تخشاهم بالرغم من ضعفهم وخضوعهم، بعد أن أخفقت بوسائلها الهمجية البغيضة في كسب محبتهم وولائهم. وكان ديوان التحقيق من جهة أخرى، ومن ورائه الأحبار والكنيسة، يعتبرهم بالرغم من تنصرهم، أبداً وصمة في نقاء النصرانية، وتتصور الإسلام دائماً يجري كالدم في عروقهم.
وقد تضاربت آراء الساسة والأحبار الإسبان في شأن الخطوة الحاسمة التي يجب اتخاذها، للقضاء على خطر الموريسكيين، ورأى بعض أكابر الأحبار أن خطر الموريسكيين لا يزول إلاّ بالقضاء على الموريسكيين أنفسهم. وكان مما اقترحه المطران ربيرا ( RIVERA) أن يُقضَى عليهم بالرق، وأن يؤخذ منهم كل عام بضعة آلاف للعمل في السفن ومناجم الهند، حتى يتم إفناؤهم بهذه الطريقة؛ وذهب بعضهم الآخر إلى وجوب قتل الموريسكيين دفعة واحدة أو قتل البالغين منهم، واسترقاق الباقين وبيعهم عبيداً، وكان مما اقترحه بعض وزراء فيليب الثاني، أن يُجمَع الموريسكيون، ويُحمَلوا على السفن ثم يُغرَقوا في عرض البحر (١). واستمرت السياسة الإسبانية حيناً من الزمن تتلمس المخرج وسط هذه الحلول الهمجية، حتى تُوفي فيليب الثاني (سنة ١٥٩٨ م) وخلفه ولده فيليب الثالث وكان هذا الملك الفتى، ضعيف الرأي والإرادة، يتأثر كأبيه بنفوذ الأحبار، ويخضع لنفوذ وزيره وصفيّه الدوق دى ليرما. وكان الدوق من أشد أنصار القضاء على الموريسكيين، وقد أشار بها منذ (سنة ١٥٩٩ م)، ووضع لتنفيذها مشروعاً خلاصته: أن الموريسكيين إنما هم عرب، ويجب أن يعدم الشبان والكهول منهم، ما بين الخامسة عشرة والستين، أو أن يُسترَقوا ويُرسَلوا للعمل في السفن، وتُنزَع أملاكهم. أما الرجال والنساء الذين جاوزوا الستين، فيُنفَوا إلى المغرب، وأما الأطفال فيؤخذوا ويربوا في المعاهد الدينية، وهو مشروع أقرّه مجلس الدولة، وأخذ يعمل سراً لحشد القوى اللازمة لحصر عدد الموريسكيين في إسبانيا.
стр. 842
وفي سنة (١٦٠١ م)، قدم المطران ربيرا تقريراً إلى الملك يقول فيه: إن الدين هو دعامة المملكة الإسبانية، "وإن الموريسكيين لا يعترفون، ولا يتقبلون البركة ولا الواجبات الدينية الأخيرة، ولا يأكلون لحم الخنزير، ولا يشربون النبيذ، ولا يعملون شيئاً من الأمور التي يعملها النصارى"، ثم يوضح الأسباب التي تدعو إلى عدم الثقة في ولائهم بقوله: "إن هذا المروق العام، لا يرجع إلى مسألة العقيدة، ولكنه يرجع إلى العزم الراسخ العام في أن يبقوا مسلمين، كما كان آباؤهم وأجدادهم، ويعرف المحققون العامون، أن الموريسكيين بعد أن يعتقلوا عامين وثلاثة، وتشرح لهم العقيدة في كل مناسبة، يخرجون دون أن يعرفوا كلمة منها، والخلاصة أنهم لا يعرفون العقيدة، لأنهم لا يريدون معرفتها، ولأنهم لا يريدون أن يعملوا شيئاً يجعلهم يبدون نصارى" (١)، ثم يقول المطران في تقرير آخر: إن الموريسكيين كفرة متعنتون يستحقون القتل، وإن كل وسيلة للرفق بهم قد أخفقت، وإن إسبانيا تتعرض - من جراء وجودهم فيها - إلى أخطار كثيرة، وتتكبد في رقابتهم والسهر على حركاتهم، وإخماد ثوراتهم، كثيراً من الرجال والمال. ثم يقترح أن تؤلف محكمة سرية من الأحبار، تقضي بردّة الموريسكيين وخيانتهم، ثم تحكم علناً بوجوب نفيهم ومصادرة أملاكهم، وأنه لا ضير على الملك في ذلك ولا حرج. ولكن مشروع المطران لم ينفذ، لأن مجلس الدولة كان يرى أن يسير في تحقيق غايته سراً، وألاّ تصطبغ إجراءاته في ذلك بالصبغة الدينية.
ومضت بضعة أعوام أخرى، والفكرة تُبحَث وتختمر وتتوطد، حتى كانت حوادث المغرب في أواخر سنة (١٦٠٧ م) وما نسب للموريسكيين من صلة بمولاي زيدان ومشاريعه لغزو إسبانيا، وعزمهم على الثورة. عندئذ بادر مجلس الدولة بالاجتماع في أواخر (كانون الثاني - يناير ١٦٠٨ م)، واستُعرِضت جميع الآراء والمشاريع السابقة، وبُحِثت جميع الاقتراحات، وكرّر المطران ربيرا اقتراحه بوجوب نفي الموريسكيين إلى المغرب، وقال: إن
стр. 843
النفي أرفق ما يمكن عمله، وأيد رأيه معظم الأعضاء الآخرين، وذكروا أن نفي الموريسكيين أصبح ضرورة لا مفر منها، لأنهم يتكاثرون بسرعة، بينما يتناقص عدد النصارى القدماء. وبحثت تفاصيل المشروع ووسائله، وما يجب اتخاذه من التحوطات لضمان تنفيذه، خصوصاً وقد بدأت أنباء المشروع تتسرب إلى الموريسكيين، وظهرت بينهم أعراض الهياج في سرقسطة وبلنسية. وكانت الخطوة التالية أن عُهد بدرس المشكل كلّه، إلى لجنة خاصة على رأسها الدوق دى ليرما، ووضعت هذه اللجنة أسس المشروع التمهيدية بعد كبير جدل، وخلاصتها أن يمنح الموريسكيون شهراً لبيع أملاكهم ومغادرة إسبانيا إلى حيث شاءوا، فمن جاز منهم إلى إفريقية منح السفر الأمين، ومَن جاز إلى أرض نصرانية أُوصِي به خيراً، ومَن تخلف عن الرحيل بعد انقضاء هذه المدة عوقب بالموت والمصادرة؛ ولم يعترض أحد على هذه الأسس بذاتها، ولكن هذه الأسس الرفيقة نوعاً ما لم يؤخذ بها.
وفي كانون الثاني - يناير من سنة (١٦٠٩ م) بحث مجلس الدولة المسألة لآخر مرة، وقدم تقريراً ينصح فيه بوجوب نفي الموريسكيين لأسباب دينية وسياسية فصّلها، وأهمها تعرّض إسبانيا يومئذ لخطر الغزو من مراكش وغيرها. وقيام الأدلة على أن الموريسكيين جميعاً خونة مارقون، يستحقون الموت والرق، ولكن إسبانيا تؤثر الرفق بهم، وتكتفي بنفيهم من أراضيها. وتقرر أن ينفذ المشروع كله هذا العام في الخريف منه، وأرسلت الأوامر إلى حكام صقلية ونابولي وميلان، بإعداد جميع السفن الممكنة لنقل الموريسكيين، وجمع القوات اللازمة لحوراستهم، واجتمعت منذ أوائل الصيف في مياه ميورقة، عشرات السفن المطلوبة، وسارت أهبة التنفيذ بسرعة ونشاط.
وهكذا انتهت السياسة الإسبانية بعد مدة من التردد، إلى اتخاذ خطوتها الحاسمة في القضاء على البقية الباقية من الموريسكيين، وتحقيق أمنيتها القديمة في (تطهير) إسبانيا نهائياً من آثار الإسلام وآثار العرب، ومحو تلك
стр. 844
الصفحة الأخيرة لشعب عظيم تالد.
ب - وفي (٢٢ أيلول ت سبتمبر سنة ١٦٠٩ م) أعلن قرار (مرسوم) النفي النهائي للموريسكيين أو العرب المتنصرين، فساد بينهم الروع والاضطراب، وإليك نص هذا القرار الشهير في صحف المآسي والاستشهاد:
يبدأ القرار بالتنويه بخيانة الموريسكيين، واتصالهم بأعداء إسبانيا، وإخفاق كل الجهود التي بذلت لتنصيرهم، وضمان ولائهم، وما استقر عليه رأي الملك من نفيهم جميعاً إلى بلاد البربر (المغرب). وبناء على ذلك فإنه يجب على جميع الموريسكيين من الجنسين، أن يرحلوا مع أولادهم في ظرف ثلاثة أيام من نشر هذا القرار من المدن والقرى إلى الثغور التي يعينها لهم مأمورو الحكومة، والموت عقوبة المخالفين، وأن لهم أن يأخذوا من متاعهم ما يستطاع حمله على ظهورهم، وأن السفن قد أعدت لنقلهم إلى بلاد المغرب، وسوف تتكفل الحكومة بإطعامهم أثناء السفر، ولكن عليهم أن يأخذوا ما استطاعوا من المؤن، وأنهم يجب عليهم أن يبقوا خلال مهلة الأيام الثلاثة في أماكنهم رهن إشارة المأمورين، ومَن وُجد متجولاً بعد ذلك يكون عرضة للنهب والمحاكمة، أو الإعدام في حالة المقاومة. وقد منح الملك السادة كل الأملاك العقارية والأمتعة الشخصية التي لم تحمل، فإذا عمد أحد إلى إخفاء الأمتعة أو دفنها، أو أضرم النار في المنازل أو المحاصيل، عوقب جميع سكان الناحية بالموت. ونص القرار على إبقاء ستة في المائة فقط من الموريسكيين للانتفاع بهم في صون المنازل، والعناية بمعامل السكر، ومحصول الأرز، وتنظيم الري، وإرشاد السكان الجدد، وهؤلاء يختارهم السادة من بين الأسر الأكثر خبرة وأشد ولاء للنصرانية. أما الأطفال فإذا كانوا دون الرابعة، فإنه يسمح لهم بالبقاء إذا شاءوا (كذا) ورضي آباؤهم وأولياؤهم، وإذا كانوا دون السادسة سمح لهم بالبقاء إذا كانوا من أبناء النصارى القدماء (أعني من غير العرب المتنصرين)، وسمح كذلك بالبقاء لأمهم الموريسكية، فإذا كان الأب موريسكياً والأم نصرانية أصيلة، نُفِي الأب
стр. 845
وبقي الأولاد دون السادسة مع أمهم. كذلك يسمح بالبقاء للموريسكيين الذين أقاموا بين النصارى مدى عامين، ولم يختلطوا (بالجماعة)، إذا زكّاهم القسس. وحظر القرار إخفاء الهاربين أو حمايتهم. ويُعاقَب المخالف بالأشغال الشاقة لمدة ستة أعوام. كذلك حظر على الجنود والنصارى القدماء أن يتعرضوا للموريسكيين أو يهينوهم بالقول أو الفعل، وهدّد المخالفون بالعقاب الصارم. وأخيراً نص القرار على السماح لعشرة من الموريسكيين بالعودة عقب كل نقلة، لكي يشرحوا لإخوانهم كيف تم النقل إلى المغرب على أحسن حال.
وقع قرار النفي على الموريسكيين وقوع الصاعقة، ونهكت قواهم، وسادهم الوجوم والذهول. وكان عصر الثورة والمقاومة قد ولّى، إذ انهارت معنوياتهم، ونضبت مورادهم. وكانت الحكومة الإسبانية قد اتخذت عدتها للطوارئ، وحشدت قواتها في جميع الأنحاء الموريسكية، واجتمع زعماء الموريسكيين وفقهاؤهم في بلنسية، فقرّوا أنه لا أمل لهم في المقاومة، وأنه لا مناص لهم من الخضوع، واستقر الرأي على أن يرحلوا جميعاً، وألاّ يبقى منهم أحد، ولا حتى نسبة الستة بالمائة التي سمح ببقائها، وأن مَن بقي منهم اعتبر مرتداً مارقاً، ومع ذلك فقد وقعت ثورات محلية، وتأهبت بعض الجماعات المحتشدة في المناطق الجبلية للمقاومة، وعاثت في الأنحاء المجاورة، ولكنها كانت فورة المحتضر، فأخمدت حركاتهم بسرعة، وقتل منهم عدد كبير.
