وهكذا اختتمت المأساة الأندلسية، واستولى القشتاليون على غرناطة آخر الحواضر الإسلامية في إسبانيا، وخفق علم النصرانية ظافراً فوق صرح الإسلام المغلوب، وانتهت بذلك دولة الإسلام بالأندلس، وطويت إلى الأبد تلك الصفحة المجيدة المؤثرة من تاريخ الإسلام، وقضي على الحضارة الأندلسية الباهرة، وآدابها وعلومها وفنونها، وكل ذلك التراث الشامخ، بالفناء.
شهد المسلمون احتلال العدو الظافر لحاضرتهم ودار ملكهم وموطن آبائهم وأجدادهم، وقلوبهم تتقطر حزناً وأسى، على أن هذه المناظر المحزنة، كانت تحجب مأساة أليمة أخرى، تلك مأساة الملك التعس أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر وآخر ملوك الإسلام بالأندلس. فقد تقرّر مصيره وبُيٍّنت حقوقه وامتيازاته وفقاً للمعاهدة السريّة التي عقدت بينه وبين الملكين الكاثوليكيين. وقد نصت المعاهدة المذكورة على أن يُقطَع أبو عبد الله طائفة من الأراضي والضياع في: برجة، ودلاية، وأندراش، وأجيجر، وأرجبة، ولوشار، وبضعة بلاد أخرى من أعمال منطقة البشرات، وهذه البلاد يقع بعضها في جنوب غربي ولاية ألمرية، وبعضها الآخر قبالتها في جنوب شرقي ولاية غرناطة، وأن يحكم أبو عبد الله في هذه المنطقة باسم ملك قشتالة وتحت حمايته، ويتمتع بدخلها وسائر غلاتها وحقوقها. وقد حُدّدت إقامته أو اختار هو الإقامة في إحداها وهي بلدة أندرش الواقعة على النهر المسمى بهذا الاسم شمال برجة.
ولما اقترب اليوم المروّع - يوم التسليم - قام أبو عبد الله باتخاذ أهبته للرحيل مع أهله وحشمه وخاصته. وفي صباح اليوم الثاني من كانون الثاني - يناير ١٤٩٢ م، في الوقت الذي اقترب فيه النصارى من أسوار غرناطة، كان أبو عبد الله قد غادر قصره وموطن عزّه ومجد آبائه إلى الأبد، في مناظر تثير الأسى والشجن.
وهناك روايتان، فهل خرج أبو عبد الله عندئذٍ لآخر مرة من الحمراء مع أهله
стр. 737
وحشمه وأمتعته؟ أم خرج بمفرده في صحبه من الحمراء للقاء الملكين الكاثوليكيين، ثم لحق به بعد ذلك ركب أهله وأمتعته؟ وهل سار تواً إلى طريق البشرات حيث تعيَّن محل إقامته، أم عرّج على المعسكر القشتالي الملكي في شنتفى، فلبث فيه مع أهله أياماً، ثم سار بعد ذلك إلى البشرات؟
أما الرواية الأولى، وهي أكثر الروايات ذيوعاً لدى المؤرخين القشتاليين، فتقول: في فجر اليوم الثاني من كانون الثاني - يناير، وهو اليوم الذي حُدّد لتسليم الحمراء. كان ضجيج البكاء يتردّد في غرف قصر الحمراء وأبهائه، وكانت الحاشية منهمكة في حزم أمتعة الملك المخلوع وآله، وساد الوجوم كل محيّا، واحتبست الزفرات في الصدور. وما كادت تباشير الصبح تبدو، حتى غادر القصر ركب قاتم مؤثر، وهو ركب الملك المنفى، يحمل أمواله وأمتعته، ومن ورائه أهله وصحبه القلائل، وحوله كوكبة من الفرسان المخلصين. وكانت أمّه الأميرة عائشة تمتطي صهوة جوادها، يشع الحزن من محيّاها الوقور، وكان باقي السيدات من آله وحشمه، يرسلن الزفرات العميقة والدموع السخينة. واخترق الركب غرناطة في صمت البكور وستره، وحين بلغ الباب الذي سيغادر منه المدينة إلى الأبد، ضجّ الحراس بالبكاء لرؤية هذا المنظر المؤلم، ثم اتجه الركب شطر نهر شنيل في طريق البشرات. وأما أبو عبد الله، فقد اتجه إلى وجهة أخرى ليتجرّع كأسه المرّة إلى الثمالة، وكان قد تقرر اللقاء في صباح ذلك اليوم بينه وبين ملك قشتالة، فخرج من باب مدينة الحمراء المسمى: باب الطباق السبع ( Siete Svelos) ، وفي طريقه إلى لقاء عدوه الظافر وسيده الجديد، في نفرٍ من الفرسان والخاصة. فاستقبله فرديناند بترحاب وحفاوة في محلّته على ضفة نهر شنيل، وحين لمح أبو عبد الله فرديناند همّ بترك جواده، ولكن فرديناند بادر بمنعه، وعانقه بعطف ومودّة، فقبل أبو عبد الله ذراعه اليمنى إيماءة الخضوع. ثم قدم إليه مفتاحي البابين الرئيسيين للحمراء قائلاً: "إنهما مفتاحي هذه الجنّة. وهما الأثر الأخير لدولة المسلمين في إسبانيا، وقد أصبحت أيها الملك سيّد تراثنا وديارنا
стр. 738
وأشخاصنا، وهكذا قضى الله، فكن في ظفرك رحيماً عادلاً". وتناول فرديناند المفتاحين قائلاً: "لا تشك في وعودنا، ولا تعوزنك الثقة خلال المحنة، وسوف تعوّض لك صداقتنا ما سلبه القدر منك" (١). بيد أن مؤرخاً قشتالياً عاش قريباً من ذلك العصر، يقدم إلينا رواية أخرى ربما كانت أقرب إلى الصحة والمعقول، وهي أن مفاتيح الحمراء قدَّمها القائد ابن كماشة مأمور التسليم إلى الملك فرديناند حينما وصل إلى الباب الرئيس، وأن فرديناند ناولها إلى قائده كونت دي مندوسا (كونت دي تندليا) الذي عيّنه حاكماً عسكرياً لغرناطة (٢). وسار أبو عبد الله بعد ذلك صحبة فرديناند، إلى حيث كانت الملك إيزابيلا في ضاحية أرمليا، فقدم إليها تحياته وطاعته، ثم ارتد إلى طريق البشرات، ليلتحق بأسرته وخاصته. وأشرف أثناء مسيره في شعب تلّ البذول (بادول) على منظر غرناطة، فوقف يسرح نظره لآخر مرة في هاتيك الربوع العزيزة التي ترعرع فيها وشهدت عزّه وسلطانه، فانهمر في الحال دمعه، وأجهش بالبكاء، فصاحت به أمه عائشة: "أجل! فلتبك كالنساء، ملكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال"، وتعرف الرواية الإسبانية تلك الأكمة التي كانت مسرحاً لذلك المنظر المحزن باسم شعري مؤثِّر هو: "زفرة العربي الأخيرة"، وما تزال قائمة معروفة حتى اليوم، يعينها سكان تلك المنطقة للسائح المتجوّل.
والباب الذي خرج منه أبو عبد الله لآخر مرة، وهو باب الطباق السبع، قد سُدّ بعد خروجه منه برجاء منه إلى ملك قشتالة، وبني مكانه حتى لا يجوزه من بعده إنسان (٣). وما زالت الرواية تعيّن لنا مكان هذا الباب بين الأطلال
стр. 739
الدارسة. وهو يقع في طرف الهضبة في الجنوب الشرقي منها على مقربة من: (برج الماء)، والذي رآه يشهد أنه قد سد فراغه حقيقة بالبناء.
وأما الرواية الأخرى، وهي الأقل ذيوعاً، فخلاصتها أن أبا عبد الله خرج من الحمراء صبيحة يوم التسليم بمفرده وفي نفرٍ من صحبه إلى لقاء الملكين الكاثوليكيين، وخرج بعد ذلك ركب أهله وأمتعته من الدار الملكية بحي البيازين ليلتقي به بعد انتهاء مهمته، وأنه لم يسر بعد ذلك توّاً إلى البشرات، بل سار بأهله وأمتعته إلى المعسكر القشتالي في شنتفى، فقضى به أياماً، حتى سوّيت المسائل المتعلقة بمصيره، ثم سار الجميع بعد ذلك إلى أندراش التي اختارها أبو عبد الله مقراً ومقاماً.
٣ - عاقبة الملك المتخاذل
كان لسقوط غرناطة وانتهاء دولة الإسلام في الأندلس، وقع عميق في الضفة الأخرى من البحر، في أمم المغرب التي لبثت عصوراً ترتبط بالأندلس بأوثق الروابط، وفي سائر العالم الإسلامي.
وكان له أيضاً وقعه العميق في سائر الأمم النصرانية، فقد ابتهجت له أيّما ابتهاج، واعتبرته من بعض الوجوه عوضاً لسقوط القسطنطينية في قبضة الإسلام قبل ذلك بأربعين عاماً. ورحبت سائر قصور أوروبا بالنبأ، وأقامت لإحيائه الحفلات الدينية والمدنية منوهة بفضل فرديناند وإيزابيلا في تحقيق هذه الأمنية العظيمة (١).
ولنبدأ الحديث عن مصير الملك المنكود أبي عبد الله محمد بن علي آخر ملوك الأندلس، دقد غادر غرناطة ساعة استيلاء النصارى عليها، وسار مع آله وصحبه وحشمه إلى منطقة البشرات، واستقر هناك في بلدة أندراش، وهي
стр. 740
إحدى البلاد التي أقطعت له في تلك المنطقة ليقيم فيها في ظل ملك قشتالة وتحت حمايته. وصحبه إلى وطنه الجديد كثير من الفرسان والسادة والفقهاء، وفي مقدمتهم وزيراه: يوسف بن كماشة، وأبو القاسم عبد الملك (المليخ)، وكانا ألصق الناس به، وأقربهم إلى ثقته. وكانت أسرة السلطان المنفي تتألف من والدته السلطانة عائشة، وأخته عائشة، وزوجه مريم (أو مريمة)، وولده الصغير (١). أما أخوه الأصغر يوسف، فكان قد قتل في ألمرية أيام الفتنة بتحريض أبيه السلطان أبي الحسن أو عمه أبي عبد الله الزغل.
وكان أبو عبد الله، عندئذ فتى في نحو الثلاثين من عمره، وبالرغم من أننا لا نعرف بالضبط تاريخ مولده، فإن صديقه المؤرخ القشتالي هرناندو دى بايثا يقول لنا: إنه كان في نحو العشرين، يوم استطاع الفرار من سجن أبيه السلطان أبي الحسن في سنة (٨٨٧ هـ - ١٤٨٢ م)، وبذلك يكون سنّه يوم تسليم غرناطة نحو الثلاثين (٢). وقد تركت لنا الرواية القشتالية المعاصرة تلك، وصفاً لشخص أبي عبد الله، خلاصتها أنه كان ممشوق القد، حسن الطلعة، شاحب اللّون، له عينان سوداوان نجلاوان، ولحية قوية (٣). وعاش أبو عبد الله وآله
стр. 741
وصحبه في تلك المملكة الصغيرة الذليلة حيناً، وأنشأ له في أندراش بلاطاً صغيراً، وكان يعيش هناك في ترف ورغد، وكان يعشق الصيد ويقضي فيه كثيراً من أوقاته، ويجوب أطراف مملكته الصغيرة فوق جواده (١).
