← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الأثر (١). وكان مقتله وهو في السابعة والثلاثين في عنفوان فتوته ومجده، ودفن السلطان الشهيد في مقبرة الحمراء إلى جانب آبائه مبكياً عليه من شعبه بدموع غزيرة. وكان السلطان يوسف أعظم ملوك غرناطة همة وعزماً، وأبدعهم خلالاً، وكان فوق فروسته ونجدته عالماً أديباً، شغوفاً بالعمارة وإقامة الصروح الباذخة، وهو الذي شيد البرج الأعظم بقصر الحمراء، وأنشأ به أفخم أجنحته وأبدعها، وهو الذي أسبغ على هذا الصرح العظيم بمنشآته وزخارفه، بهاءه وروعته التي مازال يحتفظ بلمحة منها. وفي عصره زهت العلوم والآداب، وذاعت شهرة العلماء المسلمين، ولاسيما في الفلك والكيمياء. وهكذا لبث بلاط غرناطة حقبة يقف من دولة بني مرين مواقف متناقضة، ويتردد بين سياسة التحالف والقطيعة، وبين الثقة والتوجّس، وليس من شك في أن بني مرين كانوا عضداً قيِّماً لمملكة غرناطة الناشئة، وقد أدّوا لها في مقاتلة النصارى خدمات جليلة، وبذلوا في ذلك السبيل تضحيات جمّة، وأعادوا بانتصارهم على النصارى في غير موقعة حاسمة، ذكريات الزلاقة والأرك، ولولا غوث بني مرين، واشتغال مملكة قشتالة بحوادثها الداخلية غير مرة، لما اشتد ساعد بني الأحمر وسطعت دولتهم خلال هذه المدة المليئة بالحوادث الجسام، واستطالت أيام الإسلام بالأندلس زهاء مائة عام أخرى. وقد كان من سوء الطالع ألاّ يدرك بلاط غرناطة خطر الخلاف مع الحليف الطبيعي الذي رتبه القدر فيما وراء البحر، لإنجاد الأندلس عند الخطر الداهم، وأن يجنح من آن لآخر إلى مخاصمة هذا الحليف ومحاربته، كما استولى ابن الأحمر على سبتة. كذلك لم تخل سياسة بني مرين إزاء مملكة غرناطة أحياناً، من الالتواء وبث الشكوك في نفوس أمراء بني نصر،

стр. 632

بما كانت تجنح إليه من مداخلة الخوارج عليهم. وهكذا كانت قوى الإسلام تُبدد في معارك أهلية، وقد كان حرياً بها أن تتضافر على مغالبة العدو المشترك. على أن الدولة المرينية ذاتها تدخل منذ وفاة أبي الحسن في سنة (٧٥٢ هـ - ١٣٥١ م) في دور انحلالها، وتنحدر إلى غمرات الحرب الأهلية، وتشغل بشئونها الداخلية، وتفقد غرناطة بذلك، العضد الوحيد، الذي كانت تدّخره وقت الشدائد. وقد استمرت العلائق بين غرناطة وبني مرين عصراً آخر، ولكنها غدت علائق بلاط، تغلب عليها دسائس القصور، وانقطعت الجيوش المغربية عن العبور إلى الأندلس لمقاتلة النصارى، كما كانت تفعل أيام أبي يوسف وأبي يعقوب وأبي الحسن، ولم تعبر بعد ذلك سوى مرة واحدة لمعاونة الخوارج في جبل طارق ضد ملك غرناطة، وتركت غرناطة من ذلك الحين إلى مصيرها داخل الجزيرة الإسبانية، تغالب قوى النصرانية بمفردها، وقدر استطاعتها، وكان ملاذها الأخير في اختلاف كلمة النصارى، وانشغالهم بذلك الخلاف عن محاربتها (١).

стр. 633

الأندلس بين المد والجزر ١ - ولاية محمد الغني بالله وحوادث أيامه لم تمض ساعات قلائل على مصرع السلطان يوسف أبي الحجاج في صبيحة يوم عيد الفطر سنة (٧٥٥ هـ) حتى خلفه الملك ولده محمد الملقب بالغني بالله، وكان حَدَثاً يافعاً، فاستأثر بشئون الدولة حاجبه ومولى أبيه من قبل أبو النعيم رضوان، وكانت غرناطة بعد ما توالى عليها من الخطوب والأزمات في أواخر عهد أبيه يوسف، قد تنفست الصعداء نوعاً ما منذ وفاة ملك قشتالة. وكان من بين كتابه ثم وزرائه: لسان الدين بن الخطيب مؤرخ الدولة النصرية وأعظم كتاب الأندلس وشعرائها يومئذ، وكان مولد ابن الخطيب في لوشة (١) من أعمال غرناطة في سنة (٧١٣ هـ - ١٣١٣ م)، وكان هذا المفكر البارع أحد رجلين عظيمين شغلا يومئذ في المغرب الإسلامي، مركز الصدارة في التفكير والكتابة هما ابن خلدون وابن الخطيب، وقد درس ابن الخطيب اللغة والأدب والطب والفلسفة، وبرز في النثر والنظم، وخدم الدولة منذ حداثته، فتولى ديوان الكتابة للسلطان أبي الحجاج، ثم انتقل إلى خدمة ولده محمد، فلم يلبث أن نال ثقته ورقّاه إلى مرتبة الوزارة، وأوفده بعد ولايته بقليل على رأس وفد من كبار الأندلس سفيراً من قبله، إلى ملك المغرب السلطان أبي عنان المريني (أواخر سنة ٧٥٥ هـ) يستنصره على مغالبة طاغية قشتالة، ويؤكد بينهما عهد الصداقة والمودّة، جرياً على سنة أسلافه من ملوك بني الأحمر، فاستقبله السلطان بحفاوة، وأنشد بين يديه قصيدة هذا مطلعها:

стр. 634

خليفة الله ساعدَ القدرُ ... عُلاك ما لاح في الدّجى قمر ودافعت عنك كفُّ قدرته ... ما ليس يستطيع دفْعه البشرُ فتأثر السلطان لقصيدته، ووعد بإجابة سائر مطالبه، وهكذا أدّى ابن الخطيب سفارته بنجاح، وكان له من بعد ذلك في حوادث الأندلس أعظم نصيب (١). وفي أواخر سنة (٧٥٦ هـ - أواخر سنة ١٣٥٥ م)، حاول حاكم جبل طارق المريني عيسى بن الحسن بن أبي منديل أن يثير ضرام الثورة، وكانت محاولة خطيرة، ربما أفسحت للنصارى ثغرة يضربون منها الأندلس وجحافل المغرب، ولكن أهل جبل طارق نكلوا عن مؤازرة الثائر، وأخمدت في المهد، وقُبض عليه وعلى ولده، وأُرسِلا مصفدين إلى المغرب، فقضى بإعدامهما، وأرسل السلطان أبو عنان إلى جبل طارق ولده أبا بكر السّعيد، ومعه من الفرسان قوّة، لحماية الثغر وتجديد تحصيناته (٢). وفي أوائل عهد السلطان محمد، شغلت قشتالة بحروبها الداخلية، فأمنت غرناطة شرّ العدوان مدى حين، ولكن الحوادث الداخلية كانت تؤذن بتطورات جديدة. ففي رمضان سنة (٧٦٠ هـ - ١٣٥٩ م) نشبت في غرناطة ثورة فقد فيها الغني بالله ملكه، وكان أخوه إسماعيل المعتقل في بعض أبراج الحمراء تؤازره جماعة من الزعماء، وفي مقدمتهم صهره الرئيس عبد الله، وتدعو له سراً، وتترقب الفرص للوثوب بمحمد، وكانت أمه المقيمة بالقصر تؤيد مشاريعه بالسعي والبذل الوفير، وكان السلطان محمد قد تحول بولده إلى سكنى قصر جنّة العريف الواقع شمال شرقي الحمراء، فانتهز المتآمرون ذات مساء فرصة ابتعاده عن دار الملك، وهاجموا حصن الحمراء (٢٨ رمضان سنة ٧٦٠ هـ) ونفذوا إلى قصر الحاجب رضوان وقتلوه بين أهله

стр. 635

وولده، ونادوا بإسماعيل أخي السلطان ملكاً مكانه. وشعر محمد بعقم المدافعة، ففرّ إلى وادي آش. وحاول ابن الخطيب مصانعة السلطان الجديد، فاستبقاه في الوزارة لمدى قصير، ثم ارتاب في نياته وأمر باعتقاله ومصادرة أمواله. وكانت تربط السلطان المخلوع علائق مودّة وصداقة بملك المغرب، السلطان أبي سالم ولد السلطان أبي الحسن. وكان أبو سالم قد لجأ إليه حينما تغلّب عليه السلطان أبو عنان ونفاه إلى الأندلس، فأكرم محمد مثواه. ولما وقعت الفتنة وخلع محمد، رعى له أبو سالم عهد الصداقة والوفاء، وأرسل إلى غرناطة سفيراً يسعى لدى حكومتها، في إجازة السلطان المخلوع ووزيره المعتقل إلى المغرب، فنجح السفير في مهمته، وعاد إلى المغرب ومعه محمد والوزير ابن الخطيب (المحرم سنة ٧٦١ هـ). واستقبلهما أبو سالم في فاس أجمل استقبال، واحتفل بقدومهما في يوم مشهود، وأنشده ابن الخطيب قصيدة عصماء، فكان لإنشاده أعظم وقع في النفوس، وتأثر السلطان بها أيّما تأثر (١). ولبث السلطان المخلوع في بلاط فاس حيناً، وتوثقت بينه وبين المؤرِّخ ابن خلدون - وهو يومئذ من أكابر الدولة المرينية - روابط المحبّة والصداقة، وعقدت أيضاً بين المؤرخ وبين قرينه ابن الخطيب أواصر صداقة نمت وتوثقت فيما بعد. وكان محمد بن الأحمر يؤمِّل أن يسترد ملكه المنزوع بمعاونة بيدرو الثاني (بطره) ملك قشتالة تنفيذاً للاتفاق الذي عقد بينهما. ولكنه لم يفعل شيئاً لتحقيق هذا الأمل. والواقع أن ملك قشتالة كان مشغولاً باضطرابات مملكته، فآثر أن يعقد السلم مع سلطان غرناطة الجديد. وفي أثناء ذلك حدث انقلاب لقي فيه السلطان أبو سالم مصرعه، واستبد بالدولة الوزير عمر بن عبد الله فسعى لديه ابن الأحمر ليعاونه في استرداد ملكه، فاستجاب له الوزير. ومازال محمد يدبر أمره بمعاونته، حتى تهيأت الفرصة بوقوع الثورة في غرناطة، ومقتل منافسه السلطان إسماعيل على يد المتغلِّب

