← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وإن أريد بالحديث العموم والاستغراق كان لهو الحديث جزءا منه، فقد ثبت إضافة الجزء إلى كلّه، بمعنى " من " التبعيضية وإن كانت غير مشهورة. قلت: الظاهر أن المراد مطلق الحديث، لكنه دقق النظر في إضافة الشيء إلى ما هو صادق عليه، فما كان فيه المضاف إليه يحسن جعله بيانا وتمييزا للمضاف كالساج للباب، والحديث المنكر للهو جعلها بيانية، وما لم يحسن ذلك فيه كالحديث المطلق للهو جعلها تبعيضية ميلا إلى جانب المعنى. ثم قال: ولما كانت تسمية هذه السورة بفاتحة الكتاب ظاهرة لم يتعرّض لها، بخلاف تسميتها ب " أم القرآن "، وسائر الأسماء، فتعرّض (١). لبيانها " انتهى. قوله: (وتسمى أمّ القرآن لأنها مفتتحه ومبدؤه فكأنها أصله ومنشؤه) توجيه تسميتها بذلك ذكره أبو عبيدة (٢) في مجازه، وجزم به البخاري في صحيحه، وعبارته: لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، وبقراءتها في الصلاة قبل السورة (٣). قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: وقد استشكل بأن ذلك يناسب تسميتها فاتحة الكتاب، لا أم القرآن. وأجيب بأن ذلك بالنظر إلى أن الأمّ مبدأ الولد (٤). قلت: وهو معنى قول المصنّف: (فكأنها أصله ومنشؤه) قال الماوردي (٥): سميت بذلك لتقدمها وتأخر ما سواها تبعا لها؛ لأنها أمّته، أي تقدمته، ولهذا يقال لراية الحرب: أُمٌّ؛ لتقدمها واتباع الجيش لها. وقد سألني بعض الأفاضل عن قوله: (لأنها مفتتحه ومبدؤه) هل المراد من

стр. 37

اللفظين واحد، وكذا عن قوله: (فكأنها أصله ومنشؤه) أم متغايران؟ فقلت: يحتمل الاتحاد في الموضعين على ما جرت به عادة البلغاء في الخطابات، ويحتمل التغاير، وإليه تشير عبارة أبي عبيدة السابقة، فكان المراد بـ " مفتتحه " أنها يفتتح بها المصاحف كتابة، وبـ " مبدئه " أنها يبدأ بها في الصلاة قراءة أو يراد بـ " المفتتح " ما ذكر، وبـ " المبدإ " أنها بدئ بها في النزول، وعلى هذين يحتمل الاتحاد في قوله: (فكأنها أصله ومنشؤه) لصلاحية ذلك للأمرين، مع تقارب ما بين الأصل والمنشأ، ويحتمل التغاير، ويكون من باب اللف والنشر المرتب، فليتأمل. قوله: (أو لأنها تشتمل على ما فيه من الثناء على الله تعالى، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده) قال القاضي بهاء الدين ابن عقيل (١) في تفسيره: بسط هذا أن آيات القرآن العظيم لا تخلو عن أحد أمور ثلاثة: الثناء على الله تعالى، والتكليف، والحث على الطاعة، وكل من هذه الثلاثة على قسمين: فالثناء يكون بالرأفة والرحمة، والجبروت والعظمة، والتكليف يكون بالأمر والنهي، والحث بالوعد والوعيد. وأهمّ المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل التكليف بالإيمان وفروعه؛ لما فيه من مصالح العباد وانتظام العالم، فهو كالمقصود لذاته، وكل من القسمين الأخيرين (٢) إنما جيء به لأجله، فالثناء بالرحمة والرأفة والحث بالوعد مرغبان في المأمور به، والثناء بالجبروت والعظمة والحث بالوعيد محذران عن المنهي عنه. ولذلك وسط المصنّف - كالزمخشري - التعبد بالأمر والنهي، فأوقع ما هو كالمقصود لذاته مُكتَنَفاً بالأمرين المسبوقين لتقريره.

стр. 38

وهكذا وقع الترتيب في الفاتحة، قدم فيها الثناء، وهو من أولها إلى قوله (يوم الدين) ووسط الدال على التكليف، وهو من قوله (إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين) إلى قوله (المستقيم) وأتى بعد ذلك بالدال على الحث، وهو من قوله (صراط الذين أنعمت عليهم) إلى آخرها. قال: وفي الفاتحة لطيفة أخرى، وهي تقديم الدالِّ على الرحمة، وهو (الرحمن الرحيم) على الدالُّ على الجبروت، وهو (مالك يوم الدين) وتقديم الدالّ على الوعد، وهو (أنعمت عليهم) على الدالّ على الوعيد، وهو (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) لأن الترغيب أبعث للنفوس، ولأن رحمته تعالى سبقت غضبه. انتهى. الشيخ أكمل الدين: أما الثناء فمن قوله (الحمد لله) إلى (مالك يوم الدين) وأما الأمر فمن قوله (إيَّاك نعبد) فإن العبادة ما يكون مأمورا به. وردّ بأنها إذا كانت أول منزل لم يسبق أمر. وأجيب -على تقدير تسليم أوليتها- أن رأس العبادة التوحيد، وفي إجراء الصفات الكمالية على الله تعالى في صدر السورة ما يرشد إلى ذلك، لا سيما وقد سبقها تكليف النبي ﷺ بالتوحيد، وتبليغ السورة، ويكفي ذلك في السبق. ومن الناس من قال: الأمر مستفاد من قوله تعالى (الحمد لله) فإن معناه إحماد الغير، أي جعله حامدا. وأما النهي فقد قيل: إنه مستفاد من قوله (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأن معناه نستعينك في الاجتناب عما نهيت عنه. وردّ بأنه يقتضي نهيا سابقا ولم يكن، وتنزيل جواب الأمر المتقدم على النهي متكلف (١). وقيل: إنه مستفاد من قوله تعالى (الحمد لله) إذا كان معناه احمدوا؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وإن وقع الاختلاف في كيفية ذلك. وأمّا الوعد والوعيد فقوله (أنعمت عليهم) يتضمن الوعد، وقوله (غير

стр. 39

المغضوب عليهم) يتضمن الوعيد. قال: ويجوز أن يقال: وجه اشتمالها على ذلك أن ما في القرآن كله إما أن يكون متعلقا بالألوهية خاصة، أو العبودية كذلك، أو جامعا بينهما، كما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: " إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله تعالى: مجدني عبدي " وهذا كله ثناء يتعلّق بالألوهية. ثم قال: " وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي " وهذا كما ترى دخل فيه الأمر والنهي؛ لأن فيها امتثال الأوامر واجتناب المناهي، فالأمر والنهي من جانب الله تعالى، والامتثال والاجتناب من جانب العبد. ثم قال: " وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخره، قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " (١) يعني ما يشير إلى الوعد والوعيد (٢). انتهى. الشريف: أما الثناء أعني إجراء صفات الله تعالى فظاهر، وأما التعبد فقوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فإن العبادة قيام العبد بحق العبودية وما تعبد به من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، أو في قوله (الصراط المستقيم) إذا أريد به ملة الإسلام المشتملة على الأحكام، أو في قوله (يوم الدين) أي الجزاء، فإنه يتناول الثواب والعقاب. والوجه في انحصار مقاصد الكتاب المجيد في الأصول الثلاثة: أن القرآن أنزل إرشادا للعباد إلى معرفة المبدإ والمعاد ليعرفوا حق المبدإ بامتثال ما أمر ونهى، ويدخروا بذلك للمعاد مثوبة كبرى. وبعبارة أخرى: أنزل القرآن كافلا لسعادة الإنسان، وذلك بأن يعرف مولاه، ويتوصل إليه بما يقرّب منه، ويتنصل عما عداه مما يبعده عنه، ولابد في التوصل من باعث هو الوعد، وفي التنصل من زاجر هو الوعيد، ولولاه هنا لاستقر الكسل

