسائل الإيضاح التي امتازت بها كتبه. ويزداد القارئ لهذه الكتب الضخمة الرائدة، والمتابع لهذا الإنتاج العلمي الغزير، يزداد عجباً أكثر فأكثر إذا علم أن الفقيد العزيز لم يكن متفرغاً، وإنما كان ضابطاً في الجيش ويعيش في المعسكرات والثكنات، وبين الجند والمهمات، وفي ساحات التدريب وعلى صهوات الجياد (٢)، وفي ميادين التعبية والسلاح والجهاد، وتحت ضغط الأعصاب، ورهق الجسم، وظروف الاستفزاز، وغربة الروح والفكر والتوجه في وسط جيش يقوده علمانيون، ويتحكم فيه ملحدون مفسدون، وحزبيون مما سبق أن تحدث عنه الراحل الكريم. ويزداد كاتب هذا البحث عجباً، وقد شرفه الله بنشر جزء من تراث الراحل

стр. 30

الكريم، وأشرف على طباعتها، وصحح بعضها، يعجب كيف كان يكتب مؤلفاته على ورق كبير يُصطلح عليه عند أهل الطباعة/ A٣/ يملأ الصفحة من أولها حتى آخرها، وتكاد السطور يلتصق بعضها ببعض، ولولا أن خطه جميل وحروفه واضحة والحبر الذي يستعمله ظاهرٌ، لما أمكن قراءة ما كتب -رحمه الله تعالى-. حقاً لقد كان القائد الخطاب رجلاً صبوراً دؤوباً، يواصل الليل بالنهار، صاحب رسالة ودعوة، من ذوي الهمم والعزائم. أقدر أن العلامة الخطاب لم يتفرغ كلياً للتأليف والكتابة إلا بعد أن قارب الخمسين من العمر، وبعد أن سُرِّح من الجيش إثر اعتقاله في عهد عبد الكريم قاسم، يقول -رحمه الله تعالى-: (في سنة ١٩٦٨ م تموز عينتُ وزيراً للمواصلات، وكنت يومها في مصر رئيساً للجنة توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية التي أعدت المعجمات العسكرية الأربعة الموحدة، فاعتذرت عن قبول هذا المنصب، وآثرت العمل في المجالات العلمية على العمل في المناصب الحكومية، وبقيت في القاهرة حتى أخرجتُ للناس المعجمات العسكرية الموحدة الأربعة، والتي أعيد طبعها مرات كثيرة، وكنت أنا الذي اقترحت توحيد هذه المصطلحات. ثم يسَّر الله عليَّ إذ وضعتها في حيِّز التنفيذ. وعدت من مصر إلى العراق سنة ١٩٧٣ م فعُرِضت عليَّ عدة مناصب حكومية رفيعة، ولكني اعتذرت عن قبولها، وتفرغت كلياً لبحوثي ودراساتي، وللتأليف والتدريس في المدارس والمعاهد والجامعات العسكرية في أرجاء البلاد العربية كلها، ما وجدت إلى ذلك سبيلاً ... ) (١).

стр. 31

(١٣) غذَّى ﵀ ببحوثه ومقالاته مختلف الصحف والمجلات العلمية العربية والإسلامية وعلى نطاق البلاد العربية والإسلامية ومنذ سنة ١٩٥٤ م، يصعب حصرها، ولكن أشير إلى أهمها: مجلة المجمع العلمي العربي - مجلة مجمع اللغة العربية المصري - مجلة مجمع اللغة العربية السوري - مجلة العربي الكويتية - مجلة الأزهر المصرية - مجلة الفيصل السعودية - مجلة الحرس الوطني السعودية - مجلة الأمة القطرية - مجلة دعوة الحق المغربية - مجموعة بحوث مجمع اللغة العربية المصري - مجموعة بحوث مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف - مجلة المورد العراقية - مجلة رسالة الخليج العربي - مجلة التربية الإسلامية العراقية - مجلة الرسالة المصرية - مجلة حضارة الإسلام السورية - مجلة المسلمون - مجلة كلية الملك خالد العسكرية - مجلة الجندي المسلم السعودية - مجلة التمدن الإسلامي السورية - مجلة المجمع الفقهي (مكة المكرمة) - مجلة الوثيقة البحرانية - مجلة المؤرخ العربي - مجلة الحضارة الإسلامية التي يصدرها مجمع البحوث الإسلامية الأردني - مجلة الوعي الإسلامي الكويتية ... في كل هذه المجلات العلمية وعلى مختلف أرجاء الوطن العربي أسهم الراحل الكريم في نشر بحوثه ومقالاته، وفي مختلف الموضوعات العسكرية والتاريخية والتربوية والأدبية والروحية والاجتماعية والسياسية ... نثراً أو قصة أو شعراً، هذا غير إسهاماته في عشرات الصحف اليومية في العراق وغيرها. (١٤) وكان للراحل برامج إذاعية وتلفازية في معظم الإذاعات العربية (١)، قدَّم من خلالها أفكاره ومبادئه ومعارفه في السيرة النبوية والتاريخ العربي

