العطف على فقرائهم" (١).
ولم تفت الرواية الإسلامية أن تشير إلى هذه الصفحة الأخيرة من جهاد المسلمين الباسل في سبيل دينهم، فقد نقل عنها المقري ما يأتي: "وبالجملة فإنهم (أي أهل غرناطة) تنصّروا عن آخرهم بادية وحاضرة، وإمتنع قوم عن التنصّر واعتزلوا النصارى فلم ينفعهم ذلك، وامتنعت قرى وأماكن كذلك، منها بلفيق، وأندراش وغيرها، فجمع لهم العدو الجموع، واستأصلهم عن آخرهم قتلاً وسبياً إلاّ ما كان من جبل بلنقة (أي فليا لونجا)، فإن الله تعالى أعانهم على عدوّهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، مات فيها صاحب غرناطة، وأُخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خفّ من أموالهم دون الذخائر. ثم بعد هذا كان من أظهر التنصير من المسلمين، يعبد الله خفية ويصلي، فشدّد عليهم النصارى في البحث، حتى أنهم أحرقوا منهم كثيراً بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة، فضلاً عن غيرها من الحديد، وقاموا في بعض الجبال على النصارى مراراً، ولم يقيّض الله تعالى لهم ناصراً" (٢).
وصدق صاحب نفح الطيب، إذ لم يجد مسلموا الأندلس في محنتهم ناصراً، فلم يعاونهم المغاربة ولا سلطان مصر ولا سلطان القسطنطينية حتى بالكلام، ولو أن سلطان مصر، هدّد بمعاملة نصارى بلاده بالمثل، وجعل الملكين الكاثوليكيين يصدّقون وعيده - خاصة وأن فلسطين كانت تحت حكمه - لتبدّل الحال غير الحال، ولعُومل المسلمون من النصارى الإسبان بالحسنى. والقول إن سفير فرديناند استطاع إقناع سلطان مصر، بأن إسبانيا تعامل المسلمين بالحسنى، إدّعاء فارغ لا يصدّقه العقل ويرفضه المنطق، فقد كانت معاملة ملك النصارى في إسبانيا للمسلمين الظالمة معروفة لدى القاصي والداني في بلاد المسلمين، وقد وصلت أخبارها مصر، وسجلها
стр. 772
مؤرخها ابن إياس، فكيف يجهلها السلطان ويقتنع بأن ملك إسبانيا النصراني يعامل المسلمين معاملة حسنة؟! إن حكام المسلمين يومئذٍ، الذين لم يمدّوا يد العون إلى إخوانهم المضطهدين في الأندلس، مقصِّرون أمام الله وأمام الناس تقصيراً لا يمكن الدفاع عنه ولا السكوت، وقد تظاهر سلطان مصر بأنه اقتنع بادعاء سفير ملك إسبانيا بأنه يعامل المسلمين بالحسنى، وهو لم يقتنع أبداً، ولكنه لم يكن عازماً على مدّ يد العون لمسلمي الأندلس.
ومضت السياسة الإسبانية في اضطهاد المسلمين والموريسكيين بمختلف الوسائل، وكان من الإجراءات الشاذة التي اتخذت في هذا السبيل، تشريع أصدره فرديناند بإلزام المسلمين والموريسكيين في المدن، بالسكنى في أحياء خاصة بهم، على نحو ما كان متّبعاً نحو اليهود في العصور الوسطى، ونفّذ هذا التشريع في غرناطة عقب حركة التنصير الشامل، وأفرد بها للمسلمين والمتنصِّرين حيّان، أحدهما يضمّ نحو خمسمائة منزل، وهو الحي الصغير وهو داخل المدينة، والثاني يضم نحو خمسة آلاف منزل، ويشمل ضاحية البيازين، وكانت الأحياء التي يشغلها المسلمون أو المتنصّرون في المدن الأندلسية تسمى: (موريريا Moreria) أو أحياء الموريسكيين، على نحو ما كانت أحياء يهود الخاصة تسمى: (الجيتو Ghetto) وكانت تفصل بينها وبين أحياء النصارى أسوار كبيرة، وكان عدد المسلمين الذين بقوا في غرناطة يبلغ في ذلك الحين نحو أربعين ألفاً (١).
وصدر في نفس الوقت في (أيلول - سبتمبر ١٥٠١ م) قانون يحرّم على المسلمين إحراز السلاح علناً أو سراً، وينص على معاقبة المخالفين لأول مرة
стр. 773
بالحبس والمصادرة، تم الموت بعد ذلك، وهو قانون تكرّر صدوره بعد ذلك غير مرّة في ظروف وعصور مختلفة، وكان يطبق بصرامة بالأخص كلما حدث من الموريسكيين هياج أو مقاومة مسلحة تخشى عواقبها (١).
وكانت السياسة الإسبانية تخشى احتشاد الموريسكيين وتجمعاتهم في مملكة غرناطة، ولهذا صدر في (شباط - فبراير ١٥١٥ م) مرسوم ملكي أعلن في طليطلة، وفيه يحرّم بتاتاً على المسلمين المتنصرين حديثاً والمدجنين من أي جهة من مملكة قشتالة، أن يخترقوا أراضي غرناطة، ويعاقب المخالفون بالموت والمصادرة. ونصّ هذا المرسوم أيضاً أن يحرم بتاتاً على المتنصرين حديثاً في مملكة غرناطة أو في أية جهة أخرى من المملكة، أن يبيعوا أملاكهم لأي شخص دون ترخيص سابق، ومن فعل عوقب بالموت، والمصادرة، وذلك لأنه تبين كما ورد في المرسوم، أن كثيراً من المسلمين المتنصرين يبيعون أملاكهم، ويحصلون أثمانها، ثم يعبرون إلى المغرب، وهناك يعودون إلى الإسلام (٢).
٣ - ديوان التحقيق (٣) الإسباني
ومهمته في إبادة الأمة الأندلسيّة
أ - قام ديوان التحقيق ( La Inquisicion) في مطاردة الموريسكيين بأعظم دور، وترك في مأساتهم أعمق الأثر، لذلك يجدر التحدث عن تاريخ هذه المحاكم الشهيرة، ونظمها وأعمالها الرهيبة.
ويرجع قيام محاكم التحقيق إلى فكرة الرقابة القديمة على العقيدة
стр. 774
والتحقيق عن سلامتها ونقائها. وقد ظهرت فكرة التحقيق على العقائد في الكنيسة الرومانية في عصر مبكّر جداً، وبُدىء بتطبيقها منذ أوائل القرن الثالث عشر، فكان البابا يعهد إلى الأساقفة وإلى الآباء الدومنيكيين، في تعقّب المارقين والكفرة ومعاقبتهم. وطبق هذا النظام منذ البداية في إيطاليا وألمانيا وفرنسا. وكان مندوبو البابوية يتجولون في مختلف الأنحاء، لتقصّي أخبار الكفرة والقبض عليهم ومعاقبتهم، وكانت تعقد لذلك مجالس كنسية مؤقتة كانت هي النواة الأولى لمحاكم التحقيق، تعمل حيث يعمل الكفرة والملاحدة، ثم تُحلّ متى تمّت مهمّة مطاردتهم والقضاء عليهم.
ثم أنشئت بعد ذلك مراكز ثابتة لمحاكم التحقيق، أقيم معظمها في أديار الآباء الدومنيكيين والفرنسيسكانيين. ولم تك ثمة في هذه العصور سجون خاصة أو مراكز خاصة لمحاكم التحقيق، وإنما كان يتخذ من أي مكان صالح مركزاً أو سجناً. وكان الأساقفة يتولون رئاسة هذه المحاكم، ولهم سلطة مطلقة. وكانت التحقيقات والمرافعات تجري بطريقة سرية، وتصدر الأحكام على المتهمين نهائية غير قابلة للطعن، وكان يسمح للنساء والصبيان والعبيد بالشهادة ضدّ المتهم وليس له، ويؤخذ الاعتراف من المتهم بالخديعة والتعذيب. وكان التعذيب يعتبر طبقاً للقوانين الكنسية وسيلة غير مشروعة للاعتراف، ولكن البابوية لم تجد بأساً من إقرار هذه الوسيلة. وكانت السجون التي يستعملها ديوان التحقيق مظلمة رهيبة، يموت فيها الكثيرون من المرض والآلام النفسية. وكان السجناء يصفدون عادة بالأغلال الثقيلة، وكانت العقوبات الرئيسية هي السجن المؤبد والإعدام والمصادرة. وكانت السلطات الدينية والبابوية تحصل على أوفر نصيب من الأموال المصادرة، وتحصل السلطات المدنية أيضاً على نصيبها منها. وألفى ديوان التحقيق ميداناً خصباً لمطاردة الألبيين (١) وغيرهم من الملاحدة الذين ظهروا
стр. 775
منذ أوائل القرن الثالث عشر في جنوبي فرنسا. وفي عهد لويس التاسع ملك فرنسا وضع أول قانون ينظم إجراءات هذه المحاكم الكنسية الجديدة. وكان ديوان التحقيق في تلك العصور يصدر أيضاً أحكامه ضد الكتب المحرّمة، ويأمر بإحراقها، ومن ذلك أحكام صدرت بإحراق التلمود وبعض كتب أرسطو وغيرها من كتب الفلسفة في العهد القديم.
ثم اتسع اختصاص محاكم التحقيق بمضي الزمن، فلم تبق مهمتها قاصرة على مطاردة الكفر والزيغ في العقيدة، بل تعددته إلى مطاردة السحر والسحرة والعرّافة والعرّافين، وشُبِّه هؤلاء بالكفر. وجاء بعد ذلك دور يهود، فاتهموا بسبّ النصرانية وأخذت عليهم مزاولة الربا وتتبّعهم ديوان التحقيق بالمطاردة والعقاب، على أن الديوان لم ينس دائماً أن مهمته الأصلية تنحصر في مطاردة الكفر والزّيغ، والمحافظة على سلامة العقيدة الكاثوليكية ونقائها.
ب - تلك هي الظروف التي قامت فيها محاكم التحقيق الأولى، في مختلف أنحاء أوروبا: في إيطاليا وألمانيا وفرنسا. ويرجع قيام ديوان التحقيق الإسباني إلى نفس البواعث الدينية، ولكنه نشأ مع ذلك نشأة مستقلة، وأحاطت بقيامه ظروف خاصة. وقد أنشئت محاكم التحقيق في مملكة أراغون منذ القرن الثالث عشر، ووضعت لها في سنة (١٢٤٢ م) إجراءات جديدة، كان لها فيما بعد أكبر الأثر في صوغ ديوان التحقيق الإسباني. وعرف هذا الديوان الأرغوني بالديوان القديم، وعكف حيناً على مطاردة الألبيين وإخماد دعوتهم في أراغون، ولم يلبث أن غدا سلطانه، وغدت وسائله وإجراءاته مثار الرهبة والرّوع.
