بعض الأمراء من بني نصر ملوك غرناطة من أمهات من النصارى مثل محمد بن إسماعيل النصري. ولم يكن الزواج المختلط نادراً في المجتمع الأندلسي الرفيع، ولاسيما منذ أيام الطوائف، وكان كثير من الأكابر والأشراف يتزوجون بفتيات من النصارى سواء كن من السبايا أم من الأحرار، ولم يكن العكس نادراً أيضاً، فمنذ توالي سقوط القواعد والثغور في يد النصارى، كثر الزواج بين المدجّنين وبين النصارى. وفقد المدجنون بمضي الزمن دينهم ولغتهم، واندمجوا في المجتمع النصراني. ونرى بين زعماء الطوائف أمراء يرجعون إلى أصل نصراني، مثل محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش ملك بلنسية ومرسية، وقد كان يتكلم القشتالية، ويلبس الثياب القشتالية، ويتقلد السلاح القشتالي، وكان معظم ضباطه من النصارى، وكان الإسبان يعرفونه بالملك: "دون لوبي".
ولم يكن ثمة ريب في خطورة الآثار الإجتماعية التي يحدثها مثل هذا الامتزاج الوثيق، وقد كانت فيما بعد من أهم العوامل التي أدت إلى انحلال المجتمع الإسلامي، وانحلال عصبية الدولة الإسلامية. كذلك لم يكن ثمة ريب في أن هذه الآثار الهدامة، كانت أشد خطراً وأعمق وقعاً وقت الانحلال العام.
وكان أبو الحسن قد شاخ يومئذ وأثقلته السنون، وغدا أداة سهلة في يد زوجه الفتية الحسناء، وكانت ثريا فضلاً عن حسنها الرائع فتاة كثيرة الدهاء والأطماع، وكان وجود هذه الأميرة الأجنبية في قصر غرناطة، واستئثارها بالنفوذ والسلطان في هذه الظروف العصيبة التي تجوزها المملكة الإسلامية، عاملاً جديداً في إذكاء عوامل الخصومة والتنافس الخطرة. وكانت ثريا في الواقع تتطلع إلى أبعد من السيطرة على الملك الشيخ، ذلك أنها أنجبت من الأمير أبي الحسن كخصيمتها عائشة ولدين هما: سعد ونصر، وكانت ترجو أن يكون الملك لأحدهما، وقد بذلت كل ما استطاعت من صنوف الدسّ والإغراء لإبعاد خصيمتها الأميرة عائشة عن كل نفوذ وحظوة، وحرمان
стр. 667
ولديها محمد ويوسف كل حق في الملك، وكان أكبرهما أبو عبد الله محمد ولي العهد المرشح للعرش، وكان أشراف غرناطة يؤثرون ترشيح سليل بيت الملك، على عقب الجارية النصرانية. ولكن ثريا لم تيأس ولم تفتر همتها، فمازالت بأبي الحسن، حتى نزل عند تحريضها ورغبتها، وأقصى عائشة ووليدها عن كل عطف ورعاية، ثم ضاعفت ثريا سعيها ودسّها، حتى أمر السلطان باعتقال عائشة وولديها، فزجّوا في برج قمارش أمنع أبراج الحمراء، وشدّد في الحجر عليهم، وعوملوا بمنتهى الشدّة والقسوة.
وأثار هذا التصرف غضب كثير من الكبراء الذين يؤثرون الأميرة الشرقية وولديها بعطفهم وتأييدهم، وكان ذلك نذير الاضطراب والخلاف في المجتمع الغرناطي. وانقسم الزعماء والقادة إلى فريقين خصمين: فريق يؤيد الأميرة الشرعية وولديها، وفريق يؤيد السلطان وحظيّته، واستأثر الفريق الأخير بالنفوذ مدى حين، واضطرمت الأهواء والشهوات والأحقاد، واشتد السخط على أبي الحسن وحظيته التي أضحت سيدة غرناطة الحقيقة، واستأثرت بكل سلطة ونفوذ. وذهبت ثريا في طغيانها إلى أبعد حد، فحرّضت الملك على إزهاق ولده أبي عبد الله عثرة آمالها.
وكانت عائشة وافرة العزم والشجاعة، فلم تستسلم إلى قدرها، بل عمدت إلى الاتصال بعصبتها وأنصارها، وفي مقدمتهم بنو سراج أقوى أُسر غرناطة، وأخذت تدبّر معهم وسائل الفرار والمقاومة. ولم يغفر السلطان أبو الحسن لبني سراج هذا الموقف قط، ويقال إنه عمد فيما بعد إلى تدبير إهلاكهم في إحدى أبهاء الحمراء. ولما وقفت الأميرة عائشة من أصدقائها على نيّة أبي الحسن، قررت أن تبادر بالعمل، وأن تغادر قصر الحمراء مع ولديها بأية وسيلة. وفي ليلة من ليالي جمادى الثانية سنة (٨٨٧ هـ - ١٤٨٢ م)، استطاعت الأميرة أن تفر مع ولديها محمد ويوسف بمعونة بعض الأصدقاء المخلصين، والرواية الإسلامية تشير إلى فرار الأميرين فقط دون
стр. 668
أمهما (١)، ولكن الرواية القشتالية تحدثنا عن فرارها مع ولديها. وتقدم إلينا عن هذا الفرار صوراً شائقة فتقول: إن بعض الخدم المخلصين، كان ينتظر مع الجياد على مقربة من الحمراء على ضفة النهر مما يلي برج قمارش، وإن الأميرة استعانت بأغطية الفراش على الهبوط من نوافذ البرج الشاهق في جوف الليل (٢).
وهكذا استطاعت هذه الأميرة الباسلة أن تفر من معتقلها، واختفى الفارون حيناً حتى قويت دعوتهم وانضم إليهم كثير من أهل غرناطة. وظهر ولدها الأمير الفتى محمد أبو عبد الله في وادي آش حيث مجمع عصبته وأنصاره، وكان السلطان أبو الحسن وقت فرار الأميرة وولديها، بعيداً عن غرناطة، يدافع النصارى عن أسوار لوشة، وكانت الحوادث تسير بسرعة مؤذنة باضطرام عاصفة جديدة.
وكان ملك قشتالة يرقب الحوادث في مملكة غرناطة بمنتهى الاهتمام، فلما اضطرمت نار الحرب بين المسلمين، ولاحت الفرصة للغزو سانحة، قرّر بدء الحرب على غرناطة. وكان يضطرم سخطاً لاستيلاء المسلمين على قلعة الصخرة بالرغم من الهدنة، وعجزه عن استرداد هذه القاعدة الهامة، فسيّر حملة قوية إلى الأندلس، سارت منحرفة من جهة الغرب، ورأى القواد القشتاليون أن يبدأوا بمهاجمة الحامة (الحمة) التي تقع في قلب الأندلس، جنوب غربي غرناطة، وذلك لما بلغهم من ضعف وسائل الدفاع عنها، ولأن الاستيلاء عليها، يمكنهم من تهديد غرناطة ومالقة معاً. وكانت الحامة مدينة غنيّة، ولها شهرة قديمة بحماماتها الشهيرة التي كانت مجتمع ملوك غرناطة وأمرائها. ونجحت الخطة واستطاع النصارى مباغتة الحامة والاستيلاء على قلعتها تحت جنح الظلام، ثم استولى على المدينة بالرغم من مقاومتها الباسلة، وأمعنوا في المسلمين قتلاً وأسراً وسبياً (المحرم سنة ٨٨٧ هـ -
стр. 669
شباط - فبراير -١٤٨٢ م). وهرع السلطان أبو الحسن في قواته لإنقاذ الحامة واستردادها، وحاصرها بشدة، ولكنه لم يستطع اقتحامها، ولم يلبث أن اضطر إلى مغادرتها حينما علم أن ملك قشتالة يتقدم لإنجادها في جيش قوي ضخم (١)، ولم تمض أشهر قلائل، حتى زحف ملك قشتالة على لوشة (٢) الواقعة على نهر شنيل في شمال غربي الحامة وعلى مقربة منها وحاصرها. ودافعت عنها حاميتها أروع دفاع بقيادة قائدها الأمير الشيخ علي العطار، وكان رغم شيخوخته من أشجع وأبرع فرسان غرناطة في ذلك العصر (٣). وسار أبو الحسن بقواته مسرعاً لإنجاد لوشة، انتهى الأمر بأن رُدّ النصارى بخسارة فادحة في الرجال والعدد (جمادى الأولى ٨٨٧ هـ - تموز - يوليه ١٤٨٢ م)، وكان مما استولى عليه المسلمون من النصارى بعض "الأنفاط" التي تستخدم لحصار المدن (٤).
وما كاد أبو الحسن يعود إلى عاصمة ملكه، حتى تجهّم الجو من حوله. وكانت سياسته الداخلية قد أثارت حوله كثيراً من السخط، بالرغم مما أحرزه من نجاح، وسرعان ما نشبت الثورة في غرناطة، وغلبت دعوة الأمير الفتى أبي عبد الله، ولم يستطع أبو الحسن وصحبه مواجهة العاصفة، ففرّ الملك الشيخ إلى مالقة، وكان فيها أخوه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد المعروف (بالزّغل) أي الشجاع الباسل، يدفع عنها جيشاً جرّاراً سيّره ملك قشتالة للاستيلاء عليها (٥).
стр. 670
٢ - أبو عبد الله محمد بن على أبي الحسن وأحداث أيامه
وجلس أبو عبد الله محمد (١) مكان أبيه على عرش غرناطة (أواخر سنة ٨٨٧ هـ)، وأطاعته غرناطة ووادي آش وأعمالها، وبقيت مالقة وغرب الأندلس على طاعة أبيه، وكان أبو عبد الله يومئذ فتى في نحو الخامسة والعشرين (٢). وكان فرديناند الخامس - عقب هزيمته أمام لوشة - قد سيّر جنده إلى مالقة لافتتاحها، وكانت أعظم الثغور الباقية بيد المسلمين. وكان النصارى يتوقون للاستيلاء عليها لإتمام تطويق الأندلس من الجنوب، ولكن المسلمين كانوا على أتمّ أهبة للدفاع عن هذا الثغر المنيع. واشتبك المسلمون والنصارى في عدة معارك دموية في الهضاب الواقعة فيما بين مالقة وبلش ( Velez) فهزم النصارى في كل مكان ورُدّوا بخسائر فادحة. وخرج الأمير محمد بن سعد (الزغل) في قواته من مالقة، ولقي النصارى على مقربة منها، ونشبت بين الطرفين معركة شديدة هُزِم فيها النصارى هزيمة ساحقة، وقُتِل وأُسِر منهم عدة آلاف بينهم كثير من الزعماء والأكابر (صفر ٨٨٨ هـ - آذار - مارس ١٤٨٣ م) (٣). وتعرف هذه المعركة (بالشرقية) لوقوعها في المنطقة المسماة بذلك في شرق مالقة، وكان منظم هذا الدفاع الباهر كله أبو عبد الله "الزغل". وكان لانتصار المسلمين أعظم وقع في جنبات الأندلس، فانتعشت الآمال، وسرت الحماسة في كل مكان، وهبّت على غرناطة روح جديدة من
стр. 671
الاستبشار والنصر.