وتظلم كثير من المدجنين من قرار النفي، وقالوا إنهم اعتنقوا النصرانية طوعاً قبل التنصير الإجباري، وغدوا نصارى وإسبانيين قبل كل شيء، فصدر الأمر إلى الأساقفة ببحث ظلامتهم، وأن يسمح بالبقاء لمن توفرت فيه منهم شروط الولاء والإخلاص (١).
стр. 846
أما الكثرة الساحقة من الموريسكيين، فقد هرعت إلى اتخاذ أهبة الرحيل، وأخذوا في بيع ما تيسر بيعه من المتاع، وتدفقت السلع على الأسواق، من الماشية والحبوب والسكر والعسل والملابس والأثاث وغيرها، لتباع بأبخس الأثمان. بُدئ بتنفيذ قرار النفي في الجهات التي نشر فيها أولاً، وهي أعمال بلنسية، وذلك منذ أوائل (تشرين الأول - أكتوبر سنة ١٦٠٩ م)، وخرجت أول شحنة من هذه الكتلة البشرية المعذّبة على سفن الحكومة من ثغر دانية وبعض الثغور القريبة، وقدّرت بثمانية وعشرين ألف نفس، حملوا إلى ثغر وهران في الضفة الأخرى من البحر، وقد كان يومئذ بيد الإسبان، ثم نقلوا إلى تلمسان بحماية فرقة من الجند المرتزقة، وهناك استظلوا بحماية السلطان. وعاد بعضهم إلى إسبانيا، ليروي عن رحيل الراحلين، وكيف وصلوا في أمن وسلام. ومع ذلك فقد آثر معظم المهاجرين السفر بأجر، في سفن غير التي عينتها الحكومة الإسبانية لنقل المهاجرين وإطعامهم دون أجر، واضطرت الحكومة نتيجة لذلك أن تستدعي عدداً كبيراً من السفن الحرّة إلى مياه بلنسية، ورحل بهذه الطريقة من ثغر بلنسية زهاء خمس عشر ألفاً، معظمهم من الموسرين والمتوسطين، ورحل المنفيون من ثغر لقنت على عزف الموسيقى ونشيد الأغاني، وهم يشكرون الله على العود إلى أرض الآباء والأجداد، ولما سئل فقيه من زعمائهم عن سبب اغتباطهم، أجاب: بأنهم كثيراً ما سعوا إلى شراء قارب أو سرقته للفرار إلى المغرب، مستهدفين لكثير من المخاطر، فكيف إذا عرضت لنا فرصة السفر الأمين مجاناً، ألا ننتهزها للعود إلى أرض الأجداد، حيث نستظل بحماية سلطاننا، سلطان الترك، وهناك نعيش أحراراً مسلمين، لا عبيداً كما كنا؟!
وكانت الجنود تحرس المنفيين في معظم الأحوال، حماية لهم من جشع النصارى الإسبان، الذين انتظموا في عصابات لمهاجمة المنفيين ونهبهم وقتلهم أحياناً. وفضلاً عن ذلك فإن تنفيذ قرار النفي لم يجرِ دائماً في يسر وسهولة، فقد أبى كثير من الموريسكيين في الجبل الخضوع للأوامر لعدم
стр. 847
ثقتهم بولاء الحكومة، وفضلوا المقاومة حتى الموت، واحتشدوا بالأخص في وادي أجوار، حيثا اجتمع منهم زهاء خمسة عشر ألفاً، وفي مويادي كورتيس حيث اجتمع منهم تسعة آلاف، فبادرت الحكومة إلى محاصرتهم، وفتكت بالموريسكيين العزل، وقتلت منهم بضعة آلاف، ومات كثير منهم من الجوع والبرد. وأخيراً سلم من بقي منهم، وحملوا قسراً إلى ميناء السفر، وسَبَى الجند منهم كثيراً من النساء والأطفال باعوهم رقيقاً، ولم يصل منهم إلى شواطئ المغرب سوى القليل. وفي مويادي كورتيس لم يبق منهم عند الإبحار سوى ثلاثة آلاف، ولبثت فلولهم تقاوم مستميتة، وثبت الاضطراب نحو عام، حتى قضي عليها بعد جهد جهيد (١).
وصدر قرار النفي في قشتالة في (١٥ أيلول - سبتمبر سنة ١٦٠٩ م)، ولكن أجل تنفيذه حتى ينفذ أولاً في بلنسية، ولم ينفذ بالفعل إلاّ في أوخر (كانون الأول - ديسمبر)، ومنح الموريسكيون فيه شهراً للسفر، بنفس الشروط التي تضمنها قرار النفي في الأندلس، وسافر منهم شمالاً إلى حدود فرنسا نحو أربعة آلاف عائلة، وسافر إلى قرطبة نحو عشرة آلاف بحجة السفر إلى الأراضي النصرانية، وذلك لكي يحتفظوا بأولادهم الصغار، ولكن تسرب الكثير منهم إلى الثغور المغربية.
وبلغ عدد المنفيين في الثلاثة أشهر الأولى زهاء مائة وخمسين ألفاً، وسافر منهم ألوف كثيرة من الأغنياء والموسرين على نفقتهم الخاصة، وقصدت جموع كثيرة من الموريسكيين في أراغون - قدّرت بنحو خمسة وعشرين ألفاً - إلى ولاية نافاد الفرنسية، ودخل فرنسا من قشتالة نحو سبعة عشرة ألفاً، وسمح لهم هنري الرابع ملك فرنسا بالتوطن فيما وراء نهر الكارون، بشرط بقائهم على دين الكثلكة، وأن تهيأ السفن لمن أراد السفر منهم إلى شواطئ المغرب.
стр. 848
أما في غرناطة وأنحاء الأندلس، فقد أعلن قرار النفي في (١٢ كانون الثاني - يناير سنة ١٦١٠ م) بعد أن عدِّلت بعض أحكامه، وفيه يمنح الموريسكيون للرحيل ثلاثين يوماً، ويباح لهم بيع سائر أملاكهم المنقولة وأخذها ثمنها، على أن يقتنى بها عروض أو بضائع إسبانية، ولا يسمح لهم بأن يحملوا معهم من النقد أو الذهب أو الحلي، إلاّ ما يكفي نفقات الرحلة بالبر والبحر، وأما الأملاك العقارية، فتصادر لجهة العرش. وقد استقبل الموريسكيون في الأندلس قرار النفي بالاستبشار والرضى، ويقدر مَن نزح منهم إلى المغرب سواء على سفن الحكومة أو السفن الحرة، بنحو مائة ألف نفس، وقد نزح معظمهم إلى مراكش.
ثم توالى إعلان قرارات النفي في جميع الجهات التي تضم مجتمعات موريسكية، في سائر أنحاء المملكة الإسبانية: في قطلونية، وأراغون في (أيار - مايو - ١٦١٠ م)، ثم في إشبيلية واسترمادورة ( EXTREMADURA) ، ثم في مرسية وغيرها. وتأخر تنفيذه في مرسية نحو أربعة أعوام حتى (كانون الثاني - يناير ١٦١٤ م)، وخرج من مرسية زهاء خمسة عشر ألفاً، واتجهت جموع كثيرة من الشمال إلى الثغور الجنوبية.
واتجهت بعض الجماعات إلى الثغور الإيطالية مباشرة، أو عن طريق فرنسا، ومنها أبحرت إلى مصر والشام والقسطنطينية (١). وبلغ السلطان أحمد سلطان الترك، ما أصاب الكثير منهم في أرض فرنسا من الاعتداء والنهب، فأرسل إلى ملكتها (وهي يومئذ ماري دى مريتشي الوصية على ولدها لويس الثالث عشر) يحتج على هذا الإيذاء، ويطلب حماية المنفيين (٢). وكان بين هؤلاء الذين اتجهوا إلى المشرق، بعض طوائف من يهود الأندلس، ولا سيما طائفة (الحسديم) التي مازالت تقيم حتى اليوم في القسطنطينية، ويقيم بعضها في مصر.
стр. 849
ونفذت قرارات النفي في كل مكان بصرامة ووحشية واستمرت السفن شهوراً بل أعواماً، تحمل أكداساً من الكتل البشرية المعذّبة، فتلقي بها هنا وهناك، في مختلف الثغور الإفريقية، في جو من المناظر المروّعة المفجعة.
وقد اختلف المؤرخون اختلافاً كبيراً في عدد الموريسكيين الذين أُخرجوا من إسبانيا تطبيقاً لقرار النفي، فيقول نفاريتي وهو من أعظم مؤرخي إسبانيا: إنه نُفِي من إسبانيا في مختلف الأوقات، نحو مليوني يهودي، وثلاثة ملايين موريسكي. ويقدر آخرون عدد المنفيين من الموريسكيين بأربعمائة ألف أو تسعمائة ألف ويقدرهم دون لورنتي مؤرخ "ديوان التحقيق" بمليون نسمة، ويقدرهم المستشرق فون هامار بثلاثمائة ألف وعشرة آلاف نسمة. وفي الرواية العربية الموريسكية يقدر عدد الموريسكيين المنفيين بستمائة ألف. ونحن نميل إلى أن عددهم لا يمكن أن يتجاوز هذا القدر، وقد كان مجموعهم في أواخر القرن السادس عشر ستمائة ألف حسبما قدّمنا. ويقدر عدد من هلك من الموريسكيين أو استُرِق منهم أثناء مأساة النفي بنحو مائة ألف (١).
وقد عاد معظم الموريسكيين الذين نفوا إلى إفريقية والمشرق، إلى الإسلام دين الآباء والأجداد، ولم تخمد مائة عام من التنصير القسري، والإرهاق المستمر، جذوة الإسلام في نفوسهم، وقد لبث على كرّ العصور متغلغلاً في أعماق سرائرهم.
وبذلك ينتهي الفصل الأخير، من مأساة الموريسكيين، وتُطوَى إلى الأبد صفحة شعب، من أنبل وأمجد شعوب التاريخ، وحضارة من أزهر الحضارات.
ج - وتقدّم لنا الرواية المغربية، تفاصيل ضافية عن مأساة الموريسكيين، من بدايتها إلى نهايتها، وتخصها بكثير من النقد والتعليق. ولكن الرواية
стр. 850
الإسلامية مُقِلَة حول ذلك، شأنها في تاريخ الأندلس منذ سقوط غرناطة، فهي لا تُعنَى بتتبع مصير العرب المتنصرين، كما تعني الرواية الغربية بها، ولا تقدم لنا عن مأساة النفي سوى بعض الشذرات والإشارات الموجزة.
وأهم وأوفى ما وقفنا عليه من ذلك، رواية معاصرة عن أحوال الموريسكيين، ومساعيهم السريّة للمحافظة على دينهم، وظروف نفيهم، كتبها موريسكي، عاش في جيان في أوخر عهد الموريسكيين، ثم هاجر إلى تونس قبيل النفي بقليل، وكتب فيما بعد هذه الرسالة دفاعاً عن الموريسكيين المهاجرين، وشرف نسبهم، وتوكيداً لحسن إسلامهم وتمسكهم بالإسلام، ووردت خلالها حقائق تاريخية هامة، عن النفي وأسبابه وملابساته، ننقل منها ما يلي:
"لقد كثر الإنكار علينا معشر أشراف الأندلس، من كثير من إخواننا في الله، بهذه الديار الإفريقية من التونسيين وغيرهم، حفظهم الله، بقولهم: من أين لهم هذا الشرف. وقد كانوا ببلاد الكفار، دمّرهم الله، ولهم مئون من السنين كذا وكذا، ولم يبق فيهم مَن يعرف ذلك من مدة الإسلام، وقد اختلطوا مع النصارى، أبعدهم الله تعالى، إلى غير ذلك من الكلام ... ".
"مع أني صغير السن، حين دخولنا هذه الديار، عمّرها الله تعالى بالإسلام وأهله، فقد أطلعني الله تعالى على دين الإسلام بواسطة والدي، رحمة الله عليه، وأنا ابن ستة أعوام وأقل، مع أني كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم، ثم أرجع إلى بيتي فيعلمني والدي دين الإسلام، فكنت أتعلم فيهما معاً، وسنّي حين حملت إلى مكتبهم أربعة أعوام. فأخذ والدي لوحاً من عود الجوز، فكتب لي فيه حروف الهجاء، وهو يسألني حرفاً حرفاً عن حروف النصارى تدريباً وتقريباً، فإذا سميت له حرفاً أعجمياً كتب لي حرفاً عربياً، فيقول حينئذٍ: هكذا حروفنا، حتى استوفى جميع حروف الهجاء في كرتين، فلما فرغ من الكرّة الأولى، أوصاني أن أكتم ذلك حتى عن والدتي وعمي وأخي، وجميع قرابتنا، وأمرني ألاّ أخبر أحداً من الخلق ... ".
