محتومة لسير التاريخ، ويشرح في كتابه عن: (الخوارج الإسبان) على النحو الآتي: "ولنقل الآن رأينا في مسألة النفي، بكل وضوح وإخلاص، وذلك بالرغم من أنه يستطيع أن يتكهن به مَن تتبع القصة السابقة، بروية وبلا تحيّز. ولن أتردد بالجهر به، وإن كان من المؤسف أن يكون ثمة ما أخّر إبداءه. فهل كان من الممكن أن يقوم الدين الإسلامي بيننا في القرن السادس عشر؟ من الواضح أن لا، بل ولا يمكن أن يكون ذلك الآن في أي جزء من أوروبا. فكيف يستسيغ وجوده في تركيا أولئك الإنسانيون الأجانب الذين يصفوننا بالبربرية لأننا قمنا بإجراء النفي؟ وإنهم لأسوأ مائة مرة من المسلمين الخلّص، مهما كان دينهم عائقاً لكل تمدّن، أولئك النصارى المنافقون، والمرتدون المارقون، الذين لم يحسن إخضاعهم، وأولئك الإسبان الأوغاد الأعداء الداخليون خميرة كل غزو أجنبي، الجنس الذي لا يقبل الاندماج، كما أثبتت ذلك التجارب المحزنة مدى قرن ونصف، فهل يعتبر ذلك تسويغاً للذين مزّقوا عهود غرناطة، أو لأولئك الثوار الذين أضرموا الهياج في بلنسية، ونصروا الموريسكيين بصورة منافية للدين؟ كلا على الاطلاق. بيد أنه وقد سادت الأمور منذ البداية على هذا النحو، فإنه لم يكن من الممكن أن تكون ثمة نتيجة أخرى، فقد كانت الأحقاد والشكوك المتبادلة تضطرم باستمرار بين النصارى القدامى والمحدثين، وقد لطخت بقاع البشرّات بالدماء غير مرة، وفقد الأمل في تحقيق التنصير بالوسائل السليمة، وذلك بالرغم من تسامح ديوان التحقيق (كذا!!) والغيرة الطيبة التي أبداها رجال مثل تلافيرا، وفيلانيفا، وربيرا، وإذاً فلم يك ثمة محيص من النفي. وأكرر أن فيليب الثاني قد أخطأ في كونه لم ينفذه في الوقت المناسب. وإنه لمن الحمق أن نعتقد أن الصراع من أجل البقاء، والمعارك والمذابح بين الأجناس، تنتهي بصورة أخرى غير النفي أو الفناء، ذلك أن الجنس الأدنى ينهار دائماً، ويفوز بالنصر مبدأ القومية الأقوى".
"وأما أن النفي كان حدثاً مقوِّضاً، فهذا ما لا ننكره، فإنه من المقرر أنه في
стр. 877
العالم يمتزج الخير والشر دائماً، وخسارة مليون بأسره من الناس، لم تكن هي السبب الأساسي في إقفار بلادنا من السكان، وإن كان لها أثر في ذلك. وبعد، فإن ذلك يجب ألاّ يُعدّ إلاّ كإحدى قطرات الماء في جانب نفي يهود، واستعمار أمريكا، والحروب الخارجية في مائة مكان معاً، وعدد الجند النظاميين الضخم، وهي أسباب نوّه بها كلها بإيجاز اقتصاديونا القدامى، ومنهم مَن لم يتردد كالحبر فرديناند نفاريتي في نقد نفي الموريسكيين بعد وقوعه بأعوام قليلة، وما كانت، بل وليست الأجزاء المقفرة من السكان في إسبانيا، هي التي تركها العرب، كما أنها ليست أسوأ زراعة، وهو ما يدل على أن الخسارة التي لحقت بالزراعة من جراء نفي كبار الزراع المسلمين، لم تكن عميقة أو باقية الأثر، كما قد يتبادر إلى الذهن لو أننا وقفنا فقط عند عويل أولئك الذين تأملوا الحقول المروية غداة تنفيذ أوامر النفي. ونحن أبعد من أن نعتقد مع الشاعر الساذج الشيوعي نوعاً حسبار دى أجيلار، أنه لم يخسر بالنفي سوى السادة الذين فقدوا أتباعهم المسلمين، وأن الكثرة من الناس قد غنمت وغدا:
الأغنياء فقراء، والفقراء أغنياء
والصغار كبارا، والكبار صغارا
"ذلك أن مثل هذه النظريات، وإن أملاها الإخلاص والحماسة الشعبية، اللذان يضطرم بهما الشاعر، ليست إلاّ من أسخف وأضل ضروب الاقتصاد السياسي. ذلك أن مملكة بلنسية كلها كان لزاماً أن تخسر، وقد خسرت برحيل مثل هذا العدد الجم من عمال مهرة هادئين مثابرين، وقد كانوا حسبما يصفهم السكرتير فرنسيسكو أدياكيث: "يكفون وحدهم لإحداث الخصب والرخاء في سائر الأرض، لبراعتهم في الزراعة، وقناعتهم في الطعام". هذا بينما يصف هذا السكرتير النصارى القدماء بقوله: "إنهم قليلوا الخبرة في الزراعة". على أنه من المحقق أنهم تعلموا، وأن بلنسية قد عمرت فيما بعد، وأن سائر الطرق الزراعية ونُظم الري البديعة، - التي ربما كان من الخطأ أن
стр. 878
تنسب إلى العرب وحدهم - قد أحييت في هذه المناطق حتى يومنا، وإذا كان تدهور الزراعة مما لا ينكر، ولعله مبالغ فيه، فإن تأثر الصناعة كان أقل. ذلك لأن الصناعة كانت قبل ذلك بنصف قرن قد أصيبت باضمحلال واضح، وكذلك لأن الصناعات الرئيسة، إذا استثنينا الورق والحرير، لم تكن في أيدي الموريسكيين، وقد كانوا دائما عمالاً أكثر منهم صناعاً. فإذا قيل مثلاً: إن المناسج التي بلغ عددها من قبل في إشبيلية ستة عشر ألفاً، لم يبق منها في عهد فيليب الخامس سوى ثلاثمائة، ونسب ذلك كله إلى واقعة النفي، فإن أصحاب هذا القول ينسون أنه لم يكن في إشبيلية أحد من الموريسكيين، وأن هذه المصانع كانت قد تركت قبل النفي بخمسين عاماً، كأنما آثر أجدادنا أن يحققوا الثراء بالحرب في إيطاليا وبلاد الفلاندر، وبغزو أمريكا، وكأنهم كانوا ينظرون باحتقار سخيف مؤسف للفنون والأعمال الصناعية. إن اكتشاف العالم الجديد، والثروات التي كانت تتدفق من هناك، فتثير الجشع، وتذكي أطماعاً يسهل تحقيقها. ذلك هو السبب الحقيقي الذي أسكت مناسجنا وأمحل زراعتنا، وجعل منا أول طائفة من المغامرين المحظوظين، ثم بعد ذلك شعباً من الأشراف المتسولين، وانه لمن المضحك أن ننسب إلى سبب واحد، ربما كان أقل الأسباب، ما كان نتيجة لأخطاء اقتصادية يعسر علينا أن نتبين علاقتها بالتعصب الديني".