وكان فرديناند وإيزابيلا، بالرغم من انتصارهما وقضائهما الأخير على المملكة الأندلسية، قد لبثا يتوجسان من أعماق نفسيهما، من بقاء السلطان المخلوع في الأراضي الإسبانية، ويخشيان أن يكون مثار القلاقل والفتن، ويتوقان إلى إبعاده وحاشيته عنها، مبالغة في الحيطة، واتقاءً لكل خطر. وكان يفرضان على أبي عبد الله رقابة صارمة، ويتلقيان أدق التقارير والأنباء، عن حركاته وسكناته، وكانت عيناهما الساهرة على رقابته، الوزيرين الماكرين يوسف كماشة وأبو القاسم عبد الملك. ولم يمض على إقامة أبي عبد الله في أندراش زهاء عام، حتى بدأ الملكان الكاثوليكيان يسعيان سراً في تحقيق غايتهما الأخيرة، وكان سبيلهما إلى ذلك ابن كماشة وأبا القاسم عبد الملك. ففي شهر آذار - مارس سنة (١٤٩٣ م) وقعت مفاوضات جديدة بين الوزيرين وبين فرناندو دى ثافرا أمين الملكين الكاثوليكيين، في شأن مغادرة أبي عبد الله الأراضي الإسبانية، والعبور إلى المغرب. ويقال: إن أبا عبد الله لم يأذن لوزيريه في إجراء هذه المفاوضات، ولم يعلم بها حتى تمخضت عن مشروع جديد؛ يُقِرُّ فيه أبو عبد الله بتنازله عن جميع حقوقه وأملاكه، نظير ثمن معين، ويتعهد بالعبور إلى المغرب. ويقال: إن الملك المنكود حينما عرض عليه ابن كماشة هذا الاتفاق، ثار لعقده، وكاد يبطش بوزيره، ولكنه عاد فاستمع إلى نصح الوزير وشرحه، بأن البقاء في أرض العدو، وفي ظل العبودية والهوان، لم يبق له محل، وأنه ليس مكفول السلامة والطمأنينة، وأن العبور إلى أرض الإسلام خير وأبقى. ولعلّ أبا عبد الله نفسه قد أدرك، كما أدرك عمّه مولاي الزغل من قبل، أن تلك الحياة الذليلة التي
стр. 742
فرضت عليه، لا تخلق له ولا تجمل، وأنه يستحيل عليه البقاء في هذا الوضع المؤلم، كتابع لملك قشتالة. وعلى أي حال، فقد اقتنع أبو عبد الله، بوجهة نظر وزيره، ولكنه أرسل أمينه ومدير شئونه أبا القاسم عبد الملك (المليخ) ليسعى إلى تعديل الاتفاق لمصلحته. وبعد مفاوضات جديدة، وُضع الاتفاق النهائي، الذي قبله السلطان المخلوع. وخلاصته: أنه يتعهد بالعبور إلى المغرب، في موعد أقصاه نهاية شهر تشرين الأول - أكتوبر سنة (١٤٩٣ م)، وأنه يتنازل عن سائر ضياعه، في أندرش، ولوشار، وبرشينا وغيرها، وكذلك عن أملاكه الأخرى في غرناطة، بالبيع للملكين الكاثوليكيين، وذلك نظير ثمن إجمالي قدره واحد وعشرون ألف جنيه قشتالي (كاستليانو) من الذهب الحر، أو الدوقات المضروبة من الذهب الخالص. كما يتنازل أبو عبد الله عن اختصاصه المدني والجنائي، ويحمل إليه المال قبل رحيله بثمانية أيام، ويقدم إليه الملكان عربتين لحمل متاعه، وسفناً ينتقل عليها مع صحبه إلى المغرب. ويتضمن الاتفاق نصوصاً أخرى ببيع الأميرات لأملاكهن إلى الملكين الكاثوليكيين وكذلك يبيع الوزير ابن كماشة والوزير أبو القاسم كلَّ أملاكه، نظير مقادير من المال.
ويحمل هذا الاتفاق تاريخ (١٥ نيسان - أبريل سنة ١٤٩٣ م)، كما يحمل في ذيله موافقة أبي عبد الله بالعربية ممهورة بتوقيعه وخاتمه، وهي تدل بألفاظها ومعانيها على كثير من العبر المؤلمة: "الحمد لله إلى السلطان والسلطانة أضْيَافي، أنا الأمير محمد بن علي بن نصر خديمكم، وصلتني من مقامكم العلي. العقد وفيه جميع الفصول التي عقدها عني وبكم التقديم، من خديمي القائد أبو القاسم المليخ، ووصلت بخط يدكم الكريمة عليها، وبطابعكم العزيزة، كيف هي مذكورة بهذا الذي هي تصلكم. وإني نوفى ونحلف أني رضيت بها، بكلام الوفا مثل خديم جيد. وترى هذا خط يدي وطابعي أرقيته عليها، لتظهر صحّة قولي. ووصلت بتاريخ الثالث والعشرين من شهر رمضان المعظم عام ثمانية وتسعون وثمانمائة. أنا كاتبه محمد بن
стр. 743
علي بن نصر، رضيت وقبلت جميع ما في هذا المكتوب الثابت وتقبل بيدي إلى أضيافي السلطان والسلطانة مُدَّ لي هناكما".
وتوفيت زوجته قبل رحيله، فلم يحل هذا الرزء دون مضيّه في اتخاذ أهبة الرحيل، وفي أوائل شهر تشرين الأول - أكتوبر سنة (١٤٩٣ م) غادر أبو عبد الله الوطن في غمرة من الحسرات والأسى، وجاز إلى المغرب بأسرته وأمواله وحشمه، من ثغر أدرة الصغير الواقع جنوبي برجة، في سفينة كبيرة أُعدّت لرحيله، وعبر في نفس الوقت من ثغر المنكب عدد كبير من الوزراء والقادة والأكابر، في صحبته ممن آثروا الرحيل، وبلغ جميع الذين عبروا مع الملك المخلوع ألفاً ومائة وثلاثين شخصاً (١).
стр. 744
٤ - أبو عبد الله في المغرب ودفاعه عن نفسه
نزل أبو عبد الله أولاً في مليلة، ثم قصد إلى فاس واستقر بها (١)، وتقدّم إلى ملكها السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ، زعيم وَطّاس (٢) الذين خلفوا بني مرين في الملك مستجيراً به، مستظلاً بلوائه ورعايته، معتدْراً عما أصاب الإسلام في الأندلس على يده، متبرئاً مما نسب إليه من إثم وتفريط في حق الوطن والدين.
وهذا الدفاع الشهير الذي يقدّمه أبو عبد الله إلينا عن موقفه وتصرفه، هو قطعة رائعة من الفصاحة السياسية والبيان الساحر، وهو يدل في روحه وقوته وروعته، على فداحة التبعة التي شعر آخر ملوك الأندلس أنه يحملها أمام الله والتاريخ، وأمام الأمم الإسلامية والأجيال القادمة كلها، على أن هذا الأمير المنكود لم يرد أن ينحدر إلى غمرة النسيان والعدم، محكوماً عليه دون أن يبسط للتاريخ قضيته، فيصدر حكمه فيها على ضوء أقواله ودفاعه.
وقد كتب هذا الدفاع الشهير الفريد في التاريخ الإسلامي، على لسان أبي عبد الله وزيره وكاتبه، محمد بن عبد الله العربي العقيلي، في رسالة مستفيضة مؤثرة، موجهة إلى ملك فاس، وجعل لها عنواناً شعرياً مشجياً هو: "الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس". وقد كان العقيلي من أعلام البلاغة في هذا العصر. ولما عوّل أبو عبد الله على الرّحيل إلى
стр. 745
المغرب، جاز العقيلي البحر مع أميره، وجازت قبل سقوط غرناطة وبعده إلى المغرب جمهرة كبيرة من أقطاب العلم والأدب، هم البقية الباقية من مجتمع الأندلس الفكري (١). وللعقيلي آثار في النثر والنظم تبدو لروعتها كأنها نفثات أخيرة، لآداب الأندلس المحتضرة، وكان دفاع أبي عبد الله من أبدعها وأروعها.
وقد قدم كاتب هذا الدفاع، لدفاعه بعد الديباجة بقصيدة رائعة في مطلعها:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم ... رعياً لِما مثله يرعى من الذّمم
وهي قصيدة طويلة في أكثر من مائة بيت، وفيها يعطف الشاعر بعد ذلك على مديح ملوك فاس، وجهادهم في الأندلس، والإشادة بعلائقهم ببني الأحمر ملوك غرناطة، فيقول:
تضيء آراؤهم في كل معضلة ... إضاءة السّرج في داج من الظُّلم
هذا ولو من حياء ذاب محتشم ... لذاب منهم حياءً كل محتشم
أنسى الخلائف في حلم وفي شرف ... وفي سخاء وفي علم وفي فهم
وناصر الدين في الإقبال فاق وفي ... محبة العلم أزرى بابنه الحكم
أفعال أعدائه معتلة أبداً ... متى يرم جزمها بالحذف تنجزم (٢).
ويلي القصيدة الطويلة دفاع أبي عبد الله المنثور، في أسلوب يفيض قوة وبياناً، وفيه يشير أبو عبد الله إلى حوادث الأندلس، ويعتذر عن محنته،
стр. 746
ويعترف بخطئه في عبارات مؤثرة. يقول بعد الديباجة موجهاً خطابه إلى سلطان فاس "هذا مقام العائذ بمقامكم المتعلِّق بأسباب ذمامكم، المترجي لعواطف قلوبكم، وعوارف إنعامكم، المقبِّل الأرض تحت أقدامكم، المتلجلج اللّسان عند مفاتحة كلامكم. وماذا يقول مَن بوجهه خجل، وفؤاده وجل، وقضيته المقتضية عن التنصّل والاعتذار تجل. بيد أني أقول لكم ما أقوله لربي، واجترائي عليه أكثر، واحترامي إليه أكبر: اللهم لا بريء فأعتذر، ولا قوي فانتصر، لكني مستقبل مستنيل، مستعتب مستغفر، وما أبرّئ نفسي إنّ النفس لأمارة بالسوء. على أني لا أنكر عيوبي، فأنا معدن العيوب، ولا أجحد ذنوبي، فأنا جبل الذنوب، إلى الله أشكو عجري وبجري وسقطاتي وغلطاتي .. ".