واعتزم ملك غرناطة الفتى أبو عبد الله محمد، أن يحذو حذو عمِّه الباسل في الجهاد والغزو، وأن ينتهز فرصة اضطراب النصارى عقب هزيمتهم، فخرج في قواته في شهر ربيع الأول سنة (٨٨٨ هـ - نيسان - أبريل ١٤٨٣ م) متجهاً نحو قرطبة، واجتاح في طريقه عدداً من الحصون والضياع، وهزم النصارى في عدة معارك محلية، ثم ارتد مثقلاً بالغنائم. وفي طريق العودة، أدركه النصارى في ظاهر قلعة اللّسانة ( Luccena) (١) وكان يزمع حصارها. ونشبت بين الطرفين معركة هائلة ارتدّ فيها المسلمون إلى ضفاف نهر شنيل، وقتل وأسر كثير من قادتهم وفرسانهم، وكان من بين الأسري السلطان أبو عبد الله نفسه (٢)، عرفه الجند النصارى بين الأسرى أو عرّفهم بنفسه خشية الاعتداء عليه، فأخذوه إلى قائدهم الكونت دى كابرا (قبره) فاستقبله بحفاوة وأدب، وأنزله بإحدى الحصون الغربية تحت حراسة مشددة، وأخطر في الحال ملكي قشتالة بالنبأ السعيد، فأمر فرديناند أن يؤتى بالأسير الملكي إلى قرطبة، وأن يستقبل استقبال الأمراء، فأُخذ أبو عبد الله وأصحابه إلى قرطبة في حرس قوي، واحتشد أهل قرطبة لرؤية موكب الملك المسلم، وكان أبو عبد الله يرتدي ثوباً من القطيفة السوداء، ويمتطي حصاناً أسود عليه سرج ثمين، وكان وجهه يشعّ كآبة. وأُخذ الملك الأسير أولاً إلى دار الأسقف المواجه للمسجد الجامع، ثم أُخذ بعد ذلك إلى إحدى القلاع الحصينة، وعومل هناك بإكرام وحفاوة، وأقام في أسره مكتئباً ينتظر يوم الخلاص.
وعاد المسلمون إلى غرناطة دون ملكهم، وقد مزّقتهم الهزيمة وفتَّت في عزائمهم، فارتاعت العاصمة لهذه النكبة واضطرب الشعب، وساء الوجوم قصر الحمراء، وسرى الحزن إلى حرم الأمير وقرابته، ولم يحتفظ فيها
стр. 672
بهدوئه وسكينته سوى أمّه الأميرة عائشة. واجتمع الأمراء والكبراء والقادة، وقرروا استدعاء أبي الحسن السلطان المخلوع ليجلس على العرش مكان ولده الأسير، ولكن أبا الحسن كان قد هدَّه الإعياء والمرض، وفقد بصره، ولم يستطع أن يضطلع بأعباء الحكم طويلاً، فنزل عن العرش لأخيه محمد أبي عبد الله (الزغل) حاكم مالقة، وارتدّ إلى المنكب فأقام بها حيناً حتى توفى (٨٩٠ هـ - ١٤٨٥ م)، وجلس الزغل على العرش يدير شئون المملكة، وينظم الدفاع عن أطرافها.
أما السلطان أبو عبد الله محمد، فلبث يرسف في أسره عند النصارى. وأدرك ملكا قشتالة في الحال ما للأمير الأسير من الأهمية، وأخذا يدبّران أفضل الوسائل للاستعانة به في تحقيق مآربهما في مملكة غرناطة، وبعد إمعان البحث والتدبير، رُؤِيَ أن يُفرج عن الملك الأسير لقاء أفضل الشروط التي يمكن الحصول عليها، لأن هذا الإفراج من شأنه أن يزيد في اضطرام الحرب الأهلية بين المسلمين، وأن يعاون بذلك في إضعاف قواهم والتمهيد لسحقهم. وبذل أبو الحسن حين عوده إلى العرش جهده لافتداء ولده، لا بباعث الحب له والشفقة عليه، ولكن لكي يحصل في يده، ويأمن شرّه ومنافسته، وعرض على فرديناند نظير تسليمه أن يدفع فدية كبيرة، وأن يطلق عدداً من أكابر النصارى المأسورين عنده، فأبى فرديناند وآثر أن يحتفظ بالأسير إلى حين. وبذلت الأميرة عائشة من جهة أخرى مجهوداً آخر لإنقاذ ولدها بمؤازرة الحزب الذي يناصره، وأرسلت إلى ملك قشتالة سفارة على رأسها الوزير ابن كماشة، ليفاوض في الإفراج عن الأسير مقابل الشروط التي يرضاها. وانتهت المفاوضات بين الفريقين بعقد معاهدة سريّة تتلخص نصوصها فيما يلي: أن يعترف أبو عبد الله بطاعة الملك فرديناند وزوجه الملكة ايزابيلا، وأن يدفع لهما جزية سنوية قدرها اثنا عشر ألف دوبلاً من الذهب، وأن يفرج في الحال عن أربعمائة من أسرى النصارى الموجودين في غرناطة، يختارهم ملكهم، ثم يطلق بعد ذلك في كل عام سبعين أسيراً لمدة خمسة
стр. 673
أعوام، وأن يقدِّم ولده الأكبر رهينة مع عدد آخر من أبناء الأمراء والأكابر ضماناً بحسن وفائه، وتعهد الملكان الكاثوليكيان من جانبهما بالإفراج عن أبي عبد الله فوراً، وألاّ يكلّف في حكمه بأي أمرٍ يخالف الشريعة الإسلامية، وأن يعاوناه في افتتاح المدن الثائرة عليه من مملكة غرناطة، وهذه المدن متى تم فتحها تغدو واقعة تحت طاعة ملك قشتالة، وأن تستمر هذه الهدنة لمدة عامين، من تاريخ الإفراج عن السلطان الأسير (١).
وتختلف الروايات في تاريخ الإفراج عن أبي عبد الله محمد، فتقول بعض الرويات المعاصرة: إنه أفرج عنه لأشهر قلائل من أسره في أوائل (أيلول - سبتمبر ١٤٨٣ م)، ولكن هناك رواية أخرى تقول بأنه استمر في الأسر أكثر من عامين، وإنه لم يفرج عنه إلا في أواخر سنة (١٤٨٥ م) أو أوائل سنة (١٤٨٦ م) (٢). وهذه رواية يؤيدها صاحب أخبار العصر، إذ يقول: إن العدو أطلق سراحه في أواخر سنة (٨٩٠ هـ- ١٤٨٥ م) عقب انتصار المسلمين على النصارى في موقعة مكلين (٣)، هذا فضلاً عن أنه يذكر لنا أن أبا عبد الله قد أُسر في موقعة أخرى هي موقعة لوشة، كما سيأتي وأنه لم يفرج عنه إلاّ في أواخر سنة (٨٩١ هـ - ١٤٨٦ م) (٤).
وعلى أي حال، فقد أُفرج عن أبي عبد الله بعد أن أخذ عليه ملكا قشتالة سائر العهود والمواثيق التي تكفل لهما تحقيق سياسة قشتالة في القضاء على مملكة غرناطة، وبعد أن أتى بالرهائن المشترط تسليمهم. وسار أبو عبد الله وصحبه الذين قدموا لمرافقته، ومعه سرية من الجند القشتاليين، إلى بعض الحصون الشرقية النائية التي قامت ...................................
стр. 674
بدعوته (١). ولم يك شك في أن عقد مثل هذه المعاهدة كان خطوة كبيرة في سبيل القضاء على مملكة غرناطة، وقد وضع فرديناند برنامجه المحكم لكي يستغلّ أسر ملك غرناطة ويستعين به على تنفيذ برنامجه المدمّر. وكان أبو عبد الله أميراً ضعيف العزم والإدارة، قليل الحزم والخبرة، ولم يكن يتمتع بشيءٍ من الخلال الباهرة التي امتاز بها أسلافه وأجداده العظام من بني الأحمر. وكان الملك والحكم غايته، يبتغيها بأي الأثمان والوسائل. وقد ألفى ملك قشتالة القوي في ذلك الأمير الضعيف الطموح، أداة صالحة يوجهها كيفما شاء، فاتخذه وسيلة لبث دعوته بين أنصاره ومؤيديه في غرناطة وغيرها، وليقنع المسلمين بأن الصلح مع ملك قشتالة خير وأبقى. وسيَّر ملك قشتالة في نفس الوقت قواته في أنحاء مملكة غرناطة لكي تنتزع أثناء الاضطراب العام، كل ما يمكن انتزاعه من القواعد والحصون الإسلامية. وزحف القشتاليون على منطقة الغربية (غربي ولاية مالقة) في أوائل سنة (٨٩٠ هـ) واستولوا على حصن قرطبة وحصن ذكوين وعدة حصون أخرى تقع شمال غربي مالقة في منتصف الطريق بينها وبين رندة، وبذلك عزلت مدينة رندة، وأصبح الطريق ممهّداً للاستيلاء عليها. وعلى أثر ذلك زحف القشتاليون على رندة، وهي معقل الأندلس في قاصية الغرب وهاجموها، وضربوها بالأنفاط حتى هدمت أسوارها، وكانت حاميتها بقيادة حامد الثغري زعيم قبيلة غمارة. ولم يستطع أهل رندة أن يثبتوا طويلاً لعدم استعدادها للدفاع، ولبعدهم عن العاصمة، ويأسهم من تلقي الإمداد السريع، فطلبوا الأمان، وغادروا المدينة بأمتعتهم، واستولى القشتاليون على رندة في (جمادى الأولى سنة ٨٩٠ هـ - نيسان - أبريل ١٤٨٥ م)، ثم استولوا بعد ذلك على سائر الأماكن والحصون الواقعة في تلك المنطقة، وكان سقوط هذه المدينة الأندلسية التالدة ضربة شديدة للمسلمين، وبسقوطها انهارت كل
стр. 675
وسيلة للدفاع عن منطقة الغربية، وأصبح القشتاليون بذلك يهددون ثغر مالقة من الغرب (١). وحاول القشتاليون بعد ذلك مهاجمة حصن مكلين الواقع شمال غربي غرناطة، وكان به الأمير أبو عبد الله الزغل في قوة من الغرناطيين ليصلح أسواره ويتم تحصينه. ونشبت بين الفريقين معركة شديدة، وكان القشتاليون بقيادة الكونت دي قبرة الظافر في معركة اللّسانة، وكادت الدائرة تدور في البداية على المسلمين، ولكنهم بذلوا جهد المستميت بقيادة أميرهم الباسل، وانتهت المعركة بأن رُدّ النصارى بخسائر فادحة في الرجال والعُدد (شعبان سنة ٨٩٠ هـ - تموز - يوليه ١٤٨٥ م)، وعاد الأمير وجنده إلى غرناطة (٢).
ولكن كان من سوء الطالع، أنه لم يمض قليل على ذلك، حتى نشبت في غرناطة حرب أهلية جديدة. وكان الملكان الكاثوليكيان قد أطلقا سراح أبي عبد الله في تلك الآونة بالذات، بعد أن وقّع معاهدة الخضوع والطاعة كما ذكرنا، والواقع أن الحرب الأهلية كانت تضطرم في الأندلس خلال أسر أبي عبد الله، وكان الزغل بعد أن تربّع على عرش غرناطة، يحاول استخلاص الأندلس كلها لنفسه، وكان الأمير يوسف أبو الحجاج شقيق أبي عبد الله، قد استقر في ألمرية يحاول منازعة عمّه الزغل، فسار الزغل إلى ألمرية، وثار بها أنصاره، وغلبوا على خصومهم، وفتحوا له أبواب المدينة، وقُتل يوسف أثناء ذلك. ويقال: إن قتله كان بوحي من أبيه أبي الحسن أو عمّه الزغل. وما كاد الزغل يعود إلى غرناطة، حتى اضطرمت الفتنة من جديد. وكان أبو عبد الله حينما أُطلق سراحه قد سار إلى بعض الحصون الشرقية، فقامت بدعوته، وكان يشيد بمزايا الصلح المعقود مع ملكي قشتالة، وأنه يضمن للمسلمين الاستقرار والسلم، وأنه يطبق في سائر الأنحاء التي تدخل في طاعته، وكان قد سار إلى منطقة ....................................................
стр. 676
بلش (١) في شرقي بسطة، وأعلن نفسه ملكاً من جديد.