стр. 851
وقد كان والدي ﵀ يلقنني حينئذ ما كنت أقوله حين رؤيتي للأصنام .... فلما تحقق والدي أنني أكتم أمور دين الإسلام عن الأقارب فضلاً عن الأجانب، أمرني بإفشائه لوالدتي وعمتي، وبعض أصحابه الأصدقاء فقط، وكانوا يأتون إلى بيتنا فيتحدثون في أمر الدين، وأنا أسمع، فلما رأى حزمي مع صغر سنّي، فرح غاية الفرح، وعرّفني بأصدقائه وأحبّائه وإخوانه في دين الإسلام، فاجتمعت بهم، وسافرت الأسفار لأجتمع بالمسلمين الأخيار، من جيان مدينة ابن مالك، إلى غرناطة، وإلى قرطبة وإشبيلية، وطليطلة، وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى للإسلام، فتلخص لي من معرفتهم أني ميزت سبعة رجال كانوا كلهم يحدّثونني بأمور غرناطة وما كان بها في الإسلام حينئذٍ، فباجتماعي بهم حصل لي خير كثير، وقد قرأوا كلهم على شيخ من مشايخ غرناطة، أعادها الله للإسلام، يقال له: الفقيه اللوطوري، رحمه الله تعالى ونفعنا به، فإنه كان رجلاً صالحاً، ولياً لله، فاضلاً ورعاً، زاهداً، قد قرأ القرآن الكريم في مكتب الإسلام بغرناطة، قبل استيلاء أعداء الله عليها، وهو ابن ثمانية أعوام، ثم بعد مدة يسيرة، انتزعت غرناطة من أيدي المسلمين أجدادنا، وقد أذن العدو في ركوب البحر لمن أراده، وبيع ما عنده، وإتيانه لهذه الديار الإسلامية، وذلك في مدة ثلاثة أعوام، ومَن أراد أن يقيم على دينه وماله فليفعل، بعد شروط اشترطوها، وإلزامات كتبها عدو الدين على أهل الإسلام. فلما تحرك لذلك أجدادنا، وعزموا على ترك ديارهم وأموالهم، ومفارقة أوطانهم للخروج من بينهم، وجاز إلى هذه الديار التونسية، والحضرة الخضراء بغتة مَن جاز إليها حينئذٍ، ودخلوا في زقاق الأندلس المعروف الآن بهذا الاسم، وذلك سنة اثنتين وتسعمائة، وكذا للجزائر وتطوان وفاس ومراكش وغيرها، ورأى العدو العزم فيهم، لذلك نقض العهد، فردّهم رغم أنوفهم من سواحل البحر إلى ديارهم، ومنعهم قهراً عن الخروج واللحوق بإخوانهم وقرابتهم بديار الإسلام، وقد كان العدو يظهر شيئاً ويفعل بهم شيئاً آخر، مع أن المسلمين أجددنا
стр. 852
استنجدوا مراراً ملوك الإسلام، كملك فاس ومصر حينئذٍ، فلم يقع من أحدهما إلاّ بعض مراسلات، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
ثم بقي العدو يحتال عليهم بالكفر غصباً، فابتدأ يزيل لهم اللباس الإسلامي، والجماعات، والحمامات، والمعاملات الإسلامية شيئاً فشيئاً، مع شدّة امتناعهم والقيام عليهم مراراً، وقتالهم إياه، إلى أن قضى الله سبحانه ما قد سبق من علمه، فبقينا بين أظهرهم، وعدو الدين يحرق بالناس من لاحت عليه إمارة الإسلام، ويعذّبه بأنوع العذاب، فكم أحرقوا؟ وكم عذّبوا؟ وكم نفوا من بلادهم، وضيعوا من مسلم؟ حتى جاء النصر والفرج من عند الله سبحانه، وحرّك القلوب للهروب، وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة وألف، فخرج منا بعض للمغرب، وبعض للمشرق خفية، متطهراً من دين الكفار أبعدهم الله، فخرج بعض أحبابنا وإخواننا وهو الفقيه الأجل محمد أبو العباس أحمد الحنني، المعروف بعبد العزيز القرشي، ومعه أحد أخوانه، إلى مدينة بلغراد من عمالة القسطنطينية، فالتقيا بالوزير مراد باشا وزير السلطان المعظم المرحوم السلطان أحمد بن السلطان محمد آل عثمان نصرهم الله تعالى وأيدهم، فأخبراه بما حل بإخواننا بالأندلس من الشدة بفرنسا وغيرها، فكتب أمراً لصاحب فرنسا دمرها الله، بإعلام السلطان يأمره بأن يُخرج مَن كان عنده من المسلمين بالأندلس، ويوجههم إليه في سفن من عنده، مع ما يحتاجون إليه. فلما قرئ الأمر السلطاني في ديوان الفرنسيس، فسمعه مَن كان مرسلاً من قبل صاحب الجزيرة الخضراء، وهو اللعين فيليب الثالث، فأرسل لسيده يخبره بالواقع، وأن السلطان أحمد آل عثمان، أرسل أمره إلى فرنسا، وأمر صاحبها أن يخرج مَن كان عنده من الأندلس، فقبل كلامه، وأمر بإخراج المسلمين، وأذن لمن جاء من الأندلس بأن لا بأس عليهم، وأن يركبوا عنده في سواحله مراكبه، ويبلغهم إلى حيث شاءوا من بلاد المسلمين. فلما أحسّ بهذا الأمر عدوّ الله فيليب صاحب إسبانية، دخله الرعب والخوف الشديد، وأمر حينئذٍ مجمع أكابر القسيسين والرهبان والبطارقة، وطلب منهم
стр. 853
الرأي، وما يكون العمل عليه في شأن المسلمين الذين هم ببلاده كافة، فبدأ الشأن في أهل بلنسية، فأخذ الرأي، فأجمعوا كلهم على إخراج المسلمين كافة من مملكته، وأعطاهم السفن، وكتب أوامر وشروطاً في شأنهم، وفي كيفية إخراجهم، وشدّد على عماله بالوصية، والاستحفاظ على كافة المسلمين من الأندلس. نعم أريد أن أذكر لك نبذة يسيرة اختصرتها وترجمتها من جملة أسباب ذكرها الملك الكافر أبعده الله، في أوامره التي كتبها في شأن إخواننا الأندلسيين حين إخراجهم من الجزيرة الخضراء، لتكون على بصيرة من أمرهم، وتعلم بعض الأسباب التي أخرجوا لأجلها على التحقيق، لا كما يزعم بعض الحاسدين.
قال الملك الكافر، أبعده الله وزلزله آمين: لما كانت السياسة السلطانية الحسنة الجيدة موجبة لإخراج مَن يكدّر المعاش على كافة الرعيّة النصرانية، في مملكتها التي تعيش عيشاً رغداً صالحاً، والتجربة أظهرت لنا عياناً، أن الأندلسيين الذين هم متولدون من الذين كدّروا مملكتنا فيما مضى، بقيامهم علينا، وقتلهم أكابر مملكتنا، والقسيسين والرهبان الذين كانوا بين أظهرهم، وقطعهم لحومهم، وتمزيقهم أعضاءهم، وتعذيبهم إياهم بأنواع العذاب، الذي لم يسمع فيما تقدم مثله، مع عدم توبتهم فيما فعلوه، وعدم رجوعهم رجوعاً صالحاً من قلوبهم لدين النصرانية، وأنه لم تنفع فيهم وصايانا، ورأينا عياناً أن كثيراً منهم قد أُحرقوا بالنار، لاستمرارهم على دين المسلمين، وظهر منهم العناد بعيشهم فيه خفية، واستنجادهم كذلك عون السلطان العثماني لينصرهم علينا، وظهر لي أن بينهم وبينه مراسلات إسلامية، ومعاملات دينية، وقد تيقنت ذلك من إخبارات صادقة وصلت إليّ، ومع هذا أن أحداً منهم لم يأت إلينا ليخبرنا بما هم يدبرونه هذه المدة بينهم، وفيما سبق من السنين، بل كتموه بينهم؛ علمت بذلك أن كلهم قد اتفقوا على رأي واحد، ودين واحد، ونيتهم واحدة، وظهر لي أيضاً ولأرباب العقول والمتدينين من القسيسين والرهبان والبطارقة الذين جمعتهم لهذا الأمر واستشرت، مع أن من
стр. 854
إبقائهم بيننا ينشأ عنه فساد كبير، وهول شديد بسلطتنا، وأن بإخراجهم من بيننا يصلح الفساد الناشئ من إبقائهم بمملكتي، أردت إخراجهم من سلطتنا جملة، ليزول بذلك الكدر الواقع، والمتوقع للنصارى، الذين هم رعيتنا، طائعين لأوامرنا وديننا، ورميهم إلى بلاد المسلمين أمثالهم، لكونهم مسلمين.
"فانظر رحمك الله، كيف شهد عدو الدين، الملك الكافر، بأنهم مسلمون، واعترف أنه لم يقدر على إزالة دينهم من قلوبهم، وإنهم متمسكون كلهم به، مع أنه كان يحرق منهم من ظهر عليه الدين، ثم وصفهم بالعناد لرؤيته فيهم لوائح المسلمين وأماراتهم، فأي علامة أكبر من صبرهم على النار لدين الحق، ومن استنجادهم بملك دين الإسلام المؤيّد لحماية الدين، أمير المسلمين السلطان أحمد آل عثمان نصرهم الله تعالى، فهذا غاية الخير والعزّ والبركة لهذه الطائفة الطاهرة الأندلسية".
"فخرجوا كلهم سنة تسعة عشر (كذا) وألف. ووجد في دفاتر السلطان الكافر، أبعده الله تعالى، أن جملة مَن أُخرِج من أهل الأندلس كافة، نيف وستمائة ألف نسمة، كبيراً وصغيراً، فكانت هذه الواقعة منقبة عظيمة، وفضيلة عجيبة لجماعتنا الأندلسيين زادهم الله شرفاً بمنّه، وأمر أيضاً بإخراج مَن كان مسجوناً في كافة مملكته، وكل مَن كان أمر بإحراقه فأخرجه وعفا عنه، وزوّده وأرسله إلى بلاد الإسلام سالماً، فيالها من أعجوبة ما أعظمها، ومن فضيله ما أشرفها، ومن كرامة ما أجملها، ومن نعمة ما أكبرها، فما سُمِعَ من أول الدنيا إلى آخرها مثل هذه الواقعة" (١).
стр. 855
وقد صدر قرار النفي - كما قدمنا - في (٢٢ أيلول - سبتمبر سنة ١٦٠٩ م) وهو يوافق جمادى الثانية سنة (١٠١٨ هـ)، ولكن الرواية الإسلامية تضع تاريخ القرار أحياناً سنة (١٠١٦ هـ أو ١٠١٧ هـ)، وهو تحريف واضح.
قال المقري - وهو مؤرخ الأندلس، وقد كان معاصراً للمأساة -: "إلى أن كان إخراج النصارى إياهم (أي العرب المتنصرين) بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشر وألف، فخرجت ألوف بفاس، وألوف أُخَر بتلمسان من وهران، وجمهورهم خرج بتونس، فتسلط عليهم الأعراب ومَن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد تلمسان وفاس. ونجا القليل من هذه المضرّة. وأما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم، وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها، وكذلك بتطوان وسلا وفيجة الجزائر. ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى جيشاً جراراً وسكنوا سلا، كان منهم من الجهاد في البحر، ما هو مشهور الآن. وحصنوا قلعة سلا، وبنوا بها القصور والحمامات والدور، وهم الآن بهذه الحال. ووصل جماعة إلى القسطنطينية العظمى، وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام، وهم لهذا العهد على ما وصفت" (١).