بيد أنه يدفع عنه تهم التفريط والزّيغ والخيانة، ويقول: "فمثلي كان يفعل أمثالها. ويحمل من الأوزار المضاعفة أحمالها، ويهلك نفسه ويحبط أعمالها، عياذاً بالله من خسران الدين، وإيثار الجاحدين والمعتدين، وقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين. وأيم الله لو علمت شعرة في فودي تميل إلى تلك الجهة لقلعتها، بل لقطفت ما تحت عمامتي من هامتي وقطعتها. غير أن الرعاع في كل وقت وأوان، للملك أعداء وعليه أحزاب وأعوان ... وأكثر ما تسمعه الكذب، وطبع جمهور الخلق إلاّ مَن عصمه الله إليه منجذب، ولقد قُذِفنا من الأباطيل بأحجار، ورُمينا بما لا يُرمى به الكفار، فضلاً عن الفجار، وجرى من الأمر المنقول على لسان زيد وعمرو، ما لكم منه حفظ الجبار ... أكثر المكثرون، وجهد في تعثيرنا المتعثرون، ورمونا عن قوس واحدة، ونظمونا في سلك الملاحدة. أكفراً أيضاً كفراً؟! غفراً اللهمّ غفراً، وهل زدنا على أن طلبنا حقّنا ممن رام محقه ومحقنا، فطاردنا في سبيله عُداة كانوا لنا غائظين، فانفتق علينا فتق لم يمكنا له رتق، وما كنا للغيب حافظين".
ثم يقول أبو عبد الله، لئن كان قد نزل به القضاء فثلّ عرشه، ونُكس لواؤه، ومُلك مثواه، فهو مِثْلُ من سواه في ذلك. ولئن كان مروّعاً مصير غرناطة
стр. 747
ومصير ملكها وأنجادها، فإنها لم تنفرد بين قواعد الإسلام بذلك المصير المحزن. ألم يقتحم التتار بغداد، عروس الإسلام ومثوى الخلافة، ومهد العلوم، ويستبيحوا ذمارها وحُرَمها، ويسحقوا الخلافة وكل معالمها ورسومها؟ وماذا كانت تستطيع غرناطة إزاء قدر محتوم، وقضاء لا مردّ له؟: "والقضاء لا يردّ ولا يصد، ولا يغالب ولا يطالب، والدائرات تدور، ولابد من نقص وكمال للبدور، والعبد مطيع لا مطاع، وليس يطاع إلاّ المستطاع، وللخالق القدير جلّت قدرته، في خليقته علم غيب، للأذهان عن مداه انقطاع".
ثم يعطف إلى التجائه إلى ساحة السلطان بقوله: "وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقاً، وجرّعتنا من صاب الأوصاب كأساً دهاقاً، ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب، المتفتح حين سُدّت الأبواب، ولم نلبس غير لباس نعمائكم، حين خلعت ما ألبسنا الملك من الأثواب، وإلى أمّه يلجأ الطفل لجأ الله فان، وعند الشدائد تمتاز السيوف من الأجفان، ووجه الله يبقى، وكل ما عليها فان".
ويشير أبو عبد الله إلى ما عرضه عليه ملك إسبانيا، من الإقامة في كنفه وتحت حمايته فيقول: "ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضمع معتبرة خير فيها، وأعطى من أمانه، المؤكد فيه خطه بأيمانه، ما يقنع النفوس ويكفيها، فلم نر ونحن من سلالة الأحمر، مجاورة الصُّفر، ولا سوّغ لنا الإيمان، الإقامة بين ظهراني الكفر، ما وجدنا عن ذلك مندوحة ولا شاسعة، وأمنا من المطالب المشاغب، سمة سرّ لنا لا سعة".
ثم يشير إلى إنه تلقى كذلك دعوات كريمة من المشرق للذهاب والإقامة، ولكنه آثر الجواز إلى المغرب، دار آبائه من قبل، وملاذهم دائماً عند النوائب، ولم يرتض سوى الانضواء الاّ لذلك الجناب، أعني سلاطين المغرب، الذين أوصى آباؤه وأجداده بالانضواء إليهم، وقت الخطر الداهم.
ويختم أبو عبد الله دفاعه، برثاء مؤثر لِمُلْكه ومصيره، فيقول: "ثم عزاء
стр. 748
حسناً وصبراً جميلاً، عن أرض أورثها مَن شاء من عباده، معقباً لهم ومديلاَّ، سادلاً عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولاً: (سنة الثه التي خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا) فليطر طائر الوسواس المرفرف مطيراً، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، ولم نستطع عن مورده صدوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً".
ويعود أبو عبد الله بعد هذا الدفاع المستفيض المؤثر، إلى الإشادة بخلال سلاطين فاس ومآثرهم، ويقرر أن يضع نفسه تحت حماية السلطان ورعايته: "منتظماً في سلك أوليائه، متشرفاً بخدمة عليائه"، ليقضي عمره في كنفه مصوناً من المخاطر والضيم.
تلك خلاصة الدفاع الشهير الذي تركه آخر ملوك الأندلس للخلف من بعده، وهو دفاع حار مؤثر، يذكرنا بتلك الاعتذارات الشهيرة، التي لجأ إليها الأقدمون في ظروف مختلفة، لتسويغ بعض المواقف والآراء. وقد يقف أبو عبد الله موقف المذنب البريء معاً، فهو لا يتنصّل من جميع الأخطاء، ولكنه يتنصّل من تبعة ما حدث، ويصوّر نفسه قبل كل شيء ضحيّة القدر، ويدفع عن نفسه بالأخص تهمة التفريط والخيانة والزّيغ. فإلى أي حد تتفق هذه الصورة مع الحقيقة، ومع منطق الحوادث والظروف التي وقعت فيها المأساة؟ لقد تبوّأ أبو عبد الله عرش غرناطة لأول مرة وهو فتى في الحادية والعشرين، ثم عاد إلى تبوّئه بعد ذلك بعدّة أعوام، وكان جلوسه في كل مرة نتيجة حرب أهلية مخرّبة طاحنة. وقد نشأ هذا الأمير الضعيف في بلاط منحل، يضطرم بصنوف الدسّ والخصومة، ولم تهيئه تربيته وصفاته للاضطلاع بمهام الملك الخطيرة، ولاسيما في مثل تلك الظروف الدقيقة، التي كانت تجوزها مملكة محتضرة. لقد كانت الأندلس تسير إلى قدرها المحتوم، قبل حلول المأساة بزمن بعيد، ولم يك ثمة شك في مصير غرناطة بعد أن سقطت جميع القواعد الأندلسية الأخرى في يد العدو القوي الظافر، ولكن ليس من شك أيضاً في أن الأواخر من ملوك غرناطة، يحملون كثيراً من التبعة، في التعجيل بوقوع
стр. 749
المأساة، فنراهم يجنحون إلى الدعة والخمول، ويتركون شئون الدفاع عن المملكة، ويجنحون إلى حروب أهلية، يمزّق فيها بعضهم بعضاً، والعدو وراءهم متربص متوثب يرقب الفرص. وقد كان هذا شأن مملكة غرناطة وشأن بني الأحمر، ولاسيما منذ أوائل القرن التاسع الهجري أو أوائل القرن الخامس عشر الميلادي، ومنذ عهد الأمير علي أبي الحسن، تبلغ الحرب الأهلية ذروتها الخطرة، ويغدو مصير المملكة الإسلامية رهين رحمة القدر، وقد شاء القدر أن يكون السلطان أبو الحسن، وأخوه محمد بن سعد المعروف بالزغل، وولده أبو عبد الله محمد أبطال المأساة الأخيرة، حملتهم نفس الأطماع والأهواء الخطرة، فانحدروا إلى معترك الحرب الأهلية، وشغلتهم الحرب الأهلية طول الوقت عن أن يقدروا حقائق الموقف، وأن يستشعروا الخطر الداهم، وأن يستجمعوا قواهم المشتركة لمواجهة العدو المشترك. وانحدر أبو عبد الله إلى أخطر ما في هذه المعركة المميتة من وسائل الإغراء والتفوق، فجنح إلى محالفة العدو الخالد، ولم يحجم عن أن يستعدي ملك النصارى على أبيه وعمه، كي ينتزع الملك لنفسه، فلما ظفر بعرش غرناطة بمؤازرة ملك قشتالة، لم يكن سوى صنيعته وأسير وحيه. وكان عمّه الزغل قد بسط سلطانه على الأنحاء الشرقية والجنوبية، فلم يحجم عن مهاجمته في نفس الوقت الذي هاجمه فيه ملك النصارى لينتزع منه ما تحت يده، وكان الزغل في الواقع بطل المعركة الأخيرة، وقد أبدى في مقاومة العدو بسالة رائعة خلدتها سير العصر. ولم يشعر أبو عبد الله بفداحة خطئه إلاّ بعد تحوّل حليفه الغادر ملك قشتالة بجيشه الضخم، ليحاصر غرناطة ويضربها الضربة الأخيرة، وكانت قوى غرناطة ومواردها قد بدّدت في حروب أهلية عقيمة، فلم يغن دفاعها شيئاً أمام القوة القاهرة والقدر المحتوم، فكانت النكبة وكانت الخاتمة المؤسية. ولم يكن موقف أبي عبد الله خلال تلك اللّحظات الحاسمة في مصيره ومصير أمته، سوى موقف الأمير الضعيف المتخاذل، الذي يسعى إلى سلامة نفسه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذلك التراث العريض الذي أصبح
стр. 750
وشيك الزوال، وهو موقف لم يكن بلا شك مشرّفاً، ولا متّفقاً مع سمات البسالة والتضحية والشهامة.
أليس لنا بعد ذلك أن نحكم على آخر ملوك الأندلس؟ إن أبا عبد الله يحمل أمام الله والتاريخ تبعة لا ريب فيها، بيد أنه من الحق أيضاً أن نقول: إنها ليست تبعة الخيانة المقصودة أو الجريمة العمد، بل هي تبعة التفريط، والتخاذل، والخطأ، وعدم التبصّر في العواقب.
على أن أبا عبد الله، على ما يستحقه من لوم التاريخ وإدانته على النحو المتقدم، يستحق في نظرنا تقديراً خاصاً، لما وفّق إليه من الاحتفاظ بدينه ودين آبائه وأجداده. والواقع أن فداحة المحنة التي نزلت به، وظروف الإغراء التي كانت تحيط به والتي حملت بعض أكابر الزعماء والقادة المسلمين على التنصّر، وسعى الملكان الكاثوليكيان إلى تنصير مَن يمكن تنصيره من الزعماء المسلمين، بكل الوسائل، هذه الظروف كلها كانت خليقة بأن تحمل أبا عبد الله على الاستجابة إلى دواعي التحريض والإغراء، فتزل قدمه إلى الدرك السحيق الذي انحدر إليه بعض قادته ووزرائه، ولكنه استطاع أن يخرج من هذه المحنة معتصماً بدينه المتين، وهو ما يشير إليه في دفاعه المتقدِّم.
واستقر أبو عبد الله بعد جوازه إلى فاس في ظل بني وطّاس، وشيَّد بها قصوراً على طراز الأندلس، ويُروَى أنه لما نزل أبو عبد الله وصحبه مدينة فاس، أصابت الناس فيها شدّة عظيمة من الجوع والغلاء والوباء، حتى غادرها كثير من أهلها، ورجع كثير من الأندلسيين إلى بلادهم، وتقاعس كثير منهم عن الجواز إلى المغرب خوف الشدّة والفاقة (١)، وعاش أبو عبد الله في منفاه طويلاً يجرع كأسه المرّة حتى الثمالة، ويتقلّب في غمر الحسرات والذكريات المفجعة، ويشهد خلال تلك الأيام المؤلمة، جهود السياسة الإسبانية في سحق الإسلام بالأندلس، وسحق مدنيته وكلّ رسومه وآثاره،
стр. 751
ويشهد يد الفناء والمحو، تعمل لاستئصال هذا الشعب الأندلسي النبيل التالد، من الأرض التي لبث يرعاها ثمانية قرون، ونثر في أرجائها فيض عبقريته.
