← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي]ـ المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١هـ) الناشر: جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين، المملكة العربية السعودية عام النشر: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٥ م عدد الأجزاء: ٣ أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الرسالة الجامعية) وهو مقابل]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الإمام السيوطي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سبحان الله وبحمده منزل الكتاب تبصرة وذكرى لأولي الألباب، آتيا من أساليب البلاغة بالعجب العُجاب، راقيا من ذرى الفصاحة مرقى لا يجال ولا يجاب، معجزة للنبي الهاد، سيد من ركب الجواد، وأهدى من سلك الجوادَّ، وأفصح من نطق بالضادِ، المبعوث بالمنهل العذب لِيَرْوِيَ (١) كل صادٍ، ويهدي كل صاد، المؤيد بالمعجزات التي لا يحصيها عدُّ (٢) عادٍّ، المخصوص باستمرار معجزته إلى يوم التنادِ، وبقراءة كتابه في الجنان باللسان (٣) العربي المستجادِ، المؤتى جوامعَ الكلم بالإيجادِ، لتقوم أمته إلى قيام الساعة بالاستنباط والاجتهاد. صلوات الله عليه وسلامه ما حدا حادٍ، وشدا شادٍ، وبدا باد، وعدا عادٍ، وما غدا أو راح رائح وغاد، وعلى آله الأمجاد وأصحابه الأنجادِ. أما بعد (٤)، فإن التفسير في الصدر الأوّل كان مقصورا على السماع، محصورا في باب الاتّباع، يحفظ في الصدور عن الصدور، ويرجع إلى الأثر والنقل ويدور (٥)، فلما حدث تدوين الكتب (٦) وتصنيفها، وذلك في منتصف المائة الثانية أجروه مُجرى الأحاديث والآثار، وساقوه مساق (٧) ما دوّنوه من الأخبار، فقلّ إمام من أئمة الحفظ ألّف جامعا أو مسندا إلاّ وألّف تفسيرا ساق فيه ما وقع له بالأسانيد موردا. ومفتتح هذه الطبقة مالك (٨)؟. . . . . . . . .

стр. 3

ووكيع (١)، وسفيان (٢)، وتبعهم من جاء بعدهم من الأئمة الأعيان، كعبد الرزاق (٣)، والفريابي (٤)، وسعيد بن منصور (٥)، وآدم بن أبي إياس (٦)، وابن أبي شيبة (٧) وإسحاق بن راهويه (٨) وعبد بن حميد (٩)، وخلائق كلهم مليءٌ بالحفظ ريّان.

стр. 4

وجاءت بعدهم طبقة أخرى أصحاب نحو ولغة فألفوا في معاني القرآن ما يزيل الإغراب، وضموا إلى معانيه المقتبسة من اللغة ما تحتاج إليه تراكيبه من الإعراب، كالفراء (١)، والزجاج (٢)، والنحاس (٣)، وابن الأنباري (٤)، في آخرين أتراب. ثم حدث في المائة الرابعة مصنّفون ألّفوا تفاسير لخصوا فيها من تفاسير الحفاظ الأقوال بترا، ومن كتب أصحاب المعاني معاني وأعاريب صاغوها بعد أن كانت تبرا. ثم جاءت فرقة أصحاب نظر في علوم البلاغة التي يُدرَكُ بها وجه الإعجاز وأسرار البلاغة (٥) التي هي لحلل التراكيب طراز. وصاحب (٦) الكشاف هو سلطان هذه الطريقة، والإمام السالك في هذا المجاز إلى الحقيقة، فلذا طار كتابه في أقصى الشرق والغرب، ودار عليه النظر إذ لم يكن لكتابه نظير في هذا الضرب.

стр. 5

ولما علم مصنفه أنه بهذا الوصف قد تحلى (١) وترقى (٢) إلى مرتبة ما دنا إليها غيره ولا تدلى قال -تحدثا بنعمة ربّه وشكرا، لا علوّا في الأرض ولا فخرا -: إِنَّ التَّفاسيرَ في الدنيا بلا عدد ... وليس فيها لعمري مثلُ كشَّافي إِنْ كنت تبغي الهدى فالزم قراءتَهُ ... فالجهل كالداء والكشاف كالشافي (٣) (٤) وقد نبّه هو في خطبة كتابه على الوصف الذي به تميز (٥) جليل نصابه، فقال:

стр. 6

اعلم أن متن كل علم، وعمود كل صناعة، طبقات العلماء فيه متدانية، وأقدام الصُنّاع فيه متقاربة أو متساوية، إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلاّ بخطى يسيرة، أو تقدّم الصانع الصانع لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة. وإنما الذي تباينت فيه الرُّتب، وتحاكت فيه الرُّكب، ووقع فيه الاستباق والتناضل، وعظم فيه التفاوت والتفاضل حتى انتهى الأمر إلى أمد من الوهم متباعد، وترقى إلى أن عدّ ألف بواحد = ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفِقَر، ومن لطائف معان فيها (١) مباحث للفِكَر، ومن غوامض أسرار محتجبة وراء أستار، لا يكشف عنها من الخاصة إلاّ أوحَدِيُّهم (٢) وأخصهم، وإلاّ واسطتهم وفَصُهُم، وعامتهم عُماةٌ عن إدراك حقائقها بأحداقهم، عُناةٌ في يد التقليد، لا يُمَنّ عليه بجزّ نواصيهم وإطلاقهم. ثم إن أملأ العلوم بما يَغمُرُ القرائح، وأنهضها بما يَبهرُ الألباب القوارح من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدقّ سلكها = علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم، كما ذكر الجاحظ (٣) في كتاب "نظم القرآن ". فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلّم وإن بَزّ (٤) أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القِريِّة (٥) حفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري (٦) أوعظ، والنحويّ وإن

стр. 7

كان أنحى من سيبويه (١) واللغوي وإن علك اللغات بقوّة لحييه لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلاّ رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البيان، وتمهّل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانّهما همّة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله ﷺ بعد أن يكون آخذًا من سائر العلوم بحظ، جامعا بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات طويل المراجعات، قد رجع زمانًا ورجع إليه، ورَدّ ورُدّ عليه، فارسًا في علم الإعراب، مقدمًا في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقّادها، يقظان النفس، درّاكا للمحة وإن لطف شأنها، منتبها على الرمزة وإن خفي مكانها، لاكزًا (٢) جاسيًا (٣) ولا غليظا جافيا، متصرّفا، ذا دربة بأساليب النظم والنثر، مرتاضا -غير رِّيضٍ (٤) - بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلّف، وكيف ينظّم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقه، ووقع في مداحضه ومزالقه (٥). هذا ما ذكره في خطبة الكشاف مشيرا إلى ما يجب في هذا الباب من الأوصاف، عرضا بأنه المتحلّي بهذا الوصف، وأن كتابه هو الآتي على سنن (٦) هذا الوصف. ولقد صدق وبرّ ورسخ نظامه في القلوب فوقر وقرّ. وتعقّبه البلقيني (٧) في الكشاف فلم يدرك مغزاه، ولا طابق ما أورده منطوق