وقال ابن دينار التونسي - وقد كتب بعد المأساة بنحو سبعين عاماً في أخبار سنة (١٠١٧ هـ) -: "وفي هذه السنة والتي تلتها، جاءت الأندلس من بلاد النصارى، نفاهم صاحب إسبانيا، وكانوا خلقاً كثيراً، فأوسع لهم عثمان باي في البلاد، وفرّق ضعفاءهم على الناس، وأذن لهم أن يعمروا حيث شاءوا، فاشتروا الهناشير، وبنوا فيها، واتسعوا في البلاد، فعمرت بهم، واستوطنوا في عدة أماكن، وعمروا نحو عشرين بلداً، وصارت لهم مدن عظيمة، وغرسوا الكروم والزيتون والبساتين، ومهّدوا الطرقات، وصاروا يعتبرون من أهل .....................................................................
стр. 856
البلاد" (١).
وقال صاحب الخلاصة النقية - وهو من الكتاب المتأخرين -: "وفي سنة ست عشرة وألف، قدمت الأمم الجالية من جزيرة الأندلس، فأوسع لهم صاحب تونس عثمان باي كنفه، وأباح لهم بناء القرى في مملكته، فبنوا نحو العشرين قرية، واغتبط بهم أهل الحضرة، وتعلموا حُرفهم، وقلّدوا ترفهم" (٢).
وهذه النصوص الموجزة، هي كل ما تقدم إلينا الرواية الإسلامية عن نفي العرب المتنصرين، وقد لبثت رواية المقري عن المأساة، مصدراً لكل ما كتبه الكتاب المتأخرون (٣). وربما كان هذا النقص راجعاً إلى أنه لم يعن أحد من كتاب المغرب المعاصرين، باستيفاء التفاصيل الضافية المؤثرة عن المأساة، أو لعله قد ضاع ما كتبه المعاصرون عنها فيما ضاع، مما كتب عن المراحل الأخيرة لتاريخ الأندلس والعرب المتنصرين، ولم تصلنا على يد المقري سوى لمحات يسيرة.
وهكذا بذلت إسبانيا النصرانية كل ما وسعت لإخراج البقية الباقية من فلول الأمة الأندلسية، ولم تدخر وسيلة بشرية للقضاء على آثار الموريسكيين إلاّ اتخذتها، ومع ذلك فإن آثار الموريسكيين لم تنقطع بعد النفي بصورة نهائية. فقد رأينا أن كثيراً من المنفيين قد عادوا إلى إسبانيا، فراراً مما لَقَوْا في رحيلهم من ضروب الاعتداء المفزع، وأسلموا أنفسهم رقيقاً يقتنى. كذلك كانت ثمة جماعات في الأسرى المسلمين، من مغاربة وغيرهم، ممن يؤخذون في المعارك البحرية مع المغيرين يباعون رقيقاً في إسبانيا، ويفرض عليهم التنصير. ومع أنه صدر قرار يحظر وجودهم في العاصمة الإسبانية، فإنه كان من الصعب إخراجهم من المملكة. نظراً لما ترتب لأصحابهم عليهم من
стр. 857
الحقوق. وكان بعضهم يفلح في ابتياع حريته، ويعيد حياة الموريسكيين سراً، وأخيراً توجّست الحكومة الإسبانية من وجودهم، فصدر في سنة (١٧١٢ م) قرار بنفيهم، خلال المدد التي يحدّدها القضاة المحليون وسمح لهم بأن يأخذوا معهم أسرهم وأموالهم إلى إفريقية.
وقد كان من المستحيل بعد ذلك كلّه، أن يبقى في البلاد أحد الموريسكيين أو سلالتهم، وقد كانت ذكراهم أو أشباحهم، تثير حولها أيّما توجّس وتعصب. وكان من المتعذّر أن يفلت أحد منهم من بطش ديوان التحقيق. وكان الديوان المقدّس أبداً على أهبته لضبط أية قضية ضد موريسكي مختف أو عبد متنصر، ولكن هذه القضايا كانت نادرة، مما يدل على انقراض هذا العنصر بمضي الزمن. بيد أن أسرى المعارك الحربية بحراً الذين كانوا يُكرهون على التنصير، كان بعضهم ينبذ النصرانية خفية، وكان معظم هؤلاء من الموريسكيين الذين عادوا إلى الإسلام، وخرجوا إلى الجهاد في البحر، وكان ديوان التحقيق طوال القرن السابع عشر الميلادي، يجد بينهم فرائس من آن لآخر. وعلى الجملة فإن آثار الموريسكيين والإسلام لم تختف نهائياً من إسبانيا، وقد لبث كثير من الأسرى والأفراد الموريسكيين الذين اندمجوا في المجتمع الإسباني، على صلاتهم الخفية بالماضي البعيد، وقد ضبطت خلال القرن الثامن عشر أمام محاكم التحقيق بعض القضايا الخاصة بالموريسكيين، كانوا يجرون شعائر الإسلام خفية، وضبط في سنة (١٧٦٩ م) مسجد صغير في قرطاجنة، أنشأه المتنصرون المحدثون، مما يدل على أنه كانت ما تزال ثمة آثار ضئيلة للموريسكيين والإسلام.
ولا تقدم لنا محفوظات ديوان التحقيق منذ أواخر القرن الثامن عشر، أي ذكر للموريسكيين، أو الإسلام والمسلمين، مما يدلّ على أن الآثار الأخيرة لمأساة الموريسكيين قد غاضت، وأسبل عليها الزمن عفاءه إلى الأبد (١).
стр. 858
على أن ما يقال أخيراً أنه ما زالت ثمة إلى اليوم، في بلنسية وفي غرناطة ومقاطعة لامنشا، جماعات من الإسبان، تغلب عليهم تقاليد الموريسكيين في اللباس والعادات، ويجهلون الطقوس النصرانية الخالصة (١).
والحقيقة أنه يصعب على الباحث، أن يعتقد أن إسبانيا النصرانية، قد استطاعت حقاً بكل ما لجأت إليه، من الوسائل المغرقة في الظلم، أن تقضي نهائياً على آثار السلالة العربية والحضارة الإسلامية، بعد أن لبثت ثمانية قرون تغمر النصف الجنوبي لشبه الجزيرة، فإن تاريخ الحضارة يدلّنا على أنه من المستحيل أن تجتثّ آثار السلالات البشرية، خصوصاً إذا لبثت آماداً مختلفة متداخلة، على أن حضارة أمة من الأمم إنما هي خلاصة لتفاعل الأجيال المتعاقبة. وفي وسع مؤرخ الحضارة أن يلمس في تكوين المجتمع الإسباني الحاضر، ولاسيما في الجنوب، في ولايات الأندلس القديمة، وفي خصائصه وتقاليده، وفي حياته الإجتماعية، وفي حضارته على العموم، كثيراً من الخلال والظواهر، التي ترجع في روحها إلى تراث العرب والحضارة الإسلامية (٢).
تأمّلات في آثار المأساة الأندلسية
أ - تلك هي قصة الموريسكيين أو العرب المتنصرين: قصة مؤسية تفيض بألوان الاستشهاد المحزن والصبر الجميل، ولكن تفيض في نفس الوقت بصحف من الإباء والبسالة والجلد، تخلق بأعظم وأنبل الشعوب. وقد لبثت السياسة البربرية التي اتبعتها إسبانيا النصرانية، واتبعها ديوان التحقيق الإسباني، إزاء العرب المتنصرين على كرّ العصور، مثار الإنكار والسخط،
стр. 859
يدمغها المفكرون الغربيون والإسبان منهم أنفسهم، حتى يومنا هذا، بأقسى النعوت والأحكام.
ويرى النقد الحديث، أن العمل على إبادة الموريسكيين، كان ضربة شديدة لعظمة إسبانيا ورخائها، ولم تنهض إسبانيا قط من عواقب هذه السياسة الغاشمة، بل انحدرت منذ نُفيَ الموريسكيين من أوج عظمتها التي سطعت في عصر شاركان وفيليب الثاني، إلى غمرة التدهور والانحلال، التي ما زالت تلازمها حتى هذه الأيام.
بل ترجع عوامل هذا الانحلال، إلى ما قبل مأساة الموريسكيين ببعيد، أو بعبارة أخرى إلى السياسة التي اتبعتها إسبانيا النصرانية، نحو الأمة الأندلسية، منذ بداية عصر الغلبة والتوسع والاستيلاء، في القرن الثالث عشر. فقد كانت القواعد والولايات الإسلامية الزاهرة، تسقط تباعاً في يد إسبانيا النصرانية، ولكنها كانت تفقد في نفس الوقت أهميتها العمرانية والاقتصادية، إذ كانت العناصر الإسلامية الذكية النشطة من السكان، تغادرها إلى القواعد الإسلامية الباقية، فراراً من عسف النصارى، وتغادرها حاملة أموالها وفنونها وصنائعها، تاركة وراءها الخراب والفقر والضيق الاقتصادي. واستمر سيل هذه الهجرة المخرِّبة زهاء قرنين حتى سقطت غرناطة، واحتشدت البقية الباقية من الأمة الأندلسية في المنطقة الجنوبية، وفي بعض القواعد الأندلسية القديمة، مثل بلنسية ومرسية، وهاجرت قبل سقوط غرناطة وبعده جموع غفيرة من المسلمين إلى إفريقية، واستحالت الأمة الأندلسية غير بعيد، إلى شعب مهيض ممزّق، هو شعب الموريسكيين أو العرب المتنصرين، ومع ذلك فقد لبثت هذه الأقلية الأندلسية المضطهدة، عاملاً خطيراً في اقتصاد إسبانيا القومي، وفي ازدهار زراعتها وتجارتها وفنونها وصناعتها، وكان الموريسكيون يحملون كثيراً من تراث الأمة المغلوبة، وإلى نشاطهم ودأبهم يرجع ازدهار الضياع الكبيرة التي يملكها السادة الإقطاعيّون. فلما اشتد بهم الإضطهاد والعسف، وأخذت يد الإبادة تعمل لتمزيق طوائفهم، وسحق
стр. 860
نشاطهم، وقتل مواهبهم. ولما اتخذت إسبانيا النصرانية أخيراً خطوتها الحاسمة بإخراجهم، كانت الضربة القاضية لرخاء إسبانيا ومواردها، فانحط الإنتاج الزراعي الذي برع الموريسكيون فيه، وخربت الضياع الكبيرة بفقد الأيادي الماهرة، وكسدت التجارة التي كان الموريسكيون من أنشط عناصرها، وركدت ريح الصناعة، وعفت كثير من الصناعات التالدة التي كانوا أساتذتها، وغاضت الفنون الرفيعة التي استأثروا بها منذ أيام الدولة الإسلامية. وأحدثت هذه العوامل بمضي الزمن نتائجها المخرِّبة، فتناقص عدد السكان، وانكمشت المدن الكبيرة، وذوي العمران، وتضاءلت موارد الخزينة العامة، وشلّت يد الإصلاح والتقدّم، ولم يمض على إخراج الموريسكيين زهاء قرن، حتى أصبح تعداد سكان المملكة الإسبانية كلها ستة ملايين نسمة، وكان سكان قشتالة وحدها أيام سقوط غرناطة سبعة ملايين نسمة، وفقدت معظم المدن الكبرى - مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة - أربعة أخماس سكانها، وعمّ الفقر والخراب مئات المناطق والمدن، وخيّم على إسبانيا كلها جوّ من الفاقة والركود والانحلال.
وقد ظهرت هذه الآثار المخرِّبة، بالأخص في محيط الزراعة والصناعة، وكان تدهور إيراد الضياع الكبيرة، وإيراد الكنائس والأديار، دليلاً على ما أصاب قوة إسبانيا المنتجة: الزراعية والصناعية، بسبب نفي طائفة كبيرة من أنشط طوائف السكان وأغزرهم إنتاجاً. وكان من الحقائق المعروفة أن السكان الإسبان كانوا يبغضون الأعمال الزراعية والفنية، ويعتبرونها أمراً شائناً، وأن الإسباني لا يربي أولاده لمزاولة العمل الشريف، وأن أولئك الذين لا يجدون لهم عملاً في الجيش أو الحكومة، يلحقون بالكنيسة. ويبدي المؤرخ الإسباني الكبير نافاريتي أسفه لوجود أربعة آلاف مدرسة في عصره (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر) يتعلم فيها أبناء الفلاحين، بينما تهجر الحقول، ولأن أولئك الذين لا يجدون منهم عملاً في الكنيسة لنقص تعليمهم، يحترفون التسول أو التشرد أو السرقة. وقد كتب
стр. 861
سفراء البندقية منذ القرن السادس عشر إلى حكومتهم ينوّهون بهذه الحقائق، ويصفون الإسبان بأنهم زرّاع وعمال كُسالى، يحتقرون العمل اليدوي، حتى أن ما يمكن عمله في البلاد الأخرى في شهر، يعمله الإسبان في أربعة أشهر (١).