"والخلاصة، أنه متى تدبّرنا المزايا والمضار، فإننا ننظر إلى إجراء النفي العظيم، بنفس الحماسة التي امتدحه بها لوبي دى فيجا وثرفانتس، وكل إسبانيا في القرن السابع عشر، باعتباره ظفراً لوحدة الجنس ووحدة الدين واللغة والتقاليد. أما الأضرار المادية، فقد شفاها الزمن، وقد استحال ما كان صحراء بلقع قاتمة، إلى مهاد خصبة وحدائق غناء. وأما الذي لا يشفى، وأما الذي يترك دائماً الأحقاد الدموية الأبدية، فهي جرائم تشبه جرائم الوندال. ولما هدأت آثار النفي، أضحى النفي ليس فقط إجراء محموداً، بل كذلك إجراء ضرورياً. ولم يكن ميسوراً أن تحل العقدة، فكان لابد من قطعها،
стр. 879
ومثل هذه النتائج تقترن دائماً بالانقلابات المفروضة" (١).
ومن الواضح أن هذا الدفاع عن النفي، يصدر عن تعصب أعمى، ومع ذلك لم يستطع أن يحجب أضرار النفي على إسبانيا فيما كتب، ولو أنه اعترف بذلك في ثنايا رده المتهافت بصورة غير مباشرة.
ويعلّق الدكتور لي، وهو من أحدث الباحثين في هذا الموضوع، على آراء المفكرين والمؤرخين الإسبان بقوله: "إذا كان نفي الموريسكيين، كما يقول مننديث إى بلايو، نتيجة محتومة لقانون تاريخي، وإذا كان قد غدا ضرورة في عهد فيليب الثالث، فقد كانت ضرورة مصطنعة، خلقها تعصب القرن السادس عشر، وإذا كان وجود المدجّنين منذ أيام ملوك ليون وقشتالة وأراغون في الأراضي الإسبانية، من الأمور المأمونة، وذلك في الوقت الذي كان فيه زعماء إسبانيا النصرانية يشغلون بحروب أهلية مضطرمة، ويواجهون دول العرب والمرابطين والموحدين القوية، وإذا كان في وسع الملوك النصارى في هذه العصور المضطربة أن يركنوا إلى ولاء رعاياهم المسلمين أثناء الحرب، وأن يفيدوا من نشاطهم أثناء السلم، فإن الضرورة السياسية للوحدة الدينية، بعد أن غدت إسبانيا دولة قوية موحدة، وغدا المسلمون طوائف ممزقة، لم تكن بلا ريب سوى ضرب من الخيال المغرق الذي يخلقه التعصب. وقد كان هذا التعصب نتيجة لتعاليم الكنيسة المستمرة، وهي التعاليم التي اعتنقتها إسبانيا مذ غدت قوة عالمية. وما إن انحدرت إسبانيا إلى طريق التعصب، حتى دفعه توقد المزاج الإسباني إلى نهايته المحتومة باكتمال لا نظير له. ولما قضت غطرسة الكاردينال خمنيس العنيفة على ثقة المسلمين في عدالة إسبانيا وشرفها، اتخذت الطريق الخطوة المحتومة في طريق لم تكن له سوى نهاية واحدة ... ولقد كان الموريسكيون بالضرورة أعداء في الداخل، حملوا بكل وسيلة على بغض دين فرض عليهم بالقوة،
стр. 880
وتبلورت مثله في الظلم والاضطهاد وفظائع ديوان التحقيق، وكان من المستحيل في ظل المؤثرات الدينية، التي غلبت على السياسة الإسبانية، أن يعامل الموريسكيين بالرفق والتسامح، وبها فقط كان يمكن العمل على إرضائهم، وتحقيق رخائهم وبث محبّة النصرانية في قلوبهم. وقد كانت كل محاولة لتلطيف الموقف، تزيده سوءاً حتى غدوا إغراء لاتصال كل عدو من الخارج، ومثاراً دائماً لجزع السياسة الإسبانية. فلما اضمحلت قوة إسبانيا، وفقد حكامها الثقة بالنفس، لم يكن ثمة بدّ من أن يتوجّ قرن من الغدر والظلم، بالنفي والإبعاد. وقلما يقدّم لنا التاريخ مثلاً كوفئت فيه السيئة بأمثالها، وطمت كوارثه، كذلك الذي ترتب على جهود الكاردينال خمنيس بما يطبعها من تعصب مضطرم".