стр. 8

ما ذكره ولا فحواه، قائلا: قصد الزمخشري بما أبان الإشارة إلى براعته في علم المعاني وعلم البيان. وكيف يترجح فنان جمعتهما أوراق يسيرة، وجدولان جاريان في جداول (١) صغيرة، قد وضعا بعد الصحابة والتابعين بمئين من السنين، وحفرا بعد البحار الزاخرة، ووشيا بالتحبير بعد تكملة الخِلع (٢) الفاخرة = على الفنون التي طافت المشارق والمغارب كالطوفان؟. أين ذكرهما في الصحابة الذين هم أسد الغابة؟ أين ذكرهما في التابعين الذين كانوا للصحابة شاهدين سامعين؟ أين ذكرهما في عصر الفقهاء؟ من نبّه عليهما في الأقدمين من النبهاء. وما على الناس من اصطلاح أتى به عبد القاهر الجرجاني (٣) واقتفاه السكاكي (٤) فيما ذكر من المعاني، ولا يقوم لهما في كثير من المقامات دليل، وليس لهما إلى ذلك سبيل. وعلم التفسير إنما هو يتلقى من الأخبار، ويسلك فيه مسالك الآثار. وأقول: لم يتوارد البلقيني والزمخشري على محلّ واحد، وليس الزمخشري لانحصار تلقي التفسير من الأحاديث (٥) والآثار بجاحد. كيف وانحصار التفسير في السماع كلمة إجماع، والنهي عن القول في القرآن بالرأي ملأ الأسماع. ولهذا لم يذكر أهل الحديث مع من عدد (٦) من أرباب الفنون، ولا أدرجهم

стр. 9

في زمرة من ذكر وإن جالت من المعترض الظنون، وإنما مقصوده ما أشار إليه أوّلا أن القدر الزائد على التفسير من استخراج محاسن (١) النكت والفقر ولطائف المعاني التي يستعمل فيها الفكر، وكشف الأستار عن غوامض الأسرار، وبيان ما في القرآن من الأساليب، وما تضمنه من وجوه البلاغة في التراكيب = لا يتهيأ له إلاّ من برع في هذين العلمين، وتبحر في هذين الفنين، وصار مجتهدا في علوم البلاغة، ذا تصرّف في أفانين البراعة، خبيرا بأساليب الكلام، بصيرا بمسالك النظام؛ لأن لكل نوع (٢) أصولا وقواعد، هي للوصول إلى حقيقته مصاعد، ولا يُدرك فنّ بقواعد فنّ آخر وإن شرف ذلك الفنّ، وفضل على الأوّل لما فاخر (٤). والفقيه والمتكلّم بمعزل عن أسرار البلاغة، واللغوي والنحوي إنما يدركان من مدلول اللفظ وإعرابه بلاغة، والقاص والأخباري أقلّ من أن يُتَوَهّمَ فيهما الصلاحية للتكلّم في القرآن، وأذلّ من أن يجوز لهما الخوض في أسرار الفرقان. ومراده بحافظ الأخبار الحافظ لأيام الناس والمؤرخ الذي اقتصر على ما ليس له في بنيان العلم (٥) أساس، ولهذا ضرب له المثل بابن القرِّيِّة، لأنه كان بهذه الصفة، ولم يكن له بالأخبار النبوية حفظ ولا معرفة. ولو أراد به حافظ الأحاديث لضرب المثل بمالك وسفيان (٦)، أو بأحمد والبخاري، ونحوهما (٧) من الأعيان، فعرف أن للزمخشري مقصدا غير ما فهمه المعترض، ومنحى لا ينخدش بما ذكره المتعقب ولا ينتقض. وقد كان الصحابة يعرفون هذا المعنى بالسليقة، وبه قامت عندهم المعجزة على الحقيقة، فاهتدوا بسببه إلى أقوم طريقة. ألم يثبت عن جبير بن مطعم أنه قال: أتيت النبي ﷺ في

стр. 10

فداء أسرى بدر فوجدته يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [سورة الطور ٣٥] كاد قلبي يطير (١) وأدركه الإسلام. ومرّ أعرابي على قارئ يقرأ (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [سورة الحجر ٩٤] فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام (٢). فكانوا يعرفون بالطبع وجوه بلاغته كما كانوا يعرفون وجوه إعرابه، ولم يحتاجوا إلى بيان النوعين في ذلك العصر؛ لأنه لم يكن يجهلهما أحد من أصحابه (٣)، فلما ذهب أرباب (٤) السليقة والتبس الإعراب باللحن، والمجاز بالحقيقة وضع لكل من الإعراب والبلاغة قواعد يدرك بها ما أدركه الأولون بالطبع وتُساعد، فكان حكم علم (٥) المعاني والبيان كحكم علم النحو والإعراب، وكانت الحاجة إليهما داعية لإدراك وجه الإعجاز والإعراب. ولما كان كتاب الكشاف هو الكافل في هذا الفنّ بالبيان الشاف اشتهر في الآفاق اشتهار الشمس، وجهر به في محافل المجالس (٦) بين الفضلاء من غير همس، واعتنى الأئمة والمحققون بالكتابة عليه، وتسارع العلماء والفضلاء في المناقشة والمنافسة إليه: فمن مميز لاعتزال (٧) حاد فيه عن صوب الصواب، ومن مناقش له فيما أتى به من وجوه الإعراب، ومن محش وضّح ونقح، وتمم ويمم، وفسر وقرّر، وحبّر وحرّر، وجال وجاب، واستشكل وأجاب. ومن مخرّج لأحاديثه عزا وأسند، وصحح وانتقد. ومن مختصر لخص وأوجز، وكمّل ما أعوز. فممن كتب عليه الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد ابن المُنَيِّر الإسكندري

стр. 11

المالكي (١) كتابه " الانتصاف " بيّن فيه ما تضمنه من الاعتزال، وناقشه في أعاريب أحسن فيها الجدال. وتلاه الإمام علم الدين عبد الكريم بن علي العراقي (٢) في كتابه " الإنصاف " جعله حكما بين " الكشاف " و " الانتصاف ". ولخصهما الإمام جمال الدين ابن هشام (٣) في مختصر لطيف مع يسير زيادة، خفيفة. وأكثر الإمام أبو حيان (٤) في بحره من مناقشته في الإعراب ومجادلته في الإضراب (٥). وتلاه تلميذاه الشهاب أحمد بن يوسف الحلبي المشهور بـ " السمين " (٦)، البرهان إبراهيم بن محمد بن السفاقسي (٧). . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 12