ويردّد الوزير محمد بن عبد الوهاب الغسّاني سفير سلطان المغرب مولاي إسماعيل إلى إسبانيا، وقد زارها في سنة (١٦٩١ م)، أعني بعد النفي بثمانين عاماً، عن الإسبان مثل هذا الرأي، إذ يقول في رحلته: "وبحصول هذه البلاد (الهندية) - يقصد أمريكا - ومنفعتها وكثرة الأموال التي تجلب منها، صار هذا الجنس الاسبنيولي اليوم أكثر النصارى مالاً، وأقواهم مدخولاً، إلاّ أن الترف والحضارة غلبت عليهم، فقلّما تجد أحداً من هذا الجنس يتاجر أو يسافر للبلدان بقصد التجارة كعادة غيرهم من أجناس النصارى مثل الفلامنك والإنكليز والفرنسيين والجنويين وأمثالهم، كذلك الحرفة التي يتداولها السقطة والرعاع وأراذل القوم، يتأبى عنها هذا الجنس، ويرى لنفسه فضيلة على غيره من الأجناس المسيحيين" (٢).
وقد كان النبلاء والأحبار، وأصحاب الضياع الكبيرة بوجه عام، يعتمدون في تعهد أراضيهم وفلاحتها، على نشاط الموريسكيين وبراعتهم، فلما وقع النفي جمد النشاط الزراعي، وخلت معظم الضياع من الزراع، وأقفر كثير من القرى، وهدمت ضياع كثيرة لخلوها من السكان ولا سيما عن منطقة بلنسية، واضطر النبلاء إلى استقدام العمال الزراعيين من الجزائر الشرقية (البليار) وأنحاء البرنية وقطلونية، ومع ذلك فقد حدث نقص ملحوظ في غلاّت الضياع الكبيرة، ولم ينتفع النبلاء بما أصابوه من الاستيلاء على الأراضي التي نزعت، وتعذر عليهم تعميرها وفلاحتها، وحاق بهم الضيق، حتى اضطر
стр. 862
العرش إلى منح كثير منهم نفقات سنوية من خاصة أمواله، هذا فضلاً عما أصاب طوائف السكان الأخرى، التي كانت تتصل بالموريسكيين في المعاملات والتبادل من العسر والضيق.
وكما انحط دخل الكنائس والأديار، فكذلك خسر ديوان التحقيق شطراً كبيراً من دخله، مما كان يصيبه من مصادرة أموال الموريسكيين والحكم عليهم بالغرامات الفادحة، واضطرت الحكومة أن تعول كثيراً من محاكم التحقيق التي أوشكت على الإفلاس، من جراء اختفاء الجماعة التي كانت تزدهر بمطاردتها واستصفاء أموالها. وقد بيعت أموال الموريسكيين وأراضيهم بمبالغ كبيرة، ولكن العرش استولى عليها، ووزّع معظمها على أصفيائه من الوزراء والنبلاء والأحبار، ولم ينل ديوان التحقيق سوى الجزء اليسير منها.
ويقدمون مثلاً لما أصاب إسبانيا من الخراب نتيجة (للنفي) هو مثل مدينة: ثيوداد ريال "المدينة الملكية" (١) عاصمة لامنشا، فقد أسس هذه المدينة الفونسو العالم في القرن الثالث عشر، ومنح سكانها شروطاً حرّة مغرية، شجعت كثيراً من يهود ومسلمين على النزوح إليها. وفي سنة ١٢٩٠ م، كان دافعوا الضرائب فيها من يهود (٨٨٢٨)، فلما أخرج يهود منها في سنة (١٤٩٢ م)، حلّ محلّهم الموريسكيون في غرناطة، ولما أُخرج منها هؤلاء مع المدجنين القدماء، خربت المدينة وعفا رخاؤها، وانحطت زراعتها، وخربت صناعة النسيج التي أنشأها الموريسكيون فيها، وهبط عدد سكانها في سنة (١٦٢١ م) إلى (٥٠٦٠) نسمة وإلى نحو ألف أسرة فقط، في حين أنها كانت تضم من السكان قبل (النفي) اثنتي عشرة ألف أسرة (٢).
وكان مما ترتب على نفي الموريسكيين أيضاً، ذيوع العملة الفضية الزائفة، وقد تركوا منها وراءهم مقادير عظيمة، وكانت لهم بصنعها براعة خاصة.
стр. 863
وأحدث ذيوع النقد الزائف اضطراباً شديداً في المعاملات، وحاولت الحكومة جمعه والعقوبة عليه وعلى ترويجه بعقوبات رادعة بلغت حدّ الإعدام، ولكنها لم تفلح في استئصال الشرّ، واستمرت هذه الحركة أعواماً طويلة، وعمد الإسبان بدورهم إلى التزييف، وعوقب كثير منهم أمام محاكم التحقيق والمحاكم المدنية، وعانى التجار والمتعاملون كثيراً من الضرر والإرهاق.
ولم تمض أعوام قليلة على نفي الموريسكيين، حتى ظهرت هذه الآثار المخرِّبة كلها في حياة المجتمع الإسباني بصورة مزعجة، وهال العرش والحكومة ما أصاب الأمة من ضروب البؤس والخراب، وطلب رئيس الحكومة الدوق دى ليرما في سنة (١٦١٨ م) إلى مجلس الدولة أن ينظر في هذا الأمر، ويعمل على تحقيقه ومعالجته، وقدم مجلس الدولة تقريره بعد عام، وأشير فيه إلى خراب المدن والقرى، ولكن لم يشر إلى نفي الموريسكيين، وإلى تكاثر عدد رجال الدين وتزييف العملة وبغض الشعب للعمل الشريف، بل حاول أن يرجع الشر إلى فداحة الضرائب، وإلى الترف الذي تعيش فيه الطبقات المختارة، وإسراف الملك في الإغداق على أصفيائه؛ وكذلك اهتم مجلس النواب (الكورتيس) بالأمر، وقدم عنه تقريراً إلى الملك، ومع أن التقارير الحكومية التي وضعت عن هذه المحنة، لم تشر إلى نفي الموريسكيين كعامل أساس فيما أصاب إسبانيا من الخراب والفقر، فقد كان في القرارات الملكية ما ينطق بهذه الحقيقة. ففي سنة (١٦٢٢ م) أصدر الملك فيليب الرابع، قراراً بخفض الضرائب على بلنسية، أشار فيه إلى هجرة السكان، وإلى ما خسرته المدينة من ضروب الدخل، التي كانت تجبى على ما يستهلكه الموريسكيون، وما خسره التجار من انقطاع التعامل معهم.
على أن جهود العرش والحكومة، لم تُجْدِ شيئاً في تخفيف هذه الضائقة، التي طافت بالمجتمع الإسباني، وشملت سائر الطبقات سواء في الإنتاج أو
стр. 864
الاستهلاك، ومضى وقت طويل قبل أن تستقر الأحوال نوعاً ما، وتفيق الزراعة والصناعة والتجارة من الضربة التي أصابتها.
يقول الدكتور لي: "إنه لا يمكن لفريق من السكان، كان يعتمد عليه مدى القرون، في القيام بقسط عظيم من الإنتاج والتنظيمات المالية في البلاد، أن يُمزَّق فجأة ويُنبَذ، دون أن يبثّ ذلك الخراب الواسع، ويثير معتركاً من المشاكل يمتد أثرها إلى أجيال مرهقة". ثم ينعي على السياسة الإسبانية تخبطها وقصر نظرها فيقول: "وإنه لمن خواص السياسة الإسبانية في ذلك العصر، أنه لم يفكر أحد في هذه الشئون ولم يحتط أحد في المباحثات الطويلة التي جرت في قضية الموريسكيين. وقد حدثت ثمة مناقشات لا نهاية لها حول مختلف المشاريع ومزاياها، والوسائل التي ينفذ بها النفي، وماذا يسمح به للمنفيين، وماذا يكون مصير الأطفال. ولكن النتائج المحتملة تركت للمصادفة، واحتقرت التفاصيل العملية، واحتقر رخاء الفرد، وهو ما يوضح إخفاق السياسة الإسبانية" (١).
وجواباً على هذا التساؤل، فإن الذي حجب التفكير السليم عن الذين بيدهم الأمر في إسبانيا يومئذ؛ وهم رجال الدين والنبلاء المقربون للملك، الذين كانوا هم صانعي القرار، هو أمران: التعصب الأعمى المتسم بالجهل المطبق والمتمثل في كره الإسلام والمسلمين، ومحاولة القضاء عليهم قضاءاً مبرماً. والثاني هو حرص أولئك الزمرة على أموال الموريسكيين المنقولة وغير المنقولة، ورغبتهم الجامحة في اغتصابها لأنفسهم في غطاء من القرارات الملكية، دفاعاً عن حاضر إسبانيا ومستقبلها ظاهرياً، واقتناصاً للمكاسب المادية لأنفسهم واقعياً، حتى ولو أدى جشعهم إلى الإضرار ببلدهم عامة، ورخاء الفرد الإسباني خاصة. ولم يكن نشاط الموريسكيين مجهولاً على النطاقين الحكومي والشعبي في إسبانيا، فنشاطهم واضح
стр. 865
معروف لا يخفى على أحد، وقد مرّ بنا أن قسماً من النبلاء فاتحوا الملك في محاذير نفي الموريسكيين على الزراعة في إسبانيا، فلم يفلحوا في توسطهم، ويبدو أن هؤلاء النبلاء كانوا من الإقطاعيين الذين يستفيدون من مهارة الموريسكيين الفذة في الزراعة، وتوقعوا أن مزارعهم سيتسرب إليها الخراب بعد نفي الموريسكيين، وهذا ما حدث فعلاً، وعلى نفسها جنت براقش التي أعماها التعصب والجشع، فقد كان صانعوا القرار الإسباني يومئذ متعصبين أولاً ومنتفعين ثانياً، فخرّب تعصبهم بلادهم، وانتفعوا بعددهم المحدود، وأضروا الشعب بأسره، وعلى رأسهم صفوته الموريسكيون بلا مراء.
تلك هي النتائج المادية الواضحة، الاقتصادية والاجتماعية، التي جنتها إسبانيا النصرانية من جراء سياستها المبيتة لإبادة الأمة الأندلسية. فقد لبثت إسبانيا زهاء قرن تعمل بأقسى وسائل الإرهاق والمطاردة، على استصفاء ما بقي من فلول الأمة الأندلسية في الأرض التي بسطت عليها ظلها زهاء ثمانية قرون، ظلال الرخاء والأمن، وضوء العلم والعرفان، ولم تطق حتى بعد أن استحالت هذه الفلول إلى شراذم معذَّبة مهيضة، وأكرهت على نبذ دينها ولغتها وتقاليدها، أن تبقي عليها، وعلى ما تبقى لها من مواهب وقوى منتجة، ورأت في سبيل أسطورة من التعصب والجهالة، أن تقضي عليها بالتشرد والنفي النهائي، وأن تخرج من بين سكانها زهاء نصف مليون من أفضل العناصر العاملة. وكان من سوء طالع إسبانيا أن جاء نفي الموريسكيين في وقت أخذت فيه عظمة إسبانيا ورخاؤها ينحدران سراعاً إلى الحضيض، وجنح المجتمع الإسباني إلى حياة الدّعة والخمول، وأخذ سكانها في التدهور، فجاء نفي الموريسكيين ضربة جديدة لحيوية إسبانيا، التي أخذت في التفكك والذبول، وتركت وراءها جرحاً عميقاً لم يقو الزمن على محو آثاره بصورة حاسمة. ومن ثم فإنه من الواضح أن يعلق النقد الحديث أهمية بالغة على نفي الموريسكيين، ويعتبره عاملاً بعيد المدى فيما أصاب إسبانيا الحديثة، من ضروب التفكك والانحلال.