стр. 636

عليه الرئيس أبي سعيد، فجاز محمد إلى الأندلس مع وزيره ابن الخطيب، واستولى على غرناطة، وفرّ الرئيس أبو سعيد إلى ملك قشتالة، واسترد محمد ملكه (جمادى الآخرة ٧٦٣ هـ - ١٣٦١ م). ووفد عليه المؤرِّخ ابن خلدون بعد ذلك بقليل، وأكرم مثواه، وأرسله سفيراً عنه إلى بيدرو ملك قشتالة، ليوثق أواصر الصداقة بينهما (٧٦٥ هـ - ١٣٦٣ م)، فقصد ابن خلدون بلاط إشبيلية ومعه هدية فخمة، وأدّى سفارته ببراعة، وحظي بعطف ملك قشتالة وإعجابه. ولما اعتزم ابن خلدون العودة بعد أن أتمَّ مهمّته، قدم له ملك قشتالة هدية ثمينة، فسر السلطان محمد لنجاحه، وأقطعه قرية إلبيرة بمرج غرناطة، وعاش مدة في غرناطة معززاً مكرماً (١). ولم يمض على ذلك قليل، حتى شغلت قشتالة مدى حين بمنازعاتها وحروبها الداخلية، وتمتعت غرناطة خلال ذلك بهدنة قصيرة، وكان بيدرو ملك قشتالة (دون بطره) الملقب بالقاسي الذي خلف أباه الفونسو الحادي عشر في سنة (١٣٥٠ م) قد غلا باستبداده وقسوته، حتى أنه لم يحجم عن قتل زوجته الملكة بلانش دي بوربون أخت ملكة فرنسا بالسم، ليتزوج من خليلته، فسخط عليه الأمراء والأشراف لما نالهم من عسفه، وخرج عليه أخوه غير الشّرعي الكونت هنري دي تراستمارا، ولد إلينورا دي كزمان، وفرّ إلى فرنسا، وتحالف مع ملكها شارل الخامس، على أن يجمع له جيشاً من المرتزقة يقوده إلى قشتالة، وأشرف على تنفيذ المشروع الدوق دى جسكلان زعيم الفروسية يومئذ. وقاد هنري جيشه إلى قشتالة (١٣٦٦ م)، فلم يقو بيدرو على مقاومته لاشتداد السخط عليه، وتخلى الشعب عنه، وفرّ إلى ولاية جويين الفرنسية فيما وراء البرنية، واستغاث بالأمير إدوارد ولي عهد انكلترا، وقد كان يحكم هذه الأنحاء المحتلة من فرنسا باسم أبيه، فاستجاب الأمير الإنجليزي لدعوته، وسار معه إلى قشتالة في قواته، واستطاع الكونت هنري

стр. 637

بمعاونة شعبه، ومعاونة ملك أراغون، أن يحشد جيشاً عظيماً. والتقى الفريقان في (نجارا) في الثالث من نيسان - أبريل (١٣٦٧ م)، فهُزِم الكونت هنري بالرغم من وفرة جموعه. وقُتِل عدد كبير من جيشه، واسترد بيدرو عرشه. ولكنه لم يف بوعده إلى الأمير الإنكليزي، ولم يؤد إليه الجزية المشترطة، فسخط عليه وارتد بقواته إلى الشمال. وعندئذٍ عادت الثورة إلى الاضطرام في قشتالة، ووثب الشعب ببيدرو مرة أخرى، وعاد أخوه الكونت هنري فغزا قشتالة في أنصاره، ونشبت بين الفريقين في (مونتيل) موقعة أخرى هُزِم فيها بيدرو، وجلس أخوه مكانه على العرش سنة (١٣٦٨ م) (١)، وكان بين قوات الملك القتيل فرقة من حلفائه المسلمين تعاونه وتذود عنه. وقد فصّل لنا ابن الخطيب حوادث الحرب الأهلية، في قشتالة في تلك المدة، وكان معاصراً لها وقريباً من مسرحها، وروايته تدل على حسن اطلاعه، ودقة فهمه لسير الحوادث (٢). وتولَّى ابن الخطيب وزارة الغني بالله للمرة الثانية، وهو متمتع بأقصى مراتب العطف والثقة، واستأثر في البلاط وفي الدولة بكل نفوذ وسلطة، وقضى على نفوذ منافسه الوحيد في السلطة وهو شيخ الغزاة عثمان بن يحيى، ومازال بالسلطان حتى نكبه، فخلا له الجو وتبوّأ ذروة القوّة والسلطان. وكان من معاونيه في الوزارة تلميذه الكاتب الشاعر الكبير أبو عبد الله بن زَمرَك، وقد تولى كتابة السر في كنفه وتحت رعايته. والظاهر أن اجتماع السلطان والنفوذ في يد ابن الخطيب على هذا النحو، كان سبباً في انحرافه عن جادة الاعتدال والروية، فجنح إلى الاستبداد واتباع الهوى، وبث حوله معتركاً من البغضاء والخصومة، وكثرت في حقه السِّعاية والوشاية، واتهمه خصومه بالإلحاد والزندقة، لما ورد في بعض كتاباته. وشعر ابن الخطيب في النهاية أن السعاية قد بدأت تحدث أثرها، وأن عطف مليكه قد فتر، وخشي العاقبة على نفسه،

стр. 638

فعوّل على مغادرة الأندلس، وسار إلى الثغور الغربية في نفر من خاصته، بحجة تفقدها، وعبر البحر فجأة إلى سبتة (٧٧٣ هـ) بتفاهم سابق بينه وبين ملك المغرب السلطان عبد العزيز المريني، وكانت تربطه به مودة وثيقة. وهكذا غادر ابن الخطيب الوطن والأهل والسلطان، بعد أن تربّع في الوزارة في المرة الثانية زهاء عشرة أعوام. وخلفه في الوزارة تلميذه ابن زمرك، وكان قد انقلب عليه في أواخر أيامه، وغدا من خصومه وأشدّهم سعياً إلى نكبته. وقضى ابن الخطيب في منفاه زهاء ثلاثة أعوام، واستقرّ في فاس معزّزاً مكرّماً. ولكن السلطان عبد العزيز، ما لبث أن توفي، وساءت الأمور في عهد ولده الطفل الملك السعيد، ووقع انقلاب انتهى بجلوس السلطان أحمد بن أبي سالم على العرش، وهو صديق الغني بالله وحليفه، وكان بلاط غرناطة وخصوم ابن الخطيب في الأندلس يجدّون في ملاحقته ومطاردته، فسعوا عندئذٍ في بلاط فاس للقبض عليه واتِّهامه بالزندقة. وكلل مسعاهم آخر الأمر بالنجاح، واعتقل ابن الخطيب، أفتى بعض الفقهاء المتعصِّبين بوجوب قتله تنفيذاً لحكم الدين، ودُسّ عليه بعض الأوغاد، فقتلوه في سجنه، وذلك في أواخر سنة (٧٧٦ هـ- ١٣٧٥ م)، وهكذا ذهب الكاتب الشاعر الكبير ضحية الغدر السياسي والتعصب الشائن (١). وكان ابن الخطيب سياسياً بعيد النظر، وكان يرى في حوادث الأندلس شبح المستقبل الرهيب واضحاً، ويستشف بنافذة بصيرته ما وراء الحجب، من نهاية محتومة لهذا الوطن الذي مزّقته الأهواء وأضنته الفتن، وكان يرى هذا المصير المحزن قبل وقوعه بأكثر من قرن، ويهيب بقومه وإخوانه المسلمين فيما وراء البحر، أن يبادروا إلى غوثه ونصرته، وله في ذلك رسائل ونداءات عديدة مؤثرة تفيض قوّة وبلاغة، في الحثّ على اليقظة، والذود عن الدين والوطن، والنذير بما يهددهم ويهدد وطنهم من خطر المحو والفناء إذا

стр. 639

تقاعسوا أو تخاذلوا وافترقت كلمتهم (١). وأبلغ من ذلك كله في الدلالة على شعور ابن الخطيب بخطر الفناء الذي ينتظر الأندلس، ما وجهه في وصيته إلى أولاده من النصح، بعدم الإسراف في اقتناء العقارات بالأندلس، إذ يقول لهم: "ومن رزق منكم مالاً بهذا الوطن القلق المهاد الذي لا يصلح بغير الجهاد، فلا يستهلكه أجمع في العقار، فيصبح عرضة للمذلة والاحتقار، وساعياً لنفسه أن يتغلّب العدو على بلده في الافتضاح والافتقار، ومعوّقاً عن الانتقال أمام النوائب الثقال، وإذا كان رزق العبد على المولى، فالاجمال في الطلب أولى" (٢). وسلك الغني بالله في حكمه مسلك القوّة والحزم، واشتهر بصرامته وعدله، وعنى بمشاريع الإنشاء والعمران، فأمر ببناء المارستان الأعظم (المستشفى) في غرناطة، وأنفق عليه أموالاً عظيمة، وعُنِي بتحصين الثغور، وعمل على بث روح الجهاد والحمية في النفوس للدفاع عن الدين والوطن، وكان داعيته في ذلك وسفيره إلى جمهور الأمة، وزيره القوي البليغ ابن الخطيب، فعمل على إذكاء الشعور ببراعة، واستمرت رسائله وخطبه المؤثرة في ذلك تترى أينما كان، بالأندلس أو المغرب، حتى نهاية حياته. وفي أواخر سنة (٧٦٧ هـ - ١٣٦٦ م)، نظَّم بعض الزعماء الخوارج مؤامرة لخلع السلطان وإقامة بعض قرابته مكانه، وهاجم الخوارج قلعة الحمراء، فمزقتهم الجند، وقبض على زعيمهم، وزاد إخفاق المؤامرة مركز السلطان توطيداً. وفي عصر الغني بالله، توطدت أواصر الصداقة بين بلاط غرناطة وبلاط

стр. 640

القاهرة، واتصلت بينهما السفارة والمكاتبة (١). وفيما يختص بالعلائق السياسية، فقد عقد الغني بالله بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن صديقه أبي فارس عبد العزيز سلطان المغرب، مع بيدرو الرابع ملك أراغون معاهدة وصداقة لمدة ثلاثة أعوام من تاريخ عقدها وهو شهر رجب سنة (٧٦٨ هـ - آذار - مارس - ١٣٦٧ م) وفيها يتعهد كل من الفريقين بأن يمتنع رعاياه عن الإضرار بالفريق الآخر في البرِ والبحر، في السر أو الجهر، وأن يكون لرعايا كل فريق حق التجول والمتاجرة بأرض الفريق الآخر، والمرور في البحر والبر، دون اعتراض أو مغارم غير عادية، وأن تطلق أراغون حرية الهجرة للمدجنين، وأن يمتنع كل فريق عن معاونة الفريق الآخر (٢). واستطال حكم الغني بالله حتى سنة (٧٩٣ هـ - ١٣٩١ م)، وساد الأمن والسلام في عصره، وشغلت قشتالة عن محاربة المسلمين بأحداثها الداخلية وحروبها الأهلية، وغلب التهادي في تلك المدة بين غرناطة وقشتالة، واستطاعت السياسة الغرناطية أن تنتهز فرصة الحوادث الداخلية في المملكة النصرانية، وأن تمدّ يد التحالف والحماية غير مرة لملك قشتالة المخلوع بيدرو القاسي، إذكاءً للحرب الأهلية بين النصارى. ولم يخل عصر الغني بالله من مواطن الجهاد واستئناف الصراع على القشتاليين، وكانت القوات القشتالية قد تسربت من أطراف ولاية إشبيلية الجنوبية، إلى أحواز رندة الشرقية، واحتلت فيها موقعين حصينين من أراضي المسلمين هما برغة وجيرة (٣)، واستطاعت بذلك أن تقطع الطريق بين رندة