في إعرابهما (١)، ثم قد يوافقانه، وقد يتبعانه بالجواب، ويقرران أن الذي قاله الزمخشري هو الصواب. ولخص الشيخ تاج الدين ابن مكتوم (٢) مناقشات شيخه أبي حيان في تأليف مفرد سمّاه " الدرّ اللقيط من البحر المحيط ". وممن كتب عليه حاشية العلاّمة قطب الدين الشيرازي (٣) في مجلدين لطيفين، والعلاّمة فخر الدين أحمد بن الحسن الجابردي (٤)، والعلاّمة شرف الدين الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي (٥) وهي أجلّ حواشيه، في ست مجلّدات ضخمات، والعلاّمة أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي (٦)، رأيت منها مجلّدا

стр. 13

على الفاتحة، وقطعة من البقرة، ولا أدري أكمّلها أم لا (١)، والعلاّمة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (٢)، وهي ملخصة من حاشية الطيبي، مع زيادة تعقيد في العبارة، ولم يتمها (٣)، والعلاّمة السيد الجرجاني (٤)، رأيت منها كراريس، ولا أدري إلى أين وصل (٥)، وشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، وهي أسلوب آخر غير أساليب المذكورين. وإنما كتب منها اليسير (٦)، والشيخ وليّ الدين أبو زرعة أحمد ابن الحافظ الكبير زين الدين عبد الرحيم العراقي (٧) في مجلدين لخص فيهما كلام ابن المنير،

стр. 14

والعلم العراقي، وأبي حيان، وأجوبة الحلبي، والسفاقسي مع زيادة تخريج أحاديثه. وممن خرّج أحاديثه الإمام المحدث فخر الدين الزيلعي (١)، ولخص كتابه حافظ العصر الشهاب أبو الفضل ابن حجر في مختصر لطيف. وسيد المختصرات منه كتاب " أنوار التنزيل وأسرار التأويل " للقاضي ناصر الدين البيضاوي، لخصه فأجاد، وأتى بكل مستجاد، وماز منه أماكن الاعتزال، وطرح مواضع الدسائس وأزال (٢)، وحرر مهمات، واستدرك تتمات، فبرز كأنه (٣) سبيكة نُضَار، واشتهر اشتهار الشمس في وسط النهار، وعكف عليه العاكفون، ولهج بذكر محاسنه الواصفون، وذاق طعم دقائقه العارفون، فأكبّ عليه العلماء والفضلاء تدريسا ومطالعة، وبادروا إلى تلقيه بالقبول رغبة فيه ومسارعة، ومرّوا على ذلك طبقة بعد طبقة، ودرجوا عليه من زمن مصنفه إلى زمن شيوخنا متسقة. ولقد كان شيخاي الإمامان الأكملان، والأستاذان الأفضلان، بقية النحارير المدققين، وعمدة المشايخ المحققين تقي الدين الشمني (٤)، ومحيي الدين الكافيجي (٥)، سقى الله ثراهما شآبيب الغفران، وأمطر على مضجعهما سحائب

стр. 15

الرضوان يقرآن هذا الكتاب فيأتيان في تقريره بالعجب العجاب، ويرشدان من كنوزه ورموزه إلى صوب الصواب. فلما توفاهما الحق إلى رحمته، ونقلهما من هذه الدنيا الدَّنِيَّةِ إلى فسيح جنته شغرت الديار المصرية من محقق، وخلت من مدرّس يبدي ضمائره مدقق، فصار الكتاب بما فيه من الكنوز كصندوق مقفل، وأصبح لفقد من فيه أهلية لتدريسه كأنّه مغفل، فألهمني الله أن جردت الهمّة لتدريسه، وشددت المئزر لتقرير ما فيه وتأسيسه، فشرعت في إقرائه مفتتح سنة ثمانين وثمانمائة، فأقرأت فيه (١) في مدة عشر سنين متوالية من أوّله إلى أثناء سورة هود، وبذلت المجهود في استقراء مواده، والتنقير عن معادنه، ولزمت النظر والسُهود والكواكب شُهود، وشرعت مع ذلك في تعليق حاشية عليه تحلل خفاياه، وتذلل مطاياه، فسمع بذلك السامعون، وطمع في الوصول إليها الطامعون، وجسر على إقرائه حينئذٍ كل جسور وهجم من متعرّبة ومن عجم، ممن لا يفرق في مقدمة التصريف بين باب ضرب يضرب، وباب نصر ينصر، فضلا عن أن يحوي عنده شتاتَ تلك العلوم التي هي أصول له ويحصر، وممن إذا قرأ الكرّاس نظرا يصحف التفقية بالتقفية، ويحرّف الترفية بالترقية، وإذا سمع باستعارة أو حجاز كان بينه وبين إدراك ذلك مجاز، بحيث سمع قولي في مقامة: " وأنا " الحامل للشريعة المحمدية على كاهلي، والراقم لها في تصانيفي بأناملي " فاستنكر ذلك وقال: " الشريعة لا تحمل على الكواهل، ولا ترقم، إنما ترقم الخطوط الدالة عليها بالأنامل ". فانظروا من بلغ به الجهل المفرط هذا الحد، ومن أدّاه السقوط والعامية إلى أن يعيب هذا الكلام البليغ، ويوجه نحوه الردّ! وبحيث سمع قولي: " أعلم خلق الله الآن قلما وفما " فاستثكر ذلك من حيث الإعراب وعده وهما، وقال: " إن نصب الاسمين على التمييز فرع أن يقال: قلم عالم، وفم عالم، وهو بعيد عن التجويز ".

стр. 16

فانظروا إلى من لم يسمع قط في علم المعاني بالإسناد المجازي، ولا مرّ على أذنه تمثيلهم بشعر شاعر، وقصيدة شاعرة، ونهار صائم، وما له يوازي، ولا قرأ القرآن وهو ممتلئ به على لغة كل عربيّ حجازي، وغير حجازي. ثم ارتقى من الجهل مصعدا يرتقي عنه أسفل السافلين، ويرتفع عنه (١) أجهل الجاهلين الغافلين، وقال: " إن هذه العبارة منكرة شرعا، ممنوعة من قبل الحكم الديني منعا؛ لأنها تشمل الملائكة وجبرائيل وميكائيل " فملأ بذلك وعاءه جهلا، لا وَزَنَهُ ولا كاله؛ لأنه لم يقف قط على قول العلماء في مثل ذلك: إنه موكول إلى تخصيص العقل بعالم القائل السالك، وعلى ذلك قوله تعالى لبني إسرائيل (وأني فضلتكم على العالمين) قالوا: لا تدخل فيه لما ذكر الأنبياء ولا الملائكة. ولولا اعتبار هذه القاعدة التي ليس عنها براحٌ لكان التلقيب بقاضي القضاة، وأقضى القضاة محرّما غير مباح، لأنه شامل لكل نبي، أجل، بل ولربِّ العالمين سبحانه . لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا. . . ولكن لا حياةَ لمن تنادي (٢) وممن إذا سمع بذكر الاجتهاد الذي هو من آكد فروض الشريعة تعجب منه، وعدّه من المنكرات الفظيعة (٣) (٤). الله أكبر! نزر العلم، وغزر الجهل، وتكلّم من ليس للخطاب بأهل. وممن إذا روي له حديث لم يفرّق بين الموقوف والمرفوع، ولا بين الموصول والمقطوع، ولا بين الصحيح والموضوع. وأعظم من ذلك أنه يعتمد الأخبار المختلقة الموضوعة، ويرد الأحاديث الصحيحة المسموعة، سنة بني إسرائيل، وتحريف ابن صوريا على جبرائيل (٥).