стр. 40

الطبيعي على النفوس، وتسلط عليها دواعي الهوى، وحجبت عن حضرة النور بظلمات بعضها فوق بعض. وقد يظن أن هاهنا مقصدا رابعا: هو الدعاء والسؤال في قوله تعالى (اهدنا الصراط) ويجاب بأنه متفرعّ على ما ذكر، فإن المعتد به من الدعاء ما كان في أمر الآخرة أو أداء الطاعة وترك المعصية. لا يقال: كثير من السور تشتمل على هذه المعاني ولم تسم أم القرآن؛ لأنا نقول: لما كانت هذه السورة متقدمة على سائر السور وضعا، بل نزولا -على قول الأكثر (١) - وكانت مشتملة على تلك المعاني مجملة على أحسن ترتيب، ثم صارت مفصلة في السور ثانية نزلت منها منزلة مكة من سائر القرى، حيث مهدت أرضها أولا، ثم دحيت الأرض من تحتها، فكما أن مكة أم القرى كذلك الفاتحة أم القرآن (٢)، على أن ما ذكرناه وجه التسمية، ولا يجب اطراده (٣). انتهى. قوله: (والتعبد) الأساس: تعبدني فلان: صيرني كالعبد له، وتعبّد فلان تنسك (٤)، وعدّي بالباء، لتضمنه معنى التكليف، أي كلّفه بالأمر والنهي تعبدا، أي بالمأمور والمنهي، ويجوز أن تكون كالباء كما في كتبت بالقلم، والأمر والنهي على حقيقتهما (٥). قوله: (أو على جملة معانيه من الحكم النظرية، والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء) هذا تعليل ثالث لتسميتها أم (٦) القرآن مزيد على الكشاف. وبسطه -على ما ذكره الطيبي- أنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم، هي مناط الدين:

стр. 41

أحدها علم الأصول، ومعاقده معرفة الله تعالى وصفاته، وإليها الإشارة بقوله (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم) ومعرفة النبوات، وهي المرادة بقوله (أنعمت عليهم) ومعرفة المعاد، وهو المومأ إليه بقوله (مالك يوم الدين) ثانيها: علم الفروع وأسه العبادات، وهو المراد بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ثالثها: علم التصوف (١)، وأجله الوصول إلى الحضرة والسلوك لطريقة

стр. 42

الاستقامة، وإليه الإشارة بقوله (اهدنا الصراط المستقيم) رابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة والقرون الخالية، السعداء منهم والأشقياء، وما يتصل بها من وعد محسنهم، ووعيد مسيئهم، وهو المراد بقوله (أنعمت عليهم) إلى آخر السورة (١). وللإمامين الغزالي (٢) والرازي (٣) في تقرير اشتمالها على علوم (٤) القرآن كلامان آخَران ذكرتهما في " الإتقان " وفي " أسرار التنزيل " وبينت فيه وجه الجمع بين ذلك، وبين حديث " إنها ثلثا القزآن (٥) " فليطلب (٦) منه (٧) (٨).

стр. 43

قوله (وسورة الكنز، والوافية، والكافية لذلك) أي لاشتمالها على معاني القرآن. وقيل: إنما سميت الوافية لأنها لا تقبل التنصيف في الصلاة، بخلاف غيرها. قاله الثعلبي (١). وقيل: لأنها جمعت بين ما لله وبين ما للعبد. قاله المرسي (٢). وقيل: إنما سميت كافية لأنها تكفي في الصلاة عن غيرها، ولا يكفي غيرها عنها. وقال الشيخ أكمل الدين: سميت سورة الكنز لما رويناه عن عليّ ﵁ (٣). قلت: يشير إلى ما أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن عليّ رضي الله عنه أنه سئل عن فاتحة الكتاب فقال: حدثنا نبي الله ﷺ أنها أنزلت من كنز تحت العرش (٤).

стр. 44

قوله: (وسورة الحمد، والشكر، والدعاء، وتعليم المسألة لاشتمالها عليها) على أي الأمور المذكورة، الحمد وما بعده. قوله: (والصلاة) أي ومن أسمائها. سورة الصلاة، فيكون مجرورا معطوفا على الحمد وما بعده، ويجوز أن يكون مراده أن من أسمائها الصلاة من غير تقدير سورة، وهو قول ذكره بعضهم، لحديث " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي " قال المرسي: لأنها من لوازمها، فهو من باب تسمية الشيء باسم لازمه، فيكون منصوبا معطوفا على سورة والأوّل هو الذي في الكشاف (١). قوله: (لوجوب قراءتها، أو استحبابها فيها) " أو " لتنويع الخلاف بين الأئمة في ذلك، فإن الوجوب مذهب الشافعي (٢) ﵀، والاستحباب مذهب أبي حنيفة (٣) ﵀. قوله (والشفاء، والشافية لقوله: " هي شفاء لكل داء ") أخرجه الدارمي (٤) في مسنده، والبيهقي (٥) في شعب الإيمان بسند صحيح من مرسل عبد الملك بن عمير (٦) قال: قال رسول الله ﷺ في

стр. 45

فاتحة الكتاب: " شفاء من كل داء " (١) وأخرج أحمد في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن جابر (٢) أن رسول الله ﷺ قال له: " ألا أخبرك بأخير سورة نزلت في القرآن، قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاتحة الكتاب، وأحسبه قال: فيها شفاء من كل داء (٣) " وأخرج الثعلبي من طريق معاوية بن صالح (٤)، عن أبي سليمان (٥) قال: مرّ أصحاب النبي ﷺ في بعض غزواتهم على رجل قد صرع، فقرأ بعضهم في أذنه بأم القرآن، فبرأ فقال رسول الله ﷺ : " هي أم القرآن، وهي شفاء من كل داء (٦) ". وفي سنن سعيد بن منصور، وشعب الإيمان للبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: " فاتحة الكتاب شفاء من السُّمِّ (٧) " وأخرجه أبو الشيخ ابن حيّان (٨) في " الثواب " من حديث أبي سعيد، وأبي