стр. 641

ومالقة، ففي شعبان سنة (٧٦٧ هـ - ١٣٦٦ م) زحف المسلمون على هذين المعقلين من الشمال والجنوب واحتلوهما بعد قتال شديد، وفي الوقت نفسه استؤنفت حركة الغزو لأراضي النصارى، ففي شعبان سنة (٧٦٨ هـ - ١٣٦٧ م) زحف الغني بالله في قواته على أراضي ولاية إشبيلية، وغزا مدينة أُطريرة الواقعة جنوب شرقي إشبيلية، وافتتح حصن أشر من معاقلها، واستولى على كثير من الغنائم والسبى، وعاث في أحواز إشبيلية ذاتها، وهي يومئذ عاصمة قشتالة. وفي أواخر هذا العام سار الغني بالله في قوة كبيرة إلى مدينة جيّان، وحاصرها بشدّة، واقتحمها بعد معارك شديدة، واستولى المسلمون على سائر ما فيها من الأموال والسلاح والنِّعم، وأسروا جموعاً كثيرة، وكان ذلك في أواخر شهر المحرم سنة (٧٦٩ هـ - أيلول - سبتمبر - ١٣٦٧ م). وفي شهر ربيع الأول من هذا العام، زحف الغني بالله على مدينة أبدة شمال شرقي جيّان، وافتتحها عنوة، ودمّر صروحها وكنائسها وأسوارها، وتركها خراباً بلقعاً (١)، وعاد إلى غرناطة مكلّلاً بغار الظفر. وفي ربيع سنة (٧٧١ هـ - ١٣٧٠ م)، زحف المسلمون ثانية على أحواز إشبيلية، وحاصروا مدينة قرمونة الحصينة مدى حين، واقتحموا مرشانة الواقعة في جنوب شرقي قرمونة. وهكذا ظهرت المملكة الإسلامية في تلك المدة بمظهر من القوة لم تعرفه منذ بعيد، وكان عصر الغني بالله عصراً ذهبياً مليئاً بالسؤدد والرخاء والدّعة، لم تشهده الأمة الأندلسية منذ عصور (٢). ٢ - يوسف أبو الحجاج وحوادث أيامه ولما توفي الغني بالله سنة (٧٩٣ هـ - ١٣٩١ م)، خلفه ولده يوسف أبو الحجاج (يوسف الثاني)، وقام بأمر دولته خالد مولى أبيه، فاستبدّ بالأمر، وقتل إخوة يوسف الثلاثة سعداً ومحمداً ونصراً في محبسهم، ثم سخط

стр. 642

يوسف على وزيره وقتله، لما نُميَ إليه من أنه يحاول اغتياله بالسم بالتفاهم مع طبيبه يحيى بن الصائغ اليهودي، وزج الطبيب في السجن، ثم قتل بعد ذلك (١). واستأثر يوسف بالسلطة، وكتب إلى ملك قشتالة في طلب المهادنة والسلم، وأطلق سراح عدد من الفرسان النصارى الذين أسروا في بعض المعارك السابقة، وأرسلهم مكرمين إلى بلاط إشبيلية، فاستجاب ملك قشتالة إلى دعوته، وعقد السلم بين المملكتين. وحاول محمد ولد السلطان يوسف الثورة ضد أبيه، إذ كان يؤثر أخاه الأكبر يوسف بمحبته وثقته، وقد اختاره لولاية عهده. وزحف بالفعل في أنصاره على الحمراء، ولكن محاولته أخفقت، وتفرّق الثوار حين برز إليهم سفير المغرب - وقد كان وقتئذٍ في القصر - وأنّبهم على مسلكهم، ونصحهم بالهدوء والاتحاد ضد النصارى (٢). وقام المسلمون في عهد يوسف بالإغارة على أراضي النصارى في أحواز مرسية ولورقة، وعاث الفرسان النصارى من جانبهم في فحص غرناطة (المرج) ( La Vega) فردّهم المسلمون وأوقعوا بهم هزيمة شديدة، ثم عاد الفريقان إلى التهادن والسلم. وتوفي السلطان يوسف في أوائل سنة (٧٩٧ هـ - ١٣٩٤ م) بعد حكم قصير، لم يدم سوى ثلاثة أعوام وبضعة أشهر. وقيل: إنه توفى مسموماً على أثر مكيدة دبرها له سلطان المغرب أبو العباس المريني لإهلاكه، وذلك بأن أرسل إليه هدايا بينها معطف جميل منقوع في السم، فلبسه يوسف ومسّه أثناء ركوبه وهو عرقان، فسرى إليه السم وتوفي، وهي رواية تحمل ما لا يصدق (٣).

стр. 643

٣ - محمد بن يوسف وحوادث أيامه وخلف يوسف ولده محمد بعد أن دبّر أمره مع الزعماء ورجال الدولة لإقصاء أخيه الأكبر يوسف من العرش، ثم قبض على أخيه يوسف وزجه إلى قلعة شلوبانية الحصينة على مقربة من ثغر المنكب، وشدّد في الحجر عليه حتى يأمن منازعته إياه على الملك، وكان محمد وافر العنف والجرأة بعيد الأطماع، بيد أنه كان في الوقت نفسه أميراً موهوباً، رفيع العزم والشجاعة. ولأول ولايته استدعى الوزير أبا عبد الله بن زمرك لحجابته. وكان هذا الوزير الطاغية قد خلف أستاذه ابن الخطيب في وزارة الغني بالله مدى أعوام طويلة، فلما اشتد عبثه واستبداده، نكبه الغني بالله، نفاه من الحضرة؛ ولم يمكث في الوزارة هذه المرة سوى أشهر قلائل أساء فيها السيرة، وكثر خصومه، وفي أواخر سنة ٧٩٧ هـ (١٣٩٥ م)، دهمه جماعة من المتآمرين بمنزله وقتلوه وآله (١). وسعى السلطان محمد إلى تجديد صلات المودة والتهادن بين غرناطة وقشتالة، وعقدت الهدنة فعلاً بين الطرفين، بيد أنه لم يمض قليل على ذلك، حتى أغار القشتاليون على بسائط غرناطة وعاثوا فيها، فحشد محمد قواته وغزا ولاية الغرب (٢) وخرّبها، واستولى على حصن أيامونتي (٣)، وعاد مثقلاً بالغنائم والسّبى. وانتقم النصارى بالعود إلى غزو أرض غرناطة، وكان هنري الثالث ملك قشتالة تحدوه نحو مملكة غرناطة أطماع عظيمة، وكان يجدّ في الأهبة للحرب ويجهِّز الجيوش والأساطيل، وكان محمد من جانبه يتأهب للدفاع، ويراسل ملوك العدوة لإنجاده. وبعث ملك تونس وتلمسان بالفعل

стр. 644

إلى المسلمين نجدة من الوحدات البحرية، ولكنها هُزِمت ومُزِّقت تجاه جبل طارق. ثم عقد بين الفريقين اتفاق هدنة وتحكيم لتقدير الأضرار لمدة عامين (٦ تشرين الأول - أكتوبر ١٤٠٦ م) (١)، ولكن هنري الثالث توفي بعد ذلك بقليل (أواخر سنة ١٤٠٦ م) وخلفه على عرش قشتالة ولده خوان (يوحنا) طفلاً تحت وصاية أمه وعمه فرديناند. ولم يحترم الوصي الجديد أحكام الهدنة المعقودة، بل عمد إلى تنفيذ مشاريع قشتالة بمنتهى القوة والعزم، فسار إلى غزو أراضي المسلمين. واستولى على حصن الصخرة على مقربة من رندة، واقتحم حصن باغة (٢)، وعاث في تلك الأنحاء، واسترد حصن أيامونتي من المسلمين. وبادر محمد بدوره بغزو أراضي قشتالة من ناحية الشرق وعاث في ولاية جيّان، فاضطر فرديناند أن يسير إلى الشرق لإنجاد النصارى، واستمرت المعارك بين الطرفين حيناً، ثم انتهت بعقد الهدنة بينهما لمدة ثمانية أشهر (أوائل سنة ١٤٠٨ م). ولما عاد محمد إلى غرناطة، لم يلبث أن اشتد به المرض، فتوفي سنة (٨١١ هـ - ١٤٠٨ م). على أنه في الوقت الذي كانت الحرب تضطرم فيه بين غرناطة وقشتالة على هذا النحو بلا انقطاع، كانت غرناطة ترتبط بمملكة أراغون منافسة قشتالة وخصيمها أحياناً، بصلات المودة والصداقة. ففي ربيع الأول سنة (٨٠٨ هـ - أيلول - سبتمبر - ١٤٠٥ م) عقدت بين السلطان وبين مرتين ملك أراغون وولده مرتين ملك صقلية، معاهدة صداقة وتحالف، توضح لنا نصوصها الشاملة مجمل المسائل التي كانت في هذا العصر، تشغل المسلمين والنصارى في شبه الجزيرة الإسبانية. وتنص هذه المعاهدة على أن يعقد بين الدولتين (صلح ثابت)، لمدة خمسة أعوام من تاريخ عقدها، وأنه يحق لرعايا كل من الفريقين أن يتردد على أراضي الفريق الآخر، آمنين في أنفسهم وأموالهم للتجارة والبيع والشراء،

стр. 645

وأنه متى احتاج ملك أراغون أو ملك صقلية إلى معاونة على أعدائهما، فإن سلطان غرناطة ينجدهما بأربعمائة أو خمسمائة فارس، على أن يتكلفا هما بنفقاتهم، وذلك بشرط أن لا يكون هذا العدو صديقاً لمملكة غرناطة، وأن يعامل الملكان سلطان غرناطة بالمثل، فيقوما بإعانته بأربعة أو خمسة سفن مشحونة بالرجال والسلاح، على أن يتكفل هو بنفقاتها وعلى ألاّ يكون هذا العدو صديقاً لمملكة أراغون، وألاّ يساعد أحد الفريقين الثوار الذين يخرجون على الفريق الآخر بأي نوع من أنواع المساعدة (١). ٤ - يوسف بن يوسف ولما توفي محمد بن يوسف، خلفه في الملك أخوه يوسف (الثالث)، وكان سجيناً طوال حكمه بقلعة شلوبانية كما ذكرنا، ودخل يوسف غرناطة في حفل فخم، واستقبله الشعب بحماسة. وكان يتمتع بخلال حسنة، ويعلِّق عليه الشعب آمالاً كبيرة. وكان أول ما عُنِي به أن سعى إلى تجديد الهدنة مع قشتالة، فاستجاب بلاط قشتالة إلى دعوته في البداية، وعُقدت الهدنة بين الفريقين لمدة عامين. ولكنه لما سعى بعد مضي العامين إلى تجديدها، أبى القشتاليون، وطلبوا إليه الخضوع إلى قشتالة إذا شاء استمرار السلم، وأنذروه بإعلان الحرب، فرفض وأخذ في الأهبة للقتال. وكان ملك قشتالة يومئذ خوان الثاني تحت وصاية أمّه وعمّه فرديناند، فما كادت تنتهي الهدنة حتى زحف النصارى على أرض غرناطة بقيادة فرديناند الوصي، وضربوا الحصار على مدينة أنتقيرة في شمال غربي مالقة، فهرع يوسف إلى لقاء الغزاة. وحاولت حامية أنتقيرة أن تحطم الحصار وأنزلت بالمحاصرين خسائر فادحة، ثم نشبت بين المسلمين والنصارى معركة كبيرة بجوار أنتقيرة. وبذل