стр. 17

أفتارك (١) أنا هذا الكتاب البديع المثال، المنيع المنال عرضة لهؤلاء، كأنه خبز شعير، وفيه من فرائد الفوائد ما يجلّ عن مقابلته من الذهب الناض بحمل بعير، ففرقة تأكله وتذمه، وتتوهّم فيه بحسب فهمها السقيم أدنى خلل فلا ترمه. ومنهم من يريد أن يعربه فيعجمه (٢)، ويصبح ظمآن وفي البحر فمه (٣).

стр. 18

فحبست ما كتبت منه عشرين سنة، ولم أسمح به لأحد، لا في يقظة ولا في سنة. ولقد جاءني رائد منهم ناصبا لي الحبالة يريد ليوصله إلى من يستعين به على إقرائه، لا أبا له، فألقمت الحجر فاه، وتلوت على قفاه: أتت بجرابها تكتال فيه. . . فردت وهي فارغة الجراب ألم تر إلى الذي توسل إلينا بأبناء الحنفاء، وتوصل إلينا بأولاد الخلفاء، وتطفل علينا في الموائد فأذنّا لبعض تلامذتنا أن يسمحوا له ببعض ما لنا من الفوائد، فكان أوّل أمره نصب، وآخره غصب، وأغار على كتابنا " المعجزات والخصائص " وغيره، وخان وجنى ثمار غروسنا، وهو فيما جناه جان، فسوّد بذلك وجهه، وتوجه من ترك أداء الأمانة إلى شر وجهة، وسرق من عدة كتب لنا جواهر، لا ملك له فيها ولا شبهة، فنبهنا على خيانته، وإنا لصادقون، وبعثنا في ناديه مؤذنا يؤذن (أيتها العير إنكم لسارقون) [سورة يوسف ٧٠] وعلمنا بذلك بخس ميزانه في الوازنين (١)، وتلونا على قفاه (وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) [سورة يوسف ٥٢] (٢).

стр. 19

فلما كان هذا العام الذي هو ختام القرن رأيت أن أنظر في تبييض هذا الكتاب وتحريره، وتكميل ما بقي منه إلى أخيره، فجمعت الموادَّ، وسلكت الجوادَّ، وحبرته تحبيرا، وبالغت في تهذيبه تقريرا وتحريرا، وسميته " نواهد الأبكار وشوارد الأفكار ". واعلم أني لخصت فيه مهمات مما في حواشي الكشاف السابق ذكرها ما له تعلّق بعبارة الكتاب، وضممت إلى ذلك نفائس تستجاد وتستطاب، مما لخصته من كتب الأئمة الحافلة (١)، كتذكرة أبي عليّ الفارسي (٢)، والخصائص، والمحتسب،

стр. 20

وذا القد لابن جني (١)، وأمالي ابن الشجري (٢)، وأمالي ابن الحاجب (٣)، وتذكرة (٤) الشيخ جمال الدين ابن هشام، ومغنيه، وحاشية الإمام (٥) بدر الدين الدماميني (٦)، وشيخنا الإمام تقي الدين الشمني، غير ناقل حرفا من كلام أحد إلا معزواً إليه؛ لأن بركة العلم عزوه إلى قائله (٧). وحيث كان المحل من المشكلات التي كثر كلام الناس عليها أشبعت القول (٨)

стр. 21

فيه بذكر كلام كل من تكلم عليه تكثيرا للفائدة. ومن المواضع ما وقع فيه تنازع وتباحث بين الأئمة قديما وحديثا بحيث أفردوه بالتأليف فأسوق خلاصة ذلك المؤلف. فدونك كتابا تشد إليه الرحال، وتخضع له أعناق فحول الرجال. جعله الله تعالى خالصا لوجهه الكريم، ونورا يهديني به إلى الصراط المستقيم، إلى جنات النعيم بمنّه وكرمه.

стр. 22

ترجمة المؤلّف هو الإمام القاضي ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي البيضاوي، من قرية يقال لها: البيضاء من عمل شيراز. قال الأسنوي (١) في " طبقات الشافعية ": كان عالما بعلوم كثيرة صالحا خيرا، صنّف التصانيف المشهورة في أنواع العلوم. منها مختصر الكشاف، ومختصر الوسيط في الفقه المسمى بـ " الغاية " و " المنهاج " في أصول الفقه. وتولى قضاء القضاة بإقليمه. وتوفي سنة إحدى وتسعين وستمائة (٢). وقال القاضي تاج الدين السبكي (٣) في " الطبقات الكبرى ": كان إماما مبرزا، نظارا صالحا متعبدا زاهدا، صنّف " الطوالع " و " المصباح " في أصول الدين، و " شرح المصابيح " في الحديث، وولي قضاء القضاة بشيراز، ودخل تبريز وناظر بها، وصادف دخوله إليها مجلس درس قد عقد بها لبعض الفضلاء فجلس في أخريات القوم بحيث لم يعلم به أحد، فذكر المدرّس نكتة زعم أن أحدا من الحاضرين لا يقدر على جوابها، وطلب من القوم حلّها، والجواب عنها، فإن لم يقدروا فالحل فقط، فإن لم يقدروا فإعادتها، فلما انتهى من ذكرها شرع البيضاوي في الجواب، فقال له: لا أسمع حتى أعلم أنك فهمتها، فخيره بين إعادتها بلفظها أو معناها، فبهت المدرس، وقال: أعدها بلفظها، فأعادها ثم حلها، وبيّن أن في تركيبه إيَّاها خللا، ثم أجاب عنها وقابلها في الحال بمثلها، ودعا المدرّس إلى حلّها، فتعذّر عليه ذلك فأقامه الوزير من مجلسه، وأدناه إلى جانبه، وسأله من

стр. 23

أنت؟ فأخبره أنه البيضاوي، وأنه جاء في طلب القضاء بشيراز، فأكرمه وخلع عليه في يومه، ورده، وقد قضى حاجته (١). وقال الصلاح الصفدي (٢) في تاريخه: قال لي الحافظ نجم الدين سعيد الدهلي (٣): توفي القاضي ناصر الدين البيضاوي سنة خمس وثمانين وستمائة بتبريز، ودفن بها. وهو صاحب التصانيف المشهورة البديعة. منها: " المنهاج " في الأصول، وشرحه أيضاً و " شرح مختصر ابن الحاجب " في الأصول، و " وشرح الكافية " في النحو لابن الحاجب، و " شرح المنتخب " في الأصول للإمام فخر الدين، و " شرح المطالع " في المنطق (٤).