ثم يقول: " على أنه مهما كان من فداحة الضربة، فقد كان من الميسور تداركها بسرعة، لو أن إسبانيا كانت تملك الحيوية القوية، التي مكّنت أمماً أخرى من أن تنهض من كوارث أشدّ. إن انحلال إسبانيا لا يرجع فقط إلى خسارتها لجزء من السكان، بنفي اليهود والعرب المتنصرين، فقد كان من المستطاع أن تعوّض هذه الخسارة، ولكن الخطب يرجع إلى أن اليهود والعرب المتنصرين، كانوا من الناحية الاقتصادية أقيم عنصرين بين سكانها، وكان نشاطهم معيناً لحياة الآخرين، وبينما كانت أمم أوروبا الأخرى تنهض وتسير إلى الأمام في مضمار التقدم، كانت إسبانيا وشعارها أن تضحي بكل شيء في سبيل الوحدة الدينية، تنحدر سراعاً إلى غمر البؤس والشقاء، وتغدو جنّة للأحبار والقساوسة، وعمال ديوان التحقيق، تخمد فيها كل نزعة إلى الرقي العقلي، وتقطع فيها كل صلة مع العالم الخارجي، ويشل فيها كل جهد يبذل في سبيل التقدم المادي. وقد كان من العبث أن تنهمر ثروات العالم الجديد إلى أيدي شعب لا تقل مواهبه الطبيعية عن أي شعب آخر، وإلى أرض كانت مواردها عظيمة، مثلما كانت حينما جعلتها براعة العرب ونشاطهم في طليعة الأمم الأوربية ازدهاراً. ومهما كانت قيمة الخدمات التي
стр. 881
أدتها إيزابيلا الكاثوليكية والكاردينال خمنيس، فإن السيء في عملهما يفوق الحسن، لأنهما علّما الأمة أن الوحدة الدينية هي أول غاية يجب تحقيقها، وقد ضحّت في سبيل هذه الغاية برخائها المادي ورقيها العقلي" (١).
وأخيراً يجمل الدكتور لي خلاصة بحثه المستفيض في مأساة الموريسكيين في هذه العبارة الموجزة القوية: "إن تاريخ الموريسكيين لا يتضمّن فقط مأساة تثير أبلغ عطف، ولكنه أيضاً خلاصة لجميع الأخطاء والأهواء التي اتحدت لتنحدر بإسبانيا في زهاء قرن من عظمتها أيام شارل الخامس إلى ذلّتها في عصر شارل الثاني" (٢).
ويقول سكوت: "لقد كانت نتائج هذه الجريمة التي ارتكبت ضد الحضارة، سواء البعيد منها والمباشر، ضربة لإسبانيا. فقد عصفت بموارد عيشها، ودفع بها القحط إلى الخراب، وأضحى من الضرورة أن تمدّ الحكومة يد الغوث إلى كثير من الأسر النبيلة، التي أودى بثروتها تصرف العرش الانتحاري، وخيّم الصمت والوجوم على مناطق شاسعة، كان يغمرها الخصب الأخضر، وظهر اللصوص والخوارج على القانون، مكان الزراع والصناع، وحل الجزاء المروّع عقب مأساة لم تقدم على مثلها لحسن الطالع أية أمة أخرى، مأساة أنزلت منذ وقوعها بالأمة التي ارتكبت فظائعها، كل صنوف الدمار والويل حتى الجيل الأخير" (٣).
ويمكن تلخيص رأي النقد الإسباني المعاصر، بما سمعه الأستاذ محمد عبد الله عنان من الأستاذ مننديث بيدال الذي نقلنا رأيه فيما سلف، وهو من أعظم المؤرخين والنقدة الإسبان في هذا العصر، فقد حدّثه الأستاذ عنان في مدريد عن قضية الموريسكيين ونفيهم، فقال: "لاريب أن إسبانيا قد منيت من جراء نفي الموريسكيين بخسارة مادية، لأنها خسرت بإخراجهم شعباً مجداً
стр. 882
عاملاً بارعاً في الزراعة والصناعة، ولكن الواقع أن حركة الإنقلاب البروتستانتي حملت إسبانيا على أن تتبع من جانبها سياسة كاثوليكية شديدة، وكان من جراء ذلك أن اشتدت في معاملة الموريسكيين، ويمكن أن نصف هذه السياسة بأنها كانت عنيفة مغرقة".
"ولم يكن نفي الموريسكيين خطوة موفقة، وكانت أيضاً من آثار الرجعية الكاثوليكية، وما كان ملك قوي مثل فيليب الثاني ليقدم على اتخاذ مثل هذه الخطوة، ولكن ولده فيليب الثالث كان ملكاً ضعيفاً يعوزه الذكاء والحصافة. وقد غلبت السياسة الدينية والكنسية في هذه المسألة. ويبدو خطأ هذه السياسة - بالأخص من الناحية العنصرية - فإن العلامة ربيرا يعتقد مثلاً أن الموريسكيين كان نصفهم على الأقل من الإسبان الخلّص الذين اتخذوا الإسلام في عهود مختلفة، ثم أرغموا على التنصير بعد سقوط غرناطة، وصاروا موريسكيين".
ويسلم الأستاذ بيدال بأن نفي الموريسكيين كان من عوامل انحلال إسبانيا، ولكنه يرى من المبالغة أن يقال: إنه السبب الرئيسي لهذا الانحلال، ثم يقول: "والواقع إن هذه مسألة معقدة، وأعتقد أن من أهم أسباب انحلال إسبانيا، عنف السياسة الكنسية المناهضة لحركة الإصلاح الديني - البروتستانتية - وهو عنف لم يقع مثله في أي بلد أوروبي آخر، بل انفردت به إسبانيا والكنيسة الإسبانية" (١).