على أن هذه لم تكن سوى بداية محدودة لنشاط ديوان التحقيق الإسباني، ذلك أن ظروف إسبانيا النصرانية في ذلك العصر، واضطرام الصراع الأخير بينها وبين إسبانيا المسلمة، ورجحان كفتها في ميدان الحرب والسياسة، كان كلها تذكي النزعة الصليبية، التي كانت تجيش بها إسبانيا دائماً. وكانت الأمة الأندلسية قد استحالت منذ القرن الرابع عشر إلى طوائف كبيرة من
стр. 776
المدجنين في مهاد عزّها القديم، في قشتالة وأراغون، ولم تبق سوى بقية أخيرة تحتشد في مملكة غرناطة الصغيرة، الذي كان مصيرها المحتوم يلوح قوياً في الأفق. وكان تفوّق إسبانيا النصرانية ونصرها المضطرد، يذكي عوامل التعصب الديني الذي تبثه الكنيسة وترعاه، وتتخذه إسبانيا الظافرة يومئذٍ شعارها المفضّل في ميدان السياسة. وكانت موجة من التعصب تضطرم في هذا الوقت بالذات، حول طوائف المتنصرين من يهود ( Conoersos) وكان أولئك المحدثون في النصرانية، قد سما شأنهم، ووصل كثير منهم إلى المناصب الكنسية الكبيرة، وإلى مجلس الملك، وتبوّأوا بأموالهم ونفوذهم مكانة قوية في الدولة والمجتمع، وكان أحبار الكنيسة ينظرون إليهم بعين الرّيب، ويعتبرونهم شرّاً من يهود الخلّص أنفسهم، ويتهمونهم بالإلحاد والزّيغ، ومزاولة شعائرهم القديمة سراً، ولما تفاقم الإتهام من حولهم، صدر في سنة (١٤٦٥ م) في عهد الملك هنري الرابع ملك قشتالة، أمر ملكي إلى الأساقفة بالاستقصاء والبحث في دوائرهم، وتتبع هذا اللّون من المروق والزيغ، ومعاقبة المارقين، وتلا ذلك موجة من الاضطهاد، اتخذت صورة المحاكمات الدينية، وأحرق عدد من أولئك المتنصرين. ولكن قشتالة التي شغلت يومئذٍ بمشاكلها الداخلية، لم تعن بأمر المتنصّرين ولم تزعجهم. وهنا تدخّل البابا سكستوس ( SIXTO) الرابع، وحاول أن يدخل نظام التحقيق في قشتالة، فأرسل إليها مبعوثاً بابوياً مزوّداً بكل السلطات، للتحقيق والقبض على المارقين ومعاقبتهم. ولكن فرديناند وإيزابيلا وقفا في وجه هذه المحاولة حرصاً على سلطانهما، وحدَّا من سلطان الكنيسة، وأغضت إيزابيلا مدى حين عن تحريض الأحبار، على مطاردة الكبراء المنتمين إلى أصل يهودي، إذ كانت تثق بهم وبصادق نياتهم وغيرتهم في خدمة الدولة والعرش.
على أن هذه المقاومة لم تلبث طويلاً، ذلك لأن كل الظروف كانت تمهّد لظفر السياسة الكنسية، فلم تلبث أن غلبت مساعي الأحبار، وقَبِل الملكان
стр. 777
إنشاء ديوان التحقيق في قشتالة، ليضطلع في مثل المهام الخطيرة التي يضطلع بها في أراغون. وهنا يقال: إن الفضل في إقناع الملكة إيزابيلا بتحقيق هذه الفكرة يرجع إلى القس توماس دى تُركيمادا رئيس دير الآباء الدومنيكان في سانتا كروث بشقوبية. وقد كان معترف الملكة وله عليها نفوذ قوي، فقيل: إنه استطاع أن يحصل منها قبل اعتلائها العرش، على وعد بأنها متى ظفرت بالملك، فإنها تكرِّس حياتها لسحق الكفر وحماية الكثلكة، وأنه كان أكثر العاملين على إقناعها بالموافقة على إنشاء ديوان التحقيق. وفي سنة (١٤٧٨ م) أرسل فرديناند وإيزابيلا سفيرها إلى البابا للحصول على المرسوم البابوي، وصدر المرسوم بالفعل في (تشرين الثاني - نوفمبر ١٤٧٨ م) بالتصريح بإنشاء ديوان التحقيق في قشتالة، وتعيين المحققين لمطاردة الكفر ومحاكمة المارقين)، واتخذت الخطوة الحاسمة لتنفيذ المرسوم في (أيلول - سبتمبر ١٤٨٠ م)، حيث ندب المحققون الثلاثة الأُول، وأنشئت محكمة التحقيق الأولى في إشبيلية. وهكذا بدأ ديوان التحقيق الإسباني نشاطه المروّع في قشتالة.
ج - وبدأ الديوان أعماله في إشبيلية بإصدار قرارات يحث فيها كل شخص أن يساعد الديوان، في البحث عن الملحدين والكفرة، وكل مَن في عقيدتهم زيغ، وفي جمع الأدلة على إدانتهم، وفي التبليغ عنهم بأية وسيلة. وانقضّت العاصفة بالأخص على يهود المتنصرين، وكانت منهم طائفة كبيرة في إشبيلية، فلم يمض عام حتى بلغت ضحاياهم ألوفاً أحرق معهم عدد كبير، وعوقب الكثيرون بالسجن والغرامات الفادحة والمصادرة والتجريد من الحقوق المدنية.
وحاول كثير من المتنصرين النجاة بالفرار إلى ضياع الأشراف، فصدر أمر ملكي بتسليم الهاربين إلى محكمة التحقيق، وهُدِّد الأشراف بفقد وظائفهم والنّفي من الكنيسة، إذا تخلّوا عن تنفيذ الأمر. وحاول بعض أكابر المتنصرين في الوقت نفسه تدبير مؤامرة، لمقاومة محكمة التحقيق، والفتك بأعضائها،
стр. 778
ولكن المؤامرة اكتشفت وقبض على كثير منهم، وقضي بإعدام بعضهم حرقاً. وبذلك سحقت كل مقاومة لنشاط الديوان الجديد. واتسع نشاط الديوان بسرعة، واستصدر الملكان من البابا مرسوماً بتعيين سبعة من: (المحققين) الجدد (شباط - فبراير ١٤٨٢ م)، وأنشئت على أثر ذلك محاكم التحقيق في قرطبة وجيّان وشقوبية وطليطلة وبلد الوليد، وشمل نشاط الديوان سائر أنحاء المملكة الإسبانية (قشتالة وأراغون).
وكان فرديناند وإيزابيلا يرميان أن تسبغ الصفة القومية على ديوان التحقيق، وأن يكون سلطانه مستمداً من العرش، أكثر مما هو مستمد من البابوية. ولتحقيق هذه الغاية؛ رُؤى أن ينظم الديوان على أسس جديدة. وكان الديوان قد غدا في الواقع أداة هامة مرهوبة الجانب، ولابد لهذه الأداة من سلطة عليا تقوم بالتوجيه والإرشاد. ومن ثم فقد صدر المرسوم البابوي في سنة (١٤٨٣ م) بإنشاء مجلس أعلى لديوان التحقيق ( Suprema) له اختصاص مطلق في كل ما يتعلق بشئون الدين. ويتألف من أربعة أعضاء، منهم الرئيس، وأطلق على منصب الرئيس: (المحقق العام) - ( Inquisitor General) وصدر المرسوم البابوي في (تشرين الأول - أكتوبر ١٤٨٣ م) بتعيين القس توماس دى تُركيمادا معترف الملكين في هذا المنصب الخطير، وخوِّل في الوقت نفسه سلطة مطلقة في وضع دستور جديد للديوان المقدّس.
وكان القس تركيمادا شديد التعصب، وافر العزم والبأس، فبذل في تنظيم الديوان وتوطيد سلطانه جهوداً عظيمة، وبث فيه روحاً من الصرامة. وكان جلّ غايته أن يجعل من ديوان التحقيق الإسباني، أداة قومية تعمل وفقاً لحاجات إسبانيا، وقد وفِّق إلى تحقيق هذه الغاية إلى أبعد حدّ. وبُدئ بوضع دستور الديوان الجديد في سنة (١٤٨٥ م) على يد جمعية من المحققين العامين عقدت في إشبيلية، ووضعت طائفة من القرارات واللوائح، ثم عقدت بعد ذلك جمعية أخرى في بلد الوليد سنة (١٤٨٨ م) وضعت عدّة لوائح جديدة، وعقدت جمعية ثالثة في آبلة سنة (١٤٩٨ م). وتولى المجلس
стр. 779
الأعلى (السوبريما) بعد ذلك صياغة اللّوائح وتنقيحها. وكان هذا التنظيم عظيم الأثر في تطور ديوان التحقيق الإسباني. ذلك أنه غدا من ذلك الحين محكمة قومية مستقلة، وغدا سلطة يخافها أعظم العظماء في إسبانيا، ويرتجف لذكرها الفرد العادي، وأضحى نشاطها الرهيب، وقضاؤها المدمر، عنصراً بارزاً في التاريخ الإسباني، يقوم بدوره الفعال في دفع إسبانيا إلى شفا المنحدر، الذي لبثت تترى في غمرته زهاء ثلاثة قرون.
ولبث تركيمادا في منصب المحقق العام حتى توفي في سنة (١٤٩٨ م)، وفي عهده اشتد نشاط محاكم التحقيق واتسعت أعمالها. وكان هذا القس المتعصب بالرغم من تقشّفه، يعتبر بعد العرش أعظم سلطة في إسبانيا، ويعيش في قصور باذخة، وله حرس كبير من الفرسان والمشاة. وكان من جرّاء شدّته وعسفه، أن ندب البابا سنة (١٤٩٤ م) إلى جانبه خمسة من المحققين العامين، يتمتع كل منهم بنفس سلطته. ولما توفي خلفه في منصب المحقق العام ديجو ديسا أسقف جيّان، واستمر في منصبه حتى سنة (١٥٠٧ م).
د - ونقدِّم الآن عرضاً موجزاً لإجراءات ديوان التحقيق، وسنرى أنها بأصولها وتفاصيلها، أبعد ما تكون عن مبادئ المنطق وأشد ما تكون عسفاً وقسوة وهمجية.
تبدأ قضايا الديوان أو محاكماته الفرعية، بالتبليغ أو ما يقوم مقامه، كورود عبارة في قضية منظورة تلقي شبهة على أحدٍ ما. ولا فرق أن يكون التبليغ من شخص معين أو يكون غفلاً. ففي الحالة الأولى يُدعَى المبلّغ ويذكر أقواله وشهوده، وتعتبر أقوال المبلّغ وشهوده (تحقيقاً تمهيدياً). كذلك يمكن التبليغ بواسطة (الاعتراف) الذي يتلقاه القُسس، ولهم أن يبلِّغوا عما يقعون عليه في حالة الاشتباه في العقائد، وذلك بالرغم مما يقتضيه الاعتراف من الكتمان، ويُقسِم المبلغون يميناً بالكتمان، ولا توضح لهم الوقائع التي يسألون عنها بل يُسألون بصفة عامة، عما إذا كانوا قد رأوا أو سمعوا شيئاً
стр. 780
يناقض الدين الكاثوليكي أو حقوق الديوان. ويقوم الديوان في الوقت نفسه بإجراء التحريات السريّة المحلية عن المبلغ ضدّه، ثم تعرض نتائج التحقيق التمهيدي على (الأحبار المقرِّرين) ليقرِّروا ما إذا كانت الوقائع والأقوال المنسوبة إلى المبلَّغ ضده تجعله مرتكباً لجريمة الكفر أو تلقي عليه فقط شبهة ارتكابها، وقرارهم يحدّد الطريقة التي تتبع في سير القضية. ويقسم المقررون يمين الكتمان أيضاً، وكان معظم أولئك المقررين من القُسس الجهلاء المتعصِّبين. ومن ثم فقد كانت أخلاقهم وآراؤهم، بل ذمّتهم وشرفهم مثاراً للريب، وكان رأيهم الإدانة دائماً إلاّ في أحوال نادرة.
وعلى أثر صدور هذا التقرير، يُصدر النائب أمره بالقبض على المبلَّغ ضدّه وزجّه إلى سجن الديوان السري. وكانت سجون الديوان المخصصة لاعتقال المتهمين بالكفر أو الزيغ، وهي المعروفة بالسجون السرية، غاية في الشناعة والسوء، تتصل مباشرة بغرف التحقيق والعذاب، عميقة رطبة مظلمة، تغصّ بالحشرات والجرذان، ويُصفَّد المتهمون بالأغلال (١). ويقول لورنتي مؤرخ ديوان التحقيق الإسباني: إن أفظع ما في أمر هذه السجون هو أن مَن يزج إليها، يسقط في الحال في نظر الرأي العام، وتلحقه وصمة لا تلحقه من أي سجن آخر مدني أو ديني، وفيها يسقط في غمار حزن لا يوصف وعزلة عميقة دائمة، ولا يعرف إلى أي مدى وصلت قضيته، ولا ينعم بتعزية مدافع عنه، غير أن لورنتي ينفي تصفيد المتهمين بالأغلال الثقيلة في أرجلهم وأيديهم وأعناقهم، ويقول: إن هذا الإجراء لم يكن يُتّبع إلاّ في أحوال نادرة (٢).