стр. 646

المسلمون لإنقاذ المدينة المحصورة جهوداً رائعة، ولكنهم هُزِموا أخيراً، واضطرت المدينة الباسلة إلى التسليم، فدخلها النصارى سنة (١٤١٢ م) وأُسبغ على فاتحها فرديناند من ذلك الحين لقب: (صاحب أنتقيرة). وعاث النصارى بعد ذلك في أراضي المسلمين، وأخيراً رأى السلطان يوسف أن يعقد هدنة مع قشتالة حقناً لدماء المسلمين، واجتناباً لاستمرار هذه المعارك المخرّبة، فارتضى بلاط قشتالة، وعقد السلم بين الفريقين، على أن يطلق ملك غرناطة سراح بضع مئات من الأسرى النصارى دون فدية. وفي عهد يوسف، ثار أهل جبل طارق، ودعَوْا ملك المغرب أبا سعيد المريني إلى احتلال الثغر، لاعتقادهم أنه أقدر على حمايتهم من غارات النصارى، فبعث إليهم أبو سعيد أخاه عبد الله في الجند تخلصاً منه، ولكن ابن الأحمر ما كاد يقف على هذه المؤامرة، حتى أرسل المدد إلى حاكم جبل طارق، واستطاع الغرناطيون أن يهزموا المغاربة في موقعة حاسمة، وأُسِر زعيمهم عبد الله، فأكرم ابن الأحمر وفادته ثم ردّه إلى المغرب وزوّده بالمال وبعض الجنود ليناهض أخاه، فهرعت القبائل لتأييده، واستطاع أن ينتزع الملك لنفسه من أخيه (١). ولما عقدت الهدنة بين مملكتي قشتالة وغرناطة، أخذت أواصر السلم تتوثق بينهما، وسادت بين بلاط غرناطة وبلاط إشبيلية علائق المودة والاحترام المتبادل، ولم تشهد غرناطة من قبل عهداً كعهد يوسف ساد فيه الوئام بين الأمتين الخصيمتين، وكانت غرناطة يومئذ تغصّ بالفرسان والأشراف النصارى، تجتذبهم خِلالُ أميرها وبهاء بلاطها وفروسيتها، وكانت حفلات المبارزات الرائعة تعقد بين الفرسان المسلمين والنصارى في أعظم ساحات المدينة، وتجري طبقاً لأرفع رسوم الفروسية الإسلامية، ويشهدها أجمل وأشرف العقائل المسلمات سافرات، وتبدو غرناطة في تلك

стр. 647

الأيام المشهورة في أروع الحلل وأبدع الزينات (١). وكانت الأمة الأندلسية تتمتع يومئذ في ظل ملكها الرشيد العادل بنعم الرخاء والسكينة والأمن، ولكنها تنحدر في نفس الوقت في ظل هذا السلم الخلّب والترف الناعم، إلى نوع من الانحلال الخطر، الذي يعصف بمنعتها وأهبتها الدفاعية. وتوفي السلطان يوسف في سنة (٨٢٠ هـ - ١٤١٨ م) بعد حكم دام نحو تسعة أعوام، وكان أميراً راجح العقل، بارع السياسة، عظيم الفروسية والنجدة، محباً لشعبه، فكان حكمه القصير صفحة زاهية من تاريخ مملكة غرناطة. ٥ - أبو عبد الله محمد الأيسر بن يوسف توالى على عرش غرناطة بعد السلطان يوسف عدة من الأمراء الضعاف، أولهم ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالأيسر، وكان أميراً صارماً سيئ الخلال، متعالياً على أهل دولته، بعيداً عن الاتصال بشعبه، لا يكاد يبدو في أية مناسبة عامة، وكان وزيره يوسف بن سراج واسطته الوحيدة للاتصال بشعبه وكبراء دولته. وكان هذا الوزير النّابه، وهو زعيم أعظم وأشرف بيوت غرناطة، يعمل ببراعته ورقّة خلاله، لتلطيف حدّة السّخط العام على مليكه، بيد أنه كان يحاول أمراً صعباً. ولابد لنا من من التعريف ببني سراج، فهم الذين يقترن اسمهم منذ الآن بحوادث مملكة غرناطة، الذين غدت سيرتهم فيما بعد مورداً خصباً للقصص المغرق، وهم من أعرق الأسر الأندلسية العربية، ويرجع أصلها إلى مذْحج وطيء من البطون العربية العريقة، وكان منزلهم بقرطبة وقبلى مرسية، بيد أنهم لم يظهروا على مسرح الحوادث في تاريخ الأندلس إلاّ في مرحلته الأخيرة، أعني في تاريخ غرناطة. وقد كانوا بغرناطة من أعظم سادتها، وكانوا أنداداً للعرش

стр. 648

والسلاطين (١)، ومنذ عهد السلطان الأيسر، نرى بني سراج في طليعة القادة والزعماء، الذين يأخذون في سير الحوادث بأعظم نصيب. وقد كان حكم السلطان الأيسر، بداية سلسلة من الاضطرابات والقلاقل المتعاقبة. وفي عهده ساءت الأحوال، واشتد سخط الشعب، ولم تُجْدِ محاولات الوزير ابن سراج لتهدئة الأمور. وقامت ثورات متعاقبة، فقد فيها الأيسر عرشه ثم استرده غير مرة، وكان بلاط قشتالة يشجع هذه الانقلابات ويؤازرها، وكان الزعماء الثائرون يتطلعون دائماً إلى عون قشتالة ووحيها. وسنرى فيما يلي كيف كانت دسائس قشتالة ومؤامراتها حول عرش غرناطة في تلك الأيام، من أعظم العوامل في انحلال المملكة الإسلامية والتعجيل في سقوطها. وفي خلال حكم الأيسر المضطرب، كان النصارى يتربصون الفرص لغزو مملكة غرناطة، فزحفوا عليها في سنة (٨٣١ هـ - ١٤٢٨ م) وتوغلوا في أرجائها، وعاثوا في بسائط وادي آش، فزادت الأمور في غرناطة اضطراباً، وازداد الشعب على الأيسر سخطاً، لأنه فوق غطرسته وتعاليه، لم يفلح في ردّ العدو عن أرض الوطن، وسرعان ما انفجر بركان الثورة وزحف الثوار على الحمراء، ونادَوْا بالأمير محمد بن محمد بن يوسف الثالث، وهو ابن أخي الأيسر. وفي رواية أنه ولده، ومحمد هذا هو الملقّب (بالزغيّر)، وفرّ الأيسر في أهله ونفرٍ من خاصته، وركب البحر إلى تونس مستظلاً بحماية سلطانها أبي فارس الحفصي. وجلس محمد (الزغيّر) (٢) على عرش غرناطة، وكان أميراً بارع الخلال وافر الفروسية، يعشق الآداب والفنون، وكان يحاول اكتساب محبة الشعب

стр. 649

بفيض من الحفلات ومباريات الفروسية، ولكنه لم يوفق إلى إخماد الدسائس والفتن المستمرة. وكان بنو سراج ألدّ خصومه وأشدهم مراساً، فمال عليهم وطردهم وعوّل على سحقهم واستئصال نفوذهم القوي المتغلغل في أنحاء المملكة. وغادر يوسف بن سراج غرناطة مع عدد كبير من السادة الفرسان من أفراد أسرته، تفادياً لانتقام (الزغيّر) وبطشه، وسار أولاً إلى ولاية مرسية، ثم سار إلى إشبيلية ملتجئاً إلى حماية ملك قشتالة خوان الثاني، فرحب بهم وأكرم وفادتهم. واتفق يوسف بن سراج مع ملك قشتالة على العمل لرد السلطان الأيسر إلى العرش. واستدعى الأيسر من تونس، فلبّى الدعوة، وزوّده السلطان أبو فارس بفرقة من الفرسان، وهدايا ثمينة لملك قشتالة، ونزل الأيسر في عصبته في ثغر ألمرية حيث استقبله الشعب بحفاوة، ونُودي به ملكاً. ونُمي الخبر إلى الزغيّر، فأرسل بعض قواته لمقاتلة الأيسر والقبض عليه، ولكن معظم جنده انضموا إلى الأيسر. وسار الأيسر إلى وادي آش حيث يحتشد أنصاره، ثم زحف على غرناطة في قوة كبيرة. ورأى محمد الزغيّر أتباعه ينفضون من حوله تباعاً، بيد أنه امتنع في عصبته القليلة بقلعة الحمراء معتزماً الدفاع عن ملكه، ودخل الأيسر غرناطة، واستُقبِل بحماسة، وأُعلِن ملكاً، وحاصر الحمراء بشدة، فسلمها إليه أنصار الزغيّر. وقبض على الزغيّر وقطع رأسه، وقبض على أولاده وأهله، وهكذا انتهت مغامرة الزغيّر على هذا النحو المؤسي، بعد أن حكم عامين وبضعة أشهر (سنة ١٤٣٠ م) (١). ونظم السلطان الأيسر الأمور، وأعاد يوسف بن سراج إلى الوزارة، وأرسل إلى ملك قشتالة خوان الثاني في تجديد الهدنة، فاشترط أن يؤدي الأيسر ما أنفقه بلاط قشتالة في سبيل استرداد عرشه، وأن يؤدي فوق ذلك جزية سنوية، اعترافاً بالطاعة، فرفض الأيسر، وهدّد ملك قشتالة بالحرب.

стр. 650

وما كادت تنتهي الفتنة الداخلية التي كانت ناشبة يومئذ في قشتالة، حتى أغار النصارى على أراضي المسلمين، وقصدوا إلى رندة، فهرع الأيسر إلى لقائهم، واستطاع أن يردّهم في البداية، ولكن ملك قشتالة قدم بعدئذٍ بنفسه في قوّات كبيرة، وزحف على حصن اللّوز وأرشدونة، وعاث في تلك المنطقة، ثم عاد إلى قرطبة ومعه كثير من السّبي والغنائم. وفي أثناء ذلك عاد الأيسر إلى غرناطة، متوجساً من سير الحوادث فيها. وكانت الفتن الداخلية قد عادت تنذر بانقلابات جديدة، وغدا عرش غرناطة مرة أخرى يضطرب في يد القدر. وانقسمت المملكة الإسلامية شيعاً وأحزاباً متنافسة متخاصمة، وألفى النصارى فرصتهم السانحة لإذكاء الفتنة، وبسط سيادتهم على مملكة يسودها الضعف والتفرّق. وكان خصوم الأيسر قد التقَوْا حول أمير ينتمي إلى بيت الملك عن طريق أمه، هو أبو الحجاج يوسف بن المول، وكانت أمه ابنة للسلطان محمد بن يوسف بن الغني بالله، وأبوه ابن المول من وزراء الدولة النصرية. ودبّرت مؤامرة جديدة لخلع الأيسر، وكان يوسف أميراً قوياً، وافر الثراء والهيبة، وكان ملك قشتالة، خوان الثاني، يعسكر يومئذٍ بجيشه على مقربة من غرناطة، يتتبع سير الحوادث، ويرقب الفرص، فقصد إليه يوسف، وطلب إليه العون على انتزاع العرش لنفسه، وتعهد بأن يحكم باسمه وتحت طاعته، فلبَّى ملك قشتالة دعوته، وعقد معه يوسف وثيقة بالخضوع، يقرِّر فيها أنه من أتباع ملك قشتالة وخدامه، وأنه إذا حصل على الملك، فإنه يتعهد بتحرير جميع الأسرى النصارى، وبأن يدفع لملك قشتالة جزية سنوية قدرها عشرون ألف دينار من الذهب، وأن يعاونه بألف وخمسمائة فارس لمحاربة أعدائه سواء كانوا نصارى أو مسلمين، وأن يحضر جلسات مجلس الكورتس (مجلس النواب القشتالي) بنفسه إن كان منعقداً جنوب طليطلة أو بإنابة أحد أبنائه أو ذوي قرابته إن كان منعقداً داخل قشتالة. وتعهد ملك قشتالة من جانبه بأن يعقد الصلح مع يوسف طول أيام حكمه وأيام أبنائه، وأن يعاونه على محاربة أعدائه من المسلمين والنصارى،