стр. 46

هريرة معا. قوله: (والسبع المثاني؛ لأنها سبع آيات بالاتفاق) هو تعليل للسبع فقط، ويأتي تعليل المثاني. وما ذكره من الاتفاق قد يعترض عليه بما ذكره حسين الجعفي (١): أنها ست آيات بإسقاط البسملة. وعن الحسن البصري، وعمرو بن عبيد (٢) أنها ثمان، بعد (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وعن بعضهم أنها تسع بعدّها، وعدّ (أنعمت عليهم) إلا أنها أقوال شاذة، لا يعتد بها. الشريف: المثاني جمع مُثَنَّى، على صيغة المفعول من التثنية مردَّدٌ ومكرر، ويجوز أن يكون جمع مثنى مفعل، من التثنية، أو مَثْناة مفعلة من الثَنْي (٣). * * * فائدة (٤): ليس في القرآن سورة هي سبع آيات سوى " الفاتحة "، و " أرأيت " ولا ثالث لهما. قال جعفر بن أحمد بن الحسين السرّاج البغدادي (٥) في أرجوزته التي نظم فيها النظائر. فَسُوْرَةُ الحَمْدِ لَهَا نَظِيْرَهْ. . . أَرَأَيْتَ إِنْ أَنْتَ قَرَأْتَ السُّوْرَه كلاهما إذا عددتَّ سبعُ. . . وليس للحق اليقين دفعُ (٦) قوله: (إلا أن منهم من عدّ التسمية، دون (أنعمت عليهم) (٧) ومنهم من عكس)

стр. 47

أي عدّ (أنعمت عليهم) كما عبّره في الكشاف (١) قال الشيخ أكمل الدين: وظاهره ليس بمراد؛ لأن (أنعمت عليهم) ليس بآية بالاتفاق، وإنما المراد (أنعمت عليهم) مع قوله (صراط الذين) لأنه صلة (الذين) وقد أضيف إليه (صراط) فاستغنى به عن ذكرهما (٢). وكذا قال الشريف: أراد (صراط الذين أنعمت عليهم) إلا أنه اختصر لظهور أن الصلة بدون الموصول، والمضاف إليه بدون المضاف لا يعدّ آية؛ لأن الكل في حكم كلمة واحدة (٣). قال الطيبي: قال في " المرشد (٤) ": إن وقفت على (أنعمت عليهم) كان آخر آية على مذهب أهل المدينة والبصرة، وهو جائز، وليس بحسن؛ لأن (غير) مجرورا متعلّق به على الوصفية، أو البدلية، ومنصوبا على الحالية، أو الاستثنائية. وجوازه إنما يكون بالخبر المروي أنه ﷺ كان يقف عند أواخر الآيات، وهذا آخر آية عند من ذكرت، فهذا وجه جوازه (٥). قال الطيبي: وعدّ التسمية أولى؛ لأن (أنعمت عليهم) لا يناسب وزانه وزان فواصل السور، ولما روى البغوي (٦) في " شرح السنة " عن ابن عباس أنه قال: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الآية السابعة (٧) "

стр. 48

قلت: ورواه الدارقطني (١)، والبيهقي عن عليّ (٢) وأبي هريرة (٣) أيضاً. ورواه الطبراني، والبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا. وقال أبو عبد الله نصر بن علي الشيرازي (٤) في كتابه " الموضح ": ليس قول

стр. 49

من قال (أنعمت عليهم) رأس آية بصحيح؛ لأنه ليس بمشاكل لآيات السورة، ولا مقارب لها، ومقاطع القرآن إما متشاكلة، أو متقاربة. ثم إن الابتداء ب (غير) في أوّل الآية ليس بمستقيم (١). وقال سليم الرازي (٢): ليس في القرآن آية آخرها عليهم، خصوصا وما بعد (أنعمت عليهم) غير مستقل بنفسه. قوله: (وتُثَنى في الصلاة) هذا تعليل للمثاني، أي تكرر فيها بأن تقرأ في كل ركعة. وهو مراد الكشاف بقوله: " لأنها تثنى في كل ركعة " أي صلاة، كما فسره الطيبي، وأكمل الدين، وقالا: كما في قوله (واركعوا مع الراكعين) سورة البقرة ٤٣] أي صلوا مع المصلين (٣). قال الشريف: تسمية للكل باسم الجزء. قال: وهذه العبارة أعني لأثها تثنى في كل ركعة وردت في صحاح الجوهري (٤)، ولعل فائدة المجاز المبالغة في أن كل صلاة فعلة واحدة، ركعة واحدة، وقد تعددت الفاتحة فيها فيتضح تكريرها زيادة إيضاح، وقيل: إنها تكرر في كل ركعة بالقياس إلى أخرى، ففي الثانية لوقوعها مرة في الأولى، وفي الأولى عند انضمام الثانية إليها. قال: والأشبه أن يراد بيان محل التكرير، على أن الفاتحة مما تتكرر بحسب الركعة، لا بحسب أركانها كالطمأنينة، ولا بحسب كل صلاة كالتسليم، فإن تعددت الركعة تكررت الفاتحة، وإلاّ فلا. كأنه قيل: لأنها تُثَنى باعتبار تعدد الركعة. قال: وهذا المعنى وإن كان واضخا في نفسه إلا أن دلالة هذه العبارة عليه في غاية الخفاء (٥)

стр. 50

قلت: وبسبب ذلك عدل المصنّف إلى عبارة أوضح، لكن صاحب الكشاف آثر العبارة الأولى؛ لأنها وردت في صحاح الجوهري كما أشار إليه الشريف، بل هي مأثورة عن عمر بن الخطاب ﵁، كما أخرجه ابن جرير في تفسيره بسند حسن عنه قال: " السبع المثاني فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعة (١) " وعادة الأئمة المصنفين اتباع اللفظ الوارد في الحديث والأثر تبركا به، وليحتمل من التأويل ما احتمله. قوله: (أو الإنزال) تعليل ثان لتسميتها بالمثاني على تقدير أو ثنيت في الإنزال، إذ لا يصح العطف على تقدير الفعل الأوّل كما لا يخفى، وإنما دعاه إلى ذلك إرادة الإيجاز وسهله (٢) وضوح المراد. قوله: (إن صحت أنها نزلت بمكة حين فرضت الصلاة، وبالمدينة حين حولت القبلة) أشار بهذا التشكيك إلى أنه لم يثبت في ذلك حديث ولا أثر، وإنما هو شيء قاله بعض العلماء اجتهادا، والوارد (٣) أنها نزلت بمكة أول بدء الوحي. كذا أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنّف "، وأبو نعيم (٤)، والبيهقي كلاهما في " دلائل النبوة (٥) " من مرسل أبي ميسرة (٦). وقد علل كونها مثاني أيضاً بأنها مشتملة على الثناء على الله تعالى، وبأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، فلم ينزلها على غيرها.