ويقول الدكتور لي: "كان القبض الذي يجريه ديوان التحقيق في ذاته عقوبة خطيرة، ذلك أن أملاك السّجين كلها تُصادَر وتُصفَّى على الفور، وتقطع
стр. 781
جميع علائقه بالعالم حتى تنتهي محاكمته، وتستغرق المحاكمة عادة من عام إلى ثلاثة، لا يعرف السجين أو أسرته خلالها شيئاً عن مصيره، وتدفع نفقات سجنه من ثمن أملاكه المصفاة، وكثيراً ما تستغرقه المحاكمة" (١). ولا يُخطر المتّهم بالتهم المنسوبة إليه، ولكنه يمنح عقب القبض عليه ثلاث جلسات في ثلاثة أيام متوالية، تعرف بجلسات الرأي أو الإنذار، وفيها يطلب إليه أن يقرِّر الحقيقة، ويُوعد بالرأفة إذا قرر وفق ما ينسب إليه، وينذر بالشدّة والنكال إذا كذب أو أنكر، لأن (الديوان المقدس) لا يقبض على أحد دون قيام الأدلة الكافية على إدانته، وهي طريقة غادرة محيّرة. فإذا اعترف المتّهم بما ينسب إليه ولو كان بريئاً، اختصرت الإجراءات، وقُضي عليه بعقوبة أخف، ولكنه إذا اعترف بأنه كافر مطبق، فإنه لا ينجو من عقوبة الموت، مهما كانت الوعود التي بذلت له بالرأفة والعفو. فإذا أبى المتّهم الاعتراف بعد الجلسات الثلاث، وضع له النائب قرار الاتهام طبقاً لما ورد في التحقيق من الوقائع، وذلك مهما كانت الأدلة المقدّمة من الركاكة والضعف بمكان. بيد أن أفظع ما يحتويه القرار، هو إحالة المتهم على التعذيب، وغالباً ما يطلب النائب هذه الإحالة، وذلك بالرغم من اعتراف المتهم بما يُنسَب إليه، لأنه يفترض دائماً أنه أخفى أو كذب في اعترافه. وتصدر المحكمة قرار التعذيب مجتمعة بهيئة غرفة مشورة. وكان قرار التعذيب في العصور الأولى يصدر عقب الاشتباه والقبض فوراً. وقد استعمل التعذيب في محاكم التحقيق للحصول على الاعتراف، منذ القرن الثالث عشر، وكان التعذيب في قشتالة إجراء يسوّغه القضاء العادي، وكان يعتبر وسيلة مشروعة لنيل الاعتراف، فلم يكن غريباً أن يدمجه ديوان التحقيق في دستوره، وقد نوّه كثير من المؤرخين بروعة الإجراءات والوسائل التي كانت تلجأ إليها محاكم التحقيق في توقيع العذاب. ويعلق عليه دون لورنتي بقوله: "لست أقف لأصف ضروب التعذيب التي كان
стр. 782
يوقعها ديوان التحقيق على المتهمين، فقد رواها بما تستحق من الدقة كثير من المؤرخين، ولكني أصرِّح أن أحداً منهم لا يمكن أن يُتّهم بالمبالغة فيما روى. ولقد تلوت كثيراً من القضايا، فارتجفت لها اشمئزازاً وروعاً، ولم أر في المحققين الذين التجأوا إلى تلك الوسائل إلاّ رجالاً بلغ جمودهم حدّ الوحشية" (١). بيد أن مؤرخاً حديثاً لديوان التحقيق هو الدكتور لي يرى في هذه الأقوال مبالغة، ويقول لنا: إن ديوان التحقيق لم يكن في إجراءاته الخاصة بالتعذيب، أكثر قسوة أو إرهاقاً من القضاء العادي، وأن ديوان التحقيق الروماني، كان في إجراءاته أشد قسوة وفظاعة من الديوان الإسباني (٢)، ومن الواضح أن هذا الدفاع متهافت، (لأن دون لورنتي) ليس متهماً بالنسبة لمسئولي ديوان التحقيق، فقد عمل فيه حتى نهاية حياته، وقد عاش أحداثه، فلا مجال للشك في أقواله أو الرد عليه، وهي تصف الواقع الذي لا غبار عليه.
وكانت معظم أنواع التعذيب المعروفة في العصور الوسطى، تستعمل في محاكم التحقيق، ومنها تعذيب الماء، وهو عبارة عن توثيق المتهم فوق أداة تشبه السلّم، وربط لساقيه وذراعيه إليها، مع خفض رأسه إلى أسفل، ثم توضع في فمه من زلعة جرعات كبيرة، وهو يكاد يختنق، وقد يصل ما يتجرعه إلى عدة لترات. وتعذيب (الجاروكا)، وهو عبارة عن ربط يدي المتهم وراء ظهره، وربطه بحبل حول راحتيه وبطنه، ورفعه وخفضه معلقاً، سواء بمفرده أو مع أثقال تربط معه. وتعذيب الأسياخ المحمية للقدم، والقوالب المحمية للبطن والعجز، وسحق العظام بآلات ضاغطة، وتمزيق الأرجل، وفسخ الفك، وغيرها من الوسائل البربرية المثيرة. ولم يك ثمة حدود مرسومة لروعة التعذيب وآلامه، ولما كان التعذيب يعتبر خطراً لا تؤمن عواقبه، نظراً لاختلاف المتهمين في قوّة البنية والاحتمال المادي والعقلي،
стр. 783
فإنه لم يك ثمة قواعد معينة تتبع فى إجراء التعذيب، بل كان الأمر يترك لتقدير القضاء وحكمتهم وضمائرهم (١). ولا يحضر التعذيب سوى الجلاّد والأحبار المحققون، والطبيب إذا اقتضى الأمر، ولا يُخطر المتهم بأسباب إحالته على التعذيب، ولا يسأل ليقرر وقائع معينة، بل يعذب ليقرر ما يشاء، ولكن الطعن في القرار بطريق الاستئناف أمام المجلس الأعلى (السوبريما) إلاّ في أحوال استثنائية. ولكن الطعن لا يقبل ولا ينظر، حيثما كان القانون صريحاً في وجوب إجراء التعذيب. وقد يأمر الطبيب بإيقاف التعذيب إذا رأى حياة المتهم في خطر، ولكن التعذيب يستأنف متى عاد المتهم إلى رشده أو جفّ دمه، فإذا اعترف المتهم واعتبر القضاء اعترافه صحيحاً، بمعنى أنه يتضمن عنصر التوبة، كف عن تعذيبه. وإذا استطاع المتهم احتمال العذاب وأصرّ الإنكار، لم يفده ذلك شيئاً، لأن القضاة يتخذون غالباً من الوقائع المنسوبة للمتهم أدلة على الإدانة، ويحكم عليه طبقاً لهذا الاعتبار. ويجب أن يؤيد المتهم ما قاله وقت التعذيب، باعتراف حر يقرره في اليوم التالي، وذلك حتى يؤكد صحة الاعتراف، فإذا أنكر أو غيّر شيئاً، أعيد إلى التعذيب.
وبعد انتهاء التعذيب، يحمل المتهم ممزقاً دامياً إلى قاعة الجلسة، ليجيب عن التهم التى توجه إليه لأول مرة، ويسأل عند تلاوة كل تهمة عن جوابه عنها مباشرة، ثم يسأل عن دفاعه. وكان مبدأ الدفاع أمراً مقرراً من الوجهة النظرية، فإن كان له دفاع، اختارت له المحكمة محامياً من المقيدين في سجل الديوان للدفاع عنه، وقد يسمح للمتهم باختيار محام من الخارج في بعض الأحوال الاستثنائية، ويقسم المحامي اليمين بأن يؤدي مهمته بأمانة، وألاّ يعرقل الإجراءات بسوء نيّة، وأن يتخلى عن موكله إذا تبين له في أية مرحلة من مراحل الدعوى، أن الحق ليس في جانبه. على إن الدفاع لم يكن في الغالب سوى ضرب من السخرية، ولم يكن عملاً مأمون العاقبة، ولم يكن يسمح للمحامي أن يطّلع على أوراق القضية الأصلية، أو يتصل بالمتهم على
стр. 784
انفراد، بل تقدم إليه خلاصة التحقيق مرفقة بقرار الإحالة وقرار الإتهام. وكان المحامي الذي يبدي في تأدية مهمته غَيْرة خاصة، يخاطر بأن يقع تحت سخط الديوان.
وبعد المراجعة واستجواب المتهم، تحال القضية على الأحبار المقررين ليبدوا فيها رأيهم من جديد. وكانت هذه خطوة حاسمة في الواقع، لأنها تمهيد إلى الحكم النهائي. ويصدر الأحبار المقررون قرارهم، وقلما كان يختلف عن القرار الأول. فإذا كان الحكم بالإدانة، كان للمتهم فرصة الاستئناف أمام المجلس الأعلى (السوبريما). بيد أنها كانت على الأغلب فرصة عقيمة، إذ قلما كان المجلس الأعلى ينقض حكماً من الأحكام. وكان للمتهم أيضاً أن يلتمس العفو من الكرسي الرسولي، وكانت الخزانة البابوية تغنم من هذه الالتماسات أموالاً طائلة، فكانت فرصة لا يستفيد منها سوى ذوي الغنى الطائل. وقلما يصدر حكم البراءة أو (الإقالة)، إذ أن أقل شك في براءة المتهم براءة مطلقة، كان يوجب اعتباره مذنباً من النوع الخفيف ( De Levi) وعندئذٍ تصدر عليه عقوبات تتناسب مع ذنبه، ويقضى عليه أن يتطهّر من كل شبهة للكفر وفقاً لإجراءات معينة. وإذا قضى بالبراءة - وهو ما يندر وقوعه - أطلق سراح المتهم، وأُعطِيت له شهادة لطهارته من الذنوب، وهي كل ما يعوَّض به عما أصابه في شخصه وفي شرفه وماله، من ضروب الأذى والألم.
وأما إذا قُضِي بالإدانة، فإن الحكم لا يبلغ للمتهم إلاّ عند التنفيذ، وهو إجراء من أشنع الإجراءات الجنائية التي عرفت، فيؤخذ المتهم من السجن دون أن يعرف مصيره الحقيقي، ويجوز رسوم الإيمان (الأوتو دا في Auto-da-Fe) وهي الرسوم الدينية التي تسبق التنفيذ، وخلاصتها أن يلبس الثوب المقدّس، ويوضع في عنقه حبل، وفي يده شمعة، ويؤخذ إلى الكنيسة ليجوز رسوم التوبة، ثم يؤخذ إلى ساحة التنفيذ، وهناك يُتلَى عليه الحكم لأوّل مرة. وقد يكون الحكم في حالة التهم الخطيرة بالسجن المؤبد
стр. 785
والمصادرة، أو بالإعدام حرقاً في حالة "الكفر الصريح". وقد يكون في حالة الذنوب الخفيفة بالسجن لمدة محدودة أو بالغرامة، وهو ما يسمى حكم "التوفيق". وكانت أحكام الإعدام هي الغالبة في عصور الديوان الأولى في قضايا الكفر. وكان التنفيذ يقع في ساحات المدن الكبيرة، وفي احتفال رسمي يشهده الأحبار والكبراء بأثوابهم الرسمية، وقد يشهده الملك. وكان يقع على الأغلب جملة، فينفذ حكم الحرق في عدد من المحكوم عليهم، وقد يبلغ العشرات أحياناً، وينتظم الضحايا في موكب "الأوتودافي" التي اشتهرت في إسبانيا منذ القرن الخامس عشر، والتي كانت بالرغم من مناظرها الرهيبة من الحفلات العامة، التي تهرع لشهودها جموع الشعب. ومما يذكر في ذلك، أن فرديناند الكاثوليكي، كان من عشّاق هذه المواكب الرهيبة، وكان يسره أن يشهد حفلات الإحراق، وكان يمتدح الأحبار المحققين كلما نظمت حفلة منها (١).
وكان قضاء محاكم التحقيق بطيئاً، يبث اليأس في النفوس، وكان الأمر يترك لهوى القضاة في تحديد مواعيد دعوى المتهم، والسير بإجراءات الدعوى، وكانت الإجراءات والمرافعات تستغرق وقتاً طويلاً، وقد تستغرق الأعوام أحياناً، وقد يموت المتهم في سجنه قبل أن يصدر الحكم في قضيته.
وكان دستور ديوان التحقيق يجيز محاكمة الموتى والغائبين. وتصدر الأحكام في حقهم وتوقع العقوبات عليهم كالأحياء، فتصادر أموالهم، وتعمل لهم تماثيل تنفذ فيها عقوبة الحرق، أو تنبش قبورهم وتستخرج رفاتهم، لتحرق في موكب " الأوتودافي".