وكان من الواضح أن اضطرام الفتنة في غرناطة، في هذا الوقت بالذات، لم يكن بعيداً عن وحي أبي عبد الله وحزبه، وقام أهل ربض البيازين - وهو حي غرناطة الشعبي، الواقع في شمالها الشرقي تجاه مدينة الحمراء - بدعوة أبي عبد الله. وكان أهل البيازين دائماً، عنصراً من عناصر الاضطراب والشغب، وكان لهم دائماً ثورة وفتنة (٢). وشُغِل ملك غرناطة أبو عبد الله الزغل بإخماد هذه الفتنة الجديدة عن مقاتلة النصارى. وبذلك تحقق الغرض الذي يرمي إليه ملكا قشتالة، وكان ذلك في أوائل سنة (٨٩١ هـ - أوائل سنة ١٤٨٦ م). واشتدت الفتنة، ونصب الزغل على البيازين المجانيق والأنفاط، ودافع أهل البيازين عن أنفسهم دفاعاً شديداً، وكان أبو عبد الله خلال ذلك يبعث رسله إليهم، ويعدهم بمقدمه. وطالت هذه الفتنة أكثر من شهرين، ثم بدأت المفاوضة بين أبي عبد الله وبين عمِّه الزغل (ملك غرناطة) في عقد الصلح، وارتضى أبو عبد الله أن ينزل عن دعواه في العرش، وأن يدخل في طاعة عمه (٣). وفي رواية أخرى أنهما اتفقا على تقسيم المملكة إلى قسمين، فيختص الزغل بحكم غرناطة ومالقة وألمرية وبلش مالقة والمنكب، ويختص أبو عبد الله بحكم الأنحاء الشرقية (٤).
وعلى أي حال، فقد انتهز ملك قشتالة، فرصة هذه الفتنة، للزحف على مدينة لوشة. وهنا تتفق الروايات الإسلامية والقشتالية، على أن أبا عبد الله، حينما علم بتهديد النصارى لـ (لوشة)، سار إليها وتحصّن بها، مع نخبة من
стр. 677
أنجاد الفرسان. وهاجم النصارى مدينة لوشة، وشدّوا الحصار عليها، وسلّطوا على أسوارها الأنفاط والعُدد، وأبدى المسلمون بسالة فائقة في الدفاع عن مدينتهم. وتقول الروايات القشتالية: إن أبا عبد الله بذل في هذا الدفاع مجهوداً عظيماً. وإنه جرح أثناء ذلك (١)، ولكن لم نعثر على ما يؤيد ذلك في الروايات الإسلامية. يكتفي صاحب أخبار العصر بالقول: بأن أبا عبد الله كان في لوشة وقت حصارها (٢)، ويروي صاحب نفح الطيب على ذلك بأن أهل غرناطة أذاعوا بأن أبا عبد الله ما جاء للوشة إلاّ ليسلِّمها لملك قشتالة (٣).
وعلى أي حال، فإن بسالة المسلمين، في الدفاع عن لوشة، لم تغن شيئاً أمام القوة القاهرة، وفتك الأنفاط والعُدد الثقيلة، فاضطروا إلى التسليم، وذلك بالشروط التالية: أن يؤمَّن أهل لوشة الذين يرغبون في مغادرتها في أنفسهم، وفيما يستطيعون حمله من أموالهم، وأن يسمح لمن يشاء منهم أن يعيش في قشتالة أو أراغون أو بلنسية بذلك، وأن تسلم المدينة إلى ملك قشتالة مع سائر الأسرى النصارى. ودخل القشتاليون لوشة في (٢٦ جمادى الأولى سنة ٨٩١ هـ - مايس - مايو سنة ١٤٨٦ م)، وسار معظم أهلها إلى غرناطة، بأمتعتهم وخيلهم وسلاحهم.
وأما ما يتعلق بأبي عبد الله، فتقول الرواية القشتالية: إن موقفه في الدفاع عن لوشة، اعتبر منافياً لتعهداته للملكين الكاثوليكيين، ونكراناً لحسن الصنيعة، ومع ذلك فقد ارتضيا الصّفح عنه، وأن يسمح له بالاحتفاظ بلقب ملك غرناطة، وأن يمنح لقب: "صاحب وادي آش"، إذا استطاع أن يستولي عليها، وإذا أراد الالتجاء إلى قشتالة، فإنه يسمح له أن يعيش هناك آمناً على نفسه، وإن شاء العبور إلى المغرب أمدّه ملك قشتالة بوسائل الانتقال (٤).
стр. 678
على أننا نرى - على ضوء الرواية الإسلامية، وسير الحوادث أيضاً، وتحيّز ملكي قشتالة لأبي عبد الله دون مسوِّغ - أن موقف أبي عبد الله من حوادث لوشة كان موقفاً مريباً. والواقع أنه كان يبذل جلّ جهده للدعوة إلى قضيته، وإلى مقاومة عمّه ونزعه عن العرش. وكان يمزج الدعوة لنفسه بالدعوة لملك قشتالة، ويشيد بمزايا الصلح المعقود معه، ولم يكن خافياً أنه كان يستظلّ بمظاهرة النصارى وتأييدهم، وأنه غدا آلة في يد ملك قشتالة يعمل بوحيه وتوجيهه (١)، فهو عميل للأجنبي كما يبدو.
ولما غادر ملك قشتالة لوشة، أخذ معه أبا عبد الله إما أسيراً - حسبما يذكر صاحب أخبار العصر - أو أنه سار معه ليستمدّ عونه في تنفيذ خطته للاستيلاء على عرش غرناطة، وهي خطة يؤيدها ملك قشتالة ويشجعها، لأنها تخدم أغراضه ومطامعه في القضاء على تلك المملكة الصغيرة التي مزّقتها الحرب الأهلية.
ولم يُغفل فرديناند تلك الفرصة الذهبية لانتزاع ما يمكن انتزاعه من أراضي مملكة غرناطة، فبينما الحرب الأهلية تضطرم في العاصمة وحولها، إذ سار النصارى إلى حصن إلورة الواقع شمال غربي غرناطة، وحاصروه وضربوه بالأنفاط حتى اضطروا أهله إلى التسليم والخروج عنه، ثم سار إلى حصن مكلين الواقع شمال شرقي إلورة وهاجموه. ونشبت بينهم وبين المدافعين عنه معركة عنيفة، انتهت بتحطيم أسواره بفعل الأنفاط واستيلائهم عليه، وخروج أهله عنه إلى غرناطة. ثم استولى النصارى بعد ذلك على حصن قلمبرة الواقع شرقي مكلين بالأمان (٢)، إذ رأى أهله ما نزل بغيرهم، ففضّلوا التسليم دون قتال. واستولوا بعده على سلسلة أخرى من
стр. 679
القلاع والحصون التي تحمي مشارف غرناطة، وأصلحوها وشحنوها بالرجال والمؤن، لتؤدي دورها فيما بعد في التضييق على العاصمة وتهديدها (١).
وهنا نقف قليلاً لنتساءل عن حقيقة هذه "الأنفاط" التي توالى ذكرها في سير هذه المعارك، خاصة في لوشة ورندة والحصون المجاورة، والتي كانت فيما يبدو عمدة النصارى في التفوق على المسلمين في تحطيم تلك الحصون القوية. وقد أشارت الرواية الإسلامية عن سقوط غرناطة إلى الأنفاط، وهي رواية صاحب أخبار العصر، وهي التي كتبها بعد وقوع تلك الأحداث بنحو نصف قرن فقط، وكان شاهداً ومشاركاً فيها، إلى تلك الأنفاط في عدة مواضع، ثم وصفها لنا بهذا الوصف: "وكان له (أي ملك قشتالة) أنفاط يرمى بها صخوراً من نار، فتصعد في الهواء، وتنزل على الموضع، وهي تشتعل ناراً، فتهلك كل مَن نزلت عليه وتحرقه، فكان ذلك من جملة ما كان يخذِّل في أهل المواضع التي كان ينزل فيها" (٢).
ونحن نعرف أن مسلمي المشرق كانوا منذ أيام الحروب الصليبية، يحذقون استعمال الرمي بالنار والأنفاط، وأن هذه النار كانت ترمى من آلات قاذفة تعرف بالحراقات، على معسكرات العدو وحصونه وسفنه في البحر فتفتك بها. وقد لعبت هذه النار دوراً مهماً في الحروب الصليبية، وألفت فيها مصر سلاحاً منيعاً لردّ عدوان الصليبيين وتمزيق حملاتهم. والظاهر أن هذا السلاح الذي استأثر به المسلمون مدى حين في الشرق، قد عرفه مسلمو إفريقية والأندلس منذ منتصف القرن السابع الهجري، واستعملوه في محاربة أعدائهم نصارى إسبانيا. ففي حصار لبلة (٦٥٥ هـ - ١٢٥٧ م) استعمل الموحّدون لدفع جيوش الفونسو العاشر ملك قشتالة، آلات تقذف حجارة ومواد ملتهبة يصحبها دوي كالرعد. وقد كان استعمال هذه النار أو الأنفاط الفتاكة يتطوّر بلا ريب مع العصور. ومنذ منتصف القرن الثامن الهجري
стр. 680
(الرابع عشر الميلادي) نرى مسلمي الأندلس يستعملون لمقاتلة النصارى آلات تقذف اللهب والحجارة، ويصحبها دوي مخيف (١). وظهرت براعة الأندلسيين في استعمال هذه الآلات في عدّة مواقع. ففي حصار بياسة سنة (٧٢٤ هـ - ١٣٢٤ م) في عهد السلطان أبي الوليد إسماعيل، أطلق المسلمون على المدينة الحديد والنار من آلات قاذفة تشبه المدافع، واستعملت مثل هذه الآلات في موقعة وادي لكُّهُ (ريو سليتو) سنة (٧٤٠ هـ - ١٣٤٠ م)، وفي الدفاع عن الجزيرة سنة (٧٤٢ هـ - ١٣٤٢ م) وذلك في عهد السلطان أبي الحجاج يوسف. والظاهر من وصف هذه الآلات أنها كانت نوعاً من المدافع السّاذجة التي تُحشى بالحديد والحجارة وبعض المواد الملتهبة، التي كانت فيما مضى عماد الحرّاقات أو الأنفاط الشرقية. وليس بعيداً أن يكون مسلموا الأندلس قد وفِّقوا في هذا العصر أيضاً إلى العثور على سرّ البارود، قبل أن يقف على سرِّه القس الألماني برتولد شفارتز في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي. ومن المرجّح أن النصارى الإسبان قد نقلوا سرّ الأنفاط عن مسلمي الأندلس وحذقوا في استعمالها مع الزمن. ولما غلب الضعف على مملكة غرناطة تضاءلت نشاطاتها الدفاعية، ونقصت مواردها من السلاح والذّخيرة، خصوصاً بعد أن فقدت معظم قواعدها الصناعية. بيد أنه من المحقق أن المسلمين كانوا يستعملون الأنفاط أيضاً في محاربة أعدائهم، وإن يك ذلك بنسبة صغيرة تتفق مع ضآلة مواردهم. أما القشتاليون فقد كانت لديهم الأنفاط بكثرة، وكانت السلاح المفضّل في مهاجمة القواعد والحصون الإسلامية. وهناك ما يدل على أن هذه الأنفاط التي كان يستعملها القشتاليون لم تكن سوى المدفع في صورته البدائية، فالرواية الغربية تحدثُنا عن اهتمام ملك قشتالة بصنع "المدافع" لمحاربة المسلمين، وتقول لنا: إن هذه المدافع كانت تصنع في مدينة وشقة، وإنّ كميات كبيرة من القنابل الخاصة بها كانت
стр. 681
تضع في جبال قسنطينة (١)، وتحدثنا الرواية الإسلامية المعاصرة عن البارود، وتقول: إن النصارى حينما نشبت الثورة في ربض البيازين، أمدّوا فريقاً من الثوار بالرجال والأنفاط والبارود (٢) إذكاءً منهم للفتنة بين المسلمين. وهكذا نرى أن الأنفاط التي تنوّه الرواية الإسلامية بفتكها بحصون المسلمين وصفوفهم في معارك غرناطة، إنما هي المدافع بذاتها، وأن تفوق القشتاليين في استعمال هذا السلاح كان له أعظم الأثر في التعجيل بإخضاع مملكة غرناطة والقضاء عليها.