стр. 24

الكلام على الخطبة قوله: (الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) هو من الاقتباس، وقد أجمع على جوازه في النثر (١)، واستعمله العلماء قاطبة في خطبهم وإنشاءاتهم، وللمصنّف في ذلك خصوصية، وهي: أن تفسيره هذا مبني كالكشاف على أساليب علم المعاني والبيان والبديع، والاقتباس من تلك الأساليب، فكان في افتتاحه براعة استهلال (٢) من وجهين: أحدهما: الإشارة إلى أن هذا المصنف الذي شرع في افتتاحه تفسير للقرآن. والثاني: الإشارة إلى أن هذا التفسير على قوانين وأساليب البراعة، ولمثل ذلك افتتح الطيبي والتفتازاني معا حاشيتي الكشاف بقوله: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (٣)) [الكهف ١]. فإن قلت: نرى في هذا الزمان قوما يستنكرون ذلك، ويقولون: ألفاظ القرآن لا تستعمل في غيره. قلت: إنّما استنكره هؤلاء جهلا منهم بالنصوص والنقول، فقد استعمله النبي ﷺ في غير ما حديث، والصحابة، والتابعون، والعلماء قديما وحديثا، ونصوا في كتب الفقه على جوازه. فإن قلت: لعلّ المالكية يشددون في ذلك ما لا يشدده أهل مذهبكم. قلت: قد استعمله إمامهم الإمام مالك بن أنس، ونصّ على جوازه غير واحد، منهم ابن عبد البر (٤)؟. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 25

والقاضي عياض (١)، واستعمله في خطبة " الشفا (٢) " وابن المنير، واستعمله في " الانتصاف (٣) " وفي خطبه المنبرية. ونص الشيخ داود الباقلي (٤) في تأليف له على أن المالكية والشافعية اتفقوا على جوازه. فإن قلت: سمعنا الإنكار ممن يزعم أنه متمذهب بمذهب أبي حنيفة ﵀. قلت: هو غير عالم بمذهبه، فلو رأى " شرح مجمع البحرين " لابن الساعاتي (٥) - خصوصا في باب الاستسقاء - لظلت عنقه لجوازه خاضعة، ولاعترف بجهله حيث أنكر ما قامت عليه الأدلة الساطعة. ولأجل ذلك ألّفت في المسألة كتابا حافلاً (٦) فيه جمل من النصوص والنقول،

стр. 26

فليطلبه من أراد تحقيق ذلك. واعلم أن الاقتباس أنواع؛ لأنه تارة يورد فيه نظم القرآن بنصه كما في هذا المطلع، وتارة يزاد فيه الكلمة ونحوها، أو ينقص منه، أو يغير بعض عبارته وإعرابه، وقد استعمل المصنف جميع هذه الأنواع في الخطبة تنبيها منه على جوازها شرعا وبلاغة. فمن الزيادة قوله: (ثم بيّن للناس ما نزّل إليهم حسبما عنَّ لهم من مصالحهم، ليدبّروا آياته وليتذكّر أولو الألباب تذكيرا) فزاد لفظة " تذكيرا " ومن التغيير قوله: (فكشف قناع الانغلاق عن آياتٍ محكماتٍ، هن أُم الكتاب وأخر متشابهات، هن رموز الخطاب، تأويلا وتفسيرا) وقوله: (فَمَنْ كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد فهو في الدارين حميد وسعيد) ومن النقص والتغيير والنقل عن المنزل فيه قوله: (ومهد لهم قواعد الأحكام وأوضاعها من نصوص الآيات وإلماعها؛ ليذهب عنهم الرجز، ويطهرهم تطهيرا) وكلّ ذلك سائغ شائع، فقد استعمله الأئمة، والعلماء، والبلغاء قديما وحديثا، ولا ينكره إلاّ من هو في عداد البهائم. قوله: (فتحدى) الضمير فيه وفي الأفعال بعده راجع إلى (عبده) والتحدي طلب المعارضة والمقابلة. قال في الصحاح: تحديت فلانا إذا باريته في فعل ونازعته الغلبة (١). وقال في الأساس: حدا حدوا، وهو حادي الإبل، واحتدى بها حُداء إذا غنى لها. ومن المجاز: تحدى أقرانه إذا باراهم، وأصله في الحُداء يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدى كل واحد منهما صاحبه، أي يطلب حداءه، كما يقال: توفاه، بمعنى استوفاه (٢). وقال غيره: كانوا عند الحَدْوِ يقوم حاد عن يمين القطار، وحاد عن يساره يتحدى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه، أي يطلب حداءه، ثم اتسع فيه

стр. 27

حتى استعمل في كل مباراة. قوله: (مصاقع) جمع مصقع، وهو الفصيح. قال الجوهري: خطيب مصقع، أي بليغ (١). زاد غيره: يجهر بخطبته، من صقع الديك إذا صاح، وقيل: لأنه يأخذ في كل صقع، أي جانب من الكلام. قوله: (العرب) هم ولد إسماعيل ﵇، والعاربة والعرباء الخلص منهم، أخذ من لفظه وأكّد به، كليل أليل، وظلّ ظليل. قوله: (وأفحم) أي أسكت. قال في الصحاح: كلمته حتى أفحمته، إذا أسكته في خصومة (٢). قوله: (تصدّى) أي تعرض، والمصاداة المعارضة. قوله: (عدنان) الجد الأعلى للنبي ﷺ ، وسائر العرب، وهو عدنان بن أدّ بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار (٣) بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵇. وقحطان أبو اليمن. كذا في الصحاح (٤). وقال الكلبي (٥): هو الهميسع بن نبت (٦) بن إسماعيل بن إبراهيم. كذا نقله المبرد (٧) في كتاب " نسب عدنان وقحطان " وبين في الكتاب المذكور رجوع جميع العرب إليهما (٨).

стр. 28

قوله: (حسب) أي قدر، وهو بفتح السين. قال في الصحاح: وربما سكن للضرورة (١). قوله: (عنَّ) بالتشديد، أي عرض. قوله: (قناع الإنغلاق) القناع بكسر القاف ما تغطي به المرأة رأسها. وفي الصحاح: كلام غلق، أي مشكل (٢). ففيه استعارة بالكناية (٣): شَبَّهَ الكلام الغلق بالمرأة المخدرة، أي المحتجبة، فأضْمَرَ التشبيه في النفس، وحذف المشبه به، ودلّ عليه بلازمه، وهو القناع. قوله: (وأبرز) أي أظهر. قوله: (غوامض) جمع غامض، وهو خلاف الواضح. قوله: (ولطائف) جمع لطيفة، وهي الكلام الدقيق المؤثر في النفس. قوله: (لتتجلى لهم خفايا الملك والملكوت، وخبايا قدس الجبروت) قال الغزالي (٤) في إملائه: حد عالم الملك: ما ظهر للحواس، ويكون بقدرة الله، بعضه من بعض، ويصحبه التغيير. وحد عالم الملكوت: ما أوجده سبحانه بالأمر الأزليّ بلا تدريج، وبقي على حالة واحدة من غير زيادة فيه ولا نقصان منه. وحد عالم الجبروت هو ما بين العالمين مما يشبه أن يكون في الظاهر من عالم الملك، فجبر بالقدرة الأزلية بما هو من عالم الملكوت (٥). انتهى.