وكذلك يتعدى أثر الأحكام الصادرة بالإدانة من المحكوم عليه إلى أسرته وولده، فيقضي بحرمانه من تولي الوظائف العامة، وامتهان بعض المهن الخاصة، وبذا يؤخذ الأبرياء بذنب المحكوم عليهم (٢).
стр. 786
هـ - هذا استعراض موجز لإجراءات تلك المحاكم الكنسية الشهيرة، التي سوّدت بقضائها المروّع صحف التاريخ الإسباني زهاء ثلاثة قرون، وقد بث ديوان التحقيق منذ قيامه بقضائه وأساليبه حوله جواً من الرهبة والروع، ولما ذاع بطشه وعسفه، عمد كثير من النصارى المحدثين من يهود ومسلمين إلى الفرار، حتى اضطرت الحكومة أن تصدر سنة (١٥٠٢ م) قرارأً يحرم على ربّان أية سفينة وأي تاجر، أن ينقل معه نصرانياً محدثاً دون ترخيص خاص، وقبض بهذه الصورة على كثير من النصارى المحدثين، في مختلف الثغور الإسبانية، وأحيلوا إلى محاكم التحقيق. وكان أعضاء محاكم التحقيق يتمتعون بحصانة خارقة، وسلطان مطلق، تنحني أمامه أية سلطة، وتحمي أشخاصهم وتنفذ أوامرهم بكل وسيلة. وكان من جرّاء هذه السلطة المطلقة، وهذا التحلل من كل مسئولية، أن ذاع في هذه المحاكم العسف وسوء استعمال السلطة، والقبض على الأبرياء دون حرج، بل كثيراً ما وجد بين المحققين رجال من طراز إجرامي، لا يتورّعون عن ارتكاب الغصب والرشوة وغيرها لملء جيوبهم، وكانت أحكام الغرامة والمصادرة أخصب مورد، لاختلاس المحققين والمأمورين وعمال الديوان وقضاته، وكانت الخزينة الملكية ذاتها تغنم مئات الألوف من هذا المورد، هذا بينما يموت أصحاب هذه الأموال الطائلة في السجن جوعاً (١). وكان يبلغ من عسف الديوان أحياناً، أن يبسط حكم الإرهاب في بعض المناطق، وهذا ما حدث في قرطبة على يد المحقق العام لوسيرو الذي يعتبر من أشدّ المحققين قسوة وإجراماً. ففي عهده ذاعت جرائم النهب واغتصاب البنات والزوجات، وتعالت الصيحة بالشكوى من هذا العدوان الفظيع الذي يجري باسم الديوان المقدس وفي ظله، والذي يصم اسم الديوان والحكومة، واستغاث كبراء قرطبة بالملك، وجرت في الموضوع تحقيقات طويلة، انتهت بالقبض على المحقق العام وعزله (٢).
стр. 787
وكان العرش يعلم بأمر هذه الآثام المثيرة التي تصم سمعة الديوان والمحققين، ولا يستطيع دفعاً لها، لما بلغه الديوان من السلطان الذي لا يناهضه سلطان آخر، ولأن العرش كان يرى فيه في الوقت نفسه، أصلح أداة في تنفيذ سياسته في إبادة الموريسكيين. وفي الوصية التي تركها فرديناند الكاثوليكي عند وفاته في (كانون الثاني - يناير ١٥١٦ م)، لحفيده شارل الخامس، ما يلقي ضياءً على هذه الحقائق، ففيها بحث عن حماية الكثلكة والكنيسة، واختيار المحققين ذوي الضمائر الذين يخشون الله، لكي يعملوا في عدل وحزم، لخدمة الله وتوطيد الدين الكاثوليكي، كما يجب أن يضطرموا حماسة لسحق طائفة محمد (١).
ولما توفي فرديناند، كان المحقق العام هو الكاردينال خمنيس مطران طليطلة، الذي أبدى من الحماسة في مطاردة المسلمين وتنصيرهم، ما سبقت الإشارة إليه. وقد حاول خمنيس أن يطهر قضاء الديوان وسمعته، فعزل كثيراً من المحققين الذين لا يُرغب فيهم، ولكنه ولم يعش طويلاً ليتم خطته في الإصلاح، فعادت المساوئ القديمة أشدّ مما كانت، وسار الديوان في قضائه المدمّر وأساليبه المثيرة، لا يلوي على شيء. ولما جلس شارل الخامس على العرش، كتب إلى مجلس قشتالة يقول: إن سلام المملكة، وتوطيد سلطانه، يتوقفان على تأييده لديوان التحقيق، ولم ير شارل بعد مدة من التردد، إلاّ أن ينزل عند هذا النصح، وأن يفسح الطريق لسلطان الديوان القاهر وذهبت كل الجهود للحد من عسف الديوان وعبثه سدى، وتوطد سلطان الديوان بقشتالة مدى قرون ثلاثة، كانت في الواقع أخطر ما في حياة الشعب الإسباني (٢).
و- وقد رأينا كيف أنشئ ديوان التحقيق الإسباني في الأصل، لمطاردة الكفر وحماية الكثلكة من شبه المروق والزّيغ، وكان إنشاؤه في قشتالة قبل
стр. 788
انهيار مملكة غرناطة بقليل، وكان يهود الذين تمتعوا عصوراً بالحرية والأمن، في ظل الحكم الإسلامي، أوّل ضحايا سياسة الإرهاق والمحو التي رسمتها إسبانيا الجديدة. ذلك أنه ما كادت تسقط غرناطة في أيدي الملكين الكاثوليكيين، وما كاد يهود ينتقلون إلى الحكم الجديد، حتى شهرت عليهم السياسة الإسبانية حربها الصليبية، وأصدر الملكان قرارهما الشهير في (٣٠ آذار - مارس سنة ١٤٩٢ م) وهو يقضي بأن يغادر سائر يهود - الذين لم يتنصروا - من أي سن وظرف، أراضي مملكة قشتالة في ظرف أربعة أشهر من تاريخ القرار، وألاّ يعودوا إليها قط، ويعاقب المخالفون بالموت والمصادرة، ويجب ألاّ يقوم أحد من سكان مملكة قشتالة على حماية وإيواء أي يهودي أو يهودية سراً أو جهراً متى انتهى هذا الأجل، ولليهود أن يبيعوا أملاكهم خلال هذه المدة، وأن يتصرّفوا فيها وفق مشيئتهم (١). فأذعن كثير من يهود للتنصير إشفاقاً على الوطن والمال، وهلك كثير منهم في سجون الديوان المقدس ومحارقه، أو شرِّدوا في مختلف الأقطار بعد التشريد والحرمان. بل لم ينج المتنصرون منهم، من المطاردة والإرهاق لأقل الشبهة كما ذكرنا. ولقيت طوائف المدجّنين من بقايا الأمة الأندلسية، وهي التي بقيت في بعض مدن قشتالة وأراغون في ظل الحكم النصراني، نفس المصير المحزن. وبدأ ديوان التحقيق نشاطه في قشتالة منذ سنة (١٤٨٠ م)، وقبيل انهيار مملكة غرناطة بقليل، وأقيمت محارقه الأولى في إشبيلية عاصمة المملكة. فلما سقطت غرناطة، وطويت بسقوطها صفحة الدولة الإسلامية في الأندلس، ووقع ملايين المسلمين في قبضة إسبانيا النصرانية، ولما أكره المسلمون على التنصير، واستحالت بقايا الأمة الأندلسية إلى طوائف الموريسكيين، ألفى ديوان التحقيق في هذا المجتمع النصراني المحدث أخصب ميدان لنشاطه، وغدت محاكم التحقيق يد الكنيسة القوية في تحقيق غايتها البعيدة. ذلك أن هذه المحاكم الشهيرة كانت تضطلع بمهمة مزدوجة
стр. 789
دينية وسياسية معاً، فكانت تعمل باسم الدين لتحقيق أغراض السياسة، وكان للسياسة الإسبانية بعد ظفرها النهائي بإخضاع الأمة الأندلسية أمنية أخطر وأبعد مدى، هي القضاء على بقايا هذه الأمة المسلمة، وسحق دينها وكل خواصها الجنسية والاجتماعية، وإدماجها في المجتمع النصراني. ولم تشأ السياسة الإسبانية أن تترك تحقيق هذه الغاية لفعل الزمن والتطور التاريخي، بل رأت نزولاً على وحي الكنيسة وتوجهها المباشر، أن تعجِّل بإجراءات التنصير والقمع، وأن تذهب في ذلك إلى حدود الإسراف والغلوّ، هي التي أسبغت على مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين صبغتها المفجعة، كما أسبغت على السياسة الإسبانية المعاصرة وصمة عار، لم يمحها إلى اليوم كرّ الأجيال والعصور، وستبقى تلك الوصمة ما بقيت الحياة.
وقد اضطلع ديوان التحقيق الإسباني بأعظم قسط من هذه الإجراءات الهمجية، التي أريد بها تنفيذ حكم الإعدام في أمة بأسرها، وأخضعت غرناطة لديوان التحقيق منذ سنة (١٤٩٩ م) أعني مذ أُكره المسلمون على التنصير، ولكنها جُعلت من اختصاص محكمة التحقيق في قرطبة، وهكذا بدأ الديوان المقدس أعماله في غرناطة، بحماسة يذكيها احتشاد الضحايا من حوله. ولم تغفل الرواية الإسلامية أن تشير إلى محارق ديوان التحقيق، أو إحراق المسلمين بتهمة المروق أو الزّيغ، ولم يجد المسلمون الذين آثروا البقاء في الوطن القديم، وأُكرهوا على التنصر واعتناق الدين الجديد، ملاذاً أو عاصماً من الاضطهاد والمطاردة. ذلك أن الموريسكيين أو العرب المتنصرين لبثوا دائماً موضع البغض والريب، وأبت إسبانيا النصرانية بعد أن أرغمتهم على اعتناق دينها، أن تضمهم إلى حظيرتها، وأبت الكنيسة الإسبانية أن تؤمن بإخلاصهم لدينهم الجديد، ولبثت تتوجَّس من رجعتهم وحنانهم لدينهم القديم، وترى فيهم دائماً منافقين مارقين. وهكذا كانت السياسة الإسبانية، كما كانت الكنيسة الإسبانية، أبعد من أن تقنع بتنصير المسلمين الظاهري، وإنما كانت ترمي إلى إبادتهم، ومحو آثارهم ودينهم وحضارتهم، وكل
стр. 790
ذكرياتهم.
والواقع أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تنصيرهم، نزولاً على حكم القوة والإرهاب، مخلصين في سرائرهم لدينهم الإسلامي، ولم تستطيع الكنيسة بالرغم من جهودها الفادحة أن تحملهم على الولاء لدين قاسوا في سبيل اعتناقه ضروباً مروِّعة من الآلام النفسية والاضطهاد المضني. وإليك ما يقوله مؤرخ إسباني كتب قريباً عن ذلك العصر، وأدرك الموريسكيين، وعاش بينهم حيناً في غرناطة: "كانوا يشعرون دائماً بالحرج من الدين الجديد، فإذا ذهبوا إلى القدّاس أيام الآحاد، فذلك فقط من باب مراعاة العرف والنظام، وهم لم يقولوا الحقائق قط خلال الاعتراف. وفي يوم الجمعة يحتجبون ويغتسلون ويقيمون الصلاة في منازلهم المغلقة، وفي أيام الآحاد يحتجبون ويعملون. وإذا عُمِّد أطفالهم عادوا فغسلوهم سراً بالماء الحار، ويسمّون أولادهم بأسماء عربية، وفي حفلات الزواج متى عادت العروس من الكنيسة بعد تلقي البركة، تنزع ثيابها النصرانية، وترتدي الثياب العربية، ويقيمون حفلاتهم وفقاً للتقاليد العربية" (١).