وتختلف الرواية في تاريخ وفاة أبي عبد الله اختلافاً بيناً. فيقول لنا المقري في نفح الطيب: إنه توفى بفاس سنة أربعين وتسعمائة (١٥٣٤ م)، وإنه دفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة (١). وتؤكد لنا الرواية القشتالية القريبة من ذلك العصر، أن أبا عبد الله توفي قتيلاً في موقعة أبي عقبة الشهيرة التي نشبت بين السلطان أحمد أبي العباس الوطاسي حفيد أبي عبد الله محمد الوطاسي وبين خصومه السعديين الأشراف الخوارج عليه، واشترك فيها أبو عبد الله محارباً إلى جانب أصدقائه وحماته الوطاسيين، وقد حدثت هذه الموقعة في سنة (٩٤٣ هـ - ١٥٣٦ م) وهزم فيها بنو وطّاس هزيمة شديدة (٢). ويذكر المقري في أزهار الرياض فيقول: إنه توفي بفاس سنة أربع وعشرين وتسعمائة هجرية (١٥١٨ م) (٣)، فإذا صحت الرواية الثانية، فإن أبا عبد الله يكون قد مات في نحو الخامسة والسبعين من عمره. ونرجح رواية المقري الأولى، وهي أن أبا عبد الله توفى بقصره في فاس سنة (٩٤٠ هـ)، أما روايته الثانية، وهي أنه توفى في سنة (٩٢٤ هـ) فالمرجح أنها تحريف رقمي للأولى. وترك أبو عبد الله ولدين هما أحمد ويوسف، واستمر عقبه مستمراً معروفاً بفاس مدى أحقاب، ولكنهم انحدروا قبل بعيد إلى هاوية البؤس والفاقة. ويذكر لنا المقري أنه رآهم سنة (١٠٣٧ هـ - ١٦٢٨ م) معدمين يعيشون على أموال الصدقات (٤).
ويعرف أبو عبد الله آخر ملوك الأندلس، في الرواية الإسبانية، بمحمد الحادي عشر، وبالملك الصغير تمييزاً عن عمّه أبي عبد الله الزغل، ويلقّب
стр. 752
أيضاً بالزغيبي، ومعناها: المنكود، أو عاثر الجدّ، تنويهاً بأحداث حياته المؤسية، وبما أصاب الإسلام على يديه من الخطوب والمحن (١).
وهكذا انتهت حياة أبي عبد الله المتخاذل، كما انتهت حياة موسى بن أبي الغسان دفاعاً عن دينه ووطنه، وشتّان بين انتهاء الحياتين، فليكن أبو عبد الله درساً للمتخاذلين حيث لم يشرّف نفسه ولم يشرّف أحداً، وكان وسيبقى لطخة عار في التاريخ، وليكن موسى بن أبي الغسّان درساً للأبطال، حيث شرّف نفسه، وشرّف دينه وقومه وبلاده بموقفه، فكان وسيبقى مفخرة للعرب والمسلمين وصفحة مشرقة في التاريخ.
ماتا، وكل حي إلى موت، ولكن شتان بين الموتين.
стр. 753
ثمرات المعاهدة الغادرة
١ - مأساة الأندلس ونقص الروايات العربية عن المأساة
لم يكن ظفر إسبانيا النصرانية بالاستيلاء على غرناطة، وسحق دولة الإسلام بالأندلس، سوى بداية النهاية في مصير الأمة الأندلسية، ولم يكن فقد السيادة القومية، وفقد الاستقلال والحرية، والذلة السياسية، والاضطهاد الديني والاجتماعي، وهي المحن التي تنزل عادة بالأمم المغلوبة، سوى لمحة صغيرة يسيرة مما كتب على الأمة الأندلسية أن تعانيه على يد إسبانيا النصرانية، فقد كان مصير مسلمي الأندلس بعد ضياع دولتهم وزوال ملكهم، من أسوأ ما عرفت الأمم الكريمة المغلوبة، وكان مأساة من أبلغ مآسي التاريخ.
تلك هي مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين، ومن الأسف أن الرواية الإسلامية لم تخص الأمة الأندلسية بعد سقوط غرناطة بكثير من عنايتها، ولم ينته إلينا عن تلك المأساة سوى رسائل وشذور يسيرة، بل لم ينته إلينا سوى القليل عن مراحل الأندلس الأخيرة قبل سقوط غرناطة، ولا توجد لدينا عن تلك المرحلة سوى رؤية إسلامية واحدة هي كتاب: "أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر" الذي كتبه في سنة (٩٤٧ هـ - ١٥٤٠ م) أعني بعد سقوط غرناطة بخمسين سنة، كاتب مجهول فيما يبدو، من أشراف غرناطة الذين بقوا فيها، وأُرغموا على التنصّر، ولكنهم بقوا مع ذلك مسلمين في روحهم وسريرتهم. وقد كانت هذه الرواية أساساً لكل ما كتبه المسلمون المتأخرون عن سقوط غرناطة. ولم تصل إلينا إلى جانب هذه الرواية الوحيدة، سوى رسائل وشذور وقصائد نقلها المقري في كتابه: "أزهار الرياض"، ومعظمها مما كتبه أدباء المغرب عقب وقوع المأساة بقليل.
стр. 754
ونستطيع أن نرجع هذا النقص في الرواية الإسلامية عن حوادث المأساة الأندلسية إلى عاملين: الأول هو أنه في عصور الانحلال والسقوط، تخمد الحركات الأدبية والفكرية، وتقل العناية بالتدوين التاريخي، كما تقلّ في جميع نواحي التفكير والأدب، وأن نظام الطغيان المطبق والاضطهاد المروّع، الذي فُرِض على العرب المتنصرين، كان كفيلاً بإخماد كل صوت وتحطيم كل قلم، والثاني: وهو ما نرجحه هو فقدان معظم الكتب والوثائق العربية التي وضعت في هذا الوقت، والتي استطاع المقري أن ينقل شذرات منها، مما يدل على أن بعضها كان موجوداً حتى عصره، أعني في القرن السابع عشر الميلادي. ومن الغريب أن صاحب: "أخبار العصر" لم يقدم إلينا عن مأساة العرب المتنصرين سوى نبذة يسيرة، مع أنه عاصر معظم حوادثها، وشهدها على الأغلب. ولسنا نجد ما نفسّر به هذا الصّمت من جانب الرواية الإسلامية الوحيدة، التي انتهت إلينا عن سقوط غرناطة، وما تلاه من الحوادث والخطوب، إلاّ نظام الإرهاب الشامل، الذي سحق كل متنفّس للشعب المغلوب. ومن الواضح أن هذا الإرهاب يضاعف الرقابة على أصحاب الأقلام، ولا يرحم من يعلم أنه يسجل عليهم جورهم وأعمالهم الشنيعة الظالمة، ويحرص على كمّ الأفواه للسكوت عن الظلم، وعدم التفوّه باللّسان أو بالقلم بما يدور من أحداث ظالمة شنيعة.
على أن هذه المرحلة المؤلمة من تاريخ الأمة الأندلسية، تشغل بالعكس في تاريخ إسبانيا القومي، حيّزاً كبيراً يمتدّ زهاء قرن وربع، وتخصّه الرواية الإسبانية بكثير من عنايتها. ولكن الرواية الإسبانية، تتأثر دائماً بالعوامل القومية والدينية إلى أبعد حدّ، وتنظر دائماً إلى ذلك الاستشهاد المفجع، الذي فرضته إسبانيا على العرب المتنصرين، وإلى تلك الأعمال المروّعة التي كانت ترتكبها محاكم التحقيق (١) باسم الدين، وإلى تلك الوسائل البربرية
стр. 755
التي اتخذت لتشريد العرب المتنصرين وإبادتهم، بعين الكبرياء والرضى، وترى منها دائماً نوعاً من الإنقاذ القومي، وتطهيراً للدين والوطن من آثار الإسلام الخيرة. وهي تحيط هذه المرحلة من تاريخ إسبانيا بكثير من القصص والأساطير الحماسية، التي تشيد بظفر إسبانيا النصرانية، وبما أسبغت العناية الإلهية على خطتها وسياستها، في إبادة تراث العرب والإسلام، وفي القضاء إلى الأبد على آثار تلك الدولة الإسلامية المجيدة، التي ازدهرت في إسبانيا زهاء ثمانية قرون، وعلى حضارتها وآدابها، وكل ذلك التراث العظيم الباهر.
على أن الرواية الإسبانية، بالرغم من تأثرها العميق بالعوامل القومية والدينية، تعرض علينا حوادث هذا النضال الأخير في أسلوب مؤثر. وقد لا تضنّ في بعض المواطن والمواقف بعطفها، وأحياناً بإعجابها، على تلك الأمة المغلوبة الباسلة، التي لبثت تناضل حتى الرمق الأخير عن كرامتها، وعن تراثها القومي والروحي.
ولسنا نظلم كتاب الإسبان النصارى، إذا قلنا: إنهم يمثلون التعصب الأعمى تمثيلاً عملياً، حتى كأن التعصب تصوّر فيهم أناساً يمشون على الأرض ويكتبون، فهم يتعصبون تعصباً أعمى لا مزيد عليه في القضايا الدينية والقومية، ويتعصبون تعصباً أعمى لا مزيد عليه على كل مسلم وكل عربي، ويرون حسناً ما ليس بالحسن، حتى يلمس من يقرأ آثارهم بوضوح انحرافهم الشنيع عن جادة الحق وابتعادهم الواضح الصريح عن كل نوع من أنواع المناهج العلمية في البحث والتأليف، فهم بقدر تعصبهم لقومهم ودينهم، متعصبون على غيره من القوميات الأخرى والأديان وبخاصة العرب والإسلام.
إن الدراسات الإسبانية الخاصة بالإسلام والعرب، التي كتبها الإسبان، لا يعتمد عليها ولا يوثق بها عامة، وهذا هو القاعدة، ولا عبرة بالاستثناء.
٢ - التنصير وحرق الكتب العربية
стр. 756
لبثت السياسة الإسبانية مدة قصيرة، بعد سقوط غرناطة، تلتزم جانب الروية والاعتدال. واتخذت الأهبة لنقل المسلمين الراغبين في الهجرة إلى المغرب، وهاجر كثير من أشراف غرناطة، بعد بيع أملاكهم بأبخس الأثمان (١). وفي مقدمة المهاجرين بنو سراج وأنجاد غرناطة القدماء. فأقفرت مناطق بأسرها من أعيان المسلمين، ولا سيما منطقة البشرات، وكان تدفق سيل المهاجرين دليلاً على أن الشعب المغلوب لم يكن واثقاً من ولاء سادته الجدد، وأنه كان ينظر إلى المستقبل بعين التوجس والريب.
وقد كان ممن هاجر من غرناطة إلى العدوة عقب سقوطها بقليل جماعة من أهلها برئاسة زعيم جندي هو أبو الحسن المنذري، وكان من أكابر جند الجيش الغرناطي، فعمروا مدينة تطوان وكانت يومئذ خربة، وكان ذلك في سنة (٨٩٨ هـ - ١٤٩٢ م). ومن ذلك الحين تغدو تطوان ملاذاً لكثير من الأسر الأندلسية التي أرغمت على التنصير ثم آثرت الهجرة إلى دار الإسلام فراراً من اضطهاد الإسبان ومحاكم التحقيق، وعادت إلى دينها القديم، وما زالت أعقابهم بها إلى اليوم (٢).