ولنعد إلى قصة الحرب الأهلية في غرناطة، فقد ثار أهل البيازين - كما ذكرنا بتحريض من دعاة أبي عبد الله وأمّه الأميرة عائشة - والتفَّ معظم الشعب الغرناطي حول أميره أبي عبد الله الزغل، واستمرت المعارك سجالاً بين الفريقين مدى أشهر، وفي أثناء ذلك استولى النصارى على لوشة وعلى كثير من الحصون الشمالية الغربية. وسار أبو عبد الله بعد سقوط لوشة مع ملك قشتالة، ولم يمض سوى قليل حتى عاد إلى الأنحاء الشرقية، إلى منطقة بلش، وأخذ يدبّر خططه. وفي أوائل شوال (٨٩١ هـ - أيلول - سبتمبر ١٤٨٦ م) غادر أبو عبد الله محمد الأنحاء الشرقية، وظهر فجأة في ربض البيازين. واجتمع حوله أنصاره من الثوار، وأذاع أنه عقد الصلح مع النصارى، وأمدّه حليفه فرديناند بالرجال والعُدد والذخائر والمؤن، ومنها الأنفاط (٣)، فزادت الفتنة اضطراماً. وشدَّد أبو عبد الله الزغل الضغط على أهل البيازين، وبينما هو على وشك تمزيقهم وإبادتهم، إذ بلغه أن ملك قشتالة قد سيَّر قواته على مدينة بلش مالقة ( Velez Malaga) وذلك في (ربيع الثاني سنة ٨٩٢ هـ - آذار - مارس ١٤٨٧ م) (٤)، وكان من الطبيعي أن ينتهز فرديناند
стр. 682
الخامس فرصة اشتغال المسلمين بفتنتهم القاضية، وكانت بلش حصن مالقة، وسقوطها يعرّض مالقة لأشد الأخطار. وأدرك مولاي الزغل في الحال أهمية بلش، فهرع إليها في بعض قواته، وترك البعض الآخر لقتال أبي عبد الله محمد وأهل البيازين. ولكن إقدام الزغل وعزمه وشجاعته، واستبسال أهل بلش في الدفاع عن مدينتهم لم تُغن شيئاً، وسقطت بلش مالقة بيد النصارى في (جمادى الأولى سنة ٨٩٢ هـ - نيسان - أبريل ١٤٨٧ م) وعاد الزغل بجنده ميمماً صوب غرناطة. ولكنه علم أثناء مسيره أن غرناطة قامت أثناء غيابه بدعوة أبي عبد الله، وأنه دخلها وتبوأ العرش مكانه (٥ جمادى الأولى - ٢٨ نيسان - أبريل). وكان أهل غرناطة يحبّون الزغل، ويقدِّرون بطولته وحبه لوطنه، واستبساله في مقاومة النصارى، ولكنهم تحولوا عنه إلى تأييد أبي عبد الله لمحالفته للنصارى، وأملهم بذلك في اتِّقاء عدوانهم على أرباضهم وقراهم، وصون أنفسهم ومصالحهم، وهكذا أيقن الزغل عبث المحاولة، وارتدّ بصحبه إلى وادي آش، وامتنع فيها بقواته، وبذلك انقسمت مملكة غرناطة الصغيرة إلى شطرين، يتربّص كل منهما بالآخر: غرناطة وأعمالها يحكمها أبو عبد الله محمد بن السلطان أبي الحسن، ووادي آش وأعمالها يحكمها عمّه الأمير محمد بن سعد (أبو عبد الله الزغل). وتحقق بذلك ما كان يبتغيه ملك قشتالة، من تمزيق البقية الباقية من دولة الإسلام بالأندلس، تمهيداً للقضاء عليها (١).
بداية النِّهاية
١ - مع أبي عبد الله محمد ثانيةً
تبوّأ أبو عبد الله محمد بن السلطان علي أبي الحسن عرش غرناطة للمرة
стр. 683
الثانية، عقب عوده من الأسر بنحو عام، ولكنّه لم يكن يحكم تلك المرة سوى مملكة صغيرة، وكان المفروض فوق ذلك أن يحكمها باسم ملك قشتالة وتحت حمايته، وكانت الخطوب والفتن توالت على مملكة غرناطة قد مزّقتها، ولم يبق منها بيد المسلمين سوى بضع مدن وقواعد متناثرة، مختلفة الرأي والكلمة، ينضوي بعضها تحت لوائه، وتشمل الأنحاء الشمالية والغربية، وينضوي بعضها الآخر تحت لواء عمّه محمد بن سعد (الزغل)، وتشمل الأنحاء الشرقية والجنوبية. وكان واضحاً أن مصير المملكة الإسلامية أصبح يهتزّ بيد القدر، بعد أن نفذت جيوش النصرانية إلى قلبها، واستولت على كثير من قواعدها وحصونها الداخلية، مثل الحامة ورندة ولوشة وبلش مالقة وغيرها. وكان ملك قشتالة يحرص على المضي في تحقيق خططه لسحق البقية الباقية من دول الإسلام في الأندلس، قبل أن يعود إليها اتحاد الكلمة، فيبعث إليها روحاً جديدة من العزم والمقاومة. وكان من الطبيعي أن يُؤثِر البدء بغزو القواعد الشرقية والجنوبية التي يسيطر عليها مولاي الزغل، لأن الزغل لم يكن يدين بطاعته، وكان يبدي في مقاومته عزماً لا يلين ولا يخبو، ولأنه من جهة أخرى يرتبط بأمير غرناطة بصلح يمتد إلى عامين، وقد أراد أن يسبغ على عهوده مسحة غادرة من الوفاء، وأخيراً لأنه كان يريد أن يعزل غرناطة، وأن يطوّقها من كل صوب، قبل أن يسدّد إليها الضربة الأخيرة.
وقد رأينا كيف سقطت قاعدة بلش حصن مالقة من الشرق في يد النصارى، بعد دفاع عنيف (في جمادى الأولى سنة ٨٩٢ هـ - أيار - مايو ١٤٨٧ م). وعلى أثر سقوطها غادرها معظم أهلها، وتفرّقوا في أنحاء الأندلس الأخرى الباقية بيد المسلمين، وجاز كثير منهم إلى عدوة المغرب، واستولى النصارى على جميع الحصون والقرى المجاورة، ومنها حصن قمارش وحصن مونتميور، واستطاعوا بذلك أن يشرفوا على مالقة من كل صوب. وكانت مالقة ما تزال أمنع ثغور الأندلس، وقد أضحت بعد سقوط
стр. 684
جبل طارق عِقْد صلتها الأخيرة بعدوة المغرب، وكان فرديناند يحرص على أن يقطع كل وسيلة ناجعة لقدوم الإمداد من إفريقية وقت الصراع الأخير، وكان الاستيلاء على مالقة يحقق هذه الغاية، ومن ثمَّ فإنه ما كاد النصارى يظفرون بالاستيلاء على بلش والحصون المجاورة، حتى زحفوا على مالقة وطوّقوها من البر والبحر بقوات كثيفة، وذلك (في جمادى الثانية سنة ٨٩٢ هـ - حزيران - يونية ١٤٨٧ م). وامتنع المسلمون داخل مدينتهم، وكانت تموج بالمدافعين، وعلى رأسهم نخبة ممتازة من أكابر الفرسان، ومعهم بعض الأنفاط والعُدد الثقيلة. وكانت مالقة تدين بالطاعة للأمير محمد بن سعد (الزغل) صاحب وادي آش، ولكنه لم يستطع أن يسير إلى إنجادها بقواته خوفاً من غدر ابن أخيه أمير غرناطة، فترك مالقة إلى مصيرها وهو يذوب تحسّراً وأسىً. ولكنه فكر في وسيلة أخرى لعلّها تجدي في إنقاذ الأندلس من خطر الفناء الداهم، وهي أن يستغيث بملوك الإسلام لآخر مرة، فأرسل رسلاً إلى أمراء إفريقية وإلى سلطان مصر الأشرف قايتباي. ولم يكن من المنتظر إزاء بعد المسافة أن تصبر مالقة على ضغط النصارى حتى يأتيها المدد المنشود. وكان يتولى الدفاع عن الثغر المحصور جند غمارة وزعيمهم حامد الثّغري. وأبدى المسلمون في الدفاع عن ثغرهم أروع ضروب البسالة والجلد، وحاولوا غير مرّة تحطيم الحصار المضروب عليهم، وفتكوا بالنصارى في بضع مواقع محليّة، ومع ذلك فقد ثابر النصارى على ضغطهم وتشديد نطاقهم، حتى قطعت كل علاقة للمدينة المحصورة مع الخارج، ومنعت عنها سائر الإمداد والأقوات، وعانى المسلمون داخل مدينتهم أهوال الحصار المروّع، واستنفدوا كل ما وصلت إليه أيديهم من الأقوات، وأكلوا الجلود وأوراق الشجر، وفتك بهم الجوع والإعياء والمرض، ومات كثيرون من أنجاد فرسانهم، ولم يجدوا لهم في النهاية ملاذاً سوى التسليم، على أن يؤمِّنوا على أنفسهم وأموالهم. وهكذا سقطت مالقة - بعد دفاع مجيد استمر ثلاثة أشهر - في أيدي النصارى، وذلك (في أواخر شعبان ٨٩٢ هـ - ١٨ آب
стр. 685
- أغسطس ١٤٨٧ م). ولم يحافظ فرديناند على ما بذله لأهلها من عهود لتأمين النفس والمال، وأصدر قراراً ملكياً باعتبار أهلها المسلمين رقيقاً يجب عليهم افتداء أنفسهم ومتعهم. ويفرض على كل مسلم أو مسلمة مهما كان السن والظروف، الأحرار منهم والعبيد الذين في خدمتهم، فدية للنفس والمتاع، قدرها ثلاثون دوبلاً من الذهب الوازن اثنين وعشرين قيراطاً، أو ما يوازي هذا القدر من الذهب والفضة واللآلئ والحلي والحرير، وأنه يسمح لمن أدّوا هذه الفدية، إذا شاءوا بالعبور إلى المغرب، وتقدّم لهم السفن لنقلهم، وأنه لا يسمح للمسلمين ذكوراً وإناثاً بالعيش أو الإقامة في مملكة غرناطة. ولكن يسمح لهم أن يعيشوا أحراراً آمنين في أية ناحية من نواحي قشتالة، وأنه لا يتمتع بهذه المنح بنو الثغري وزوجاتهم وأولادهم، وبعض أفراد أشار إليهم القرار (١). ودخل النصارى المدينة دخول الفاتحين، وعاثوا فيها وسَبَوْا النساء والأطفال، ونهبوا الأموال والمتاع، وفرّ مَن استطاع من المسلمين إلى غرناطة أو وادي آش أو جاز إلى العدوة. وكان هذا النموذج من التصرف نموذجاً لما يضمره ملك النصارى نحو معاملة المسلمين المغلوبين، ولِما تنطوي عليه سياسته من نكث للوعود والعهود. وتقول الرواية الإسلامية المعاصرة في وصف محنة أهل مالقة: "وكان مصابهم مصاباً عظيماً تحزن له القلوب، وتذهل له النفوس، وتبكي لمصابهم العيون" (٢).