ويبدي دى مارليس الذى اتخذ مؤلف كوندي أساساً لكتابه عن (تاريخ دولة المسلمين في إسبانيا والبرتغال) حماسة في تقدير تراث الأمة الأندلسية وما أصاب إسبانيا من جراء القضاء عليها، ويعلق في خاتمة تاريخه على مأساة الموريسكيين في تلك العبارات الشعرية المؤثرة: "وهكذا اختفى من الأرض الإسبانية إلى الأبد، ذلك الشعب الباسل اليقظ الذكي المستنير، الذي
стр. 883
أحيا بهمته وجدّه تلك الأراضي التي أسلمتها كبرياء القوط الخاملة إلى الجدب، فدرّ عليها الرخاء والفيض، واحتفر لها العديد من القنوات، ذلك الشعب الذي أحاطت شجاعته الفياضة في أيام الرخاء والشدة معاً، عرش الخلفاء بسياج من البأس، والذي أقامت عبقريته بالمران والتقدم والدرس، في مدنه صرحاً خالداً من الأنوار، الذي كان ضوؤها المنبعث ينير أوروبا، ويبث فيها شغف العلم والعرفان، والذي كان روحه الشّهم يطبع كل أعماله بطابع لا نظير له من العظمة والنبل، ويسبغ عليه في نظر الخلف، لوناً غامضاً من العظمة الخارقة، ودهاناً سحرياً من البطولة، يذكرنا بعصور هومير السحرية، ويقدّم لنا فهم أنصاف الآلهة اليونان".
"ولكن شيئاً لا يدوم في هذا العالم، فإن هذا الشعب قاهر القوط، الذي كان يبدو أنه صائر خلال القرون، إلى أقصى الأجيال، قد ذهب ذهاب الأشباح، وعبثاً يسائل اليوم السائح الفريد قفار الأندلس المحزنة، التي كان يعمرها من قبل شعب غني منعَّم. ظهر العرب فجأة في إسبانيا كالقبس الذي يشق عباب الهواء بضوئه، وينشر لهبه في جنبات الأفق، ثم يفيض سريعاً في عالم العدم، ظهروا في إسبانيا، فملؤوها فجأة بنشاطهم وثمار براعتهم، وأظلها كوكب من المجد شملها من البرنية إلى صخرة طارق، ومن المحيط إلى شاطئ برشلونة، ولكن.
стр. 884
أسباب انهيار الفردوس المفقود
هناك أساب لانهيار الفردوس المفقود نحاول إجمالها، وقد أغفل المؤرخون المحدثون بخاصة ذكر هذه الأسباب لأن الذين كتبوا عن الأندلس أكثرهم من الغربيين الذين لا يذكرون الأثر المهم في فتح الأندلس وانهيارها.
والمؤرخون العرب المحدثون ساروا على منوال المؤرخين الأجانب، ولكن المؤرخين القُدامى من المسلمين ذكروا أسباب انهيار الأندلس بشكل غير مباشر، أي أنّ هذه الأسباب وردت في خضمّ السرد الطويل، فمثلاً كتاب (نفح الطيب) للمقري، تطرق إلى هذه الأسباب ولكن في مجال سرد الحوادث، والذي يريد اكتشاف هذه الأسباب عليه أن يقرأ ذلك الكتاب الضخم بأجزائه الكثيرة، وهذا ليس متيسّراً إما لضيق الوقت عند بعض الناس أو لصعوبة قراءة هذا الكتاب الضخم والانتباه إلى أسباب سقوط الأندلس.
وقد لجأت إلى كثير من المؤرخين المعروفين من أساتذة الجامعات والمختصين لكي أجد لديهم أسباب سقوط الأندلس، فلم أحظ بجوابٍ شافٍ بالرغم من كثرة مَن استفسرت منهم، لذلك سأحاول إيجاز هذه الأسباب لتكون دروساً للمسلمين في حاضرهم ومستقبلهم، لأنني أعتقد أن أهمية التاريخ تكمن في العبرة من دراسته، لا في الاستمتاع به كحوادث وقصص وأحداث.
لقد فتح المسلمون الأندلس حين كانوا يتمتعون بعقيدتهم التي قادتهم إلى النصر، فلما تخلّوا عن هذه العقيدة تخلّى عنهم النصر وأصبح نصيبهم الهزائم. لقد كان قائد فتح الأندلس (طارق بن زياد) بربرياً، يقود جيشاً من العرب ومن البربر، يسود بينهم الانسجام الروحي والنفسي لأنه يسيطر عليهم قول الرسول ﷺ : "لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى" وكما جاء في القرآن الكريم ((*إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ*)).
стр. 885
وبعد أن جعل الفاتحون الدين وراءهم ظِهريّاً وفرّقوا بين الناس - المسلمين - بالجنس والمال والمناصب، أصبحوا ضعفاء في كل مكان.
كانت تسيطر على البلاد العربية إمبراطوريتان عظيمتان، الإمبراطورية الساسانية التي كانت تسيطر على العراق والمشرق، والإمبراطورية البيزنطية المسيطرة على سورية ولبنان وشرقي الأردن وفلسطين ومصر وشمالي إفريقية، ومع سعة أملاك هاتين الإمبراطوريتين وعظمة مظاهرهما، وطول مدة حكمهما، إلاّ أنه كان فيهما الكثير من عوامل الضعف والانحلال. من هذه العوامل: ضعف العقيدة، واختلال النظام، ونقص القيادة، وعواقب الترف وتفرق الآراء .. ولكن البلاء الأكبر إنما حاق بتلك الإمبراطوريتين من آفة الغرور الباطل والاستخفاف بالخصم المقاتل ... ! فكانت دولة الفرس لا تنظر إلى البادية العربية إلاّ نظرة السيّد المبجّل إلى الغوغاء المهازيل ... !، الذين يحتاجون إما إلى العطاء وإما إلى التهذيب. لقد كانت عوامل الفناء قد اصطلحت على هدم الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية قبيل الإسلام وأيام الفتح الإسلامي.