стр. 51

فالأولان من التثنية، والثالث من الثناء، والرابع من الاستثناء. وأقوى الأربعة الأوّل؛ لما تقدم عن عمر ﵁. قال البلقيني في " كشافه ": وبعضهم يعبر بقوله: السبع من المثاني، ويفسر المثاني بالقرآن؛ لأن القصص تُثَنّى فيه وتكرر للإفهام. قوله: (وقد صحّ أنها مكية) قلت: أخرجه الواحدي (١)، والثعلبي عن علي بن أبي طالب ﵁ (٢)، وأخرجه أبو بكر ابن الأنباري في كتاب " المصاحف " عن قتادة (٣). قوله: (لقوله تعالى (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) [سورة الحجر ٨٨] وهو مكي بالنص) قلت: إن أرد نص المفسرين فقريب، إلا أنه غير المصطلح عليه في إطلاق النص، إذ لا يفهم منه عند الإطلاق إلا الكتاب والسنة، وليس فيهما ما يدلّ على مكيته. وقد يجاب بأن ذلك ثبت عن ابن عباس ﵁ (٤)، وكلام الصحابي في القرآن -خصوصا في النزول- له حكم المرفوع، فجاز إطلاق النص عليه بهذا الاعتبار. ثم استدلاله على أن الفاتحة مكية بآية الحجر لهج به الناس كثيرا، ولكن غيره ْأقوى منه؛ لأنه موقوف. أولا: على تفسير السبع المثاني بالفاتحة، وهو وإن كان صحيحا ثابتا في الأحاديث (٥) فقد صح أيضاً عن ابن عباس ﵁، وغيره تفسيرها بالسبع

стр. 52

الطوال (١). وثانيا: -بعد ثبوت الأوّل- على أنه يمتنع الامتنان بالشيء قبل إيتائه. وهذا وإن ذكره كثيرون ففيه نظر واضح، وأيّ مانع من تقدم الامتنان على الإيتاء تعظيما للمؤتى وتفخيما لشأنه؛ لتتشوف النفس إلى حصوله، ولتتلقى عند حصوله بغاية الإقبال والقبول ما كما امتنّ عليه بأمور قبل إيتائه إيَّاها (٢)، كقوله تعالى (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) [سورة الفتح ١] وذلك قبل حصول الفتح بسنتين، والتعبير بالماضي في المقيس والمقيس عليه تحقيقا للوقوع. فالأولى الاستدلال بالنقل عن الصحابة الذين شاهدوا الوحي والتنزيل. تنبيهان: الأوّل: حاصل ما ذكره المصنّف لها أربعة عشر اسما، وبقي من أسمائها عشرة أخرى: فاتحة القرآن، وأم الكتاب، والقرآن العظيم، والنور، وسورة الحمد الأولى، وسورة الحمد القصرى، والرقية، وسورة السؤال، وسورة المناجاة،

стр. 53

وسورة التفويض. وقد ذكرتها بتوجيهها في " الإتقان (١) ". الثاني: اسم السورة الذي تشتهر به توقيفي، وأما الأسماء المتعددة فهل هي توقيفية أيضاً؟ فيه بحث ذكرته في " الإتقان " أيضاً (٢). قوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من الفاتحة) هي من مهمات المسائل، وحق لها أن تكون كذلك؛ لأنه كلام يتعلّق بإثبات آية من كتاب الله تعالى، أو نفيها عنه. وقد أفردها بالتصنيف خلق من الأئمة: منهم الإمام أبو بكر ابن خزيمة صاحب الصحيح (٣)، والحافظ أبو بكر الخطيب (٤)، والحافظ أبو عمر ابن عبد البر، ومال إلى مذهب الشافعي (٥)، وهو من أئمة المالكية ومجتهديهم، وحجة الإسلام

стр. 54

أبو حامد الغزالي (١)، والفقيه سلطان بن إبراهيم المقدسي (٢)، وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي، وأبو المعالي مُجَلِّي صاحب (٣) " الذخائر "، والحافظ أبو شامة (٤). قوله: (وعليه قراء مكة) كابن كثير (٥) (والكوفة) كعاصم (٦) حمزة (٧) والكسائي (٨). قوله: (وخالفهم قراء المدينة) كنافع (٩) (والبصرة) كأبي عمرو (١٠))

стр. 55

والشام) كابن عامر (١). قوله: " وفقهاؤهما (٢) " كذا في النسخة التي وقفت عليها بضمير التثنية -ونعمّا هي- رجوعا إلى البصرة والشام فقط. وفي " الكشاف ": وفقهاؤها بضمير جمع المؤنث رجوعا إلى المدينة أيضاً. وقل تعقبه البلقيني في " كشافه " بأنه يقتضي إجماع أهل المدينة عليه، وليس كذلك، فإن جماعة من فقهاء المدينة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عمر والزهري ومن غيرهما يرون أنها آية من الفاتحة ومن غيرها. فكأن المصنّف أصلح العبارة إشارة إلى ذلك. ثم قوله: (من الفاتحة) يصدق بقول من جعلها آية منها ومن غيرها، ومن جعلها آية منها وبعض آية من غيرها، ومن جعلها آية منها وأنها بين السور قرآن مستقل، كسورة قصيرة، لا آية من السورة، ولا بعض آية. وهي أقوال معروفة، ومقابلها النفي، فهي أربعة، وفيها قول خامس أنها آية من الفاتحة، وليست في سائر السور قرآناً أصلا. قال الحافظ أبو شامة: سبب الاختلاف في البسملة أنه قد وقع الإجماع على استحباب ذكر الله تعالى عند ابتداء كل أمر له بال حين الشروع فيه، وقد ورد فيه خبر عن النبي ﷺ . وقد كانت العرب في الجاهلية تفعل ذلك فيقولون: باسمك اللهم، ويدلّ عليه ما في قصة هدنة الحديبية (٣)، ثم إنه شرع للنبي ﷺ في ذلك لفظ البسملة. وذكر الله تعالى في كتابه حكاية عن كتاب سليمان ﵇ أنها

стр. 56

كانت في أوله. ثم أثبتها الصحابة في المصحف خطًّا في أوّل كل سورة سوى براءة، فاختلف العلماء هل كان ذلك لأنها أنزلت حيث كتبت، أو فعل ذلك للتبرك كما في غيره، ولم يكتف بها في أول الفاتحة، بل أعطيت كل سورة حكم الاستقلال إرشادا لمن أراد افتتاح أيّ سورة منها إلى البسملة في أولها. ولما فقد هذا المعنى حين التلاوة بوصل السورة اختلف القراء فيه: فمنهم من اتبع المصحف فبسمل مستمرا على ذلك، إذ القراءة في اتباع الرسم شأن يُخَالَفُ لأجله قياس اللغة، على ما قد عرف في علم القراءة، فما الظن بهذا؟. وقد كان تقرر عندهم أن المصحف لم تكتبه الصحابة إلاّ ليرجع إليه فيما كانوا اختلفوا فيه. ومنهم من فهم المعنى فلم يبسمل إلاّ في أوّل سورة يبتدئ بها (١). وقد صحّ أن النبي ﷺ لما أنزلت الكوثر وتلاها على الناس بسمل في أوّلها (٢). وكذا لما قرأ سورة حم السجدة على عتبة بن ربيعة (٣)، ولما تلا سورة

стр. 57

المجادلة على امرأة (١) أوس بن الصامت (٢)، ولما قرأ سورة الروم على المشركين (٣)، ولإيلاف قريش -أخرج البيهقي حديثهما في " الخلافيات (٤) " - ولما

стр. 58

قرأ سورة الحجر أخرجه ابن أبي هاشم (١) بسنده (٢).