стр. 866
ب - على أن التفكير الإسباني يختلف في هذا الرأي وتقدير مداه، ويهاجمه وينكره - بالأخص رجال الدين - وقد كانوا منذ البداية روح هذه السياسة المخرِّبة، وأكبر العاملين على تنفيذها. وقد استقبل رجال الدين نفي الموريسكيين بأعظم مظاهر الغبطة والرضى، واعتبروه ذروة النصر الديني؛ ويقول أحدهم وهو القس بليدا - وهو مؤرخ من مؤرخي القرن الماضي، في كتابه الذي نشره دفاعاً عن هذه الإجراءات -: "بأن عصر إسبانيا الذهبي، بدأ بذهاب الموريسكيين، وأن إسبانيا قد حققت به وحدتها الدينية، وأنقذت من مشاغلها الداخلية، وأن النفي كان أعظم حادث بعد بعث المسيح، واعتناق إسبانيا للنصرانية" (١). ويقول حبر آخر: "لقد زعم الموريسكيون أن رخاء إسبائيا قد ذهب مذ أكرهوا على التنصير، ولكن الرخاء قد عمّ بنفيهم، وازدهرت التجارة، وساد الأمن في الداخل والخارج" (٢). ويقول الحبر فثنتي دى لا فونتي ( VICENTE DE LA FUENTE) في تاريخه الديني: إنه من السخرية أن يقال: إن نفي الموريسكيين كان سبباً في انحطاط إسبانيا، فإن أمة قد تفقد مائة وخمسين ألفاً في وباء أو حرب أهلية. ثم يتسائل في تهكم: لماذا ينحى على فيليب الثالث بمثل هذا اللوم؟! على أنه يعترف مع ذلك بأن النفي كان سبباً في تدهور دخل الأشراف والكنائس (٣). ويروي آخرون من الأحبار، أن إسبانيا قد دفعت بالنفي ثمناً باهظاً، ولكن تحملهم نزعة فلسفية فيقولون: إن وفرة الرخاء، تذهب بالفضائل، وإنه لا بأس من التقشف مع الإيمان، وأن الفقراء استطاعوا بعد إجلاء الموريسكيين أن يجدوا أعمالاً (٤).
ولكن حبراً ومؤرخاً إسبانياً كبيراً، هو دون لورنتي مؤرخ ديوان التحقيق، يحدثنا عن وسائل الديوان، ونفي الموريسكيين في قوله: "كانت هذه
стр. 867
الوسائل بقسوتها الشائنة، تذكي روع الموريسكيين من تلك المحكمة الدموية، وكانوا بدلاً من التعلّق بالنصرانية - وهو ما كانت تؤدي إليه معاملتهم بشيء من الإنسانية - يزدادون مقتاً لدين لم تحملهم إلى اعتناقه سوى القوة. وكان هذا سبب الاضطرابات التي أدت فى سنة (١٦٠٩ م) إلى نفي هذا الشعب، وعدده يبلغ المليون يومئذٍ، وهي خسارة فادحة لإسبانيا تضاف إلى خسائرها الفادحة، ففي مائة وتسع وثلاثين سنة، انتزع ديوان التحقيق من إسبانيا ثلاثة ملايين، ما بين يهود، ومسلمين، وموريسكيين" (١).
ويقول الكاردينال ديشليو الفرنسي، وهو من أعظم أحبار الكنيسة في مذكراته، وكان معاصراً للمأساة: "إنها أشدّ ما سجلت صحف الإنسانية جرأة ووحشية".
هذا عن الأحبار، أما عن آراء البحث الإسباني الحديث، فإنها تختلف في تقدير آثار نفي الموريسكيين اختلافاً بيناً، بيد أنها تميل على الأغلب إلى الاعتراف بفداحة الآثار المخرّبة التي أصابت إسبانيا من جرائه، وإلى اعتباره عاملاً قوياً في تدهور إسبانيا وانحلالها، بيد أنها مع ذلك تحاول الاعتذار عن النفي، ويرى بعضهم أنه كان إجراء طبيعياً، وضرورة لا محيص عنها، وينكر بعضهم الآخر أنه كان كارثة أو أنه ترتبت عليه آثار مخربة، ونورد هنا طائفة من آراء عدد في المؤرخين والمفكرين الإسبان المحدثين، بدقة وإفاضة تسمحان بفهم الروح الإسبانية إزاء هذا الحدث التاريخي الخطير، وتقديرها على حقيقتها.
يقول دانفيلا إى كوليادو: "وهكذا تحقق نفي الموريسكيين الإسبان، بغض النظر عن كونهم شباباً أو شيوخاً، صالحين أو عقماء، مذنبين أو أبرياء. وكانت مسألة الوحدة السياسية تحمل في ثنيتها ضرورة الوحدة الدينية، وضع خطتها الملكان الكاثوليكيان، وحاول تحقيقها الإمبراطور
стр. 868
شارل الخامس (شارلكان) وفيليب الثاني، ولكنهما ارتدا خشية من عواقبها. أما فيليب الثالث، فكان يزاول سلطانه على يد أصفيائه، ولذا ألفى سلطة العرش الدينية والسياسية، أيسر وأهون، وكانت الحرب الدينية تضطرم ضد الجنس الأندلسي، وقد ألفت عواطف الروح الرقيقة نفسها، وجهاً لوجه أمام المسألة السياسية. ودخلت الإنسانية والدين في صراع، وخرج الدين ظافراً، وفقدت إسبانيا أنشط أبنائها، وانتزع الأبناء من جحور أمهاتهم وحنان آبائهم، ولم يلق الموريسكي أية رأفة أو رحمة. ولكن الوحدة الدينية بدت ساطعة رائعة في سماء إسبانيا، واغتبطت الأمة إذ أضحت واحدة في جميع مشاعرها العظيمة".
"وكان الموريسكيون شديدي المراس، وكان الوطن ينشد وحدة معنوية، تغدو متممة للوحدة السياسية، التي تحققت باندماج سائر العروش في شبه الجزيرة، وكان عنصر تناقض قوي، كالذي تمثله طائفة الموريسكيين، لا يكون فقط عقبة شديدة يصعب تذليلها، ولكنه كان استحالة مطلقة، تحول دون تحقيق الغاية، التي تتجه إليها الحركة العامة للفكر القومي؛ وكانت الصعوبة كلها تجثم في الدين، ولم تكن اللغة التي كانت تبدو خاصة قومية أخرى، تكون يومئذ أو في أي وقت عقبة بمثل هذه الخطورة، ففي شمال إسبانيا، وفي شرقها، توجد اللهجات المختلفة، من الجليقية والقطلونية والميورقية والبلنسية وغيرها. وكذلك يوجد مثل هذا التباين في النظم القضائية، والثياب والعادات الخاصة بكل منطقة، ولكن ذلك لم يكن عقبة كأداء في سبيل وحدة الدين والروح القومي، ولم يخلق مثل المعضلة الدائمة التي خلقها الدين بالنسبة للموريسكيين، والتي جعلتهم دائماً في حالة دائمة من التربّص والتوجّس. إن ما بذله شارل الخامس وفيليب الثاني لإخضاع الموريسكيين للنصرانية، مما لا يمكن وصفه، ولكن جهودهم كلها ذهبت عبثاً، ذلك أنه بعد ثلاثة قرون من الخضوع، لبث الموريسكيون في عهد فيليب الثالث، يضطرمون بنفس الروح المتمردة، التي كانت لأسلافهم الذين
стр. 869
أخضعوا بالسيف، وقد ارتضوا حالتهم كمحنة مؤقتة عابرة، ولم ينبذوا الأمل قط، ولم يتركوا قط الوسائل التي يعتقدون أنها تمكنهم ذات يوم من الأخذ بالثأر، واسترداد استقلالهم وسيادتهم". ثم يقول: "وإنها لخرافة أن يقال: إن الموريسكيين كانوا عنصراً مفيداً في إنتاج إسبانيا، ولو أنهم كانوا كذلك، لحملوا الرخاء إلى بلد المغرب حيث ذهبوا" (١).
ويقول المؤرخ الكبير موديستو لا فونتي - وسنرى أنه يذهب في الصراحة وتقدير الحقائق المنزهة إلى أبعد حد -: "وعلى أي حال، فإن مراسيم فيليب الثالث الشهيرة ضد الموريسكيين، قد جرّدت إسبانيا - وقد كانت يومئذ جدّ مقفرة من السكان، بسبب الإدارة السيئة والحروب المستمرة - من طائفة كبيرة من السكان، أو بعبارة أخرى من السكان الزراعيين والتجاريين والصناعيين من السكان المنتجين، أولئك الذين يساهمون بأكبر قسط في الضرائب. وكان أقل ما في ذلك تسرّب الملايين من الدوقيات التي حملتها الطائفة المنفية معها، في الوقت الذي كانت فيه المملكة تعاني من قلة النقد، فكان نقص الذهب الفجائي على هذا النحو أشد وطأة عليها. كذلك وقع ضرر أفدح بذيوع النقد المزيف أو المنقوص، الذي روّجه المنفيون بسوء قصد قبل رحيلهم. وأسوأ ما في ذلك كله هو: أنه فُقِد برحيلهم العنصر العامل الذكي المتمرس في الفنون النافعة. وهم قد بدأوا بالزراعة وزراعة السكر والقطن والحبوب التي كان لهم بإنتاجها التفوق الجمّ، وذلك لنظامهم المدهش في الرّي بواسطة السواقي والقنوات، وتوزيع المياه بواسطة هذه الشرايين توزيعاً مناسباً، كان له أثره في الإنتاج العظيم الذي امتازت به مروج بلنسية وغرناطة، ثم تابعوا بنسج الأصواف والحرائر، وصنع الورق والجلود المدبوغة، وهي صناعات برع الموريسكيون فيها أيما براعة، وانتهوا بمزاولة الحرف الآلية، وهي حرف كان الإسبان لكسلهم وتكبّرهم يحتقرونها، ومن ثم فقد احتكرها
стр. 870
الموريسكيون واختصّوا بها. وقد عانى كل شيءٍ من نقص في السواعد في البراعة، وهو نقص جعلت المفاجأة من المستحيل تداركه، ثم غدا بعد ذلك ملؤه مبهظاً بطيئاً صعباً".
"ويقول نفس المؤرخ البلنسي الذي شهد النفي، وكتب عقب إتمامه أنه ترتب على ذلك أن بلنسية، وهي حديقة إسبانيا الغناء، استحالت إلى قفر جاف موحش. وحدث هنالك كما حدث في قشتالة، وفي باقي البلاد، أن بدأ شبح الجوع الداهم، وبالرغم من أنه قد جيء بسكان جدد إلى الأماكن التي هجرها الموريسكيون، لكي يتدربوا على العمل في الحقول والمصانع والمعامل، إلى جانب أولئك القلائل الذين ارتضوا البقاء (هو اعتراف مخجل بلا ريب). على أن مثل هذا التمرن لم يؤت نتائجه السريعة، والتدرب والدأب ليسا من الفضائل التي ترتجل، ولم يكن من السهل أن يعوّض مثل هذا الجنس من البشر، وهو الذي استطاع بعبقريته، ومركزه الخاص في البلاد، ووفرة براعته وجَلَده، أن يحقق ما يشبه قهر الطبيعة، واستغلالها لسائر مبتكراته. وهكذا حلّ مكان ضجيج القرى، الصّمتُ الموحش في الأماكن المهجورة. وإذا كان ثمة بعض السادة الإقطاعيين قد غنموا من تراث المنفيين، فقد كان عدد الذين خسروا أعظم بكثير، وبلغ الأمر ببعضهم أن طلبوا نفقات للطعام. أما الذين غنموا، فقد كانوا بلا شك هم الدوق دى ليرما وأسرته، وقد استولوا على نصيب مما تحصل من بيع منازل الموريسكيين".
"ومن ثم فقد اعتبر نفي الموريسكيين من الناحية الاقتصادية بالنسبة إلى إسبانيا، أفدح إجراء مخرِّب يمكن تصوّره، وإنه ليمكن أن تُغض الطرف عن المبالغة التي دفعت بأحد الساسة الأجانب، وهو الكاردينال ريشليو، أن يسميه: (أعرق إجراء في الجرأة البربرية مما عرفه التاريخ في أي عصر سابق)، والحق أن الصدع الذي أصاب ثروة إسبانيا العامة من جرائه، كان من الفداحة بحيث أنه ليس من المبالغة أن نقول: إنه لم يبرأ حتى عصرنا".
"فأما من الناحية الدينية، فقد كان الإجراء ثمرة الأفكار التي سادت في
стр. 871
إسبانيا قبل ذلك بقرون، وثمرة البغض التقليدي المتأصّل، الذي يكنّه الشعب لغالبيه وأعدائه الألداء القدماء. وليس مما يمكن إنكاره، إنه كان مؤيداً لفكرة الوحدة الدينية، التي دأب على العمل لتحقيقها وإكمالها الملوك الإسبان والشعب الإسباني. بيد أنا نعتقد أنه كان من البراعة (ما عدا اعتباره صراعاً مقدّراً هو من خصائص العصور الوسطى) أن نصل إلى الوحدة الدينية بطريق إفناء أولئك الذين يعتنقون عقائد أخرى. وقد كانت البراعة أن نعمل على اجتذاب المخالفين المعاندين، بالتعاليم والإقناع، والحزم، والرفق، وتفوّق الحضارة".