ولنعد لقصة السفارات التي أوفدها أبو عبد الله الزغل إلى ملوك إفريقية ومصر والقسطنطينية يستغيث بهم، ويلتمس نجدتهم ونصرتهم. والتجاء الأندلس إلى ملوك العدوة في طلب الغوث والنجدة أمر طبيعي، وتقليد
стр. 686
أندلسي قديم، ولكن دول المغرب كانت يومئذ في ضعف وتفرّق، لم تكن في استطاعتها أن تهرع إلى إنجاد الأندلس، كما فعلت في الماضي غير مرّة. ولم يُلب نداء مولاي الزغل، سوى شراذم ضئيلة من المجاهدين المتطوعين، جازت البحر إلى الأندلس.
وأما استغاثة الأندلس بمصر، فلم تقع إلاّ في عهد متأخر، وذلك حينما ضعف أمر بني مرين ملوك العدوة الأقوياء، وانقطعوا عن العبور إلى الأندلس، وشغلوا بأمر الدفاع عن أنفسهم. وقد بعث السلطان أبو عبد الله الأيسر سفارة إلى مصر سنة (٨٤٤ هـ - ١٤٤٠ م) لم تسفر عن أية نتائج عملية. على أنه لم يكن ثمة ريب في أن الحوادث الأندلسية المفجعة، كانت قد ذاعت يومئذ في أنحاء العالم الإسلامي، واهتزّ لمصابها حكام المسلمين قاطبة، وكان صداها يتردد في بلاط القاهرة وغيره، وكان أمراء الأندلس وزعماؤها مذ لاح لهم شبح الخطر الداهم، يتّجهون بأبصارهم إلى دول المغرب والمشرق معاً، وكانت كتبهم ونداءاتهم في تلك الآونة العصيبة تترى على مراكش والقاهرة والقسطنطينية. وفي مصادر العصر ما يدل على أن مصر كانت بنوع خاص تتابع حوادث الأندلس باهتمام وجزع، فإن ابن إياس مؤرخ مصر في ذلك العصر، لم يفته أن يدوِّن في حولياته هذه الحوادث تباعاً، فيقول في حوادث ذي الحجة سنة (٨٨٦ هـ - ١٤٨١ م): "وفيه جاءت الأخبار من بلاد الغرب أن أبا عبد الله محمد بن أبي الحسن بن علي ابن سعد بن الأحمر، قد ثار على أبيه الغالب بالله صاحب غرناطة وملكها من أبيه، وجرت بينهما أمور يطول شرحها، وآل الأمر بعد ذلك إلى خروج الأندلس عن المسلمين، ومَلَكَها الفرنج، والأمر لله في ذلك". وفي حوادث رجب سنة (٨٩٠ هـ - ١٤٨٥ م): "وفي رجب جاءت الأخبار بوفاة ملك الأندلس صاحب غرناطة، وهو الغالب بالله أبو الحسن". وفي حوادث جمادى الآخرة سنة (٨٩١ هـ - ١٤٨٦ م): "إن صاحب غرناطة أبا عبد الله توجه إلى عمه أن يرسل له نجدة تعينه في قتال صاحب قشتالة، وإن الفتن هناك قائمة،
стр. 687
والأمر لله" (١). وهكذا كانت حوادث الأندلس تتردد رغم بعد المسافة وصعوبة المواصلات في مصر، ويدوّنها مؤرخ مصر المعاصر، وإن كان في إيرادها ما تنقصه الدقة والوضوح. وكانت مصر ترتبط يومئذٍ مع ثغور الأندلس ولا سيما مالقة وألمرية بعلائق تجارية وثيقة، وكان لمصر هيبتها بين دول النصرانية منذ الحروب الصليبية، وبالأخص لأنها تحكم البقاع النصرانية المقدسة وبين رعاياها الملايين من النصارى. ولم يكن غريباً في تلك الآونة، أن تُفكّر الأندلس إبّان محنتها القاسية مرة أخرى، في الاستعانة بمصر، بعد أن رأت قصور الدول المغربية عن إنجادها. وكان من الطبيعي أن تهتم دول الإسلام بمصير المسلمين في الأندلس، وأن تفكّر في التماس السبيل إلى غوثهم إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً. ولا تشير المصادر الإسلامية إلى فكرة أو سياسة معيّنة، وضعتها أو اعتزمتها الدول الإسلامية لتحقيق هذه الغاية، ولكنها تشير فقط إلى سفارة أندلسية وفدت على بلاط مصر. على أن المصادر الغربية، تشير بالعكس إلى أن خطة كهذه قد وضعت ونظمت، وخلاصتها: أن المشرق كله اهتزّ لحوادث الأندلس وسقوط قواعدها السريع في يد النصارى، وأن بايزيد الثاني سلطان العثمانيين والأشرف قايتباي سلطان مصر، تهادنا مؤقتاً بالرغم مما كان بينهما من خصومات مضطرمة وحروب دموية، وعقدا محالفة لإنجاد الأندلس وإنقاذ دولة الإسلام فيها، ووضعا لذلك خطة مشتركة خلاصتها: أن يرسل بايزيد الثاني أسطولاً قوياً لغزو صقلية التي كانت يومئذ من أملاك إسبانيا، ليشغل بذلك اهتمام فرديناند وإيزابيلا، وأن تبعث سرايا كثيرة من الجند من مصر وإفريقية تجوز البحر إلى الأندلس لتنجد جيوشها وقواعدها (٢). ومن الصعب أن نعتقد بأن مثل هذه الخطة الموحّدة، يمكن أن يتّفق عليها بين مصر والقسطنطينية، في مثل الظروف التي كانت تمرّ بها علائق البلدين يومئذٍ، فقد كانت علائق جفاء
стр. 688
وقطيعة، وكان العثمانيون يتربصون بمصر ويطمحون إلى غزوها، وكانت مصر تخشى العدوان ويسودها التوجّس والحذر، وكان انفصام العلائق بين مصر والعثمانيين على هذا النحو، أبعد من أن يسمح بعقد مثل هذا التحالف بينهما، وكل ما يمكن قوله في هذا الشأن، هو أن فكرة إنجاد الأندلس كانت تلقى في بلاط القاهرة والقسطنطينية نفس العطف، وإن لم يتفاهما في ذلك على خطة موحدّة.
وعلى كل حال، فمن المحقق الذي لا ريب فيه أن مصر تلقت استغاثة الأندلس، ووضعت خطة سياسية خاصة لإسعافها وإنجادها. وقد وصلت سفارة الأندلس إلى مصر في أواخر سنة (٨٩٢ هـ - ١٤٨٧ م)، ويصف ابن إياس هذه السفارة بما يأتي: "وفي ذي القعدة من سنة (٨٩٢ هـ) جاء قاصد من عند ملك المغرب صاحب الأندلس، وعلى يده مكاتبة من مُرْسِلِه تتضمن أن السلطان يرسل له تجريدة تعينه على قتال الفرنج، فإنهم أشرفوا على أخذ غرناطة، وهو في المحاصرة معهم، فلما سمع السلطان ذلك، اقتضى رأيه أن يبعث إلى القسوس الذين بالقيامة التي بالقدس بأن يرسلوا كتاباً على يد قسيس من أعيانهم، إلى ملك الفرنج صاحب نابولي، بأن يكاتب صاحب إشبيلية بأن يحل عن أهل غرناطة ويرحل عنهم، وإلاّ يشوّش السلطان على أهل القيامة، ويقبض على أعيانهم، ويمنع جميع طوائف الفرنج من الدخول إلى القيامة ويهدمها، فأرسلوا قاصدهم وعلى يده كتاب إلى صاحب نابولي كما أشار السلطان، فلم يفد ذلك شيئاً، وملك الفرنج مدينة غرناطة فيما بعد" (١). وفي رواية ابن إياس شيء من اللّبس، ذلك أن حصار النصارى الأخير لغرناطة، لم يبدأ إلاّ في مارس سنة (١٤٩١ م) الموافق جمادى الثانية سنة (٨٩٦ هـ)، فالأمر لم يكن متعلّقاً إذاً بإنقاذ غرناطة. وكانت جيوش فرديناند وإيزابيلا منذ بداية سنة (٨٩٢ هـ) تتدفق كما رأينا على أراضي مولاي الزغل لكي تنتزع منه
стр. 689
الثغور الجنوبية. وقد استولت على بلش مالقة في جمادى الأولى من هذا العام (أيار - مايو - ١٤٨٧ م)، ثم زحفت مباشرة على مالقة وضربت حولها الحصار في جمادى الثانية (حزيران - يونيه ١٤٨٧ م)، وقد وصل صريخ الأندلس إلى مصر سنة (٨٩٢ هـ)، وذلك بعد أن سقطت مالقة في يد النصارى بنحو ثلاثة أشهر. وإذاً فمن الواضح أن هذا الصريخ كان متعلّقاً بإنقاذ مالقة، وأنه كان صادراً من مولاي الزغل بطل الأندلس والمدافع عنها يومئذٍ، والمشفق عليها من السقوط، ولم يصدر من صاحب غرناطة وهو ابن أخيه أبو عبد الله محمد، وقد كان يومئذٍ يعيش آمناً في ظل الهدنة الغادرة التي عقدها مع النصارى.
ولم يكن من الميسور على مصر أن تلبي نداء الأندلس بطريقة فعالة، فترسل إليها الإمداد أو المساعدات المادية على ما بينهما من بعد الشقة، وعلى ما كان يشغل مصر يومئذٍ من الحوادث الداخلية، وتوجّسها من عدوان العثمانيين على حدودها الشمالية. ولكن مصر حاولت مع ذلك أن تعاون الأندلس بالطرق السياسية والضغط السياسي، وسلك بلاط القاهرة في ذلك خطة تدل على ذكاء وحزم، وتدل خاصة على وقوف على مجرى الشئون الخارجية، وتطور العلائق الدبلوماسية في هذا العصر (١).
وأرى أن مصر لم تقم بواجبها كما ينبغي، وأنها أسوة بغيرها كانت مشغولة بمصالحها الذاتية وحدها، وكان بالإمكان أن تعين الأندلسيين مادياً ومعنوياً، ولكنها اكتفت بالتمني وبما لا يضر ولا يفيد وبالكلام وحده.
فقد أجاب سلطان مصر الملك الأشرف على سفارة الأندلس، بتوجيه سفارة مصرية إلى البابا وملوك النصرانية، واختار لأدائها راهبين من رعاياه النصارى، أحدهما القس انطونيو ميلان رئيس دير القديس فرنسيس في بيت المقدس وعهد إليهما بكتب إلى البابا، وهو يومئذ إنوصان الثامن، وإلى ملك
стр. 690
نابولي فرديناند الأول وإلى فرديناند وإيزابيلا ملكي قشتالة وأراغون. وفي هذه الكتب يعاتب سلطان مصر ملوك النصارى على ما ينزل بأبناء دينه المسلمين في مملكة غرناطة، وعلى توالي الاعتداء عليهم، وغزو أراضيهم، وسفك دمائهم، في حين أن رعاياه النصارى في مصر وبيت المقدس، وهم ملايين، يتمتّعون بجميع الحريات والحمايات، آمنين على أنفسهم وعقائدهم وأملاكهم. ولهذا فهو يطلب إلى ملك قشتالة وأراغون الكف عن هذا الاعتداء، والرحيل عن أراضي المسلمين، وعدم التعرض لهم، وردّ ما أخذ من أراضيهم، ويطلب من البابا وملك نابولي أن يتدخلا لدى ملكي قشتالة وأراغون، لردهما عن إيذاء المسلمين والبطش بهم، هذا وإلاّ فإن ملك مصر سوف يضطر إزاء هذا العدوان أن يتبع نحو رعاياه النصارى سياسة التنكيل والقصاص، ويبطش بكبار الأحبار في بيت المقدس، ويمنع دخول النصارى كافة إلى الأراضي المقدسة، بل ويهدم قبر المسيح ذاته وكل الأديار والمعابد والآثار النصرانية المقدسة (١).