стр. 651

وألاّ يحمي مَن يلتجئ إليه من أعدائه. ووقعت هذه المعاهدة بين الفريقين في السابع من المحرم سنة (٨٣٥ هـ - ١٦ أيلول - سبتمبر ١٤٣١ م) ونفذت على الأثر، إذ أرسل ملك قشتالة جنده، فغزت غرناطة، وسار الأيسر على رأس قواته، والتقى بالنصارى في بسائط إلبيرة، ونشبت بين الفريقين موقعة شديدة، ارتدّ الأيسر على أثرها منهزماً إلى غرناطة. أما يوسف فقد استطاع بمؤازة النصارى أن يستولي على قواعد اعترفت بطاعته، مثل رندة ولوشة وحصن اللوز وغيرها. وأعلن ملك قشتالة انحيازه إلى يوسف، ونودي به ملكاً، فسار يوسف بقواته إلى غرناطة، فلقيته جنود الأيسر بقيادة الوزير ابن سراج، فهُزِم ابن سراج وقُتل، ودخلت جنود يوسف غرناطة، ونادت بطاعته معظم الجهات، وانفضّ الأشراف من حول الأيسر بعد أن رأوا خسران قضيته، فاعتزم الأيسر أمره، وحمل أمواله، وغادر غرناطة في أسرته ونفر من خاصته، وقصد إلى مالقة التي بقيت على طاعته، ودخل يوسف بن المول الحمراء ظافراً وتربع على العرش، وذلك في أول كانون الثاني يناير - (١٤٣٢ م). وكان أول ما فعله يوسف، أن جدّد لملك قشتالة عهد الخضوع، فوقعه باعتباره سلطان غرناطة في ٢٢ جمادى الأولى من نفس العام (٢٧ كانون الثاني ١٤٣٢ م) (١)، بيد أن حكمه لم يطل، إذ كان شيخاً مريضاً، فتوفي بعد ستة أشهر لم يفعل خلالها شيئاً سوى اعترافه بطاعة ملك قشتالة، وهو ما كانت تسعى إليه قشتالة مذ قامت مملكة غرناطة. والواقع أن قشتالة حققت بهذا العقد أكبر أمنية قديمة لها، وهذا العهد المؤلم كان أشنع ما انتهت إليه الخلافات الداخلية والحروب الأهلية في مملكة غرناطة في تلك الأيام الحرجة الدقيقة من حياتها. وعلى أثر وفاة

стр. 652

السلطان يوسف، اتفقت الأحزاب كلها على ردّ الأمر للسلطان الأيسر، فجلس على العرش للمرة الثالثة. وبادر إلى عقد السلم مع ملك قشتالة، فعقدت الهدنة بين الفريقين لمدة عام، ولكن القشتاليين ما لبثوا بالرغم من عقدها أن أغاروا على أراضي غرناطة الشرقية، فردهم المسلمون بقيادة الوزير ابن عبد البر زعيم بني سراج، ثم هزموهم ثانية عند مدينة أرشذونة، وقُتِل وأُسِر منهم عدد كبير (٨٣٨ هـ - ١٤٣٤ م). وفي العام التالي، سار السلطان الأيسر لقتال القشتاليين، في أحواز غرناطة ووادي آش، وهزمهم غير مرة، ثم عاد النصارى فأغاروا على بسطة ووادي آش، واحتلوا بعض الحصن والقرى المجاورة، وزحفت قوة كبيرة من النصارى بقيادة حاكم لبلة، على ثغر جبل طارق، ولكن أهل الثغر باغتوا النصارى وهزموهم، وقتل قائدهم وكثير منهم (٨٤٠ هـ - ١٤٣٦ م). ثم نشبت بعد ذلك بين المسلمين والنصارى موقعة أخرى على مقربة من كازورلا، أصيب الفريقان فيها بخسائر فادحة، وانتهت بنصر المسلمين، ولكن قائدهم الفارس ابن سراج، وهو ولد الوزير السابق، سقط قتيلاً في المعركة، فحزنت غرناطة لفقده، وقد كان يخلب الشعب الغرناطي بظرفه وبارع فروسته (١). وهكذا استمر الصراع بضعة أعوام سجالاً، بين المسلمين والنصارى. ولما رأى النصارى كثرة خسائرهم وعقم محاولاتهم، لجأوا إلى السكينة حيناً. وأرسل السلطان الأيسر في أواخر عهده إلى مصر سفارة يرجو فيها سلطان مصر الإنجاد والغوث لما رآه من اشتداد وطأة النصارى على أراضي مملكته. وهذه أول مرة تتجه فيها مملكة غرناطة إلى الاستنجاد بمصر، وقد كانت حتى ذلك الحين تتجه دائماً إلى ملوك العدوة، وكانت حوادث غرناطة يومئذ تنذر بتطورات جديدة مزعجة، ذلك أن السلطان الأيسر بالرغم من حسن بلائه ضد النصارى لم يحسن السيرة في الداخل، ولم ينجح في اجتذاب

стр. 653

شعبه، وكان من خصومه من السادة الفرسان مَن يلوذ بحماية قشتالة، وعلى رأسهم الأمير يوسف بن أحمد حفيد السلطان يوسف الثاني وابن عم الأيسر، وهو المعروف في التواريخ القشتالية: "بابن إسماعيل"، وذلك لأن نسبه ينتهي إلى السلطان أبي الوليد إسماعيل الذي تولى العرش سنة (٧١٢ هـ)، وكان ثمة فريق آخر من الزعماء الناقمين في ألمرية يناصر الأمير محمد بن نصر بن محمد الغني بالله، وهو المعروف بالأحنف. وكان الأحنف قد نجح في دخول غرناطة سراً مع نفر كبير من أنصاره، وأخذ يعمل على إذكاء الفتنة، فلما آنس سنوح الفرصة، ثار في عصبته، واستولى على الحمراء والحصون المجاورة لها، وقبض على الأيسر وآله وزجهم إلى السجن، ونادى بنفسه ملكاً، وذلك في أوائل سنة (١٤٤١ م) أو أوائل سنة (١٤٤٢ م) حسبما تدل على ذلك وثيقة عربية، هي عبارة عن خطاب موجه منه إلى ملك قشتالة في شهر ذي القعدة سنة (٨٤٦ هـ - آذار - مارس ١٤٤٣ م)، يشير فيه إلى بعض المشاكل القائمة بين البلدين، ويطالب بإطلاق سراح سفيره المعتقل في قشتالة (١). ولكن الفتنة لم تهدأ ولم تستقر الأمور، وكان يعارض ولاية الأحنف فريق قوي من الزعماء والشعب، ويتزعم هذا الفريق المعارض الوزير عبد البر زعيم بني سراج. وكان يقيم في حصن مونتي فريو في شمال غربي غرناطة، ويؤيد ولاية الأمير يوسف (ابن إسماعيل) المقيم في بلاط قشتالة، ولم يمض قليل، حتى سار هذا الأمير من إشبيلية إلى غرناطة، ومعه سرية من الفرسان النصارى أمده بها ملك قشتالة. والظاهر أن ابن إسماعيل استطاع التغلب على الأحنف، واحتل الحمراء وحكم مدى أشهر قلائل. ولكن الأحنف عاد وتغلب عليه واسترد عرشه (أوائل سنة ١٤٤٦ م) ثم هاجم الأحنف أراضي قشتالة، وهاجم قلعة بني موريل وقلعة ابن سلامة وقتل من فيهما من النصارى

стр. 654

(١٤٤٦ م)، وسيّر في الوقت نفسه جزءاً من قواته لمقاتلة خصمه ابن إسماعيل. وانتهز الأحنف فرصة الخلاف القائم يومئذ بين أراغون وقشتالة، فأرسل إلى ملك أراغون يعرض عليه محالفته ضد قشتالة، ونفذ هذا الحلف بأن غزا الأحنف أرض النصارى من ناحية مرسية، والتقى بالقشتاليين قرب جنجالة وهزمهم هزيمة شديدة (١٤٥٠ م). ثم عادت قواته تكرر الإغارة والعبث في أرض النصارى وتشغل قواتهم. وكان ابن إسماعيل يقيم أثناء ذلك في حصن مونتي فريو، وقد أقرت بطاعته بعض البلاد والحصون المجاورة. وهكذا اتسع نطاق النضال، وعصفت الحرب الأهلية من جهة، وغزوات النصارى من جهة أخرى بقوى غرناطة. وكان السلطان الأحنف بالرغم من عزمه وقوة نفسه، يثير غضب الشعب بطغيانه وقسوته وعنفه، وكانت معظم الأسر الكبيرة تعمل لإسقاطه، لما لقيت من بطشه وعدوانه، وهكذا تهيأ الجو لانقلاب جديد. ٦ - السلطان يوسف الخامس (ابن إسماعيل) وحوادث أيامه عاد ملك قشتالة بعد أن سوّى خلافه مع أراغون إلى التدخل في شئون غرناطة، فزوّد ابن إسماعيل ببعض قواته. وسار الأحنف لقتال منافسه، ونشبت بين الفريقين في ظاهر غرناطة معركة شديدة، انتهت بهزيمة الأحنف وفراره، فدخل ابن إسماعيل غرناطة، وجلس على العرش، وكان ذلك في سنة (١٤٥٤ م). وفي بعض الروايات الأخرى أن السلطان الأحنف استمر في الحكم حتى سنة (١٤٥٨ م)، ثم خلفه في الحكم الأمير سعد بن علي حفيد السلطان يوسف الثاني، واستمر في الحكم أربعة أعوام. ثم عزل في سنة (١٤٦٢ م) وأعيد السلطان يوسف الخامس (ابن إسماعيل) وحكم حتى سنة