стр. 59

وصحّ أنه ﷺ لما تلا الآيات التي أنزلت في شأن براءة عائشة لم يبسمل، ففهم من ذلك أمر زائد على ما مضى، وهو أن البسملة من خواص أوائل السور، وأن هذا ليس من باب ذكرها للتبرك عند ابتداء كل أمر ذي بال، وإلا لكانت قضية عائشة ﵂ من أبلغ مقتض لذلك. ثم الظن بالصحابة ﵃ أنهم إنما أثبتوها في المصحف حيث أثبتوها لتلقيهم من النبي ﷺ النصوصية على أنها من أوّل كل سورة، أو لظنهم ذلك، وكان هذا عندهم من الأمور الواضحة الجلية، ولهذا لم يقع بينهم فيها نزاع حين كتبت، ولو كانت من باب التبرك لم تكتب كما لم يكتبوا التعوذ المأمور به قبل البسملة، ولا " آمين " المأمور بها بعد قراءة القاتحة، ولا وقع بينهم نزاع في ذلك، فحصل ظنّ غالب أنها من القرآن (١). انتهى. وقد حكى النووي في " شرح المهذّب " في البسملة (٢) وجهين: أحدهما: -وصححه- أن إثباتها قرآنا على وجه الظن. والثاني: أنه على وجه القطع (٣). وقد شنّع القاضي أبو بكر الباقلاني (٤) وغيره على الشافعي في ذلك بأن القرآن لا يثبت بالظن، إثما يثبت بالتواتر (٥). وأجاب عنه القاضي تاج الدين السبكي في " رفع الحاجب " بأنا لا ندعي تواتر

стр. 60

البسملة الآن، فإنا نحن لم نثبتها، إنما المثبت لها إمامنا الشافعي، فلعلّها تواترت عنده، ورب متواتر عند قوم دون آخرين، وفي وقت دون آخر. واستشكل قوم النفي على وجه القطع، فإن المقطوع بكونه قرآنا يكفر نافيه. وأجاب جماعة بأن قوّة الشبهة منعت التكفير من الجانبين (١). قال ابن الصباغ (٢) في " الشامل ": من أصحابنا من أثبتها قطعا لكونها في المصحف، ولم يكفر جاحدها، كما لم يكفر مثبتها، وإنما كان كذلك لحصول ضرب من الشبهة، كما قامت لابن مسعود في المعوذتين (٤).

стр. 61

واستشكل آخرون الأمرين معا: الإثبات، والنفي، فإن القرآن لا يثبت بالظن، ولا ينفى بالظن، ولا شكَّ أنه إشكال قويّ كالجبل. وقد أخبرني بعض الفضلاء بأنه سمع الحافظ ابن حجر يقرر في درسه في الجواب عنه: أن حكم البسملة في ذلك حكم الحروف المختلف فيها بين القراء السبعة، فتكون قطعية الإثبات، والنفي معا، ولهذا قرأ (١) بعض السبعة بإثباتها، وبعضهم بإسقاطها، فاستحسنت ذلك جدا. ثم رأيت تلميذه الشيخ برهان الدين البقاعي (٢) حكى ذلك عنه في ترجمته من معجمه (٣). ثم رأيت خاتمة القراء الشيخ شمس الدين ابن الجزري سبقه إلى ذلك فقال

стр. 62

في كتابه " النشر " - بعد أن حكى الأقوال الخمسة السابقة في البسملة: - وهذه الأقوال ترجع إلى النفي، والإثبات. والذي نعتقده أن كليهما صحيح، وأن كلّ ذلك حق، فيكون الاختلاف فيها كالاختلاف في القراءات (١). هذا لفظه (٢). ثم رأيت أبا شامة حكى ذلك في كتاب " البسملة " فقال: ونقل عن بعض المتأخرين (٣) أنها آية حيث كتبت في بعض الأحرف السبعة، دون بعض، قال: وهذا قول غريب، ولا بأس به إن شاء الله تعالى. وكأنه نزّل اختلاف القراء في قراءتها بين السور منزلة اختلافهم في غيرها، فكما اختلفوا في حركات وحروف اختلفوا أيضاً في إثبات كلمات وحذفها كقوله تعالى في سورة الحديد (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [سورة الحديد ٢٤] اختلف القراء في إثبات (هو) وحذفها، وكذلك (من) في آخر سورة التوبة (تجري من تحتها الأنهار) [سورة التوبة ٨٩] فلا بعد أن يكون الاختلاف في البسملة من ذلك، وإن كانت المصاحف أجمعت عليها فإن من القراآت ما جاء على خلاف خط المصحف كـ (الصراط) و (يبصط) و (مصيطر) اتفقت المصاحف على كتابتها بالصاد، وفيها قراءة أخرى ثابتة بالسين، وقوله تعالى (وما هو على الغيب بضنين) يقرأ بالضاد وبالظاء، ولم يكتب في مصاحف الأئمة إلا بالضاد، وقراءة القرآن تكون في بعض الأحرف السبعة أتم حروفا وكَلِماً من بعض، ولا مانع من ذلك يخشى، فالبسملة في قراءةٍ صحيحةٍ آيةٌ من أم القرآن، وفي قراءة صحيحة ليست آية من أم القرآن، والقرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها حق، وهذا كله من تلك الأحرف لصحته، فقد وجب -إذ كلّها حقّ- أن يفعل الإنسان في قراءته أيّ ذلك شاء. قال: وقد تكلّم القاضي أبو بكر على صحة مجيء بعض الأحرف أتم من غيرها، وبيّنه في كتاب " الانتصار " (٤).

стр. 63

ثم قال أبو شامة: فإن قلت: يتفرَّع على القول بهذا -بعد تقريره- أن المكلف بالصلاة مخير في قراءة البسملة فيها، إن شاء قرأها، وإن شاء تركها، كغير هذا الحرف مما اختلف فيه القراء، كلا الأمرين له واسع، وفي مذهبك تتحتم قراءتها. قلت: إنما تتحتم قراءتها في مذهب الشافعي في الفاتحة وحدها، ولا ينافي هذا القول ذلك، فإن القراء مجمعون على قراءتها أول الفاتحة (١) إلا ما شذّ روايته عن بعضهم، فليس فيها في الفاتحة تخيير، بخلاف غيرها من السور، وإنما وجبت في الفاتحة احتياطا لما أمر به، وخروجا من عهدة الصلاة الواجبة بيقين لتوقف صحتها على ما سماه الشرع فاتحة الكتاب (٢). هذا كله كلام أبي شامة. قوله: (ما بين الدفتين كلام الله تعالى) في الصحاح: الدفّ الجنب (٤)، وكذا في " الغريبين " قال: ومنه دفتا المصحف، لمشابهتهما الجنبين (٥). قوله: (لنا أحاديث كثيرة): منها ما روى أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: " فاتحة الكتاب سبع آيات، أولاهن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ") أخرجه الطبراني في الأوسط، وابن مرويه في تفسيره، والبيهقي في سننه بلفظ: " الحمد لله رب العالمين سبع آيات، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إحداهن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب " وأخرجه الدارقطني -وصححه- والبيهقي بلفظ: " إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إحدى آياتها (٥) قوله: (وقول أم سلمة ﵂ قرأ رسول الله ﷺ الفاتحة، وعدّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين آية)