ولكن العوامل التي قضت على الفرس والروم بالهزيمة - كائنة ما كانت - ليست هي العوامل التي قضت للعرب المسلمين بقيام دولة، وانتشار عقيدة، لأنّ استحقاق دول للزّوال لا ينشئ لغيرها حق الظهور والبقاء.
كذلك لم يكن انتصار العرب على الفرس والروم لأنهم عرب وكفى ... ! فقد كان في أرض هاتين الدولتين عرب كثيرون يدينون لهما بالطاعة، وينظرون إليهما نظرة الإكبار والمهابة، وكان القادرون منهم على القتال أوفر من مقاتلة المسلمين وأمضى سلاحاً، وأقرب إلى ساحات القتال من أولئك النازحين إليها من الجزيرة العربية.
وقد كان هناك عرب كثيرون انهزموا أمام المسلمين وهم كذلك أوفر في العدد والسلاح، وأغنى بالخيل والإبل والأموال.
بل إنّ الفئة القليلة من العرب المسلمين انتصروا على الفئة الكثيرة من
стр. 886
العرب غير المسلمين في عهد الرسول ﷺ ومَن بعده في أيام الرِّدّة وأيام الفتح الأول في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق ومَن بعده من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين، فهي نصرة عقيدة لا مراء. ولكن القول بانتصار العقيدة هنا لا يغني عن كل قول، فالواقع أن الذين انتصروا بالعقيدة كانوا رجالاً أولي خبرة وقدرة يؤمنون بها ويعرفون كيف يتغلبون بها على أعدائهم؛ عقيدة منشئة يذود عنها حماة قادرون.
ْكان العرب قبل الإسلام ماهرين في حروب العصابات، ماهرين في استخدام السلاح والفروسية، لهم قابلية ممتازة على الحركة من مكان لآخر بسهولة وسرعة، وبأقل تكاليف إدارية، ولكنهم كانوا متفرقين، بأسهم بينهم شديد، لهذا كانت خبرتهم الحربية وشجاعتهم الفطرية تذهب عبثاً في الغارات والمناوشات المحليّة.
فلما جاء الإسلام، وحّد عقيدتهم، ونظّم صفوفهم، وغرس فيهم روح الضبط والطّاعة، وطهّر نفوسهم، ونقّى أرواحهم، وأشاع بينهم انسجاماً فكرياً، فأصبحت قوتهم المبعثرة وجهودهم المضاعة قبل الإسلام تعمل بنظام دقيق وضبط متين بعد الإسلام بقيادة واحدة لهدف واحد، وأصبح المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها إخوة يتحابون بنور الله ويهتدون بهديه، وهم أمة واحدة تحيتها السلام ورايتها السلام، ودينها الإسلام.
كما دفعت هذه العقيدة إلى نفوس المسلمين جميعاً حمية سمت بهم إلى الإيمان بأنهم لا غالب لهم من دون الله، وحبّبت إليهم الاستشهاد في سبيل الحق، وجعلتهم يرون هذا الاستشهاد نصراً دونه كل نصر، كما بعثت فيهم روح الاعتزاز بالنفس، والشعور بأن عليهم رسالة واجبة الأداء للعالم. كما غرست هذه العقيدة في نفوس المسلمين الإيمان المطلق بالقضاء والقدر، لذلك استهانوا بالموت، وأقدموا عليه فرحين مستبشرين.
إنّ مجمل عوامل انتصار الفاتحين المسلمين هي نشاط العرب ومثلهم البربر وخفّة أثقالهم، وشجاعتهم، وحسن تدريبهم على أسلحتهم، ومهارتهم في
стр. 887
الفروسية، واكتفاؤهم الذاتي بأبسط القضايا الإدارية وأقلها، وقابليتهم الممتازة على تطوير أساليب قتالهم، وحفظ خطّ رجعتهم، فهم لذلك جنود ممتازون.
وتيسر قادة أكفاء قادرون على قيادة رجالهم بحزم وجدارة، وانتشار العقيدة الإسلامية بين صفوفهم، وما كانت عليه أحوال الدّول التي فتحوها من اعتلال واختلال، كما أن تسامح المسلمين ونشرهم العدل، وتركهم البلاد المفتوحة على ما هي عليه من دين ومعاملات.
لقد انتصر المسلمون أولاً وقبل كل شيء بعقيدتهم المنشّئة البناءة التي حملها إلى الناس حماة قادرون قادة وجنوداً.
وحين جاء الفاتحون المسلمون للأندلس كانا الحكم فيها ضعيفاً، وكان من بين المسيطرين مَن استعان بالمسلمين على أهل بلاده، ودار الزمن دورته، فأصبح المسلمون متفرقين، يستعين الأخ على أخيه بالأجنبي، كما أنّ المسلم الذي أهمل عقيدته أصبح مشغولاً بالترف والمال، لذلك تخلخلت نخوتهم، وأصبحوا مسلمين جغرافيين، لا مسلمين حقيقيين.