стр. 29

وفي " الحقائق " و " الدقائق " جناس لاحق. وفي " خبايا " و " خفايا " جناس مضارع؛ لأن الاختلاف بحرف مقارب في المخرج. قوله: (ومهد) أي وطَّأ وسوى وأصلح. قوله: (وإلماعها) كنى به عن الآيات المشيرة إلى الأحكام إشارة خفية؛ لذكره في مقابلة النصوص، وهو لغة الاختلاس. قوله: (نبراسه) هو المصباح، وفيه مع " رأسه " جناس مُذَيَلٌ (١). وفي " الوجود " و " الجود " جناس ناقص (٢). قوله: (ذميما) أي مذموما. قوله: (توازي) أي تحاذي. قوله: (غناءه) بفتح المعجمة والمدّ. قوله: (وتجازي عناءه) بفتح المهملة والمد، هو التعب، وفي " توازي " و "

стр. 30

تجازي " جناس لاحق (١)، وفي " غناءه " و " عناءه " جناس مُصَحَف (٢). قوله: (ومنارا) هو علم الطريق يوضع ليهتدي به المارون (٣). وبيان كون التفسير أعظم العلوم مقرر في " الإتقان " بما لا مزيد عليه، وكذا حده، والفرق بينه وبين التأويل (٤) قوله: (برع) في الصحاح: برع الرجل بالضم والفتح براعة، أي فاق أصحابه في العلم وغيره (٥). قوله: (في العلوم الدينية) هي التفسير والحديث والفقه وأصول الدين وأصول الفقه. أمّا العلوم الشرعية فذكر الفقهاء في الوصية اختصاصها بالثلاثة الأوَّل، وحكوا في الرابع خلافا، والأكثرون على عدم دخوله فيها. واختار المتولي (٦) دخوله (٧)، وقال الرافعي (٨): إنه قريب (٩). وقال السبكي (١٠): العلم بالله وصفاته وما يجب له وما يستحيل عليه ليُردّ على

стр. 31

المبتدعة، ويميز بين الاعتقاد الفاسد والصحيح، وتقريرُ الحق ونصرُهُ من العلوم الشرعية، والعالم به من أفضلهم. ومن دأبه الجدال والشُبَهُ وخَبْطُ عَشْواءَ وتضييع الزمان فيه والزيادة عليه إلى أن يكون مبتدعا، أو داعيا إلى ضلال (١) فذاك باسم الجهل أحقّ. ولم يعدّ أحد من الفقهاء أصول الفقه في العلوم الشرعية. قوله: (وفاق) في الصحاح: فاق أصحابه يفوقهم، أي علاهم بالشرف (٢). قوله: (في الصناعات العربية، والفنون الأدبية) أحسن المصنف جدا في تفريقه بين العلوم الدينية، والآلات، حيث أطلق على الأولى اسم العلوم، وعلى الأخرى اسم الصناعات والفنون؛ لشرف تلك وشرف لفظ العلم، بخلاف لفظ الصناعات والفنّ. قال في الصحاح: الصناعة حرفة الصانع، وعمله الصنعة. والفنّ النوع (٣). وقال الشيخ سعد الدين في حاشية الكشاف: معلومات العلم إن حصلت بالتمرن على العمل فربما خصت باسم الصناعة، أو بمجرّد النظر والاستدلال فبالعلم، وقد يقال: الصناعة لما تدرّب فيه صاحبه وتمكّن، أو لما يكون المقصود الأصلي منه هو العمل. وبالجملة الصناعة تعلق بالعمل؛ ولذا قالوا: هي ملكة نفسانية يقتدر بها الإنسان على استعمال موضوعات مّا نحو غرض من الأغراض صادرا عن البصيرة بحسب ما يمكن فيها (٤). وقال الطيبي -بعد ما حكى القول الأول ممثلا للتمرن بحصول معلومات النحو بمطارحات الأعراب، ومعلومات صناعتي البلاغة والفصاحة بتتبع خواص تراكيب البلغاء إفادة ودلالة وترتيبا-: والحق أن كل علم مارسه الرجل سواء كان استدلاليا أو غيره حتى صار كالحرفة لة يسمى صناعة.

стр. 32

قال صاحب " الكشاف " في قوله (لبئس ما كانوا يصنعون) [سورة المائدة ٦٣] " كل عامل لا يسمى صانعا، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه (١) ". قوله: (بأنواعها) قال ابن الكمال الأنباري (٢): أنواع علوم الأدب ثمانية: اللغة، والنحو، والتصريف والعروض والقوافي، وصنعة الشعر، وأنساب العرب، وأخبارهم. قال: وألحقنا بها علمين وضعناهما: علم جدل النحو، وعلم أصول النحو (٣). ومعلوم أن الخمسة الأخيرة من الثمانية غير محتاج إليها في التفسير إلا صنعة الشعر، فإنه إشارة إلى علم البلاغة وتوابعها، فإن ذلك كان يسمى قديما صنعة الشعر، ونقد الشعر، ونقد الكلام. وفيه ألّف العسكري (٤) كتابا سماه " الصناعتين " يعني صناعة النثر، وصناعة النظم. وألف قدامة (٥) كتابا سماه " نقد الشعر " وإنما التسمية بالمعاني والبيان والبديع حادثة من المتأخرين. قوله: (ولطالما) قال الشيخ سعد الدين: " ما " فيه وفي " قلما " قيل: مصدرية، والمصدر فاعل، وقيل: كافة للفعل عن طلب الفاعل، ولذا (٦) تكتب متصلة،

стр. 33

ويجوز الفصل (١). قوله: (يحتوي) في الصحاح: حواه يحويه جمعه، واحتوى مثله، واحتوى على الشيء أَلْمَأ - يعني اشتمل - عليه (٢). قوله: (صفوة) في الصحاح: صفوة الشيء خالصه، مثلث الصاد، فإذا أسقطت التاء قيل: صفو، بالفتح لا غير (٣). قوله: (وينطوي) بمعنى يحتوي. قوله: (نكت) جمع نكتة. قال الشيخ سعد الدين: النكتة. كل نقطة من بياض في سواد، أو عكسه. ونكت الكلام لطائفه ودقائقه التي تفتقر إلى تفكر. ونَكَت في الأرض، أي ضرب فيها بالقضيب إذا أثّر فيها (٤). قوله: (رائعة) بمهملة، من راعني الشيء، أي أعجبني. قوله: (وأماثل) في الصحاح: أماثل القوم خيارهم، وقد مثُل الرجل بالضم مثالة، أي صار فاضلا (٥)، والواحد أمثل. قوله: (يثبطني) يقال: ثبطه عن الأمر تثبيطا، شغله عنه. قوله: (فسنح) بمهملتين بينهما نون. في الصحاح: سنح لي رأي في كذا، أي عرض (٦).