стр. 64

قلت: الحديث ليس بهذا اللفظ، وإنما الوارد في كل طرقه أنه عدّ البسملة آية. فأخرجه أبو عبيد في " فضائل القرآن " وأحمد، وأبو داود بلفظ: " كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته آية آية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين " وأخرجه ابن الأنباري في كتاب " الوقف والابتداء " والبيهقي في " الخلافيات " - وصححه بلفظ: " كان إذا قرأ قطّع قراءته آية آية، يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ويقف، ثم يقول: الحمد لله رب العالمين، ويقف، ثم يقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ويقف ثم يقول: مالك يوم الدين " وأخرجه ابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي في سننه بلفظ: " أن رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فعدّها آية، الحمد لله رب العالمين آيتين، الرحمن الرحيم، ثلاث آيات، مالك يوم الدين، أربع آيات وقال هكذا، إيَّاك نعبد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وجمع خمس أصابعه " وأخرجه الدارقطني بلفظ: " كان يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، إلى آخرها، فقطّعها آية آية، وعدّها عَدَّ الأعراب، وعدّ بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية، ولم يعدّ عليهم (١) "

стр. 65

قال أبو شامة: ومما يجب أن ينبه عليه أن إمام الحرمين قال في " النهاية ": إن هذا الحديث رواه البخاري (١)، وتبعه في ذلك صاحبه أبو حامد الغزالي في البسيط، والوسيط (٢)، وليس ذلك في " صحيح البخاري "، ولا في " تاريخه "، ولا في كتاب " القراءة خلف الإمام " له. وقد اغترّ بذلك جماعة من المتفقهة الذين لا عناية لهم بعلم الحديث. قال: وأظنّ الإمام بلغه أن ذلك في كتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة الصحيح، فلما صنّف " النهاية " سبق لفظه إلى تسمية البخاري، من جهة اتفاق اسمي الإمامين بمحمد، واسمي الكتابين بالصحيح، وذلك وهم (٣). انتهى. وقد نبّه على ذلك أيضاً النووي (٤)، وطائفة آخرهم الحافظ أبو الفضل ابن حجر في تخريج أحاديث الشرح الكبير (٥).

стр. 66

قال ابن خزيمة في تقرير الاستدلال بهذا الحديث: لما قرأها رسول الله ﷺ في الصلاة عدها آية، ولا قول لأحد مع النبي ﷺ خلاف قوله، إذ الله تعالى لم يجعل لبشر مع قوله ﷺ قولا يخالف قوله، وجعله متبوعا لا تابعا، وفرض على العباد طاعتهن وأمرهم باتباعه. فيقال لمخالفينا: قد عدّها النبي ﷺ آية على ما روينا عن زوجته أم سلمة ﵂، هلمّوا دليلا إمّا بنقل خبر عن النبي ﷺ يخالف خبرنا، أو غير خبر يؤيد مذهبكم في إنكاركم آية (١) من القرآن، وعدم وجود حجة تؤيّد مقالتكم بطلان دعواكم، وفي بطلان دعواكم صحة مذهبنا (٢). وقال أبو شامة: قد قدح بعض المخالفين فقال: هذا من قول أم سلمة ورأيها، ولا ننكر (٣) الاختلاف في ذلك. والجواب: أنه من قولها قطعا، ولكنها مخبرة عما رأت من فعل النبي ﷺ ما فإنه لما عدّها بأصابعه على نحو ما عدت من باقي آيات الفاتحة جزمت بما قالت، وهو كما قالت. وقال الطحاوي: إنما نعتت أم سلمة ﵂ بذلك قراءة رسول الله ﷺ -كسائر القرآن- كيف كانت، وليس في ذلك دليل أنه ﷺ كان يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فانتفى أن يكون في حديث أم سلمة ﵂ حجة لأحد (٤). قال أبو شامة: الظاهر أنها حكت تلاوته للبسملة، وإلا لمثلت بغير ذلك؛ لأن الفاتحة هي التي كان يكررّها (٥)، فعقلت هيئتها وكيفيتها عندها، فكانت لها أشد حفظا من كيفية قراءته لغيرها (٦). وقال الغزالي: حديث أم سلمة حجة ظاهرة على أن البسملة آية من الحمد.

стр. 67

فإن فعل: روايتها ليست رواية لفظ عن رسول الله ﷺ ، بل هي ظن منها، إذ قالت: عدَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية منها، فلعلّها غلطت في ظنها. فالجواب إذا جزم الراوي الثقة العاقل في أمر محسوس لا يجوز حمله على الغلط، وإلا لجاز في أصل الرواية، وهو محال (١). قوله: (ومن أجلهما اختلف في أنها آية برأسها، أو بما بعدها) أي ومن أجل الحديثين، فإن الأول يقتضي عدها آية مستقلة، والثاني يقتضي أنها مع ما بعدها آية. وهذا منه بناء على اللفظ الذي أورده، وقد عرفت أن الأمر بخلافه. قوله: (والإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، والوفاق على إثباتها في المصاحف، مع المبالغة في تجريد القرآن حتى لم يكتب " آمين ") ذكر البيهقي والغزالي وغيرهما أن هذا أقوى ما يستدلّ به في المسألة. قال البيهقي في " الخلافيات ": الأصل عندنا إجماع الصحابة، فإنهم أجمعوا على أن مصحف عثمان ﵁، وسائر المصاحف كتاب الله ووحيه وتنزيله، من غير تقييد فيه ولا استثناء، وكذلك الناقلون عنهم بعدهم لم يختلفوا فيما اتفقوا عليه، ووجدناه مكتوبا في تلك المصاحف كسائر القرآن (٢). وقال في " المعرفة ": أحسن ما يحتج به في أن البسملة من القرآن، وأنها في فواتح السور منها سوى براءة = ما روينا من جمع الصحابة كتاب الله في مصاحف، وأنهم كتبوا فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ على رأس كل سورة، سوى سورة براءة، من غير استثناء ولا تقييد ولا إدخال شيء آخر فيها، وهم يقصدون بذلك نفي الخلاف عن القراءة، فكيف يُتوهم عليهم أنهم كتبوا فيها مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن (٣). وقال الغزالي: أظهر الأدلّة كونه مكتوبا بخط القرآن مع أوائل السور سوى سورة براءة.