стр. 32

العسكري وقادة الفتح الإسلامي والعدو الصهيوني والأسلحة المتطورة واللغة العسكرية والدفاع عن العربية والإسلام ديناً. ثم يقول ﵀ في نهاية ترجمته لنفسه والتي كتبها وبخطه: (وصاحب الترجمة متفرغ تفرغاً كاملاً لدراساته وبحوثه وتأليفه، ولولا تفرغه الكامل لما استطاع أن يصنع شيئاً يذكر، فقد بدَّد عمله الوظيفي وقته سُدى، وما أكثر الذين يحبون الوظائف الحكومية، وبخاصة الرفيعة منها، التي غالباً ما تُثري الجيب وتفرح القلب، وما أقل الذين يحبون التفرغ للعلم وحده، وأجره على الله). ويقول كذلك عن نفسه بصيغة الغائب -تواضعاً- إنه يحب التفرغ الكامل المطلق للعلم وحده، بقدر كرهه للمناصب الحكومية، مهما تكن منزلتها، فلولا فضل الله تعالى وتوفيقه له، الذي أتاح له التفرغ الكامل المطلق، لما استطاع أن ينجز (٣٥٤) كتاباً وبحثاً. وصدق الإمام الشافعي ﵁ في قولته: (لو كلفت بشراء بَصَلة لما استطعتُ حل مسألة) فالحمد لله على توفيقه، والشكر له على تسديده، فما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (١). (١٥) تنوعت الموضوعات التي كتب فيها العلامة الخطاب كتبه وبحوثه، وقد صنف هذه الموضوعات في خمسة محاور هي: أ - محور السيرة النبوية والتاريخ العربي الإسلامي من الناحية العسكرية: للراحل الكريم اللواء الخطاب في هذا المجال الكتب التالية: الرسول

стр. 33

القائد ﷺ قادة النبي ﷺ بين العقيدة والقيادة - الشورى العسكرية في عهد الرسالة - جيش الرسول ﷺ سفراء النبي ﷺ السفارات النبوية - الشورى في المواثيق والمعاهدات النبوية - الأنصار والأمم قبل الفتح الإسلامي وفي أيامه - قادة فتح العراق والجزيرة - قادة فتح بلاد فارس - قادة فتح بلاد الشام ومصر - قادة فتح بلاد المغرب العربي - قادة فتح السند وأفغانستان - قادة فتح أرمينيا - قادة فتح بلاد الروم - قادة فتح بلاد ما وراء النهر - قادة فتح الأندلس - الصديق القائد - خالد بن الوليد - عقبة بن نافع الفهري - دروس في الكتمان من الرسول القائد ﵊ غزوة بدر الكبرى - غزوة بدر الكبرى وعبرتها لحاضر المسلمين ومستقبلهم - ومضات من نور المصطفى (مختصر السيرة) - ... وكتب العلامة المؤرخ الخطاب بحوثاً كثيرة في هذا المجال، منشورة في أرقى المجلات العربية المعتمدة (١). ويعلل اللواء الخطاب اهتمامه بالكتابة في هذا المحور بقوله: كنت في بداية حياتى العسكرية، أَقرأ عن قادة الأجانب الذين غزوا البلاد العربية، ومعارك الأجانب التي استعمروا بها البلاد العربية، ولم تكن المدارس والمعاهد والكليات العسكرية العربية تدرس تلاميذها وطلابها العرب عن قادة الفتح الإسلامي، ولا عن معارك الفتوح الإسلامية ولا عن غزوات النبي ﷺ . وبعد مثابرة مني بَدَأَتْ قبل أربعين سنة، واستمرت بدون كلل ولا ملل -حتى اليوم- تبدّل الحال غير الحال -والحمد لله- فأصبحت المدارس والمعاهد والجامعات العسكرية تعج بنشاطها المثمر في دراسة قادة الفتح الإسلامي ومعارك الفتوح وغزوات الرسول القائد ﵊ (٢).