ولكن السياسة الإسبانية كانت تخشى دائماً هذا الشعب الذكي النّابه، وكانت الكنيسة تجيش دائماً بنزعتها الصليبية القديمة، وتضطرم رغبة في القضاء على البقية الباقية من الأمة الإسلامية في إسبانيا، وكانت مملكة غرناطة ما تزال تضم كتلة مسلمة كبيرة، تربطها بثغور المغرب صلات وثيقة، هذا عدا ما كان من جموع المدجنين في منطقة بلنسية، وفي منطقة سرقسطة وغيرها من بلاد أراغون، وكان كثير من أولئك المدجنين، إلى ما بعد سقوط غرناطة بأعوام عديدة، يحتفظون بدينهم الإسلامي. وكان وجود هذه الكتلة المسلمة في قلب إسبانيا النصرانية، شغلاً شاغلاً للسياسة الإسبانية.
والظاهر أن السياسة الإسبانية، لبثت مدى حين مترددة في انتهاج المسلك
стр. 757
الذي تسلكه إزاء المسلمين، وقد كانوا من أهم عوامل النشاط والرخاء والعرفان فى إسبانيا، وكانت براعتهم قدوة في الزراعة والصناعة والعلوم والفنون، وخلالهم قدوة في النشاط والمثابرة والزهد والعفّة والرفق، وكانوا على الجملة من أفضل العناصر الذين يمكن أن تضمهم دولة متمدنة (١). ولكن الكنيسة كانت تضطرم حماسة في سبيل تحقيق مُثلها، ولم تكن السياسة الإسبانية في تلك الأيام من تاريخ إسبانيا سوى أداة لينة في يد الكنيسة، التي بلغت عندئذٍ ذروة قوّتها ونفوذها.
ويصف لنا مؤرخ إسباني، عاش قريباً من ذلك العصر، نيات الكنيسة نحو المسلمين في قوله: "إنه منذ استولى فرديناند على غرناطة، كان الأحبار يطلبون إليه بإلحاح، أن يعمل على سحق طائفة محمد في إسبانيا، وأن يطلب إلى المسلمين الذين يودون البقاء، إما التنصير، أو بيع أملاكهم والعبور إلى المغرب، وأنه ليس في ذلك خرق للعهود المقطوعة لهم، بل إنقاذ لأرواحهم، وحفظ لسلام المملكة، لأنه من المستحيل أن يعيش المسلمون في صفاء وسلام مع النصارى، أو يحافظوا على ولائهم للملوك، ما بقوا على الإسلام، وهو يحثهم على مقت النصارى أعداء دينهم" (٢).
ولم تكن هذه السياسة في الواقع بعيدة، عما يخالج ملكي إسبانيا، فرديناند الخامس، وزوجته الملكة المتعصبة إيزابيلا الكاثوليكية، من شعور نحو المسلمين، ولم تكن العهود التي قطعت للمسلمين بتأمينهم في أنفسهم وأموالهم، واحترام دينهم وشعائرهم، لتحول دون تحقيق السياسة القومية. ذلك أن فرديناند لم يحجم قط عن أن يقطع العهود والمواثيق متى كانت سبيلاً لتحقيق مآربه، وأن يسبغ على سياسته الغادرة ثوب الدين والورع، ولكنه لم يعتبر نفسه قط ملزماً بعهود يقطعها متى أصبحت تعارض سياسته وغايته.
стр. 758
ويعلّق الناقد الغربي الحديث على ذلك بقوله: "لو نفذت العهود (التي قطعت لمسلمي غرناطة) بولاء، لتغير مستقبل إسبانيا كل التغيير، ولتفوّقت المملكة الإسبانية في فنون الحرب والسلم، وتوطّدت قوّتها ورخاؤها. ولكن ذلك كان غريباً على روح العصر الذي انقضى، وأفضى التعصّب والجشع إلى المطاردة والظلم، وأنزلت الكبرياء القشتالية بالمغلوبين ذلّة مروّعة، فاتسعت الهوّة بين الأجناس على كرّ الزمن، حتى استعصى الموقف، وأدّى إلى علاج كان من جرّائه أن تحطّم رخاء إسبانيا" (١).
وأخذت سياسة الإرهاب تجرف في طريقها كل شيء، ونشط ديوان التحقيق ( Inquisition) أو الديوان المقدس، يدعمه وحي الكنيسة وتأييد الملك، إلى مزاولة قضائه المدمّر، وكانت مهمّة هذه المحاكم الكنسية المروعة أن تعمل على حماية الدين (الكثلكة) ومطاردة الكفر والزّيغ بكل ما وسعت، وكان جلّ ضحاياها في البداية من يهود والمسلمين، ثم الموريسكيين أو العرب المتنصرين، وكانت إجراءات هذه المحاكم تنافي كل عدالة وكل قضاء متمدن.
وهكذا فإنه لم تمض أعوام على تسليم غرناطة، حتى بدت نيات السياسة الإسبانية واضحة للمسلمين، وكانت الكنيسة تحاول خلال ذلك أن تعمل لتحقيق غايتها، أعني تنصير المسلمين، بالوعظ والإقناع، ومختلف وسائل التأثير المادية، ولكن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج تذكر، فجنحت الكنيسة عندئذٍ إلى سياسة العنف والمطاردة، وأذعنت السياسة الإسبانية لوحي الكنيسة، ولم تذكر ما قطعت من عهود موكّدة للمسلمين باحترام دينهم وشعائرهم، وكان روح هذه السياسة العنيفة حبران كبيران هما: الكاردينال خمنيس مطران طليطلة، ورأس الكنيسة الإسبانية، والدون ديجوديسا، المحقق العام لديوان التحقيق (٢).
стр. 759
وحاولت السياسة الإسبانية من جانبها أن تسبغ على هذه التصرفات ثوب الحق والعدالة، فأخذت في تحوير العهود والنصوص التي تضمنتها معاهدة التسليم، وتعديلها وتفسيرها بطريق التعسف والتحكم، ثم خرقها نصّاً فنصّاً، واستلاب الحقوق والضمانات الممنوحة تباعاً، فأغلقت المساجد، وحظر على المسلمين إقامة شعائرهم، وانتهكت شعائرهم وعقائدهم وشريعتهم (١). وأدرك المسلمون ما ترمي إليه السياسة الكنسية من محو دينهم ولغتهم وشخصيتهم، ودوَّت في آذانهم تلك الكلمة الخالدة والنبوءة الصادقة، التي ألقاها إليهم فارس غرناطة موسى بن أبي الغسّان يوم اعتزموا التسليم للعدو: "أتعتقدون أن القشتاليين يحفظون عهودهم، وأن يكون لهذا الملك الظافر من الشهامة والكرم ما له من حسن الطالع؟ لشدّ ما تخطئون. إنهم جميعاً ظمئون إلى دمائنا، والموت خير ما تلقون منهم. إن ما ينتظركم شر الإهانات، والانتهاك والرق، ينتظركم نهب منازلكم، واغتصاب نسائكم وبناتكم، وتدنيس مساجدكم. تنتظركم المحارق الملتهبة، لتجعل منكم حطاماً هشيماً".
وكان فرديناند يخشى في البداية عواقب التسرع في تنفيذ هذه السياسة، لأن الأمن لم يكن قد توطّد بعد في المناطق المستولى عليها، ولأن المسلمين لم يُنزَع سلاحهم تماماً، وقد يؤدي الضغط إلى الثورة، فتعود الحرب كما كانت، ولكن انتهى إلى الخضوع إلى رأي الكنيسة، واستدعى الكاردينال خمنيس إلى غرناطة ليعمل على تحقيق مهمّة تنصير المسلمين، فوفد عليها في (شهر حزيران - يوليه سنة ١٤٩٩ م - ٩٠٥ هـ)، ودعا أسقفها الدون تالافيرا إلى اتخاذ وسائل فعّالة لتنصير المسلمين، وأمر بجمع فقهاء المدينة، ودعاهم إلى اعتناق النصرانية، وأغدق عليهم التحف والهدايا، فأقبل بعضهم على التنصير، وتبعهم جماعة كبيرة من العامة، واستعمل الوعد والوعيد والبذل
стр. 760
والإرغام، في تنصير بعض أعيان المسلمين.
وكان قد اعتنق النصرانية قبل سقوط غرناطة وبعدها، جماعة من الأمراء والوزراء، وفي مقدمتهم الأميران سعد ونصر، ولدا السلطان أبي الحسن، من زوجه النصرانية أليزابيث دى سوليس المعروفة باسم ثريا، فقد تنصّرا ومنحا ضياعاً في أرجبة، وتسمى أحدهما باسم: الدوق فرديناند دى جرانادا أي صاحب غرناطة، وخدم قائداً في الجيش القشتالي، واشتهر في غيرته بخدمة العرش، وتسمَّى الثاني باسم: دون خوان دى جرانادا (١). وتنصّر سيدي يحيى النيار قائد ألمرية وابن عم مولاي الزغل، عقب تسليمه لألمرية، وتسمَّى باسم: الدون بيدرو دى جرانادا فنيجاس، وتزوج من دونيا خوانادى مندوثا وصيفة الملكة. وتنصر الوزير أبو القاسم بن رضوان بنيغش ومعظم أفراد أسرته، وعادت أسرته تحمل لقبها القشتالي القديم: ( Los Venegas) واشتهرت في تاريخ إسبانيا الحديث، وأنجبت كثيراً من القادة والأحبار. وتنصَّر آل الثغري الذين اشتهروا في الدفاع عن مالقة وغرناطة قسراً، وسُمِّي عميدهم باسم: جونثالفو فرنانديث ثجري. وتنصر الوزير يوسف كُماشة، وانتظم في سلك الرهبان، وهكذا اجتاحت موجة التنصير كثيراً من الأكابر والعامة معاً.
وتمركزت حركة التنصير في غرناطة بالأخص في حي البيازين، حيث حُوِّل مسجده في الحال كنيسة سميت باسم، سان سلفادور (٢). واحتجّ بعض أكابر المسلمين على هذه الأعمال، ولكن ذهب احتجاجهم وتمسكهم بالعهود المقطوعة سدى. وثار أهل البيازين، وتحصّنوا بحيّهم، وندّدوا بخرق العهود، فبذل الكاردينال خمنيس وحاكم المدينة، جهوداً فادحة لإقناعهم بالهدوء والسكينة، وبذلوا لهم من التأكيدات والضمانات الكلامية
стр. 761
ما شاءوا (١).
ولم يقف الكاردينال خمنيس عند تنظيم هذه الحركة الإرهابية، التي انتهت بتوقيع التنصير المغصوب، على عشرات الألوف من المسلمين قسراً، ولكنه قرنها بارتكاب عمل بربري شائن، هو أنه أمر بجمع كل ما يستطاع جمعه من الكتب العربية من أهالي غرناطة وأرباضها، ونظمت أكداساً هائلة في ميدان باب الرّملة، أعظم ساحات المدينة، ومنها كثير من المصاحف البديعة الزخرف، وآلاف من كتب الآداب والعلوم، أُضرمت النار فيها جميعاً ولم يستثن منها سوى ثلاثمائة من كتب الطب والعلوم، حملت إلى الجامعة التي أنشأها في مدينة ألكالا دى هنارس، وذهبت ضحية هذا الإجرام الهمجي عشرات الألوف من الكتب العربية، هي خلاصة ما بقي من تراث الفكر الإسلامي في الأندلس (٢).