فتح المسلمون الأندلس حين كانت عقيدتهم (عبادة)، فلما تخلّوا عن عقيدتهم وأهملوها، وأصبحت عندهم (عادة)، لذلك سهل عليهم التفريط في بلادهم، والاستعانة بالأجنبيّ على أبناء دينهم، ولعل خير شاهد على ما نقوله ما سجّله (ابن حزم الأندلسي) - وهو من أوثق مؤرخي الأندلس - قال في كتابه، نَقَط العروس - واصفاً عصر ملوك الطوائف -: "لقد شغل عصر الطوائف من حياة الأمة في تحطيم الأخلاق واختلاط الحق بالباطل، والحلال بالحرام" وكل ذلك يجمله ابن حزم في كلمة واحدة، هي المحنة أو الفتنة، ثم يصوّر لنا المحنة أو الفتنة في كلمات قليلة، ولكنها قوية ورائعة، فيصف ابن حزم في (رسالة التلخيص في وجوه التخليص) فيقول: "وأما ما سألت من أمر هذه الفتنة وملابسة الناس بها مع ما ظهر من تربص بعضهم ببعض، فهذا أمر امْتُحِنَّا به، نسأل الله السلامة وهي فتنة سواء، أهلكت الأديان إلاّ مَن وقى الله من وجوه
стр. 888
كثيرة يطول لها الخطاب، وعمدة ذلك أن كل مدبّر مدينة أو حصن في أندلسنا هذه، أولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله، وساعٍ في الأرض لفساد، والذي ترونه عياناً من شنّهم الغارات على أبناء المسلمين من الرعيّة التي تكون في ملك مَن ضارّهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها، وأنهم ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على القوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية، والضريبة من أهل الإسلام، معتذرين بضرورة لا تبيح ما حرّم الله، غرضهم فيها استدامة نفاذ أمرهم ونهيهم، فلا تغافلوا أنفسكم، ولا يغرنكم الفسّاق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزيّنون لأهل الشرّ شرّهم، الناصرون لهم على فسقهم"، وقد كان الفقهاء في الواقع في هذا العصر الذي ساد فيه الانحلال والفوضى الأخلاقية والاجتماعية أكبر عضد لأمراء الطوائف، في تصويغ طغيانهم وظلمهم وتزكية تصرفاتهم الجائرة وابتزازهم لأموال الرعيّة، فقد كانوا "يأكلون على كل مائدة، ويتقلبون في خدمة كل قصر، ليحرزوا النفوذ والمال ويضعون خدماتهم الدينية والفقهية لتأييد الظلم والجور وخديعة الناس باسم الشرع، وقد انفسح لهم بالأخص في ظل الطوائف مجال العمل والدّسّ والاستغلال، واحتضنهم الأمراء الطغاة، وأغدقوا عليهم العطاء"، وقد فطن إلى ذلك إلى جانب ابن حزم قرينه ومعاصره المؤرخ (ابن حيّان) فحمل على الفقهاء ونوّه بصمتهم عن فضح الظلم الذي يرتكبه الأمراء لأنهم على حد قوله: "قد أصبحوا بين آكلٍ من حلوائهم وخابطٍ في أهوائهم" وينوّه ابن حزم باختلاط الحلال بالحرام في مجتمع الطوائف ثم يعود وهو بصدد الإجابة عن وجه السلام في المطعم والملبس والمكسب، وينوّه بما كان يسود مجتمع الطوائف من اختلاط الحرام بالحلال في جباية الضرائب ومجانبتها لحكم الشرع، وهي حالة يقدم لنا عنها الصورة التالية: "وأما الباب الثاني فهو باب قبول المتشابه، وهو في غير زمننا، هذا باب جديد لا يؤثم صاحبه ولا يؤجر، وليس على الناس أن يبحثوا عن أصول ما يحتاجون
стр. 889
إليه من أقواتهم ومكاسبهم إذ كان الأغلب هو الحلال، وكان الحرام مغموراً، وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه فإنما هو باب: أغلق عينيك واضرب بيديك ولك ما تخرجه، إما تمرة وإما جمرة، وإنما فرّقت بين زماننا هذا والزمان الذي قبله لأن الغارات في أيام الهدنة لم تكن غالبة ظاهرة كما هي اليوم، والمغارم التي كان يقبضها السلاطين إنما كانت على الأرضين خاصّة، وأما اليوم فهي جزية على رؤوس المسلمين يسمونها بالقطيعة، ويؤدونها مشاهرة، وضريبة على أموالهم من الغنم والدّوابّ والنّحل برسم على كل رأس وعلى كل خلية شيء ما، وقبالات ما يؤدّى على كل ما يباع في الأسواق، وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين في البلاد، هذا كل ما يقبضه المتغلبون، وهذا هتك الأستار، ونقض لشرائع الإسلام من شعوبهم عروة عروة، وإحداث دين جديد بعيد عن تعاليم الله". ويبلغ ابن حزم ذروة حملته على أمراء الطوائف - هذا وإن ابن حزم ليبلغ الذروة على أمراء الطوائف في تهاونهم في أحكام الدّين وما اتسموا به من تهاون في الدين والعقيدة حتى يقول: "والله لو علموا أن في عبادة الشيطان بقاؤهم لبادروا إليها، فيعتمدون على النصارى، ويمكنونهم بتدوين المسلمين، فيمكنونهم منهم ويحملونهم إسارهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع فعمروا البلاد بالنواقيس".
ونستطيع أن نتصور مجتمع الطوائف منحلاّ انحلالاً شاملاً من الناحية الاجتماعية مستهتراً يتّسم بضعف الإيمان وجنوحهم إلى مخالفة تعاليم الدين الحنيف.