стр. 655

(١٤٦٣ م) (١). وكان السلطان ابن إسماعيل أميراً عاقلاً حازماً عادلاً، محباً للإصلاح والأعمال الإنشائية، فعكف على ضبط الأمور وتوطيد الأمن، وإقامة الأبنية وتحصين القواعد والثغور. وكان فارساً بارعاً يشترك بنفسه أحياناً في مباريات الفروسية. ولأول عهده أرسل إلى ملك قشتالة خوان الثاني يؤكد طاعته، وساد السلم لمدة قصيرة بين المسلمين والنصارى، ولكن خوان الثاني توفي بعد أشهر قلائل، وخلفه ولده هنري الرابع. وأبى ابن إسماعيل أن يعترف بحماية ملك قشتالة الجديد، محاولاً بذلك أن يكتسب الشعب إلى جانبه، وأن يوطِّد مركزه. وسيّر بعض قواته في نفس الوقت، فأغارت على الأراضي القشتالية، وأصرّ ملك قشتالة من جانبه على وجوب خضوع ملك غرناطة وطاعته، واعتزم الضغط على المملكة الإسلامية الصغيرة دون هوادة، فسار إلى أراضي غرناطة في جيش ضخم وعاث فيها، وانتسف المروج والضياع، وقتل وسبى من أهلها جموعاً كبيرة، ولقيه المسلمون في قوات صغيرة أنزلت بجيشه خسائر كبيرة. وعاد القشتاليون في العام التالي إلى عبثهم في أراضي المسلمين، وغزا المسلمون من جانبهم منطقة جيّان وأوقعوا هنالك بالنصارى، واستمرت هذه المعارك مدى حين سجالاً بين الفريقين. وكان النصارى قد استولوا في تلك المدة المضطربة من حياة المملكة الإسلامية، على عدة من القواعد والثغور الإسلامية، بعضها اختياراً بتنازل سلاطين غرناطة، والبعض الآخر باحتلالها قسراً. وكانت أعظم ضربة أصابت غرناطة في عهد السلطان أبي إسماعيل سقوط ثغر جبل طارق في يد النصارى. ففي سنة (١٤٦٢ م) سارت إليه قوة من القشتاليين بقيادة الدوق مدينا سيدونيا واستولت عليه بطريق المفاجأة. وكان سقوط هذا الثغر المنيع في يد النصارى، أول خطوة ناجعة في سبيل قطع علائق مملكة غرناطة بعدوة

стр. 656

المغرب، والحول دون قدوم الإمدادات إليها من وراء البحر. على أن خطر الفورات الإسلامية القوية فيما وراء البحر، كان قد خبا منذ بعيد، وأخذت دولة بني مرين القوية، تجوز مرحلة الانحلال والسقوط، وكان آخر ملوكهم السلطان عبد الحق، قد خلف أباه السلطان أبا سعيد المريني في سنة (٨٢٣ هـ - ١٤١٥ م)، وفي عصره ساد الاضطراب والتفكك في أنحاء المملكة، واستبدّ وزيره يحيى بن يحيى الوطاسي بالدولة. وكان بنو وطاس ينتمون إلى بطن من بطون بني مرين، وينافسونهم في طلب الرياسة والملك، فلما اشتدت وطأتهم على السلطان عبد الحق، بطش بمعظم رؤسائهم، وفي مقدمتهم وزيره يحيى، ونجا قسم منهم وتفرقوا في مختلف الأحياء. وأسلم عبد الحق زمام دولته إلى يهود، فبغوا وعاثوا بالدولة، فغضب الشعب على مليكه، واضطرمت الثورة، وعزل عبد الحق وقتل (٨٦٩ هـ - ١٤٦٤ م)، وانتهت بمصرعه دولة بني مرين، بعد أن عاشت زهاء مائتي عام، واستولى على تراث بني مرين وملكهم، بنو وطاس خصومهم القدماء، واستطاع زعيمهم محمد الشيخ أن يستولي على فاس في سنة (٨٧٦ هـ - ١٤٧١ م) (١). وبذا قامت بالمغرب دولة فتية جديدة، بيد أنها لم تكن من القوة والمنعة بحيث تستطيع الإقدام على عبور البحر إلى الأندلس، في سبيل الجهاد والنجدة. أسوة بما كانت تعمله دولة بني مرين القوية الشامخة. وهكذا كانت الأمة الأندلسية تشعر بأنها أضحت وحيدة في مواجهة عدوّها القوي، دون حليف ولا ناصر. ولم ير سلطان غرناطة بعد أن أضناه النضال، بدّاً من قبول ما فرضه عليه ملك قشتالة من الاعتراف بسلطانه، وتأدية الجزية اغتناماً للمهادنة والسلم. وكانت مملكة غرناطة، تجوز في هذه الآونة العصيبة ذاتها مرحلة من الاضطراب الداخلي، وكان من أهم أسباب هذا

стр. 657

الاضطراب الخطر؛ إضرام المنافسة بين العرش وبين الأسر النبيلة القوية، مثل بني سراج، وبني أضحى، وبني الثغري وغيرهم، واضطرام المنافسة فيما بين هذه الأسر القوية ذاتها، وغلبة نفوذ النساء في البلاط. وكان من أثر ذلك أن حدثت في سنة (١٤٦٢ م) فتنة خطيرة من جراء محاولة السلطان ابن إسماعيل أن يقضي على نفوذ بني سراج أقوى هذه الأسر وأعرقها، وهكذا كانت نذر التفكك تعمل عملها المشئوم (١). ومع أن غرناطة تمتعت بمزايا الهدنة الخادعة التي عقدتها مع قشتالة لمدى قصير، فقد كان من الواضح أن المملكة الإسلامية كانت تنحدر سراعاً إلى مصيرها الخطر، وتواجه شبح الانحلال الأخير. ولم يمضِ قليل على ذلك، حتى وقع انقلاب جديد في ولاية العرش الغرناطي، ذلك أن الأمير سعداً عاد فهاجم الحمراء مع أنصاره، وانتزع العرش لنفسه (١٤٦٢ م). وفرّ السلطان ابن إسماعيل وخصوم السلطان الجديد. وهنا تلقي الرواية الإسلامية بعض الضوء على ما تلا من الحوادث في غرناطة، وهذه الرواية هي رواية مؤرخ ورحّالة مصري زار المغرب والأندلس في تلك الفترة، هو عبد الباسط بن خليل الحنفي، دوَّنها في مؤلفه المسمى: "كتاب الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم" (٢)، وهو يحدثنا عن بعض أخبار الأندلس التي سمعها أثناء زيارته للمغرب وغرناطة سنة (٨٧٠ هـ)، ويروي لنا ما وقف عليه من الحوادث الأندلسية حتى سنة (٨٨٧ هـ - ١٤٨٢ م). يقول الرحالة المصري: إن سلطان الأندلس في سنة (٨٦٧ هـ - ١٤٦٢ -

стр. 658

١٤٦٣ م) كان سعد بن محمد بن يوسف المستعين بالله المعروف بابن الأحمر، وأنه ما كاد يجلس على العرش، حتى ثار عليه ولده أبو الحسن بتحريض بني سراج، وأخرجه عن غرناطة وامتلكها، فسار سعد إلى مالقة، وحكم أبو الحسن مكانه. وفي العام التالي (٨٦٨) لما اشتد ضغط النصارى على الأندلس، عاد أبو الحسن فعقد الصلح مع أبيه، وأطلق سراحه، واختار سعد السكن بألمرية، فلم يعترض ولده، ولم يلبث أن توفي في أواخر هذا العام وعندئذٍ خلص العرش لأبي الحسن. ولكن حدثت بعد ذلك منازعات حول ولاية العرش بين أبي الحسن وأخيه أبي الحجاج يوسف، ولم ينته هذا النزاع إلاّ بوفاة يوسف بعد ذلك بقليل. وفي ذلك الحين بالذات، استولى محمد الفاتح ﵀ عاهل الترك العثمانيين على القسطنطينية سنة (١٤٥٣ م)، وانهار هذا الصرح المنيع الذي كان يحمي أوروبا النصرانية من جهة المشرق، من غزوات الإسلام. وانساب تيار الفتح إلى جنوب شرقي أوروبا، يكتسح في طريقه كل مقاومة، وروِّعت أوروبا النصرانية لهذا الخطر الجديد الذي يهدّد حريتها وسلامتها، وأخذت النزعة الصليبية تضطرم من جديد بقوّة مضاعفة. وتردّد هذا الصدى في إسبانيا النصرانية، حيث كانت مملكة غرناطة ما تزال بالرغم من صغرها وضعفها، تمثل صولة الإسلام القديمة في إسبانيا، وقد تغدو في المغرب نواة لهذا الخطر الإسلامي الداهم، الذي بدت طلائعه في المشرق على يد الغزاة الترك. ومن ثم فقد كان طبيعياً أن تجيش إسبانيا النصرانية بفورة صليبية جديدة، وأن يذكي هذا الخطر الجديد، اهتمامها بالقضاء على مملكة غرناطة. وبالرغم مما كانت تجوزه مملكة غرناطة يومئذٍ من فتن داخلية، وما كان يفت في قواها من عوامل الانحلال السياسي والاجتماعي، فقد كانت تعتبر دائماً في نظر إسبانيا النصرانية عدواً داخلياً له خطره، وكان أشد ما تخشاه إسبانيا النصرانية أن تغدو غرناطة قاعدة لفورة جديدة من الغزو الإسلامي تنساب من وراء البحر، كما حدث في الحقبة الأخيرة غير مرة. والحقيقة أن حياة هذه المملكة

стр. 659

الإسلامية الصغيرة، قد استطالت أكثر مما كانت تقدِّره إسبانيا النصرانية. وكانت مملكة قشتالة في تلك الآونة بالذات، تشغل بمنازعاتها الداخلية، ومضى زهاء ربع قرن آخر قبل أن تتحد إسبانيا النصرانية في مملكة قوية موحدة. وقد كانت خلال الأحداث التي توالت عليها في تلك المدة، تجيش دائماً بنزعتها الصليبية المأثورة. فلما تحققت الوحدة، واستقرت الأحوال، واجتمعت الموارد، أخذت فرصة القضاء الأخير على المملكة الإسلامية الصغيرة، تبدو لخصيمتها القوية إسبانيا النصرانية، في الأفق قوية سانحة (١).

стр. 660

نهاية دولة الإسلام في الأندلس ٨٦٨ هـ - ٨٩٧ هـ - ١٤٦٣ م - ١٤٩٢ م الأندلس على شفا المنحدر ١ - علي أبو الحسن وأحداث أيامه كانت شمس الأندلس تؤذن بالغروب، وكانت تغرب في الواقع بخطى وئيدة، ولكن مؤكدة. ولم يك ثمة شك، في أن هذه المملكة الإسلامية الصغيرة التي يسودها الخلاف والتفرق، وتعصف بوحدتها ومنعتها الحروب الداخلية، كانت تنتحر ببطء، وأن هذه الأمة الأندلسية التي أخذت تنكمش في مدنها وثغورها القليلة، كانت تنظر إلى المستقبل بعين التوجّس والجزع، وأن هذه الحياة الباهرة الساطعة التي كانت تحياها بين آن وآخر، كلما تربع على العرش أمير قوي رفيع الخلال، لم تكن إلاّ سويعات النعماء الأخيرة في حياة أمة عظيمة تالدة. وقد كان هذا الشعور يخالج رجالات الأندلس منذ بعيد، حتى قبل أن تتفاقم الأمور، وكمثال على ما كان يتوقعه رجالات الأندلس: ما توقعه ابن الخطيب (١) والمؤرخ ابن خلدون (٢)، ولكن لم ينصت أحد إلى توقعات المفكرين، فكانوا كنبيٍ في الصحراء. ولما توفى السلطان سعد بن يوسف النصري في أواخر سنة (٨٦٨ هـ - ١٤٦٣ م)، كان ولده الأكبر علي أبو الحسن الملقب بالغالب بالله (٣) متربعاً على عرش غرناطة قبل ذلك بأكثر من عام. وكان أبو الحسن يومئذ فتى في نحو الثلاثين من عمره، لأنه ولد قبل سنة (٨٤٠ هـ)، بيد أنه لم يستخلص