стр. 34

قوله: (سورة فاتحة الكتاب) قال الشيخ أكمل الدين: الفاتحة في الأصل إمّا مصدر كالعافية، سمي بها أوّل ما يفتتح به الشيء، من باب إطلاق المصدر على المفعول، والتاء للنقل إلى الاسمية، كما في " النطيحة " وإمّا صفة والتاء للمبالغة، كما في " راوية " نقلت إلى أوّل ما يفتتح به، على معنى الباعث للفتح. قيل: وهذا أشبه؛ لأن " فاعلة " في المصادر قليل. وإضافتها إلى الكتاب بمعنى " من "؛ لأن أوّل الشيء بعضه، ثم جعلت علَماً للسورة المعيّنة؛ لأنها أوّل الكتاب المعجز. وقد تستعمل غير مضافة، إما اختصارا لعدم اللبس، وإما أن تكون علما لمضاف على سبيل الغلبة (١). وقال الشيخ سعد الدين: فاتحة الشيء أوله، وخاتمته آخره، إذ بهما الفتح والدخول في الأمر، والختم والخروج منه. ولعدم اختصاصها بالسورة ونحوها كانت التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية دون تأنيث الموصوف في الأصل. ولكون أَوّلِ الشيءِ بعضَهُ والمضافِ إليه كلَّه، لا سيما الكتاب المفتتح بالتحميد المختتم بالاستعاذة، فإنه هو المجموع الشخصي، لا المفهوم الكلي الصادق على الآية والسورة = كانت الإضافة بمعنى اللام، كما في جزء الشيء، دون " من " كما في " خاتم حديد ". وقد يتوهم أن كل ما هو جزء من الشيء فإضافته إليه بمعنى " من " كأنهار دجلة، وفساده بيّن (٢). وقال الشريف الجرجاني: قال صاحب الكشف (٣): الإضافة في فاتحة الكتاب

стр. 35

بمعنى " من "؛ لأن أول الشيء بعضه. وردّ عليه بأن البعض قد يطلق على ما هو فرد من الشيء، كما يقال: زيد بعض الإنسان، وعلى ما هو جزء له، كما يقال: اليد بعض زيد، وإضافة الأوّل إلى الشيء بمعنى " من "، دون الثاني، ومن ثمّ اشترط في الإضافة بمعنى " من " كون المضاف إليه جنسا للمضاف صادقا عليه، وجعل " من " بيانية كخاتم فضة (١). فإن قلت: لعلّه يجعل الكتاب بمعنى القدر المشترك الصادق على سورة الحمد، وغيرها، أي فاتحة هي الكتاب. قلت: يأباه أن كونها فاتحة وَأَوَّلاً إنما هو بالقياس إلى مجموع المنزل، لا القدر المشترك. فإن قلت: جوّز صاحب " الكشاف " في سورة لقمان الإضافة بمعنى " من " التبعيضية، وجعلها قسيمة للإضافة بمعنى " من " البيانية، حيث قال: معنى إضافة اللهو إلى الحديث التبيين، وهي الإضافة بمعنى " من " كقولك: باب ساج. والمعنى من يشتري اللهو من الحديث؛ لأن اللهو يكون من الحديث، ومن غيره، فبيّن بالحديث. والمراد بالحديث المنكر كما جاء في الحديث " الحديث في المسجد يأكل الحسنات (٢) " ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى " من " التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث، الذي اللهو منه (٣). فنقول -على التقدير الثاني-: إن أريد بالحديث مطلقه كان جنسا للهو منه، صادقا عليه كما يصدق عليه الحديث المنكر، فتكون الإضافة بيانية، ولا مقابلة،

стр. 36

وإن أريد بالحديث العموم والاستغراق كان لهو الحديث جزءا منه، فقد ثبت إضافة الجزء إلى كلّه، بمعنى " من " التبعيضية وإن كانت غير مشهورة. قلت: الظاهر أن المراد مطلق الحديث، لكنه دقق النظر في إضافة الشيء إلى ما هو صادق عليه، فما كان فيه المضاف إليه يحسن جعله بيانا وتمييزا للمضاف كالساج للباب، والحديث المنكر للهو جعلها بيانية، وما لم يحسن ذلك فيه كالحديث المطلق للهو جعلها تبعيضية ميلا إلى جانب المعنى. ثم قال: ولما كانت تسمية هذه السورة بفاتحة الكتاب ظاهرة لم يتعرّض لها، بخلاف تسميتها ب " أم القرآن "، وسائر الأسماء، فتعرّض (١). لبيانها " انتهى. قوله: (وتسمى أمّ القرآن لأنها مفتتحه ومبدؤه فكأنها أصله ومنشؤه) توجيه تسميتها بذلك ذكره أبو عبيدة (٢) في مجازه، وجزم به البخاري في صحيحه، وعبارته: لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، وبقراءتها في الصلاة قبل السورة (٣). قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: وقد استشكل بأن ذلك يناسب تسميتها فاتحة الكتاب، لا أم القرآن. وأجيب بأن ذلك بالنظر إلى أن الأمّ مبدأ الولد (٤). قلت: وهو معنى قول المصنّف: (فكأنها أصله ومنشؤه) قال الماوردي (٥): سميت بذلك لتقدمها وتأخر ما سواها تبعا لها؛ لأنها أمّته، أي تقدمته، ولهذا يقال لراية الحرب: أُمٌّ؛ لتقدمها واتباع الجيش لها. وقد سألني بعض الأفاضل عن قوله: (لأنها مفتتحه ومبدؤه) هل المراد من