وليس المؤلفون العرب والمسلمون وحدهم الذين يصفون عمل خمنيس بالبربرية والهمجية، بل قالها ويقولها المنصفون من الغربيين، فمثلاً يشير المستشرق الإيطالي الأب سكيابرللي ( Schiaparelli) في مقدمة إحدى كتبه إلى: "التعصب الكاثوليكي، وثورات خمنيس البربرية، التي ترتب عليها حرق المصاحف والكتب الإسلامية الأخرى لمسلمي غرناطة، وذلك لكي يتوسل إلى تنصيرهم".
ويقول المؤرخ الأمريكي وليم برسكوت: "إن هذا العمل المحزن لم يقم به همجي جاهل وإنما جد مثقف، وقد وقع لا في ظلام العصور الوسطى،
стр. 762
ولكن في فجر القرن السادس عشر، وفي قلب أمة مستنيرة، تدين إلى أعظم حدّ بتقدمها، إلى خزائن الحكمة العربية ذاتها". ثم يشير إلى ما ترتب على هذا العمل بقوله: "لقد غدت الآداب العربية نادرة في مكتبات نفس البلد الذي نشأت فيه، وإن الدراسات العربية التي كانت من قبل زاهرة في إسبانيا، حتى في العصور الأقل لمعاناً، انهارت لأنها عدمت عذاء يؤدها، وهكذا كانت النتائج المحزنة للمطاردة التي يراها بعضهم أشد تقويضاً من تلك التي توجه إلى الحياة ذاتها (١).
على أن هذا العمل الذي يثير النقد الغربي الحديث وزرايته، يجد مع ذلك بين العلماء الإسبان من يسوّغه، بل ويمجّده. وقد تولى المستشرق سيمونيت الدفاع عن الكاردينال خمنيس، الذي يصفه بأنه أحد أمجاد الكنيسة الإسبانية، في رسالة عنوانها: "الكاردنال خمنيس دى سيسنيرس والمخطوطات العربية الغرناطية" (٢)، يقول فيها: إن ما قام به الكاردينال من حرق الكتب أمر لا غبار عليه، إذ هو إعدام للشيء الضار، وهو بالعكس أمر محمود، كما يعدم عناصر العدوى وقت الوباء، وإن الملكين الكاثوليكيين قد أمرا بعد تنصير المسلمين أن تؤخذ منهم كتب الشريعة والدين، لكي تحرق في سائر مملكة غرناطة، أن يسلموا سائر الكتب العربية التي لديهم سواء في الدين أو الشريعة أو كتب الطب والفلسفة والتاريخ أو غيرها إلى قاضي الجهة، وذلك في ظرف خمسين يوماً من تاريخ هذا الأمر، لكي يفحصها القضاة، وتؤخذ منها كتب الدين والسنة، ويرخص القضاة بعد ذلك بحيازة غيرها. ويدافع سيمونيت عن تصرف الكاردينال خمنيس بحماسة ويقول: إن إحراقه للكتب، يمكن أن يقارن بما وقع من أعمال مماثلة خلال الثورات الحديثة، منذ الثورات البروتستانية الإنكليزية والألمانية إلى الثورة الفرنسية، وأنه خلال هذه
стр. 763
الثورات قد أحرق أو أتلف كثير من الآثار الأدبية والفنية في كثير من البلاد الأوروبية، وأنه لا يمكن مقارنة عمل خمنيس، بما وقع من إحراق مكتبة الإسكندرية (المزعوم) بأمر الخليفة عمر، وأن معظم الكتب العربية قد أخرج من إسبانيا مع الهجرة ومع من هاجر من المسلمين من القواعد الأندلسية المختلفة، وأخيراً أن كثيراً منها قد جمع أيام الملك فيليب الثاني وأودع بقصر الأسكوريال (١). ذلك هو ملخص رسالة المستشرق سيمونيت في الدفاع عن تصرف الكاردينال خمنيس، وهو دفاع يبدو ركيكاً مصطنعاً، إزأء النقد الغربي الحديث، وتطبعه نزعة تحيّز وتعصب واضحة، كما أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يأمر بإحراق مكتبة الإسكندرية كما أثبت أكثر من مستشرق منصف، وأصبحت معروفة لدى الغربيين وغيرهم. ويبدو تعصّب وتحيز هذا المستشرق الإسباني واضحاً في كل ما كتب عن الأمة الأندلسية المسلمة، وهو لا يمكن - مهما أسبغ على دراسته من المقارنات - أن يزيل أثر هذه الوصمة المشينة من حياة خمنيس، أو من التاريخ الإسباني.
وما حدث في غرناطة من تنصير المسلمين، حدث في باقي البلاد والنواحي الأخرى، فتنصر أهل البشرات وألمرية وبسطة ووادي آش في العام التالي، أعني في سنة (١٥٠٠ م)، وعمّ التنصير في سائر أنحاء مملكة غرناطة. على أن هذه الحركة التي نظمت لتنصير بقية الأمة الأندلسية، والتي لم تدخر فيها أساليب الوعود والوعيد والإغراء والإكراه، لم تقع دون قلائل واضطرابات عديدة. وكان الإغراء بالتنصير يتخذ أحياناً، شكل هبات ومنح جماعية لبلدة أو منطقة بأسرها، كما حدث بالنسبة لأهل وادي ألكرين (الإقليم) ولنخرون والبشرات، فقد أصدر الملكان الكاثوليكيان مرسوماً في (٣٠ حزيران - يوليه سنة ١٥٠٠ م) بإبراء سائر أهالي النواحي المذكورة، الذين تنصروا أو يتنصرون، من جميع الحقوق والتعهدات المفروضة على
стр. 764
الموريسكيين العرب المتنصرين - لصالح العرش، ورفعها عن منازلهم وأراضيهم وسائر أملاكهم المنقولة والثابتة، وهبتها لهم، وإلغاء ضريبة الرأس المفروضة عليهم لمدة ست سنوات، وإقالتهم من الغرامة التي فرضت عليهم من جرّاء ثورتهم، وقدرها خمسون ألف دوقية، هذا إلى منح وبراءات أخرى تضمنها المرسوم (١).
وصدر كذلك مرسوم مماثل من الملكين الكاثوليكيين في (٣٠ أيلول - سبتمبر سنة ١٥٠٠ ام) إلى المسلمين القاطنين بحيّهم ( Moreria) بمدينة بسطة، بإقالة الذين تنصروا أو يتنصرون، من جميع الفروض والمغارم التي فرضت على الموريسكيين، وتحريرهم منها سواء بالنسبة لأنفسهم أو منازلهم أو أموالهم الثابتة والمنقولة من يوم التنصير، وألاّ يدخل أحد منازلهم ضد إرادتهم، ومن فعل عوقب بغرامة فادحة، وأن يُعفوا من سائر الذنوب التي ارتكبت ضد خدمة العرش، وأن تحترم جميع العقود والمحررات التي كتبت بالعربية وصادق عليها فقهاؤهم وقضاتهم، وأن يعامل المتنصرون منهم كسائر النصارى الآخرين في بسطة، ولهم أن ينتقلوا وأن يعيشوا في أي مكان آخر من أراضي قشتالة، دون قيد أو عائق، إلى غير ذلك من المنح والامتيازات (٢).
وصدر أخيراً مرسوم بالعفو عن جميع سكان حي المسلمين، ( Moreria) بغرناطة والقرى الملحقة بها، بالنسبة لجميع الذنوب والأخطاء التي ارتكبت حتى يوم تنصيرهم، وألاّ يُتخذ في شأنهم أي إجراء سواء ضد أشخاصهم أو أملاكهم (٣).
ولم تقدم لنا الرواية الإسلامية المعاصرة لأحداث التنصير كثيراً من
стр. 765
التفاصيل عن هذه الحوادث والتطورات، ولكنها تكتفي بأن تجمل مأساة تنصير المسلمين في هذه الكلمات المؤثرة: "ثم بعد ذلك دعاهم (أي ملك قشتالة) إلى التنصير، وأكرههم عليه، وذلك في سنة أربع وتسعمائة، فدخلوا في دينهم كرهاً، وصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق فيها مَن يقول: "لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله"، إلاّ مَن يقولها في قلبه، وفي خفية من الناس، وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الأذان، وفي مساجدها الصور والصلبان، بعد ذكر الله وتلاوة القرآن، فكم فيها من عين باكية وقلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعذورين، لم يقدروا على الهجرة واللّحوق بإخوانهم المسلمين، قلوبهم تشتعل ناراً، ودموعهم تسيل سيلاً غزيراً، وينظرون إلى أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان، ويسجدون للأوثان، ويأكلون الخنزير والميتات، ويشربون الخمر التي هي أم الخبائث والمنكرات، فلا يقدرون على منعهم ولا على نهيهم، ولا على زجرهم، ومَن فعل ذلك عوقب بأشد العقاب؛ فيالها من فجيعة ما أمرّها، ومصيبة ما أعظمها، وطامة ما أكبرها"، ثم يختتم بقوله: "وانطفأ من الأندلس الإسلام والإيمان، فعلى هذا فليبك الباكون، ولينتحب المنتحبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً" (١).
ونقل لنا المقري نبذة من رسالة أخرى يشير كاتبها إلى تنصير مسلمي الأندلس هي: "وتعرفنا من غير طريق، وعلى لسان غير فريق، أن قطر الأندلس طرق أهله خطب لم يجد في سالف الدهر. وذلك أنهم أُكرهوا بالقتل إن لم يقع منهم النطق بما يقتضي في الظاهر الكفر، ولم يقبل منهم الأسر. وكان الابتداء في ذلك من أهل غرناطة، وخصوصاً أهل واسطتها لقلة الناس، وكونهم من الرعيّة الدهماء، مع عدم العصبية بسبب اختلاف الأجناس، وعلم النصارى بأن مَن بقي بها من المسلمين إنما هم أسارى
стр. 766
بأيديهم، وعيال عليهم، وبعد أن انتزعوا منهم الأسلحة والمعاقل، وعتوا فيهم بالخروج والجلاء، ولم يبق من المسلمين طائل، ونقض اللعين طاغية النصارى عهوده، ونشر بمحض الغدر بنوده .. الخ" (١).
وجاء في رواية أخرى، هذا الوصف لمأساة التنصير: "إن طاغية قشتالة وأراغون، صدم غرناطة صدمة، وأكره على الكفر مَن بقي بها من الأمة، بعد أن هيض جناحهم، وركدت رياحهم، وجعل بعد جنده الخاسر على جميع جهات الأندلس ينثال، والطاغية يزدهي في الكفر ويختال، ودين الإسلام تنثر بالأندلس نجومه، وتطمس معالمه ورسومه، فلو رأيتم ما صنع الكفر بالإسلام بالأندلس وأهليه، لكان كل مسلم يندبه ويبكيه، فقد عبث البلاء برسومه، وعفى على أقماره ونجومه، ولو حضرتم مَن جبر بالقتل على الإسلام، وتوعّد بالنكال والمهالك العظام، ومَن يعذب في الله بأنواع العذاب، ويدخل به من الشدّة في باب ويخرج من باب، لأنساكم مصرعه، وساءكم مفظعه، وسيوف النصارى إذ ذاك على رءوس الشرذمة القليلة من المسلمين مسلولة، وأفواه الذاهلين محلولة، وهم يقولون: ليس لأحدٍ بالتنصر أن يمطل، ولا يلبث حيناً ولا يمهل، وهم يكابدون تلك الأهوال، ويطلبون لطف الله على كل حال".