стр. 34

ب - محور اللغة العسكرية: للعلامة اللواء الركن محمود شيت خطاب الكتب التالية: المصطلحات العسكرية في القرآن الكريم (١) - المصطلحات العسكرية في كتاب المخصص لابن سيدة - المعجمات العسكرية الموحدة الأربعة للجيوش العربية (وكانت هذه المعجمات محل فخر واعتزاز اللواء الخطاب بصورة خاصة؛ ذلك لأن توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية كانت حلمه، ووُضِعت باقتراحه، ونُفِذت بجهده، واعتُمدت برأيه، يقول متحدثاً بنعمة الله عليه: فشاعت لغة القرآن الكريم في الجيوش العربية، بدلاً من لغات المستعمر الصليبي، ويكفي أن أذكر أن أحد الجيوش العربية كانت كل مصطلحاته العسكرية فرنسية، فأصبح اليوم ولله الحمد كل مصطلحاته العسكرية عربية، وأن أذكر أن نصف مصطلحات جيش مصر العسكرية -بلد الأزهر الشريف- كانت تركية وبريطانية، فأصبحت كل مصطلحات جيش مصر عربية خالصة) (٢). ويشمل هذا المحور مؤلفاته التالية: أهمية توحيد المصطلحات العسكرية - المعجم العسكري الموحد (عربي- إنجليزي بالاشتراك) - المعجم العسكري الموحد (فرنسي- عربي بالاشتراك) - المعجم العسكري الموحد (عربي- فرنسي بالاشتراك) تعريب المصطلحات العسكرية وتوحيدها - دراسات في الوحدة العسكرية العربية - الوحدة العسكرية العربية - الأدلة الرسمية في التعابي (تحقيق) (٣).

стр. 35

ويمكن أن نشير في هذا المجال اللغوي أنه قد سبق للعلامة الخطاب ﵀ أن اقترح على مجمع البحوث بالأزهر الشريف أن يؤلِّف معجماً للقرآن الكريم، يشرح الألفاظ اللغوية، والأسماء التاريخية والجغرافية والعلمية، بحسب المعجمات العربية المعروفة، كما هو الحال في معجمات الكتب المقدسة الأخرى، والتي صدرت بمختلف اللغات، ومنها العربية، لغرض الاستفادة منها؛ أي من معجم القرآن الكريم، لاستخراج معاني الكلمات بسهولة وسرعة، مما يكون المسلم بحاجة إليه من معاني القرآن الكريم لغة وتاريخاً وجغرافية وعلوماً ... وافق مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف على هذا الاقتراح، وقرّر تشكيل لجنة للنهوض بهذا المشروع، ولكن ظروف العراق في الحرب (١) عرقلت تحقيق المشروع، وكان ﵀ حتى آخر لحظة في حياته يؤمل أن ينجز هذا المشروع وأن يرى النور، فيقول: والأمل وطيد في تحقيقه في المستقبل القريب - بإذن الله بعد أن وضعت الحرب (٢) أوزارها، وزالت الظروف التي حالت دون تحقيقه (٣). ج - المحور الثالث: محور العدو الصهيوني: هدف اللواء الخطاب في هذا الميدان -كما يقول- (٤): أن يعرف العرب والمسلمون عدوهم على حقيقته، لا كما يحلو للعدو الصهيوني أن يعرف العرب والمسلمون عنه وتأتي أهمية التأليف والكتابة في هذا الميدان وفي ذلك الوقت أن المعلومات الميسرة عن العدو الصهيوني كانت قليلة ومضللة