وقد انتهت إلينا وثيقة عربية هامة تلقي ضوءاً كبيراً على أحوال الموريسكيين في ظل التنصير، وتعلقهم بدينهم الإسلامي، وكيف كانوا يتحيّلون لمزاولة شعائرهم الإسلامية خفية، ويلتمسون من جهة أخرى سائر الوسائل والأعذار الشرعية التي يمكن أن تسوِّغ مسلكهم، وتشفع لهم عند ربّهم، مما يرغمون عليه من اتباعه من الشعائر النصرانية. وهذه الوثيقة هي عبارة عن رسالة وجِّهت من أحد فقهاء المغرب إلى جماعة العرب المتنصِّرين ممن يسميهم: (الغرباء)، يقدم لهم بعض النصائح التي يعاون اتباعها على تنفيذ أحكام الإسلام خفية، وبطريق التورية والتستر. وتاريخ هذه الرسالة هو غرة رجب سنة (٩١٠ هـ) = (٢٨ تشرين الثاني - نوفمبر ١٥٠٤ م)، وإليك نص
стр. 791
هذه الوثيقة: "الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً، إخواننا القابضين على دينهم كالقابض على الجمر، مَن أجزل الله ثوابهم، فيما لقوا في ذاته، وصبروا النفوس والأولاد في مرضاته، الغرباء القرباء إن شاء الله، من مجاورة نبيه في الفردوس الأعلى من جنّاته، وارثو سبيل السّلف الصالح، في تحمّل المشاق، وإن بلغت النفوس إلى النزاق، نسأل الله أن يلطف بنا، وأن يعيننا وإياكم على مراعات حقّه، بحسن إيمان وصدق، وأن يجعل لنا ولكم من الأمور فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. بعد السلام عليكم، من كاتبه إليكم، من عبيد الله أصغر عبيده، وأحوجهم إلى عفوه ومزيده، عبيد الله تعالى أحمد بن بو جمعة المغراوي ثم الوهراني، كان الله للجميع بلطفه وستره، سائلاً من إخلاصكم وغربتكم حسن الدعاء، بحسن الخاتمة والنجاة من أهوال هذه الدار، والحشر مع الذين أنعم الله عليهم ( F.٢) من الأبرار، ومؤكداً عليكم في ملازمة دين الإسلام، آمرين به مَن بلغ من أولادكم. إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بطويتكم، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وإن ذاكر الله بين الغافلين كالحي بين الموتى؛ فاعلموا أن الأصنام خشب منجور، وحجر جلمود، لا يضر ولا ينفع، وأن المُلك ملك الله ما اتّخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، فاعبدوه، واصطبروا لعبادته، فالصلاة ولو بالإيماء، والزكاة ولو كأنها هدية لفقيركم أو رياء، لأن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم، والغسل من الجنابة ولو عوماً في البحور، وإن منعتم فالصلاة قضاء بالليل لحق النهار، وتسقط في الحكم طهارة الماء، وعليكم بالتيمم ولو مسحاً بالأيدي للحيطان، فإن لم يكن فالمشهور سقوط الصلاة وقضاؤها لعدم الماء ( F.٣-١) والصعيد إلاّ أن يمكنكم الإشارة إليه بالأيدي والوجه إلى تراب طاهر أو حجر أو شجر مما يتيمم به، فاقصدوا بالإيماء، ثقله ابن ناجي في شرح الرسالة لقوله ﵇: فأتوا منه ما استطعتم. وإن أكرهوكم في وقت صلاة إلى السجود للأصنام أو حضور صلاتهم فأحرموا بالنية، وانووا
стр. 792
صلاتكم المشروعة، وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم، ومقصودكم الله، وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم كصلاة الخوف عند الالتحام، وإن أجبروكم على شرب خمر، فاشربوه لا بنية استعماله، وإن كلفوا فيكم خنزيراً فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم ومعتقدين تحريمه، وكذا إن أكرهوكم على محرَّم، وإن زوّجوكم بناتهم فجائز لكونهم أهل الكتاب، وإن أكرهوكم على ( F.٣-٢) إنكاح بناتكم منهم، فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه، وإنكم ناكرون لذلك في قلوبكم، ولو وجدتم قوّة لغيّرتموه. وكذا إن أكرهوكم على ربا أو حرام، فافعلوه منكرين بقلوبكم، ثم ليس لكم إلاّ رءوس أموالكم، وتتصدقون بالباقي، إن تبتم إلى الله تعالى. وإن أكرهوكم على كلمة الكفر، فإن أمكنكم التورية والألغاز فافعلوا، وإلاّ فكونوا مطمئني القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك، وإن قالوا: اشتموا محمداً، فإنهم يقولون له: مُمَد، فاشتموا مُمَد، ناوين أنه الشيطان أو مُمَد يهود فكثير بهم اسمه. وإن قالوا: قولوا عيسى ابن الله، فقولوها إن أكرهوكم وانووا إسقاط مضاف، أي عبد اللاّه مريم معبود بحق. وإن قالوا: قولوا المسيح ابن الله، فقولوها إكراهاً، وانووا بالإضافة للملك كبيت الله لا يلزم أن يسكنه أو يحلّ به، وإن قالوا: قولوا مريم زوجة له، فانووا بالضمير ابن عمها الذي تزوجها في بني إسرائيل ثم فارقها قبل البناء. قاله السهيلي في تفسير المبهم من الرجال في القرآن، أو زوجها الله منه بقضائه وقدره. وإن قالوا عيسى توفي بالصلب، فانووا بالتوفية والكمال والتشريف من هذه، وإماتته وصلبه وإنشاد ذكره، وإظهار الثناء عليه بين الناس، وأنه استوفاه الله برفعه إلى العلوّ، وما يعسر عليكم فابعثوا ( F.٤.١) فيه إلينا نرشدكم إن شاء الله على حسب ما تكتبون، وأنا أسأل الله أن يزيل الكره للإسلام حتى تعبدوا الله ظاهراً بحول الله من غير محنة ولا وجلة، بل بصدمة الترك الكرام. ونحن نشهد لكم بين يدي الله أنكم صدقتم الله ورضيتم به. ولا بد من جوابكم والسلام عليكم جميعاً. بتاريخ غرة رجب عام عشرة وتسعمائة، عرف الله خيره".
стр. 793
"يصل إلى الغرباء إن شاء الله تعالى" (١).
ومن ثم فقد لبث الموريسكيون، شغلاً شاغلاً للكنيسة وللسياسة الإسبانية، فهم عنصر بغيض في المجتمع الإسباني وهم خطر على الدولة وعلى الوطن، وهم بالرغم من ردّتهم ما زالوا أعداء للدين في سريرتهم. وكان يذكي هذا البغض والتحامل ضد الموريسكيين كل تذمر من جانبهم. فلما دفعهم اليأس إلى الثورة في مفاوز البشرّات، ولما آنست السياسة الإسبانية أن هذه البقية الممزّقة من الأمة الأندلسية القديمة ما زالت تجيش برمق من الحياة والكرامة، رأت أن تضاعف إجراءات القمع والمطاردة، ضد هذا الشعب المهيض الأعزل، حتى لا ينبض بالحياة مرة أخرى. وكانت ثورة البشرات نذير فورة جديدة من هجرة الموريسكيين إلى ما وراء البحر، فجازت منهم إلى إفريقية جموع عظيمة، ولكن الكثرة الغالبة منهم بقيت في الوطن القديم، هدفاً للاضطهاد المنظم، والقمع الذريع المدني والديني، إلى جانب الأوامر الملكية بمنع الهجرة، وحظر التصرف بالأملاك وحمل السلاح وغيرها من القوانين المقيِّدة للحقوق والحريات، كان ديوان التحقيق من جانبه يشدِّد الوطأة على الموريسكيين، ويرقب كل حركاتهم وسكناتهم، ويغمرهم بشكوكه وريبه، ويتخذ من أقل الأمور والمصادفات ذرائع لاتهامهم بالكفر والزيغ، ومعاقبتهم بأشد العقوبات وأبلغها. وقد نقل إلينا الدون لورنتي مؤرخ ديوان التحقيق الإسباني، وثيقة من أغرب الوثائق القضائية، تضمنت طائفة من القواعد والأصول التي رأى الديوان المقدس أن يُؤخذ بها العرب
стр. 794
المتنصرون في تهمة الكفر والمروق، وهذه هي الوثيقة الغريبة:
"يعتبر الموريسكي أو العربي المتنصر قد عاد إلى الإسلام، إذا امتدح دين محمدٍ وقال: إن يسوع المسيح ليس إلهاً، وليس إلاّ رسول، أو إن صفات العذراء أو اسمها لا تناسب أمه، ويجب على كل نصراني أن يبلغ عن ذلك، ويجب عليه أيضاً أن يبلغ عما إذا قد رأى أو سمع، بأن أحداً من الموريسكيين يباشر بعض العادات الإسلامية، ومنها أن يأكل اللحم في يوم الجمعة، وهو يعتقد أن ذلك مباح، وأن يحتفل يوم الجمعة بأن يرتدي ثياباً أنظف من ثيابه العادية، أو يستقبل المشرق قائلا باسم الله، أو يوثق أرجل الماشية قبل ذبحها، أو يرفض أكل تلك التي لم تذبح، أو ذبحتها امرأة، أو يختن أولاده، أو يسميهم بأسماء عربية، أو يعرب عن رغبته في اتباع هذه العادة، أو يقول: إنه يجب ألاّ يعتقد إلاّ في الله وفي رسوله محمد، أو يقسم بأيمان القرآن، أو يصوم رمضان ويتصدّق خلاله، ولا يأكل ولا يشرب إلاّ عند الغروب، أو يتناول الطعام قبل الفجر (السحور)، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، أو يقوم بالوضوء والصلاة بأن يوجّه وجهه نحو الشرق، ويركع ويسجد ويتلو سوراً من القرآن، أو أن يتزوج طبقاً لرسوم الشريعة الإسلامية، أو ينشد الأغاني العربية، أو يقيم حفلات الرقص والموسيقى العربية، أو أن يستعمل النساء الخضاب في أيديهن أو شعورهن، أو يتبع قواعد محمد الخمس، أو يملّس بيديه على رءوس أولاده أو غيرهم تنفيذاً لهذه القواعد، أو يغسل الموتى ويكفنهم بأثواب جديدة، أو يدفنهم في أرض بكر، أو يغطي قبورهم بالأغصان الخضراء أو أن يستغيث بمحمد عند الحاجة، مُنعِتاً إياه بالنبي رسول الله، أو يقول: إن الكعبة أول معابد الله، أو يقول: إنه لم ينصّر إيماناً بالدين المقدس، أو: إنّ آباءه وأجداده قد غنموا رحمة الله، لأنهم ماتوا مسلمين ... الخ" (١).
стр. 795
كانت هذه الشُّبه وأمثالها تتخذ ذريعة للتنكيل بالموريسكيين، بالرغم من تنصرهم وانتمائهم إلى دين سادتهم الجدد. ومن الطبيعي أن يكون موقف المسلمين الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم أدق وأخطر، وكانت قد بقيت منهم جماعات كبيرة في غرناطة وبلنسية وغيرها، يعيشون في غمرة من الجزع الدائم، وكانت محارق ديوان التحقيق تلتهم الكثير من هؤلاء، لأقل الشبه والوشايات. ولقد كان الإسراف في مطاردة المسلمين والموريسكيين نذير السخط والثورة، ولكن الثورة أخمدت، ولم تعدل السياسة الإسبانية عن مسلكها، وضاعفت محاكم التحقيق إجراءات القمع والتنكيل. وقد اتصل المسلمون في الأندلس بملوك مصر والمغرب والقسطنطينية، يستغيثون بهم ويطالبونهم بنصرة إخوانهم من ظلم إسبانيا النصرانية وديوان التحقيق، وكانت أخبار ما يعانيه المسلمون والعرب المتنصرون في إسبانيا النصرانية شائعة في الأقطار الإسلامية وفي غيرها دون أن يمدّ الحكام المسلمون العون لمسلمي الأندلس وللعرب المتنصرين، كأن الأمر لا يعنيهم من بعيد ولا قريب. وقد كتب المسلمون الأندلسيون رسائل إلى حكام المسلمين، فكانت السياسة الإسبانية تتخذ من هذه الرسائل التي يوجهها العرب المتنصرون والمسلمون إلى إخوانهم المسلمين فيما وراء البحر، كلما تفاقمت آلامهم ومحنتهم وازداد الضغط عليهم، ذريعة للاشتداد في مطاردتهم واعتبارهم خطراً على سلامة الدولة لأنهم يأتمرون بها مع ملوك الدول الإسلامية أعداء إسبانيا النصرانية (١).