وابن حزم يدفع ملوك الطوائف ولا يستثني منهم أحداً بيد أن هذه الملاحظات التهكميّة اللاّذعة وأمثالها، تستحيل بعد ذلك عند ابن حزم إلى نظرات تحليلية عميقة لأحوال مجتمع الطوائف، وأحكام قاسية يصدرها على هذا المجتمع المستهتر التي تقضم أسسه عوامل الانحلال والتفكك المادي والأدبي، ويلتزم ابن حزم التعميم في نظراته وأحكامه، ولكنه صريح لا يلجأ إلى مداجاة أو توريةٍ، وهو يدمغ ملوك الطوائف لا يستثني منهم أحداً، وكان
стр. 890
ابن حزم قد اصطدم بوزير غرناطة اليهودي، وقد وردت هذه الأحكام بالأخص في موضعين من رسائله:
الأول: في مستهل رسالته في الرّدّ على ابن التغريدي أو ابن نغرالة وزير غرناطة اليهودي، وإليك ما يقوله الفيلسوف في هذا الموضع: "اللَّهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عمّا قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم، وبجمع أموالهم، ربما كانت سبباً في انقراض أعمالهم وعوناً لأعدائهم عليهم عن حياطة ملتهم التي بها عزّوا في عاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم، حتى استشرف لذلك أهل القلّة والذمّة، وانطلقت ألسنة أهل الكفر والشرك بما لو حقق النظر أرباب الدنيا لاهتمّوا بذلك ضعف همّنا، لأنهم مشاركون لنا من الامتعاض للديانة الزهراء، والحميّة للملّة الغراء، ثم هم بعد ذلك متردّدون بما يؤول إليه إهمال هذه الحال من فساد سياستهم، والقدح في رئاستهم فللأسباب أسباب، وللمداخلة إلى البلاد أبواب والله أعلم بالصواب".
من الواضح أن ابن حزم يقصد من كلامه أمراء الطوائف وهو هنا يركز اهتمامه حول رمي هؤلاء الأمراء بإهمال حياطة الدّين والذّود عنه، لمناسبة ما حدث من قيام (إسماعيل بن نغرالة) اليهودي، بتأليف رسالة في الإسلام، رأى فيها ابن حزم طعناً في بعض آيات القرآن، ورأى تقصير (باديس بن حبوس) أمير غرناطة في ردع وزيره وفي الدفاع عن الدين، بيد أنه لا يتّجه إلى ذكر باديس دون غيره، وإنما يتّجه إلى مخاطبة أمراء الطوائف جميعاً واتهامهم بنفس الاتهام المرّ، فهم جميعاً في نظره سواء في التقصير في حق دينهم، وفي الاشتغال عن صونه ببناء القصور والشؤون الفانية.
مما تقدّم من شهادة ابن حزم وهو مؤرخ ثبت وفقيه وفيلسوف وأديب أن ملوك الطوائف كانوا متفرقين، بأسهم بينهم شديد يستعينون بالعدو على إخوانهم المسلمين، ويستعينون بأعداء دينهم على أهل دينهم.
стр. 891
والاستعانة بالأجنبي له خطورة عظيمة جداً، فهذا الأجنبي يطلع على عورات المسلمين، ويستطلع أرضهم، ويعرف نقاط الضعف فيهم، ويطّلع على اختلافاتهم، فهو يعرف بذلك مداخل المدن والحصون ونواقصها والأمكنة التي يمكن الاستيلاء عليها منها، كما يعرف تفرق كلمة المسلمين، وتشتّت قوتهم وصفوفهم، وأنهم أصبحوا أعداء بعضهم، وهم لا يقاومون كما ينبغي.
لذلك يمكن اعتبار مدة ملوك الطوائف هي المدة التي فتحت أبواب الأندلس للعدو المتربّص بهم، فلذلك كانت المدن الأندلسية العظيمة تتساقط بالتتابع، بينما يبقى المسلمون الآخرون متفرّجين غير متعاونين على صد العدو، وربّما أعان المسلم عدوه على أخيه المسلم، وما هكذا تورد يا سعد الإبل كما يقول المثل ... !
يمكن تلخيص أسباب سقوط الأندلس بما يلى:
١ - تهاون المسلمين في دينهم الذي قادهم للنصر المؤزّر.
٢ - تعاون المسلمين مع أعدائهم.
٣ - عدم تعاون المسلمين فيما بينهم في حرب أعدائهم.
٤ - اهتمام المسلمين بالتّرف على الاهتمام بالتدريب العسكري.
٥ - اهتمام المسلمين بالقصور والمال أضعاف اهتمامهم بالجهاد.
٦ - ضعف قياداتهم العسكرية والدينيّة.
٧ - تفرّق كلمة المسلمين وظهور الاختلاف العنصري والقبلي.
٨ - التناحر والتنافس على السلطة.
٩ - انتشار الاضطرابات الداخلية.
١٠ - تمكين أعداء المسلمين من رقاب المسلمين.
١١ - تشتت المسلمين بالثورات الداخلية والاستعانة بالعدو على المسلمين.
стр. 892
١٢ - اتحاد نصارى الإسبان مع نصارى أوربا وتحت إشراف البابا على كسر المسلمين وإخراجهم من الأندلس.
لقد كان المسلمون الفاتحون الأوّلون يعملون لقلوبهم فأصبح المسلمون الجغرافيون بعد ذلك يعملون لجيوبهم، ولن يكون العمل للجيوب غير الهزيمة والخسران، وما على المسلمين اليوم أن يتعلموه أن يكونوا من أصحاب القلوب لا من أصحاب الجيوب.