стр. 36

أيضاً بالنسبة للعرب بخاصة والمسلمين بعامة، فكان هذا الجهل المطبق بالعدو الصهيوني من أهم أسباب نكسة ١٩٦٧ م التي أصيب بها العرب والمسلمون في الحرب العربية الصهيونية، هي قلة المعلومات الميسَّرة عن العدو الصهيوني لدى العرب، وغزارة المعلومات الميسّرة عن العرب لدى عدوهم الصهيوني، فقاتل العرب في تلك الحرب عدواً لا يكادون يعرفون عنه شيئاً، فكانوا كمن يقاتل عدوه في ظلام دامس، في منطقة مجهولة، وهو معصوب العينين!! .. وكان من الصعب للغاية أن يحاضر المحاضر، أو يؤلف المؤلف بعد تلك الحرب في العسكرية الصهيونية، لأن المصادر العربية يومئذ كانت نادرة أو لا وجود لها، ولأن المصادر الأجنبية ممنوعة في البلاد العربية فلا تصل إلى المحاضر أو المؤلف العربي، ولأن كشف الحقائق عن العدو الصهيوني بالنسبة للمحاضر العربي والمؤلف العربي قد يؤدي على اتهامه بالانحياز إلى العدو، وإذا لم يكشف المحاضر أو المؤلف الحقائق كان مقصراً في حق عقيدته وأمته وأمانته ... فلا عجب أن يعتذر كل من فوتح بأن يحاضر أو يؤلف عن العدو الصهيوني في حينه، أي بعد حرب/ ١٩٦٧ م/ (١) لكن الرائد القائد اللواء الركن محمود شيت خطاب اقتحم هذا الميدان بجرأة وكفاءة عالية واقتدار، وقرر أن يحاضر ويؤلف في العسكرية الإسرائيلية، وبدأ بإلقاء محاضراته على طلاب معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة، وكان عدد الطلاب يومئذ لا يزيدون عن مائة طالب، ولكن الذين كانوا يحضرون هذه المحاضرات أكثر من ثلاثمائة عدداً، بينهم عدد لا يستهان به من ضباط

стр. 37

المخابرات المصرية، ثم امتدت المحاضرات إلى الكليات والجامعات المصرية وغيرها من الأقطار العربية، فكان أول من بدأ بإلقاء محاضرات عامة عن عسكرية العدو الصهيوني، وأول من ألف في هذا الموضوع (١) ... صدر للواء الخطاب في هذا المحور الكتب التالية: أهداف إسرائيل التوسعية في البلاد العربية - الأيام الحاسمة قبل معركة المصير وبعدها - حقيقة إسرائيل - الوجيز في العسكرية الإسرائيلية - العسكرية الإسرائيلية - العدو الصهيوني والأسلحة المتطورة (٢). ولعله من المناسب أن نضيف هنا وفي هذا المحور كتباً ألّفها الخطاب يستنهض فيها همم المسلمين وعزائمهم، لمواجهة العدو الصهيوني المتغطرس، وللجهاد لإعزاز دين الله، ونصرة شريعته، وتحرير الأرض الإسلامية المقدسة، فلسطين والأقصى الشريف ... من هذه الكتب التي ألفها الخطاب في هذا الميدان: إرادة الجهاد في الجهاد الإسلامي - طريق النصر في معركة الثأر - الوحدة العسكرية العربية - بين العقيدة والقيادة (٣) ... د - المحور الرابع: محور الدعوة الإسلامية والدفاع عن الإسلام ديناً والعربية لغةً: في هذا المحور ألف الداعية اللواء الركن الخطاب الكتب التالية: دروس في الكتمان من الرسول القائد ﵊ الرسالة العسكرية للمسجد - طريق النصر في معركة الثأر - ومضات من نور المصطفى - أقباس روحانية - نفحات روحانية - الإسلام والنصر - عدالة السماء (قصص هادفة)

стр. 38

- تدابير القدر (قصص هادفة) - سفراء النبي ﷺ الرقيب العتيد (قصص هادفة) - اليوم الموعود (قصص هادفة) - السفارات النبوية .... والداعية الخطاب -عليه رحمة الله ورضوانه- يعتبر خادماً في ميدان الدعوة إلى الله ولهذا الدين العظيم، في كل ما كتب وألّف، يقول: والواقع أن المحاور الأربعة هي في واقعها تنصب في محور الدعوة؛ فمحور التاريخ العسكري العربي الإسلامي هو لاستعادة معنويات العرب والمسلمين إليهم، واستعادة ثقتهم بدينهم الذي يقودهم إلى النصر، كما قاد أجدادهم إلى النصر، ومحور كشف العدو الصهيوني للعرب والمسلمين، هو دعوة إلى الله أيضاً، ليستعيد العرب والمسلمون أسباب النصر على عدوهم، لأن العزة لله ولرسوله والمؤمنين، ومحور اللغة العسكرية هو الاعتزاز بلغة القرآن الكريم، والإثبات عملياً أنها صالحة لغة للعلم في مختلف الظروف والأحوال، والأمكنة والأزمنة (١). وكان اللواء الخطاب يعتزُّ باللغة العربية، ويفتخر بها، ويحرص في دروسه ومحاضراته على الحديث باللغة العربية الفصحى، ولا عجب في ذلك فقد تمرَّس بالنطق بالعربية مذ كان طالباً في المرحلة الإعدادية، حين كان يقرأ في مجلس الحي -وبحضرة والده وكبار علماء الموصل وفقهائها- كتب التاريخ على مسامعهم، ومن ثم فقد كان مضطراً للعناية بقواعد اللغة العربية وضبط الألفاظ، لكي لا يقع عرضة للانتقادات أو اللوم من والده، بل قرأ عليهم كتاب المستدرك لسيبويه، ونتيجة لذلك فقد كان فذاً في علم النحو الصرف (٢). يقول ﵀ محدثاً بنعمة الله عليه ومظهراً اعتزازه بلغة القرآن