وقد تردد صدى هذه المحنة التي نزلت بمسلمي الأندلس بسرعة في سائر جنبات العالم الإسلامي، فنرى ابن إياس مؤرخ مصري، وهو راوية معاصر، يدوّن في حوادث (صفر سنة ٩٠٦ هـ - آب - أغسطس ١٥٠٠ م)، أعني عقب محنة التنصير بأشهر قلائل ما يأتي: "وفيه جاءت الأخبار من المغرب، بأن الإفرنج قد استولوا على غرناطة التي هي دار ملك الأندلس، ووضعوا فيها السيف بالمسلمين، وقالوا: مّن دخل ديننا تركناه، ومَن لم يدخل قتلناه، فدخل في دينهم جماعة كثيرة من المغاربة خوفاً على أنفسهم من القتل، ثم ثار
стр. 767
عليهم المسلمون ثانياً وانتصفوا عليهم بعض شيء، واستمر الحرب ثائراً بينهم، والأمر لله تعالى في ذلك" (١).
أما المسلمون الذين بقوا في مملكة البرتغال، فقد كان مصيرهم فيما يبدو أفضل من مصير إخوانهم مسلمي الأندلس، فقد قضى العرش البرتغالي بإخراجهم من أراضي المملكة في سنة (١٤٩٦ م)، والسماح لهم بالعبور إلى المغرب أو إلى حيث شاءوا، ونظراً لما لقوه من صعاب في اختراق الأراضي الإسبانية، فقد أصدر الملكان الكاثوليكيان، تحقيقاً لرغبة ملك البرتغال مرسوماً في (نيسان - أبريل سنة ١٤٩٧ م) يصرح فيه للمسلمين البرتغاليين ونسائهم وأولادهم وخدمهم، أن يخترقوا أراضي قشتالة، وأن يذهبوا بأموالهم وأمتعتهم إلى البلاد الأخرى، وأن يبقوا في أرض قشتالة الوقت الذي يرغبون، ثم يغادرونها بأموالهم متى شاءوا، وفقط لا يسمح لهم بحمل الذهب والفضة إلى الخارج، ويؤمنون في أنفسهم وأموالهم ضد كل اعتداء، ولا يؤخذ منهم شيء بلا حق (٢).
تلك هي المأساة التي استحالت فيها بقية الأمة الأندلسية بالتنصير المفروض إلى طائفة جديدة عرفت من ذلك التاريخ بالموريسكيين ( Moriscos) أو المسلمين الأصاغر، أو العرب المتنصرين (٣). وقد فرض التنصير على المسلمين فرضاً، ولم تحجم السلطات الكنسية والمدنية، عن اتخاذ أشدّ وسائل العنف. ولم يستكن المسلمون إلى هذا العنف دون تذمّر ودون مقاومة، وسرت إليهم أعراض الثورة ولاسيما في المناطق الجبلية، حيث كان ما يزال ثمة قبس من الحماسة الدينية. وكانت السياسة الإسبانية تلتمس الوسيلة للتخلص نهائياً من العهود المقطوعة، فألفت من
стр. 768
التذمّر والمقاومة سندها، وقرر مجلس الدولة بأن المسلمين أصبحوا خطراً على الدين والدولة، ولا سيما بعد ما تبين من جنوحهم إلى الثورة، ومحاولتهم الاتصال بإخوانهم في المغرب ومصر والقسطنطينية، وقضى بوجوب اعتناق المسلمين للنصرانية، ونفي المخالفين منهم من الأراضي الإسبانية. وهكذا حاول مجلس الدولة أن يسبغ صفة الحق والعدالة على التنصير القسري، وعلى كل ما يتخذ لتحقيقه من إجراءات العسف والإرهاق.
وقع هذا القرار على المسلمين وقع الصاعقة، وسرعان ما سرت إليهم الحمية القديمة، فأعلنوا الثورة في معظم نواحي غرناطة، وفي ريفي البيازين، وفي البشرات، واشتدّ الهياج بالأخص في بلفيق وفي أندراش حيث نسف حاكم البلدة مسجدها، بالبارود، وفي فيحار وجويجار وغيرها، واعتزم المسلمون الموت في سبيل دينهم وحريتهم، ولكنهم كانوا عزلاً، وكانت جنود النصرانية صارمة شديدة الوطأة فمزقتهم بلا رأفة، وكثر بينهم القتل، وسبيت نساؤهم، وقضى بالموت على مناطق بأسرها، ما عدا الأطفال الذين هم دون الحادية عشرة، فقد حُولوا إلى نصارى. وحمل التعلّق بالوطن وخوف الفاقة وهموم الأُسرة كثيراً منهم على الإذعان والتسليم. فقبلوا التنصير المغصوب ملاذاً للنجاة، ولجأت الحكومة بعد إخماد الهياج في غرناطة والبيازين إلى أساليب الرّفق، فبعثت بالعمال والقسس في مختلف الأنحاء، ولم يدّخر هؤلاء وسعاً في اجتذاب المسلمين بالوعيد والوعود، وهكذا ذاع التنصير في سائر مملكة غرناطة القديمة (١).
وفي نفس الوقت، اضطر المسلمون المدجّنون في آبلة وسمورة وبلاد أخرى في جليقية إلى اعتناق النصرانية، وكانوا حتى ذلك الوقت يحتفظون بدينهم القديم.
ونشط فرديناند إلى إخماد الهياج حيث يقع، وفي الوقت الذي غدا فيه
стр. 769
التنصير أمراً محتوماً، وأضحى فرديناند يعتبر نفسه في حلّ من عقوده المقطوعة للمسلمين، تقدّم إليه ديسا المحقق العام بوجوب إنشاء ديوان للتحقيق في غرناطة، يعاون على مطاردة الزَّيغ بوسائله الفعّالة، فألِّفت لجنة ملكية للتحقيق في حوادث غرناطة، وقبض على كثير من المسلمين بتهمة التحريض، وهرع آلاف منهم أُخر إلى اعتناق النصرانية خيفة السجن والمطاردة. وعارض فرديناند وإيزابيلا في إنشاء ديوان التحقيق في غرناطة ذاتها، واقترحوا أن تحال شئونها إلى اختصاص ديوان التحقيق في قرطبة، وألاّ يقدم المسلمون أو الموريسكيون إلى الديوان إلاّ لتهم خطيرة، ولكن الكنيسة لم تقنع باتخاذ الإجراءات الجزئية، ومضت تعمل لغايتها الشاملة، وكان فرديناند من جهة أخرى لا يزال يتوجّس من المسلمين شرّاً، ويرى في منطق الكنيسة قوة، وهو أن احتفاظ المسلمين بدينهم يقوّي الروابط بينهم وبين إخوانهم في إفريقية، وأن إسبانيا ما تزال تضمّ بين جوانحها عدواًّ يخشى بأسه، وأن في تنصير المسلمين أو إخراجهم من إسبانيا، سلام إسبانيا ونقاء دينها.
وكانت الكلمة للكنيسة دائماً، ففي (٢٠ حزيران - يوليه سنة ١٥٠١ م) أصدر فرديناند وإيزابيلا أمراً ملكياً خلاصته: "أنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة، فإنه يحظر وجود المسلمين فيها، فإذا كان بها بعضهم فإنه يحظر عليهم أن يتصلوا بغيرهم، خوفاً من أن يتأخر تنصيرهم، أو بأولئك الذين نُصِّروا لئلا يفسدوا إيمانهم، ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال".
وحاول المسلمون في يأسهم أن يلجأوا إلى معاونة سلطان مصر، فأرسلوا إليه كتبهم يصفون إكراههم على التنصير، ويطلبون إليه أن ينذر ملك إسبانيا، بأنه سوف ينكّل بالنصارى المقيمين في مملكته، إذا لم يكف عنهم، فنزل سلطان مصر عند هذه الرغبة، وأرسل إلى فرديناند يخطره بما تقدّم. وانتهز فرديناند هذه الفرصة، فأوفد إلى بلاط القاهرة (سنة ١٥٠١ م) سفارته التي
стр. 770
تحدثنا عنها فيما تقدم والتي كان سفيره فيها بيترو مارتيري الحبر الكاتب المؤرخ، فأدى مارتيري سفارته ببراعة، واستطاع أن يقنع السلطان بما يلقاه مسلمو الأندلس من الرعاية، وأن يطمئنه على مصيرهم (١).
وهكذا خبت آمال المسلمين تباعاً، ولم تستمر ثورة المسلمين إلاّ في المنطقة الجبلية الواقعة بين آكام فليا لونجاو وسيرافرمليا (الجبال الحمراء) بجوار رندة، حيث احتشدت بعض البطون المغربية، وحيث استطاع الثوار أن يقتحموا شعب الجبال، وأن يفتكوا بعمال الحكومة وجندها. وسيَّر فرديناند إلى تلك المنطقة حملة قوية تحت قيادة قائده الشهير ألونسو دي آجيلار دوق قرطبة، ونفذ الجند الإسبان إلى شعب فليالونجا، ووقعت المعركة الحاسمة بين المسلمين والنصارى، فهُزِم النصارى هزيمة فادحة، وقتل منهم عدد ضخم، وكان قائدهم دى آجيلار وعدة آخرون من السادة الأكابر، في مقدمة القتلى (آذار - مارس ١٥٠١ م)، فكان لهذه النكبة التي نزلت بالجنود الإسبان وقوادهم، أعمق وقع في البلاط الإسباني. وهرع فرديناند إلى غرناطة، ورأى بالرغم مما كان يحدوه من عوامل السّخط والانتقام، أن يجنح إلى اللّين والمسالمة، فأعلن العفو عن الثوار بشرط أن يعتنقوا النصرانية في ظرف ثلاثة أشهر، أو يغادروا إسبانيا تاركين أملاكهم للدولة، فآثر معظمهم النفي والجواز إلى إفريقية، وهاجرت منهم جموع كبيرة إلى فاس ووهران وبجاية وتونس وطرابلس وغيرها، وقدمت الحكومة الإسبانية السفن اللازمة لنقلهم مغتبطة لرحيلهم (٢)، إذ كانوا أشد الناس مراساً وأكثرها نزوعاً إلى الثورة. واستقر الباقون وهم الكثرة الغالبة من المسلمين في البلاد، خاضعين مستسلمين، وقد وصفهم دى بداراثا، وهو مؤرخ من أحبار الكنيسة عاش قريباً من ذلك العصر بقوله: "إنهم شعب ذو مبادئ أخلاقية متينة، أشراف في معاملاتهم وتعاقدهم، ليس بينهم عاطل، وكلهم عامل، يعطفون أشدّ
стр. 771
العطف على فقرائهم" (١).