وغادر القس أنطونيو ميلان وزميله الديار المصرية، لتأدية سفارة مصر إلى ملوك النصرانية، ولسنا نعرف موعد هذا الرحيل بالضبط، ولكن السفيرين وصلا إلى إسبانيا في خريف سنة (١٤٨٩ م)، أعني لنحو عام ونصف من وصول صريخ الأندلس إلى القاهرة. وكانت مالقة قد سقطت بيد النصارى منذ عامين، واستولوا على طائفة أخرى من الحصون والقواعد، ثم تحولوا بعد ذلك إلى بسطة وضرب فرديناند حولها الحصار. وهناك أمام أسوار بسطة وفد القس أنطونيو ميلان وزميله إلى معسكر النصارى في أواخر سنة (١٤٨٩ م)، فاستقبلهما فرديناند بحفاوة وترحاب، وتسلم كتاب السلطان،
стр. 691
واستمع إلى رسالتهما بعناية. وكان السفيران قد عرّجا في طريقهما على رومة ونابولي أولاً، وقدّما كُتُبَ السلطان إلى البابا إنوصان الثامن وإلى ملك نابولي، فكتب البابا إلى فرديناند وإيزابيلا يسألهما عما يجيب به على مطالب السلطان ووعيده، وكتب ملك نابولي (فرديناند الأول) إليهما يستفهم عن سير الحرب الأندلسية، ويلومهما على اضطهاد المسلمين، وينصح بالكفّ عنهم، حتى لا يتعرض نصارى المشرق إلى قصاص السلطان. ويرجع تدخل ملك نابولي على هذا النحو إلى خلاف بينه وبين ملك أرغون على حقوق عرش نابولي، وإلى تخوّفه من أن يرتد فرديناند إلى محاربته متى تمَّ ظفره بما تبقى للمسلمين في الأندلس. ثم زار القسّان أيضاً مدينة جيّان حيث كانت الملكة إيزابيلا، وأبلغاها موضوع سفارتهما، ولقيا منها نفس الحفاوة والترحاب (١).
ولم ير فرديناند وإيزابيلا في مطالب السلطان ووعيده ما يحملهما على تغيير خطتهما، في الوقت الذي أخذت فيه قواعد الأندلس الباقية تسقط تباعاً في أيديهما، واقترب فيه النصر النهائي، ولكنّهما رأيا مع ذلك إجابة السلطان، فكتبا إليه في أدب ومجاملة: "إنهما لا يفرِّقان في المعاملة بين رعاياهما المسلمين والنصارى، ولكنهما لا يستطيعان صبراً على ترك أرض الآباء والأجداد في يد الأجانب، وأن المسلمين إذا شاءوا حياة في ظلّ حكمهما راضين مخلصين، فإنهم سوف يلقون منهما، نفس ما يلقاه الرعايا الآخرون من الرعاية"، وبذا ارتد القسّان إلى المشرق، يحملان جواب الملكين إلى السلطان، ومعهما طائفة من التحف والهدايا.
ومن الواضح، أن وعيد سلطان مصر كان كاذباً، كما أن جواب الملكين له كان كاذباً أيضاً، لا يصدقه كاتبه ولا غيره، في الوقت الذي كان المسلمون في الأندلس يعانون الهول من النصارى، دون أن يتجاوب المسلمون الآخرون معهم إلاّ بالتظاهر وضياع الوقت سدىً والكذب والزور.
стр. 692
ولسنا نعرف ما كان مصير رسالة الملكين، ونرجّح أنها وصلت إلى بلاط القاهرة، وإن كنا لا نلمس لها أثراً في حوادث العصر. وليس في تصرّفات حكومة مصر يومئذ ما يدل على أن السلطان نفّذ وعيده، باتخاذ إجراءات معينّة ضد النصارى، أو ضدّ الآثار النصرانية المقدسة، فقد كان وعيد السلطان وعيداً فارغاً، ولو علم ملكا النصارى في إسبانيا أن وعيده حق، لتغيّر الموقف برمته، كما تغير موقف هرقل ملك الروم حين هدّده عمر بن الخطاب ﵁ بأنه إذا لم يُعد نصارى تغلب الذين هاجروا إلى الروم، فإنه سيخرج النصارى من بلاد المسلمين، فانصاع هرقل لوعيد عمر بن الخطاب لأنه يعلم أنه صادق، ولم ينصع الملكان لوعيد سلطان مصر، لأنهما يعلمان أن وعيده كاذب. والواقع أن القاهرة كانت مشغولة يومذاك بحركات بايزيد الثاني، وصدّ غاراته المتكررة على الحدود الشمالية. وكان الاضطراب من جهة أخرى يسود شئون مصر الداخلية، ومن ثمّ فإن محاولة مصر إنقاذ الأندلس قد وقفت عند هذا الحد: كلام في كلام، ولم تقم مصر بمظاهرة دولية لاستغلال الظروف والمؤثرات الدينية، فاخفقت محاولة مصر السياسية، وتركت الأندلس إلى قضائها المحتوم.
وكان سقوط مالقة أمنع الثغور الأندلسية في يد النصارى ضربة أليمة للمملكة الإسلامية الممزّقة، يحرمها من كثير من ضروب الإمداد والغوث التي كانت تأتيها من وراء البحر، وكان واضحاً أن ملك قشتالة كان يرمي إلى قطع هذا الإمداد بكل الوسائل. ولم يكن باقياً بعد ضياع جبل طارق ومالقة من الثغور بيد المسلمين سوى ألمرية والمنكب، وإليهما كانت تفد جموع المتطوعة والمجاهدين، بالرغم من بعدهما عن شاطئ العدوة، وكان لابد من الاستيلاء عليهما قبل أن تقطع كل صلة للأندلس نهائياً بعدوة المغرب وشمالي إفريقية. وقضى فرديناند قبل تنفيذ هذه الخطة زهاء عام، يعمل على تطهير منطقة مالقة والاستيلاء على ما بقي من الحصون الشرقية والغربية، حتى استولى عليها جميعاً، ولم يبق منها بيد المسلمين شىء.
стр. 693
وفي ربيع سنة (٨٩٣ هـ - ١٤٨٨ م) زحف فرديناند على أطراف مملكة غرناطة الشرقية، وكانت لبعدها عن العاصمة أقل استعداداً للدفاع، واستولت هذه الحملة باستيلاء النصارى على بيرة، والبلشين، وأشكر (١) وغيرها من القواعد الشمالية الشرقية، وذلك بالرغم من أن أهلها كانوا داخلين في الصلح المعقود مع أبي عبد الله، وكان على ملك قشتالة لو أنه أوفى بعهوده، أن يتركهم حتى ينتهي أمد الصلح المذكور (٢)، وهناك عهد أصدره الملكان الكاثوليكيان لأهل أشكر، هو نموذج لباقي العهود التي صدرت لباقي البلاد المستولى عليها في هذه المنطقة، وفيه يتعهد الملكان بقبول أهل أشكر بين رعاياهما وتحت حمايتهما، وأن لا يؤخذ شيء من أمتعتهم أو يصيبهم أي مكروه، وألاّ يدفعوا من الضرائب إلاّ ما كانوا يؤدونه لملوكهم المسلمين، وألاّ يرغموا على محاربة إخوانهم مسلمي غرناطة، وأن يسمح لهم باستبقاء زعمائهم وفقهائهم وعوائدهم وشريعتهم، وأن يحق لهم الإقامة في أي جزء من مملكة قشتالة، كما يحق لهم العبور إلى المغرب أحراراً دون أي قيد، وأن يعامل السكان جميعاً ذكوراً وأناثاً بالرفق والكرامة، وألاّ يغصبهم أحد في دورهم أو يسيء إليهم أو يتلف شيئاً من أمتعتهم ومحاصيلهم، وألاّ يعاشر نصراني مسلمة، أو مسلم نصرانية، ومن فعل ذلك يعاقب بالموت وتصادر أملاكه، وأن يُدفع الكراء العادل لمن يطلب منهم العمل في بناء حصن المدينة (٣)، وسنرى فيما يلي من الحوادث أن الملكين الكاثوليكيين يغدقان أمثال هذه العهود لسائر البلاد المُستولى عليها، ولكن دون أيّة نية صادقة في
стр. 694
الوفاء بها، بالعكس فالنية هي الغدر، وويل للمغلوب.
وفي الوقت الذي اقتربت فيه القوات القشتالية من مدينة بسطة، أمنع قاعدة في ولايات غرناطة الشرقية، لتضرب حولها الحصار، سار فرديناند في بعض قواته إلى ثغر المنكب (١)، الواقع في منتصف المسافة بين مالقة وألمرية، وحاصره، وكان يدافع عنه القائد محمد بن الحاج. ومع أنه لم يك ثمة شك في النتيجة المحتومة، فقد دافع المسلمون عن ثغرهم، واعتصموا به نحو ثلاثة أشهر، وكبدوا القشتاليين بعض الخسائر. ثم وقعت المفاوضات في التسليم، وأصدر الملكان الكاثوليكيان للقائد ابن الحاج ومعاونه الفقيه أبي عبد الله الزليخي، عهداً خلاصته: أنه إذا سلّم القصبة وكل حصونها في ظرف تسعة أيام، فإنه يُقْبَلُ هو وولده وصحبه وقرباه، كما يُقبل الوزراء والقواد والفقهاء وسائر أهل المنكب بين رعايا قشتالة، وأنهم يُتركون آمنين في ديارهم وأنفسهم وأموالهم، ويحتكمون إلى شريعتهم، ونترك لهم مساجدهم وصوامعهم، ولا يؤخذ منهم خيلهم أو سلاحهم إلاّ طلقات البارود، وأنه إذا تمّ التسليم في الموعد المذكور، فإنه تُقدّم إلى القائد هبة قدرها ثلاثة آلاف دوبلاً قشتالياً، وأنه إذا شاء العبور إلى المغرب مع ولده وأسرته، فإنه تُقدّم إليه سفينة حسنة للجواز فيها مع سائر متاعه دون كراء أو مغرم، وأنه لا تمسّ أملاك الأهالي، ولهم بيعها أو قبض ريعها إذا عبروا إلى المغرب. وهكذا سلّم ثغر المنكب إلى القشتاليين في شهر (محرم سنة ٨٩٥ هـ - كانون الأول - ديسمبر سنة ١٤٨٩ م)، ولم يبق للمسلمين من الثغور سوى ألمرية التي طوّقها العدو في نفس الوقت بقواته، وأصبحت تحت رحمته وشيكة التسليم.