لم يكن هناك ارتباط قوي بين العناصر التي وفدت إلى الأندلس فالعرب كانوا في جانب، والبربر كانوا في جانب، والعرب ليسوا وحدة واحدة، وإنّما كانوا شيعاً وأحزاباً، وكذلك كان البربر. ثم نبعت عناصر إسلامية في الأندلس من الصقالبة ومن السكان الأصليّين، ولكل من هؤلاء وأولئك طابع واتجاهات، ويمكننا أن نقول بوجه مجمل:
إن الصّخب والاضطرابات والحروب بين هذه العناصر بدأ مبكّراً واستمرّ استمراراً متّصلاً ولم يهدأ إلا تحت ضغط القوة، وكان يهدأ ليبدأ ثورة عارمةً عندما تتوانى أو تضعف هذه القوّة.
وقد تيسّر القادة الأقوياء الذين سيطروا، ثم ضعف أولئك القادة وأصبحوا يهتمّون بأنفسهم أكثر من اهتمامهم بشعوبهم فكانت الكارثة.
لقد كان الشعب الأندلسي شعوباً جمعها الإسلام، فلما تخلّوا عنه أصبحوا أعداء متفرقين لا شعباً واحداً.
стр. 893
فهرس الجزء الثاني
الموضوع ...................................................... الصفحة
السمح بن مالك الخولاني، فاتح شطر جنوبي فرنسة
- نسبه وأيامه الأولى ............................................... ٥
- الفاتح ........................................................... ٦
- الإنسان ......................................................... ١٠
- القائد ........................................................... ١٦
- السمح في التاريخ ................................................ ٢١
عبد العزيز بن موسى بن نصير
- نسبه وأيامه الأولى ................................................ ٢٣
- الفاتح ............................................................ ٢٨
- الإنسان .......................................................... ٣٨
- القائد ............................................................ ٤٥
- عبد العزيز في التاريخ ............................................. ٥٢
عبد الأعلى بن موسى بن نصير
- نسبه وأيامه الأولى ................................................ ٦٩
- الفاتح ............................................................ ٥٧
- الإنسان القائد .................................................... ٥٩
- عبد الأعلى في التاريخ ............................................ ٦٣
عبد الله بن موسى بن نصير
- نسبه وأيامه الأولى ................................................ ٦٤
- الفاتح ............................................................ ٦٩
- الإنسان .......................................................... ٧٦
- القائد ............................................................ ٨٣
- عبد الله فى الماريخ ................................................. ٨٧
جزيرتا ميورقة ومنورقة
١ ميورقة، منورقة ..................................................... ٨٩
نهاية الألدلس
- مستهل .......................................................... ٩١
- مملكة غرناطة .................................................... ٩٥
- نشأة مملكة غرناطة وقيام الدولة النصرية ......................... ١٠١
طوانف الأندلسيين في عصر الانحلال
١ مملكة غرناطة وحدودها ........................................ ١١٤
٢ عناصر السكان ................................................ ١١٥
٣ المدجنون تاريخهم .............................................. ١١٦
٤ التكوين العنصري لسكان مملكة غرناطة ........................ ١٢٣
طبيعة الصراع بين الأندلس وإسبانيا النصرانية
стр. 894
١ حرب الاسترداد ومولد مملكة غرناطة ............................. ١٢٥
٢ طبيعة الصراع الإسلامي النصراني في الأندلس ..................... ١٢٨
مملكة غرناطة عقب وفاة ابن الأحمر
١ ولاية محمد الفقيه وأحداث أيامه .................................. ١٣٦
٢ أبو عبد الله محمد الملقب بالمخلوع وأحداث أيامه ...... ........... ١٥٢
٣ نصر بن محمد الفقيه وحوادث أيامه ............................... ١٥٥
مملكة غرناطة في النصف الأول من القرن الثامن الهجري
١ أبو الوليد إسماعيل وحوادث أيامه ................................. ١٥٨
٢ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وحوادث أيامه ....................... ١٦١
٣ أبو الحجاج يوسف بن أبي الوليد وأحداث أيامه .................... ١٦٥
الأندلس بين المد والجزر
١ ولاية محمد الغني بالله وحوادث أيامه .............................. ١٧٣
٢ يوسف أبو الحجاج وحوادث أيامه ................................ ١٨١
٣ محمد بن يوسف وحوادث أيامه ................................... ١٨٣
٤ يوسف بن يوسف ................................................ ١٨٥
٥ أبو عبد الله محمد الأيسر بن يوسف ............................... ١٨٧
٦ السلطان يوسف الخامس وحوادث أيامه .......................... ١٩٤
نهاية دولة الإسلام في الأندلس
١ علي أبو الحسن وأحداث أيامه ................................... ٢٠٠
٢ أبو عبد الله محمد بن علي وأحداث أيامه ......................... ٢١٠
بداية النهاية
١ مع أبي عبد الله محمد ثانية ....................................... ٢٢٢
الصراع الأخير
١ مع أبي عبد الله محمد أخيراً ...................................... ٢٤٠
٢ مفاوضات التسليم ومعاهدة التسليم ............................ ٢٥٣
٣ عاقبة الملك المتخاذل ........................................... ٢٧٩
٤ أبو عبد الله في المغرب ودفاعه عن نفسه ........................ ٢٨٤
ثمرات المعاهدة الغادرة
١ مأساة الأندلس ونقص الروايات العربية عن المأساة .............. ٢٩٣
٢ التنصير وحرق الكتب العربية .................................. ٢٩٥
٣ ديوان التحقيق الإسباني ومهمته في إبادة الأمة الأندلسية ......... ٣١٣
٤ ذروة الاضطهاد وثورة الموريسكيين ............................ ٣٣٦
نهاية النهاية
١ توجس السياسة الإسبانية وعصر الغارات البحرية الإسلامية .... ٣٦٥
٢ مأساة النفي .................................................. ٣٨٠
تأملات في آثار المأساة الأندلسية ................................. ٣٩٨
أسباب انهيار الفردوس المفقود ................................... ٤٢٤