стр. 796
٤ - ذروة الاضطهاد وثورة الموريسكيين
أ - لبث الموريسكيون في عهد فرديناند الخامس (الكاثوليكي) زهاء عشرين عاماً، يتراوحون بين الرجاء واليأس، ويرزحون تحت وطأة المطاردة المنظمة. كان هذا الشعب المهيض الذي تنصّر قسراً، والذي أنكرته مع ذلك إسبانيا سيدته الجديدة، وأنكرته الكنيسة التي عملت على تنصيره، يحاول أن يروّض نفسه على حياته الجديدة. وأن يتقبل مصيره المنكود بإباء وجلد. ولكن إسبانيا النصرانية، لبثت ترى في هذه البقية الباقية من الأمة الأندلسية، عدوّها القديم الخالد، وتتصوّر أن هذا المجتمع المهيض الأعزل، الذي أحكمت أغلالها في عنقه ما يزال مصدر خطر دائم على سلامتها وطمأنينتها، ومن ثم كان هذا الإمعان في مطاردته وإرهاقه، بمختلف الفروض والقيود والمغانم، وفي انتهاك عواطفه وحياته، وفي تعذيبه وتشريده، وكان يلوح أن ليس لهذا الاستشهاد الطويل المؤثر من آخر سوى الفناء ذاته.
توفي فرديناند الكاثوليكي في (١٣ كانون الثاني - يناير ١٥١٦ م) بعد أن عانت بقية الأمة الأندلسية من غدره وعسفه ما عانت، وكانت زوجه الملكة إيزابيلا قد سبقته إلى القبر قبل ذلك بأحد عشر عاماً، في (٢٦ تشرين الثاني - نوفمبر سنة ١٥٠٤ م)، ودفنت تحقيقاً لرغبتها في غرناطة. في دير سان فرانسيسكو القائم فوق هضبة الحمراء، ودفن فرديناند إلى جانب زوجته بالحمراء، تحقيقاً لوصيته، ثم نقل رفاتهما فيما بعد إلى كنيسة غرناطة العظمى، التي أقيمت فوق موقع مسجد غرناطة الجامع، في عهد حفيدهما الإمبراطور شارلكان، وأقيم لهما فيها ضريح رخامي فخم، ما يزال حتى اليوم في مقدمة مزارات غرناطة النصرانية. وفي دفن مستعبدي غرناطة الإسلامية في حرم غرناطة القديم، مغزى خاص ينطوي على تنويه ظاهر بظفر إسبانيا، وظفر النصرانية على الإسلام.
стр. 797
وقد كان الغدر والرياء، أبرز صفات هذا الملك العظيم المظفّر، الذي أتيح له القضاء على دولة الإسلام بالأندلس. وقد نوّه بهذه الصفة الذميمة أكابر المؤرخين المعاصرين واللاّحقين، ومنهم المؤرخون القشتاليون أنفسهم. فمثلاً يقول المؤرخ ثوريتا ( Zurita) وهو من أكابر المؤرخين الإسبان في القرن السادس عشر في وصفه: "وكان مشهوراً، لا بين الأجانب فقط، ولكن بين مواطنيه أيضاً، بأنه لا يحافظ على الصدق، ولا يرعى عهداً قطعه، وأنه كان يفضل دائماً تحقيق صالحه الخاص على كل ما هو عدل وحق" (١). ويقول معاصره مكيافيللي فيه: "إن فرديناند الأرغوني غزا غرناطة في بداية حكمه، وكان هذا المشروع دعامة سلطانه. وقد استطاع بمال الكنيسة والشعب أن يمدّ جيوشه، وأن يضع بهذه الحرب أسس البراعة العسكرية التي امتاز بها بعد ذلك، وقد كان دائماً يستعمل الدين ذريعة ليقوم بمشاريع أعظم، وقد كرّس نفسه بقسوة تسترها التقوى لإخراج المسلمين من مملكته وتطهيرها منهم، وبمثل هذه الذريعة غزا إفريقية، ثم هبط إلى إيطاليا، ثم هاجم فرنسا .. " (٢). وكانت سياسة فرديناند الكاثوليكي مثال الغدر المثير في جميع ما اتخذه نحو معاملة المسلمين عقب تسليم غرناطة، وما تلاه من حوادث تنصيرهم قسراً، ثم اضطهادهم، ومطاردتهم بأقسى الوسائل، وأشدّها إيلاماً لمشاريعهم وأرواحهم.
فلما توفي فرديناند، وخلفه حفيده شارل الخامس (الإمبراطور شارلكان) بعد مدة قصيرة من وصاية الكاردينال خمنيس على العرش، تنفّس الموريسكيون الصعداء، وهبت عليهم ريح جديدة من الأمل، ورجوا أن يكون العهد الجديد خيراً من سابقه. وأبدى الملك الجديد في الواقع شيئاً من اللّين والتسامح نحو المسلمين والموريسكيين، وجنحت محاكم التحقيق إلى نوع من الاعتدال في مطاردتهم، وكفت عن التعرّض لهم في أراغون بسعي النبلاء
стр. 798
والسادة الذين يعمل المسلمون في ضياعم. ولكن هذه السياسة المعتدلة لم تدم سوى بضعة أعوام، وعادت العناصر الرجعية في البلاط وفي الكنيسة، فغلبت كلمتها؛ وصدر مرسوم جديد في (١٢ آذار - مارس سنة ١٥٢٤ م) يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه، وإخراج كل من أبى النصرانية من إسبانيا، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصير أو الخروج في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تقلب جميع المساجد الباقية إلى كنائس.
عندئذ استغاث المسلمون بالإمبراطور، والتمسوا عدله وحمايته، على يد وفد منهم بعثوه إلى مدريد، ليشرح للمليك ظلامتهم وآلامهم (سنة ١٥٢٦ م)، فندب الإمبراطور محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق، برئاسة المحقق العام لتنظر في ظلامة المسلمين، ولتقرر ما إذا كان التنصير الذي وقع على المسلمين بالإكراه، يعتبر صحيحاً ملزماً، بمعنى يحتم عقاب المخالف بالموت أم يطبق عليهم القرار الجديد كمسلمين. وقد أصدرت المحكمة قرارها بعد مناقشات طويلة، بأن التنصير الذي وقع على المسلمين صحيح لا تشوبه شائبة، لأنهم سارعوا بقبوله اتقاء ما هو شرّ منه، فكانوا في ذلك أحراراً في قبوله. ويعلق المؤرخ الغربي النصراني على ذلك القرار بقوله: "وهكذا اعتبر التنصير الذي فرضه القوي على الضعيف، والظافر على المغلوب، والسيد على العبد، منشئاً لصفة لا يمكن لإرادة معارضة أن تزيلها" (١). وعلى أثر ذلك صدر أمر ملكي بأن يرغم سائر المسلمين الذين نصروا كرهاً، على البقاء في إسبانيا، باعتبارهم نصارى، وأن ينصر كل أولادهم، فإذا ارتدوا عن النصرانية، قضى عليهم بالموت والمصادرة، وقضى الأمر في الوقت نفسه أن تحول جميع المساجد الباقية في الحال إلى كنائس. فكان لهذه القرارات لدى المسلمين أسوأ وقع، وما لبثت الثورة أن نشبت في معظم الأنحاء التي يقطنها المسلمون، في أحواز
стр. 799
سرقسطة وفي منطقة بلنسية وغيرها، وأخمدت هذه الثورات المحلية الضئيلة تباعاً. ولكن بلنسية كان لها شأن آخر، ذلك أنها كانت تضم حشداً كبيراً من المسلمين، يبلغ سبعة وعشرين ألف أسرة (١)، وكان وقوعها على البحر يمهّد للمسلمين سبل الإتصال بإخوانهم في المغرب، ومن ثم فقد كانت دائماً في طليعة المناطق الثائرة، وكانت الحكومة الإسبانية تنظر إليها باهتمام خاص، فلما فرض التنصير العام، أبدى المسلمون في بلنسية مقاومة عنيفة، ولجأت جموع كبيرة منهم إلى ضاحية (بني وزير Benagwacil) واضطرت الحكومة أن تجرد عليهم قوة كبيرة مزوّدة بالمدافع، وأرغم المسلمون في النهاية على التسليم والخضوع، وأرسل إليهم الإمبراطور إعلان الأمان على أن ينصروا، وعدّلت عقوبة الرق إلى الغرامة (٢). وفي باقي أراغون، أشفق السادة والنبلاء على مصالحهم وضياعهم من الخراب، إذا اضطهد المسلمون ومزّقوا، كما حدث في بلنسية، فأوضحوا للإمبراطور خطأ هذه السياسة، وأكدوا له أن المسلمين في أراغون جماعة عاملة هادئة ذلولة، لم ترتكب جرماً قط، ولم تبدر منهم خطيئة دينية أو سياسية، ومعظمهم زراع في أراضي الملك والسادة، ومنهم صناع مهرة، فإخراجهم من أراغون خسارة فادحة، ولا داعي لإرغامهم على التنصير، لأن ذلك لا يعني إخلاصهم للدين الجديد، ومن الخير أن يتركوا في سلام، ولكن مساعي السادة النبلاء في هذا السبيل ذهبت عبثاً، وأصرّ الإمبراطور على أن يطبق التشريع الجديد على جميع مسلمي أراغون، وأصدر أوامره إلى ديوان التحقيق، أن يقوم بتلك المهمة، فأذعن المسلمون إلى التنصير راغمين، وبذلك تم تنصيرهم جميعاً (سنة ١٥٢٦ م). وتوالت الأوامر والقوانين المرهقة، فصدر قانون يحظر على الموريسكيين بيع الحرير والذهب والفضة والحلي والأحجار الكريمة، وحتم على كل مسلم بقي على دينه أن يحمل شارة زرقاء في قبعته، وحظر عليهم حمل السلاح
стр. 800
إطلاقاً، وإلاّ عوقب المخالفون بالجلد، وأمروا أن يسجدوا في الشوارع متى مرّ كبير الأحبار. وفي بلنسية صدر قرار بأن يغادر المسلمون الأراضي الإسبانية من طريق الشمال، وحظر على السادة أن يبقوهم في ضياعهم، وإلاّ عوقبوا بالغرامة الفادحة. فعاد المسلمون في بلنسية إلى الثورة، وقاوموا جند الحكومة حيناً، ولكن الثورة ما لبثت أن أُخمِدت وتقدم المسلمون خاضعين على يد وفد منهم مثل في البلاط، يعرضون الدخول في النصرانية، على أن تحقق لهم بعض المطالب والظروف المخففة، فلا يمتد إليهم قضاء ديوان التحقيق مدى أربعين عاماً، لا في أنفسهم ولا في أموالهم، وأن يحتفظوا خلال هذه المدة بلغتهم وملابسهم القومية، وبعض حقوقهم في الزواج والميراث طبقاً لتقاليدهم، وأن ينفق على مَن كان منهم من الفقهاء مِن دخل الأراضي التي وقفها المسلمون لأغراض البر، ويرصد الباقي لإنشاء الكنائس الجديدة، وأن يسمح لهم بحَمْل السلاح وتخفيض الضرائب (١). ولكن مجلس الدولة رأى أن يطبق عليهم سائر الأوامر، التي على الموريسكيين في غرناطة وغيرها، وأن يسمح لهم بالاحتفاظ بلغتهم وأزيائهم مدى عشرة أعوام فقط، وأن يمنحوا بعض الإمتيازات فيما يتعلق بالزواج ودفع الضرائب. وكانت هذه المنح أفضل ما يمكن نيله في هذه الظروف، فأقبل المسلمون في منطقة بلنسية على التنصير أفواجاً، عدا أقلية صغيرة آثرت المضي في المقاومة، ومزقتها جند الإمبراطور بعد حين قليل، وألفت محاكم التحقيق غير بعيد في مجتمع الموريسكيين في بلنسية ميداناً خصباً لنشاطها.