стр. 68

ووجه الدلالة: أنه لا يخلو إما أن يكون ذلك بأمر رسول الله ﷺ ، أو بدعة من عثمان ﵁، أو غيره، لغرض التبرك في البداءة، كذكر اسم السورة، وعدد الآيات، ولما ابتدعت كتبتها في زمن التابعين اشتد الإنكار من جميعهم عليها، حتى أنكروا النقط، والأعشار، وقالوا: هذه بدعة وزيادة، وإنما تركها من تركها اعتمادا على أنها تكتب بالحمرة، لا بخط القرآن، فإنها لا تلتبس بالقرآن، ولا ضرر فيها، بل فيها منفعة ليكون ذلك أَعْوَن على الحفظ، وإنما اعتذروا بذلك ولم يعتذر أحد بأنّا أبدعنا ذلك بالاجتهاد، كما أبدع عثمان ﵁ كتبة البسملة، مع أنه (١) لا بيان فيها، ولا حاجة إليها. ثم إن كان تجاسر مبدع (٢) على إبداعها (٣) فكيف سكت (٤) كافة المسلمين عنه، من غير إنكار وتبديع، وذلك مما يعلم استحالته قطعا، إذ النفوس لا تسمح بالسكوت في مثله. ولو كتب الآن كاتب في القرآن، أو في أوّل السور: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم احتجاجا بقول الله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) [سورة النحل ٩٩] فهل يتصور أن يسكت الناس عنه، أو يوافقوه عليه. هذا، والزمان زمان إهمال وتساهل في مهمات الدين، والوقت وقت فتور وضعف، فكيف يظن ذلك بالصحابة مع تصلبهم في الدين وشدتهم؟ وكيف سكتوا عن إبداع زيادة بخط القرآن شديدة الضرر، لكونها موهمة أنها من القرآن، خالية عن المنفعة، وإفادة نوع من البيان، وأسامي السور لا ضرر في إثباتها؛ إذ لا توهم كونها من القرآن، وفيها فائدة التمييز والتعريف، فينكر التابعون ذلك، مع كونهم دون الصحابة في الصلابة في الدين، ثم تسكت الصحابة عن إنكار ما فيه ضرر الاشتباه، وليس فيه فائدة البيان. هذا من المحال الذي لا ينشرح الوهم لقبوله أصلا. ثم كيف يظن بمسلم أن يستجيز ذلك من غير فائدة، وسبب باعث؟. فإن قيل: لعل الباعث قوله ﷺ : " كل أمر ذي بال لم يبدأ

стр. 69

فيه ببسم الله فهو أبتر " (١) وإرادةُ الفصل بين السور. قلنا: فهلا كتب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في أول القرآن لقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وهذا للقرآن خاصة، وذلك أمر عام لا يختص بالقرآن؟. فإن قلت: إنما أمر بالاستعاذة عند القراءة، لا عند الكتبة. فنقول: وإنما أمر في بداءة الأمور بذكر اسم الله تعالى، لا بكتبه. ثم من أين تقاوم هذه الفائدة ضرر الاشتباه، وجراءة الزيادة في كتاب الله تعالى، وإثبات ما ليس منه فيه. وأما غرض الفصل فظاهر البطلان؛ إذ كان يمكن بإهمال خط كما في سورة براءة، أو بأن يكتب بالحمرة " سورة أخرى " وعدد آياتها كذلك حتى لا يلتبس، وكيف يعدل عنه إلى ما يلتبس بالقرآن (٢)؟ فهذه الاحتمالات كلها فاسدة، ثم هو باطل بسورة براءة، وإثباتُها في جميع السور دون براءة على الخصوص كالقاطع بأن مأخذه التوقيف فقط. وعلى الجملة فيعلم أن كتبة ما ليس بقرآن ويشتبه بالقرآن وبخطه من الكبائر، فلا يتصور أن يتجاسر عليه مسلم، وإن تجاسر عليه فلا يتصور أن يسكت عنه المسلمون فضلا عن أن يوافقوه بأجمعهم حتى لا يخالف مخالف. فإن قلت: سلمنا أنه ليس مبدعا، بل هو مكتوب بالتوقيف، ولذلك لم يكتب في سورة براءة؛ لأنه لم يرد به التوقيف، ولكن هذا يدل على جواز كتبه، لا على كونه قرآنا، وليس يستحيل أن يأمر الرسول ﷺ بكتبة ما ليس بقرآن. وهذا السؤال ذكره القاضي (٣). فالجواب: أن هذا إبعاد في التأويل تستبعده النفوس وتشمئز عن قبوله الطباع. وعلى الجملة فلا نقول: الإذن في كتبة ما ليس بقرآن مع القرآن محال في نفسه، ولكنا نقول: هو محال إلا أن يكون مقرونا بذكر أنه ليس بقرآن ذكرا صريحا متواترا حتى ينتفي به الوهم السابق إلى الأذهان.

стр. 70

سلمنا أنه ليس بمحال، ولكنه لا يخفى أنه بعيد، وأن الأغلب على الظن أنه لا يكتب مع القرآن ما ليس بقرآن. فإذن حصل من هذا أن الكتبة ليست إلا بأمر الرسول ﷺ ، وأمره بها من غير نص متواتر ينفي كونها قرآنا قاطع، أو كالقاطع بأنها من القرآن. انتهى كلام الغزالي (١). وقال سليم الرازي: الدليل على أن البسملة من القرآن هو أن الصحابة ﵃ أثبتوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في المصحف بخط سائر القرآن، مع قصدهم صيانة القرآن عن الاختلاط بغيره، وتوقيهم أن يثبتوا في المصحف ما ليس منه، فلولا أنه قرآن منزل ما فعلوا ذلك. ثم ساق الأحاديث في جمع الصحابة القرآن في المصحف، والأحاديث في قراءة السور والآيات، كحديث " تعلموا البقرة وآل عمران (٢) " و " اقرأ عليّ سورة النساء (٣) " و " من قرأ الآيتين من آخر البقرة (٤) " و " من حفظ عشر آيات من سورة الكهف (٥) " إلى غير ذلك. وقال: هذه الأخبار كلها دالة على أن النبي ﷺ خرج من الدنيا وسور القرآن معلومة، وآيات كل سورة مفهومة.

стр. 71

وثبت بما ذكر أن جميع ما في المصحف قرآن منزل، ويؤكد (١) ذلك قول ابن عباس ﵄ لما سئل هل ترك رسول الله ﷺ شيئا؟ قال: لا، إلا ما في هذا المصحف، وقال محمد بن عليّ ابن الحنفية (٢) لما سئل عن ذلك أيضاً: لا، إلا ما في هذين اللوحين (٣). فهذا نفي وإثبات، فيقتضي أن جميع ما في المصحف يجري مجرى واحدا، وأن جميعه قرآن منزل، وأن ما ليس في المصحف مخالف له. وقد روى أبو طاهر ابن أبي هاشم في كتاب " الفصل (٤) " بإسناده عن القاسم (٥)، عن عائشة أنها قالت: " اقرؤوا ما في المصحف (٦) " وظاهر ذلك تسويتها بين جميع ما في المصحف، والحكم بأنه كله قرآن منزل. هذا مع أن الرجوع إلى المصحف والائتمام به إجماع، فإن المسلمين من لدن الصحابة إلى زماننا هذا يرجعون فيما ينوبهم مما يتعلّق بالقرآن إليه، ويستدلون به، فيقال للذي يخالف في إثبات الكلمة: هي مكتوبة في المصحف. ويؤيد ذلك أيضاً أنهم لما اختلفوا في كتابة " التابوت " قالت الأنصار: بالهاء، وقال سعيد بن العاصي (٧): بالتاء لم يكتبوه حتى قيل لهم: إنه أنزل بلغة قريش،

стр. 72

وهو في لغتهم بالتاء، فكتبوه بها (١)، فكيف يظن بهم مع هذا التثبت أن يكتبوا فيه ما ليس بقرآن؟. ومما يبين أن كتابتهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في المصحف إنما هو بالتوقيف من الرسبول ﷺ أنهم كتبوها في أوائل سور، وتركوها في أول براءة، فلو كانوا إنما فعلوا ذلك لأجل التبرك والافتتاح بها لوجب لهذه العلة افتتاح براءة بها. ويبين ذلك أن قوما كرهوا نقط المصاحف، والتعشير فيها، وكتابة عدد آيات السور (٢). روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ (٣)، وعن إبراهيم النخعي (٤)، ومكحول (٥)، ومجا هد، وعطاء (٦).