стр. 661

الملك لنفسه إلا بعد نضال عنيف بينه وبين منافسيه، وعلى رأسهم أخواه يوسف أبو الحجاج، والسيد أبو عبد الله محمد المعروف: (بالزغل)، وقد توفي يوسف قبل مدة، وبقي الزّغل ليخوض حياة حافلة بالأحداث والمحن. وكان أبو الحسن أميراً وافر الشجاعة والعزم، يعشق الحرب والجهاد، وكانت له أيام أبيه غزوات موفقة في أرض النصارى. وما كاد يستقر في عرشه، حتى أبدى همّة فائقة في تحصين المملكة، وتنظيم شئوونها، وبث فيها روحاً من القوة والطمأنينة، واستطاع أن يسترد عدة من الحصون والقواعد التي استولى عليها النصارى. وتولى وزارته وزير أبيه من قبل، القائد أبو القاسم بن رضوان بنيغش (١)، وكان هذا الوزير مثل سلفه الحاجب رضوان النصري، سليل أسرة نصرانية، أُسِرَ جده في بعض المعارك، وربي في كنف الدار السلطانية، وتبوأت أسرته بين الأسر الغرناطية مكانة رفيعة، واشتركت في كثير من حوادث غرناطة السياسية، وتولت الوزارة. وفي أوائل حكمه، خرج عليه أخوه أبو عبد الله "الزّغل" (٢)، وكان يومئذٍ والياً لمالقة، وكان يضارعه في الشجاعة والجرأة وحب الجهاد، ولجأ الزغل إلى عون ملك قشتالة هنري الرابع يستنصره على أخيه، ولقيه في محلته في ظاهر أرشذونة سنة (٨٧٤ هـ - ١٤٦٩ م)، فوعده بالعون والتأييد. وبادر السلطان أبو الحسن من جانبه بالإغارة على أراضي قشتالة (١٤٧٠ م)، ثم عاد في العام التالي فغزاها مرة أخرى، وانتزع من النصارى بعض المواقع التي استولوا عليها. وشُغِل أبو الحسن في الأعوام الثلاثة التالية بمحاربة أخيه أبي عبد الله الزغل، الثائر عليه، وكان النضال سجالاً بينهما، وشغل أبو الحسن بذلك عن غزوة أرض النصارى، وشغل القشتاليون أنفسهم بما نشب بينهم من

стр. 662

الخلاف الداخلي، وذلك حتى وفاة ملكهم هنري الرابع سنة (١٤٧٤ م). وفي تلك الأثناء، خرجت مالقة عن طاعة أبي الحسن، حيث ثار بها القائد محمد الفرسوطي، وانضم إليه كثير من القواد والأجناد، فسار أبو الحسن إلى مالقة، وحاصرها غير مرة، ولكنه لم يفلح في إخماد الثورة. واستدعى القادة الثائرون أخاه أبا عبد الله محمد بن سعد الزغل، وكان يومئذٍ بقشتالة، وأعلنوه ملكاً عليهم، وانقسمت المملكة بذلك إلى شطرين متخاصمين. ولما تفاقم النزاع بين أبي الحسن وأخيه أبي عبد الله، ولم يحسم بينهما السيف، ووضحت لهما العواقب الخطيرة التي يمكن أن تترتب على هذه الحرب الأهلية، جنح الفريقان إلى الروية، وآثر الصلح والتهادن، فعقدت الهدنة بين الأخوين، على أن تحترم الحالة القائمة، فيبقى أبو عبد الله الزغل على استقلاله بمالقة وأحوازها، ويستقر أبو الحسن في عرش غرناطة وما إليها، وعُقِدت في نفس الوقت هدنة مؤقتة بين المسلمين والنصارى. وفي هذه الآونة، التي أخذت عوامل التفرق تمزق أوصال المملكة الإسلامية الصغيرة، كانت إسبانيا النصرانية تخطوخطوتها الأخيرة نحو الاتحاد النهائي، وذلك باقتران فرديناند ولد خوان الثاني ملك أراغون بإيزابيلا أخت هنري الرابع ملك قشتالة، ثم إعلانهما ملكين لقشتالة في سنة (١٤٧٩ م) وتبوّء فرديناند بعد ذلك عرش أراغون، وهكذا اتحدت المملكتان الإسبانيتان القديمتان بعد أحقاب طويلة من الخلاف والحروب الأهلية، وأصبحت إسبانيا النصرانية قوة عظيمة موحدة، وكان تفرقهما من قبل يتيح للأندلس أوقاتاً من السلام والأمن، ولكن الأندلس، وقد صارت إلى ما صارت إليه من الانحلال والضعف، أضحت تواجه لوحدها أعظم قوة واجهتها في تاريخها. وحاول أبو الحسن أن يجدد الهدنة مع القشتاليين، ليتفرغ لأعمال التحصين والإنشاء، وكان يلوح في البداية أن العلائق بين الفريقين تسير نحو التفاهم والسلم. وهناك ما يدل في الواقع على أنه كان يقوم يومئذٍ بين مملكة غرناطة،

стр. 663

وبين قشتالة، صلح ثابت حسبما يؤيد ذلك اتفاق عقداه يومئذٍ على إجراء التحكيم فيما وقع من كل منهما على أراضي الآخر من ضروب العدوان التي ترتب عليها القتل والأسر والحرق، سواء في البر أو البحر (١). وعلى هذا فقد أرسل السلطان أبو الحسن في أوائل سنة (٨٨٣ هـ ١٤٧٨ م) إلى ملك قشتالة، يطلب تجديد الهدنة القائمة بينهما. وكان فرديناند وإيزابيلا يقيمان يومئذ في إشبيلية، فوافقا على ما طلبه أبو الحسن، ولكن بشرط أن تعترف مملكة غرناطة بطاعتها، وأن تؤدي إلى قشتالة نفس الجزية من المال والأسرى التي كان يؤديها السلاطين السالفون. وأرسلا بالفعل سفيراً إلى السلطان أبي الحسن يطالبه بعهد الطاعة وتأدية الجزية، فرفض أبو الحسن طلب الملكين النصرانيين بإباء، وأنذر السفير القشتالي بأنه ليس لديه سوى الحرب والجهاد. ولم يمض سوى قليل، حتى أغار القشتاليون على حصن بللنقة (فيلا لونجا) واستولوا عليه، وعاثوا في أحواز رندة. وردّ أبو الحسن على ذلك بإعلان الحرب على قشتالة، وزحف توّاً على بلدة (الصخرة Zahara) وهي قاعدة حصينة تقع على حدود الأندلس الغربية في شمال غربي مدينة رندة، وكان قد انتزعها القشتاليون منذ عهد قريب، فباغتها أبو الحسن، واستولى عليها عنوة، وقتل حاميتها وسبى سكانها (كانون الثاني - ديسمبر ١٤٨١ م). وبالرغم مما أحرزه أبو الحسن من الظفر في تلك المعركة الأولى، وبالرغم مما بثّه هذا الظفر في طوائف الشعب من الغبطة والحماسة، فقد اعتبر بعض العقلاء تصرفه اعتداءً لا مسوّغ له، وتوجسوا شراً من عواقبه. وتقول الرواية القشتالية: إن فقيهاً زاهداً شيخاً عرف بنبوءاته، كان بين الوفود التي ذهبت غداة هذا الانتصار إلى قصر الحمراء، وأنه صاح في وجه السلطان قائلاً: "ويل لنا. لقد دنت ساعتك يا غرناطة، ولسوف تسقط أنقاض الصخرة

стр. 664

فوق رؤوسنا، وقد حلت نهاية دولة الإسلام بالأندلس" (١). على أن هذا الظفر المؤقت كان له أعظم الأثر في إحياء معنويات الشعب الغرناطي، ولاح لإسبانيا النصرانية يومئذٍ أن الأندلس المحتضرة تكاد تبدأ حياة جديدة من القوة. ولكن هذا النصر الخلّب لم يطل أمده، ذلك لأن أبا الحسن لم يلبث أن ركن إلى الدّعة، وأطلق العنان لأهوائه وملاذِّه، وبذر حوله بذور السخط والغضب، بما ارتكبه في حق الأكابر والقادة من صنوف العسف والشدّة، وما أساء إلى شئون الدولة والرعية، وما أثقل به كاهلهم من صنوف المغارم، وما أُغرق فيه من صنوف اللهو والعبث، وكان وزيره أبو القاسم بنيغش يجاريه في أهوائه وعسفه، ويتظاهر أمام الشعب بغير ذلك. وهكذا عادت عوامل الفساد والانحلال والتفرق إلى مملكة غرناطة، تعمل عملها الهادم، وتحدث آثارها الخطرة (٢). وكان السلطان أبو الحسن قد اقترن بابنة عمه السلطان الأيسر (٣) اسمها عائشة، وهي أم أبي عبد الله آخر ملوك غرناطة. وتحتل شخصية عائشة الحرّة في حوادث سقوط غرناطة مكانة بارزة، وليس في تاريخ تلك الأيام الأخيرة من المأساة الأندلسية شخصية تثير الإعجاب والاحترام، ومن الأسى والشجن، قدر ما يثير ذكر هذه الأميرة النبيلة الساحرة، التي تذكرنا خِلالها السامية ومواقفها الباهرة وشجاعتها المثلى إبان الخطوب المدلهمة، بما نقرأ من أساطير البطولة القديمة من روائع السير والمواقف. وكانت عائشة (الحرّة) ملكة غرناطة في ظل ملك يحتضر، ومجد يشع بضوئه الأخير، ليخبو ويغيض، وقد رزقت من زوجها الأمير أبي الحسن بولدين هما: أبو عبد الله محمد، وأبو الحجاج يوسف. وكانت روح العزم

стр. 665

والتفاؤل التي سرت في بداية هذا العهد إلى غرناطة، تذكي بقية الأمل في إنقاذ هذا الملك التالد. وكانت عائشة ترى من الطبيعي أن يؤول الملك إلى ولدها، ولكن حدث بعد ذلك ما يهدد هذا الأمل المشروع. وذلك أن الأمير أبا الحسن ركن في أواخر أيامه إلى حياة الدّعة، واسترسل في أهوائه وملاذه، واقترن للمرة الثانية بفتاة نصرانية رائعة الحسن، تعرفها الرواية الإسلامية باسم: "ثريا" الرومية. وتقول الرواية الإسبانية، إن ثريا هذه، واسمها النصراني: إيزابيلا، وتعرفها الرواية أيضاً باسم: "زريدة"، كانت ابنة قائد من عظماء إسبانيا، وهو القائد: "سانشو خمنيس دي سوليس"، وإنها أُخذت أسيرة في بعض المعارك، وهي صبية فتية، وأُلحقت وصيفة بقصر الحمراء فاعتنقت الإسلام وتسمت باسم: "ثريا" أو "كوكب الصباح"، فهام بها الأمير أبو الحسن، ولم يلبث أن تزوجها واصطفاها على زوجه الأميرة عائشة التي عرفت حينئذٍ "بالحرّة" تمييزاً لها من الجارية الرومية، أو إشارة بطهرها ورفيع خلالها (١)، ويقول لنا المؤرخ المعاصر "هرناندو دى بايثا Hernando de Baeza": إن السلطان أبا الحسن كان يقيم يومئذٍ مع زوجه الفتية الحسناء في جناح الحمراء الكبير أو قصر قمارش، بينما كانت تقيم الحرّة وأولادها في جناح بهو السباع (٢). ولم يكن زواج الأمير بفتاة نصرانية بدعة، ولكنه تقليد قديم في قصور الأندلس، وقد ولد بعض خلفاء الأندلس وأمرائها العظام من أمهات نصرانيات، مثل عبد الرحمن الناصر، وحفيده هشام المؤيد، وكذلك ولد