وحذا الموريسكيون في غرناطة حذو إخوانهم في بلنسية، فسعوا لدى البلاط في تخفيف الأوامر والقوانين المرهقة التي فرضت عليهم، وانتهزوا فرصة زيارة الإمبراطور لغرناطة سنة (١٥٢٦ م)، فقدّموا إليه على يد ثلاثة من أكابرهم هم: الدون فرديناند بنجاس، والدون ميشيل دراجون، وديجولويز
стр. 801
بنشارا، وهم من سلالة أمراء غرناطة الذين نُصِّروا منذ الفتح، مذكرة يشرحون فيها ظلامتهم، وما يعانونه من آلام المطاردة والإرهاق المستمر، ولا سيما من أعمال القسس والقضاء الديني، فندب الإمبراطور لجنة محلية للتحقيق في أمر الموريسكيين في سائر أنحاء غرناطة، ثم عرضت نتائج بحثها على مجلس ديني قرر ما يأتي: أن يترك الموريسكيون استعمال لغتهم العربية وثيابهم القومية، وأن يتركوا استعمال الحمامات، وأن تفتح منازلهم أيام الحفلات وأيام الجمع والسبت، وألاّ يقيموا رسوم المسلمين أيام الحفلات، وألاّ يتسمّوا بأسماء عربية، ولكن هذه القرارات أُرجِىء بأمر الإمبراطور؛ ثم أعيد إصدارها، ثم أُرجئ تنفيذها مرة أخرى.
وصدرت عدة أوامر ملكية بالعفو عن الموريسكيين فيما تقدم من الذنوب، فإذا عادوا طبقت عليهم أشد القوانين والفروض، فأذعن الموريسكيون لكل ما فرض عليهم، ولكنهنم افتدوا من الإمبراطور بمبلغ طائل من المال، حق ارتداء ملابسهم القومية، وحق الإعفاء من المطاردة إذا اتهموا بالردّة (١).
وكان الإمبراطور شارلكان حينما أصدر قراره بتنصير المسلمين قد وعد بتحقيق المساواة بينهم وبين النصارى في الحقوق والواجبات، ولكن هذه المساواة لم تحقق قط، وشعر العرب المتنصرون من الساعة الأولى، أنهم مازالوا موضع الرّيب والاضطهاد، وفرضت عليهم فروض وضرائب كثيرة لا يخضع لها النصارى، وكانت وطأة الحياة تثقل عليهم شيئاً فشيئاً، وتترى ضدهم السعايات والاتهامات، وقد غدوا في الواقع أشبه بالرقيق منهم بالرعايا الأحرار. ولما شعرت السلطات بميل الموريسكيين إلى الهجرة، وفشت فيهم هذه الرغبة، صدر قرار في سنة (١٥٤١ م) يحرّم عليهم تغيير مساكنهم، كما حرّم عليهم النزوح إلى بلنسية، التي كانت دائماً طريقهم المفضّل إلى ركب البحر، ثم صدر قرار بمنع الهجرة من أي الثغور إلاّ
стр. 802
بترخيص ملكي نظير رسم فادح. وكانت السياسة الإسبانية تخشى اتصال الموريسكيين بمسلمي المغرب، وكان ديوان التحقيق يسهر دائماً على حركة الهجرة، ويعمل على قمعها بمنتهى الشدّة. ومع ذلك فقد كانت الأنباء تأتي من سفراء إسبانيا في البندقية وغيرها هن الثغور الإيطالية، بأن كثيراً من الموريسكيين الفارين يمرون بها في طريقهم إلى إفريقية والعالم الإسلامي (١).
وخلال هذا الاضطهاد الغامر، كانت السياسة الإسبانية في بعض الأحيان، تجنح إلى شيء من الرِّفق، فنرى الإمبراطور في سنة (١٥٤٣ م) يبلِّغ المحققين العامين، بأنه تحقيقاً لرغبة مطران طليطلة والمحقق العام، قد أصدر عفوه عن المسلمين المتنصرين من أهل (مدينة ولكامبو) و (أريفالو) فيما ارتكبوا من ذنوب الكفر والمروق، وأنه يكتفي بأن يطلب إليهم الاعتراف بذنوبهم أمام الديوان (ديوان التحقيق)، ثم تردّ إليهم أملاكهم الثابتة والمنقولة التي أخذت منهم إلى الأحياء منهم، ويسمح لهم بتزويج أبنائهم وبناتهم من النصارى الخلّص، ولا تصادر المهور التي دفعوها للخزينة بسبب الذنوب التي ارتكبوها، بل تبقى هذه المهور للأولاد الذين يولدون من هذا الزواج، وأن يتمتع بهذا الامتياز النصرانيات الخلّص اللاّتي يتزوجن من الموريسكيين، بالنسبة للأملاك التي يقدِّمها الأزواج الموريسكيون برسم الزواج أو الميراث (٢). وهكذا لبثت السياسة الإسبانية أيام الإمبراطور شارلكان (١٥١٦ م- ١٥٥٥ م) إزاء الموريسكيين، تتردّد بين الإقدام والإحجام، واللّين والشدّة. بيد أنها على العموم كانت أقل عسفاً وأكثر اعتدالاً، منها أيام فرديناند وإيزابيلا، وفي عهده نال الموريسكيون كثيراً من ضروب الإعفاء والتسامح الرفيقة نوعاً ما، ولكنهم لبثوا في جميع الأحوال موضع القطيعة والريب، عرضة للإرهاق والمطاردة، ولبثت محاكم التحقيق تجد فيهم دائماً
стр. 803
ميدان نشاطها المفضّل.
ب - على أن هذه السياسة المعتدلة نوعاً ما، لم يتح لها الاستمرار في عهد ولده وخلفه فيليب الثاني (١٥٥٥ م - ١٥٩٨ م). وكان التنصير قد عمّ الموريسكيين يومئذٍ، وغاضت منهم كل مظاهر الإسلام والعروبة، ولكن قبساً دفيناً من دين الآباء والأجداد كان لا يزال يجثم في قرارة هذه النفوس الأبية الكليمة، ولم تنجح إسبانيا النصرانية بسياستها البربرية في اكتساب شيء من ولائها المغصوب. وكان الموريسكيون يحتشدون جماعات كبيرة وصغيرة في غرناطة وفي بسائطها، وفي منطقة البشرات الجبلية، تتوسطها الحاميات الإسبانية والكنائس، لتسهر الأولى على حركاتهم، وتسهر الثانية على إيمانهم وضمائرهم، وكانوا يشتغلون بالأخص في الزراعة والتجارة، ولهم صلات تجارية واجتماعية وثيقة بثغور المغرب، وهو ما كانت ترقبه السلطات الإسبانية دائماً بكثير من الحذر والريب. وكانت بقية من التقاليد والمظاهر القديمة، ما زالت تربط هذا الشعب الذي زادته المحن والخطوب اتحاداً، وتعلقاً بتراثه القومي والروحي، وكانت الكنيسة تحيط هذا الشعب العاق، الذي لم تنجح تعاليمها في النفاذ إلى أعماق نفسه، بكثير من البغضاء والحقد. فلما تولى فيليب الثاني ألفت فرصتها في إذكاء عوامل الاضطهاد والتعصّب التي خبت نوعاً ما في عهد أبيه شارل الخامس. وكان هذا الملك المتعصب جداً في قرارة نفسه، يخضع لوحي الأحبار والكنيسة، ويرى في الموريسكيين ما تصوره الكنيسة والسياسة الرجعية، عنصراً بغيضاً خطراً دخيلاً على المجتمع الإسباني فلم تمض أعوام قلائل على تبوئه الملك، حتى ظهرت بوادر التعصب والتحريض ضد الموريسكيين، في طائفة من القوانين والفروض المرهقة. وكانت مسألة السلاح في مقدمة المسائل التي كانت موضع الاهتمام والتشدد. وقد عنيت السياسة الإسبانية منذ البداية بتجريد الموريسكيين من السلاح، واتخذت أيام فرديناند إجراءات لينة نوعاً ما، فكان يسمح بحمل أنواع معينة من السلاح المنزلي كالسكين وغيرها، وذلك
стр. 804
بترخيص ورسوم معينة. ولكن الحكومة خشيت بعد ذلك عواقب هذا التسامح، فأخذت تشدِّد في الترخيص، وجُرِّد المسلمون في بلنسية من سلاحهم جملة، وقيل لهم حينما أذعنوا للتنصير: إنهم سيعاملون كالنصارى في سائر الحقوق والواجبات، ويردّ لهم سلاحهم، ولكن الحكومة لم تفِ بعهدها. وفي سنة (١٥٤٥ م) صدر قرار بمنع السلاح كافة، ولكنه نفِّذ بشيءٍ من اللين. وفي سنة (١٥٦٣ م) في عهد فيليب الثاني، صدر قانون جديد يحرّم حمل السلاح على الموريسكيين إلاّ بترخيص من الحاكم العام، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدّة، فأثار صدوره سخط الموريسكيين، وكان السلاح ضرورياً للدفاع عن أنفسهم في محلاّتهم المنعزلة النائية.
بيد أن قانون تحريم السلاح، لم يكن سوى مقدمة لقانون أقسى وأشدّ إيلاماً، هو القانون الخاص بتحريم استعمال اللغة العربية، وارتداء الثياب العربية، على الموريسكيين. وقد لبثت اللغة والتقاليد العربية في الواقع للموريسكيين، من أوثق الروابط بماضيهم وتراثهم، وكانت عماد قوّتهم المعنوية، ومن ثم كانت عناية السياسة الإسبانية بالعمل على محوها بطريق التشريع الصارم، والقضاء بذلك على آخر الروابط التي تربط الموريسكيين بماضيهم وتراثهم القومي. وقد فكر بعض أحبار الكنيسة أن يتعلم القسس الذين يقومون بحركة التنصير اللغة العربية، لكي يستطيعوا إقناع الموريسكيين بلغتهم والنفاذ إلى أعماق نفوسهم، ولكن فيليب الثاني لم يوافق على هذا الرأي، وآثر أن يتعلم القشتالية أبناء الموريسكيين متذ طفولتهم؛ وكانت السياسة الإسبانية قد حاولت تنفيذ مشروعها منذ عهد الإمبراطور شارلكان، فصدر في سنة (١٥٢٦ م) قانون يحرم على الموريسكيين التخاطب باللغة العربية وارتداء الثياب العربية، واستعمال الحمامات، وإقامة الحفلات على الطريقة الإسلامية، ولكنه لم ينفذ بشدة، والتمس الموريسكيون في بلنسية وغرناطة وقف تنفيذه أربعين عاماً، يحتفظون خلالها بلغتهم وثيابهم القومية، وقرنوا ملتمسهم بمطالب أخرى تتعلق بتطبيق شريعتهم وتقاليدهم، وتخفيف
стр. 805
الضرائب عن كاهلهم، وبالرغم من أن مطالبهم لم تُجب يومئذ كلها، فإن قانون تحريم اللغة والثياب القومية، نظير ضريبة معينة، أرجئ تنفيذه مرة أخرى، وأجيز للموريسكيين استعمال اللغة والثياب القومية نظير تلك الضريبة، واستمر هذا المنح سارياً حتى عهد فيليب الثاني، وكان يُجمَع من هذه الضريبة مبلغ طائل. ولكن فيليب الثاني كان ملكاً شديد التعصب، كثير التأثر بنفوذ الأحبار، وكانت الكنيسة ترى أن بقاء اللغة العربية من أشدّ العوامل لمنع تغلغل النصرانية في نفوس الموريسكيين، وأنه لابد من القضاء على ذلك الحاجز الصخري الذي تتحطم عليه جهود الكنيسة؛ وكانت قد مضت فوق ذلك أربعون عاماً مذ صدر قانون التحريم في عهد الإمبراطور شارلكان، ولم يبق للموريسكيين في ذلك حجة ولا ملتمس، وانتهت الكنيسة كالعادة بإقناع الملك بصواب رأيها، فلم يلبث أن استجاب لتحريضها، وأمر في (أيار - مايو سنة ١٥٦٦ م) بأن يجدّد القانون القديم بتحريم الثياب العربية واللغة العربية، وهكذا حاول بطريق التشريع أن يسدّد الضربة الأخيرة للغة الموريسكيين وتقاليدهم العربية، فأصدر هذا القانون الهمجي الذي لم يسمع بصدور مثله في تاريخ المجتمعات المتمدنة. ويقضي هذا القانون بأن يمنح الموريسكيون ثلاثة أعوام لتعلم اللغة القشتالية، ثم لا يسمح بعد ذلك لأحد أن يتكلم أو يكتب أو يقرأ العربية أو يتخاطب بها، سواء بصفة عامة أو بصفة خاصة، وكل معاملات أو عقود تجري بالعربية تكون باطلة، ولا يُعتدّ بها لدى القضاء أو غيره. ويجب أن تسلم الكتب العربية، من أية مادة، في ظرف ثلاثين يوماً إلى رئيس المجلس الملكي في غرناطة، لتفحص وتقرأ، ثم يردّ غير الممنوع منها إلى أصحابها، لتحفظ لديهم مدى الأعوام الثلاثة فقط. وأما الثياب فيمنع أن يصنع منها كل جديد وأي جديد مما كان يستعمل أيام المسلمين، ولا يصنع منها إلاّ ما كان مطابقاً لأزياء النصارى، وحتى لا يتلف منها ما كان من زي المسلمين، فإنه يسمح بارتداء الثياب الحريرية منها لمدة عام، والصوفية لمدة عامين، ثم لا يسمح
стр. 806
باستعمالها بعد ذلك. ويحظر التحجّب على النساء الموريسكيّات، وعليهن أن يكشفن وجوههنّ، وأن يرتدين عند خروجهنّ، المعاطف والقبّعات على نحو ما تفعل النساء الموريسكيات في أراغون. ويحظر في الحفلات إجراء أية رسوم إسلامية، ويجب أن يجري كل ما فيها طبقاً لعرف الكنيسة وعرف النصارى، ويجب أن تفتح المنازل أثناء الاحتفال، وفي أيام الجمعة وأيام الأعياد، ليستطيع القسس ورجال السلطة أن يروا ما يقع في داخلها من المظاهر والرسوم المحرمة. ويُحرم إنشاد الأغاني القومية، ولا يشهر الزّمر (الرقص العربي) أو ليالي الطرب بالآلات أو غيرها من العوائد الموريسكية، ويحرم الخضاب بالحناء. ولا يسمح بالاستحمام في الحمامات، ويجب أن تهدم جميع الحمامات العامة والخاصة. ويحرم استعمال الأسماء والألقاب العربية، ومَن يحملها يجب عليه المبادرة بتركها. ويجب أخيراً على الموريسكيين الذين يستخدمون العبيد السود، أن يقدّموا رخصهم باستخدامهم، للنظر فيما إذا كان حرياً بأن يسمح لهم باستبقائهم (١).