стр. 39

الكريم، اللغة العربية: أحرص حرصاً لا مزيد عليه على تدريس العلوم كافة في الجامعات العربية باللغة العربية الفصحى، ولا أرضى أبداً باستعمال اللغة العامية المحلية في معاهد العلم، لأنني أُرى في ذلك تفريقاً للأمة العربية التي تجمعها الفصحى، وتفرقها العامية، ولا أقبل باستبدال الأرقام العربية بالأرقام الفرنجية المستعملة في قسم من أقطار المغرب العربي لأنني أرى أن الأرقام المستعملة في المشرق العربي هي الأصل، والأرقام المستعملة في المغرب العربي عربية بالاسم لا بالواقع. ثم ذكر أنه يعمل في المجمع العلمي العراقي في اللجان التالية: لجنة الحضارة - لجنة الهندسة - لجنة الزراعة - اللجنة العامة لإقرار مصطلحات لجان المجامع، مجتهداً في مجال وضع المصطلحات العربية لمصطلحات تلك العلوم بالتعاون مع أعضاء تلك اللجان من أعضاء المجمع العلمي العراقي، ومن الخبراء المتخصصين. هذا بالإضافة إلى ترؤسه للجنة توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية، ويسعى الخطاب في هذا الميدان سعياً حثيثاً دائباً على وضع المصطلحات العسكرية باللغة العربية، عوضاً عن المصطلحات العسكرية المستخدمة في اللغات الأجنبية (١). ولولا خشيتي أن تطول هذه المقدمة فيملُّ القارئ الكريم لتحدثت عن الجانب الشعري في حياة الخطاب كشاهد على تفوقه في اللغة العربية، وحبه لها، واعتزازه بها، وأنه ﵀ طرق كل فنونها نثراً وقصة وشعراً، ولكني أترك ذلك للأدباء والنقاد وأرباب الاختصاص، أو عسى أن يبارك الله لي في الوقت والجهد فأصدر كتاباً موسعاً في ترجمة القائد اللواء الركن محمود

стр. 40

شيت خطاب، ويكون شعره فصلاً من فصول هذا الكتاب، أسأل الله أن يوفقني إلى ذلك، وأن يعينني عليه، وأن يفيدني مما سكبه في قلبي من حب لهذا الرجل، وتقدير له. هـ - المحور الخامس: في الميدان العسكري التخصصى والفني: أشار اللواء الخطاب لهذا المحور في مقدمة حديثه عن المحاور التي كتب فيها مؤلفاته وبحوثه، وقد فصَّل في الكلام في المحاور الأربعة (١)، لكنه ترك التفصيل في المحور الخامس. وبالرجوع إلى قائمة كتب الخطاب ﵀ استنتجت هذا المحور، وهذا العنوان. وقد كتب في هذا الميدان الكتب التالية: الأدلة الرسمية في التعابي الحربية (تحقيق) - المشير فون ردشتر .. التدريب الفردي ليلاً (يجري التدريب بموجبه في كثير من جيوش الدول العوبية، وقد صدرت منه عدة طبعات) - القضايا الإدارية في الميدان (وهو كتاب تدريبي فني) (٢). ولا شك أن كل ما كتبه مما سبق الحديث عنه كان في ميدان تخصصه. وما أظن إلا أن القارئ الكريم يشاركني الرأي بعد الاطلاع على هذا التراث العلمي الضخم والمتعدد الجوانب، والذي تفرَّد اللواء الخطاب في الإبداع في كثير من هذه الجوانب، وكان له فيه فضل السبق والريادة ... بالتأكيد سيشاركني القارئ الكريم الرأي أن اللواء الركن محمود شيت خطاب، كان واحداً من عظماء الأمة في القرن العشرين، وواحداً من قادتها المخلصين، وروادها الأعلام، ودعاتها المخلصين الأبرار الذين قرنوا العلم بالعمل، والقول بالفعل، وأنه سدَّ ثغرة ضخمة في المكتبة العسكرية والتاريخية
следующие страницы →