стр. 37

اللفظين واحد، وكذا عن قوله: (فكأنها أصله ومنشؤه) أم متغايران؟ فقلت: يحتمل الاتحاد في الموضعين على ما جرت به عادة البلغاء في الخطابات، ويحتمل التغاير، وإليه تشير عبارة أبي عبيدة السابقة، فكان المراد بـ " مفتتحه " أنها يفتتح بها المصاحف كتابة، وبـ " مبدئه " أنها يبدأ بها في الصلاة قراءة أو يراد بـ " المفتتح " ما ذكر، وبـ " المبدإ " أنها بدئ بها في النزول، وعلى هذين يحتمل الاتحاد في قوله: (فكأنها أصله ومنشؤه) لصلاحية ذلك للأمرين، مع تقارب ما بين الأصل والمنشأ، ويحتمل التغاير، ويكون من باب اللف والنشر المرتب، فليتأمل. قوله: (أو لأنها تشتمل على ما فيه من الثناء على الله تعالى، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده) قال القاضي بهاء الدين ابن عقيل (١) في تفسيره: بسط هذا أن آيات القرآن العظيم لا تخلو عن أحد أمور ثلاثة: الثناء على الله تعالى، والتكليف، والحث على الطاعة، وكل من هذه الثلاثة على قسمين: فالثناء يكون بالرأفة والرحمة، والجبروت والعظمة، والتكليف يكون بالأمر والنهي، والحث بالوعد والوعيد. وأهمّ المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل التكليف بالإيمان وفروعه؛ لما فيه من مصالح العباد وانتظام العالم، فهو كالمقصود لذاته، وكل من القسمين الأخيرين (٢) إنما جيء به لأجله، فالثناء بالرحمة والرأفة والحث بالوعد مرغبان في المأمور به، والثناء بالجبروت والعظمة والحث بالوعيد محذران عن المنهي عنه. ولذلك وسط المصنّف - كالزمخشري - التعبد بالأمر والنهي، فأوقع ما هو كالمقصود لذاته مُكتَنَفاً بالأمرين المسبوقين لتقريره.

стр. 38

وهكذا وقع الترتيب في الفاتحة، قدم فيها الثناء، وهو من أولها إلى قوله (يوم الدين) ووسط الدال على التكليف، وهو من قوله (إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين) إلى قوله (المستقيم) وأتى بعد ذلك بالدال على الحث، وهو من قوله (صراط الذين أنعمت عليهم) إلى آخرها. قال: وفي الفاتحة لطيفة أخرى، وهي تقديم الدالِّ على الرحمة، وهو (الرحمن الرحيم) على الدالُّ على الجبروت، وهو (مالك يوم الدين) وتقديم الدالّ على الوعد، وهو (أنعمت عليهم) على الدالّ على الوعيد، وهو (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) لأن الترغيب أبعث للنفوس، ولأن رحمته تعالى سبقت غضبه. انتهى. الشيخ أكمل الدين: أما الثناء فمن قوله (الحمد لله) إلى (مالك يوم الدين) وأما الأمر فمن قوله (إيَّاك نعبد) فإن العبادة ما يكون مأمورا به. وردّ بأنها إذا كانت أول منزل لم يسبق أمر. وأجيب -على تقدير تسليم أوليتها- أن رأس العبادة التوحيد، وفي إجراء الصفات الكمالية على الله تعالى في صدر السورة ما يرشد إلى ذلك، لا سيما وقد سبقها تكليف النبي ﷺ بالتوحيد، وتبليغ السورة، ويكفي ذلك في السبق. ومن الناس من قال: الأمر مستفاد من قوله تعالى (الحمد لله) فإن معناه إحماد الغير، أي جعله حامدا. وأما النهي فقد قيل: إنه مستفاد من قوله (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأن معناه نستعينك في الاجتناب عما نهيت عنه. وردّ بأنه يقتضي نهيا سابقا ولم يكن، وتنزيل جواب الأمر المتقدم على النهي متكلف (١). وقيل: إنه مستفاد من قوله تعالى (الحمد لله) إذا كان معناه احمدوا؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وإن وقع الاختلاف في كيفية ذلك. وأمّا الوعد والوعيد فقوله (أنعمت عليهم) يتضمن الوعد، وقوله (غير

стр. 39

المغضوب عليهم) يتضمن الوعيد. قال: ويجوز أن يقال: وجه اشتمالها على ذلك أن ما في القرآن كله إما أن يكون متعلقا بالألوهية خاصة، أو العبودية كذلك، أو جامعا بينهما، كما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: " إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله تعالى: مجدني عبدي " وهذا كله ثناء يتعلّق بالألوهية. ثم قال: " وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي " وهذا كما ترى دخل فيه الأمر والنهي؛ لأن فيها امتثال الأوامر واجتناب المناهي، فالأمر والنهي من جانب الله تعالى، والامتثال والاجتناب من جانب العبد. ثم قال: " وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخره، قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " (١) يعني ما يشير إلى الوعد والوعيد (٢). انتهى. الشريف: أما الثناء أعني إجراء صفات الله تعالى فظاهر، وأما التعبد فقوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فإن العبادة قيام العبد بحق العبودية وما تعبد به من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، أو في قوله (الصراط المستقيم) إذا أريد به ملة الإسلام المشتملة على الأحكام، أو في قوله (يوم الدين) أي الجزاء، فإنه يتناول الثواب والعقاب. والوجه في انحصار مقاصد الكتاب المجيد في الأصول الثلاثة: أن القرآن أنزل إرشادا للعباد إلى معرفة المبدإ والمعاد ليعرفوا حق المبدإ بامتثال ما أمر ونهى، ويدخروا بذلك للمعاد مثوبة كبرى. وبعبارة أخرى: أنزل القرآن كافلا لسعادة الإنسان، وذلك بأن يعرف مولاه، ويتوصل إليه بما يقرّب منه، ويتنصل عما عداه مما يبعده عنه، ولابد في التوصل من باعث هو الوعد، وفي التنصل من زاجر هو الوعيد، ولولاه هنا لاستقر الكسل

стр. 40

الطبيعي على النفوس، وتسلط عليها دواعي الهوى، وحجبت عن حضرة النور بظلمات بعضها فوق بعض. وقد يظن أن هاهنا مقصدا رابعا: هو الدعاء والسؤال في قوله تعالى (اهدنا الصراط) ويجاب بأنه متفرعّ على ما ذكر، فإن المعتد به من الدعاء ما كان في أمر الآخرة أو أداء الطاعة وترك المعصية. لا يقال: كثير من السور تشتمل على هذه المعاني ولم تسم أم القرآن؛ لأنا نقول: لما كانت هذه السورة متقدمة على سائر السور وضعا، بل نزولا -على قول الأكثر (١) - وكانت مشتملة على تلك المعاني مجملة على أحسن ترتيب، ثم صارت مفصلة في السور ثانية نزلت منها منزلة مكة من سائر القرى، حيث مهدت أرضها أولا، ثم دحيت الأرض من تحتها، فكما أن مكة أم القرى كذلك الفاتحة أم القرآن (٢)، على أن ما ذكرناه وجه التسمية، ولا يجب اطراده (٣). انتهى. قوله: (والتعبد) الأساس: تعبدني فلان: صيرني كالعبد له، وتعبّد فلان تنسك (٤)، وعدّي بالباء، لتضمنه معنى التكليف، أي كلّفه بالأمر والنهي تعبدا، أي بالمأمور والمنهي، ويجوز أن تكون كالباء كما في كتبت بالقلم، والأمر والنهي على حقيقتهما (٥). قوله: (أو على جملة معانيه من الحكم النظرية، والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء) هذا تعليل ثالث لتسميتها أم (٦) القرآن مزيد على الكشاف. وبسطه -على ما ذكره الطيبي- أنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم، هي مناط الدين:
следующие страницы →