стр. 73

هذا مع ظهور الحال في ذكر أسماء السور، وعدد أعشارها، وأنه لا شبهة على أحد أن ذلك ليس بقرآن، فلو كانت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست من القرآن لكان إثباتها بالإنكار أولى؛ لإشكال الأمر فيها، ولظهر اختلافهم في ذلك وإنكاره والخوض فيه، فلما لم يكن كذلك صح وثبت أن جميع ما في المصحف الذي كتبه (١) الصحابة ﵃ قرآن منزل من عند الله تعالى. ويوضح ذلك أيضاً ويكشفه أن الذين استجازوا من التابعين ومن بعدهم أن يكتبوا في المصحف أسماء السور، وعدد آي كل سورة، والتعشير، والنقط، خالفوا في الخط بين هذه الأشياء وبين ما وجدوه في المصحف، فكتبوا هذه الأشياء بالحمرة، أو الصفرة ونحوهما، وخط المصحف بالسواد، واعتذروا عن ذلك بأن الأمر لا يشكل فيه، ولم يحتجوا بكتب السلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في فواتح السور، مع أنها ليست من القرآن، وإشكال الأمر فيها، فثبت أنهم اعتقدوا أنها قرآن منزل، لأنهم لو كانوا يعتقدون خلاف ذلك لسارعوا إلى الاحتجاج بما قلنا، ولم يجز على جميعهم إغفال هذا الأمر الظاهر الناقض لقول من خالفهم وبدّعهم. ومما يوضح ما قلنا أيضاً أنه لو ذهب ذاهب في يومنا هذا إلى أن المعوذتين ليستا من القرآن، واحتج بما رُوي عن ابن مسعود، أو ذهب إلى أن سورتي القنوت من القرآن، واحتج بما روي عن أبيّ بن كعب (٢) لم يحتجّ عليه في إثبات المعوذتين قرآنا، وإسقاط سورتي القنوت من القرآن بابلغ من الرجوع إلى المصحف، فكذلك في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ومما يبينه أيضاً أن مخالفينا في كون البسملة آية من الفاتحة قد أجمعوا معنا على أن قوله (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) [سورة التوبة ١٢٨] إلى آخر

стр. 74

السورة، وقوله (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [سورة الأحزاب ٢٣] من القرآن؛ لاتفاق المصاحف على ذلك، مع ما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري (١)، لم أجدهما مع غيره. وفي رواية أخرى فقدت آية من الأحزاب: قد كنت سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) فألحقتها في سورتها في المصحف (٢)، فكذلك يلزمهم أن يحكموا بأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من الفاتحة؛ لاتفاق المصاحف على كتابتها فيه، مع ما يذكرونه من أنه لم يرد فيها ماورد في سائر آيات الفاتحة. فإن قال قائل: إنا لا نعلم من دين الأمة المتفقة على كتب المصحف أنها وقفت على أن جميع ما فيه من فواتح السور قرآن منزل من عند الله، وإن علمنا أنهم قد أثبتوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فاتحة للسور (٣). فالجواب أن يقال: بالذي علمت أنت من دينهم أنهم قد وقفوا على أن المعوذتين، والآيتين من آخر سورة التوبة، والآية من الأحزاب قرآن منزل من عند الله = علم خصمك من دينهم أنهم وقفوا على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من أول الفاتحة. ثم يقال: كلما كتب في المصحف في (٤) أيام أبي بكر، وأقرّ هو وسائر الصحابة عليه سنة بعد سنة إلى انقراضهم محكوم بأنه قرآن منزل، وجار مجرى ما ورد به الخبر المتواتر عن الرسول ﷺ للعلم بأنهم لم يدونوا فيه إلا ما وضح عندهم أنه قرآن منزل.

стр. 75

فإن قال: ففي المصحف أسماء السور، وعدد الآي، والأعشار، والأخماس، وليس شيء من ذلك بقرآن فكذلك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فالجواب: أن هذه الأشياء حادثة أحدثتا في المصحف بعد الصدر الأول من الصحابة، وحين أحدثوها كتبوها بغير القلم واللون اللذين كتب بهما سائر المصاحف، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بخلاف ذلك. وجميع ما في " الإمام " كتبه كُتّاب المصحف في أيام أبي بكر ﵁ بقلم واحد، ولون واحد، وأقرّهم سائر الصحابة على ذلك قاصدين به إلى حفظ التنزيل عن أن يضيع شيء منه، أو يختلط غيره به، فلم يجز أن يحكم بأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليس من جملة التنزيل، كما لا يجوز أن يحكم بمثل ذلك في المعوذتين، والآيتين من آخر التوبة، والآية من الأحزاب، فمن ادعى أن سطرا مما تضمنه " الإمام " ليس بقرآن كان كمن ادعى ذلك في المعوذتين، والآيات الثلاث. فإن قال قائل: أنا لا أصحح خلاف ابن مسعود في المعوذتين. قيل: الأمر في ذلك أشهر من أن يتهيأ لك جحده، ولو جاز لك ذلك -مع شهرة الأمر فيه- لجاز لخصمك أن يقول: وأنا لا أصحح اختلاف السلف في كون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآنا منزلا. فإن قال: إنما أثبتت المعوذتان قرآنا مع الاختلاف الذي وجد؛ للإعجاز القائم فيهما، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليس فيه إعجاز، ولا هو متفق عليه. قيل له: فأثبت سورتي القنوت قرآنا؛ لأن كل واحدة منهما قدر يكون فيه الإعجاز، كما أن كل واحدة من المعوذتين كذلك، وأنت لا يمكنك أن تثبت بدعواك هذه أكثر (١) من ذلك. ثم يقال له: فاحكم بأن قوله (هو) في سورة الحديد في قوله (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) ليس من جملة التنزيل، لحصول الاختلاف، وعدم الإعجاز فيه، بل هذا أولى من وجهين: أحدهما: أن كلمة (هو) غير مكتوبة في مصاحف أهل المدينة والشام، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مكتوبة في جميع المصاحف. والآخر: أن كلمة (هو) أبعد من أن يكون فيها إعجاز من بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
следующие страницы →