هذه هي نصوص ذلك القانون الهمجي الذي أريد به تسديد الضربة القاضية لبقايا الأمة الأندلسية، وذلك بتجريدها من مقوماتها القومية الخيرة. وقد فرضت على المخالفين عقوبات فادحة، تختلف من السجن إلى النفي والإعدام، وكان إحراز الكتب والأوراق العربية ولاسيما القرآن الكريم، يعتبر في نظر السلطات من أقوى الأدلة على الردّة، ويعرض المتهم لأقسى أنواع العذاب والعقاب.
وأعلن هذا القانون المروّع في غرناطة في يوم (أول كانون الثاني - يناير سنة ١٥٦٧ م)، وهو اليوم الذي سقطت فيه غرناطة، واتخذته إسبانيا عيداً قومياً لها تحتفل به في كل عام، وأمر ديسا رئيس المجلس الملكي بإذاعته في غرناطة، وسائر أنحاء مملكتها القديمة، وتولى إذاعته موكب من القضاة شقَّ
стр. 807
المدينة، ومن حوله الطبل والزمر، وعلّق في ميدان باب البنود أعظم ميادينها القديمة، وفي سائر ميادينها الأخرى، وفي ربض البيازين، فوقع لدى الموريسكيين وقع الصاعقة، وفاضت قلوبهم الكسيرة سخطاً وأسىً ويأساً، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدّة، فحطّمت الحمامات تباعاً. واجتمع زعماء الموريسكيين وتباحثوا فيما يجب عمله إزاء هذه المحنة الجديدة، وحاولوا أن يسعوا بالضراعة والحسنى لإلغاء هذا القانون، أو على الأقل لتخفيف وطأته، ورفعوا احتجاجهم أولاً إلى الرئيس ديسا على يد رئيس جماعتهم مولاي فرنسيسكو نونيز، فخاطب الرئيس ديسا، وبيّن له ما في القانون من شدة وتناقض، وخرق للعهود، وطلب إرجاء تنفيذه. وحمل رسالتهم إلى فيليب الثاني، وإلى وزيره الطاغية الكاردينال أسبينوسا، سيد إسباني نبيل من أعيان غرناطة يدعى الدون خوان هنريكس، وكان يعطف على هذا الشعب المنكود، ويرى خطر السياسة التي اتبعت لإبادته، وسار معه إلى مدريد اثنان من أكابرهم هما: خوان هرناندث من أعيان غرناطة، وهرناندو الحبقي من أعيان وادي آش، والتمس الوفد إلى الملك إرجاء تنفيذ القانون، كما حدث أيام أبيه، وبعث الدون هنريكس، بمذكرة إلى جميع أعضاء مجلس الملك يبيِّن فيها ما يترتب على تنفيذ القانون من حرج واضطراب، ولكن مساعيه كلها ذهبت عبثاً، وأجاب الكاردينال اسبينوسا بأن جلالته مصمم على تنفيذ القانون، وأنه أصبح أمراً واقعاً، وكذا عرض المركيز دى مونديخار حاكم غرناطة على الملك اعتراض الموريسكيين، وأوضح له خطورة الموقف، وأن اليأس قد يدفعهم إلى الثورة، وأن الترك قد أصبحوا في شواطئ المغرب على مقربة من إسبانيا، وأن الموريسكيين شعب عدو لا يدين بالولاء، فلم تفد هذه الاعتراضات شيئاً، وقيل إن الموريسكيين شعب جبان، ولا سلاح لديه ولا حصون. وهكذا حملت سياسة العنف والتعصب في طريقها كل شيء، ونفذت الأحكام الجديدة في المواعيد التي حدّدت لها، ولم تبد السلطات في تنفيذها أي رفق أو ...................................................
стр. 808
مهادنة (١).
ولم يحظ بلمحة من الرفق سوى الموريسكيين في بلنسية، وكان زعيمهم وكبير أشرافهم كوزمي بن عامر من المقربين إلى البلاط، فسعى للتخفيف عنهم، وكلّلت مساعيه بالنجاح في بعض النواحي، وهو أن يعامل الموريسكيون بالرفق في حالة اتهامهم بالردّة، ولا تنزع أملاكهم بتهمة المروق، وذلك على أن يدفعوا إتاوة سنوية قدرها ألفان وخمسمائة مثقال لديوان التحقيق (٢).
وأما في غرناطة، فقد بلغ اليأس بالموريسكيين ذروته، فتهامسوا على المقاومة والثورة، والذود عن أنفسهم إزاء هذا العسف المضني، أو الموت قبل أن تنطفئ في قلوبهم وضمائرهم، آخر جذوة من الكرامة والعزّة، وقبل أن تقطع آخر صلاتهم بالماضي المجيد والتراث العزيز، وكانت نفوسهم ما تزال تضطرم ببقية من شغف النضال والدفاع عن النفس، وكانوا يرون في المناطق الجبلية القريبة ملاذاً للثورة، ويؤملون أن يصلوا بالمقاومة إلى إلغاء هذا القانون الهمجي أو تخفيفه. وهنا يبدأ الصراع الأخير للموريسكيين وإسبانيا النصرانية، ومن المؤسف أنه لم تذكر المصادر العربية عن هذه المرحلة شيئاً، فهي تقف عند محنة التنصير الأولى عقب سقوط غرناطة، فلا بد من الرجوع إلى المصادر النصرانية حول ذلك.
سرى إلى الموريسكيين يأس بالغ يذكيه السخط العميق، فعوّلوا على الثورة، مؤثرين الموت على ذلك الاستشهاد المعنوي الهائل ونبتت فكرة الثورة في غرناطة أولاً حيث يقيم أعيان الموريسكيين، وحيث كانت جمهرة كبيرة منهم تحتشد في ضاحية البيازين. وكان زعيم الفكرة ومثير ضرامها
стр. 809
موريسكي يدعى: فرج بن فرج، وكان فرج صباغاً بمهنته، ولكنه حسبما تصفه الرواية القشتالية، كان رجلاً جريئاً وافر العزم والحماسة، يضطرم بغضاً للنصارى، ويتوق إلى الانتقام الذريع منهم، ولا غرو فقد كان ينتسب إلى بني سراج، وهم كما رأينا من أشراف غرناطة وفرسانها الأنجاد أيام الدولة الإسلامية. وكان ابن فرج كثير التردد على أنحاء البشرات، وثيق الصلة بمواطنيه، فاتفق الزعماء على أن يتولى حشد قوّة كبيرة منهم، تزحف سراً إلى غرناطة، وتجوز إليها من ضاحية البيازين، ثم تفاجئ حامية الحمراء وتسحقها وتستولي على المدينة، وحدّدوا للتنفيذ (يوم الخميس المقدس)، من شهر نيسان - أبريل سنة (١٥٦٨ م) إذ يشغل النصارى يومئذ باحتفالاتهم وصلواتهم. ولكن أنباء هذا المشروع الخطير تسرّبت إلى السلطات منذ البداية، فاتخذت الاحتياطات لدرئه، وعزّزت حامية غرناطة وحاميات الثغور، واضطر الموريسكيون إزاء هذه الأهبة، أن يرجئوا مشروعهم إلى فرصة أخرى.
ووضع أديب من زعماء الثورة، يدعى باسمه المسلم محمد بن محمد بن داود، قصيدة ملتهبة، يصف فيها آلام بني وطنه، ويستمدّ فيها الغوث والعون من الله ومن ونبيه ﵊، فضبطت معه في ثغر أدرة، وأرسلت إلى البلاط مع ترجمتها القشتالية، وهذا هو ملخص ما ورد في تلك القصيدة التي تعتبر كأنها صرخة ألم أخيرة لشعب شهيد: (تفتتح القصيدة بحمد الله والثناء عليه والتنويه بقدرته، وخضوع جميع الناس والأشياء لحكمه، ثم يقول: استمعوا إلى قصة الأندلس المحزنة، وهي تلك الأمة العظيمة التي غدت اليوم ضعيفة مهيضة، يحيط بها الكفرة من كل صوب، وأضحى أبناؤها كالأغنام الذين لا راعي لهم. وفي كل يوم نسام سوء العذاب، ولا حيلة لنا سوى المصانعة، حتى ينقذنا الموت مما هو شرّ وأدهى. وقد حكّموا فينا يهود الذين لا عهد لهم ولا ذمام، وفي كل يوم يبحثون عن ضلالات وأكاذيب وخدع وانتقامات جديدة.
стр. 810
"ونرغم على مزاولة الشعائر النصرانية وعبادة الصور، وهي مسخ للواحد القهار، ولا يجرؤ أحد على التذمر أو الكلام. وإذا ما قرع الناقوس، ألقى القس عِظَته بصوت أجشّ، وفيها يشيد بالنبيذ ولحم الخنزير، ثم تنحني الجماعة أمام الأوثان دون حياء ولا خجل ... ".
"ومَن عَبَدَ الله بلغته قُضى عليه بالهلاك، ومَن ضُبط أُلقِي إلى السجن وعُذّب ليل نهار، حتى يرضخ لباطلهم".
ثم يصِف وسائل إرهاقهم والتضييق عليهم، من التسجيل والتفتيش وغيرها، وما يفرض عليهم من الضرائب الفادحة، وكيف تُؤدى عن الحي والميت، والكبير والصغير، والغني والفقير، وكيف يرهقهم القضاة الظلمة، ولا يفلت من ظلمهم كائن، وكيف يُلقى بهم في السجن، ويرغمون على التنصير بالاعتقال والتعذيب، وكيف تهشّم أوصال الفرائس، ثم تحمل إلى الميدان لتحرق أمام الجمع الحاشد. وكيف تكدّس المظالم على رءوسهم تكديساً، ويسومهم الخسف أصاغر النصارى، وكل منهم يفتنُّ في ضروب الاضطهاد.
ثم يقول: "ولقد علّقوا يوم العيد (عيد سقوط غرناطة) في ميدان باب البنود، قانونا جديداً، وأخذوا يدهمون الناس في نومهم، ويفتحون كل باب، يزمعون تجريدنا من ثيابنا وقديم عاداتنا، ويمزقون الثياب، ويحطمون الحمامات".
"ونحن إذ نيأس من عدل الإنسان، نستغيث بالنبي ﵊، معتمدين على ثواب الآخرة، وقد حثنا شيوخنا على الصلاة والصوم، وأن نقصد وجه الله، فهو الذي يرحمنا في نهاية الأمر" (١).
وضبط في نفس الوقت مع ابن داود خطاب موجه من أحد زعماء البيازين