ولم تفت الرواية الإسلامية أن تشير إلى هذه الصفحة الأخيرة من جهاد المسلمين الباسل في سبيل دينهم، فقد نقل عنها المقري ما يأتي: "وبالجملة فإنهم (أي أهل غرناطة) تنصّروا عن آخرهم بادية وحاضرة، وإمتنع قوم عن التنصّر واعتزلوا النصارى فلم ينفعهم ذلك، وامتنعت قرى وأماكن كذلك، منها بلفيق، وأندراش وغيرها، فجمع لهم العدو الجموع، واستأصلهم عن آخرهم قتلاً وسبياً إلاّ ما كان من جبل بلنقة (أي فليا لونجا)، فإن الله تعالى أعانهم على عدوّهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، مات فيها صاحب غرناطة، وأُخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خفّ من أموالهم دون الذخائر. ثم بعد هذا كان من أظهر التنصير من المسلمين، يعبد الله خفية ويصلي، فشدّد عليهم النصارى في البحث، حتى أنهم أحرقوا منهم كثيراً بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة، فضلاً عن غيرها من الحديد، وقاموا في بعض الجبال على النصارى مراراً، ولم يقيّض الله تعالى لهم ناصراً" (٢).
وصدق صاحب نفح الطيب، إذ لم يجد مسلموا الأندلس في محنتهم ناصراً، فلم يعاونهم المغاربة ولا سلطان مصر ولا سلطان القسطنطينية حتى بالكلام، ولو أن سلطان مصر، هدّد بمعاملة نصارى بلاده بالمثل، وجعل الملكين الكاثوليكيين يصدّقون وعيده - خاصة وأن فلسطين كانت تحت حكمه - لتبدّل الحال غير الحال، ولعُومل المسلمون من النصارى الإسبان بالحسنى. والقول إن سفير فرديناند استطاع إقناع سلطان مصر، بأن إسبانيا تعامل المسلمين بالحسنى، إدّعاء فارغ لا يصدّقه العقل ويرفضه المنطق، فقد كانت معاملة ملك النصارى في إسبانيا للمسلمين الظالمة معروفة لدى القاصي والداني في بلاد المسلمين، وقد وصلت أخبارها مصر، وسجلها
стр. 772
مؤرخها ابن إياس، فكيف يجهلها السلطان ويقتنع بأن ملك إسبانيا النصراني يعامل المسلمين معاملة حسنة؟! إن حكام المسلمين يومئذٍ، الذين لم يمدّوا يد العون إلى إخوانهم المضطهدين في الأندلس، مقصِّرون أمام الله وأمام الناس تقصيراً لا يمكن الدفاع عنه ولا السكوت، وقد تظاهر سلطان مصر بأنه اقتنع بادعاء سفير ملك إسبانيا بأنه يعامل المسلمين بالحسنى، وهو لم يقتنع أبداً، ولكنه لم يكن عازماً على مدّ يد العون لمسلمي الأندلس.
ومضت السياسة الإسبانية في اضطهاد المسلمين والموريسكيين بمختلف الوسائل، وكان من الإجراءات الشاذة التي اتخذت في هذا السبيل، تشريع أصدره فرديناند بإلزام المسلمين والموريسكيين في المدن، بالسكنى في أحياء خاصة بهم، على نحو ما كان متّبعاً نحو اليهود في العصور الوسطى، ونفّذ هذا التشريع في غرناطة عقب حركة التنصير الشامل، وأفرد بها للمسلمين والمتنصِّرين حيّان، أحدهما يضمّ نحو خمسمائة منزل، وهو الحي الصغير وهو داخل المدينة، والثاني يضم نحو خمسة آلاف منزل، ويشمل ضاحية البيازين، وكانت الأحياء التي يشغلها المسلمون أو المتنصّرون في المدن الأندلسية تسمى: (موريريا Moreria) أو أحياء الموريسكيين، على نحو ما كانت أحياء يهود الخاصة تسمى: (الجيتو Ghetto) وكانت تفصل بينها وبين أحياء النصارى أسوار كبيرة، وكان عدد المسلمين الذين بقوا في غرناطة يبلغ في ذلك الحين نحو أربعين ألفاً (١).
وصدر في نفس الوقت في (أيلول - سبتمبر ١٥٠١ م) قانون يحرّم على المسلمين إحراز السلاح علناً أو سراً، وينص على معاقبة المخالفين لأول مرة
стр. 773
بالحبس والمصادرة، تم الموت بعد ذلك، وهو قانون تكرّر صدوره بعد ذلك غير مرّة في ظروف وعصور مختلفة، وكان يطبق بصرامة بالأخص كلما حدث من الموريسكيين هياج أو مقاومة مسلحة تخشى عواقبها (١).
وكانت السياسة الإسبانية تخشى احتشاد الموريسكيين وتجمعاتهم في مملكة غرناطة، ولهذا صدر في (شباط - فبراير ١٥١٥ م) مرسوم ملكي أعلن في طليطلة، وفيه يحرّم بتاتاً على المسلمين المتنصرين حديثاً والمدجنين من أي جهة من مملكة قشتالة، أن يخترقوا أراضي غرناطة، ويعاقب المخالفون بالموت والمصادرة. ونصّ هذا المرسوم أيضاً أن يحرم بتاتاً على المتنصرين حديثاً في مملكة غرناطة أو في أية جهة أخرى من المملكة، أن يبيعوا أملاكهم لأي شخص دون ترخيص سابق، ومن فعل عوقب بالموت، والمصادرة، وذلك لأنه تبين كما ورد في المرسوم، أن كثيراً من المسلمين المتنصرين يبيعون أملاكهم، ويحصلون أثمانها، ثم يعبرون إلى المغرب، وهناك يعودون إلى الإسلام (٢).
٣ - ديوان التحقيق (٣) الإسباني
ومهمته في إبادة الأمة الأندلسيّة
أ - قام ديوان التحقيق ( La Inquisicion) في مطاردة الموريسكيين بأعظم دور، وترك في مأساتهم أعمق الأثر، لذلك يجدر التحدث عن تاريخ هذه المحاكم الشهيرة، ونظمها وأعمالها الرهيبة.
ويرجع قيام محاكم التحقيق إلى فكرة الرقابة القديمة على العقيدة
стр. 774
والتحقيق عن سلامتها ونقائها. وقد ظهرت فكرة التحقيق على العقائد في الكنيسة الرومانية في عصر مبكّر جداً، وبُدىء بتطبيقها منذ أوائل القرن الثالث عشر، فكان البابا يعهد إلى الأساقفة وإلى الآباء الدومنيكيين، في تعقّب المارقين والكفرة ومعاقبتهم. وطبق هذا النظام منذ البداية في إيطاليا وألمانيا وفرنسا. وكان مندوبو البابوية يتجولون في مختلف الأنحاء، لتقصّي أخبار الكفرة والقبض عليهم ومعاقبتهم، وكانت تعقد لذلك مجالس كنسية مؤقتة كانت هي النواة الأولى لمحاكم التحقيق، تعمل حيث يعمل الكفرة والملاحدة، ثم تُحلّ متى تمّت مهمّة مطاردتهم والقضاء عليهم.
ثم أنشئت بعد ذلك مراكز ثابتة لمحاكم التحقيق، أقيم معظمها في أديار الآباء الدومنيكيين والفرنسيسكانيين. ولم تك ثمة في هذه العصور سجون خاصة أو مراكز خاصة لمحاكم التحقيق، وإنما كان يتخذ من أي مكان صالح مركزاً أو سجناً. وكان الأساقفة يتولون رئاسة هذه المحاكم، ولهم سلطة مطلقة. وكانت التحقيقات والمرافعات تجري بطريقة سرية، وتصدر الأحكام على المتهمين نهائية غير قابلة للطعن، وكان يسمح للنساء والصبيان والعبيد بالشهادة ضدّ المتهم وليس له، ويؤخذ الاعتراف من المتهم بالخديعة والتعذيب. وكان التعذيب يعتبر طبقاً للقوانين الكنسية وسيلة غير مشروعة للاعتراف، ولكن البابوية لم تجد بأساً من إقرار هذه الوسيلة. وكانت السجون التي يستعملها ديوان التحقيق مظلمة رهيبة، يموت فيها الكثيرون من المرض والآلام النفسية. وكان السجناء يصفدون عادة بالأغلال الثقيلة، وكانت العقوبات الرئيسية هي السجن المؤبد والإعدام والمصادرة. وكانت السلطات الدينية والبابوية تحصل على أوفر نصيب من الأموال المصادرة، وتحصل السلطات المدنية أيضاً على نصيبها منها. وألفى ديوان التحقيق ميداناً خصباً لمطاردة الألبيين (١) وغيرهم من الملاحدة الذين ظهروا
стр. 775
منذ أوائل القرن الثالث عشر في جنوبي فرنسا. وفي عهد لويس التاسع ملك فرنسا وضع أول قانون ينظم إجراءات هذه المحاكم الكنسية الجديدة. وكان ديوان التحقيق في تلك العصور يصدر أيضاً أحكامه ضد الكتب المحرّمة، ويأمر بإحراقها، ومن ذلك أحكام صدرت بإحراق التلمود وبعض كتب أرسطو وغيرها من كتب الفلسفة في العهد القديم.
ثم اتسع اختصاص محاكم التحقيق بمضي الزمن، فلم تبق مهمتها قاصرة على مطاردة الكفر والزيغ في العقيدة، بل تعددته إلى مطاردة السحر والسحرة والعرّافة والعرّافين، وشُبِّه هؤلاء بالكفر. وجاء بعد ذلك دور يهود، فاتهموا بسبّ النصرانية وأخذت عليهم مزاولة الربا وتتبّعهم ديوان التحقيق بالمطاردة والعقاب، على أن الديوان لم ينس دائماً أن مهمته الأصلية تنحصر في مطاردة الكفر والزّيغ، والمحافظة على سلامة العقيدة الكاثوليكية ونقائها.
ب - تلك هي الظروف التي قامت فيها محاكم التحقيق الأولى، في مختلف أنحاء أوروبا: في إيطاليا وألمانيا وفرنسا. ويرجع قيام ديوان التحقيق الإسباني إلى نفس البواعث الدينية، ولكنه نشأ مع ذلك نشأة مستقلة، وأحاطت بقيامه ظروف خاصة. وقد أنشئت محاكم التحقيق في مملكة أراغون منذ القرن الثالث عشر، ووضعت لها في سنة (١٢٤٢ م) إجراءات جديدة، كان لها فيما بعد أكبر الأثر في صوغ ديوان التحقيق الإسباني. وعرف هذا الديوان الأرغوني بالديوان القديم، وعكف حيناً على مطاردة الألبيين وإخماد دعوتهم في أراغون، ولم يلبث أن غدا سلطانه، وغدت وسائله وإجراءاته مثار الرهبة والرّوع.
على أن هذه لم تكن سوى بداية محدودة لنشاط ديوان التحقيق الإسباني، ذلك أن ظروف إسبانيا النصرانية في ذلك العصر، واضطرام الصراع الأخير بينها وبين إسبانيا المسلمة، ورجحان كفتها في ميدان الحرب والسياسة، كان كلها تذكي النزعة الصليبية، التي كانت تجيش بها إسبانيا دائماً. وكانت الأمة الأندلسية قد استحالت منذ القرن الرابع عشر إلى طوائف كبيرة من