ولما تم قطع علائق الأندلس على هذا النحو مع عدوة المغرب وشمالي إفريقية، بدأ فرديناند بتنفيذ خطته النهائية للقضاء على ما بقي في الداخل من المملكة الإسلامية. وكانت مملكة غرناطة قد انقسمت كما رأينا إلى شطرين:
стр. 695
الأنحاء الشرقية وتشمل وادي آش وأعمالها، ويحكمها الأمير أبو عبد الله محمد بن علي، فقرر فرديناند أن يبدأ بالاستيلاء على الأنحاء الشرقية، وأن يقضي أولاً على السلطان أبي عبد الله الزغل لما كان يخشاه من عزمه وشديد بأسه. فما كاد ينتهي من إخضاع ثغر المنكب وتطويق ثغر ألمرية، حتى قرر تضييق الخناق على مدينة بسطة، وكانت قواته تطوّقها حسبما تقدم، وكانت الملكة إيزابيلا مع حاشيتها في جيَّان على مقربة من الجيش الغازي، وكانت بسطة أهمّ القواعد التي يسيطر عليها مولاي الزغل بعد وادي آش مقرّ حكمه. ولم يستطع الزّغل مغادرة مقرّ حكمه في وادي آش للدفاع عن بسطة، خشية أن يهاجمه ابن أخيه أبو عبد الله في غيبته فأرسل إليها حامية مختارة من أنجاد الفرسان بقيادة صهره الأمير يحيى النيار الذي تعرّفه التواريخ القشتالية: (بسيدي يحيى). وحاول القشتاليون الإطباق على بسطة ومحاصرتها، فردّهم المسلمون عن أسوارها غير مرّة، ونشبت بين الفريقين خارج الأسوار عدة معارك حامية مُنِي فيها النصارى بخسائر فادحة. ومع أن النصارى بدأوا هجومهم على بسطة في (شهر رجب سنة ٨٩٤ هـ - حزيران - يونيه ١٤٨٩ م)، فإنهم لم يستطيعوا تطويقها ومحاصرتها بصورة فعلية إلاّ بعد ثلاث أشهر وهنا امتنع المسلمون داخل المدينة بعد أن أثخنوا في عدوِّهم غير مرة، واستنفدوا قواتهم المدّخرة. وضيَّق النصارى الحصار على بسطة لمدة ثلاثة أشهر أخرى، حتى ضاق أهلها بالحصار ذرعاً. وقلَّت الأقوات واشتد الكرب. ولما رأى المسلمون أنه لم يبق في الدفاع ثمة أمل، وقد نفدت المؤن، وفتك الجوع والمرض بالعامة، اعتزموا مفاوضة القشتاليين في التسليم. وبالرغم مما أبداه زعيمهم يحيى النيار في البداية من براعة في تنظيم الدفاع عن بسطة وألمرية، وبالرغم من ما أبداه من بسالة في المعارك التي نشبت ضد القشتاليين، فإنه في النهاية رأى أن يترك هذا الصراع اليائس، وأن يفوز من المعركة بأحسن مما يستطيع لنفسه وذويه. وهذه هي الوثيقة السرية التي عقدها القائد يحيى مع مندوب الملك فرديناند الدون جوتييري دي
стр. 696
كارديناس، تعرض لنا بمحتوياتها المثيرة صورة من ذلك الدرك المؤلم الذي يدفع اليأس إليه أولئك القادة الذين يغدون بعد حياة حافلة بالإخلاص والبسالة، تحت إغراء العدو وهباته، خونة مارقين مرتدين. وقد حُرّرت هذه الوثيقة في المعسكر الملكي قرب مدينة ألمرية في (٢٥ كانون الثاني - ديسمبر ١٤٨٩ م)، وفيها يؤكد فرديناند للقائد يحيى النيار زعيم بسطة وألمرية بأنه سوف يستقبله تحت حمايته هو وولده وأبناء عمه، وينزلهم في داره، ويعاملهم بما يليق بهم معاملة أشراف مملكته، ويدافع عنهم وعن أتباعهم، ثم يقول ملك قشتالة مخاطباً يحيى: "وإنه إذا صحّت عزيمتكم حقاً على اعتناق النصرانية، وعلى أن تخدمني وتعاونني برجالك، فإني سوف أكتم ذلك طول مدة السيطرة على بسطة، حتى لا يتقوّل عليك رجالك، ولهذا فإنك تستقبل التعميد المقدس سراً في غرفتي، حتى لا يعرفه المسلمون إلاّ بعد تسليم وادي آش، وإن الكروم والقرى والحصون التي تؤول لك بالميراث عن والدك أمير ألمرية، أهبها لك لتملكها وتتصرف فيها كما تشاء، وعهدي لك بذلك أنا والملكة زوجي. وأنه لن تدفع أنت وابنك وأبناء عمك وأعقابك وحشمك أي مغرم أو جزية في سائر مملكتي إلى الأبد، وإنه تشريفاً لشخصك، يُسمح لك بأن يصحبك عشرون فارساً مسلّحون بكل ما يرغبون، وأن تتجول بهم حيث شئت في أنحاء مملكتي، ويتمتع ولدك بمثل ذلك. وإنه إذا تنازل صهرك ملك وادي آش عن نصف الملاحات التي أهبها إليه، فإني أهبك دخلاً قدره خمسمائة وخمسون ألف مرافيدي من ملاحات دلاية، وفضلاً عن ذلك فإنه إذا تم تسليم وادي آش المتفق عليه، فإني مكافأة لك على جهودك في خدمتي لدى ملك وادي آش وغيره من القادة، أهبك عشرة آلاف ريال، وأقدم لك سائر البراءات بما تقدم" (١).
وتعهد الملكان الكاثوليكيان في نفس الوقت لأهل بسطة، بإقرار ما طلبوا
стр. 697
من الشروط، وفي مقدمتها: أن يؤمنوا في النفس والمال، وأن يحتفظوا بدينهم وشريعتهم وعوائدهم. وهكذا سلّمت بسطة، ودخلها النصارى في (العاشر من محرم ٨٩٥ هـ - أوائل كانون الأول - ديسمبر ١٤٨٩ م) وغادرها معظم أهلها إلى وادي آش، حاملين ما استطاعوا من أمتعتهم وأموالهم، وهرعت جميع الحصون والمحلات القريبة إلى التسليم والدخول في طاعة ملك النصارى، وسلّمت ألمرية بعد ذلك بقليل (ربيع الأول - شباط - فبراير ١٤٩٠ م)، ومنحت للتسليم شروطاً خلاصتها: أن يحتفظ المسلمون بدينهم وشريعتهم وأموالهم، وأن تخفّف عنهم أعباء الضرائب، وألا يولّى عليهم يهودي، وألاّ يدخل في "الجماعة"، وأن يختار الأولاد الذين يولدون من أمهات من النصارى لأنفسهم الدين الذي يريدون عند البلوغ، وغير ذلك من المنح المغرية الخادعة التي بذلت لسائر البلاد المسلمة المستولى عليها. وهكذا بسط فرديناند سلطانه على قواعد الأندلس الشرقية كلها من البحر إلى الشمال، ولم يبق خارجاً عن طاعته غير وادي آش مقر مولاي الزغل.
ولم تمض أسابيع قلائل، حتى أثمرت خيانة يحيى النيار ثمرتها لدى صهره أبي عبد الله الزغل، فسارع بدوره إلى الانضواء تحت لواء النصارى، وكان الزغل منذ التجأ إلى وادي آش، يرقب سير الحوادث بجزع، ويرى قواعد الأندلس تسقط بالتعاقب، دون أن ينجدها منجد، ويرى أمل الإنقاذ يخبو تباعاً. فلما سقطت بسطة آخر القواعد التي يسيطر عليها، واتجه النصارى نحو آش معقله الوحيد الباقي، ورأى بالرغم من شجاعته وبسالته أنه يغالب المستحيل، وأن جيوش النصارى تحيط به من كل صوب، اعتزم أمره، وسار إلى معسكر ملك النصارى يعرض عليه طاعته، والانضواء تحت لوائه، فأجاب فرديناند إلى مطالبه، وبايعه الزغل وسائر قادته بالخضوع والطاعة، ودخل النصارى مدينة وادي آش (في أوائل صفر سنة ٨٩٥ هـ - ٣٠ كانون الأول ديسمبر ١٤٨٩ م). وعقد الزغل مع ملكي قشتالة معاهدة سرية على غرار المعاهدة التي عقدها صهره يحيى، ونصّ فيها على طائفة من المنح
стр. 698
والامتيازات، خلاصتها أن يستقر الزغل سيداً في مدينة أنْدَراش وما إليها، وأن يكون له ألفا تابع من بني وطنه، وأن يمنح معاشاً سنوياً كبيراً، وأن يمنح دخل نصف ملاحات مدينة الملاحة، وأن يرسل في استحضار أبنائه الأمراء من غرناطة نظراً لخصومته مع ملكها، وأن تكون جميع أملاكه وأملاك ذويه في غرناطة حرّة من كل حق ومغرم، وأن تكون هذه العهود ملزمة لملكي قشتالة ولعقبهما من بعدهما، وأخيراً أن يوافق البابا على هذه العهود (١). بيد أنه لم يمضِ قليل على ذلك، حتى شعر مولاي الزغل أنه يستحيل عليه الاستمرار في ذلك الوضع المهين، فنزل لفرديناند عن حقوقه وامتيازاته لقاء مبلغ ضخم، وجاز البحر إلى المغرب، ونزل في وهران أولاً، ثم انتقل إلى تلمسان، واستمرّ يقضي بها بقية حياته في غمرات من الحسرات والندم، ولبث عقبه هناك قروناً يُعرَفون ببني سلطان الأندلس، وجاز معه كثيرون من الكبراء الذين أيقنوا أن نهاية الإسلام في الأندلس قد غدت قضاءً محتوماً (٢).
وقد نقل إلينا صاحب أخبار العصر، رواية مفادها أن تسليم مولاي الزغل لملك قشتالة، كان نوعاً من الخيانة المقصودة، وأنه تنازل هو وقواده عن البلاد التي كانت تحت أيديهم طوعاً مقابل قبض ثمنها، وذلك لكي ينتقم الزغل من ولد أخيه الأمير أبي عبد الله محمد بن علي صاحب غرناطة، فتصبح بعد خضوع سائر أنحاء الأندلس وحيدة تحت رحمة النصارى، وترغم على التسليم إليهم، وينتهي بذلك إمارة أميرها وحكمه (٣)، وهي رواية لا تتفق مع مآثر الزغل من ضروب العزم والبسالة والشهامة والغيرة الإسلامية، التي رأيناها ماثلة خلال معاركه المشرّفة، وإنما استسلم الزغل وخضع، وحاول
стр. 699
إنقاذ ما يمكن إنقاذه، نزولاً على حكم ظروف قاهرة، لم ير إلى مغالبتها سبيلاً (١).
стр. 700
الصراع الأخير
١ - مع أبي عبد الله محمد أخيراً
لم يبق على ملكي قشتالة وأراغون فرديناند وإيزابيلا، بعد أن دانت لهما سائر الثغور والقواعد الأندلسية الجنوبية والشرقية، لإتمام خطتهما في القضاء على دولة الإسلام بالأندلس، سوى الاستيلاء على غرناطة، آخر القواعد الباقية بيد المسلمين، ولم تكن غرناطة يومئذ مملكة أو دولة، بل كانت رمزاً للدولة الإسلامية الذاهبة فقط، وكانت واسطة عقد تصرّمت سائر حبّاته، وكانت كالمصباح المرتجف يخبو ضوؤه سراعاً، فلم يكن يقتضي إطفاؤه سوى الضربة الأخيرة.
وقد رأى فرديناند وإيزابيلا أن الوقت قد حان لتسديد هذه الضربة، عقب استسلام مولاي الزغل وسقوط وادي آش وبسطة وألمرية. ونحن نعرف أنه على أثر سقوط مدينة لوشة في يد النصارى في (شهر مايس - مايو سنة ١٤٨٦ م)، وحصول أبي عبد الله في أيدي الملكين الكاثوليكيين للمرة الثانية، عقد أبو عبد الله معهما معاهدة صلح جديدة لمدة عامين، تطبق في غرناطة والبلاد التي تدخل في طاعة أبي عبد الله. وفي ظل هذا الصلح المسموم، دخل أبو عبد الله غرناطة، واسترد العرش ومن ورائه تأييد فرديناند وعونه. ومن الواضح أن فرديناند قد قبض في نصوص هذا الصلح، ثمن التأييد والعون. والظاهر أن هذا الصلح قد تجدد لمدة عامين آخرين، حسبما تدل وثيقة صادرة عن أبي عبد الله نفسه (في المحرم سنة ٨٩٥ هـ - كانون الأول - ديسمبر ١٤٨٩ م) وهي عبارة عن خطاب موجه منه إلى قادة وأشياخ بلدة أجيجر، وفيه ينوّه أبو عبد الله بهذا "الصلح السعيد" المعقود لعامين، ويدعو إلى الدخول فيه، وينعي على معارضيه مواقفهم، التي انتهت بسقوط بسطة: "التي أفجعت المسلمين، وفلّت غرب ....................................