стр. 666

بعض الأمراء من بني نصر ملوك غرناطة من أمهات من النصارى مثل محمد بن إسماعيل النصري. ولم يكن الزواج المختلط نادراً في المجتمع الأندلسي الرفيع، ولاسيما منذ أيام الطوائف، وكان كثير من الأكابر والأشراف يتزوجون بفتيات من النصارى سواء كن من السبايا أم من الأحرار، ولم يكن العكس نادراً أيضاً، فمنذ توالي سقوط القواعد والثغور في يد النصارى، كثر الزواج بين المدجّنين وبين النصارى. وفقد المدجنون بمضي الزمن دينهم ولغتهم، واندمجوا في المجتمع النصراني. ونرى بين زعماء الطوائف أمراء يرجعون إلى أصل نصراني، مثل محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش ملك بلنسية ومرسية، وقد كان يتكلم القشتالية، ويلبس الثياب القشتالية، ويتقلد السلاح القشتالي، وكان معظم ضباطه من النصارى، وكان الإسبان يعرفونه بالملك: "دون لوبي". ولم يكن ثمة ريب في خطورة الآثار الإجتماعية التي يحدثها مثل هذا الامتزاج الوثيق، وقد كانت فيما بعد من أهم العوامل التي أدت إلى انحلال المجتمع الإسلامي، وانحلال عصبية الدولة الإسلامية. كذلك لم يكن ثمة ريب في أن هذه الآثار الهدامة، كانت أشد خطراً وأعمق وقعاً وقت الانحلال العام. وكان أبو الحسن قد شاخ يومئذ وأثقلته السنون، وغدا أداة سهلة في يد زوجه الفتية الحسناء، وكانت ثريا فضلاً عن حسنها الرائع فتاة كثيرة الدهاء والأطماع، وكان وجود هذه الأميرة الأجنبية في قصر غرناطة، واستئثارها بالنفوذ والسلطان في هذه الظروف العصيبة التي تجوزها المملكة الإسلامية، عاملاً جديداً في إذكاء عوامل الخصومة والتنافس الخطرة. وكانت ثريا في الواقع تتطلع إلى أبعد من السيطرة على الملك الشيخ، ذلك أنها أنجبت من الأمير أبي الحسن كخصيمتها عائشة ولدين هما: سعد ونصر، وكانت ترجو أن يكون الملك لأحدهما، وقد بذلت كل ما استطاعت من صنوف الدسّ والإغراء لإبعاد خصيمتها الأميرة عائشة عن كل نفوذ وحظوة، وحرمان

стр. 667

ولديها محمد ويوسف كل حق في الملك، وكان أكبرهما أبو عبد الله محمد ولي العهد المرشح للعرش، وكان أشراف غرناطة يؤثرون ترشيح سليل بيت الملك، على عقب الجارية النصرانية. ولكن ثريا لم تيأس ولم تفتر همتها، فمازالت بأبي الحسن، حتى نزل عند تحريضها ورغبتها، وأقصى عائشة ووليدها عن كل عطف ورعاية، ثم ضاعفت ثريا سعيها ودسّها، حتى أمر السلطان باعتقال عائشة وولديها، فزجّوا في برج قمارش أمنع أبراج الحمراء، وشدّد في الحجر عليهم، وعوملوا بمنتهى الشدّة والقسوة. وأثار هذا التصرف غضب كثير من الكبراء الذين يؤثرون الأميرة الشرقية وولديها بعطفهم وتأييدهم، وكان ذلك نذير الاضطراب والخلاف في المجتمع الغرناطي. وانقسم الزعماء والقادة إلى فريقين خصمين: فريق يؤيد الأميرة الشرعية وولديها، وفريق يؤيد السلطان وحظيّته، واستأثر الفريق الأخير بالنفوذ مدى حين، واضطرمت الأهواء والشهوات والأحقاد، واشتد السخط على أبي الحسن وحظيته التي أضحت سيدة غرناطة الحقيقة، واستأثرت بكل سلطة ونفوذ. وذهبت ثريا في طغيانها إلى أبعد حد، فحرّضت الملك على إزهاق ولده أبي عبد الله عثرة آمالها. وكانت عائشة وافرة العزم والشجاعة، فلم تستسلم إلى قدرها، بل عمدت إلى الاتصال بعصبتها وأنصارها، وفي مقدمتهم بنو سراج أقوى أُسر غرناطة، وأخذت تدبّر معهم وسائل الفرار والمقاومة. ولم يغفر السلطان أبو الحسن لبني سراج هذا الموقف قط، ويقال إنه عمد فيما بعد إلى تدبير إهلاكهم في إحدى أبهاء الحمراء. ولما وقفت الأميرة عائشة من أصدقائها على نيّة أبي الحسن، قررت أن تبادر بالعمل، وأن تغادر قصر الحمراء مع ولديها بأية وسيلة. وفي ليلة من ليالي جمادى الثانية سنة (٨٨٧ هـ - ١٤٨٢ م)، استطاعت الأميرة أن تفر مع ولديها محمد ويوسف بمعونة بعض الأصدقاء المخلصين، والرواية الإسلامية تشير إلى فرار الأميرين فقط دون

стр. 668

أمهما (١)، ولكن الرواية القشتالية تحدثنا عن فرارها مع ولديها. وتقدم إلينا عن هذا الفرار صوراً شائقة فتقول: إن بعض الخدم المخلصين، كان ينتظر مع الجياد على مقربة من الحمراء على ضفة النهر مما يلي برج قمارش، وإن الأميرة استعانت بأغطية الفراش على الهبوط من نوافذ البرج الشاهق في جوف الليل (٢). وهكذا استطاعت هذه الأميرة الباسلة أن تفر من معتقلها، واختفى الفارون حيناً حتى قويت دعوتهم وانضم إليهم كثير من أهل غرناطة. وظهر ولدها الأمير الفتى محمد أبو عبد الله في وادي آش حيث مجمع عصبته وأنصاره، وكان السلطان أبو الحسن وقت فرار الأميرة وولديها، بعيداً عن غرناطة، يدافع النصارى عن أسوار لوشة، وكانت الحوادث تسير بسرعة مؤذنة باضطرام عاصفة جديدة. وكان ملك قشتالة يرقب الحوادث في مملكة غرناطة بمنتهى الاهتمام، فلما اضطرمت نار الحرب بين المسلمين، ولاحت الفرصة للغزو سانحة، قرّر بدء الحرب على غرناطة. وكان يضطرم سخطاً لاستيلاء المسلمين على قلعة الصخرة بالرغم من الهدنة، وعجزه عن استرداد هذه القاعدة الهامة، فسيّر حملة قوية إلى الأندلس، سارت منحرفة من جهة الغرب، ورأى القواد القشتاليون أن يبدأوا بمهاجمة الحامة (الحمة) التي تقع في قلب الأندلس، جنوب غربي غرناطة، وذلك لما بلغهم من ضعف وسائل الدفاع عنها، ولأن الاستيلاء عليها، يمكنهم من تهديد غرناطة ومالقة معاً. وكانت الحامة مدينة غنيّة، ولها شهرة قديمة بحماماتها الشهيرة التي كانت مجتمع ملوك غرناطة وأمرائها. ونجحت الخطة واستطاع النصارى مباغتة الحامة والاستيلاء على قلعتها تحت جنح الظلام، ثم استولى على المدينة بالرغم من مقاومتها الباسلة، وأمعنوا في المسلمين قتلاً وأسراً وسبياً (المحرم سنة ٨٨٧ هـ -

стр. 669

شباط - فبراير -١٤٨٢ م). وهرع السلطان أبو الحسن في قواته لإنقاذ الحامة واستردادها، وحاصرها بشدة، ولكنه لم يستطع اقتحامها، ولم يلبث أن اضطر إلى مغادرتها حينما علم أن ملك قشتالة يتقدم لإنجادها في جيش قوي ضخم (١)، ولم تمض أشهر قلائل، حتى زحف ملك قشتالة على لوشة (٢) الواقعة على نهر شنيل في شمال غربي الحامة وعلى مقربة منها وحاصرها. ودافعت عنها حاميتها أروع دفاع بقيادة قائدها الأمير الشيخ علي العطار، وكان رغم شيخوخته من أشجع وأبرع فرسان غرناطة في ذلك العصر (٣). وسار أبو الحسن بقواته مسرعاً لإنجاد لوشة، انتهى الأمر بأن رُدّ النصارى بخسارة فادحة في الرجال والعدد (جمادى الأولى ٨٨٧ هـ - تموز - يوليه ١٤٨٢ م)، وكان مما استولى عليه المسلمون من النصارى بعض "الأنفاط" التي تستخدم لحصار المدن (٤). وما كاد أبو الحسن يعود إلى عاصمة ملكه، حتى تجهّم الجو من حوله. وكانت سياسته الداخلية قد أثارت حوله كثيراً من السخط، بالرغم مما أحرزه من نجاح، وسرعان ما نشبت الثورة في غرناطة، وغلبت دعوة الأمير الفتى أبي عبد الله، ولم يستطع أبو الحسن وصحبه مواجهة العاصفة، ففرّ الملك الشيخ إلى مالقة، وكان فيها أخوه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد المعروف (بالزّغل) أي الشجاع الباسل، يدفع عنها جيشاً جرّاراً سيّره ملك قشتالة للاستيلاء عليها (٥).

стр. 670

٢ - أبو عبد الله محمد بن على أبي الحسن وأحداث أيامه وجلس أبو عبد الله محمد (١) مكان أبيه على عرش غرناطة (أواخر سنة ٨٨٧ هـ)، وأطاعته غرناطة ووادي آش وأعمالها، وبقيت مالقة وغرب الأندلس على طاعة أبيه، وكان أبو عبد الله يومئذ فتى في نحو الخامسة والعشرين (٢). وكان فرديناند الخامس - عقب هزيمته أمام لوشة - قد سيّر جنده إلى مالقة لافتتاحها، وكانت أعظم الثغور الباقية بيد المسلمين. وكان النصارى يتوقون للاستيلاء عليها لإتمام تطويق الأندلس من الجنوب، ولكن المسلمين كانوا على أتمّ أهبة للدفاع عن هذا الثغر المنيع. واشتبك المسلمون والنصارى في عدة معارك دموية في الهضاب الواقعة فيما بين مالقة وبلش ( Velez) فهزم النصارى في كل مكان ورُدّوا بخسائر فادحة. وخرج الأمير محمد بن سعد (الزغل) في قواته من مالقة، ولقي النصارى على مقربة منها، ونشبت بين الطرفين معركة شديدة هُزِم فيها النصارى هزيمة ساحقة، وقُتِل وأُسِر منهم عدة آلاف بينهم كثير من الزعماء والأكابر (صفر ٨٨٨ هـ - آذار - مارس ١٤٨٣ م) (٣). وتعرف هذه المعركة (بالشرقية) لوقوعها في المنطقة المسماة بذلك في شرق مالقة، وكان منظم هذا الدفاع الباهر كله أبو عبد الله "الزغل". وكان لانتصار المسلمين أعظم وقع في جنبات الأندلس، فانتعشت الآمال، وسرت الحماسة في كل مكان، وهبّت على غرناطة روح جديدة من
следующие страницы →