"وأما كونه إجراء سياسياً، قصد به إلى تحقيق سلامة الدولة وسلامها، فقد كان ممكناً أن نسوِّغ اتخاذه لو كانت المؤامرة حقيقية وخطيرة، وكانت الخطط شنيعة، وكانت الوسائل قوية، والخطر داهماً، وذلك كما افتراض الوزير المقرّب والأسقف ربيرا والنصحاء الآخرون. أجل لم يك ثمة شك في أنه كانت هناك مكاتبات وعلائق ومشاريع معادية لإسبانيا، بين بعض الموريسكيين البلنسيين وبين المغاربة والترك، بل بينهم وبين بعض الفرنسيين. بيد أننا لم نقتنع بأن هذه الخطط كانت من الجسامة والخطر بمثل ما كان يصوِّرها أنصار النفي، ولم نقتنع بأن النصارى المحدثين في بلنسية كان لهم من القوة ما يمكن أن يثير مخاوف ذات شأن، كما أنه لم يكن ما يثير المخاوف من جانب الموريسكيين في أراغون وفي مرسية، مثلما زعمت الوفود التي أتت من هذين الإقليمين، وكذلك لم يكن الموريسكيون في قشتالة يعرفون التآمر أو يقدرون عليه، وعلى أي حال فإنه متى ذكرنا، أننا بعد مضي أكثر من قرن على قهر الموريسكيين وإخضاعهم لقوانين المملكة، وتفريقهم ومزجهم بالإسبان والنصارى، لم نوفق إلى تأليفهم في العادات والعقائد، أو أن ندمج بقية الأمة المغلوبة في الكتلة الكبرى للأمة الغالبة، ولم نوفق إلى جعلهم نصارى وإسبانيين، ثم لجأنا بلا ضرورة إلى وسيلة إفناء جيل برمّته، متى ذكرنا ذلك، فإنا لا نستطيع أن ننظر بعطف إلى مهارة فيليب
стр. 872
الثالث والملوك الذين سبقوه، ولا إلى حزمهم أو سياستهم" (١).
ويقول فلورثيو خانير - وهو يحذو حذو لافونتي في تقديره وتعليله، وينقل بعض أقواله -: "ومع ذلك، فإنه لمصلحة الدين، والسلام الداخلي، وسلامة الدولة، قد وقع الإغضاء عن المزايا التي كان يسبغها الموريسكيون على الصناعة والتجارة والزراعة، بل وعلى ثروة الأمة الإسبانية كلها، وذلك حينما أخرج بواسطة مراسيم فيليب الثالث، آلاف من الصناع الموريسكيين، يحملون معهم بذور الحضارة والحرث". وقد قال كامبومانس الشهير: "إن بدء تدهور صناعاتنا يرجع إلى سنة (١٦٠٩ م) حينما بدئ بنفي الموريسكيين. فمن ذلك الحين تبدأ مع خراب المصانع صيحات الأمة المتوالية، وعبثاً يحاول ساستنا أن ينسبوا بؤس القرن السابع عشر، إلى أسباب أخرى، فهي وإن كانت جزئية، لا يمكن أن تضارع ضربة بهذه المفاجأة، وهي ضربة لم تستطع الأمة حتى اليوم أن تنهض من عثارها" ... "ولقد أحدثت مزاولة العرب للمهن الفنية في الإسبان أثرين سيئين الأول: أنهم اعتبروا هذه المهن من الأمور الشائنة. والثاني: أنهم لم يتعلموا شيئاً منها حتى لا يتشبهوا بأولئك الذين يزاولونها. وهم قد بدأوا بالزراعة وزراعة السكر والقطن والحبوب، التي كان للموريسكيين فيها التفوق الجم، وذلك لنظامهم المدهش في الري بواسطة السواقي والقنوات، وتوزيع المياه بواسطة هذه الشرايين توزيعاً مناسباً، كان له أثره في الإنتاج العظيم الذي امتازت به مروج بلنسية وغرناطة الخصبة.
"ثم تابعوا بنسج الأصواف والحرائر، وصنع الورق والجلود المدبوغة، وهي صناعات برع فيها الموريسكيون أيما براعة، وانتهوا بمزاولة الحرف الآلية، وهي حرف كان الإسبان لكسلهم وتكبرهم يحتقرون مزاولتها؛ ومن ثم فقد كان الموريسكيون يحتكرونها؛ وقد وقع من جراء ذلك نقص في
стр. 873
الأيدي وفي المهارة كان من المستحيل ملؤها في الحال، ثم غدا بعد ذلك ملؤها مبهظاً بطيئاً صعباً. وقد بلغ النقص في الأنفس - وفقاً للدراسات التي قمنا بها لنتائج الحادث - على الأقل نحو مليون. ثم يأتي بعد ذلك نقص العملة الذهبية، بسبب الكميات الكبيرة التي حملوها معهم من الدوقيات، وأخيراً يأتي ذيوع النقد الزائف أو ناقص الوزن، وهو الذي ملأوا به المملكة قبل نزوحهم منها، على أن الضرر الفادح الذي لم يعوّض لسنين بعيدة، هو بلا ريب ما أصاب الزراعة والصناعة والتجارة".
"ومن ثمّ ففي وسعنا أن نقول عن بلادنا بحق: إن بلاد العرب السعيدة، قد استحالت إلى بلد العرب القفراء، وعن بلنسية بوجه خاص إن حديقة إسبانيا الغناء قد استحالت إلى صحراء جافة مشوّهة. وقد حلّ شبح الجوع بالاختصار في كل مكان، وحلّ محل المرح الصاخب للقرى العامرة، الصمت الموحش في الأمكنة المهجورة؛ وبدلاً من أن ترى أمامك العمال والصناع، فإنك تغامر بأن تقابل قطّاع الطرق يملؤونها ويجثمون في أطلال القرى المهجورة. ولئن كان ثمة فريق من السادة الملاك الذين أفادوا من مخلّفات المنفيين، فقد كان ثمة عدد أكبر بكثير ممن خسروا، وانتهى بعضهم إلى الموقف المؤلم، بأن يلتمسوا من الحكومة نفقة لإطعامهم، ولم يك بينهم أحد قط ممن غنم كما غنم الدوق دى ليرما وأسرته، وقد استولوا على جزء من أثمان بيع منازل الموريسكيين، بلغ نحو خمسة ملايين ونصف ريال".
"وإذاً فقد كان نفي الموريسكيين من الناحية الاقتصادية، يعتبر بالنسبة إلى إسبانيا، أفدح إجراء مخرِّب يمكن تصوره، وإنه ليمكن أن نتسامح في المبالغة التي يصفه بها سياسي أجنبي هو الكاردينال ريشليو، حيث يصفه بأنه: "أعرق إجراء في الجرأة البربرية مما عرفه التاريخ في أي عصر سابق". والحقّ أن الصدع الذي منيت به ثروة إسبانيا العامة من جرائه، كان من الفداحة بحيث أنه ليس من المبالغة أن نقول: إنه لم يبرأ حتى
стр. 874
يومنا" (١). بيد أن خانير مع ذلك يقول: إن النفي كان ضرورة دينية وسياسية، وإن الوحدة الدينية، تغدو اليوم أسطع جوهرة للأمة الإسبانية.
ويعلق المؤرخ الاجتماعي بكاتوستي، في الفصل الذي عقده عن (بؤس إسبانيا العام) في كتابه: (عظمة إسبانيا وانحلالها) على نفي الموريسكيين، فيقول: (كان نفي الموريسكيين من أفدح المصائب التي نزلت بإسبانيا. أجل، لقد وجد أيام الملكين الكاثوليكيين بعض المتعصبين الذين كانوا يقترحون هذا النفي ويعملون له. ولكنهم وجدوا عقبة كأداء في معارضة الملكة إيزابيلا. وفي سنة (١٥٢٩ م) بذل أسقف إشبيلية جهوداً مضنية مضاعفة في هذا السبيل، وكذا طوال حكم فيليب الثاني كان هذا الموضوع يثار من وقت إلى آخر، ولكن أمكن فقط في عصر فيليب الثالث المحزن، أن يرتكب هذا الخطأ الفادح.
"والمسئولية الكبرى التي تقع على عاتق الملك، وعلى نصحائه وأسلافه تتلخص في أنهم لم يحملو مصالح الموريسكيين المادية، فيمهّدوا لتلك الطائفة العاملة سبل الحياة المستقرة الهادئة، ولم يكن لهم من القوة أو الكياسة أو الحزم ما يمكنهم من إخضاع هذه الطائفة المتمردة، التي عاشت في إسبانيا في أوقات، كانت فيها الأحقاد في أوج اضطرامها بين الغالبين والمغلوبين".
"وقد أثار الإسراف في فرض الضرائب وبخس الأعمال، والاضطهاد الديني، ومساوئ ديوان التحقيق، هذه الأرواح التي قابلت حكومة ضعيفة التدبير، حتى أنه أضحى من المحتوم أن يتخذ هذا الإجراء الشاذ المتطرّف".
"إن المؤرخين والساسة الذين دافعوا عن نفي الموريسكيين، بعضهم للدفاع عن أخطاء هذه المدرسة، وبعضهم لكي يشيد بالعمل الرائع، إنما يدافعون عن أمور سيئة، أو يرغبون في أن يضعوا السياسة والسلطة فوق رأس
стр. 875
الأمة، وهم في تسويغ مثل هذا الإجراء، لم يراعوا إلاّ ضرورة الساعة. وإذا فرضنا جدلاً ضرورته للسياسة باسم السلام والسكينة العامة، وهي التي اتخذت لتسويغ كثير من الأخطاء، بل كثير من الجرائم، فإنا لا نستطيع أن ننسى أن هذا الموقف المحزن، قد خلقته أخطاء السلطة التي واجهت تلك المشكلة القاسية، ورأت أن تقصي الموريسكيين عن إسبانيا، لأنها شعرت أنها عاجزة عن إخماد ثوراتهم المستمرة".
"إن فقد هذه السواعد في الأعمال الزراعية، وفي كثير من الفنون والأعمال، والازدهار الذي كان الإسبان يضمرونه لهذه الطائفة ولنشاطها، والسرعة التي وقعت بها هذه الخسارة، وعدم تحوّط الحكومة، التي لم تحاول بأية وسيلة أن تعوض عن نشاطها، وزيادة الضرائب وغيرها من المغارم التي أضحى عبؤها يقع فقط على عاتق الشعب الإسباني، لكي يعوّض ذلك ما خسرته الدولة مما كان يؤديه الموريسكيون؛ هذه ربما كانت الأسباب السريعة للبؤس العام".
"ولقد قام بعض المؤرخين ببحوث مدهشة لتقدير عدد المنفيين، ونحن لا نجاريهم في ذلك، إذ يبدو لنا العدد أمراً لا أهمية له. وسواء كان المنفيون كثرة أو قلة، فقد كانوا هم الوحيدين الذين يعملون، وقد أحدث خروجهم من المملكة اضطراباً خطيراً".
"يمثل هذا العوامل، وصل البؤس الداخلي في المملكة إلى حدّ لا يمكن تصوّره، ولا تمكن مقارنته، هذا بينما كان البلاط يغرق في الحفلات الشائقة، وينسب إلى فيليب الرابع ما كان يمكن صدوره من فيليب الثاني أو شارل الخامس" (١).