стр. 701
الدين" (١).
وبالرغم من أننا لا نعرف نصوص هذا الصلح مفصّلة، فإن بعض الروايات القشتالية تذكر لنا أن أبا عبد الله قد تعهد في هذا الصلح بأن يسلم مدينة غرناطة للملكين الكاثوليكيين متى تم تسليم بسطة وألمرية ووادي آش (٢). وعلى أي حال ففي فاتحة سنة (١٤٩٠ م) - أوائل صفر (٨٩٥ هـ) أرسل الملكان الكاثوليكيان إلى السلطان أبي عبد الله سفارة على يد فارسين هما: كونثالو- فرنانديث قائد حصن إليورة، ومرتين ألاركون قائد حصن موكلين، ليخاطباه في موضوع التسليم (٣). وتقول الرواية الإسلامية المعاصرة: إن ملك قشتالة لم يطلب تسليم غرناطة ذاتها، ولكنه اكتفى بأن طلب إلى أبي عبد الله تسليم مدينة الحمراء أو قصور الحمراء مقر الملك والحكم، وأن يبقى مقيماً في غرناطة، في طاعته وتحت حمايته، أسوة بما فعلته سائر نواحي الأندلس (٤)، أو أن يقطعه أية مدينة أخرى من مدن الأندلس يختار الإقامة فيها، وأن يمدّه بمال جزيل (٥).
فماذا كان جواب أبي عبد الله؟ لقد كان في سابق مواقفه، وممالأته لملك قشتالة، ومحالفته إياه، ودخوله في طاعته، وما يدين له به من تغلّبه على عمّه ومنافسه الزغل، وجلوسه على العرش، ما يحمل الملكين الكاثوليكيين، على توقع استسلامه وخضوعه، ولكن حدث عكس ما توقعه الملكان. ولدينا وثيقة توضح لنا موقف أبي عبد الله في هذه المناسبة، وهي عبارة عن خطاب
стр. 702
صادر منه إلى الملكين الكاثوليكيين، يشير فيه إلى قدوم "القائد غنضال والقائد مرثين" بكتبهما إليه، وأنه أرسل إليهما خديمه "القائد أبا القاسم المليح"، ليحدِّثهما في هذا الموضوع. وبالرغم من اللهجة المهذّبة، المقرونة بعبارات الخضوع والطاعة، التي اختتمت بها الرسالة، فقد كان جواب أبي عبد الله للملكين الكاثوليكيين، رفضاً لما طلباه. وتاريخ هذه الرسالة هو (٢٩ صفر سنة ٨٩٥ هـ - ٢٢ كانون الثاني - يناير ١٤٩٠ م) (١). والظاهر أن رسول أبي عبد الله لم ينجح في مهمته، وعاد إلى مليكه ليخبره بإصرار الملكين الكاثوليكيين على طلبهما. وهنا تقول الرواية القشتالية: إن أبا عبد الله اشتدّت دهشته، لإصرار الملكين الكاثوليكيين، واعتزم أن يشهر عليهما الحرب، لولا أن نصحه بعض الأكابر بالروية والتريث. وعلى ذلك فقد أرسل أبو عبد الله وزيره يوسف بن كماشة، ومعه تاجر كبير من سراة غرناطة، له علائق طيبة بالنصارى، يدعى إبراهيم القيسي إلى الملكين الكاثوليكيين في إشبيلية، لإقناعهما بالعدول عن مطلبهما، ولكنهما عادا خائبين، وعلى ذلك فقد استؤنفت الحرب بين المسلمين والنصارى (٢).
وهنا نقف قليلاً لنتأمل الموقف الجديد، من جانب أبي عبد الله. لقد كانت الخطوب والمحن التي جازتها الأندلس في تلك الأعوام المليئة بالحوادث الجسام، قد جعلت من أبي عبد الله رجلاً آخر، وكان هذا الأمير الضعيف يرقب سير الحوادث جزعاً، ويستشف من ورائها القدر المحتوم؛ وكان قد تخلص بانسحاب عمّه من الميدان من منافسه القوي، ولكنه فقد في الوقت نفسه أقوى عضد يمكن الاعتماد عليه في الدفاع والمقاومة، وكانت سائر قواعد الأندلس الأخرى قد غدت نهائياً من أملاك دولة قشتالة، وعين لها حكّام من النصارى، وتدجّن أهلها الباقون فيها أو غدوا مدجّنين
стр. 703
( Mudejores) يدينون بطاعة ملك النصارى، وذاعت بها الدعوة النصرانية، وارتد كثير من المسلمين عن دينهم حرصاً على أوطانهم ومصالحهم أو اتقاء الريب والمطاردة، ولكن كثيراً منهم ممن أشفقوا على أنفسهم ودينهم، جازوا البحر إلى المغرب، وهرعت جموع غفيرة منهم إلى غرناطة معقل الإسلام الوحيد الباقي، حتى غدت الحاضرة تموج بسكانها الجدد، وحتى أصبحت تضم بين أسوارها وأرياضها أكثر من أربعمائة ألف نفس. وكانت موجة عامة من اليأس والنقمة تغمر هذه الألوف، التي أوذيت في الأوطان والنفس والولد والمال، دون أن تجني ذنباً أو جريرة، وكانت فكرة التسليم للعدو الباغي أو مهادنته، تلقى استنكاراً عاماً. ولم يكن أبو عبد الله يجهل هذا الاتجاه العام، فلما وفد إليه سفيرا ملكي قشتالة في طلب التسليم ثارت نفسه لهذا الغدر والتجني، وأدرك وربما لأول مرة، فداحة الخطأ الذي ارتكبه في محالفة هذا الملك الغادر، ومعاونته على بني وطنه ودينه. ولما أصرّ فرديناند على تجنيه، جمع أبو عبد الله الكبراء والقادة، فأجمعوا على رفض ما طلبه الملكان النصرانيان، وأعلنوا عزمهم الراسخ على الدفاع حتى الموت عن وطنهم ودينهم (١)، وأبلغ أبو عبد الله ملك قشتالة بأنه لم يعد له القول الفصل في هذا الأمر، وأن الشعب الغرناطي يأبى تسليم أو مهادنة، ويصمم على المقاومة والدفاع (٢).
هكذا كان جواب أبي عبد الله لملكي قشتالة، وهكذا حمل الأمير الضعيف بعزم شعبه، من الاستكانة والمهادنة إلى التحدي والمقاومة. وهنا يبدو لنا أبو عبد الله شخصية أخرى تنزع عنها صفات الخور والاستسلام والخضوع الذي يقرب من الخيانة، لتتّشح بثوب من العزة والكرامة، والحميّة الدينية والوطنية. ودوّت غرناطة بصيحة الحرب والجهاد، وخرجت سرايا من المسلمين لتعيث في الأراضي النصرانية القريبة. وفي ربيع سنة (٨٩٥ هـ -
стр. 704
١٤٩٠ م) خرج ملك قشتالة بقواته وهو يضطرم سخطاً، وزحف على بسائط غرناطة، فعاث فيها، وانتسف الزرع واستاق الماشية، وخرّب الضياع والقرى، ووصل في عبثه وتخريبه حتى أسوار الحاضرة ذاتها. وبرز المسلمون لقتاله، وعلى رأسهم أبو عبد الله، ووقعت بين الفريقين في ظاهر غرناطة عدّة ملاحم دموية ارتحل النصارى على أثرها. ولم يستطيعوا الدنو من المدينة (رجب ٨٩٥ هـ - ١٤٩٠ م)، وعمد فرديناند حين العودة إلى تحصين بعض الحصون القريبة من غرناطة، مثل برج الملاحة وبرج رومة وغيرهما، وشحنها بالرجال والعدد استعداداً للمعارك القادمة.
وعلى أثر ارتحال القشتاليين، خرج أبو عبد الله في قواته يحاول استرداد بعض الحصون والمراكز القريبة، فاستولى على قرية البذول عنوة، ثم استولى على غيرها من القرى، ودبت في المسلمين في تلك الأنحاء روح جديدة، وثار أهل البشرّات (البشرة) وما حولها على حكامهم النصارى، وثار أهل وادي آش في الوقت نفسه، واضطرموا لما رأوه من وثبة أبي عبد الله وعزمه بنزعة جديدة إلى المقاومة، وبعثوا إليه يطلبون عونه. وسار أبو عبد الله بقواته يريد حصن أندَرَش (١) لما علمه من ثورة المسلمين هناك، وكان عمه محمد بن سعد (الزغل) لا يزال به، فلما سمع بمقدمه خرج مع صحبه إلى ألمرية، وبقي بها إلى أن جاز البحر إلى المغرب كما ذكرنا، واستولى أبو عبد الله على اندرش وغيرها من المحلاّت والحصون القريبة منها (٢)، ورتّب فيها حاميات من المسلمين للدفاع عنها (شعبان ٨٩٥ هـ).
واستمرت هذه المعارك المحليّة سجالاً مدى حين بين المسلمين والنصارى، فاسترد النصارى حصن أندراش لأسابيع قليلة من فقده، وغادره الفرسان المسلمون، إذ كانوا قلّة لم تستطع للعدوّ دفعاً. وفي شهر رمضان من سنة (٨٩٥ هـ) - (آب - أغسطس ١٤٩٠ م) خرج أبو عبد الله في قواته إلى قرية
стр. 705
همدان القريبة (١)، فافتتحها واخترق المسلمون أبراجها الكثيفة، وكانوا يخشون أن تمتنع عليهم لكثافتها، واغتنموا منها مقادير وفيرة من الذخائر والأطعمة، وأسروا من حاميتها نحو مائتين، وعاد المسلمون إلى غرناطة فرحين ظافرين، وغمرت الحاضرة المسلمة موجة من البشر والتفاؤل. وفي أواخر رمضان، خرج أبو عبد الله في قواته يريد افتتاح ثغر المنكب، وإعادة الصلة بين الأندلس وشواطئ المغرب، وهي صلة يعلّق عليها المسلمون أهمية خاصة، ويعتبرونها من أبواب الغوث والإنقاذ، واستولى أبو عبد الله في طريقه على حصن شلوبانية (٢) الواقع شرقي المنكب بعد قتال عنيف، وعلم النصارى بمحاولة أبي عبد الله، فهرعت حاميات بلش ومالقة إلى المنكب لإنجادها. ورأى أبو عبد الله أنه لا يستطيع مهاجمتها، وترامت إليه الأنباء بأن ملك قشتالة قد عاد بجنده إلى مرج غرناطة يعيث فيه فساداً وتخريباً، فارتد أدراجه، وكان فرديناند قد هاله ما حدث من الاضطراب والتصدع في المناطق المستولى عليها، فاعتزم السير من قرطبة بجيشه إلى تلك الأنحاء. والواقع أن بوادر الانتقاض والثورة كانت قد اشتدّت في وادي آش وما حولها من الضياع والقرى، وأخذ ظفر المسلمين في تلك المعارك المحلية يذكي عزم الثوار ويشجعهم. وخشي النصارى عواقب هذه الحركة، فضاعفوا قوى الحاميات في تلك الأنحاء، واحتالوا على أهل وادي آش، فأخرجوا معظمهم من المدينة إلى السهول المجاورة (٣)، واستجاب أبو عبد الله إلى نداء أهل وادي آش وعاونهم بالرجال والدواب على نقل أمتعتهم وأموالهم، وعلى الرحيل بالأهل والأموال إلى غرناطة، ونقل من تلك القرى والضياع مقادير وافرة من الحبوب والأطعمة وغيرها. وما كادت جموع المسلمين ترتد راجعة إلى