ويرى العلامة مننديث بلايو ( MENENDEX PELAYO) ، وهو من أعظم المفكرين، والنقدة الإسبان المحدثين، أن نفي الموريسكيين كان نتيجة
стр. 876
محتومة لسير التاريخ، ويشرح في كتابه عن: (الخوارج الإسبان) على النحو الآتي: "ولنقل الآن رأينا في مسألة النفي، بكل وضوح وإخلاص، وذلك بالرغم من أنه يستطيع أن يتكهن به مَن تتبع القصة السابقة، بروية وبلا تحيّز. ولن أتردد بالجهر به، وإن كان من المؤسف أن يكون ثمة ما أخّر إبداءه. فهل كان من الممكن أن يقوم الدين الإسلامي بيننا في القرن السادس عشر؟ من الواضح أن لا، بل ولا يمكن أن يكون ذلك الآن في أي جزء من أوروبا. فكيف يستسيغ وجوده في تركيا أولئك الإنسانيون الأجانب الذين يصفوننا بالبربرية لأننا قمنا بإجراء النفي؟ وإنهم لأسوأ مائة مرة من المسلمين الخلّص، مهما كان دينهم عائقاً لكل تمدّن، أولئك النصارى المنافقون، والمرتدون المارقون، الذين لم يحسن إخضاعهم، وأولئك الإسبان الأوغاد الأعداء الداخليون خميرة كل غزو أجنبي، الجنس الذي لا يقبل الاندماج، كما أثبتت ذلك التجارب المحزنة مدى قرن ونصف، فهل يعتبر ذلك تسويغاً للذين مزّقوا عهود غرناطة، أو لأولئك الثوار الذين أضرموا الهياج في بلنسية، ونصروا الموريسكيين بصورة منافية للدين؟ كلا على الاطلاق. بيد أنه وقد سادت الأمور منذ البداية على هذا النحو، فإنه لم يكن من الممكن أن تكون ثمة نتيجة أخرى، فقد كانت الأحقاد والشكوك المتبادلة تضطرم باستمرار بين النصارى القدامى والمحدثين، وقد لطخت بقاع البشرّات بالدماء غير مرة، وفقد الأمل في تحقيق التنصير بالوسائل السليمة، وذلك بالرغم من تسامح ديوان التحقيق (كذا!!) والغيرة الطيبة التي أبداها رجال مثل تلافيرا، وفيلانيفا، وربيرا، وإذاً فلم يك ثمة محيص من النفي. وأكرر أن فيليب الثاني قد أخطأ في كونه لم ينفذه في الوقت المناسب. وإنه لمن الحمق أن نعتقد أن الصراع من أجل البقاء، والمعارك والمذابح بين الأجناس، تنتهي بصورة أخرى غير النفي أو الفناء، ذلك أن الجنس الأدنى ينهار دائماً، ويفوز بالنصر مبدأ القومية الأقوى".
"وأما أن النفي كان حدثاً مقوِّضاً، فهذا ما لا ننكره، فإنه من المقرر أنه في
стр. 877
العالم يمتزج الخير والشر دائماً، وخسارة مليون بأسره من الناس، لم تكن هي السبب الأساسي في إقفار بلادنا من السكان، وإن كان لها أثر في ذلك. وبعد، فإن ذلك يجب ألاّ يُعدّ إلاّ كإحدى قطرات الماء في جانب نفي يهود، واستعمار أمريكا، والحروب الخارجية في مائة مكان معاً، وعدد الجند النظاميين الضخم، وهي أسباب نوّه بها كلها بإيجاز اقتصاديونا القدامى، ومنهم مَن لم يتردد كالحبر فرديناند نفاريتي في نقد نفي الموريسكيين بعد وقوعه بأعوام قليلة، وما كانت، بل وليست الأجزاء المقفرة من السكان في إسبانيا، هي التي تركها العرب، كما أنها ليست أسوأ زراعة، وهو ما يدل على أن الخسارة التي لحقت بالزراعة من جراء نفي كبار الزراع المسلمين، لم تكن عميقة أو باقية الأثر، كما قد يتبادر إلى الذهن لو أننا وقفنا فقط عند عويل أولئك الذين تأملوا الحقول المروية غداة تنفيذ أوامر النفي. ونحن أبعد من أن نعتقد مع الشاعر الساذج الشيوعي نوعاً حسبار دى أجيلار، أنه لم يخسر بالنفي سوى السادة الذين فقدوا أتباعهم المسلمين، وأن الكثرة من الناس قد غنمت وغدا:
الأغنياء فقراء، والفقراء أغنياء
والصغار كبارا، والكبار صغارا
"ذلك أن مثل هذه النظريات، وإن أملاها الإخلاص والحماسة الشعبية، اللذان يضطرم بهما الشاعر، ليست إلاّ من أسخف وأضل ضروب الاقتصاد السياسي. ذلك أن مملكة بلنسية كلها كان لزاماً أن تخسر، وقد خسرت برحيل مثل هذا العدد الجم من عمال مهرة هادئين مثابرين، وقد كانوا حسبما يصفهم السكرتير فرنسيسكو أدياكيث: "يكفون وحدهم لإحداث الخصب والرخاء في سائر الأرض، لبراعتهم في الزراعة، وقناعتهم في الطعام". هذا بينما يصف هذا السكرتير النصارى القدماء بقوله: "إنهم قليلوا الخبرة في الزراعة". على أنه من المحقق أنهم تعلموا، وأن بلنسية قد عمرت فيما بعد، وأن سائر الطرق الزراعية ونُظم الري البديعة، - التي ربما كان من الخطأ أن
стр. 878
تنسب إلى العرب وحدهم - قد أحييت في هذه المناطق حتى يومنا، وإذا كان تدهور الزراعة مما لا ينكر، ولعله مبالغ فيه، فإن تأثر الصناعة كان أقل. ذلك لأن الصناعة كانت قبل ذلك بنصف قرن قد أصيبت باضمحلال واضح، وكذلك لأن الصناعات الرئيسة، إذا استثنينا الورق والحرير، لم تكن في أيدي الموريسكيين، وقد كانوا دائما عمالاً أكثر منهم صناعاً. فإذا قيل مثلاً: إن المناسج التي بلغ عددها من قبل في إشبيلية ستة عشر ألفاً، لم يبق منها في عهد فيليب الخامس سوى ثلاثمائة، ونسب ذلك كله إلى واقعة النفي، فإن أصحاب هذا القول ينسون أنه لم يكن في إشبيلية أحد من الموريسكيين، وأن هذه المصانع كانت قد تركت قبل النفي بخمسين عاماً، كأنما آثر أجدادنا أن يحققوا الثراء بالحرب في إيطاليا وبلاد الفلاندر، وبغزو أمريكا، وكأنهم كانوا ينظرون باحتقار سخيف مؤسف للفنون والأعمال الصناعية. إن اكتشاف العالم الجديد، والثروات التي كانت تتدفق من هناك، فتثير الجشع، وتذكي أطماعاً يسهل تحقيقها. ذلك هو السبب الحقيقي الذي أسكت مناسجنا وأمحل زراعتنا، وجعل منا أول طائفة من المغامرين المحظوظين، ثم بعد ذلك شعباً من الأشراف المتسولين، وانه لمن المضحك أن ننسب إلى سبب واحد، ربما كان أقل الأسباب، ما كان نتيجة لأخطاء اقتصادية يعسر علينا أن نتبين علاقتها بالتعصب الديني".
"والخلاصة، أنه متى تدبّرنا المزايا والمضار، فإننا ننظر إلى إجراء النفي العظيم، بنفس الحماسة التي امتدحه بها لوبي دى فيجا وثرفانتس، وكل إسبانيا في القرن السابع عشر، باعتباره ظفراً لوحدة الجنس ووحدة الدين واللغة والتقاليد. أما الأضرار المادية، فقد شفاها الزمن، وقد استحال ما كان صحراء بلقع قاتمة، إلى مهاد خصبة وحدائق غناء. وأما الذي لا يشفى، وأما الذي يترك دائماً الأحقاد الدموية الأبدية، فهي جرائم تشبه جرائم الوندال. ولما هدأت آثار النفي، أضحى النفي ليس فقط إجراء محموداً، بل كذلك إجراء ضرورياً. ولم يكن ميسوراً أن تحل العقدة، فكان لابد من قطعها،
стр. 879
ومثل هذه النتائج تقترن دائماً بالانقلابات المفروضة" (١).
ومن الواضح أن هذا الدفاع عن النفي، يصدر عن تعصب أعمى، ومع ذلك لم يستطع أن يحجب أضرار النفي على إسبانيا فيما كتب، ولو أنه اعترف بذلك في ثنايا رده المتهافت بصورة غير مباشرة.
ويعلّق الدكتور لي، وهو من أحدث الباحثين في هذا الموضوع، على آراء المفكرين والمؤرخين الإسبان بقوله: "إذا كان نفي الموريسكيين، كما يقول مننديث إى بلايو، نتيجة محتومة لقانون تاريخي، وإذا كان قد غدا ضرورة في عهد فيليب الثالث، فقد كانت ضرورة مصطنعة، خلقها تعصب القرن السادس عشر، وإذا كان وجود المدجّنين منذ أيام ملوك ليون وقشتالة وأراغون في الأراضي الإسبانية، من الأمور المأمونة، وذلك في الوقت الذي كان فيه زعماء إسبانيا النصرانية يشغلون بحروب أهلية مضطرمة، ويواجهون دول العرب والمرابطين والموحدين القوية، وإذا كان في وسع الملوك النصارى في هذه العصور المضطربة أن يركنوا إلى ولاء رعاياهم المسلمين أثناء الحرب، وأن يفيدوا من نشاطهم أثناء السلم، فإن الضرورة السياسية للوحدة الدينية، بعد أن غدت إسبانيا دولة قوية موحدة، وغدا المسلمون طوائف ممزقة، لم تكن بلا ريب سوى ضرب من الخيال المغرق الذي يخلقه التعصب. وقد كان هذا التعصب نتيجة لتعاليم الكنيسة المستمرة، وهي التعاليم التي اعتنقتها إسبانيا مذ غدت قوة عالمية. وما إن انحدرت إسبانيا إلى طريق التعصب، حتى دفعه توقد المزاج الإسباني إلى نهايته المحتومة باكتمال لا نظير له. ولما قضت غطرسة الكاردينال خمنيس العنيفة على ثقة المسلمين في عدالة إسبانيا وشرفها، اتخذت الطريق الخطوة المحتومة في طريق لم تكن له سوى نهاية واحدة ... ولقد كان الموريسكيون بالضرورة أعداء في الداخل، حملوا بكل وسيلة على بغض دين فرض عليهم بالقوة،
стр. 880
وتبلورت مثله في الظلم والاضطهاد وفظائع ديوان التحقيق، وكان من المستحيل في ظل المؤثرات الدينية، التي غلبت على السياسة الإسبانية، أن يعامل الموريسكيين بالرفق والتسامح، وبها فقط كان يمكن العمل على إرضائهم، وتحقيق رخائهم وبث محبّة النصرانية في قلوبهم. وقد كانت كل محاولة لتلطيف الموقف، تزيده سوءاً حتى غدوا إغراء لاتصال كل عدو من الخارج، ومثاراً دائماً لجزع السياسة الإسبانية. فلما اضمحلت قوة إسبانيا، وفقد حكامها الثقة بالنفس، لم يكن ثمة بدّ من أن يتوجّ قرن من الغدر والظلم، بالنفي والإبعاد. وقلما يقدّم لنا التاريخ مثلاً كوفئت فيه السيئة بأمثالها، وطمت كوارثه، كذلك الذي ترتب على جهود الكاردينال خمنيس بما يطبعها من تعصب مضطرم".
ثم يقول: " على أنه مهما كان من فداحة الضربة، فقد كان من الميسور تداركها بسرعة، لو أن إسبانيا كانت تملك الحيوية القوية، التي مكّنت أمماً أخرى من أن تنهض من كوارث أشدّ. إن انحلال إسبانيا لا يرجع فقط إلى خسارتها لجزء من السكان، بنفي اليهود والعرب المتنصرين، فقد كان من المستطاع أن تعوّض هذه الخسارة، ولكن الخطب يرجع إلى أن اليهود والعرب المتنصرين، كانوا من الناحية الاقتصادية أقيم عنصرين بين سكانها، وكان نشاطهم معيناً لحياة الآخرين، وبينما كانت أمم أوروبا الأخرى تنهض وتسير إلى الأمام في مضمار التقدم، كانت إسبانيا وشعارها أن تضحي بكل شيء في سبيل الوحدة الدينية، تنحدر سراعاً إلى غمر البؤس والشقاء، وتغدو جنّة للأحبار والقساوسة، وعمال ديوان التحقيق، تخمد فيها كل نزعة إلى الرقي العقلي، وتقطع فيها كل صلة مع العالم الخارجي، ويشل فيها كل جهد يبذل في سبيل التقدم المادي. وقد كان من العبث أن تنهمر ثروات العالم الجديد إلى أيدي شعب لا تقل مواهبه الطبيعية عن أي شعب آخر، وإلى أرض كانت مواردها عظيمة، مثلما كانت حينما جعلتها براعة العرب ونشاطهم في طليعة الأمم الأوربية ازدهاراً. ومهما كانت قيمة الخدمات التي